مختارات من غليان الطين – سرد وموسيقى – صبا طاهر

إلى الإنتحار،
يا مغويًا وجامحًا، يا مفعمًا بالشهوة.
لماذا أنتَ مغرورٌ إلى هذا الحد إذا كنت لا تملكُ جدولاً بمواعيدِ الموت!
لماذا، وأنت غيرُ قادرٍ على مصادقةِ ملاكِ الرحمة !
لماذا ؟!

أثناء القراءة، يُمكن الاستمتاع بالموسيقى المصاحية لكل نص.

“الموت فنّ
على غرار كل ما عداه
وإني أمارسه بإتقان “_سيلفيا بلاث

أنا صبا.
ولدتُ وفي قلبي رصاصة، مع كل نبضةٍ شعرتُ بآلامها، لكن الكبرياء منعني عن الكلام، حاصرني وجعٌ فوق طاقتي على الاحتمال، فاخترت العزلة طوق نجاة لي، خلقتُ معها حياة سرية داخل حياتي، كانت السور الذي حمى هشاشتي وضعفي من اختراقات البشر، البيت المحمي لقلقي من السقوط في هاوية لا تشبهني، من ذوباني في كائن آخر.
كانت عالمي المثالي الذي اعتنيت فيه بدماغي، وصَّفيتُ الصور المشوشة التي تسكنه.
عزلتي كانت علاجي من الخوف، ضمانتي ألا أفقد ذاتي في عالم العمى.

أنا صبا.
انهرتُ أخيراً،
أتحسَّسُ قلبي وأواسيه، محاولةً بكل شجاعة إنهاء كتابنا الأخير، فلم يعد ثمة وقت كاف لكل هذا !
بالكلمات سنودعك أيتها الكلمات، وحدك تعرفين كم كانت أياماً صعبه تلك التي تجاوزناها معاً، كم شعرت فيها أن ثعباناً يعتصر جسدي وروحي. أياماً ظننتُ فيها أني مِتُّ كشجرةٍ نائمة، كما تموتُ أشجارُ أهالي الجبال حين يقطعون أخشابها بعد منتصف الليل، في الربيع عند اكتمال القمر، حينها فقط لا تشعر الأشجار بالألم.

لقد مِتُّ قليلاً، لولا أن ذئب الليل الغريب عاد، كان يفرك جرحه بجذعي، ودمه يغرق جذوري، و أغنيته تهز كتفي :

عودي إلي،
وخذي جلدي فرواً يحميك من ظلم الشتاء
عودي إلي،
معكِ أتمرد على تَوَحُّشِ أجدادي
و أرى العالم من خلالك
كما يراه الظبي الذي يلهو بظل الحشائش
عند المنحدر الشمالي.

“يلزمني كائنات تشبهني”_ لوتريامون

لستُ كتاباً يعيشُ في المجتمعات الرأسمالية، ليس لي معنى في لغة الاقتصاد، لا علاقة لي بمكافحة غسيل الأموال والضمانات البنكية، لا ترجمة لي في تفاسير الأحلام، و لا تعنيني أبداً محاكماتُ التجارب الشعرية !
إنني دفترُ مذكراتٍ صغيرٍ يعيش في المناخات الاستوائية وعلى شواطئ البحار، يتنفس ساعات الليل الأخيرة، والأفق البنفسجي.

قد أكونُ وقائعَ حياتيةٍ أو مجردَ خيال، أحلامَ يقظةٍ، وقد أكون مرآتك.
من الممكن جداً أنني معمل لتحميض الصور ( النيجيتيف ) القديمة التي التقطتها عدسة الروح،
كما أنني بالتأكيد لست هنا من أجل مكتبتك!
فلنقل أني جزء من أفكارك التي لم تعبر عنها بعد، الحنينُ الذي لا يتكررُ؛ لكنه يتشابه في اللوعة.
أنا كائنٌ مستقلٌ بذاته، تستطيع أن تصادقني و تأخذني معك إلى الغابة والبحر، سأكون معك ضد العالم
والكلماتِ الجارحةِ، ضدَّ القسوةِ، سنكتب شعراً للقلوب المرهفة الحس.

أنا وأنت سنتعرف علينا في العالم الموازي، نرسل لنا الرسائل والهدايا ونتبادل الأفكار، وعن أرواحنا سنرى من كانت في حيواتنا السابقة، سنقرر ماستكون عليه في حيواتٍ أخرى.
سنخلق لغتنا المشتركة و ستعرف حينها أنني لست كتاباً تقرؤني وأنت تفكرُ بمؤشر الأسهم وارتفاع سعر الدولار، ومتابعة قرارات هيئة سوق المال، وقنوات الموضة وعروض الأزياء، ولا برامج الـ Real Show،
لكنك – أيها الغريب -تستطيع قراءتي وأنت تَشتُمُ الحياة و تشعر بثقل الظلام على وجهك، تحس بالحب يسحرك و يعتصرُ قلبك، يسعدك لكنه يؤذيك !
وأنت تتخيلُ طرقاً مضمونةً ومؤكدةً للانتحار، فتنحازُ للطف الحبوب المنومة، حتى لا تزعج من تحب بمنظر الدم، ولا تقلقُ غيرك بتنظيف الفوضى من بعدك.
وأنت تضغط بيديك على صدرك حتى لا ينفجر، وأنت تتعذبُ وتنهار من الألم وكأن الأفعى تبتلعك، وجسدك كله في طريقه إلى بطنها.
سنبكي معاً حينها، سأكون بجانبك، أضمُّك إليَّ، سنكون روحاً واحدةً تصرخ في وجه العالم.

“الأيام الجميلة دمرتني”_ أورخان لي

موسيقى: الخيميائي – زيد ديراني

أمي غزالةٌ و أبي الكهف: ولدتُ في الجبلِ البحري “وادي شجرة الرمان”
إحداثيات الولادة: 12/1977 : 04:17am
إحداثيات الـوفاة: 2005 : 02.31 am
لا أتذكر الكثير عن موتي، لكني مازلت أحس بطعم الطين وماء السيل في فمي، وأشعر بذراعيها – شجرةُ العِرَار العتيقة أعلى التل- تحتضنُ جسدي بقوةٍ، مرتعبةً أن ينفلت منها إلى الوادي، ويدها تشد على عيني حتى لا أرى !
روحي المعلقةُ بين حياتين عادت في عام 2011 إلى الإرض على هيئةِ كتاب أسميته “ما من يدٍ على وجهي”.
في الوقت الذي كنت ميتةً فيه، مر نصفُ يومٍ بتوقيت أهل الأرض رأيت فيه “ميراثي من الأجنحة والهلاوس”، نبتت على جسدي أشجارٌ صغيرةٌ لا أعرفُ أسماءها، لكن أنفي يحتفظ برائحتها، شعري صار طويلاً طويلاً، مربوطةً في أطرافه الكثير من الزوارق الملونة.
لا أفهم كيف صحوت من موتي هنا !
رأسي غارق في ملح البحر، و قلبي هناك، يتمشى بذراعين مشدودتين إلى ضبابه بين الجبال.
هذه أنا، أسبحُ كحوريةٍ ذهبية، ومع كل نفس تلتفت روحي إلى تراب الجنوب، للقرية الصغيرة في حضن الجبل، حيث ولدت.
كان الوقت شتاءً، قبيل الفجر، و أمي تفكر كيف تنقذ حملَها، وهي التي كانت تدعو أن تلد
ملاكاً يستقبلها في السماء عند باب الجنة، عندما يحين الوقت.
أتيتُ أخيراً، وكم هو غريبٌ أنَّ عذابَ تسعة أشهر، ينجب أغرب أطفالك، أحنَّهم عليك و أحبهم لروحك.
تقول أمي : عندما ولدتُ لم أبكِ، لكني ابتسمتُ لها أجملَ ابتسامةٍ رأتها على الإطلاق، وأنها ندمت حينها على كل لحظةٍ فكرتْ فيها باحتمال عدم وجودي.
عندما أكملتُ عامي السادس، أخذتني إلى جدتي لتعلمني كل ماتمنت أن أبني عليه حياتي.
وتحت ظلِّ شجرةِ تينٍ عتيقةٍ؛ وضعتْ في يدي كمشةً من تراب الأرض، وفي اليدِ الأخرى غصنَ ريحانٍ كانَ معقودًا في شعرها، تفوحُ منه رائحةُ الحنة.
قالت لي: أنت ابنة فلاح – أبداً لا تنسي ذلك – كان يزرعُ الأرضَ ويصلي أن تُمطرَ السماء. حقولُ القمح هذه أمامك لها ألفُ حكايةِ صبر وانتظار، ليالٍ طويلةٍ من القلق والدعاء، كي لا يذهب في لحظةٍ عاصفةٍ كلُّ هذا التعب.
مثل هذا الريحان ليكن قلبك، أخضر، يترك عطراً في يد من يلمسُه، تضحكُ أوراقُه لنورِ الشمسِ وانهمارِ
المطر.

هذه البئر لن تبدو لك بعمقها الحقيقي مهما نظرت إليها، فكري دائماً فيما هو أبعد، يستطيعُ كلُّ الناس أن يلمسوا السطح، لكن العمق لا يصل إليه إلا من أتعبه الحفر، فكري في جوهر الأشياء، حاولي.

موشومٌ ذقن جدتي بخطٍ طويلٍ أخضر، قالت لي وهي تضع إصبعي عليه: هل ترين هذا الوشم! لقد تحملتُ ألمَ إبرة الخياطة ليختلطَ الدمُ بالكحلِ من أجل أن أبدو أجمل، أنت جميلةٌ دون أن يخبرك أحدٌ كيف تكونين كذلك، فقط اتبعي قلبك وحينما تنظرين إلى المرآة ستخبرك أنكِ أخذت من الربيع كل أزهاره، ومن قوسِ قزح ابتسامته.
اجعلي قلبك قوياً مثل هذه الهضبةِ التي نجلس عليها، متحدياً كجذعِ شجرةٍ، و ليناً في يد من يحبك بصدقٍ، كالطينِ رهن خاطر المطر .
عندما انغرست شوكةٌ في باطن قدمي، بكيت حتى نزعتْها وهي تقول: يا ابنتي في كل مرةٍ سيحدث لك هذا، سيأتي ما يؤلمك، ولن تجدي من يداويك، تعلمي كيف تكونين درع نفسك، ولا تستسلمي، عيشي كهذه الشجرة، أحبي و أعطي وفكري مثلها تماماً، كوني حرةً كهذا العصفور لكن لا تطيري مع سربِ طيورٍ لا تشبهك، فتؤذي قلبك، ولا تخدعك السماء، حتى هذا الأزرق له حدوده.
آهـٍ يا طفلتي، منذ الآن أحس بروحك مرهفة وعنيدة وحساسة، لا تدعي ذلك يصيبك بالمرض، فإذا شعرت أن حياتك كلها مجرد حلمٍ، تذكري دائماً يدي وهي تكتبُ على جبينك: “أحرسكِ” لا تنسي أن يد الله تمسحُ على قلبك.

صلي و أنتِ تغمضين جفنيك، بأن لا تتركي الخيط الذي يربط بين الواقع وخيالك مشدوداً أكثر من اللازم، أرخيه قليلاً حتى لا ينقطع، حافظي على هذه المسافة فلن يُدينكِ أحدٌ بالجنون.

“إن الثيران والدببة لا تستطيع أن تحطم باب القدر، و لكن قلب حمامة يستطيع ذلك”_ نيكولاي كيلويف

كما مراتٍ،
أخلعُ ملابسي كلها برغبة لا حد لها في الإنكار، في العري والذوبان مع الهواء.
أرميها بسرعة وكأني معها أتخلص من كل شيء، حتى من فكرة كوني بشراً !
أقف في حضن شجرةٍ أسميها حياتي، تلامسني أوراقها الرطبة و تخدشني بلطفٍ أغصانها الصغيرة، أغمضُ عينيَّ بهدوءٍ، مشرعة ذراعي لأقصى ما يفرد طائر جناحيه.
أقف صامتة بخشوع، حتى تتحد أنفاسنا أنا وشجرتي، لا تنكرني. لا تخاف مني.
أتجرد من كل شيء عرفته وتعلمته، من الإجابات، الأفكار، الأسئلة الوجودية، الحقائق، الموت، القوى الخارجية،
من البشر والغبار والغضب والحرية والفرص والخسارات،
من وجهي و ذاكرتي والمكان والزمن. من الحب والخوف والغثيان والنهايات
أخرج من العالم الذي أعرفه ولا أنتمي إليه، في أعماق الظلام، بفردانية لا حد لها، أتوحد مع كل ذرةٍ من حولي، لا أرتبك لا أخاف، لا أفكر.
لا حزن لا سعادة، لا رغبة، لا آلهة، لا قلقٌ، ولا كآبة
أشعرُ بنفسي تحل بنفسي، أو أني أعودُ إلى الغيب حيث كنتُ عبثَ الفكرة في وجودي.
شيئاً فشيئاً أشعرُ أني كائنٌ لا مرئي، أني امتدادٌ للطبيعة، جسدي هذا الضبابُ الخفيفُ، و شعري عشُّ العصافير البردانه، فمي أفكارُ وردةٍ مجهولة، وجهي غيمة تتعلم كيف تمطر للمرة الأولى، قلبي ألم الكائنات الضعيفة تحت هذا الليل.

كما مراتٍ،
أرتكبُ هذا العُريَ أحياناً لأني لم أعد أعرفُ أين أقفُ ولا من أنا ولا ماذا أريدُ ولا بما أشعر، لأني لا أستطيعُ فهمَ كلِّ هذه الفوضى التي تتربى في دمي !
غاضبة من كل شيء، أحس بنفور غريب من كل الكائنات دون أن يؤذيني أحد، حتى الذين أتصوفُ في محبتهم.

كما مراتٍ،
أفعلُ هذا العُري أحياناً لأني لا أريدُ أن أكونَ لحظتها أكثر من نجمةٍ
مطفأة أو ورقةِ خريفٍ أو ريشةِ طائرٍ مهاجرٍ، ، لا تهتمُ بقدَرِها ولا بالكائنِ الذي انفصلت عنه ولا بالغيبِ الآتي.

كما مراتٍ أخرى،
أفعلُ هذا وكأني أودُ قتلَ هذا الجسد الساخن الذي أسكنه، أن أحطِّمَ هذا الرأسَ المحشو بالانهزام واليأس والكآبة والضعف والأفكار الجبانة، أن أتحرَّرَ من كوني إنساناً، أن أعودَ إلى أصلي الذي لا أعرفه و أتوقُ إليه بكلِّ روحي

كما مراتٍ،
أتعرى وكأني أتمرد على قيمة الأشياء ومزاياها الكاذبة، على أوهامي التي خلقتها وعظَّمتُها، على الاختناق و اعتراض عقلي، على هوسي بالتِّيهِ و مشيي اللانهائي والمرتعب ويدي بيد الضياع.

ومراتٍ،
كما لو أن الليلَ سيصبغني بسواده الحزين، فأتحولُ إلى عتمةٍ خالصةٍ لا تفكرُ إلا بنفسها، يؤلمها أنها بهذا الغموض المر تسألُ: فكرة من كانت أن التواء عنق الريح هو أنينها !
من الغاضب الذي قرر أن مصيرها هو أن تفتح صدرها دائماً لطعنات الجبال، وأن هذه البحار ستنشف يوماً لولاء بكائها ..
أتعرى أحيانا لأنها طريقتي في الهرب من زيف الحياة و الكذب والبكاء لساعات بدون سبب، أتعرَّى وكأني أحرقُ بيتي و أتبرأ من فكرةِ اللجوء والاحتواء.
لو أنى أملكُ حريتي، لجعلت من حياتي القصيرة كل هذه الأرض، وأنا أتبعُ إشاراتِ قلبي الغامضة حتى النفس الأخير.

الوسوم

أعطني رأيك

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات