التصنيفات
منشورات إبداعية

قصائدُ غيرية – سلطان محمد

آخَرُ الترجمَة

                أنا كُثُرِي • والآخرونَ آحادي/ الشظايا • مسَاعيهُمو شتّى • ومَسعايَ نُثَارُ أرياشٍ يحلُمنَ، كلٌّ على حِدَةٍ، بالطيرَانِ، أبدًا • لي عَمَلِي الدؤوبُ • ما كُلِّفتُ من أحَدٍ • لو قلتُ كُلِّفتُ من قِبَلي؛ كذبتُ إذن ! • ترجَمتي • بنَقلِ النَّصِّ الذي هوَ ذاته دَمي حرفيًّا • بالحفاظِ على جِناسِ الأعصابِ في أوامرِها •  بالأصواتِ ذَواتها • أ جَداجِدَ روحٍ كانت أ مُواءً أم عُواءً • الغناءُ يندرُ لكثرَةِ الغربانِ فيَّ • بروحِ النصِّ • بحَذافيرِ الروحِ • بشوائبها من العدمِ الأوليِّ • بخُدوشِها آونَةَ النزول • وما الروحُ هذهِ المُترجَمةُ • من أنتِ يا دُرَّةَ الغَوَّاصِ في بَحرينِ مَا مُرِجَا ؟ • ما هي غيرُ خِضَمِّ الترجمَةِ • أ فَرَاشَاتٍ كُنَّ أو أطيارَ لغةٍ ميتاتٍ وباقٍ طيرانُهنَّ في المعنى أم حشرَاتٍ قياميّةً • ما هيَ غيرُ يديْ المترجم اللغويتينِ في اشتباكهما من جانبينِ • المترجِمُ وحدَهُ المُحاولُ، أبدًا، مصالحةَ هابيلَ بقابيلَ • والنصُّ الأخيرُ ليسَ، بالقطعِ، آدمَ • ولا حواءَ • لأنَّهُ، ببساطَةٍ، ذو سُرَّةٍ ! • وأنا قاطِعُ سُرَرِي ونفسي في ترجماتي • ومعضلتي لا هي النبشُ عن مترادفاتِ المعاني • لا التقديمُ لتأخيرِ طعنةِ القوافي • لا التفاوُضُ والوزنَ في وجودِ الإيقاعِ • معضلتي الأسمَاءُ • معضلتي مجْدُ آدمَ في البدءِ • وإذن : ماذا أسمي النتنَ الخارجَ من عيني إذا أبصرتُ طاغيةً ؟ • بأيٍّ سأدعو الخُلدَ الذي ينامُ وسْطَ إرادتي إن فكَّرتُ في غَدٍ ؟ • كيفَ أنادي الحِدْأةَ التي طارتْ مرةً من صوتي معَ الآهَةِ ؟ • مَن مِنَ الكلماتِ التي كتبتُ تستطيعُ تسميتي ؟ • لَفَذٌّ هوَ الذي سمَّى اللهَ باللهِ • التسعون البواقي وأكثرُ تنويعٌ من لسانِ العجزِ • لستُ في هذا، إذن • في المتاهَةِ مقلوبةً • في حَيرَة الغراب بعد الحمامة • في اضطرابِ إيكاروسَ ساعةَ الذوبان • في كلِّ هذا • لستُ، إذن، بمُتَرجمي :

                                       أنا نَصَّيَ المطموس !

الهُنَاكَ المَحضُ

       غُرفَةُ الصَّهْدِ • فضةٌ . فضةٌ هي الجُدُرُ • فضةٌ تَبلَّرَ في أرجائها الصوتُ • مرآةٌ لمرآةٍ • عَينٌ مُسطحَةٌ • تنظرُ ثَـمَّ • عَينٌ محدَّبَةٌ • تنظرُ ثَـمَّ • عينٌ مُقعَّرَةٌ • تنظرُ ثَـمَّ • وجهٌ • وجهٌ، شائِهٌ، حُلوٌ، غائرٌ، مَلويٌّ بهَمٍّ، مطويٌّ بهُمْ، سارِحٌ في هُوَ، سانِحٌ لهِيَ، صامخٌ في جَناحِ الحصانِ • وجهٌ • عينانِ • عينانِ، تتقلبانِ، تريا هُوَّةً/ ليسَ دانتي • المعرِّي • فجوَةً تتسربُ الأعضَاءُ • جُرفًا ينداحُ شَحْمٌ • قناةً تَنِقُّ ضفادِعٌ دمويةٌ • تتقلبانِ، تريا قارَ الرُّخِّ إذ يعبرُ الغيمَ • طشيشَ الحُلمِ أعلى • فأعلى الفناءَ • في الجوانبِ الأرياشَ إما من ملائكةٍ أو نتائفَ شِعْرٍ • تُحْوِلانِ، تريا الآخرينَ/ إيهِ •

              أيها الآخرونَ، يا مرايانا الصَّدِئةْ !/ 

                                              طحالِبَ ذهبيةً • نَزَّ جرحٌ بصديدٍ، أحمرَ عابرًا، أخضرَ خاطِفًا • تُحْوِلانِ نحوَ أخرى • تريا أزرقَ • ترمشانِ، تريا لاشيءَ! • تُغمضِانِ، تريا نمورَ الرؤى في شَدِّ أوتارِ المطاردَةِ فَرطًا : الغزَالةُ أينَ ؟ الظباءُ؟ • وجهٌ • عينانِ • فَمٌ • فَمٌ، راجفٌ، واجفٌ، خائفٌ، راعِفٌ بينَ القوافي • عسَلٌ بَشريٌّ – لهنَّ حَسْبُ – لآلئُ موطوءَةٌ بالقولِ • صمتٌ : إيجازٌ شنيعٌ • وجهٌ • عينانِ • فَمٌ • غرفَةُ الصَّهْدِ • شُبَّاكٌ من زفيرٍ • زُفَّ القلبُ إلى عروستِه الكآبَةِ • فضةٌ • فضةٌ مورقَةٌ بالكواعِبِ • لا نواهدَ غيرَ قلةٍ – أسَفٌ يتورَّمُ – • غرفةُ هناكَ حيثُ الأنَا آخَرُ ميَّالٌ، تحتِ، جهةَ المَعيِّ وأدنى : هناكَ حيثُ دهاليزُ المعنى • هناكَ حيثُ خُطى الحقيقَةِ جُرَرٌ ساطعاتٌ …

                                                                    وَلَكِنْ، بكلِّ النقصِ هذا

                                                                    بفدَاحَةِ أحرُفِ العطفِ فيَّ

                                                                                    أنى لي أقولُ !!

بهلَوانُ العَبَث

                يَودُّ الرحيلَ ولا يَرحلُ/

    يرى في الآخرينَ من نفسهِ شيئًا • عرَضًا تافِهًا • مِزَقةً من خِرقَةٍ • يرى صدًأ • من بَعيدٍ يراهُ كذبةَ لمعَانٍ • مالي وللغرابِ أنا ؟/ يقولُ لهذي المرايا الخالِطَة • مالي والتصاويبَ الغالِطَةْ ؟ • وإذ، خطًأ، إلى نفسهِ ينظرُ • يرى آثارَ مخالبٍ • لُذوعَ نيرانٍ صغيراتٍ • يرى ما من شأنهِ أن يكونَ في حنجرَةِ الذئب من فرط العُواءِ • يرى ما الناسِكُ من بُحَّةِ الدعاءِ أحقُّ بهِ • يرى نَهَرَ التغيُّرِ • سَمَكَ اللاثباتِ • أ هذهِ أثارُ الآخرينَ إذ بجانبي عبروا ؟ • يسألُ لاأحدَ الشخصيَّ الذي مَعَهُ ! 

               إنما في عينهِ خَلَلُ/

      يقولُ : هذي بلادٌ وتلكَ بلادٌ • ترابٌ واحدٌ لأوجُهٍ شتى • جمهَرَةٌ من الألوانِ غفيرةٌ كلُّ شيءٍ • كثرَةٌ • مآلُها واحدُ؛ الأبيضُ أو ظلهُ الأسودُ • لكنني الموقوعُ بي في بينِهِمَا • شاسِعٌ هو بونُهمُا كانفتاحَةِ عين أُنثَى إذا ارتذَّتْ • في الرماديِّ موقوعٌ • أم واقعٌ ؟ • لكلِّ إرادَةٍ أخرى • والأخرى إلى أينَ ؟ • وأينُ مَن هذا ؟ • هكذا تتوالَدُ الأزهارُ – في البينِ الذي أوقِعتُ فيهِ – أنيابَ أسئلةٍ • أرضٌ خصبَةٌ إن سألتَ • بوارٌ للإجابَةِ • يبابٌ كلسَانِ ابنِ منظورَ بعدَ اندثارِنا/ العربِ/ بينَ يديْ أُميٍّ مِنْ – مَثَلًا – أهالي الصينِ !

                 خُرِّقَتْ، دونَ قصدهِ، القُلَلُ/

         مَن يقولُ : مَاءٌ • ستسمَعُهُ الصحراءُ • وتعطيهِ السرابَ • مَن يُسْلِمُ للسرابِ خِصَاهُ لن يقومَ قائمُهُ • مَن يلتفُّ قائمُهُ حوالى نفسهِ غيرُ مَاشٍ • واللابِثُ هذا في مَقامِ النَّفي حَجَرًا يصيرُ • إليهِ • إلى الحَجَرِ سيأتي شاعرٌ • سيلحَسُ صلعتَهُ بلسانهِ اللغويِّ • ليبعثَ نارَهُ • ليوقدَ ماءَهُ الجوفيَّ • مغلوبٌ، ككلِّ شاعرٍ، وموهومٌ • سيموتُ في مَقامِ المحاولَةِ • سيأتي جارِحٌ جائعٌ على جُثمانهِ • سينقرُ العينينِ، حَسْبُ • ففيهما من الشبعِ الكثيرُ • أليستَا من شَاعرٍ ؟ • سيُفغَرُ، جهةَ السماءِ، المِحْجَرَانِ • ستحنو • سترسلُ غيمَةً • ستمطرُ • فأينَ كانت آنَ كانَ هنا مَن يقولُ : مَاءُ ؟

                كثيرَةٌ عطاياكَ، ربِّ، والحِيَلُ/

بعَينينِ خابيتينِ، بعَرَقٍ ناضحٍ، بزيتِ حُمَّىً في الوريدِ مُحمَّىً يقولُ

          آتٍ يا شِتَاءُ بكُلِّ سلاحِكَ الثَلجيِّ • آتٍ لتَقتُلَني ثُمَّ تُحييني لتَقتُلَني • كلما جئتَ قلتُ : بروڤةٌ للجحيمِ دنيويةٌ بإخرَاجِ الزمهريرِ • تَكرَارٌ وما اعتدتُكَ، بَعدُ، وما صبرتُ عليكَ، مرةً • غريزَتي في البقاء تنامُ حينَ تجيءُ • آتٍ أنتَ • آتٍ بَعدُ • آنُكَ ليسَ في أيلولَ • فمَن هذه التي أرسلتَ لي ؟ • لمَ ارسلتَها قبلَ الأوَانِ • خَلِّ العِلاقةَ بيننا صحيَّةً : مرَضي إذ تجيءُ يكونُ وصحَّتي في غيابِكَ • من هذي الرسولَةُ ؟ • أ أنتِ سيدَةُ النَّارِ أم أختُ الحياءِ • سلامًا ! يا أحمَد الثاني • كلما نامَ الخلقُ وتسلَّقَ سُرَّاقُ سَماءِ الدنيا، على أكتافِ بعضٍ، نَفضتني كمُلاءَةٍ ! • كلما أصابَ شهَابٌ فردَتني على عَرَقِي • كلما آهَ دَمي من طبيخِ الحُمَّى مسَّتْ جبهتي بشَرَارِةِ الثلجِ نُدفَةً • لا أقولُ، يا شِتَاءُ : خُذ عنيَ قُنيتَكَ، الآنَ، لكن أنمِهَا قليلًا كي أنام • جسدي خِرقَةٌ مِبتَلَّةٌ كما لُغَتي جَسَدٌ بالآخرينَ مُبتَلٌّ : سأدخلُ، عَاريًا، في خِضمِّكَ يا شتاءُ، أوائلَ أيلولٍ، فإما انتصرتُ عليكَ وإما، سويًّا، نموتُ آنَ فيكَ أموتُ !

لَيمونَةُ المَنام

           في غَابةٍ سوداءَ، لوحدهِ • حَلُمَ بأنهُ في غابةٍ سوداءَ، لوحدهِ • أم رأى أنه في غابةٍ سوداءَ، لوحدهِ • أم كانَ في غابةٍ سوداءَ، لوحدهِ • أم أنه، بالفعلِ، في غابةٍ سوادءَ، لوحدهِ • ؟ • غابةٌ جرداءُ بلا شَجَرٍ • حَجَرٌ وراءَهُ حَجَرٌ وراءَهُ حَجَرٌ • يحملقونَ ببعضٍ ببُغضٍ • صخورٌ ضخام سوداواتٌ • عَوالٍ عن الأرضِ قليلًا؛ بمِقدَارِ ريشَةٍ • إن لَمِسَ واحدةً منهن نَدَّتْ صرخةٌ عنها • حَلُمَ أنهُ رأى واحدَةً تُكلِّمهُ : اُلْقُمنِيَ ينثالُ الغناءُ من عينيكَ • فرأى أنه يحلُمُ بالتقَامِ وَاحِدَةٍ أخرى ونامَ • ليرَى أنه يطاردُ صخرةً، كمشبوقَةٍ إلى يوسُفَ، أنه كلما اقتربَ تناءَتْ فقُدَّ فؤادُهُ من قِبَلِ الغرامِ : أينَ الغناءُ ؟ •

            عَثُرَ، في السعيِ، من حَجَرٍ •

             جثى من خيبَةٍ ومن تَعَبٍ •

                      وَنَى فنامَ • 

      وفيهِ ذَهَبَ إلى هناكَ في البُعدِ، وراءَ التخومِ • ورأى شبِيهًا بهِ يرفَعُ آخِرَ حَجَرٍ في اللغةِ :

                     هل وَجَدَ وردةً ؟!

أعطِهِ لو ..

       يأتي، الليلَ، كجَابٍ يطرقُ البابَ – أنا الذي أودُّ – : هاتِ من الإرادَةِ حصتي ! • فأبكي له ويَجلدُني • بسياطٍ بدَمِ الحُلمِ منقوعَةٍ/ دَمٍ مالَحٍ وتحتَ الشمسِ، سنينَ، مَسكوبٍ • هاتِ، يابنَ الكلبِ، من الإرادَةِ، حصتي ! 

أ تحسَبُ عبثًا تجيءُ إلى هُنا وتمضي بلا دَفعٍ ؟ • أزُمُّ نفسي إلى نفسي في لحافي وأصيحُ : مَن أنتَ ؟ • أنتَ ! • ويُشهرُ لي وجهيَ الطفلَ وأيري المُراهِقَ أولَ ما خَشُنَ الصوتُ : أنتَ ! • أمضي، هاربًا، إلى رُكني الأثيرِ/ إلى لُغتي • فيهدِمُهَا على رأسي بنَفختِهِ : ليست، حتى هذهِ، مَجانيّةً – ويسوطُ – هاتِ، هيا، حِصتي! • فأنفرُ فيهِ : لو أنتَ أنا – وأمسكُ بالسوطِ من يدهِ، أشُدُّ  – فلا تأمرُنَّ أباكَ، لا تَسرِقَنْهُ؛ تأديبًا تريدُ، تعالَ أنتَ، الآنَ، إليَّ هاتِ من ظهرِكَ حِصتي – وأسوطُ أعنفَ سوطتينِ.. فأصرُخُ – حتى تَهدَّمُ جُدُري – إذ بي سطتُ ظهري، إذ لا هنا إلا أنا، إذ غارَتْ منهُ ( السوطُ ) ذؤابَةٌ في الروحِ حَكَّتْ عينَ إرادَتي فصَحَتْ : ونمتُ، مُغمىً عليَّ بالرُّعبِ نمتُ !

عَينٌ تبتلعُ ما تَر

         هذا القلبُ • قلبُ ظلي • يُرَبِّي الشوكةَ حتى تكبُرَ خِنجرًا • وحتى تموتَ دمعةً ! • هذا القلبُ • قلبُ ظلي • وهل ظلي أنا آخَرُ ؟ • هل قلبهُ نَبضي ؟ • سأنكثُ عهدي وأقولُ : يا نَفسُ، هيا نصطلح ! • وأصرعُهَا بقُبلتينِ على فَراشِ الحُلمِ • متى يتعلمِ الخنجرُ لُطفَ الريشِ ؟ • ومن سيخبرُ الشوكةَ بأنَّ الوردَةَ أمَّهَا ؟ • قلتُ : هذا القلبُ قلبُ ظلي • وظلي ؟ • هوَ عَبدي في النهارِ وسيدي في الليلِ • لستُ في الظلمةِ أُنكرُ فُحشَهُ • لكنني لا أردُّ لهُ الصاعَ، في النهارِ، صاعينِ • لماذا ؟ • لأنَّ النهارَ فضيحَةٌ، ببساطةٍ ! • قلتُ للشوكةِ ليلةَ إذ نَهُدَتْ واشتهَتْ – في تَخنجُرِها ! – دَمًا : أفسحي للقلبِ أن يستوعبَ الأمرَ، كالأبِ إذ يعي أنَّ لابنتهِ شهوَةً تجاهَ آخرَ، ثُم افعلي ما شئتِ ليلةً أخرى • لم تُطعني وصبَّتْ دمَ القلبِ دمعةً دمعةً حتى انعمى وانتمَى ليعقوبَ • فمنْ هوَ آتيني بقميصِ يوسُفَ وهو خرافَةٌ ؟ • الآتي ؟! • حينَ قلتُ : يا نَفسُ، هيا نصطلح ! • كنتُ أكذبُ • لم تستمع لي وإذِ اقتربتُ ركلَتْ خصيتيَّ ومضت لمرآتِها تتعرَّى وتحكُّ صورتَها بنهديها ! • ليسَ الأمرُ لُغزًا • حسَنٌ • أخذتُ، في النهارِ، بيدِ ظلي وهمست له في زُقاقِ العواطفِ : هاكَ، خُذ عقلي قُمَاشةً وضعهُ بينَ الشوكةِ والقلبِ • لم يرفُض • فكانَ الشَكُّ عوسَجًا في دَمي • وها في الضياعِ أسألُ : أيُّنَا ظِلُّ صاحبهِ ؟!

كَشْطُ السَّمَاء

         يُدَندنُ وحدَهُ : وكانَ المساءُ مَعدِنًا من الكآبَةِ • استفِق يا أنتَ • انظُر لي • وانظُر فَعَالي / وجعلتُ لهُ نورًا يمشي بهِ/ ووضعتهُ في الخُطوتينِ/ وعرَّفتُ بهِ الجِبالَ/ وأمررتُهُ مِن سَمِّ الخِياطِ/ وأوصيتهُ : إذ تصلُ السحابَ سلِّمْ لي عليهِ !/ وأدركتهُ حينَ أوشَكَهُ السقوطُ بريشتِي/ وعدَّلتُ قَامتَهُ بالأناشيدِ/ وأطعمتهُ كَعبيَّ ليقوى على السيرَانِ أعلى الماءِ/ وقلتُ له : لا ترحمنَّ الساقَ/ إذا انقطعت فأبدلِها بأحلامِ الكسيحِ • 

                        كانَ يُدَندنُ : هذا المساءُ قُرْصُ غَمٍّ صقيلُ • استفِقْ ! • من أنتَ ؟ • لاقِمُ الجَملِ سرابَهُ • أينَ مضى ؟ • في أمثولَةِ المسيحِ عن الغَنيِّ • متى سيعودُ ؟ • إن ذهبتَ إلى الصحراءِ تعجنُ سَيرًا بهَواءٍ لسرابٍ • يدايَ واهنتانِ • تستعفيانِ بالعمَلِ • وجهُكَ ضاحكٌ بَاكٍ معًا • ليسَ وجهي • وجهي ؟ • لستُ مرآةً • نَهَرٌ • حَجَرٌ على نَهَرٍ • متى يمشي ؟ • إذا تعبَ النهرُ • ومتى ؟ • حينَ يمشي الحَجَرُ • صافحني • يدي في البيتِ ليسَ معي • لو معكَ صافحتُكَ بوردَةٍ • الوردَةُ، في الإرادَةِ، عطرُها، حَسْبُ/ والوردَةُ، في الهُويةِ، الأشواكُ؛ فأيٌّ ستُعطيني ؟ • سَوَاءٌ، لا إرادَةٌ دونَ هُويةٍ/ والعكسُ • هذا لساني ! • لم أمصصهُ ! • وكيفَ أتاكَ ؟ • على طريقتهِ • في دورانهِ، بينَ النواطقِ، لانهايتُهُ • شاركني الطعامَ • أيٌّ ؟ • طعامي • أينَ ؟ • هنا • كيفَ ؟ • في كلامي • أكثرَ ؟ • أنتَ، حَسْبُ، تشرَبُ • سآكلُ • اللحمُ جهمٌ، هذا، ومُرٌّ • سأحاولُ • كُلْ من لحمةِ الكتفينِ • عاليَةٌ • سأرفعُكَ • سأسقطُ • سأدوسُكَ • ستسودني • ألا ترى انقلابَةَ الأحوالِ ؟ • تبًّا ! • لا تغضبنَّ • تبًّا ! • دوامُ الحالِ … • لا تضحكنَّ • فمي لازمٌ قلبي • وأنا لازمٌ أنتَ • وأنتَ ملزومُ هوَ • من أنا ؟ • لُعِنتَ • من أنتَ ؟ •

                                                 أنتَ         أو أنا

                                                     أو أنَاتَ !

قاتِلُ الأُغنيات

              هاتِ يا غرابُ لونكَ • وانسكبْ – لكَ قلبي دَواةٌ – انسكبْ حِبرًا • دَمي التخفيفُ • فتعالَ • وطِرْ فيَّ الكلامَ الغميقَ

                                                          الغميقْ :

                         كانَ وحدي • أجلسُ وحدَهُ • وحيدَانِ • أنا وأنا • ننظرُ صوبَ مَاءٍ ما هوَ البحرُ • أقتلُ عصفورَةً • يربِطُها، مَيْتةً، بكَعبي اليمينِ • ثُم نمشي • هُوَ وهُوَ • نخوِّضُ في الماءِ • ولا تقومُ من كعبي • فنقولُ صدىً : ليسَ مجمعَ البَحرينِ، إذن ! • يعاودُ وحدَهُ جلوسي • أعاودُ وحدتي في جُلستهِ • على حَجَرِ الأزلِ واحدٌ • وآخرُ، ثَـمَّ، على حَجَرِ الأبد • والماءُ جارٍ، ما يزالُ، بيننا • وننظرُ

                  لا توافقُ نظرتي عينيهِ • أراني جميعًا أمامي فيهِ • الملامحَ • التقاطيعَ • عُقدَةَ الحاجبينِ • الجبينَ وما يحوي • نفرَةَ الأُذنينِ • الحَرْقَ عندَ الكوعِ • حبةَ الخال فوق الأنفِ • إنما العينينِ، لا • بذاتِ قانونِ الشمس معَ النظراتِ تستعصيانِ • أرى الشفتينِ تَنفرجانِ • ولستُ بسامعٍ ! • أرى الشفتينِ تنطبقانِ • وأسمعهُ :

                              مُرَّ يا سُلطانُ 

                              اُعبرْ، إليَّ، من ضفةِ الأبدِ

                           – خُذ بيدي !

                              ما اسمُكَ يا سلطانُ ؟

                            – ما تناديني بهِ

                              أنا أُناديني … !!

               ويدًا يمدُّ • أمدُّ يدًا • فأسقطُ من كُسٍّ إلى دنيا • منكسِرًا على صلابَةِ ماءٍ • لم أفكر قطُّ بأنَّ لعلهُ مرآةٌ لأعلى • وأصيحُ/ أشدُّ عُياطَ الطفلِ، لدى الولادَةِ، على آخرِ أوتارِ الفجيعَةِ • … لكن ما يحيرني، يا غُرابي، أنهم – كيفَ ؟ – عرفوا اسمَهُ وسموني بهِ •

                              فَهَل يكونُ أنا

                              أم أكونُ هوَ :

                  مَن قَتَلَ الأُغنياتِ – وسْطَ العينِ –

                  أ كلامهُ – فلا مرئيٌّ جميلٌ – أم كلامي ؟

       قُل لي

          وأنتَ تمشي فيَّ، 

                          مُقلِّدًا خُطُواتِ الحَمَامِ …

تَلعينٌ

         أُغَمِّسُني بشَمسِ وَحدتي في الليلِ • حتى أطِقَّ شرَارةً ! • وأمشي إلى ذاتي هُنيهَةَ ما بينَ النارِ والماءِ • في لامكانِ المادّةِ ألبثُ آنَ أنظرُ صوبَ مرآتي • كُحليَّةٌ هيَ/ عتيمُ انعكاسَتِها بصيرَتي ! • لو ناظرٌ غيري إليها لَبِالإنكارِ انعمَى، إذن : لاشيءَ ثَـمَّ – يقولُ ! • أقولُ : صوتُ المفتاحِ في البَابِ أغنيَةٌ رماديةٌ منسيةٌ • وحَكُّ الخِصيتينِ للفَخذِينِ تنبيهٌ بالحَياةِ • أقول كَذَا أنا الماشي • وأواصلُ • لا وُجهَةٌ أو جِهَةٌ تناديني • مَن هُناكَ سوايَ في فكرتي عن هُناكَ؟ • كلُّ هُناكَ مُشتهىً ومرذولٌ كلُّ هنا ! • إنَّ الوحيدَ شتيتُ أماكنهِ • فالمَكانُ الحَقُّ حَقٌّ بآخرَ ما • والمكانُ فردوسًا بآخرَ ما مَلاكٍ • والمَكانُ جحيمًا بآخرَ ما غُولٍ • لن أقولَ : المَكانُ بالبشريِّ آخرَ حُفرَةٌ/ لا بئرٌ فلا ماءٌ ولا يوسُفُ ! • حسَنٌ، سأقولُ ! • 

        أُغَمِّسُني بشمسِ وَحدتي في الليلِ • فأُخرِجُ لُعابَ أنايَ لَزِجًا دَبِقًا دمَ حيوانٍ ما بدائيٍّ أخضرَ أو كتمَةَ قُرمزيٍّ • كنتُ أحسبُني سأخرجُ كما يخرجُ خيطُ الذهبِ من الشمس ! • 

        الوَحدَةُ ترَفٌ إلهيٌّ باهظٌ على البَشريِّ • كيفَ تَرَى مَن يُعطي الفقيرَ ملعقةً من ذَهبٍ ويتركهُ بلا طَعامٍ بلا مَاءٍ وسْطَ صحراءٍ ؟ • هوذا الوحيدُ، إذن : مأدُبَةٌ حولَهُ ولا يدانِ لهُ، ولا فَمٌ ليأكُلَ أو يقولَ لصورتهِ في السرابِ :

                                                                                         شارِكني !

        مِخلَبُ الوَحدَةِ نائمٌ في القلبِ • ملعونَةٌ ساعةُ يقظتِه !

الوَحيدُ يَلهو

          كمَن يَلهو باللَّهَاةِ • يلهو الوحيدُ بقلبهِ قُبيلَ النومِ • باللِّسَانِ يلهو • هل هوَ الكلامُ أم ذُرَاقُ اللغةِ في الأفواهِ ؟ • يلهو ويَحكُّهُ كمَن يقولُ : خَاء ! • من أينَ يأتي النومُ ؟ • من الإرهاقِ أم منَ اللهِ ؟ • وليكُن، أيُّ فَرقٍ هُنا ؟ • يَتَنَحنَحُ، يدعَكُ عَتبةَ الغِناءِ؛ لكنه لا يُغنِّي • هذه لُعبَةُ الوحيدينَ، حَسْبُ، المُتَمرِّسينَ بالتحديدِ، مَن وصلوا بساتينَ الوَحدةِ . صاروا بسَاتِنَةً ينتقونَ أيَّ وردَةٍ للَّهوِ غُفْلٍ ويعبدونَها بالسَّقي • بمعنى : أن تغورَ أدنى، لا أن تُكَلِّمَ القلبَ/ أن تَتَكلَّمَ القلبَ • أ هوَ كلامٌ آخرُ ؟ • من أنتَ، يا قلبُ ؟ • كلامٌ باطِنيٌّ ؟ • خُطوةً للورَاءِ : ما الكلامُ ؟ • بَذْرُ الأنَا في أراضي الآخرينَ البُورِ • إن أثمَرَ، مرَّةً، بمُعجِزَةٍ أشرقَ القلبُ يدًا للنَّمَاءِ • خطوتينِ للأمَامِ : ما الحُبُّ : أ ليسَ تشذيرَ القلبِ في كِتابِ الحياةِ • خطوةً جانبيةً : ما كتَابُ الحياةِ هذا ؟ • وَسْمُهُ : طِلَّسْمُ الوجودِ • آ ! • اقلِبَها يتَضِحْ معنىً • خطوةً في مكانِها : ما القلبُ ؟ • لِمَنْ، أيْ أيُّ قلبٍ ؟ • هُنا مُعَجَمٌ لانهائيٌّ، إذن، تتشاطَرُ مفرداتُهُ هكذا بلا سَببٍ؛ كالذَّرَاري قُبيلَ العَهدِ ! • خَلِّ التصوُّفَ جَنبًا، هاتِ ماديَّةً ما لنفهمَ • كمرايا لانَهائيةٍ هي القلوبُ بمَزِيَّةِ الخائفِ في التَلفُّتِ • خطوةً في النَّهرِ : وعليهِ، فالصُّوَرُ رَجرَاجَةٌ، أبدًا، بفعلِ خَفْقِ المرايا بينَ إصبعيْ الوحيدِ الأولِ الأبديِّ إذ يلهو …