فتحي قمري – ليس سوى منمنمة

7dd770b4afbb1531395dae2d4f297d64 فتحي قمري - ليس سوى منمنمة
Winston Chmielinski
ليس سوى منمنمة
فتحي قمري / تونس

في حانة الشّعراء
و قطّاع الطّرق
و الصّيادين
و سائر المجروحين
كلّ ما يحدث جميل:
طلاء الجدران الباهت لونه
مزاج راقصات في خريف العمر
وهنّ يتزاحمن على غرف تغيير المشاعر،
رطوبة الهواء المليء دموعا ودما،
صور المجاهدين القدامى وهي تنادي،
الأنوار التي اتّخذت أوضاعا مختلفة،
رقرقة النّسيان أكوابا و دخانا يحلّق حيث شاء
ومناديل الورق المدعوكة بمشاعر اختلفت أصابعها.
في حانة ضجّت بالسّعال و أنهكها اللّيل
كلّ ما يحدث ليس بعيدا عن حكاية أغضبت أبطالها عندما جفّ الحبر
ما يحدث ليس سوى منمنمة .

بعد قليل
بعد ساعة، ساعتين
و ربّما أكثر
سيحمل السّكارى أرجلهم و يركبون اللّيل
سيحتفلون بالمطر الخفيف الذي يملأ جيوبهم بنكهة السّماء و أسرارها.
و يراقصون كلّ أعمدة النّور في الشّارع
كما لو كانت فساتين لعرائس الماوراء.
سيلاطفون كلاب الشّارع العائدة توّا بعاهات ونباح مزّقه الجوع.
و لأنّ السّماء وطيئة جدّا هذه اللّيلة
لن يركلوا بريد القمامة بنذالة الجياع
لن يصدّوا الهواء البارد و هو يسري في معاطفهم
سيحتفلون كعادتهم عند نهاية الشّارع بعبارات الوداع الماجنة،
و بقهقهات أشدّ قتامة من ناصية الفجر
ثمّ تفترق نعالهم السكرى مثل أغصان.

بعد قليل
بعد ساعة، ساعتين
و ربّما أكثر
المشهد ذاته سيعيد نسخته
ستعبق الحانة برائحة السّمك
و أنفاس الشّعراء
و عويل أقدام أضاعت ظلالها فجأة.
سيكون للمقاعد هيأة قطّاع الطرق
و غريزة ذئاب جريحة.
ستستعيد الأكواب رفوفها
و تحتمي ببهرجة الظّلام.
ستكون الأنوارُ هباءً يُنثر في غياب العصافير،
و القواريرُ أجداثَ نخلٍ أهانها اللّيل
و لم يغادر ضلوعها.
ستزدحم العربة الرّابضة منذ أوّل اللّيل براقصات مجروحات،
و كأيّ شجرة مثقلة بالرّيح ستمضي نحو آخر اللّيل.
فقط
هي صور المجاهدين
ستظلّ تنادي و تتجرّع البرد،
في حين تزدحم غرف الملابس بمناديل الورق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى