كاتدرائية نوتردام – كشكول تاريخ وذكريات

مدخل تاريخي لنوتردام

كاتدرائية نوتردام (بالفرنسية: Notre Dame de Paris)، وتعني بالعربية (كاتدرائية سيدتنا العذراء لباريس).
تأسست نسختها الأولى عام 528م حيثُ كانت كنيسة بديعة التصميم بُنيت على يد الملك شيلدبرت الأول، ملكُ الفرنجة، ثم أصبحت كاتدرائية باريس في القرن العاشر الميلادي، وتم إعادة بنائها بوصفها كاتدرائية عام 1160م تحت قيادة الأسقف موريس دي سولي، واكتمل بناء الشكل والتصميم الذي نعرفه اليوم عام 1260.
تقعُ كاتدرائية نوتردام في قلب باريس، في الجانب الشرقي من جزيرة المدينة على نهر السين، وهي واحدة من أكثر الرموز الحضارية والثقافية المعترف بها على نطاق عالمي، حيث يزورها ما يقارب اثني عشر مليون زائر سنويًا، وتكون بذلك المَعلَمَ لأكثرَ زيارة في باريس.

الواجهة الجنوبية لكاتدرائية نوتردام على نهر السين

إعادة ترميم كاتدرائية نوتردام بمساعدةٍ من مصدرٍ غير متوقع: لعبة فيديو

مهندسو ترميم كاتدرائية نوتردام استخدموا مصدرًا غير متوقع، هو النسخة الرقمية للكاتدرائية في لعبة Assassin’s Creed Unity وذلك لتتبع كافة التفاصيل المهمة أثناء الترميم، لأن تصميم الكاتدرائية بداخل اللعبة بالغ الإتقان لدرجة التطابق مع المبنى الحقيقي في كافة التفاصيل، وحتى في مقياس الرسم (باستثناء بعض الكابلات المضافة للعبة وبعض اللمسات البسيطة).

المصممة Caroline Miousse وفريقها اعتكفوا لأكثر من 14 شهر فقط لتصميم النسخة الديجيتال من المبنى، مع مراعاةِ أدقِّ التفاصيل، التي تصلُ لوضعِ كلِّ حجرٍ في مكانه الصحيح.
وتم استشارة مؤرخين وعلماء آثار عن الأماكن الصحيحة للوحات والجداريات ومختلف العناصر الأثرية التي تضمها القلعة، لنسخها بدقةٍ شديدةٍ داخل اللعبة.

الجدير بالتنويه هو أن الشركة الصانعة للعبة Ubisoft تبرعت بأكثر من نصف مليون يورو لجهود الترميم، وفتحت اللعبة مجانـًا على أجهزة الـPC.

صور الكاتدرائية من داخل لعبة Assassin’s Creed Unity

حريق كاتدرائية نوتردام أثناء الترميم 2019

أثناء خضوعها للتجديد والترميم، اشتعلت النيران في الكاتدرائية في 15 أبريل لعام 2019 وأُصيبت بأضرار كبيرة، بما في ذلك تدمير ثُلثي الأسقف والأبراج. وقد أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه سيُعاد بناء نوتردام، قائلاً “إنه جزء من مصير الإنسانية، ومصير فرنسا، ومشروعنا المشترك على مدى السنوات المقبلة. وأنا ملتزم به”.

اندلع الحريق في سطح مبنى كاتدرائية نوتردام الساعة 18:50 بتوقيت وسط أوروبا الصيفي. اجتاحت النيران الجزء العلوي من الكاتدرائية بما في ذلك برجي الجرس والمستدقة المركزية التي انهارت. وصفت عمدة باريس آن هيدالغو الحادث بأنه حريق “رهيب”. تم إخلاء جزيرة المدينة التي تقع بها الكاتدرائية.
انهار كل من البرج وسقف الكاتدرائية المكونان أساسا من الخشب، وألحقت النيران أضرارًا بالغة بمحتوى الكاتدرائية، خاصة منطقة الجدران العليا ونوافذ الكنيسة، كما أتت النيران على العديد من الأعمال الفنية. لحسن الحظ، وجود تحصين حجري لمنطقة أسفل السقف، ساهم بتخفيف انتشار النيران من قمع نزولها إلى باطن الكاتدرائية، مما ساهم بإنقاذ باقي المبنى وتقليل التلف.

حريق كاتدرائية نوتردام
سقوط البرج الكبير أثناء حريق كاتدرائية نوتردام الكبير

من قال ألا بيت لي في باريس – صبا طاهر

كتبت لك ذات مره :
خجلى منك يا باريس
فليس لي فيك بيت !
وأنا التي كانت فصلاً من فصول جحيم آرثر رامبو
كنت أغنية إديت بياف La vie en rose – Edith Piaf
كنت الشجرة في قصائد إيف بونفوا
كنت الخياطة و الزنبق في وادي بلزاك.
كنت الثلج في Tombe La Neige – Salvatore Adamo
كنت الغصون التي نبتت عليها أزهار شر بودلير
مرضت لأيام مع serge lamaعندما غنى je suis malade
عرفت أنني وجودية حتى النخاع قبل أن التقي بسارتر
لم أنسى مشاعر الغيرة من سيمون دي بوفوار
كنت العطر في زجاجة عطر كوكو مودمازيل من شانيل
فمن قال أن لا بيت لي في باريس .. باريس كلها بيتي.
من قال أن لا بيت لي في باريس .. باريس كلها بيتي.
وأقول لها بصوت لارا فابيان:
Je t’aime Paris
Je t’aime

كوازيمودو – سكتش من رسومات الكاتبة والرسامة أمينة جاد

أمينة جاد تكتب وترسم كوازيمودو

حين عرفت بحريق كنيسة نوتردام صرخت وبكيت كثيراً ليس لأجل المبنى الأثري، فالمباني يعاد بناءها وترمم من جديد وتصبح نسخة ربما أفضل من سابقتها، بكيت وصرخت لأني كنت لا أزال أعيش في الحكاية وكل ما فكرت به هو كوازيمودو، هل سيموت حرقاً أو مختنقاً؟! هل سيتمكن من القفز من أعلى البرج فيموت مهشم العظام؟ هل سينجو مشوهاً بحروقه فيزداد بؤسه أكثر وأكثر.

كنت أضرب الاحتمالات كيفما أتفق، وكأن الرواية لم تنته بعد.
الرواية التي قرأتها في العام ٩٦، وكانت نسخة أخي الكبير، سرقتها من غرفته، وقرأتها خلال نهاية الاسبوع، في نهايتها بكيت بكاءً مهيباً حتى شعرت أن قلبي سيخرج من صدري، ولم يكن من السهل إخفاء كل هذا البكاء عرفت أمي بقراءتي للرواية وأنزلت هي وأبي عقاباً على أخي الكبير لعدم إبقاء كتبه بعيداً عنا.

بعد انتشار خبر الحريق بنصف ساعة يهاتفني أخي الكبير، يطمئن يقول: “لا يمكن لي نسيان بكاءك في نهاية الاسبوع تلك. كيفك؟”
كنت أريد الرد عليه وطمأنته أنني كبرت ولم تعد قصة أن تبكيني، لكني انهمرت في بكاء غريب، ترك أخي مناوبته وفاجأني بقدومه المنزل.

رفضت مشاهدة فيلم الأحدب الكرتوني، لم أرد أن يمحو هزل الكرتون مأساة الأحدب، وبقيت أتخوف إعادة قراءة الرواية؛ لأني أخشى ألاّ تأثر بقراءتها كما السابق، فيزول سحرها.

حين رسمت كوازيمودو الليلة، رسمته الطفلة التي قرأت الرواية في نهاية الاسبوع وما أن أنهتها لم تعرف أن هذا العالم يتسع لهذا البؤس.
كل ما أردته قوله لاسمرالدا وأنا أرسم:
افتحي أبوابك، فالأحدب غريب في مدينته، والمدينة المظلمة تنيرها ألسنة لهب احتراق قلبه، ولا وطناً سيطفئ بؤسه كحضنك.

من الاقتباسات التي لا أنساها أبداً:
“إن القلب البشري لا يستطيع أن يحتوي إلا على كمية محدودة من اليأس”.) بقلم الشاعرة أمينة جاد

فيكتور هوجو – أديب وشاعر ورسام فرنسي

فيكتور هوجو يظهر تقديره للفن المعماري لنوتردام من خلال شخصية الأحدب في الرواية

جيني آفينز – ترجمة رولا عادل رشوان

عن نظرية فيكتور هوجو في رائعته “نوتردام باريس” 1831 والتي اشتهرت في نسختها العربية تحت اسم “أحدب نوتردام”
بدأ هوجو حملته العامة كأحد حماة فن العمارة في عام 1825، عندما نشر كتيبًا بعنوان “Guerre aux demolisseurs !” أو “حرب على المدمّرين” وكان يهدف بنشره ونصوصه إلى لفت الانتباه إلى العمارة القوطية التي اعتبرها جزءًا أساسيًا من الثقافة الفرنسية.
قبل ما يقرب من قرنين من الزمان، كانت نوتردام تعاني من التجاهل والإهمال ولا تحظى بشعبية كبيرة بين الباريسيين لدرجة أن فيكتور هوجو شعر بأنه مضطر لكتابة كتاب دفاعًا عنها.
كتب ريتشارد بوداي في عام 2017 عن “نوتردام باريس، ووصفها بأنها رواية قوطية عن مبنى قوطي. تركز الرواية على مسرح الأحداث؛ كاتدرائية نوتردام. تساهم العمارة في رسم أحداث الرواية وتؤثر في مصائرهم. علي عكس الشائع عنها، فإن الشخصية المركزية للقصة ليست شخصًا؛ وإنما مبنى اعتبره هوجو صديقًا وطفق يحكي عنه بإسهاب”.
يطرح فيكتور هوجو في الرواية فرضية أن الهندسة المعمارية كانت في التاريخ القديم إحدى أعظم الطرق التي ابتدعت لتأريخ الإنسانية، وأن طموحاتنا وأفكارنا وأحلامنا على مر الأزمان قد سُجلت ونقشت على الحجر. كان ذلك حتى ظهرت الطباعة إلى النور، وأصبحت البشرية تسجل أحداثها وفنونها على الورق وباستخدام الكلمات، الكلمات التي ستدوم مادامت الإنسانية.
ومن هنا جاءت إشارة هوجو إلى أن هذا “الكتاب” سوف يطيع بذاك “فن العمارة”. الحديث عن العمارة كأحد فنون الأدب والتدوين عن الفنون من أهم ما خط هوجو داخل الرواية.
يقضي هوجو فصولًا كاملة يصف فيها الكاتدرائية والمدينة، ويرسم بكلماته عن خطوط الحجر والأبراج والإضافات والتعديلات على المباني العظيمة والآراء والاتجاهات المعمارية، هذه فصول يتخطاها العديد من القراء لأنها فصول سردية تميل للوصف المفصّل الخالص ولا تأتي علي ذكر أي شخصية من شخصيات الرواية – لكن تلك الفصول هي جوهر الرواية حقا، كما أن هوجو قد أبدع فيها رسما وتوصيفًا.
فهل أصاب توقّع هوجو عن أن الاهتمام العالمي بالطباعة والتدوين سيطغي على اهتمام الإنسان بفن العمارة والآثار الحجرية؟ خاصة مع الدعاوي الأخيرة الداعية لترميم مبنى الكاتدرائية بعد انهياره وتحمس العديد من المتبرعين لتمويل عملية التمويل.
كتب هوجو عن ارتباط كوازيمودو “الأحدب” بمبنى كاتدرائية “نوتردام”:
“كانت كاتدرائيته تكفيه عن الحياة. كان محاطًا في جلسته بأشكال رخامية – لملوك وقديسين وأساقفة – لم تنفجر ضحكاتهم ساخرة في وجهه يومًا، وما حملت نظراتهم يومًا إليه سوى الود والأمان. أما التماثيل الأخرى، تلك الوحوش والشياطين، فلم تكرهه يومًا ولا ازدرته لحظة.”
كان كوازيمودو وحبه للكاتدرائية هو الشخصية النموذج الذي حكي من خلاله هوجو عن ارتباطه بنوتردام وصب في روحه من حبه وتقديره للمبنى ولفن العمارة في العموم.

كتبتها: جيني آفينز لـموقع “كوارتزي”
ترجمة: رولا عادل رشوان

أحدب نوتردام – رواية فيكتور هوجو

د. حسن مدن يكتب: نوتردام، الحريق والرواية والعاطفة

يمكن النظر إلى حالة الحزن التي أصابت العالم كله جرّاء حريق كاتدرائية نوتردام وسط باريس، على أنها علامة أن البشر، على ما بينهم من اختلافات وصراعات، يشعرون في قرارات أنفسهم، حتى وإن كان ذلك بنسبٍ متفاوتة، أنهم أبناء حضارة إنسانية واحدة أو مشتركة، رغم اختلاف اللغات والثقافات والديانات.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تعهّد بإعادة بناء المعلم التاريخي، وهو في ذلك يعبر عن رغبة جمعية، لا في فرنسا وحدها وإنما في العالم كله بألا يمحى هذا المكان من ذاكرة البشر. وإذا كان ما تعرضت له الكاتدرائية نتاج حريق لم يتسبب به فاعل بسابق إصرار وتعمد، فما أكثر المعالم التاريخية في مختلف بقاع الأرض، التي يعود تاريخ بعضها إلى أبعد بكثير من تاريخ كاتدرائية نوتردام، قد حرقت ودمرت بأيادي البشر أنفسهم، في اللحظات التي يعود فيها هؤلاء إلى بدائيتهم وتوحشهم.

هل بوسعنا، مثلاً، نسيان ما نال جامع النوري الكبير ومنارته الحدباء المشيدة في القرن الثاني عشر في مدينة الموصل، والتي تعد من أبرز معالم العراق التاريخية، على أيادي عصابات «داعش»؟ وهل بوسعنا نسيان ما حلّ بكبريات المدن الأوروبية في الحرب العالمية الثانية من تدمير قامت به الطائرات الحربية الألمانية بتوجيه من هتلر، وهو يسعى لتحقيق حلمه الجنوني في إخضاع القارة، لا بل والعالم كله، له؟

كاتدرائية نوتردام هي من أشهر الأماكن التي قدّمها إلينا الأدب والفن، فليس كل البشر المصدومين بالحريق الذي أتى على أجزاء مهمة من الكاتدرائية قد زاروا المكان ورأوه بأم أعينهم، ولكن الكثيرين منهم، إن لم تكن غالبيتهم، يعرفون اسم الكاتدرائية من خلال الرواية الشهيرة لواحدٍ من أهم أدباء فرنسا والعالم: فيكتور هوجو، رواية «أحدب نوتردام» التي تعدّ من أهم الروايات التي خلّدتها السينما، فمن لم يقرأوا الرواية شاهدوا حكايتها على الشاشات عبر واحد من الأفلام المتعددة التي استوحت أحداثها.

أول مرة قدّمت السينما الرواية كانت في العام 1923 على يدي والاس وورسلي ولون شاني، ليتعاقب بذلك ظهور «أحدب نوتردام» في السينما على أيدي مخرجين آخرين، ويذكر أن المسلسل السوري «جواد الليل» مستوحى أيضاً من أحداث الرواية.

قال النقاد إن أهمية «أحدب نوتردام» لا تكمن فقط في قصة الحب بين الأحدب وإزميرالدا، وإنما في توق البشر إلى دفء الجمال الإنساني، كما تبدى ذلك في عشق الأحدب للفتاة، محاولاً التضحية بحياته عدة مرات من أجلها، هي التي عطفت عليه ولم تسخر من عاهته أو تشوّه جسده.

عن جريدة دار الخليج

الوسوم

أعطني رأيك

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات