المدونة

  • ثورة البظر – ماريو فارغاس يوسا

    ثورة البظر – ماريو فارغاس يوسا

    ترجمة: صالح علماني

    أفهم يا سيدتي أن البدائل النسائية التي تمثلينها قد أعلنت الحرب على الأعضاء الجنسية الذكرية وأن فلسفة حركتك تستند إلى القناعة بأن البَظْر متفوق معنوياً وجسدياً وثقافياً و إيروتيكاً على القضيب، وأن المبيضات أنبل طبيعة من الخصيات.

    أوافقك على أن أطروحتك يمكن الدفاع عنها. ولست أنوي أن أبدي أدنى معارضة لك. فتعاطفي مع الحركة النسائية عميق ، وإن كان يأتي في المرتبة التالية لحبي للحرية الشخصية وحقوق الإنسان ، وهي ضمن حدود لا بد لي من تحديدها حتى يكون هناك مغزى لما سأقوله فيما بعد . أبدأ بالتعميم ، وبما هو أكثر جلاء ، لأؤكد أنني مؤيد لإلغاء كل العقبات القانونية التي تحول دون وصول المرأة إلى المسؤوليات نفسها التي يصل إليها الذكر ، ومؤيد للمعركة الفكرية و الأخلاقية ضد الأحكام المسبقة التي يستند إليها انتقاص حقوق النساء ، وأسارع لأضيف أن من ضمنها ، بل ومن أكثرها أهمية برأيي ، بالنسبة للذكور أيضاً ، هو حق المتعة ، والذي يبرز منه . وأنا متأكد من ذلك . خلافنا الأول .

    ولكن الخلاف الأساسي، وأخشى أن يكون الخلاف الذي لا رجعة عنه، لأنه يفتح الهوة التي لا سبيل إلى ردمها فيما بين حضرتك وبيني أو بين قضيبي و مهبلك ، لكي نبقى ضمن حدود الحيادية العلمية . هذا الخلاف الأساسي ، يرتكز من وجهة نظري ، على أن الحركة النسائية هي مقولة مفهوم جماعي، بمعنى أنها مغالطة سفسطائية ، لأنها تسعى إلى أن تحيط في مفهوم نوعي متجانس، تشكيلةً جماعية فسيحة في الفرديات غير المتجانسة ، الاختلافات و التفاوتات فيها لا تقل أهمية ( بل هي أكثر أهمية بالتأكيد ) من القاسم المشترك البظري أو المَبيضي . و ما أعنيه ، دون أي قفزات بهلوانية مستهترة ، أن كون المرء مزوداً بقضيب أو ببظر ( وهي أجهزة ملتبسة الحدود ، مثلما سأثبتُ لكِ فيما بعد ) هو في رأيي أقل شأناً . في التفريق ما بين كائن وآخر من المواصفات الأخرى ( العيوب ، الفضائل ، النقائص ) الخاصة بكل فرد. وقد أدى تجاهل ذلك إلى تمكين الأيديولوجيات من خلق أشكال التعسف في المساواة تكون أسوأ عموماً من تلك المظالم التي تسعين إلى أن تثوري ضدها. وأخشى أن الحركة النسائية ، من النوع الذي تقودينه حضرتكِ ، ستواصل المضي في هذا الطريق في حال انتصار طروحتك ، وهو أمر ، من وجهة نظر تنطلق من ظروف المرأة ، لا يعني أي شيء آخر . باللغة العامية ” سوى استبدال المخاط باللعاب ” .

    هذه الأمور بالنسبة لي هي اعتبارات تنطلق من مبدأ أخلاقي وجمالي ، لستِ حضرتكِ معنية بمشاطرتي إياها. ولكن لحسن الحظ أن العلم يقف إلى جانبي أيضاً وستتأكدين من ذلك إذا ما ألقينا نظرة ، مثلاً ، على أعمال برفيسورة الوراثة والعلوم الطبية في جامعة بروان ، الدكتورة آن فاوستو – ستيرلينغ التي تصرخ منذ سنوات عديدة للبرهنة ، أمام حشود متبلدة بسبب التوافقات الاجتماعية والخرافات والعمى حيال الحقيقة ، بأن الأجناس البشرية لا تقتصر على الجنسين اللذان جعلونا نؤمن بأنهما الجنسان الوحيدان – مذكر ومؤنث- بل هناك على الأقل خمسة أجناس ، وربما أكثر ! ومع أنني أعترض لأسباب لغوية صوتية على الأسماء التي اختارتها الدكتور فاوستو – ستيرلينغ ( herms – merms – ferms ) للأجناس الثلاثة الوسيطة بين ما هو مذكر ومؤنث ، وقد أملتها عليها علوم البيولوجيا و الوراثة والجنس ، إلا أنني أحيي في أبحاثها وأبحاث العلماء مثلها بعض الحلفاء الأقوياء لمن هم مثل هذا الجبان الذي يكتب لك، يؤمنون بأن التقسيم المانوي للبشرية إلى رجال ونساء هو وهم جماعي ، وخثارة مؤامرة ضد الاستقلالية الفردية – و بالتالي ضد الحرية – ، و تزوير علمي متوج بفضل السعي التقليدي للدول و الأديان و الأنظمة التشريعية إلى الحفاظ على هذا النظام الثنائي ، ضد طبيعة تفنده كل لحظة .

    إن مخيلة التحرر الأقصى في الميثولوجيا الهيلينية كانت تعرف ذلك جيداً حين أذنت بهذه الصيغة التركيبية من هرمس و أفروديت ، المتمثلة في هيرما فروديت المراهق الذي ما أن أحب حورية حتى صهر جسده بها ، متحولاً منذ ذلك الوقت إلى رجل – امرأة أو امرأة – رجل ( كل واحدة من هاتين الصيغتين تمثل ، حسب قول الدكتورة فاوستو ستيرلينغ ، في فرد واحد لوناً مختلفاً من التآلف في الغدد الجنسية ، والهرمونات ، وتركيب الصبغيات ، فينشأ بناء على ذلك ، جنس مختلف عما نعرفه من الرجل والمرأة ، هو تلك التنافرات الصوتية herms – merms – ferms ) ومن المهم أن نعرف أن هذا ليس ميثولوجيا وإنما هو واقع فاقع ، ذلك أنه قبل و بعد هيرمافروديت الإغريقي ، ولدت مثل هالكائنات الوسيطة ( ليسوا ذكوراً ولا إناثاً في المفهوم الشائع للمصطلح ) المحكومة بسبب الغباء والجهل والتعصب والأحكام المسبقة بأن تعيش متنكرة ، أو – إذا ما اكتشف أمرها – بأن تتعرض إلى الحرق ، والشنق ، و التعزيم بإعتبرها من نسل الشيطان ، أو العصر الحديث – يجري ” تطبيعهم ” منذ المهد عن طريق الجراحة والمعالجة الجينية بعلم موضوع في خدمة هذه التسميات المُضلِّلة التي لا تتقبل إلا الذكر أو الأنثى وتلقى إلى خارج المألوف ، إلى جحيم الشذوذ ، والمسوخية ، والغرابة الجسدية ، هؤلاء الأبطال الرقيقين من غير الجنسين . كل تعاطفي معهم – المزودين بخصيات ومبيضات ، ببظر مثل القضيب أو بقضيب مثل البظر ، وبإحليل ومهبل ، وقد يفرزون أحياناً حيوانات منوية في الوقت الذي يحيضون فيه . ولعلمك ، فإن هذه الحالات النادرة ليست نادرة جداً ؛ فالكتور جون موني من جامعة جون هوبكنز ، يقدر عدد من هم من غير الجنسين بأربعة بالمئة من بني البشر ( احسبي وسترين أنهم ، وحدهم يملؤون قارة بكاملها ).

    وجود هذه الإنسانية الواسعة المقرة علمياً ( والتي علمتُ بأمرها من خلال قراءة هذه الأعمال التي هي بالنسبة إلي ، ذات أهمية إيروتيكية قبل أي شيء ) ، على هامش ما هو طبيعي ، ومن أجل حريتها والاعتراف بها وتقبلها أناضل أيضاً بطريقتي التافهة ( أعني ، من ركني المنعزل كمتلذذ فوضوي ، محب للفن ومتع الجسد ، مكبل من وراء صورة مدير شركة تأمين فظ ) لأصعق من يسعون مثل حضرتكِ إلى فصل الإنسانية عن حظائر راكدة حسب الجنس : القضبان هنا ، والبُظر في الجانب الآخر ، المهابل إلى اليمين والخصيات إلى اليسار . هذه الابتسار الجماعي لا يتوافق مع الحقيقة . ففيما يتعلق بالجنس أيضاً ، نمثل نحن البشر مروحة من التنوع ، من الأسر ، من الاستثناءات ، ومن الأصول و الألوان . ومن أجل إمساك الحقيقة الأخيرة غير القابلة للتحول لما هو بشري ، لا بد من التخلي عن القطع ، وعن الرؤية الرعاعية والانسحاب نحو ما هو فردي .

    و باختصار ، أقول لكِ إن كل حركة تسعى إلى تجاوز المعركة من أجل السيادة الفردية ( أو استعبادها إلى مستوى ثانوي ) ، مُقَدَّمة عليها مصالح جماعية – لطبقة أو عرق أو سلالة أو أمة أو جنس أو أثنية أو كنيسة أو مهنة . تبدو لي مؤامرة تريد فرض مزيد من اللجم على الحرية البشرية المهانة. هذه الحرية التي لا تصل إلى مغزاها الواسع إلا في مجال الفرد ، موطنها الدافئ وغير القابل للتجزئة الذي تجسدينه حضرتكِ ببظركِ المحارب وأجسده أنا بقضيبي المتخفي ( لدي غُلْفة على عضوي ، وكذلك ابني ألفونسو ، لأنني ضد الختان الديني لحديثي الولادة ، ولستُ ضد الختان لمن يختارونه وهم في سن الرشد – وأدين للأسباب نفسها عمليات بتر البظر والشفرتين العلويين التي يمارسها كثيرون من الإسلاميين الأفارقة ) ويتوجب علينا أن ندافع عنها ، خصوصاً في مزاعم من يريدون تذويبنا في هذه التجمعات المشوهة و المخصية التي يحكم بها المتعطشون إلى السلطة. وكل شيء يشير كما يبدو إلى أنك وأتباعكِ تشكلون جزءاً من هذا القطيع ، ومن واجبي أن أنقل إليك خصومتي وعدائي عبر هذه الرسالة التي لا أفكر في حملها إلى البريد .

    ولكي أستبعد قليلاً طابع الجديّة المأتمية الذي يطغى على رسالتي وأنهيها بابتسامة ، فأنني أتحمس لأن أشير إلى قضية إيمـّّا البرغماتية الثنائي الجنس ( هل يتوجب عليّ أن أقول ثنائية الجنس ؟ ) والتي يذكرها طبيب الأمراض التناسلية هوغ هـ. يونغ ( وكذلك جون هوبكنز ) التي عالجها / عالجه . لقد تربت إيـمّا على أنها طفلة ، على الرغم من امتلاكها بظراً بحجم القضيب ومهبلاً مضيافاً ، مما أتاح لها الاحتفال بتبادلات جنسية مع الرجال والنساء ، في عزوبيتها كانت تمارس علاقاتها مع الفتيات بصورة خاصة ، مؤدية دور الرجل . ثم تزوجت فيما بعد من ذكرٍ ومارست الحب كامرأة ، دون أن تتلذذ بهذا الدور مثلما كانت تتلذذ بدورها الآخر ؛ ولهذا كانت لها عشيقات من النساء تثقبهن ببظرها الذكري . وحين استشارت الدكتور يونغ عن حالتها ، أوضح لها أنه من السهل القيام بمداخلة جراحية وتحويلها إلى رجل وحسب ، لأن هذه هي حالتها كما يبدو . وكان رد إيـمّا الذي يساوي مكتبات مما قيل حول تقشف العالم البشري : ” سيكون عليكَ أن تستأصل مهبلي ، أليس كذلك يا دكتور ؟ لا أظن أن هذا الحل يناسبني ، لأن رحمي هو الذي يوفر لي الطعام . فإذا ما أجريت لي العملية ، سيكون علي أن أنفصل عن زوجي وأن أبحث عن عمل. ولهذا ، أُفضّل أن أبقى مثلما أنا ” . تورد هذه القصة الدكتورة آنا فاستو – ستيرلينغ في كتابها : خرافة الأجناس : نظريات بيولوجية حول المرأة والرجل ، وهو كتاب أنصحك بقراءته.
    وداعاً و”…. ” يا صديقتي.

  • ذاكرة الجسد – أحلام مستغانمي

    ذاكرة الجسد – أحلام مستغانمي

    إلى مالك حدَّاد .
    ابنُ قسنطينة الذي أقسمَ بعدَ استقلالِ الجزائرِ ألا يكتبَ بلغةٍ ليست لغته .
    فاغتالته الصفحةُ البيضاء .. وماتَ متأثراً بسلطانِ صمتهِ ليصبحَ شهيدَ اللغةِ العربيةِ ، وأولَ كاتبٍ قرَّرَ أن يموتَ صمتاً وقهراً وعشقاً لها .

    وإلى أبي .
    عساهُ يجدُ “هناكَ” من يُتقنُ العربيةَ، فيقرأَ له أخيراً هذا الكتاب ..كتابه .

    أحلام


    ما زلتُ أذكرُ قولكِ ذات يوم :
    “الحبُّ هوَ ما حدثَ بيننا . والأدبُ هوَ كل ما لم يحدث”.
    يُمكنني اليومَ، بعدما انتهى كل شئٍ أن أقول :
    هنيئاً للأدبِ على فجيعتنا إذن فما أكبرَ مساحة ما لم يحدث . إنها تصلحُ اليومَ لأكثر من كتاب .
    وهنيئاً للحبِّ أيضاً ..
    فما أجملَ الذي حدثَ بيننا ، ما أجملَ الذي لم يحدث ، ما أجملَ الذي لن يحدث .
    قبلَ اليوم، كنتُ أعتقدُ أننا لا يُمكنُ أن نكتبَ عن حياتنا إلاَّ عندما نُشفى منها.
    عندما يُمكنُ أن نلمسَ جراحنا القديمةَ بقلمٍ ، دونَ أن نتألمَ مرةً أخرى.
    عندما نقدرُ على النظرِ خلفنا دونَ حنين، دونَ جنون، ودونَ حقدٍٍ أيضاً.
    أيمكنُ هذا حقاً ؟
    نحنُ لا نُشفى من ذاكرتنا. ولهذا نحنُ نكتبُ، ولهذا نحنُ نرسمُ، ولهذا يموتُ بعضنا أيضاً .
    – أتريدُ قهوة؟
    يأتي صوتُ عتيقة غائباً، وكأنه يطرحُ السؤالَ على شخصٍ غيري. معتذراً دونَ اعتذار، عليَّ وجهٌ للحزنِ لم أخلعه منذُ ايام.
    يخذلني صوتي فجأةً. أجيبُ بإشارةٍ من رأسي فقط.
    فتنسحبُ لتعودَ بعد لحظات، بصينيِّةِ قهوةٍ نحاسيَّةٍ كبيرة عليها إبريق، وفناجين، وسكَّرية، ومرشٌّ لماءِ الزهر، وصحنٌ للحلويات.
    في مدنٍ أخرى تُقدمُ القهوةُ جاهزةً في فنجان، وُضعت جواره مسبقاً ملعقة وقطعة سكَّر.
    ولكن قسنطينة مدينةٌ تكرهُ الإيجازَ في كلِّ شئ.
    إنها تفردُ ما عندها دائماً. تماماً كا تلبسُ كلَّ ما تملك. وتقولُ كلَّ ما تعرف.
    ولهذا كانَ حتى الحزن وليمة في هذهِ المدينة.
    أجمعُ الأوراقَ المبعثرةَ أمامي، لأتركَ مكاناً لفنجانِ القهوة وكأنني أفسحُ مكاناً لكِ.
    بعضها مسوَّدات قديمة، وأخرى أوراقٌ بيضاءَ تنتظرُ منذُ أيامٍ بعضَ الكلمات فقط كي تدبَّ فيها الحياة، وتتحولَ من ورقٍ إلى أيام.
    كلماتٌ فقط، أجتازُ بها الصمتَ إلى الكلام، والذاكرةَ إلى النسيان، ولكن ..
    تركتُ السكَّرَ جانباً، وارتشفتُ قهوتي مرَّةً كما عودني حبُّكِ.
    فكرتُ في غرابةِ هذا الطعمِ العذب للقهوةِ المرَّة. ولحظتها فقط، شعرتُ أنني قادرٌ على الكتابةِ عنكِ فأشعلتُ سيجارةً عصبية، ورحتُ أطاردُ دخانَ الكلماتِ التي أحرقتني منذ سنوات، دونَ أن أطفئَ حرائقها مرة فوق صفحة.
    هل الورقُ مطفأةٌ للذاكرة ؟
    نتركُ فوقه كل مرةٍ رمادَ سيجارةِ الحنينِ الأخيرة، وبقايا الخيبةِ الأخيرة.
    من مِنَّا يُطفئُ أو يُشعلُ الأخر ؟
    لا أدري.. فقبلكِ لم أكتب شيئاً يستحقُّ الذكر .. معكِ فقط سابدأُ الكتابة.
    ولابدَّ أن أعثرَ أخيراً على الكلمات التي سأنكتبُ بها، فمن حقِّي أن أختارَ اليومَ كيفَ أنكتب. أنا الذي لم أختر تلكَ القصَّة.
    قصةً كانَ يُمكنُ ألا تكونَ قصتي، لو لم يضعكِ القدرُ كلَّ مرةٍ مصادفةً عندَ منعطفاتِ فصولها.
    من أينَ جاءَ هذا الارتباك ؟
    وكيفَ تطابقت مساحةُ الأوراقِ البيضاءِ المستطيلة، بتلكَ المساحةِ الشاسعةِ البياض للوحاتٍ لم تُرسم بعد.. وما زالت مُسندةً على جدارِ مرسمٍ كانَ مرسمي ؟
    وكيفَ غادرتني الحروفُ كما غادرتني قبلها الألوان.وتحولَ العالمُ إلى جهاز تلفزيون عتيق، يبثُّ الصورَ بالأسودِ والأبيض فقط؟
    ويعرضُ شريطاً قديماً للذاكرة، كما تُعرضُ أفلام السينما الصامتة.
    كنتُ أحسدهم دائماً، أولئك الرسامين الذين كانوا ينتقلون بين الرسم والكتابةِ دون جهد، وكأنهم ينتقلون من غرفةٍ إلى أخرى داخلهم. كأنهم ينتقلونَ بين امرأتينِ دونَ كلفة.
    كانَ لابدَّ ألا أكونَ رجلاً لامرأةٍ واحدة !

    ها هو ذا القلمُ إذن.. الأكثرُ بوحاً والأكثر جرحاً.
    ها هوَ ذا الذي لا يُتقن المراواغة، ولا يعرفُ كيف توضعُ الظلال على الأشياء. ولا كيفَ تُرش الألوانُ على الجرحِ المعروضِ للفرجة.
    وها هيَ الكلمات التي حُرمتُ منها، عاريةً كما أردتها، موجعةً كما أردتها، فلمَ رعشةُ الخوفِ تشلُّ يدي، وتمنعني من الكتابة؟
    تُراني أعي في هذهِ اللحظةِ فقط، أني استبدلتُ بفرشاتي سكيناً. وأن الكتابةَ إليكِ قاتلة.. كحبكِ.

    ارتشفتُ قهوتكِ الـمُرَّة بمتعةٍ مشبوهةٍ هذه المرَّة. شعرتُ أنني على وشكِ أن أعثرَ على جملةٍ أولى، أبدأ بها هذا الكتاب.
    جملةٍ قد تكونُ في تلقائيةِ كلماتِ رسالة.
    كأن أقول مثلاً :
    ” أكتبُ إليكِ من مدينةٍ ما زالت تشبهكِ، وأصبحتُ أشبهها. ما زالت الطيورُ تعبرُ هذه الجسور على عجل، وأنا أصبحتُ جسراً آخر معلقاً هنا.
    لا تحبي الجسورَ بعد اليوم.. “
    أو شيئاً آخر مثل:
    ” أمامَ فنجانِ قهوةٍ ذكرتكِ..
    كان لابدَّ أن تضعي ولو مرةً واحدة قطعةَ سُكَّر في قهوتي. لماذا كل هذه الصينية؛ أمن أجلِ قهوةٍ مُرَّة..؟ “.

    كانَ يُمكنُ أن أقول أي شئ. ففي النهايةِ، ليست الروايات سوى رسائل وبطاقات، نكتبها خارجَ المناسباتِ المعلنة، لنعلنَ نشرتنا النفسيةَ لمن يهمهم أمرنا.
    ولذا أجملها، تلكَ التي تبدأ بجملةٍ لم يتوقعها من عايشَ طقسنا ومناخنا. وربما كان يوماً سبباً في كل تقلباتنا الجوية.
    تتزاحمُ الجملُ في ذهني. كل تلك التي لم تتوقعيها. وتمطرُ الذاكرة فجأةً.
    فأبتلعُ قهوتي على عجل. وأُشرعُ نافذتي لأهربَ منكِ إلى السماء الخريفية، إلى الشجر والجسور والمارة.

    إلى مدينةٍ أصبحت مدينتي مرَّةَ أخرى. بعدما أخذت لي موعداً معها لسببٍ آخرَ هذه المرة.
    هذه قسنطينة. وها هوَ كل شئٍ أنتٍ.
    وها أنتِ تدخلين إليَّ، من النافذةِ نفسها التي سبقَ أن دخلتِ منها منذ سنوات. معَ صوتِ المآذنِ نفسه، وصوت الباعة، وخُطى النساء الملتحفاتِ بالسواد، والأغاني القادمة من مذياعٍ لا يتعب.
    ” يا التفاحة.. يا التفاحة.. خبِّريني.. وعلاش الناس والعة بيكِ ..”

    تستوقفني هذه الأغنيةُ بسذاجتها.
    تضعني وجهاً لوجهٍ مع الوطن. تُذكرني دونَ مجالٍ للشك بألأنني في مدينةٍ عربية. فتبدو السنوات التي قضيتها في باريس حلماًً خرافياً .
    هل التغزلُ بالفواكهِ ظاهرةٌ عربية؟ أم وحده التفاح الذي ما زالَ يحملُ نكهةَ خطيئتنا الأولى، شهيٌّ حدَّ التغني به، في أكثرِ من بلدٍ عربي.
    وماذا لو كنتِ تُفاحة؟
    لا، لم تكوني تفاحة.
    كنتِ المرأة التي أغرتني بأكلِ التفاحِ لا أكثر. كنتِ تُمارسينَ معي فطرياً لعبةَ حوَّاء. ولم يكن بإمكاني أن أتنكرَ لأكثر من رجل يسكنني، لأكونَ معكِ أن بالذات في حماقةِ آدم !
    – أهلاً سي خالد.. واش راك اليوم ؟
    يُسلمُ عليَّ جار، تسلَّقتْ نظراتهُ طوابقَ حُزني. وفاجأه وقوفي الصباحي، خلفَ شرفةٍ للذهول.
    أتابعُ في نظرةٍ غائبة، خطواته المتجهةَ نحوَ المسجدِ المجاور. وما يليها من خطواتٍ لمارةٍ آخرين، بعضها كسلى، وأخرى عجلى، متجهةً جميعها نحو المكان نفسه.
    الوطنُ كله ذاهب للصلاة.
    والمذياعُ يُمجدُ أكلَ التفاحة.
    وأكثر من جهاز هوائي على السطوح، يقفُ مقابلاً المآذن، يرصدُ القنوات الأجنبية، التي تقدمُ كلَّ ليلةٍ على شاشةِ تلفزيونك، أكثر من طريقةٍ عصريةٍ لأكل التفاح!

    أكتفي بابتلاعِ ريقي فقط.
    في الواقعِ لم أكن أحب الفواكه. ولا كانَ أمر التفاح يعنيني بالتحديد. كنتُ أحبكِ أنتِ. وما ذنبي إن جاءني حبكِ في شكلِ خطيئة؟!
    كيفَ أنتَ، يسألني جارٌ ويمضي للصلاة.
    فيجيبه لساني بكلماتٍ مقتضبة، ويمضي في السؤالِ عنكِ.
    كيفَ أنا؟
    أنا ما فعلتهِ بي سيدتي.. فكيفَ أنتِ؟
    يا امرأةً كساها حنيني جنوناً، وإذا بها تأخذ تدريجيا ملامحَ مدينةٍ وتضاريسَ وطن.
    وإذا بي أسكنها في غفلةٍ من الزمن، وكأنني أسكنُ غرفَ ذاكرتي المغلقة من سنين.
    كيفَ حالكِ؟
    يا شجرةَ توتٍ تلبسُ الحدادَ وراثياً كلَّ موسم.
    يا قسنطينةَ الأثواب. يا قسنطينةَ الحبِّ، والأفراحِ والأحزانِ والأحباب. أجيبي أينَ تكونين الآن؟
    ها هيَ قسنطينة. باردة الأطراف والأقدام. محمومة الشفاه، مجنونة الأطوار.
    ها هي ذي.. كم تشبهينها اليومَ أيضاً . لو تدرين!
    دعيني أغلقُ النافذة.
    كانَ مارسيل بانيول يقول:
    ” تعوَّد على اعتبار الأشياء العادية، أشياءَ يُمكن أن تحدثَ أيضاً “.
    أليسَ الموتُ في النهايةِ شيئاً عادياً، تماماً كالميلادِ، والحبِّ، والزواجِ، والمرضِ، والشيخوخةِ، والغربةِ والجنونِ، وأشياءَ أخرى؟
    فما أطول قائمة الأشياء العادية التي نتوقعها فوق العادة، حتى تحدث. والتي نعتقدُ أنها لا تحدثُ سوى للآخرين، وأن الحياةَ لسببٍ أو لآخر ستوفرُ علينا كثيراً منها، حتى نجدَ أنفسنا يوماً أمامها.
    عندما أبحثُ في حياتي اليوم، أجدُ أن لقائي بكِ هو الشئ الوحيد الخارق للعادةِ حقاً. الشئُ الوحيد الذي لم أكن لأتنبأ به، أو أتوقع عواقبه عليَّ. لأنني كنتُ أجهلُ وقتها أن الأشياء غير العادية، قد تجرُّ معها كثيراً من الأشياء العادية.
    ورغمَ ذلك، ما زلتُ أتساءل بعد كل هذه السنوات، أين أضع حبكِ اليوم؟
    أفي خانةِ الأشياء العادية التي قد تحدث لنا كأي وعكةٍ صحية أو زلةِ قدمٍ أو نوبةِ جنون؟
    أم أضعه حيث بدأ يوماً ؟
    كشئٍ خارقٍ للعادة، كهديةٍ من كوكبٍ لم يتوقع وجوده الفلكيون. أو زلزالٍ لم تتنبأ به أية أجهزةٍ لرصد الهزات الأرضية.
    أكنتِ زلةَ قدمٍ.. أم زلةَ قدر؟
    أقلبُ جريدةَ الصباح بحثاً عن أجوبةٍ مقنعةٍ لحدثٍ عادي، غيَّرَ مسارَ حياتي وجاءَ بي إلى هنا.
    أتصفحُ تعاستنا بعد كل هذه الأعوام، فيعلقُ الوطنُ حبراً أسوداً بيدي.
    هناكَ صحفٌ يجب أن تغسلَ يديك إن تصفحتها، وإن كان ليس للسببِ نفسه كل مرة. فهنالكَ واحدة تتركُ حبرها عليك، وأخرى أكثر تألقاً، تنقلُ عفونتها إليك.
    ألأنَّ الجرائد تُشبه أصحابها. تبدو لي جرائدنا وكأنها تستيقظُ كلَّ يومٍ مثلنا، بملامحَ متعبة، وبوجهٍ غير صباحي غسلته على عجل، ونزلت به إلى الشارع. هكذا دونَ أن تكلفَ نفسها مشقةَ تصفيفِ شعرها، أو وضعِ ربطةِ عنقٍ مناسبة.. أو إغرائنا بابتسامة.
    25/ أكتوبر/1988 .
    عناوين كُبرى. كثيرٌ من الحبرِ الأسود. كثيرٌ من الدم. وقليلٌ من الحياء.
    هنالكَ جرائد تبيعكَ نفس صور الصفحة الأولى، ببذلةٍ جديدةٍ كلَّ مرة.
    هنالكَ جرائد تبعيكَ نفس الأكاذيب بطريقةٍ أقل ذكاءً كلَّ مرة.
    وهنالك أخرى، تبيعكَ تذكرةً للهروب من الوطن.. لا غير.
    وما دام ذلك لم يعد ممكناً، فلأغلق الجريدةَ إذن، ولأذهب لغسلِ يدي.

    من منشورات دار الآداب. الطبعة الثانية عشرة 1999. النص المختار من صفحة 5 إلى صفحة 15 من الفصل الأول.
    أحلام مستغانمي. كاتبة جزائرية معاصرة. حائزة على جائزة نجيب محفوظ للإبداع الأدبي لعام 1998. أشهر ما كتبته ثلاثيتها: ذاكرة الجسد، فوضى الحواس، عابر سرير. ولها منشورات أخرى بالعربية والفرنسية.

  • ذِكْرَيَاتُ مُدخنٍ مُتقاعد

    في فترةٍ تكادُ تكونُ غير واقعية ، كانَ فيها جميعُ الناسِ شباناً ، غلبَ النومُ الناقدَ السينمائي المكسيكي اميليو غارسيا رييرا ، في غرفةٍ بأحدِ الفنادق ، وهوَ يدخنُ في سريره . أفلتَ السيجارةَ من فمهِ في اللحظةِ ذاتها التي أفلتَ الكتابَ من يده . وعندما استيقظَ كانَ يوشكُ أن يموتَ مختنقاً ، في غرفةٍ يملؤها الدخان ، وفوقَ فَرشةٍ مشتعلة . ولم يكن ممكناً اقناع مدير الفندق بأن ما جرى هوَ حادث عادي ، وأنه لابد لعقودِ التأمين من أن تأخذه بعين الاعتبار ، وتدفع التعويض ، مثلما هوَ الأمرُ بالنسبةِ للكؤوس التي تتكسر والسجاد الذي يهترئ عندَ ترك صنبور الحمام مفتوحاً ، وأنه ليسَ من العدلِ بالتالي ، محاولة إضافة ثمن الفَرشَةِ المحروقة إلى فاتورة حساب ناقد سينمائي ، ترفه البرجوازي الوحيد هو التدخين نائماً . ولم تكن ثمة وسيلة ، فقد قبضَ الفندق ثمنَ الفرشةِ بسعرِ فرشةٍ جديدة .
    (المزيد…)

  • مَن أعْظَمُ مِن مُحَمَّدْ؟

    لا أحدَ يستطيعُ أبداً أن يتطلعَ، عن قصدٍ أو عن غير قصد، إلى بلوغِ ما هو أسمى من ذلك الهدف، إنه هدفٌ يتعدَّى الطاقةَ البشرية، ألا وهو تقويضُ الخرافات التي تجعلُ حِجاباً بين الخالقِ والمخلوق، وإعادة صلة القرب المتبادل بين العبدِ وربه، ورد الاعتبار إلى النظرةِ العقلية لمقام الألوهية المقدس، وسطَ عالم فوضى الآلهة المشوهة التي اختلقتها أيدي ملةُ الإشراك.
    لا يُمكن لإنسانٍ أن يقدمَ على مشروعٍ يتعدى حدودَ قوى البشر بأضعفِ الوسائل، وهو لا يعتمدُ في تصورِ مشروعه وإنجازه إلا على نفسه ورجالٍ لا يتجاوز عددهم عددَ أصابع اليد الواحدة، يعيشون في منكب من الصحراء.
    (المزيد…)

  • يوم لن يعود بانورج يُضحكُ أحدًا – ميلان كونديرا

    يوم لن يعود بانورج يُضحكُ أحدًا – ميلان كونديرا

    ابتكارُ الفكاهة:

    السيدة غراند غوزييه الحامل، أفرطت في التهامِ كروش الدواب، فاضطروا إلى إعطائها مقبضاً للرحم، وقد كانَ فعالاً فانفكت المشيمة، واندسَّ الجنين غارغانتيا في أحدِ الأوردة، وصعدَ مع تيارِ الدم ثم خرجَ من أذنِ أمه.
    بدءاً من العباراتِ الأولى، يكشفُ الكتابُ أوراقه، فما يرويه هنا ليس جدياً: هذا يعني أنه لا يؤكدُ هنا حقائق (علمية أو ميثية)، فهوَ لا يلتزمُ بوصفِ الأحداث كما هي في الواقع.

    لأزمنة رابليه السعيدة: تطيرُ فراشة الرواية حاملةً على جسدها بقايا الخادرة التي كانتها. ينتمي بانتاغرويل أيضاً بمظهره العملاق إلى ماضي الحكايات الفانتازيه، بينما يصل بانورج من مستقبلِ الرواية الذي لم يزل مجهولاً آنذاك. هذه اللحظة الاستثنائية لولادةِ فنٍ جديد تُعطي كتاب رابليه غنىً خارقاً، فكلُّ شئٍ موجود فيه: المحتمل، والمستبعد، والمجاز، والهجاء، العمالقة والناس العاديين، والنوادر الطريفة، والتأملات، والأسفار الحقيقية والخيالية، والخصومات العلمية، واستطرادات البراعة اللفظية المحضة. يشعرُ روائي اليوم، وريث القرن التاسع عشر، بحنينٍ ممزوجٍ بالحسد لعالمِ الروائيين الأوائل المدهش، وللحريةِ الفَرِحَةِ التي لازمتهم.

    وكما يُسقطُ رابليه في الصفحاتِ الأولى من كتابه غارغانتيا على مسرحِ العالمِ من أذنِ أمه، كذلك في رواية آيات شيطانية، بعد انفجار طائرة في الجو، يَسقطُ بطلا سلمان رشدي وهما يثرثران، ويغنيان، ويتصرفان بطريقةٍ هزليةٍ وغير متوقعة، بينما ” من فوقهما ومن خلفهما ومن تحتهما في الفضاء” تطفو مقاعد بمساند قابلة للطي، وأقداح من الكرتون، ,كمامات أوكسجين، ومسافرين، أحدُ هذين البطلين، جبريل فاريشا، يسبحُ في” الهواء مرفرفاً ومتوثباً، ويتهاوى باسطاً ذراعيه وساقيه في شبهِ اللانهائية لشبهِ الفجرِ هذا”. والآخر، سالادين شامشا، ” كظلٍّ لِطَيفٍ يتهاوى، مرتدياً بدلةً رمادية مُزرَّرَة، وذراعاه ملتصقانِ بجسده، وعلى رأسهِ قبعةٌ مستديرة”.
    تبتدئ الرواية بهذا المشهد لأن رشدي يعرفُ كرابليه، أن التفاهم بين الروائي والقارئ يجب أن يتوطد منذ البداية، ولابدَّ أن يكون هذا التفاهم واضحاً: فما يُروى هنا ليس جِدِّياً حتى لو تعلقَ الأمرُ بأشياءَ مخيفة.
    التزاوج بين اللاجدِّ والخوف: هذا مشهد من الرباعية: يُصادفُ قارب بانتاغرويل في عرضِ البحرِ سفينةً تحملُ خرافاً، ,حينَ يرى أحدُ التجار بانورج يرتدي بنطالاً دونَ فتحة، ونظارتين معلقتين بقلنسوته، يحسبُ أن من حقهِ جذب الأنظار، ويصفه بالزوج المخدوع. وعلى الفور يثأر بانورج لنفسه. يشتري منه خروفاً ويقذفه في البحر، فتبدأ كل الخراف الأخرى المعتادة أن تتبع الخروف الأول في القفزِ إلى الماء. يطيرُ صواب التُّجار، فيمسكونَ بها من صوفها وقرونها، فتجرهم معها إلى البحر هم أيضاً. يُمسكُ بانورج مجدافاً في يده، لا لينقذهم، بل ليمنعهم من تسلق السفينة. يعظهم بفصاحة، مبرهناً لهم على شقاءِ هذا العالم، , وأن الخير والسعادة في العالم الآخر، ومؤكداً أن الموتى أسعدُ من الأحياء، ومع ذلكَ يُرغبهم بملاقاةِ أيِّ حوتٍ اقتداءً بيونس، إن كانَ لا يُزعجهم أن يظلوا أحياءً بين البشر. عندما ينتهي الغرق، يُبادرُ الأخ الصالح إلى تهنئة بانورج،ويلومه فقط لأنه دفع ثمن البضاعة، وبدَّدَ على هذا النحو النقود دون جدوى. فيقول له بانورج: ” بسم الله. لقد تسليتُ بأكثر من خمسين ألف فرنك”.

    المشهد غير واقعي ومستحيل، فهل له أي مغزى؟ وهل يفضح رابليه دناءة التجار الذين لابدَّ لعقابهم أن يَسُرَّنا؟ أم أنه يريد أن يُثيرنا ضدّ فظاظةِ بانورج؟ أم يسخر، في معاداةٍ قوية للأكليركية، من حماقةِ الكليشات الدينية التي يتفوه بها بانورج؟؟ هيا احزروا ! فكلُّ إجابةٍ هي فخٌّ للبلهاء.

    يقول أوكتافيوباز: ” لم يعرف هوميروس، ولا فيرجيل الفكاهة، ويبدو أن أريوست استشعرَ بها، لكن الفكاهةَ لم تتشكل إلا مع سيرفانتس. ويتابع باز: الفكاهة هي الابتكار العظيم للروح الحديثة”.
    فكرةٌ أساسية: ليست الفكاهة ممارسة عريقة للإنسان، إنها ابتكار مرتبط بولادةِ الرواية. ليست الفكاهة إذن الضحك والسخرية والهجاء، إنما نوع خاص من الهزل، يقولُ عنه باز: ( وهذا هو المدخل لفهم جوهر الفكاهة) . إنه ” يجعلُ كل ما يلمسه غامضاً”. أولئك الذين لا يسعهم أن يستمتعوا بالمشهد الذي يدعُ فيه بانورج تجار الخراف يغرقون وهوَ يمدحُ لهم في الوقتِ ذاته الحياةَ الآخرة، لن يفهموا شيئاً أبداً في فنِّ الرواية.

    المقاطعة التي يعلقُ فيها الحكمُ الأخلاقي:

    لو سألني أحدٌ عن السببِ الأكثر تواتراً لسوءِ الفهمِ بيني وبين قرائي؛ لما ترددت بالإجابة: الفكاهة. لم يكن قد مضى زمنٌ طويل بعد على وجودي في فرنسا حتى تخلصت تماماً من الضجر. وعندما رغبَ أستاذٌ شهير في الطب أن يراني لأنه أحبَّ رواية فالس الوداعات، شعرتُ بالغرور. برأيهِ، روايتي تنبؤية، حيثُ لامستْ مشكلةً مستقبلية هامة بشخصية الدكتور سكريتا الذي يعالجُ النساء العقيمات ظاهرياً في مدينةِ الحمة، وذلك عن طريق حقنهنَّ سراً بمنيه الخاص بواسطة محقنة خاصة. دعاني ذلك الأستاذ إلى حوارٍ حولَ التلقيح الاصطناعي. سحبَ من جيبهِ قصاصةَ ورقٍ وقرأَ لي مسودة مداخلته. – يجبُ أن يكون إعطاء المني مغفلاً ومجانياً( ونظر آنذاك في عيني ) ومُبَرَّراً بحبٍّ مضاعف ثلاث مرات: حبٌ لبويضة مجهولة ترغبُ أن تُنجز مهمتها، وحبُ المعطي لفرديته الخاصة التي ستمتدُّ بالهبة، وثالثاً حبٌ لزوجينِ يتألمانِ ظامئينِ. ثم حدَّقَ من جديدٍ في عيني، وبالرغمِ من احترامه الفائق، سمحَ لنفسه بانتقادي: -لم تُفلح في التعبيرِ بأسلوبٍ مُقنع بما فيه الكفاية عن الجمال الأخلاقي لهبةِ المني. فدافعتُ عن نفسي: -الروايةُ هزلية! وطبيبي فانتازي! ينبغي ألا نأخذ كل شئٍ على محملِ الجد! قال لي مرتاباً: – إذن، ينبغي ألا نأخذ رواياتك على محملِ الجد؟ ارتبكتُ، وفجأةً فهمتُ: لا شئَ أصعبُ من إفهامِ الفكاهة.
    في الرباعية، تهبُّ عاصفةٌ في البحر. الناس كلهم موجودون على السطح يحاولون إنقاذ السفينة. وحده بانورج، المشلول من الخوف، لا ينفكُّ يئنُّ، ينتشرُ نحيبه المخادع على مدى صفحات. وعندما تهدأ العاصفة، يستعيدُ شجاعته، ويوبخهم جميعاً على كسلهم. والطريف في الأمر: هذا الجبان والخامل والكذاب والمتصنع، ليس فقط أنه لا يُثيرُ فينا أية نقمة، بل إننا في تلك اللحظة من مباهاته نزداد حباً له. عند تلك الفقرات يغدو كتاب رابليه رواية، كلياً وجذرياً : أي مملكةً يعلقُ فيها الحكمُ الأخلاقي.
    لا يعني تعليقُ الحكم الأخلاقي لا أخلاقية الرواية. إنه أخلاقيتها. الأخلاقية التي تُعارضُ الممارسة الإنسانية الراسخة التي تحكمُ فوراً وباستمرار، وعلى الناس كلهم، بحكمٍ مُسبقٍ دون فهم. هذا الاستعداد المحموم للحكم هو، برأي حكمةِ الرواية، الحماقة الأكبر مقتاً والمرض الأشد إيذاءً. هذا لا يعني أن الروائي يُنكرُ بالمطلق شرعيةَ الحكم الأخلاقي، إنما يؤجله إلى ما وراء الرواية. هناك، إذا كانَ هذا يناسبكم، أدينوا بانورج على جُبنه، وأدينوا إيما بوفاري وأدينو راستينياك، هذا شأنكم. أما الروائي فلا علاقةَ له بذلك.

    إن خلقَ الحقل التخيُّلي الذي يعلقُ في الحكم الأخلاقي هو مأثرة إدراكٍ رفيع: هناكَ فقط يُمكن أن تتفتحَ شخصيات روائية، بمعرفةِ فردياتٍ لم تُصمم تبعاً لحقيقةٍ سابقةٍ للوجود، باعتبارها نماذجَ للخير أو للشر، أو باعتبارها تصورات لقوانين موضوعية تتجابه، إنما باعتبارها كائناتٍ مستقلة مؤسسة على أخلاقها الخاصة وقوانينها الخاصة. اعتادَ المجتمع الغربي أن يُقدمَ نفسه كمجتمعٍ لحقوق ِالإنسان، لكن قبل أن يستطيع الإنسان نيلَ حقوقه، كان لابدَّ أن يتكونَ كفرد، وأن يعتبر نفسه فلاناً وأن يُعتبرَ فلاناً، وما كانَ لهذا أن يحدثَ دونَ ممارسةٍ مديدةٍ للفنون الأوربية وفن الرواية خصوصاً الذي يُعلِّمُ القارئَ أن يندهشَ من الآخر، وأن يسعى إلى فهمِ حقائقَ تختلف عن حقائقه. بهذا المعنى أصاب سيوران بتسميةِ المجتمع الأوروبي” بمجتمع الرواية. وبكلامهِ عن الأوروبيين على أنهم” أبناءُ الرواية” .

    بئرُ الماضي:

    ما الفرد؟ وأين توجدُ هويته؟ جميعُ الروايات تسعى للإجابة عن هذين السؤالين. وفي الواقع، بماذا تتعين الأنا؟ هل بما يقوم به شخص وبأفعاله؟ ولكن الفعل يفرُّ من مؤلفه وينقلبُ ضدَّه دوماً تقريباً. هل تتعين بحياته الداخلية إذن، وبأفكاره ومشاعره المخبأة؟ لكن هل بمقدورِ إنسانٍ أن يفهمَ نفسه بنفسه؟ وهل يُمكن لتصوارته المخبأة أن تُستخدمَ مدخلاً لهويته؟ أم أن الإنسان متعينٌ برؤيته للعالمِ وأفكاره، وبرؤيته العالمية(1)؟
    هذه هي جمالية دستوفسكي: شخصياته متأصلة في أيديولوجيا الشخصية لدى تولستوي شيئاً راسخاً يُمكن للهويةِ الفردية أن تتأسس عليه: ” لم يكن ستيفان أركادييفيتش يختارُ مواقفه وآراءه، إنما المواقف والآراء تأتـيه من تلقاء ذاتها، حتى إنه لم يكن يختار شكلَ قبعاته أو معاطفه، إنما كان يشتري ما يشتريه الناس ( آنا كارنينا ). لكن إذا لم يكن التصور الشخصي أساسَ هوية الفرد ( وإذا لم تزد أهميته عن أهميةِ قبعة) فأين يوجدُ هذا الأساس؟

    بهذا البحث الدؤوب، أسهمَ تُومَاس مان إسهامه الفائقَ الأهمية: نحنُ نظنُّ أننا نؤثرُ ونفكر، بيدَ أن الآخر أو الآخرين هم الذين يفكرون ويؤثرون فينا: فالعادات السحيقة في القدم والأنماط الأولية التي أصبحت أساطيراً وعبرت من جيلٍ لآخر، لها قدرة فائقة على الإغواء، وتُوَجِّهنا عن بعدٍ ( كما يقول مان) من ” بئر الماضي”.

    مان: هل “أنا” الإنسان محصورة بدقة ومسجونة بإحكامٍ في حدودها الجسدية والمؤقتة؟ ألا تنتمي العناصر العديدة التي تتألف منها إلى عالمه الداخلي والخارجي؟ إن التمييز بين الروح عموماً والروح الفردية، لم يُفرض قديماً على النفوس بالقوةِ نفسها التي يُفرض بها اليوم. وأيضاً : ” نجدُ أنفسنا أمامَ ظاهرةٍ حاولنا نَعْـتَها بالمحاكاةِ أو بالدوام، وأمامَ تصورٍ للحياة بحسبهِ يرتكز دورُ كلِّ واحدٍ على بعثِ بعض الأشكال المعطاة، وبعض الترسيمات الأسطورية التي أسسها الأجداد، ويرتكزُ أيضاً على السماح لهم بتقمصها من جديد”.

    ليس الصراع بين يعقوب وأخيه عيسو سوى تكرار للنزاع القديم بين هابيل وأخيه قابيل، بين المحظوظ من الله والآخر، المهمل والحاسد. يجدُ هذا الصراع، ” هذه الترسمية الأسطورية التي وضعها الأجداد”، تحويره الجديد في مصير يوسف، ابن يعقوب، المنتمي إلى ذرية المحظوظين هو أيضاً. ولأنَّ شعور الإثم المغرق في القدم عند المحظوظين يحركُ يعقوب، فإنه يرسلُ ابنه للتصالح مع أخوته الحاسدين ( مبادرة مشؤومة: فهؤلاء سيرمونه في بئر.)

    وحتى الألم وهو رد فعل لا يُمكن ضبطه ظاهرياً، ليس سوى ” محاكاة ودوام” : عندما تعرضُ علينا الرواية تصرف يعقوب وكلامه وهو يرثي موت يوسف، يُعلِّق مان: ” لم تكن تلك طريقته المعتادة في الكلام قط، وكان سبق لنوح أن ألقى خطبةً بأسلوبٍ مماثل أو شبيهٍ عن الطوفان، وقد انتحلها يعقوب، وعبَّرَ يأسُه عن نفسه بعباراتٍ شائعة تقريباً، مع أنه يجبُّ ألا توضعَ عفويتها لهذا السبب موضع شك”. ملاحظة هامة: المحاكاة لا تعني انعدام الصدق، لأنَّ الفرد مجبرٌ أن يحاكي ما حدثَ سابقاً؛ ومهما كان إخلاصه، فهو ليسَ إلا تقمصاً، ومهما كانَ مُحقاً، فهوَ ليسَ إلا نتيجةَ إيماءاتٍ وإيعازاتٍ تنبعثُ من بئرِ الماضي.

    يومٌ لن يعودَ بانورج يُضحكُ أحداً:

    هذا ما يجعلني أعودُ مرةً أخيرةً إلى بانورج. ففي بانتا غرويل يقعُ في غرامِ سيدةٍ، ويريدُ أن ينالها بأي ثمن.في الكنيسةِ، أثناءَ القُدَّاس ( أليسَ هذا مُقدساً يُدنس ) يخاطبها بكلماتٍ فاجرةٍ مُذهلة ( التي يُمكن أن تكلفه اليوم في أمريكا مئة وثلاثة عشر عاماً من السجن بسبب التحرش الجنسي ) وعندما ترفضُ الاستماعَ، يتقدمُ منها بأن ينشرَ على ملابسها مُفرزاتِ كلبةٍ في طورِ السفاد.
    ولدى خروجها من الكنيسةِ تجري في إثرِها كلُّ كلابِ الضواحي ( ستمئة ألف وأربعةَ عشرَ كلباً كما يقول رابليه) وتَبُولُ عليها.
    أتذكرُ أعوامي العشرين، , وعنبرَ العُمال، والترجمةَ التشيكية لكتاب رابليه تحتَ سريري. اضطررتُ مراراً أن أقرأ للعمالِ المندهشينَ من هذا الكتابِ الضخم هذه القصةَ التي سُرعانَ ما حفظوها عن ظهرِ قلب. ومعَ أنهم أناسٌ يتمتعونَ بأخلاقٍ فلاحية، بل ومحافِظة، فلم يكن في ضحكهم أدنى إدانةٍ للتحرش الشفهي والبولي؛ لقد أحبوا بانورج حتى إنهم أطلقوا اسمه على أحدِ رفاقنا، آه لا، إنه ليسَ زير نساء، إنما هوَ شابٌ معروفٌ بسذاجته وعفته المُفرطة، وكانَ يخجلُ أن نراه عارياً أثناءَ الاستحمام. أسمعُ صيحاتهم كأنَّ ذلكَ حدثَ البارحة: ” بانورك ( هذا لفظنا التشيكي لهذا الاسم) هيا إلى الاستحمام، وإلا سنغسلكَ ببولِ الكلاب ! ” .

    ما زلتُ أسمعُ تلكَ الضحكةَ الجميلةَ التي كانت تسخرُ من حياءِ رفيق، لكنها في الوقتِ ذاته تُعبِّرُ حيالَ هذا الحياء عن حنانٍ يكادُ يكونُ مُدهشاً. لقد فتنتهم الكلماتُ الفاحشة التي وجهها بانورج للسيدةِ في الكنيسة، لكن سرَّهم بالمثلِ العقابُ الذي أوقعته به عفةُ السيدة، التي بدورها، وآنذاك بلغت متعتهم أوجها، عوقبت ببولِ الكلاب.
    مَع من تعاطفَ رفاقي القدامى؟ معَ الحياءِ أم معَ الوقاحةِ؟ معَ بانورج أم السيدة؟ أم معَ كلابٍ حظيت بامتيازٍ تُحسدُ عليه في أن تبولَ على حسناءَ جميلة؟
    الفكاهةُ: الوميضُ الإلهيُّ الذي يكشفُ عن العالمِ غموضَهُ الأخلاقي، وعن الإنسانِ في قصورهِ العميقِ في الحكمِ على الآخرين. الفكاهةُ: النشوةُ التي تُثيرها نسبيةُ الأشياء الإنسانية، المتعةُ الغريبةُ المتحدرةُ من اليقينِ بأنه لا يُوجدُ يقين.

    لكن الفكاهةُ كما يذكرُ أوكتافيو باز، هي: “الابتكارُ العظيمُ للروحِ الحديثة.” ليست موجودةً منذ الأزل، ولن تظلَّ إلى الأبدِ أيضاً.

    القلبُ مكروب. فأنا أفكرُ في يومٍ لن يعودَ فيه بانورج يُضحكُ أحداً.

    اقتباساً عن كتاب: الوصايا المغدورة. ميلان كونديرا
    ترجمة معن عاقل. الأوائل للنشر والتوزيع. سورية- دمشق.

  • لوسيان سفيز – هل أصبح الكتاب متجاوزا؟

    كل إنسان يعرف السؤال التقليدي: “إذا كان عليك أن تعيش في جزيرة نائية خالية، ما هو الكتاب الذي ستحمله معك؟” وهو سؤال يختزل ويبسط اليوم في: “ما هي الأشياء التي ستحملها معك إذا أردت أن تذهب إلى جزيرة خالية؟” والجواب سيكون هو “حاسوبي المحمول وهاتفي النقال”. وأين الكتاب؟! سيكون ثمة كتاب، ولكن أي كتاب؟ لن يكون بطبيعة الحال لزميل أو قريب، بل كتابا غير معروف من بين ملايين الكتب. وهذه نتيجة التجزئة المفرطة للفضاء العمومي.
    ***
    هل ما زال العدد ثلاثة يمارس سلطته السحرية على العقول المعاصرة؟ من الواجب أن نلاحظ أن التصنيفات العامة القاسية التي تقسم التاريخ إلى ثلاثة مراحل (وتكون الأخيرة أفضلها بطبيعة الحال) ما زالت تلقى حظوة لدى الأشخاص المتسرعين المتلهفين إلى إدخالهم في العهد الفردوسي الجديد. وهذه المراحل حسب هذه الترسيمة الجاهزة هي: ( مجتمع شفوي قديم لأنه بدون تقنية، إذن بدون تطور ولا تاريخ ولا مساواة)، متبوع بمجتمع الكتاب وهو في ذروة التطور العلمي والمساواة والحرية بفضل الطباعة، ثم مجتمع التواصل الإلكتروني.
    ***
    من البديهي بالنسبة لمن له ولو إلمام قليل بتاريخ الأفكار أو الحضارات أو علم الاجتماع أو الانثربولوجيا، أن مثل هذا التصور مضلل في محتواه، وفي الطريقة التي تسنده والمرتكزة على مسح الألواح العريضة، وتسجيل الابتكارات العلمية والتقنية وتطور العادات الاجتماعية والسياسية بدون نظام مع تأسيس علاقة السبب بالنتيجة فيما بينها. إن دور ووظيفة الكتاب والقراءة ومن ثم الكتابة لا يمكن مقاربتهما بمثل هذه الطريقة العامة المتسرعة، لأن أنواعا عديدة لتوصيل المعرفة تتعايش في كل تلك المراحل، بما فيها مرحلتنا. لذا يلزم ملاحظة الصلات التي تتأسس بين التقنيات الجديدة والتغيرات الملاحظة في المجتمع، صلات تمنع تأسيس سببية أحادية الجانب بين التقنية والمجتمع.
    ***
    تمر العلاقة بين الشفهي والمكتوب عبر مفهوم للقراءة غير ثابت المعنى. ففي اليونان القديمة كانت القراءة شفهية، وتتم بصوت عال (مع إبراز الحروف والمقاطع) أمام مستمعين، قبل أن تكون صامتة، أي فردية. ولحظة الانتقال من الصوت العالي الذي يستدعي نقدا ومناقشة في فضاء “عمومي” إلى القراءة الصامتة التي لا يمكن أن تصبح عمومية إلا بعد وقت متأخر لحظة دالة على تغير العادات، وعلى تعريف مصطلحات “عمومي” و”خصوصي” و”مجموعة” و”فرد”، وعلى طرق اكتساب المعرفة.
    ***
    إننا نميز في اليونان القديمة، نموذج ديمقراطيتنا، بين مواقف واضحة التباين، بين معرفة شفهية ومعرفة تتطلب الكتابة كأداة. فكثير من نصوص أفلاطون تمجد تفوق المعرفة اللامكتوبة (النص المكتوب أداة للذاكرة تسبب الكسل العقلي)، بالإضافة إلى أن القارئ يوجد في موقف التبعية إذ يخضع للمكتوب الذي يقرؤه حتى يصبح عبدا للكاتب. فالعلاقة بين القارئ والكاتب هي نفس العلاقة التي تربط التلميذ الخاضع بمعلمه. وتسميه اللغة الإغريقية دون مواربة “Katapugan” أي لوطي. فالكاتب يوجد بالنسبة للآخر في موقع قوة، في حين أن الكتابة بالنسبة له هي فعل استبدال، ونسخة رديئة للذاكرة. ومن هنا جاءت الصفة المستخفة التي نعت بها أفلاطون أرسطو: “إنه قراء”. هذه الصفة التي تبدي ثناء تبطن في الحقيقة تنقيصا من قيمة أرسطو سنكتشفه فيما بعد.
    ***
    إن الفضاء العمومي الذي تأسس إذن هو الفضاء الذي تواجهت فيه الحجج في مناقشة صادقة في موضوع خطاب شفهي أو نص مقروء بصوت عال (مثل فيدر وهي تنتهي من قراءة نص لزياس سيدها في حوار لأفلاطون يحمل اسمها). والمناقشة يمكن أن تكون شفهية أو مكتوبة إثر النقد الذي يوجهه الكتاب الفلاسفة لأسلافهم أو معاصريهم. وتدوينها في الحوارات (أفلاطون) واختفاؤها في الكوميديات (أرسطوفان) يبينان الصلة المركبة التي تنعقد بين الكتاب والكلمة والمناقشة النقدية.
    ***
    هكذا تتراءى أنماط القراءة متنوعة وملموسة في نفس الوقت، ومرتبطة بالوضع الاجتماعي والمهنة والنظام السياسي والديني. فإذا كان الكتاب اللاييكي باعثا على مناقشات عمومية، فإن الجهاز الديني يفرض على شراحه الخاضعين قراءة حرفية للكتاب. بالقراءة الصامتة أو الهامسة مع القراءة الحرفية ينغلق الفضاء العمومي، ولا يستجيب لمتطلبات فضاء المناقشات النقدية.
    ***
    في القرون الوسطى لم يكن مفسر النصوص المقدسة أو نصوص أرسطو “القارئ” يحيد قيد أنملة عن المسار المرسوم. ويلزم القيام بثورة ضد مثل هذه القراءة الخاضعة، والاستعانة بمفهوم التأويل لاسترداد الفضاء العمومي. ولدعم هذا التحرير للقارئ، موازاة مع حياة جديدة للنصوص، نستشهد فقط بسبينوزا: “ينبغي أن يستطيع كل واحد الحفاظ على حرية حكمه وقدرته على تأويل اعتقاده كما يفهمه”، “الحرية الفردية يمكن وينبغي أيضا أن تعطى للكل من طرف المجموعة”. بهذه الكيفية يرفض سبينوزا كل خضوع للنصوص واعتقاد بالخرافات والتنبؤات إلخ.
    ***
    إن التأويل قراءة نقدية، قراءة ثانية، بل كما أراده بارت إعادة كتابة. وبهذا الوضع يمكن أن يكون لا نهائيا. فكل نص يستدعي تأويلا يخضع لتأويل آخر بدوره. فللكتاب امتداد غير محدود تقريبا عبر مجموع القراء/المؤولين المختلفين كليا عن “katapugon”، لأن التأويل عنصر حاسم، حر وناقد في الفضاء العمومي. والمشكل لا يختزل في قدرات المؤول، لكن ينبغي أن يوجد دوما الفضاء العمومي، فضاء عصر الأنوار. والمسألة ليست بسيطة: إذا كان القارئ/المؤول موجودا دائما باعتباره عنصرا ديناميكيا، فإن الفضاء العمومي قد تغير وأصبح مجزأ إلى أقصى حد، بل منحلا.
    ***
    كل شيء هو تعليق دائما. فليس هناك نص أصلي مطلق يمكن أن يصبح الضامن الحاسم الحامل للحقيقة التي ينبغي أن يرفع عنها الحجاب. فالنبي موسى بعد كتابته للوصايا العشر بوحي من الله، استشاط غضبا من هارون ومن العجل الذهبي فرمى الألواح التي تتضمنها، وتكسرت إلى آلاف الأجزاء التي تعذر جمعها. فكان من المفروض إذن على موسى أن ينسخها في ألواح جديدة. وهي هذا النص الذي نتوفر عليه اليوم. والوصف الذي يقدمه عن ذلك العهد القديم مكتنز بالمعنى: لن نتمكن أبدا من معرفة الأصل بوجه آخر إلا بتجميع وبناء وتعليق.
    ***
    إذا كانت فكرة بزوغ مطلق شبه إلهي، فكرة الجدة الجذرية، تمثل جزءا من معتقدات القرن العشرين –الشيوعية أو الفاشية- فهي من الآن قد وصلت إلى منتهاها. فالأنبياء الوحيدون الذين تبقوا لنا هم التكنولوجيون الذين يحتفلون بكل جديد في ميدان الإعلام. في الستينيات كانت التلفزة هي التي غيرت وجه العالم، وفي السبعينات كان هو الفيزيوفون، وفي الثمانينيات كان هو الفيديو، أما في التسعينيات فعمت الأنترنت. فكل عقد يوسم بصيحات الخلاص هاته: السعادة تتحقق والمساواة والتناغم الاجتماعي والتوافق التام بين كل سكان المعمور. التقنية تؤدي دورها كاملا، وتسوي مباشرة المشاكل الاجتماعية كأي علاقات بين أفراد.
    ***
    إن للقارئ المؤول إرغامات أخرى. فهو يعرف كم يلزم من الوقت والمسافة والاحتياطات للتوصل إلى بعض الإثباتات مثلما يعرف العالم أن علمه كله جسر مؤقت بين علم الماضي الذي عرف كيف يتجاوزه، وعلم المستقبل الذي سيتجاوز علمه هو. كما أن القارئ/المؤول المعاصر يقرأ منفردا، يتأمل، وفي مكتبه عند الاقتضاء، في حانة، في شاطئ مهما تكن الضوضاء وحركات الآخرين وإزعاج الثرثرات. يكفي فقط أن يكون القارئ هادئا ومستعدا للقراءة. فكل شيء يرتبط بالثقافات أي بالعادات، فإذا كنا ننام في المترو بطوكيو، فإننا بفرنسا نقرأ فيه كما في صالون حلاقة أو في مقهى.
    ***
    للقراء المؤولين قراءة مختلفة بحسب كونهم يقرؤون فقط أو كونهم يكتبون أيضا. فالكاتب l’écrivain سينظر إلى ما يمكن أن يقوده من اللامبالاة إلى المعارضة وسيفحص الاستشهادات والمادة التي صنع منها الكتاب. وانطلاقا من قراءة متأنية لفهرسه و”الغلاف الرابع”، ومن فصل أو فصلين سيستخلص توجه الكتاب. والمؤول/الكاتب يقدر أن يقرأ فقرة تلو فقرة بانتباه وتركيز، والقلم في يده ليضع خطا تحت المقاطع المهمة أو ليعترض عليها ويناقشها. إن الاستعانة بالأدوات أثناء القراءة تخدم الكتابة النثرية الآنية. لكن هذه القراءة التي تمثل مزية التأني، تمثل كذلك سيئة البط ء. فالحضور القوي للآخر يمنعه من التفكير اعتمادا على ذاته. في حين أن قارئا آخر سيرفض أن يقرأ كتابا في حوزته ما لم ينته من كتابته. لكن لا يهم بالنسبة له لأنه يعرف أن كل شيء هو تعليق دوما، وأن تعليقه سيصبح حتما مختلفا عن النصوص السابقة. كما يعرف أن القراءة “عن قرب” أفضل من القراءة “ضمن” للانفلات بذلك من التيه الذي يجرف القارئ خارج الذات مثل تنويم مغناطيسي، وخارج ما يود فعله وما يتمسك به. ينبغي أن يبتعد البحث والتخيل عن التوثيق الاستقصائي الذي قد نغرق فيه، وعن القراءة “عن قرب” التي يمكن أن تصير صيدا بالشبكة. وفي هذا التشبيه لا نمجد الصدفة، لأننا نعرف خصوصية المكتبات ورفوفها. فنحن نتوجه إلى بعض المكتبات وليست أخرى، ونقصد بعض الرفوف دون أخرى، بهذه الكيفية نستطيع أن نفضل بروزا بالصدفة لكتاب جديد مناسب. الفرح، والترنح من الابتهاج: “هذا ما كنت أبحث عنه، ولم أجده منذ ستة أشهر!”. نفس الشيء في الإنترنت حيث نقدر أن نبحر تائهين. لكن ننتهي إلى أن نعرف الموقع المناسب ولا نستعمل سواه. إن القراءة المهنية ذرائعية، فهي تميل إلى إبعاد ما ليس مفيدا للكتابة الآتية، في حين أن القارئ النزيه سوف يتلقى بأريحية كل كتاب قمين بأن يحمل له معرفة جديدة، أو حساسية جديدة أو رؤية مغايرة للعالم.
    ***
    الأساس هو أن هؤلاء القراء يشاركون بمناقشات في الفضاء العمومي وإن اختلفت الصيغ، لكن أما زال هذا الفضاء كما هو في عصر الأنوار؟ (بإمكاننا أن نتساءل في ما إذا كان هذا الفضاء الموحد قد وجد يوما. لكن لنضع هذه الفرضية). الفضاء العمومي كما وصفه هابرماس مكان رمزي يفتح فيه العقل العام عبر المناقشة مسلكا بعيدا عن المصالح الخاصة أو المشاريع الحرفية، وليس بالصدفة إذا اهتم هابرماس مؤخرا بهذا العقل التبادلي الذي أطلق عليه “التواصل الفاعل”.
    ***
    وقد لحقت هذا العقل العام الموحد والموحد، والمتجسد في الدولة الهيجيلية، هزات متعددة. أولاها طبعا تمت بالمكافأة الممنوحة للنجاح بالنسبة إلى التفاهم، ثانيها لأن الفضاء العمومي قد تغير، أو على كل حال قد أبرز أجزاءه بشدة. ينبغي أن نسجل في المقام الأول تشظيه، حيث كان الفضاء العمومي يعني الولوج المتساوي إلى مصادر محدودة. قليل من الكتب، قليل من القطع المسرحية والأوبرات وفيما بعد قليل من الأفلام ذات قيمة، وقنوات تلفزيونية أقل. والمناقشة قد تبتدئ حول نفس الموضوعات. ففي ساحة المدرسة يكون التلاميذ قد شاهدوا نفس الفيلم في التلفزة فيتحدثون عنه. ويحدث نفس الشيء في قاعة الأساتذة وفي ورشة العمل. أما اليوم وبسبب كثرة القنوات وتضاعف الأقمار الاصطناعية والبث الرقمي والإنترنت لم يعد الناس يشاهدون نفس الفيلم ولا يتوفرون على نفس المعلومات.
    ***
    إن غزارة المعلومات تقتل المعلومة! هذا الحكم يسري على الكتاب أيضا. فالمكتبات مزدحمة بالأعمال المتباينة القيمة؛ فكيف نختار منها ونسمها؟ كان التلفزيون قديما يقدم برامج جيدة في عرض الكتب ونقدها، ومازال يقوم بذلك، لكن هذه البرامج يؤخر بثها. إن ما يقتل الكتاب ليس النقص ولكنها الوفرة. مزيد من المؤلفين، مزيد من الأعمال، وقليل من السحب. ويترتب عن هذا ارتفاع الأسعار وقلة القراء. إن الوفرة وتشظي أماكن المناقشة والنقد إلى ما لا نهاية هما الخطران اللذان يهددان الكتاب.
    ***
    بيد أن نظاما شموليا جديدا بدأ يتكون وينطلق. لا تخطر ببالي فتوى إيران ضد سلمان رشدي، وهي نتيجة شمولية قاسية، ولكن أفكر أيضا في آلان دولن وفي الشمولية الناعمة. والقصة معروفة: أراد صحافي أن ينشر سيرة عن هذا الممثل، فوضع ملخصا لهذه الغاية لدى الناشر كراسي. عندما أخبر دولن بذلك اطلع إلى الملخص، وطلب ألا ينشر الكتاب (الذي لم يكتب بعد). وقد نال الممثل ما يرضيه على التو، ثم رفضت دعواه من طرف المحكمة العليا بباريس. وهذه أول مرة يراد فيها منع نشر كتاب لم يكتب. إنه خرق كامل للحق العام الكلاسيكي، الذي يقابل بين الوقاية والعقاب في ميدان الحريات العامة. إن النظام الكلياني وقائي، حيث يقوم على مراقبة كل من لا يطيع الأوامر، ويعود إلى نموذج قانون المشبوهين الثوري الذي يقود إلى القضاء والحكم بالإعدام على كل شخص “متهم” باختلافه مع الثورة.
    ***
    أما النظام الليبرالي فهو بالعكس زجري، حيث يردع بعد ارتكاب الجنحة. وهذا ما يقوم به قاضي المستندات الذي يوقف النشر الجاري؛ وفي حالة الشك يحيل القضية إلى قاضي التحري الذي يحلل النص المجرم بدقة ووضوح. إن محاولة الفاعل شككت في هذا التوازن الدقيق للنظام. فالفضاء العمومي يعني تماما الحرية في إطار القانون الذي صقلته العقود ويكاد أن يحول اتجاهه اليوم.
    ***
    أخيرا لقد أسيء إلى مفهوم الفضاء العمومي نفسه. فإذا كان بطبيعته منفتحا أمام الجميع في كل نقاطه، فقد أصبح في الأنترنيت مكانا خاصا وخصوصيا، ما دام الدفع ضروريا للولوج إلى المواقع، وما دمنا نتحادث على شكل مواجهة افتراضية. والحال أن الفضاء العمومي على النقيض من ذلك فضاء تعرض فيه حقيقة المدينة أمام الشعب (الساحة العامة) أو أمام مجموع ممثليه (مجلس النواب). إن العام ليس هو الكوني، وعمومية الولوج إلى الأنترنيت الذي تلغيه التفاوتات الاجتماعية ليست هي الكونية.
    ***
    لكن إجمالا، هل تساعد الأنترنيت الكتاب؟ لا لأنها مكتوبة شفهية (مكتوبة بطريقة المحادثة)، ولأنها تساهم في تجزئة الفضاء العمومي إلى عشرات الملايين من الزمكانات العالمية، غير أنها تساعد الثقافة والانفتاح على الآخر بسرعة الاطلاع على النصوص (وضمنها الكتب) التي بدونها لن نتعرف عليها، أو سنتعرف عليها عن طريق المترجمين بعد مدة طويلة، لهذا نلوم التقنيات الجديدة (التلفزات المشفرة والمدخلة) أقل مما نلوم الخطابات التفاهمية التبريرية الخادعة التي ترافقها.

    لوسيان سفيز
    ترجمة: لحسن بوتكلاي.

  • مَا اعتَرَفَتْ بِهِ رُوزُورَا كَانَالِيس

    ما اعترفت به ‘روزورا كاناليس’
    الملقبة ب ‘مُحَطِّمةُ الأسرةِ’ إلي الأب ‘شازان’ *

    أقولُ لكَ الحقيقة أيها الأب : لقد كذبتُ عليكَ دائماً ، وأنتَ طيبٌ كالخبزِ ، أنتَ تعرفُ ضعفَ الخاطئينَ والخاطئات . أيها الأب ، فتياتٌ مسكيناتٌ ضائعاتٌ تائهاتٌ في غمارِ الشهوةِ والهوى والنفاقِ والكذبِ ، يتخبطنَ في الخطايا السبع الكبرى ، ولكنكَ لا تستطيعُ أن تتصورَ أيها الأب الماءَ المالحَ الذي يملأ قلبي بالْخِرَقِ العفنةِ النتنةِ . إنهُ سوءُ الطالعِ هو الذي دفعني لامتِهَانِ مهنةِ البِغَاء ، وهذهِ المهنةُ لها جوانبها الحسنةُ ؛ فمنهَا نأكلُ ونشربُ جيداً . وبينَ الرجالِ يوجدُ مِن كُلِّ الأجناس ثورةُ وجنونُ كبارِ المهووسينَ بالجنسِ ، والمنتكسينَ مِنْ مُمَارسةِ الفحشاءِ ، أولئكَ الذينَ يُضاجِعُونَنا دُون الشعورِ بأيةِ متعةٍ أو لذة . (المزيد…)

  • غابريل غارثيا ماركيز – أُبَّهةُ المَوت

    غابريل غارثيا ماركيز – أُبَّهةُ المَوت

    كثيراً ما قلتُ إنَّ قلبي لا يتحملُ مشاركتي في دفنِ أصدقائي . ولكنني في الثاني من شهرِ تشرين الثاني الماضي ، وهوَ يومُ جميعِ الموتى، أردتُ مرافقة زوجةِ شخصٍ عزيزٍ جداً لحضورِ مراسمِ إحراقِ جثته. كانَ الجسدُ قد أمضى تلكَ الليلةَ في النزلِ الجنائزي التابعِ لوكالةِ غايوسو لدفنِ الموتى، في جادةِ فيلكس كويفاس بمدينةِ مكسيكو. وكانت الوكالةُ المذكورةُ قد أنجزت جميعَ المعاملاتِ الخاصةِ بالإحراق والنقل الأخير إلى محرقةِ أجسادِ الموتى. كانَ الموعدُ المحددُ هوَ الساعةُ الحادية عشر صباحاً، وجميعنا كنا نظنُّ أن العمليةَ ستكونُ مجردَ أمر تقني، بلا طقوسٍ من أي نوع، ويُمكنُ لها أن تستغرقَ نحوَ ساعتين .

    عندما وصلنا إلى المكان ، أرونا جثثاً أخرى تنتظرُ الدور، وقالوا إن جثةَ صديقنا ستنتظرُ حتى الساعة الخامسة مساءً على الأقل. في صالةِ الانتظارِ الكئيبة والمثلجة، التي لا وجودَ فيها لوردةٍ واحدةٍ ولا لمقعدٍ بائسٍ واحد يمكنُ الجلوسُ عليه، كانت توجدُ مجموعة من التوابيت المستعملة مصفوفةً على الجدارِ بوضعِ عامودي، وكانت تلكَ التوابيت قد استخدمت ممن اتخذوا الاحتياطات وماتوا مبكرين، فقد باعتها وكالات الدفنُ واستُخدِمَت للسهرِ على الموتى ونقلهم، إنما كانَ واضحاً أن الأقرباء الذينَ دفعوا ثمنها ذهباً، لم يعودوا بحاجةٍ إليها، لذا كانَ هناكَ من سيتولى بيعها ثانيةً إلى موتى مستقبليين.

    قالَ لنا سائقُ العربةِ التي حملت جثمانَ صديقنا :
    ” لماذا لا ترجعوا غداً وتحاولوا أن تكونوا أوَّلَ من يصل ؟ “
    إنَّ هذا السؤال وحده ، الذي صاغهُ شخصٌ يعرفُ دونَ ريب خيراً منا مآسي البيروقراطية المأتمية ؛ جعلنا ندركُ نوعيةَ اليومِ الذي ينتظرنا .

    تولت الأمر آنا ماريا بيكانيناس ، وروت تلكَ التجربة للصحافةِ في رسالةٍ يجب ألا تمر مرورَ الكرام ، لأنها ليست إلا عينةً صغيرة من الخذلانِ الذي يجد فيه الأحياءُ أنفسهم أمامَ الوكالات الجنائزية ، بعدَ أن يكونوا قد دفعوا نفقاتِ الخدمةِ كاملة . ومنذُ بضعة شهور ، روى فيرناندو بينيتس لإحدى الصحفِ كذلكَ كيفَ عاملت وكالة غارسيو أسرةَ كاتبٍ لم تكن تملكُ المالَ لدفعِ تكاليفِ الجنازة ، وهيَ نفقات ربما تكونُ أكبر من كل ما تقاضاه الصديق الميت طوالَ حياته من حقوق التأليف. كما اهتمت مجلة ( الهيئة الوطنية للمستهلك ) ، وفي عدةِ مناسبات ، بأسعارِ الموت الباهظة في المكسيك ، لكن موعظتها ، مثلَ غيرها من المواعظِ ، حولَ موضوعاتٍ فانية ، ضاعت إلى الأبدِ في البرية . حتى لكأنَّ وكالات دفن الموتى في العالمِ بأسرهِ تتمتعُ بامتيازٍ خاصٍ يضعها بمنجى من أيةِ عقوبةٍ قد تُتخذُ ضد استغلالها .

    روت آنا ماريا بيكانيناس أن الموظفَ الوحيدَ الذي وجدته في محرقةِ الجثثِ قدَّمَ لها تفسيراً لدرجةِ أنه بدا أقرب إلى تفسيرِ خباز ، فقد قال لها : ” الفرنُ مشغول ، والفران في الداخل وهو لن ينتهي من ( التفرين ) قبلَ ثلاث ساعات ” . ولم تكن هناكَ أية معلومات أخرى . حينئذٍ اتصلت آنا ماريا بيكانيناس بوكالة غايوسو ، وهيَ تظنُّ أنها قد تحصلُ على مساعدةٍ خاصةٍ بعد أن دفعت للوكالةِ جميعَ التكاليفِ كاملة ، فأعلمها موظفٌ قالَ أن اسمه ريكاردو لوبيث ، بأنَّ مسؤوليةَ الوكالةِ تنتهي لحظة خروج الجثةِ من المبنى الجنائزي ، وأغلقَ الهاتف .

    عادت آنا ماريا بجسارتها الكتلانية إلى طلبِ الرقم ذاته ، فرد عليها عندئذٍ موظف آخر ، أوضحَ لها بصوتٍ له نبرةُ تجار الموت ذات التلاوين قائلاً إنه لا يستطعُ عملَ أي شئٍ لتعجيلِ الإحرق . وربما دونَ أن يدري ، اخترعَ مثلاً كئيباً حينَ قالَ لها : ” لسوءِ الحظ ، إن المحظوظ هوَ من يصلُ أولاً ” . ولم يكن ممكناً عملُ اي شئٍ بالفعل . أما الخدمةُ والمساعدةُ والتفهم المتعاقد عليه مع بائعي الموت ، الذينَ يصلُ بهم الأمر إلى الوعد بإدخال المتوفي إلى السماء بصحبةِ أبواقٍ ملائكية ، فقد ذهبت كلها أدراج الرياح .

    لقد كانت تلكَ مأساةٌ أخرى ، لكنها ربما كانتِ الأقل خطورة بينَ مل يحدث من مآسي في كل لحطظة في العالم ، بسببِ جشعِ وكالاتِ الدفن وفظاظةِ قلوبها الحجرية . ففي المكسيك ، حيثُ تجارة الموت هي إحدى أقسى التجارات وأكثرها ازدهاراً ، وحيثُ اعتادَ الاستغلالُ على غزو أكثرِ مناطقِ الأدب الخيالي نفوراً ، توقلُ نشرة دعائية لإحدى وكالاتِ الدفن : ” الخدمةُ كلها لا تكادُ تستغرقُ عشرَ دقائق أو خمسَ عشرة دقيقة في أقصى الحدود . وهيَ ليست بالأمرِ المحزن ، بل يمكنُ الذهاب إليها وكأن المرءَ ذاهب إلة نزهة. والمكان جميل ، فهوَ ليسَ مدفناً تقليدياً ، وإنما هوَ ضريحٌ حديث ، مفروشٌ بالسجاد ، ومزودٌ بالإنارةِ والتكييف ، وفيهِ ايضاً فتحاتٌ لتهويةِ السراديب ” .

    لقد قررت هيئة المستهلك أنه يوجدُ في المكسيك 195 وكالة دفن نظامية مسجلة ، و110 وكالات أخرى تعمل بطريقة شبه سرية . وهذهِ الأخيرة على وجه الخصوص محكومة بقوانين العرض والطلب الآنية ، وتدخل في منافسةٍ وتدافعٍ على الجثثِ مرعِبَينِ أمامَ أبوابِ المشافي وفي ممراتها . ولكن ، حتى في جنازاتِ الأثرياء ، فإن الوكلاء البياعين يفتقرونَ لأي قاعدةٍ محددةٍ لأسعارِ خدماتهم. إنهم يتصرفونَ في أغلبِ الأحيان بناءً على مظهرِ الزبون وحالتهِ في لحظةِ عقدِ الصفقة . وسعر التابوت هوَ الذي يُحدد نوعيةَ الخدمةِ كلها ، ولا يثمكنث الجمعُ بينَ تابوتٍ غالي الثمن وخدمةٍ متواضعة ، أو العكس . والموتُ في نهايةِ الأمرِ ليسَ إلا رحلةً مهما كانت أبدية ، والوكالاتُ لا تجدُ سبباً يمنعها من تنظيمِ خدماتِ الموت كما لو كانت رحلةً سياحية جميعُ الخدماتِ فيها مضمونة ، بما في ذلكَ احتمالات الحب العابر . إنها تجارة خرافية : ففي عامِ 1976 بلغت أرباح وكالات الدفن الشرعية وحدها في المسكيك 175 مليون بيزو .

    لقد جاءنا هذا المفهوم للدفن من الولايات المتحدة ، وهوَ أمر في منتهى البساطةِ هناك : فأبهةُ الموتِ هيَ ضرورةٌ أولية . والأمريكي المتوسط لا يتمتعُ في أيةِ لحظةٍ من حياتهِ بمستوى حياةٍ أرقى من مستوى موته ، ولا يكونُ في أيةِ لحظةٍ أجملَ مما يكونُ عليهِ وهوَ في التابوت : حتى أن أفرادَ أسرتهِ بالذات ، يُصابونَ بالذهولِ لمدى مناسبةِ التحنيطِ له ، ولمدى الرقةِ التي يبتسمُ بها ، ولمظهرِ التفهمِ والمحبةِ التي يبديها وهوَ يُسندُ رأسه إلى وسادةِ الموت ، وربما تألموا في سرهم لأنه لم يتم التوصل بعدُ إلى إمكانية تحنيطِ من هم قاسةُ المعشرِ وهم على قيدِ الحياة . لكنه وهمٌباهظُ الثمن ، تزدهرُ من وراءهِ تجارةً من أقسى التجاراتِ وأكثرها قذارةً في العالم . لقد قرأتُ منذُ سنواتٍ عديدةٍ حكايةً مرعبة ، في كتابٍ مذهل ، حولَ التجارةِ الجنائزية في الولايات المتحدة . فأرملةٌ من الطبقةِ المتوسطة ، أنفقت كل مدخراتها لتقدَّمَ لزوجها الميت جنازةً أكثرَ أبهة من إمكانياتها الواقعية . وكانَ كل شئٍ يبدو محكماً ، إلى أن اتصلَ بها أحدُ موظفي الوكالة تليفونياً ليقولَ لها إن الجثةَ أطول مما هوَ واردٌ في العقدِ ، وأنه عليها بالتالي أن تدفعَ مبلغاً إضافياً . لم يكن قد بقيَ في حوزةِ الأرملةِ سنتٌ واخد ، فقدمَ لها الموظفُ حينئذٍ بصوتهِ الرخيمِ ، الذي يُشبهُ أصواتَ جميعِ أبناءِ مهنتهِ قائلاً : ” في هذهِ الحالة ، أرجو منكِ أن تمنحينا تفويضاً لننشرَ قدمي الجثة ” . لكن الأرملة المسكينة وجدت كيفما اتفقَ المالَ الذي لم تكن تملكه ، كي تمنحها وكالةُ الدفنِ الرحمةَ وتدفنَ زوجها كاملاً .

    أبهةُ الموت / نصوص ضائعة / جابرييل غارثيا ماركيز
    ترجمة: صالح علماني.

  • وما أدراك ما القراءة – صبحي حديدي

    بعد كتابه المدهش الشهير “تاريخ القراءة”، أصدر الأرجنتيني ألبرتو مانغويل عدداً من الأعمال التي تقتفي أثر ذلك الكتاب، وتحاكي منهجيته الفريدة التي تمزج النقد بالتاريخ بالمتعة، وتسلّح المقاربة التعليمية البارعة بنزعة تذوّق ذاتية صرفة. لقد أصدر، على سبيل الأمثلة: “المكتبة ليلاً”، “ستيفنسون تحت أشجار النخيل”، “صحبة بورخيس”، “وداعاً همنغواي”، “قاموس الأماكن المتخيَّلة”، “بوّابات الفردوس: أنطولوجيا الرواية القصيرة الإيروتيكية”، “مكتبة روبنسون كروزو”…


    وفي ربيع 2001 أتيحت لي بهجة الإستماع إليه مباشرة، في المكتبة الأمريكية هنا في باريس، يحاضر عن كتابه الأحدث آنذاك: “قراءة الصورة: تاريخ الحبّ والكراهية”. وهذا عمل يسعى إلى إنصاف الذائقة البصرية للمشاهد العادي الذي يهوى الفنون التشكيلية وأعمال النحت والفوتوغراف والعمارة، ولكنه مضطرّ للخضوع لهذا أو ذاك من أنماط الاستبداد التي تفرضها رطانة النقد ونظريات فلسفة الفنون. والكتاب يتضمن قراءات في عدد من الأعمال، تبدأ من الفنان الإرتيري فيلوكسينوس الذي رسم جدارية للإسكندر الأكبر في العصور الكلاسيكية، وتنتهي عند الفنانة الكندية المعاصرة ماريانا غارتنر، مروراً بأمثال كارباشيو وبيكاسو وجون ميتشل وأليخادينو. وهي قراءات تنقّب عميقاً في باطن الصورة، أو المنحوتة أو النصب التذكاري، لكي تستخلص خطوط الترميز الرئيسية التالية: الصورة بوصفها حكاية، أو غياباً، أو أحجية، أو شاهداً، أو استيعاباً، أو انعكاساً، أو عنفاً، أو تهديماً، أو فلسفة، أو ذاكرة، أو مسرحاً…

    ولقد ضجت القاعة بالضحك حين أعاد مانغويل تذكير الحضور بعبارة شهيرة تُنسب إلى فرانك زابا، نجم الـ “روك أند رول” وعازف الغيتار الشهير: “الكتابة عن الموسيقى مثل الرقص على إيقاع فنّ العمارة”! ولكنه تابع يقول إنّ العبارة قد لا تنطبق بالضرورة على الكتابة عن الفنون التشكيلية، غير أنّه ـ واقتبس إذّاك جملة من كتابه ـ “إذا توجّب أن تكون مشاهدة الصورة مكافئة للقراءة، فإنها عندئذ سوف تصبح شكلاً من القراءة هائلاً وإبداعياً، أو قراءة لا تُلزمنا بتحويل الكلمات إلى أصوات ومعنى فحسب، بل بتحويل الصُوَر إلى معنى وحكايات”.

    الكتاب الثاني الذي يحلو لي أن أتوقف عنده هنا، لأنه لا يقلّ إدهاشاً وطرافة وجدّة في آن معاً، هو “مفكرة قراءة: تأملات قارىء شغوف حول سنة من الكتب”. وكما قد يوحي العنوان، يدوّن مانغويل وقائع قراءات سنة كاملة، يوماً بيوم تقريباً، وأحياناً وقت الصباح والظهيرة والعشية والليل، ولكن ليس على النحو الطبيعي الذي قد يخطر على بالنا جميعاً، أو لعلّ بعضنا قام ويقوم به بالفعل. إنه لا يدوّن مذكرات حول ما قرأ أو يقرأ، بل حول نمط ـ ولعلّي أقول: حول نسق ـ محدّد فريد واستثنائي من القراءة.

    إليكم الحكاية: ذات يوم من عام 2002 كان مانغويل يعيد قراءة واحد من الكتب الكلاسيكية المفضّلة عنده، حين اكتشف أنّ هذا الكتاب يحمل الكثير من المغزى الراهن ليس في الوقائع اليومية التي يعيشها صاحبنا فحسب، بل في الأحداث التي يشهدها البلد الذي يتحدّر منه مؤلف ذلك الكتاب، والعالم على نطاق واسع أيضاً. وهكذا قرّر مانغويل أن يقوم بالتالي: سوف يختار 12 من أمهات الكتب التي يحبها، ولسوف يوزّع كلّ كتاب على شهر، ثم يبدأ ـ أثناء إعادة قراءة الكتاب ـ في تأمّل ورصد وتدوين أية صلات وروابط ودلالات بين مضمون الكتاب (الحكاية والشخصيات والأزمنة والرموز والرسالة العامة…) ومضمون الوقائع الفعلية في العالم الفعلي ذلك الشهر.

    الحصيلة مذهلة بالفعل، ليس في جانب تلك المهارة العالية التي تحلى بها مانغويل في الربط بين المتخيَّل والواقعي فحسب، بل أيضاً وأساساً في العبقرية العالية التي تحلى بها أصحاب تلك الكتب وأتاحت لهم اجتراح اعمال خالدة تجد فيها الإنسانية ضالتها أياً كانت الحقبة، وأنى انصرمت الدهور وتبدّلت الأمور. وللوهلة الأولى قد لا تبدو بعض الأعمال التي اختارها مانغويل “خالدة” في رأي الكثيرين، وربما في يقين السواد الأعظم من القرّاء. وقد يبدو بعضها مغموراً أو عادياً أو حتى مجهولاً. غير أنّ بعض اللعبة يكمن هاهنا تحديداً: تلك ذائقة قارىء اسمه ألبرتو مانغويل، وهذه حصيلة قراءته هو ـ وليس سواه البتة ـ لعدد من الأعمال؛ ولكن هذه أيضاً حصيلة الخلود التي تمتّعت وتتمتع بها تلك الأعمال، كما التمسها مانغويل، وكما قد لا يختلف الكثيرون حولها بعد قراءة اليوميات.

    اللائحة تتضمن التالي: أدولفو بيوي كاساريس: “اختراع موريل”، حزيران؛ هـ. ج. ولز: “جزيرة الدكتور مورو”، تموز؛ روديارد كبلنغ: “كيم”، آب؛ شاتوبريان: “مذكرات من وراء القبر”، أيلول؛ آرثر كونان دويل: “علامة الأربعة”، تشرين الأوّل؛ غوته: “صلات انتقائية”، تشرين الثاني؛ كنيث غراهام: “الريح في الصفصاف”، كانون الأول؛ سيرفانتس: “دون كيخوتة”، كانون الثاني؛ دينو بوزاتي: “سهب التتار”، شباط؛ ساي شوناغون: “كتاب المخدّة”، آذار؛ مارغريت أتوود: “الطفو”، نيسان؛ ويواكيم ماشادو دو أسيس: “مذكرات براس كوباس بعد وفاته”، أيار.

    وقد يقول قائل: ولكن اين ألف ليلة وليلة… أمّ السرد والحكاية؟ أو قد يهتف آخر: أين “الإلياذة” وأين “الأوديسة”؟ وقد يتابع ثالث: بل أين جيمس جويس و”عوليس”؟ ولن نعدم، بالطبع، مَن سيهتف: أين الشعر؟ أين المسرح؟ أين القصة القصيرة؟ هذه أسئلة مشروعة تماماً عند طارحيها، ولكنها بالقدر ذاته نافلة عند مانغويل، أو بالأحرى عند مانغويل في هذه الذائقة القرائية تحديداً. ذلك لا يعني ابداً أنّ كتابه لا يتحدّث عن الشعر، إذْ كيف يعقل لأعمال خالدة في النثر أن لا تحيل إلى الشعر؟ هنالك، طيّ فصول الكتاب وعلى نحو منتثر مبعثر عن سابق قصد، كلام عن والت ويتمان، كيتس، براوننغ، والاس ستيفنز، رامبو، آنا أخماتوفا، هاينة، ريلكة، رامبو، بروتون، بدر شاكر السياب، ومحمود درويش.
    في عبارة أخرى، للقرّاء في ما يقرأون شؤون، وهذه بعض أطوار القراءة… وما أدراك ما القراءة!

  • البدوي الأخير

    (….) دُعيت المجموعة الأولى من الضيوف، التي كانت على رأس الحلقة ، إلى الداخل للجلوس حول مناسف ضخمة من الضأن والرز. ويقتضي الأتيكيت ألا يأكل المضيف مع ضيوفه. فهو يطوف حولهم ، مُرحباً ، يشجع الجميع على أكل المزيد ، ويقطع بسكين مخيفة أكبر الكتل الرجراجة من اللحم والشحم . الضيوف يتخذون وضع الهجوم ، مشمّرين عن الساعد الأيمن مع إسناد الرسغ بارتخاء إلى الركبة اليمنى ، بينما تتدلى اليد من على الركبة (…)
    (المزيد…)

  • ايمري كيرتيس – نظرةٌ على مدينةٍ ممزقة

    ايمري كيرتيس – نظرةٌ على مدينةٍ ممزقة

    مساء أول من أمس ،كنت أحدّق في شرفة فندق”رونيسنّس “غروب الشمس فوق القدس . كانت السماء تستند الى الربى البيض التي أراها أمامي ، ومن المدينة القديمة كان يهب هواء ناعم ، وعندما راح الضوء يضمحلّ واستقرت الظلمة الشديدة مثل “وقف للنار ” كئيب ،اجتازت ذاكرتي بعض كلمات ألبير كامو في “الغريب “.
    هذا الصباح ، ومع ان الباص الذي يذهب من حيفا الى القدس قد انفجر ،فإن قوة الانفجار قلبت الحافلة، ارتمت أشلاء من أجساد بشرية ممزقة من كل صوب .

    في العتمة التي تجتاح المدينة شيئاً فشيئاً، لم أحاول حتى ان أتملى أفكاري الغامضة والتائهة. جئت إلى هذه المدينة مع امرأتي، إلى لقاء ما كنت لأجىء إليه لو لم يكن في القدس. لا أحب اللقاءات المنـتسخة وخصوصاً تلك التي تحمل عنواناً مثل “إرث الهولوكوست “.

    التاريخ 9 نيسان (إبريل )، كان في مفكرتي قبل أشهر وكنت كأنني آخذ بجدية النصائح الملحّة من أصدقائي في برلين وبودابست ،الذين كانوا يحذرونني من الذهاب ، بقيت في الواقع تحت سحر مشروعي الأساس الى النهاية : من برلين نعود الى بودابست وهناك ، أشارك في انتخابات لايؤثر فيها قطعاً، وبعد يومين ، نذهب الى القدس .

    السؤال الوحيد الذي يطرح حقاً هو أن اعلم انه ليس من الحسن ان أذهب وحدي .ولكن زوجتي لاتريد ان تعلم شيئاً في الأمر . نذهب معاً أو لا نذهب .وبعدطول تردد تبيّن لنا ان علينا أن نذهب ببساطة تامة ، لئلا تظل ترافقنا من ثمّ ، فكرة إننا دعينا إلى هناك ولم نذهب.

    الآن أنا على هذه الشرفة ، في الطابق السابع ، ولا أستطيع هنا مثلما في برلين أو بودابست أن أدرك ما الذي يُدبّر حقيقة. في هذا الوقت ، لا أفكر حتى في الوضع القائم هنا وإنما في رد الفعل الأوروبي . (…) على الشاشة الصغيرة ، أشاهد في القدس وفي أمكنة أخرى تظاهرت ضد إسرائيل .

    أشاهد في فرنسا المعابد اليهودية محروقة والمقابر منتهكة. وعلى بُعد بضع مئات من الأمتار من منزلي البرليني ، قرب تيرغارتن ، تعرّض يهوديان أمريكيان لاعتداء بالضرب .

    وشاهدت في التلفزيون الكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو منكبّاً على أوراقه البيض يقارن بين تصرفات إسرائيل العدوانية ضد الفلسطينيين بـ ” اشويتز ” ، ولعله خير دليل على أن الكاتب لا يملك فكرة ولو صغيرة عن التناقض الفضائحي للمقارنة التي قام بها ، وكذلك على أنّ المفهوم المعروف تماماً تحت اسم اشويتز والذي بات تحديده وفق الإجماع الأوروبي حتى الآن ثابتاً ، يمكن منذ الآن ان يستخدم في طريقة شعبية ولأغراض شعبية . وإني أسأل نفسي إن كان لا ينبغي أن يتم التمييز بين حال عدوانية ضد إسرائيل واللاسامية . ولكن هل هذا ممكن فحسب ؟ ( … ) من غير شك أقول لنفسي إن العدوانية إزاء اليهود التي ما زالت قائمة منذ ألفي عام تبلورت في تصور مشترك للنوع البشري . لقد أصبحت البغضاء تجسيداً مشتركاً ، وتنصبّ هذه البغضاء على شعب ليس على استعداد أبداً لأن يختفي عن وجه الأرض.

    أحاول أن أفكر في طريقة واضحة وجدية ، وأن أعلن بوضوح وجديّة ما أفكّر به، متحرراًَ من أي محظور . فبمجرد أن يقدم شبّان على الانتحار بخفة مفجرين قنبلة ( قرأت في إحدى الصحف ان الديكتاتور العراقي صدام حسين يدفع 2500 دولار إلى عائلاتهم ) يثبت أنه لا يمكن أن يكون المقصود هو معرفة إن كانت ثمة دولة فلسطينية هي قيد التكوّن أم لا . فهؤلاء المنتحرون يكشفون عن أنهم يطمحون الى ان يفقدوا وجودهم . وأفعالهم تعبرّ عن مرارة لا يمكن تفسيرها فقط بالحسّ الوطني (…) .

    إنني أعترف بكل صدق : المرة الأولى التي شاهدت فيها على الشاشة الصغيرة الدبابات الإسرائيلية تجتاح رام الله ، لم أستطع كتم فكرة غريزية عبرت في خاطري : يا إلهي ، لحسن الحظ أنني أرى نجمة داوود على الدبابات الإسرائيلية وليس ، مثلما في 1944 ، على صدري . لست إذاً متجرداً ولا استطيع أن أكونه أصلاً . لم أؤدِّ أبداً دور الجزار النزيه. أترك للمثقفين الأوروبيين – وغير الأوروبيين – الذين يؤدّون هذا الدور في السراء وغالباً في الضراء .

    إيمري كيرتيس – الحائز على نوبل 2002.

    ترجمة: