يوسف وهبون – الرّجال يموتون لكنّهم لا يسقطُون| ترجمة: نجيب مبارك

Kiyoshi Saito

 

 

ترجمة نجيب مبارك لمقطع من قصيدة / كتاب الشاعر المغربي يوسف وهبون.

هذه الحقيبةُ المنيعة
كم من هروباتٍ تكبّدتْ بلا طائل
بين جدران الحلم
كم من صداماتٍ تحمّلتْ العِظام
أمام حائط الغُدوات الهاربة
إنّها حقيبةٌ مُتعبَة لكنّها تسحب
تمسكُ الرجل من صدره
ومن الوركين
تضمّه وتسحبه
لكي تبعدهُ عن مصيره
وعن جسده
عن جسد الرجل
إنّها تفتح فجوةً في السماء
لكي يتدلّى منها اللّيل
ليلٌ سيخنق الصمت
صمتَه القاطع
ليلٌ بأظافر متلألئة
يُغربلُ خدوشًا ناعمة
على بطنِ العالم الشّرسة
إنّها حقيبةٌ تسحب
وتتقّطع أنفاسها لأنّها سحبت طويلًا
يسيل الفجر كاللّعاب قبل الأوان
ومن الثّقب الأسود اللّانهائي
يطلّ الرأس
تقدَّم
افتح له ذراعيكَ وتقدّم
نظّف جلدك من هذا الرّمل المتّسخ
اِرفع جسدك وتقدَّم
تقدّم مثل صحّةٍ متوقّدة
نحو الرّأس الّذي يطلّ
سيحكي لك الصّحارى الطويلة والحظّ العاثر
الصباحات الرمادية وتُروسَ العطش
سيروي لك فصول الرّبيع المجروحة
والعزلة الّتي تقتل
سيحكي لك الجدران الّتي رآها
تنتصب في النفوس
الشّموس الّتي رآها تسقط
من شدّة الانتظار
وحُمّى الرجل الّذي ينبح
لكنّه لا يسقط
لأنّ من هذه الحقيبة المتخلّى عنها
يسقطُ الرجل واقفًا على قدميه
مثل حطام في ذَهب الصحراء
ثمّ يستلقي على ظهره
ويرفع عينيه إلى السماء
فيرى فمَه يمضغ السحاب
وجهَه يمحو أطراف النجوم
الرّجل الّذي صار بلا وَجه
يضع رأسه بين يديه
كي يفتح المسامّ الهائلة للنّدم
للجروح القديمة الّتي تعجّ بها السماء
لنقيق ضفادع جشعة
يصمّ آذان الكون
الرّجل وحيدٌ
في صحراء العالم
جسده منقسمٌ
مثل سحلّية صَعقها الرّعد
تقدَّم
تقدّم نحوها
فُكّ قيدَ يديها المغلولتين إلى جبينها
المثقلِ بالعار
الصِق من جديد قطعتيّ هيكلها المتعفّن
اقتلع من ظهرها الأوهام الّتي تسحق
وانظر إليها
أعضاؤها مصبوغةٌ بالسّخام والحروق
ومن جلدها تطير حشرات سوداء
تجري في كلّ اتجاه
تقدّم
أسرع لتضع نفسك عكّازًا
للرّجل الوحيد في الصحراء
وأشعل من جديد في عينيه
النّهارَ الّذي يستسلم
انتظِر حتّى يتنفّس
وأنصِت إليه
سيحكي لك عن متاهاتِ الخوف
وعن الوجه المجعّدِ للسنوات
الّتي تمضي ببطء
سيحكي لك عن الأحلام المتفحّمة
والنّفوس المشنوقة على حدود الروح
سيحكي أنّه شهد الانتظارَ ينزف
والأيّامَ تمحو الأيام
والرّجال يدوسون الرجال
سيحكي لك عن المستنقعات
الّتي مرّ بها
والحيوات الّتي رآها تتعفّن
تحت النجوم العمياء
المتهاوية ببطء.

*يوسف وهبون من أبرز الأسماء الشابة التي تكتب باللغة الفرنسية حاليًا في المغرب. ولد في الرباط حيث يقيم حتّى الآن. هو شاعر وروائي وفنان تشكيلي. يعمل أستاذًا جامعيًا للجماليات المقارنة وتاريخ الفن. صدرت له في الشعر “عناقات جوفاء” عن دار “لامارتان” بباريس عام 2001، و”الرجال يموتون لكنّهم لا يسقطون” الذي تضمن أيضًا لوحات للكاتب والفنان المغربي ماحي بينبين، وفي القصة القصيرة “يجب اغتيال اللوحة”، وفي الرواية “ثلاثة أيام والعدم”، وكلها صدرت عن دار مرسم بالرباط.

النص ترجمة لمقطع من “الرجال يموتون لكنهم لا يسقطون” الذي صدر عام 2015.

المصدر: العربي الجديد

تفاعل

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق