المدونة

  • إدوار سعيد يكتب عن أوسكار وايلد: العالَم والنصُّ والناقد

    لقد قيل عن أوسكار وايلد بلسان أحد معاصريه أن كل ما كان يتحدث به كان يبدو وكأنه مغلّف ضمن علامتي الاستشهاد. وهذا القول ليس أقل صحة من كل ما كتبه أيضاً، وذلك لأن مثل هذه الحالة كانت النتيجة لاتخاذ وضعية معينة (pose)، الأمر الذي عرّفه وايلد بأنه “إدراك أساسي لأهمية التعامل مع الحياة من منطلق محدد معقول”.
    أو مثلما يكيل آلغرنون الصاع صاعين لجاك حين اتهمه قائلاً: “أنت تحب دائماً أن تجادل حول الأشياء” فأجابه ” ذلك بالضبط ما جاءت الأشياء من أجله” في مسرحية وايلد المعنونة بـ “أهمية كون المرء جاداً”.
    وبما أن أوسكار وايلد كان على الدوام مستعداً لإطلاق التعليقات الجديرة بالاستشهاد، فقد ملأ مخطوطاته بالأقوال المأثورة عن كل ما يمكن أن يتخيله المرء من موضوعات، إن ما كتبه كان المقصود به مزيداً من التعليق أو الاستشهاد، أو كان المقصود به، وهذا أهم من سابقيه، أن تعود به الجذور إلى وايلد نفسه. ومن الواضح أن هناك أسباباً اجتماعية لبعض هذا الغرور الذي لم يقم وايلد بأية محاولة لإخفائه في سخريته. “إن محبة المرء لنفسه لهي بداية قصة رومانسية طويلة طوال الحياة”، ولكن تلك الأسباب لم تكن لتنوء بعبئها على الفصاحة في أسلوب وايلد.
    وبعد أن آلى وايلد على نفسه على الاستخفاف بالعمل والحياة والطبيعة نظراً لنقصانها وتناثرها، اتخذ مملكة له ذلك العالم المثالي النظري الذي كانت فيه المحادثة، كما قال لآلفريد دوغلاس في كراسته المعنونة بـ “من الصميم” (De profundis) ، أساس العلاقات البشرية كلها.

    فبما أن الشجار يعوق المحادثة كما فهمه وايلد من الحوار الأفلاطوني، فإن نمط التحادث كان يجب أن يتخذ شكل القول المأثور، فهذا القول المأثور المقتضب هو، بالمصطلح الذي أطلقه عليه نورثروب فراي، وسيلة الأداء الرئيسة لدى وايلد: لفظة موجزة متراصة قادرة على التعبير عن أطول سلسلة من الموضوعات، وعن أعظم نفوذ، وعن أدنى التباس حيال كاتبها. وحين غزا وايلد أشكالاً أدبية أخرى حولها إلى أقوال أطول من السابقة. وهاكم ما قاله عن المسرحية: “لقد تناولت الدراما، وهي أكثر الأشكال الموضوعية المعروفة للأدب، وجعلت منها أسلوباً شخصياً للتعبير، شأنها بذلك شأن القصيدة الغنائية والقصيدة القصيرة، ووسعت في الوقت نفسه مداها وأغنتها بالشخوص”. ولذلك فليس من المستغرب أن يكون قد قال: “لقد أوجزت كل الأكوان في عبارة، وكل الوجود في قول مقتضب”.

    إن كراسة “من الصميم” تدون الدمار الذي يحل بالمدينة الفاضلة “utopia” التي كان وايلد قد بشّر بفردانيتها ولا أنانية أنانيتها في كراسته “روح الإنسان في ظل الاشتراكية”. فمن حياة مفعمة بالحرية إلى السجن ومعاناة كل أصناف الشقاء، كيف، يا ترى، تأتي إنجاز التغيير؟ إن تصور وايلد للحرية يوجد في “أهمية كون المرء جاداً” حيث تتكشف الشخصيات المتصارعة على أنها أخوة في خاتمة المطاف ولمجرد أنها تقول بأنها أخوة. إن الشيء المدون (كجداول الجنود التي كان يراجعها جاك) لا يفعل شيئاً إلا توكيد كل ما كان قد قيل سابقاً بنزق، ولكن بفخامة.

    فهذا التحول من الخصومة إلى الأخوة هو ماكان في ذهن وايلد لربط تكثيف الشخصية بتكاثرها.
    فحين يبتلي تبادل الآراء بين البشر بانعدام حرية التحادث، وحين يكون مقيداً بالموافقة القانونية على الطبع وحسب، الأمر الذي يعني تعذر الاستشهاد به بصراحة ويعني أيضاً، لأنه حظي بالتوقيع الرسمي، أنه صار موجباً لإقامة الدعوى الجنائية فإن المدينة الفاضلة تتقوض وتتداعى. وحين أعاد وايلد التأمل بحياته في “من الصميم” تسمّر خياله من هول آثار نص واحد على حياته. ولكنه يورده ليبين كيف أنه في انتقاله من الكلام إلى الطباعة، الأمر الذي تتفاداه بمعنى من المعاني نصوصه الأخرى الأكثر حظاً من ذلك النص، وتفادته كيفما اتفق بفضل تفردها بالاقتضاب، تعرض وايلد للتدمير.

    إن حسرة وايلد في المقطع الوارد أدناه تتمثل بأن النص يشتمل على أكثر مما ينبغي، لا على أقل مما ينبغي، من الواقع الظرفي. ونظراً لذلك فإن النص يصبح، بمفارقة وايلدية، عرضة للمخاطر:
    إنك أرسلت لي قصيدة جميلة جداً، شعرها من أشعار الطلاب غير المتخرجين من الجامعة، لأبدي استحساني عليها: وهأنذا أجيب برسالة مليئة بالأفكار الأدبية الوهمية.. انظر إلى تاريخ تلك الرسالة. إنها تنتقل منك إلى يدي زميل كريه، ومنه إلى عصابة من المبتزين، ومن ثم نسخ منها تدور في لندن لأصدقائي، وإلى مدير المسرح الذي يجري تمثيل عملي فيه: وكل ما يخطر على البال من تفسيرات توضع فيها إلا التفسير الصحيح: فلقد ثارت ثائرة الجمعية من الإشاعات الخرقاء حتى وجب علي أن أدفع مبلغاً كبيراً من المال لأنني كتبت لك رسالة شائنة: وهذه تشكل صلب أقذع تهجم لأبيك: وإنني سوف أبرز بنفسي الرسالة الأصلية في المحكمة لأكشف لها عن حقيقة الرسالة، ولقد كانت موضع التشهير من قبل محامي أبيك الذي وصفها أنها محاولة خبيثة فياضة بالتمرد لإفساد الناشئة الأبرياء، وفي خاتمة المطاف تشكل هذه الرسالة جزءاً من الإدعاء الجنائي، ينشغل بها التاج، وينظم بها القاضي حكماً بفهم قليل وخلق كثير، وأخيراً أدخل السجن من جرائها. وهكذا تكون النتيجة لكتابتي لك رسالة رائعة.

    *من كتاب: The W o r l d , The T e x t , And The C r i t i c
    Edward W. Said

  • مُخْتاراتٌ مِن ( خَواتِم) أُنسِي الحَاج

    عندما يحصل الحبّ تهجم العاصفة عمياء. يتجسّد الجنون على شكل قلب.

    كلّ حبّ إغتصاب.

    * * *

    ما يحّبه الرجل في المرأة ليس فقط ضعف الكائن الاجتماعي المستضعَف والمستغَلّ،

    كما يعتقد بعض النَسَوّيات. ثمّة ضعف آخر فيها يستهوي، هو » قلق الأم« على الرجل، ولو عشيقها، ولو أكبر منها سنّاً. تلك الرقّة المسؤولة التي هي في باطنها حكمة وقوّة عندما

    تطوّقان الرجل لا يصمد له من قوّته المزعومة سوى العضلات.
    (المزيد…)

  • رسائل غسَّان كنفاني إلى غادة السَََّمان

    ‏24/1/1967‏
    غادة…يا حياتي!‏
    كيف تقولين لي: ((لاألومكَ، لك الحق…في الدفاع عن توقيتك لرحلة صيد انتهت؟)) كيف تفكرين لحظةً ‏واحدة بأن هذا التعيس الذي ينتظرك كما ينتظر وطناً ضائعاً يفعل ذلك؟كيف تعتقدين أن ذلك الرجل الذي ‏سلخت الشوارع قدميه، كالمجنون الطريد، ينسى أو يوقِّت أو يدافع عن نفسه أو يهاجم؟ولكنني أغفر لك، مثلما ‏فعلت وسأفعل وسأظلّ أفعل.
    أغفر لك لأنك عندي أكثر من أنا وأكثر من أي شيء آخر، لأنني ببساطة ((أريدك ‏و أحبك ولا أستطيع تعويضك‎ ((‎‏* ‏ (المزيد…)

  • كِتَابُ الضَّحِكِ والنِّسْيَان

    الجزء الثالث

    الملائكة

    ‏-1-‏

    ‏((وحيد القرن)) هو عنوان مسرحية لأوجين يونيسكو واضع الشخصيات المأخوذة برغبة أن تكون إحداها ‏شبيهة بالأخرى، متبادلةً الأدوار في مسرحية((وحيد القرن))، غبرييل وميشيل، شابتان أميركيتان كانتا تدرسان ‏هذه المسرحية من ضمن مقرَّر أعطي في العطلةللطلاب الأجانب في مدينةعلى شاطيءالمتوسط .
    وكانتا التلميذتين ‏المفضلتين لدى السيدةرافاييل، أستاذتهما، لأنهمالا تَنيان تتابعانها بانتباه دائم، ولأنهما تسجلان بعناية أيا من ‏ملاحظتها .
    وقد طلبت منهما اليوم أن تَحضِّرا سويَّةً، للمقرَّر التالي، عرضاً لمؤدَّى المسرحية.
    (المزيد…)

  • المُتَوَفَّاةْ

    لقد أحببتها بجنون.لماذا نحب؟ ولماذا يحدث ألا نرى في العالم كله إلا كائناً واحداً؟وأن تدور في مخيلتنا فكرة ‏واحدة؟أو ليس عجيباً حقاً أن تمتليء قلوبنا بأمنية واحدة وأن يتردد على شفاهنا اسم واحد؟ ذلك الاسم الذي ‏يطفر على شفاهنا متصاعداً من أعماق أرواحنا-دوماً-مثل المياه من النبع، الاسم الذي يلح علينا فنردده ‏ونهمس به دائما ًوفي كل مكان كأنه صلواتنا.
    (المزيد…)

  • أونغاريتي – سماءٌ صافيةٌ ومختارات أخرى

    أونغاريتي – سماءٌ صافيةٌ ومختارات أخرى

    ولد أونغاريتي ‏‎ungaretti‏ يوم 10-2-1888 بمدينة الإسكندرية التي هاجر إليها والداه من توسكانيا ‏الإيطالية. ‏

    سرمَد

    بين الزهرة تُقطَف ‏
    والزهرة تُمنَح
    عدمْ
    لا يُدركه التعبير.

    * * *
    سأمْ

    حتى هذي الليلة سوف تمر
    العزلة إذ تتشرد
    ظلْ من أسلاك ترام‏ٍ
    يترنَّح
    فوق الإسفَلت الرّْطب
    رؤوس السواق أراقبها ‏
    نائسةً
    مثقلةً بنعاسِ الليل.‏
    * * *

    ربما كانَ نهراً

    الضباب الذي نتلاشى به
    الضباب الذي نمَّحي فيه…هذا
    ربما كان نهرٌ هنا
    يولد…‏
    إنني أسمع الآن أغنية الحور تأتي
    من مياه البحيرةِ
    حيث كانت هناك المدينة.‏

    ‏*يُبين أونغاريتي أن الضباب قد حوَّل مدينةَ ميلانو إلى بحيرةٍ ذكَّرته((كالسراب)) ببحيرة مريوط قرب ‏الإسكندرية.‏

    * * *

    في إجازة

    ‏((فيرسا،27 نيسان،1916))‏
    من يرافقني في الحقول؟
    إنها الشمس تنتثر
    قطرات من الماس مائيةً
    تنزل العشب لدناً.‏
    أتراصف والبهجةَ الكونَ‏
    هادئةَ الخفق والخافق
    تنتفخ الجبال
    بالريح…ظلاً ليلكاً
    ثم تسير في سباق تجذيف مع السماء
    في الأعالي الشفيفة
    بَطَل السحر…‏
    دلّيت نفسي
    بنفسي…‏
    ثم اختبأت
    بعشّ
    بنفسي.‏

    * * *

    صمتْ‏((ماريانو،27حزيران 1916))‏

    عرفتُ مدينةً
    في كلِّ يوم تمتليء بالشمس
    حتى حد حافَّتها
    وفي لحظةٍ-‏
    إذا ما أفعمتها الشمس
    صار الكل…كل الكونِ مسحوراً.‏
    لقد غادرتها غسقاً
    وفي قلبي
    حفيفُ غصونِ سيكادا*‏
    وعبر سفينةٍ بيضاء
    رأيت مدينتي…تخفى
    تلاشى
    وهي تترك في الهواء
    معلقاً
    وللحظةٍ…منها
    عناق النور.

    ‏*السيكادا:شجر.

    شعر: أونغاريتي.
    ترجمة :سعدي يوسف.
    الناشر:دار المدى للثقافة والنشر.

  • مَزْرَعة الحَيوَانْ

    كم من الجهد بَذَلَتْ وكم من العرق ذرفت حتى تمكنت من تخزين القش!ولكن جهودها لم تذهب سدىً لأن ‏الحصاد كان قد حقق نجاحاً أكثر مما كانت تأمل.
    وقد كان العمل شاقاً أحياناً لأن الأدوات كانت قد صممت ‏لاستخدام الإنسان وليس الحيوان، وكان أسوأ ما في الأمر عدم تمكن أي حيوان من استخدام أية أداة تستدعي ‏الانتصاب على الأرجل الخلفية، لكن الخنازير كانت على درجة من الذكاء مكنتها من حل أي مشكلة تعترض ‏طريقها.
    أما الأحصنة فقد كانت تعرف كل شبر في الحقل، وقد كانت تتقن بالفعل الحصاد والتذرية أكثر ‏من((جونز)) وعماله وكان من الطبيعي أن تتولى الخنازير دور الريادة نظراً لخبرتها الممتازة.
    ولقد عمد ‏‏((بوكسر)) و((كلوفر)) إلى تثبيت نفسيهما بالمذراة ولم تعد هناك حاجة للأعنة أو اللجام في هذه الأيام ‏بالطبع، وقد دار الحصانان بهمة ونشاط حول الحقل مرات ومرات ومن ورائهما خنزير يسير صائحاً بصوت ‏عالٍ:هيا أيها الرفاق…هيا أيها الرفاق! (المزيد…)

  • يانيس ريتسوس – إيماءات – ترجمة: سعدي يوسف

    *بعدَ المطرْ‏

    ظلّت تمطر أياماً. وكل ما أراد أحدهم أن يخبرَ به الآخر،
    بعد أن جرى تمحيصهُ بعناية-‏
    تأجلَ.‏
    وانطوى.‏
    وحُمل بعيداً في حقائبهم.‏
    لقد غادروا.‏
    الآن، تتمشى حلازينُ كبيرةٌ على رخام الباحة،‏
    حاملةً على ظهورها أبراجاً صغيرةً ونواقيسَ،
    إنها تتسلّق الأقحوانَ،
    إنها تدخل برودةً متأنيةً.‏
    توقفت هيلين لتنظر، وغمغمتْ،
    ‏((ترى، هل الحلازينُ سعيدةٌ؟.))‏
    كان الآخرون صامتين.‏
    جرجرَ السؤالُ نفسَهُ بوثوقِ هاديء.‏
    تاركاً خلفهُ خيطَ فضةِ رطباً.‏

    * * **


    *شَيء لمْ يُنجز
    غيوم على الجبل.‏
    من الملوم؟ما الملوم؟
    صامتاً، متعباً، ينظر أمامه
    يستدير، ينحني
    الصخور في الأسفل،
    والطيور في الأعلى
    جرّة في النافذة
    ونباتاتٌ شوكيةٌ في الوادي.‏
    يداه في الجيب.‏
    ذرائع، ذرائع.القصيدة تتأخر.فارغ.‏
    الكلمة يدل عليها ما تخفي

    * * * *

    *يَأس بِينلوب
    لم يكن السبب أنها لم تعرفه
    في ضوء النهار الكابي،
    وهو متنكرٌ بأسمالِ الشحاذِ.‏
    لا…‏
    كانت ثمة علائمٌ جليّهٌ:‏
    الندبةُ على صابونة الركبة‏
    الجسدُ المفتولُ‏
    النظرةُ الماكرةُ‏
    كانت خائفةً
    تميل، لائذةً بالجدار.‏
    لقد حاولتْ أن تجد لها عذراً ما
    أن تجدَ تأخيراً تتفادى به الإجابةَ‏
    كي لا تفضحَ أفكارها.‏
    أمن أجله أضاعت عشرين عاماً
    منتظرةً
    حالمةً؟
    أمن أجل هذا الغريبِ الرثِّ‏
    الملطخِ دماً‏
    المبيضّ اللحية؟‏
    سقطتْ. فاقدةً الكلامَ على كرسي.‏
    حدقتْ في العشاق المذبوحين على أرضية القاعة‏
    كما لو كانت تحدّق في رغباتها الميتةِ.‏
    وقالت:أهلاً…‏
    كانت تحسّ بصوتها قادماً من البعيد
    وكأنه صوتُ سواها.‏
    النَّولُ في الزاوية‏
    يُسقط ظلالاً على السقف، كالقفص.‏
    والطيورُ التي نسجها بخيوطٍ حمرٍ برّاقةٍ
    بين أوراقٍ خضرٍ،
    استحالت، بغتةً، رماديةًو سوداءَ‏
    تطيُر منخفضةً على السماءِ المسطحةِ لمحنتها النهائية.‏

    * * * *

    *إِهمَال

    يقول:هكذا تألفُ كلَّ شيء.‏
    حتى الشيُء الذي أدهشنا، يوماً‏
    هو الآنَ مبتذلٌ بائخٌ.‏
    ليست الأشياء، وحدها، التي تبهتُ‏
    وإنما عيوننا تبهت أيضا-‏
    إنها الآن تُشيحُ عن الزجاج الملون‏
    عن الأضواءِ الاصطناعية الحادة-‏
    إنها الآن تفضّلُ الممرّاتِ المعتّمَة
    أو الأنفاقَ التي لا تتمايز-‏
    إن تماثُلَها هو كالزمن.‏
    وأنت لن تفاجأ إذا هطلَ المطرُ فجراً،
    أو دقّت ساعة المدينةِ الثانيةَ عشرةَ ظهراً،
    أو أن الساعاتِ التي تنتصبُ خارجةً، لا مباليةً،
    وحيدةً، كشيفة في العراءِ- لا تبتلّ.‏
    امرأةٌ مجهولةٌ تتجوّلُ حول المنزل،
    شعثاءَ الشعرِ‏
    ترتدي جواربَ نايلون مهملةً‏
    تنحدر على سَاقيها.‏

    * * * *
    *منَ الذَّاكِرة

    أشعةُ إكس قديمة لرجال مسلولين.‏
    في مظاريف صفرٍ كبيرةٍ بأعلى خزانةِ الملابسِ،
    ‏ مليئة بالغبار_‏
    ليلة بعد ليلة حين يصفر القطارُ في الضواحي،
    ليال بحوامل شموع طوال،
    على الأرض تنتثر مربعاتُ ورقٍ صغيرة‏
    كانت تضمُّ مسحوقَ مداواة ِالسعالِ-‏
    حين انسكبَ القدحُ على الملاءاتِ، مدَّ ساقيه خارجاً-‏
    كانت ركبتاه هزيلتين ،وكان الشعرُ جافاً-‏
    ‏ كان لديه انتصابٌ-‏
    طرقٌ على الباب‏
    طرقٌ شديدٌ.‏
    غطيناه بسرعة، وركضنا نحو الممر،
    وقفنا خلف الباب ،وأنصتنا:‏
    لم يطرقوا ثانيةً.‏

    * * * *

    قصائد لـ: يَانيس ريتْسوس
    ‏ من مجموعاته الشعرية : (أحجار،إعادات، إيماءات) ‏
    ترجمة: سعدي يوسف ‏
    والصادرة عن: دار المدى للثقافة والنشر

  • في حَضرَة الغيَابْ

    تحبُّ النوم… اليقظة المغمى عليها كحالك هذا.النوم سيِّد وسلطان.وأنت، سيِّدُ نفسك وسلطانها.حيٌّ بلا ‏تكاليف حياة.حيّ في موت مجازي مُنْتقىً بعنايةِ ملاك، لتمرين الجسد على زيارة اللا مرئيّ بهيئة اللائق ‏باللائق.
    النائم لا يكبر في النوم، ولا يخاف ولا يسمع أنباء تعصر العلقم في القلب.لكنك تسأل نفسك قبل ‏النوم:ماذا فعلتُ اليوم؟ (المزيد…)

  • من الأدب المحظور: كاليغولا – فارلام شالاموف

    من الأدب المحظور: كاليغولا – فارلام شالاموف

    وصلت الرّسالة إلى إدارة المناجم مع حلولِ الظلام، قبلَ بوق نهايةِ يوم العمل.أشعلَ القومندان مصباحَ البنزين، ثم ‏قرأ الرسالةَ، وخرجَ مسرعاً لإعطاءِ الأوامر.لم يرَ القومندان أيةَ غرابة في الأمر.سألهُ الحارس المناوب فاتلاً سُبابةَ ‏يدهِ اليمنى عند الصّدغ:‏
    ‏-ألم يفقدْ عقله؟
    ‏ نظر القومندان ببرود إلى جندي الحراسة، فأصابَ الأخير الذّعر جرّاءَ مزحتهِ الخرقاءْ وفي هذه الأثناء أزاحَ نظره ‏باتّجاهِ الطريق وقال:‏
    ‏-إنهم يقودونها، أرداتيف بذاتهِ قادم.‏

    كان يُرى خلال الضباب جنديا حراسة يحمل كل منهما بندقية، وكان وراءهما سائسٌ يجرّ فرساً رمادية هزيلة من ‏لِجامها.إلى جوارهم، في الثّلج مباشرة، خارجَ الطريق كان يسير رجلٌ كبيرُ القدّ، ثقيل الجسد. كان معطفهُ ‏القصير، المصنوع من فرو الغنم مفتوحاً، وكانت قبّعته مُزاحة إلى الخلف، وكان يُمسك بيدهِ عصا يضرب بها جانبي ‏الفرس النحيلين، الضامرين، القذرين، اللذين تبرز منهما عظامها بحدّة. انتفضت الفرس مع كلِّ ضربة، متابعة ‏جرجرة حوافرها، غير قادرةٍ على المشي أسرع.أوقف الحارسان الفرس عند محرس البوابة.تقدم أرداتيف ‏مضطرب الخطو إلى الأمام، متنفساًكحصان منهك، زافراًرائحة الكحول في وجه القومندان المشدود الصدر ‏مباشرة، وحشرج متسائلاً:‏
    ‏-مستعدون؟
    أجابه القومندان:‏
    ‏-أجل، مستعدون.‏
    عندئذ، صاح أرداتيف:‏
    ‏-قُدها إلى هنا إذاً، أدخلها في السجلات أنا الذي أعاقِب البشر لن أرحم الخيول..سوف أرغمها على فعل ما ‏أريد- ثمّ تذمّر متمتماً، ضارباًبقبضة يده صدر القومندان- إنها لا تعمل لليوم الثالث على التوالي، كنتُ سأحبس ‏السّائس فالخطة لا تُنفّذ، الخطة لا تتحقق أَتفهم..لكن السائس أقسم لي ((ليس أنا، بل الفرس هي التي لا ‏تعمل))، أنا أف..ف..منهم- تأ تأ أرداتيف- أنا واث..ث..ث ق. أعطيتها سكراً أخذْته من البيت خصيصاً من ‏أجلها لم تأكله .. يا لكِ من حقيرة- فكرتْ- كيف سأخرجُ أيام العمل الخاصة بك، إلى أين سأذهب بهذه ‏السافلة؟إلى جميع التنابل، إلى جميع أعداء الانسانية، إلى الزنزانة،على الماء فقط دون طعام لثلاثة أيام على مخالفتها ‏الأولى.‏
    جلس أرداتيف على الثلج، خلع قبّعته، تدلى شعره الرّطب الأشعث فوق عينيه.نظرَ إلى أعلى محاولاً الوقوف ‏فتأرجحَِ وسقط على ظهرهِ فارشاً ذراعيه.تعاونَ الحارس والقومندان على حملهِ إلى داخل المحرس.‏
    ‏-‏ إنه مخمور، يغطّ في النوم، أنَنقله إلى البيت؟
    ‏-‏ دعنا لا نفعل، فزوجتهُ لا تحب ذلك.‏
    ‏-‏ والفرس؟
    ‏-‏ يجب إدخالها إلى السجن، إذا استيقظَ ورأى أنّنا لم نحبسْها سيقتلنا، إحبسها في الزنزانةِ الرابعة عندَ ‏المثقفين.‏
    حمل اثنان من المعتقلين القرم إلى غرفةِ المناوبة، وكوّماها قربَ الموقد.سألَ أحدهما، محولاً نظرهُ نحوَ الباب ‏الذي يشخر وراءهُ ارداتيف:‏
    ‏-‏ ما رأيكمْ يا بيوتر غريغوريفيتش؟
    ‏-‏ هذا ليس بجديد عليه…كاليغولا…‏
    ‏-‏ أجل، أجل، كما عند ديرجافين-أكملَ الثاني-وألقى منتصباًقصيدة ديرجافين* بإحساس:كاليغولا!‏
    أنّى لحصانكَ المكلّل بالتّبر أن يلمعْ
    فالأعمال الطيّبات وحدها التي تسطع‏ْ
    دخّن المعتقلان العجوزان.فراحَ دُخان الماخوركا الأزرق يسبح في فضاءِ الغرفة ويحوم قبلَ أن يتبدّدْ.‏

    هوامش

    ‏*كاليغولا:إمبراطور روماني(12-41م) والد الإمبراطور غاي،معروف في التاريخ كرمز للقسوة ‏الوحشية.كوى الناس بالحديد الحامي،وألقى بهم لتفترسهم الوحوش الضارية الجائعة في الأقفاص ‏أحياء،أرغم الآباء على حضور طقوس إعدام أطفالهم وزوجاتهم.أعدم ضحاياه ببطء.كان يأمر بالضرب ‏بقسوة حتى يشعر المضروب بالموت.قطع كاليغولا إنتقاماًبأنصال السيوف،وقتلت زوجته ثم ابنته وأحرق ‏قصره.حكم ثلالثة أعوام فقط قتل خلالها آلاف الناس بوحشية.‏
    ‏*غافريل ديميانوفيتش ديرجافين(1743-1816) من شعراء البلاط الكلاسيكيين.ولد في قرية قريبة من ‏قازان على نهر الفولغا،وخدم جندياً عشر سنوات ومن ثم ضابطاً في الجيش القيصري في بطرسبورغ.بعد ‏ذلك شغل منصب محافظ المدينة،ومن ثم السكرتير الخاص للقيصرة الروسية كاترينا الثانية،وفي عهد ‏القيصر الروسي الكسندر الأول صار وزيراًللعدل.كتب قصائد المديح للعائلة القيصرية.من أشهرها ‏قصيدة((فيليسا))(1782) لكاترينا الثانية،كما كتب قصائد حماسية تعكس الحياة الروسية في القرن ‏الثامن عشر.من أعماله الأخرى:صاحب المقام(1774-1794).‏

    المؤلف: فارلام شالاموف
    من المجموعة القصصية: القادم من الجحيم ((من الأدب المحظور))‏
    ترجمة: منذر حلوم‏
    الصادرة عن دار الحصاد للتوزيع والنشر
    ‏2001‏

  • كَائنْ لا تُحْتَمَلْ خِفَّتهُ

    الخفة والثقل

    (1)

    العَوْد الأبدي فكرةٌ يكتنفها الغموض وبها أربكَ نيتشه الكثيرين من الفلاسفة: أن نتصور أن كل شيء سيتكرر ذاتَ يوم كما عشناه في ‏السابق وأن هذا التكرار بالذات سيتكرر بلا نهاية! ماذا تعني هذه الخرافة المجنونة؟
    (المزيد…)

  • وداعاً ميشو

    (1)

    من كنت

    أنا مسكون.أتحدّّث إلى((من كنت))، و((من كنت)) يتحدثون إليّ.أشعر أحيانا بالضيق، كما لو كنت غريباً.إنهم ‏مجتمعٌ كامل يحدث ألا أسمع صوتي فيه.‏
    أقول لهم:انصرفوا.نظّمت حياتي.لم أعد أقدر أن أعير خطبكم سمعي.لكلٍّ حصته من الزمن:كنتم، والآن، أكون.‏
    ‏((انشُرني))، يقول أحدهم ((أرجوك، ((انشرني)).
    آه!تصوّروا!إنّ في داخلي لمجانين حقاً.
    عشتم سنة أو سنتين تحت ‏جلدنا المشترك، وها أنتم تسّنون لي القوانين، انا الذي أكون الآن!.‏
    ((لا أريد أن أموت))-يقول آخر.((تحدثْ عمّن كنت)) .(( لا أريد أن أموت))، ومع هذا فلهجته مفعمة بالشكوك. ‏هكذا ينخدع الانسان. هكذا تفوتنا أشياء كثيرة.ترغب بكتابة رواية، فتجد نفسك تكتب في الفلسفة. لا ‏يكون المرء وحيداً في جلده!.
    (المزيد…)

  • رِسَالَةٌ إِلَى شَاعِرٍ شَاب

    شكراً لك على رسالتك الفاتنة وعلى قصائدك وقصصك. إن الرسالة تعبر عن ثقة في النفس يؤسفني أني سأحبطها. وحتى لو لم اكن أعاني من إجهاد في العينين ورازحاً تحت أكوام الرسائل لخيبت املك، ذلك أن ما طلبته مني شيء لا أملكه لأعطيه.
    (المزيد…)

  • الْبِنْتُ/ الصَّرخَةُ – محمود درويش

    على شاطئ البحر بنتٌ، وللبنت أهلٌ
    وللأهل بيتٌ. وللبيت نافذتانِ وبابْ…
    وفي البحر بارجةٌ تتسَلَّى بِصَيْدِ المُشَاةِ
    على شاطئ البحر: أربعةٌ، خمسةٌ، سبعةٌ
    يسقطون على الرمل. والبنتُ تنجو قليلاً
    لأنَّ يداً من ضبابْ
    يداً ما إلهيَّةً أسْعَفَتْها. فنادتْ: أبي
    يا أبي! قُمْ لنرجع، فالبحر ليس لأمثالنا!
    لم يُجِبْها أَبوها المُسَجَّى على ظلِّهِ
    في مهبِّ الغِيابْ
    دَمٌ في النخيل، دَمٌ في السحابْ

    يطير بها الصوتُ أعلى وأَبعدَ من
    شاطئ البحر. تصرخ في ليل بَرّية،
    لا صدى للصدى.
    فتصير هي الصَرْخَةَ الأبديَّةَ في خَبَرٍ
    عاجل لم يعد خبراً عاجلاً عندما
    عادت الطائرات لتقصف بيتاً بنافذتين وبابْ!.

    البنت: هي هُدى التي فقدت أسرتها على رمال شاطئ غزة.

  • الرَّجُلُ الَّذِي لاَ خِصَالَ لَهُ

    مما لا ينجم عنه ظاهريا أي شيء ، انخفاض بارومتري غطى المحيط الأطلسي ثم اتجه شرقا نحو منطقة ذات ضغط عال تخيم فوق روسيا، من دون أن يظهر ميلا في اجتيازها نحو الشمال. كانت خطوط درجات تساوي الحرارة والخطوط الموصلة فيما بينها تعمل على أفضل وجه. وحرارة الجو مقاربة نوعا ما لمتوسط الحرارة السنوية، مثلما لمتوسط أبرد الشهور وأحرها وللتذبذب الشهري غير المنتظم للطقس. شروق الشمس وغروبها، القمر، مراحل القمر والزهرة وحلقات زحل وظاهرات مهمة كثيرة أخرى، كلها تطابقت مع التنبؤات المدونة عنها في كتب الفلك السنوية. وكان بخار الماء قد بلغ أقصى توتره في الهواء، فيما انخفضت الرطوبة الى أدنى حد لها. بكلمة واحدة تشخص ما هو واقع بدقة تامة، حتى إن بدت عتيقة بعض الشيء: كان ذلك يوما جميلا في شهر آب من العام 1913.
    (المزيد…)

  • النُّصُوصُ الْـ 15

    روبنسن كروسو :
    لو لم يغادر روبنسن كروسو قط أعلى، أو على الأصح، أبرزّ نقطة في جزيرته، رغبة في السلوان، أو بدافع فقدان الثقة بالنفس، أو الخوف، أو الجهل، أو التوق، للقي للتو حتفّه. لكنْ، لأنه شرع في استكشاف الجزيرة كلها، دون أن يعير أدني اهتمام للسفن العابرة ولتلسكوباتها الكليلة، فقد تمكن من الحفاظ علي حياته حتى عثر عليه في نهاية الأمر، رغم كل شيء. وتحكمت في كل ذلك سلسلة سببية كانت، بالطبع، حتمية من الناحية المنطقية.
    (المزيد…)

  • مِن فرويد إلى أينَشتَاين

    فيينا، أيلول 1932

    عزيزي البروفسور أينشتاين،

    حينما سمعت أنك تنوي توجيه دعوة إليَّ لتبادُلِ وجهات النظر حول موضوعٍ يثير اهتمامك ويستحق، على ما يبدو، اهتمامَ سواك، فقد وافقتُ على الفور. لقد توقعتُ أن تختار مشكلة تقع عند حدود ما يمكن معرفته مؤخرًا، مشكلة يمكن لكلٍّ منَّا، – أنت عالم الفيزياء وأنا الطبيب النفساني، – إنْ كانت له زاويةُ رؤية خاصة بها، أن يلتقي مع الآخر عندها، وعلى الأرضية نفسها، بعد أن نكون قد جئنا من اتجاهين مختلفين. لكنك فاجأتَني بطرح سؤال عما يمكن فعله لحماية الجنس البشري من الحرب ولعنتها.

    (المزيد…)

  • أنا وأشياءُ أنثَى – هيلدا إسماعيل

    مرة أخرى ينتصف الليل ..وأنا لازلت أفكر كيف سأضطر للكتابة عني ..ماذا سأكتب في سيرة مسافتها قليلة .. خائفة من أن يجعلني هذا أصغر في عينيَّ ..لأن ثيابي لا تكلِّفُني الكثير .. بينما يُكلّفني أكثر البحث عن أجنحة على شَاكلتي .. خائفة من أن أُسْأَلُ عن عمْرِي
    كَمْ يبلُغ من مدن ..


    بينما أبلغُ بضْعًا و عشرين قصيدةً في ديوانٍ لم (ينثرْ) بعد ..وسأحاولُ في ( يوليو) القادم ..أن أستلَّ شمعةً وقلماً من أعياد لأكتبَ على جدرانِ منزلنا ( ستَّة عشر ) خطا ً متقاطعاً..هي يوم ميلادي الذي قد يفكُّ رموزهُ أحدُ المهتمين .
    ولدت أنا في هذا (السرطان) ..(برجٌ )أموميٌّ حتى النخاع .. مضمخٌ بألم ..سادرٌ في أنوثة ..وحتى لو اتكأ (السرطان) على حجري.. مرضًا لقمت بـ تدليله …وتدليله .. حتى الموووت .
    أمضيتُ عمري في مقعدٍ ..وقاطرةٍ واحدة كانت تقودني إلى الخلف .. خمسُ سَنواتٍ مني ليْسَتْ محْسُوبة..نحن عادةً لا نَقْيْسُ ضَرَبات السَعادة ..ولا ركلاَّت الترجيح ..هزائمي وحدَها تأتي بعد الفرح مباشرة ..بينما كان قلبي خاويًا ..ولكنّه يَشْتَعل بالضجيج ..

    حين بدأتُ الكتابة .. بدأتها بـ(ميلاد) ..هذا الاسم الافتراضي الذي اخترتهُ على ساحة (الإنترنت) التي كانت شاهداً على مخاضي على أرض واقعٍ يولد أطفالها بأسماء لم يختاروها.
    “ميلاد” ..غرقتْ في نقطة حبر يَسْكنها الصدق ..العفوية ..أجهز عليها الآخرون لأنهم كانوا يدركون أن قمة الغرق تعني أن شخصاً ما يجب أن يبقى حيّا …يتعلق بـ ( أقواس ) النجاة.. يطفو على سطح الأوراق من أجل أن يقول أننا ( ذكورًا وإناثا ) نجيد الكتابة ..ولهذا لم يمشِ في جنازتي أحد حتى الآن..

    “ميلاد” .. هي ابنتي التي لم تولد .. لم أحملها تسعة أشهر..والتي أتشهى لقاءها كلما نُوديتُ بها .. والتي استطاعت في ثلاثِ سنوات أن تقول ما لم تقله “هيلدا” في أكثر من عشرين عاماً .. بينما استطاعتِ الأخيرة وحدها أن تحصِدَ النجاحَ ..البكاءَ .. القصيدة .. أعلمُ مدى الازدواجية التي تسبب بها (الاسمان) ..لكنني أحببت (ميلاد ) لأنها جاءت في زمن تولد فيه كل الأشياء إما ورمًا خبيثًا .. أو موتًا ..ولهذا كنت أعْصِبُ عيني جيدًا حتى نهاية الحزن ..وحتى اختصرت بها ..و بالنشر من خلال ( الشبكة ) سنينًا من الإهمال ..وقرونًا من الترقب والانتظار .. ووفرت دموعي ..ولون شَعري قبل أن يصبح (رماديًا) ..وقمت باستغلال سنواتي الأجمل في كتابة ما كنت سأكتبه بعد أعوامٍ عديدة من لحظة دخولي من البوابة التقليدية للنشر في الصفحات الثقافية ..

    لا أجد نصًا مما كتبتُ يشبهني حتى الآن ..ربما لأنني (أنثى موااااربة)..تفتح أدراجها..أبوابها ..قلبها دون أن يتمكن أحدهم من التسلل إليها ..أو ربما لأنني أمارس حقي الشرعي في الكائنات.. الحبّ.. الكًره .. وأفعلُ كلّ هذا من وراء حجابٍ شديد الشفافية..عارٍ تماماً كطفلٍ لايسدل عليه ستائره .. لا يُشْعِر من يعيش معه بالغربة ..ولا يُشْعره أيضًا بالالتصاق .. أعتقد بأنني لو كنت شيئًا آخر غير (أنثى) ..لما ابتعدتُ كثيرًا عن “هيلدا” التي اعتادتْ أن توضع في أماكن لا تناسبها ..أكبر منها حجمًا ..أشرسُ ..وأكثرُ حدّة .. ورغم هذا كانت تنجح ..تجتازُ الهاوية ..تحبَلُ بأوجاعٍِ ليستْ لها .. بشرط أن يكون هذا المكان حميمًا ..ودافئًا .. أصبحتْ تشتاقني الكلمات كلَّما مررت بها ..تكتبني القصائد كلما ألقيت عليها الصباح .. وقد يعني هذا أنني متصالحة معي .. مؤمنة بأن ( كلّ مكان لا يؤنَّث ..لا يمكن أن يَعُولَ عليه ) ..

    لا أملكُ حقّ (الاختيار) في وطني .. ولهذا نصوصي تختارني ..تَنْمو مَعي.. وتتكَاثر ..ولهذا أيضًا أجد نفسي مرسومة بقلم رصاصٍ مدبّبُ الرأس ..له ممحَاةٌ سحرية يمكنها أن تمحو أجزاءٍ اعتدت عليها بين يوم وليلة ..ويمكنه في نفس اللحظة أن يرسم أجزاء أخرى أضيفها إلى قناعاتي.. لا تخلو كتاباتي من الألم لأنني نسيتُ كيف يفرحُ الآخرون ..أرتاحُ كثيرًا لهذا النوع من الكتابة فهو يذكرني بأنني إنسانة .. أدوخ .. أبكي .. أتقلّب .. أتجّمر .. أحترق .. وأمووووت .. ومن أرادَ أن يقرأني عليه أن يمارسَ معي كلّ هذه الطقوس ..يُمْسك قلبه تارة ..بطنه تارة أخرى ..يغْمِضُ عينيه .. يَمْسَح جبينه ..يهذي .. يتوجّع ..و( يموت) بي.. وإلا فلا حاجة له بما أهتم به ..وسأظلُّ أرشف دمَ القصائدَ حتى آخر قطرة .. فهذا زمنٌ صَلْصَالي ..عليك أن تعيدَ فيه صياغة الأحزان ..الخيانات ..ومساءاتٍ قد تبدو لهم عارًا ..وتصبح لدينا فضيلة .

    أحيانًا يصبح هاجسي أن أقفَ كالنسرِ وحيدة ..أتشبَّثُ بالريح ..أُهَاجم .. أَطير.. وأسْترْجِعُ الزمَنْ .. أحيانًا يأخذ الجنونُ لديّ شَكْلاً آخرَ لحضُوري حين تصبح هذه المدينةُ قاسيةٌ كالفقرِ مثلا .. فكيف تسمح بأن تَعْصِر أربعة أطفالٍ في كرسيٍّ (متحركٍ) واحد .. بينما يَعْصرُ جيْبَهُ رجلٌ تتقَطَّر من ثيابهِ النقود ..الخمر ..النساء !.. قد تكون الكتابة هوايتي (الأخيرة) ..لكن العمل مع فئة ذوي الاحتياجات الخاصة هي عشقي (الأوَّل) ..موهبتي ..طفولتي ..عفويتي التي أتلوّن بها .

    ليس من منطق كل فتاة بـ(أبيها) ..!! ..لكن تدهشني إنسانيته ..يده الممتلئة خيرًا ..و التي تبدو كبتلات زهورٍ بيضاء تنمو على سطح المقابر .. تدهشني تسابيح (أمي) الصغيرة ..صلواتٌ لا تفارق شفتيها .. ويدهشني (أصدقائي) حين يغيب أحدهم ويظهر فجأة حين أتقطّر برودة ..واحتياج .
    تدهشني (جدتي) ..تلك بالمناسبة امرأة بحجم السماء … بتُّ أخاف أن أفقدها .. فأفقد معها كيف تبدو الحياة بدون الطيبين .. وكلما لا أجدها بجواري ..أعلمُ أنها كانت تخلع ثياب الحزنِ ..لحزنٍ آخر … وكأنها قادمةً للتوِّ من مراسم (العزاء) الموازي لأول الحيّ ..فحين تغلق بقَّالة (عمّ سليمان) أبوابها ..لا أحدَ يبقى هناكَ لآخر الدموع سِواها .. لا أحدَ يَنْفُثُ بـ (يس) . .و يختمُ القرآن من صدره قبل أن يبدأ موسم الدفن سواها ..وحين تعود..! أتوسل إليها في كل مرة بأن : “بربك ..لا تسيري خلف آثار النعش ..لا تتبعي صلاة الجنائز التي يقيمونها بالجوار .. بربك ..بربك ..لا تحفظي الطريق إلى المقابر “

    يخترقني منذ سنوات طويلة قلبٌ كبير ..يشير إليّ بأصابع بنكهةِ البندق ..يشْرَبُ معي القهوة ..والشعر كثيرًا.. وعندما يلقاني ناعسة .. يمارسُ الصمت ..ويذاكرُ درسَ الغفوة جيدًا.. يُصْغي إلى أنفاسي ..يَرْفلُ غطائي .. يبحثُ عن مكان آمنٍ بين ذراعيّ ..وحين أستيقظُ ..أجدَه يتوسَّدُ قدميَّ .. ياااااالله ..أقسمُ أن ما من رجل غيره يتعلق بأقدام أنثى نائمة كما يفعل هو !!

    أعتقد بأن سيرتي ستشبه يومًا “أوجيني” .. تلك الفتاة الأسبانية التي تزوجتْ نابليون ..كانت ذكية ..عصبية جدًا ..سريعة الملل ..علّمت نساءَ القصر أن يتكلّمْن بسرعة ..حتى أصبحت الموضة أن تقول المرأة كلامًا مُبْهًا وعلى الرجل أن يفهمه ..كما استطاعت أن تتخلَّص من كل الأربطة التي تشدّ الصدر ..الخصر ..الأرداف.. لأنها أيقنَتْ بأن فستان المرأة يجب أن يكون كستارة المسرح .. يعلو ..ويهبط كثيرًا ..وبسهولة كلّ يوم .. المـُحزن لها .. و ( المتوَّقعُ لي ) ..أن ” أوجيني” هذه أصيبت بشيء من جنون في آخر أيامها ..حتى اضْطَر رجالُ الدين إلى أن يغلقوا عليها الأبوابَ ..ولكنها كانت تصرخ : ( لا أريد أن أموتَ هكذا .. ضَعُوني على ظهر حصانٍ يحترق ) .

    قد أكونُ موْلعة جدًا بالأشياء الصغيرة ..كأقدام الأطفال ..التحف ..الكرستالات ..القطط ..الأرانب .. ولكني أفقد ولعي شيئًا فشيئا كلما تضخمت هذه الأشياء أمامي ..كلما انتقلت إلى غيري ..أو أصبحت على مرأى من الجميع . لا أجيدُ تقليب صفحات الجرائد خوفاً من أن أكون عرضةً للضحكِ حين أقوم بالبحث عن “دبَّاسة” لتثبت الصفحات من جانبها الأيمن.. ولا أعرف لماذا لم يستجيبوا لطلب طفولتي إلى الآن في أن تكون الصحف أقصر (طولاً.). و أوهن (عرضاً ) ..وأكثر تصفيفاً على أناملٍ لا تحمل نكهة الحبر الملون على الكتب ..ولا مذاق المجلات .

    أفُكّر جدّيًا بأن أكتبَ كتابًا عن (فن المواااء).. لأنني أجيده تمامًا كما أجيدُ لعبة الحديث بالكلمات.. وما أكثر من يظنُّ أنه يمووووووءَ بينما لا يُتقنُ في داخله غير ( العواء )..ومن يُعاشِر الذئاب يتعلم كيف يَعْوي .. أمَّا ( المواء ) فلا مُعلّم له حتى القططَ أنفسها .. ممممم م م م ..في أغلب الظنِّ ليس كلّ من يعوي قادر على أن يموووء كأنثى وحيدة

    حين أعشقُ شيئًا ..أشعرُ بألمٍ سَاديّ في صدْري .. أتلذّذ به.. وكأن قلبي (يَعُضّـني) ..يُنَبّهني بأن أضع ما أراه في قائمة من أحبّ ..أصَفِفَه كمَا يتمنَّى ..أتْلو عليه سيرة الإخلاص ..وحين أكره شيئًا ..أفقدُ الإحساس به ..وكأنني ولدْتُ ..منذُ ولدْت.. بلا قلْب هل رأيتمْ كيفَ أجمع الشيء ..ومتناقضاته في جسدٍ واحد !!!!

    قد لا أكون مختلفة .. لكن الفرق بيني و بين سواي أنني لا أنسبُ لحرفي سبباً أو حباً ..فأنا أجيدُ تَقْبِيْل (نفسي ) ..كما أحبُّ أن أُحيط ذاتي بذراعي ..و (أحتويني ) . وقد لا أكون جميلة أيضًا .. لكن كلّ مافيّ ( مُبْتسِم)..دافيء … والأهم أنه يُتقنُ الحضُور ..

    أكثر من مرة فكَّرتُ بأن أجري عملية تجميلية أطَبِّق فيها شفاهي التي لا تكف عن توزيع الابتسامات بالتسَاوي على أرجاء الآخرين .. فأنا متهمة بـ(أسناني) التي تُكشّر عن بياضها حتى نحو الأشخاص الذي لا يعتبرون ما أفعله جزءًا من (صَدَقة) …وإنما قد تعني لديهم تعبيرًا مهذبًا.. عن رغبة غير مهذبة .

    أعترف هنا بقسوة ..بأنني أنظر إلى نفسي كثيراً في (المرآة) .. لا يعيبني أنني أفعل ما تفعله الإناث دائمًا.. فالمرآة حنونة كما الأمهات لا يُهمها إن كنتُ قبيحة ..أو جميلةً ..فهي لن تتوارى عن تقبيلي ..وإن كنتُ ملطَّخة بالجراح .. وحدها كما الكتابة قادرة على استقبالي في كل الأوقات ..و أصعبها ..
    وحدها ستحفظ سرِّي .. تضاريسَ وجْهي ..لنْ تُفشِي لقائي بمن أحبُّ بعد دقائق من نظرتي الأخيرة عليها وأنا أضع آخر قطراتِ العطرِ قبلَ أنْ أتْرُكها إليه ..
    وحدها كما الكتابة أستطيع أن أقف أمامها برداءٍ لا يُعَلِّقني من الأكتاف دون أن يَنْزَلقَ على خصري ..
    وحدها كما الكتابة تعرِّيني ..ولا تخجل مني ..
    نعم أُحبُّـني ..وأُحبّ مرْآتي ..!! ..وبما أنها سيرتي الذاتية ..فلم يكنْ من المتفقِ عليه أن ألتقي (بي) دون أن ألقي عليَّ السلام :
    ( .. موااااء الخير يا ” أنا “.. صباح الميلاد يا ” أنتم ” ..)

    _______________
    *هيلدا إسماعيل – شاعرة سعودية

  • ثمَّة أبدًا جدار – لؤي حمزة عباس

    ثمَّة أبدًا جدار – لؤي حمزة عباس

    منذ أول أشكال الجدران، وقد اهتدت إليها مخاوف الإنسان ليحدّ من سعة العالم من حوله، يوم كانت السعة مثاراً لما لا ينتهي من الظنون، والجدار يقترح نوعاً من العلاقة مع العالم يكون بمقدوره التعبير عن المتناقضات عبر ممارسة جدل لم ينقطع، وهو يمثل صورة أولى لإحلال التنظيم الإنساني، بحسب قول هنري برغسون، محل قوانين الطبيعة..

    قبل أن يغمض الإنسان عينيه ويفتحهما وقد قامت حوله ملايين الجدران، تُجرّد، في فعل متصل، قوانينَ الطبيعة، وتسعى لإقامة عالمها الآمن داخل صرامتها وقسوة أفعالها… جدران لا تحدد نوعيتها غير حاجات الإنسان المتجددة في كل زمان، تعالج المكان، وتُطوّعه لتؤآخيه وتحد من أهواله، فيقف الجدار حجاباً بين الذات والأخر حيث تصنع الذات، في مربع جدرانها، عالمها وينصت الفرد إلى طبائع فرديته وقت يعزلها عن العالم. سيبدو الصمت من أول جدران الإنسان وأكثرها قدماً، لحظة ينقطع عما حوله لينصت لصوته الخاص، يستمع ولا يقول، مثلما ستبدو الظلمة جداراً تقيمه كائنات الليل لتفصل العالم عن مياه النهار بأمواجها الغامرة.. الجدار، في هذا الجانب من الصورة، غيب، غروب، غربة، فهل يكون، من جانبها الآخر، علناً لفكرة، وامتداداً لخطوة، واقتراح وطن؟. ليس من المصادفة ان يكون للجدار وجهان، وجه للعالم وآخر للفرد في صمته وعزلته وانقطاعه، كأنه لا ينفصل، إذ يَفصل، عن مهمته الأساسية: إقصاء العام عن الخاص، وعزل الذات عن الموضوع، إنه يوثق هذه العلاقة، ويقف شاهداً عليها، فلا ينأى الفرد عن العالم بغير أن يجسد صلته معه ولو عبر جدار.. من هنا كان للجدار وجهان: وجه تحياه وتمارس وجودك على مساحته صوراً وخرائط وأرقاماً وذكريات، وآخر مرآة للعالم وحقل تحرثه الفصول.. في الوقت الذي تقرأ حياتك على الوجه الداخلي لجدار بيتك يُشاع الوجه الخارجي فتحتك به أيدٍ غريبة، وتلوثه رياح، وتأوي إليه حيوانات الليل والنهار، انه يوحد بين كائني الخوف، الإنسان والحيوان، لحظة يفصل بينهما وهو يمتد ويؤي، ويُكتم الوجه الداخلي، مقفلاً على أسراره، مانحاً إنسانه بانكتامه ما يستطيع من حرية.. تبني جداراً لتنام، تأوي إلى ذاتك، تتعرى، تحس بكيانك العضوي مثل سحلية في جحر…

    ستوحد الجدران، بذلك، العالم وتحرس طبيعته، فلا تبدو الحرية، عندئذ، إلا إنشاء لعالم ينهض مواجهاً عالماً أشد سعة وامتداداً، وأكثر مفاجأةً ووحشيةً، إنها مواجهة يصوغها فعل تنظيم قديم في حوار عوالم، ومواجهة رؤى، لا جدار بلا حرية تظلله، وتترصد وجوده إلا جدار السجن حيث تنأى الحرية، وتُزال النوافذ، وتُغيّب القيم الذاتية، يصبح الإنسان مُستلَباً بلا جدار من حميمية يستند إليه. وتندفع الجدران في لجاجة هندسية لتقيم معابد، وتؤسس مدناً، وتنشئ أنفاقاً وسراديب.. تخطو مع الإنسان، تدرج على مدارج حضارته، تقيمها وتقام بها، تحاكيها وتحكي عنها، تحدها وتفتحها، متحدثة عن ذلك بالحك، والخدش، والحرف، والحز، والنتوء، بالنقر، والزخرف، والرسم، والشطب، والتلوين، بأفعال الطبيعة وأفعال البدن، بأعين الصُلب المفتوحة وآذانه المتنصتة، فيملك الجدار، عندئذ، فتنة ما ينشئ وما يُقيم، فيُقدَّس جدار المعبد، ويُحَنّ إلى جدار البيت، ويُهاب ويُخشَى جدار مظلم في سجن، إنها جميعاً تنفتح، بما تؤسس وما تقيم، على ماضٍ ملتفٍ، وحاضر صادم، وقادم لا يبين، وفي دفق الزمان يقول الجدار كلمته، ويتنصت أعماراً لأصدائها، ومثلما تغدو الآلة بعضاً من جسد الإنسان، يتشكل الجدار بعضاً منه إذ يُجبَل على نحو آخر من صلصال الحنين، وطين الذكرى. سيغدو لكلمة بول ايلوار ( بين المدينة والإنسان لم يكن يوجد حتى سمك جدار) معنى آخر يتماها فيه الجدار ويشف ليقيم نظاماً من العلاقات، فلا مدينة بلا جدار، ولا جدار بين الإنسان ومدينته.. يغيب الجدار في ظل الفكرة هذا لتنهض علاقة طرفها الأول وميدانها حياة الإنسان وتجاربه، وطرفها الثاني وميدانها حياة المدينة وهي تقترب شيئاً فشيئاً من الإنسان، تتماها معه لتغدو في الأخير إنساناً من أبواب ونوافذ وطيور وطرقات.. تؤسس الجدران المدينة كما تبني حلماً من ضوء ثم تطلقها في فلاة العاطفة تركض مثل غزال، كلما ثقلت موازين جدرانها خفت خطواتها وتقافزت من أعلى جدار إلى أعلى جدار.. إنها مؤن العذوبة تُشاغل حياتنا، وتخفف عن كياناتنا الطينية ما يركد من عناء السنين، سننصت لانطوان سانت اكزوبري وهو يهمس في أرض البشر (إن أعجب ما في منزل ليس في أنه يؤويك أو يدفئك، أو في أنك تملك منه الجدران، ولكن في هذا الذي يضعه فينا، هوناً ما، من مؤن العذوبة).

    تغيب المدينة، في آخر الحلم، ويغيب الجدار، وتظل الذكرى وحدها بئراً للتفاصيل الدقيقة، وهي تطرز، على مهل، أعمارنا. تتوجه للحديث عن الجدار فإذا بك تستمع إلى صوتك، وقد تشبّع بنبرة رثاء قديم، ربما لما يجمع الجدار من رباط بأنفسنا، وهو الرباط الذي يختلف على نحو كلي مع ما نجده من شعور تلتقطه قصيدة لـ كافافي وتعبر عنه، إن قدراً من الحزن يراودنا إلى زمن بعد انتهاء قراءة القصيدة ووقوعها في البياض، ثمة جدران عالية تحيط بنا كأنما يُنتبَه إليها فجأة، إنها القدر الذي يزرعنا هنا ويبعدنا عن الهناك، عزلة قاطعة ينجزها بناؤون غير مرئيين، فلا يظل لدينا غير أن نفكر فيما تبقى من أعمارنا وقد كبلتها الجدران:

    (وما دامت لدي أشياء كثيرة أقوم بها في الخارج،
    فلمَ لم أحاذر حين أخذوا يبنون حولي الجدران؟).

    ذلك الشعور الذي يتكثف ليضعنا، من جديد، بمواجهة أنفسنا، وقد ارتفعت من حولنا جدران شاهقة مثل مرايا تتكشف على مياه فضتها دواخلنا، نحن المعزولين بجدران ذواتنا عن العالم، من هنا نلتقط معنى تضيفه القصيدة لفكرة الجدار: لا يتشكل الوجه الخارجي للجدار وحده مرآة للعالم، الوجه الداخلي أيضا يشكّل مرآته لمكاشفة الفرد وكشف دخيلته. هل يكون الجدار، بذلك، مرآة صامتة، أو مترقبة على نحو أدق؟ وهل يخطو من فكرة المكاشفة، وهو يؤدي دوره في وظائف حبس أبدية، إلى فكرة المتاهة؟ فلا متاهة من دون جدار، حتى لو لم يكن من جدار، فثمة، أبداً، جدار، في قلب الفكرة وهي تنقلنا من هوة إلى هوة، ومن قبو إلى قبو، ومن طريق موحش إلى طريق، المتاهة واحدة في بحر أو صحراء أو داخل قلعة أو بين دفتي كتاب، إنها تقيم، على نحو متشابه، رعبها الغامض الذي يفجّر فتنةً غريبةً في أعماقنا أكثر مما يعزلنا عما حولنا، وهي تعيد ترتيب صلتنا بالعالم ليبدد كل ما هو مألوف أخلاقياً في العمارة ويسن سلوكاً من صمت مطبق.. حيث تغيب النافذة يحضر الصمت، يقوم جدار كونكريتي ذو طبقات، يعزل ما يحدث خلفه عن حياة الناس ولمس أنظارهم، قبل أن يلتف التفافته العظيمة ليفصل العامة عن العالم، ليدور الناس دورتهم الأبدية، بإرادة جدار صامت، في فلك السلطة ومقدساتها… إن جدراناً متشابهة لا تنشئ وطناً، إنها لا تنشئ غرفة حتى، في شعرية العمارة يكتب الدكتور أسعد الأسدي (إن الغرفة تنشأ بجدران متمايزة عن بعضها، ففي أحدها نافذة وفي الآخر باب، وثالث يظلل الفناء وآخر يشكل أرضية الغرفة، كذلك البيت ينشأ بغرف غير متشابهة تختلف مع بعضها بسبب تداخلاتها المعمارية والإنشائية، وهذه التداخلات انعكاس لضرورات خفية غير ظاهرة).. فهل تعي أنظمة من جدران مسلحة معنى الضرورات الخفية للاختلاف، وهل تفكر بالاختلافات والتمايزات وهي تصنع بائتلافها وطناً، وهل تنصت، في أعماق هوسها بسلطان العمارة، لقوة حقائقها؟. كلما ارتفع جدار وتضخم تكشّف ما وراءه من سر وأُبيح ما يُغيّب من ألغاز، للجدار، وحده، أن يمنحنا فكرة عما خلفه، يفضح في الوقت الذي يُشيَّد بحرص ليخفي ويخبئ مواصلاً لعبة تناقضاته.. يقتضي ذلك وجود أنواع من الجدران تكفي لمتوالية ألغاز السلطة ودوائر أسرارها، وتقيم، بصرامة كونكريتية، متاهاتها.. جدران تحيط عالم الخوف وتسوّر ممالكه… ستسهم نقاط الحراسة المحصنة وقد رُفعت فوق كل ركن بأن تمنح الجدران، بقصدية عمرانية مسرفة، شكل القلاع الأسطورية والحصون لعلها تفلح في مطابقة نسختي الواقع والخيال، حيث يُخلي الواقع الساحات الفسيحة بجانب الجدران كما يُخلي دواخلها لصالح الخيال، وربما كان ذلك واحداً من أهدافٍ تحققها السلطة وهي تُنجز هيمنتها بما تبني وتخبئ خلف أسوارها وإن بقيت بناياتها، بعد زوالها، كما بقي الكثير من قصور الرئاسة العراقية، خالياً يصفر فيه الهواء.. ثمة، أبداً، سلطة تُحصّنها جدران حصينة، وتحرسها سرايا مسلحة لا دور لها غير أن تملأ المشاهد الشاغرة لسلطتها.

    ستُسجَن الجدران، بهذا المعنى، في غيب بطولةٍ قامعة، وتتهاوى على الرغم من صلابتها وسرايا حراساتها، في لحظة، مثل قلاع من ورق.

    عن المساحات الفسيحة التي أرعبت الإنسان لحظة وضع قدمه على الأرض فقام في ذهنه أول الجدران…

    عن جدران دواخلنا نعود فنتحدث…

    عن جدار يقيم بيتاً، وينشئ مدينة، ويقترح متاهة..

    عن أناس يقيمون، خلف جدار، وآخرين يمرون من أمامه بلا ظل ولا ذكرى..

    من يفكر بجدران الحوادث والحروب؟ حيث تُهزّ جدران فتتخلى عن مواثيق ألفتها فيقتل جدار الصف طلابه، وجدار المنزل عائلته، ويُبقي، كأنما بانتقاء عاقل، واحداً من طلاب الصف، واحداً من أفراد الأسرة، ليتذكر نقض المواثيق من دون أن يحكي أو يُشير.. سيلتقط مارسيل ايميه آخر الخيط فيحدثنا في قصته (عابر الجدران) عن رجل يملك بفعل حبّة نادرة أن يعبر الجدران ماراً دونما حاجز من مكان إلى مكان، تشهد المدينة بعبوره حوادث غريبة حتى يُشك بأمره ويُلقَى القبض عليه، لكن الحوادث تستمر والسرقات تتوالى على الرغم من وجوده في السجن، يُحيّر الأمر المدينة ويبلبل مسؤولي الأمن فيها، حتى تنقطع الحوادث فجأة وتكف السرقات، فقد خاض صاحبنا آخر مغامرات عبوره ناسياً أن يبتلع حبته، نعلم ذلك، نحن القراء، قبل أن يكتشفه هو متحسساً ضمور قواه وصعوبة حركته بعد أن يدخل أحد الجدران.. سيظل بطل مارسيل ايميه في غيب جدار ما، خلفي أو خلفك، يتنصت في عمق حسرته إلى ما يتسلل للدواخل المعتمة من أصوات…

    *عن مجلة ألواح

    **عن لؤي حمزة عباس:

    أديب وقاص عراقي، يعمل أستاذ الأدب الحديث في كلية الآداب بجامعة البصرة. أنجز أولى أعماله القصصية في تسعينيات القرن العشرين، واستطاع أن يحقق حضورًا مميزًا في المشهدين الأدبي والثقافي في العراق والوطن العربي.

  • لماذا لن يختفي الله أبداً؟ – كوليت مرشليان

    نشرت مجلة “علم وحياة” الفرنسية تحقيقاً حمل عنوان “لماذا لن يختفي الله أبداً؟” وضع على أثر النتائج التي توصل إليها فريق من الباحثين في علم “دراسة عمل الخلايا والأنسجة العصبية” الذين أكدوا بعد تجارب وأبحاث ودراسات امتدت على فترة خمسة أعوام متواصلة أن “الانسان مبرمج على الإيمان” أو بكلام آخر أن الإنسان يحتوي بطبيعة تكوينه البشري على جزئية أو ذرة في الدماغ تلعب دوراً أساسياً في قدرة الفرد على الايمان.

    وليس هذا الامر هو الاكتشاف الوحيد، إذ ثمة تأكيدات علمية الآن تثبت أن الايمان قادر على محاربة القلق واليأس والحزن لدى الانسان وبالتالي يخلص العلماء إلى نتيجة أن المؤمن يعيش حياة أطول من حياة غير المؤمن، وان الشعور الديني أمر ملازم للطبيعة البشرية ما يؤكد إلى ان الأديان لن تزول عن الأرض ومن الكون ما دام الانسان في الوجود. وبهذا يمكن ان نشير اليوم إلى “جزئية الايمان” المثبتة علمياً والموجودة إلى جانب جزئيات اخرى تؤلف الدماغ البشري.
    وهذه النتيجة المثبتة والأكيدة اليوم تفتح الأبواب أمام دراسات اخرى لم تكن في الحسبان، إذ لطالما كان السؤال المطروح عبر كل العصور: وهل نؤمن بالله؟ وكانت صورة الله هي ركيزة السؤال.
    بينما اليوم يتركز اهتمام العلماء على الجزء الأول من السؤال وهو الايمان بشكل خاص، ذاك الشعور النابع من الانسان والذي يفيض عالماً روحانياً قائماً بحد ذاته. فما هو الايمان؟ ما الذي يجعل الانسان يتخلى عن سائر أمور الدنيا ليتعلق بأفكار غامضة وغير ملموسة؟ وعند هذا الحد، توصل العلماء إلى نتيجة ان ايماننا بالله ليس فقط مرتبطاً بعالم آخر هو في السماء انما هو مرتبط ايضاً بدماغنا. لأن الدراسات أبرزت نقاطاً مهمة مفادها ان التغييرات الكيميائية التي تحصل في أعصاب الدماغ لحظة الايمان القصوى التي نسميها في الأديان لحظة النشوة الروحانية أو الانخطاف لدى القديسين هي لحظة “كيميائية” أساساً تجعل الانسان يأخذ الشرارة لينطلق في تفكيره أو عالمه الروحاني. ومن هنا ايضاً لا يمكن ان تكون التركيبة الكيميائية والعصبية متوازية لدى كل البشر، بل هي ضئيلة لدى أحدهم ومتوسطة أو قوية جداً لدى انسان آخر. لذا نصادف في الحياة “المؤمن” و”غير المؤمن” حسب التعريف الديني. ولذا، صارت اللحظات القصوى للايمان التي وصفها القديسون وبشكل خاص القديسة تريزيا افيلا أو ما وصفه العديد من المتصوفين عند الاسلام أو الرهبان المتعبدين لدى البوذيين، هي بالتحديد الأحاسيس التي تنتاب الانسان لدى شعوره بالايمان.
    تقول القديسة تريزيا في وصف لحالها لدى احساسها بالايمان القوي وهي دونت ذلك في كتابات لها منتصف القرن السادس عشر: “الشعور يشبه إلى حدّ ما حالة فقدان الوعي حين يبدأ التنفس بالتناقص شيئاً فشيئاً كذلك حين تتلاشى كل قوى الجسد.
    عبثاً أحاول التكلم من دون فائدة، فأجد نفسي غير قادرة على التفوه بأي كلمة وإذا استطعت تحريك فمي للكلام فلا يمكن لي ان اتلفظ الكلمة. لأن كل قوتي الخارجية توقفت واخذت مكانها قوتي الداخلية. وكأنه حال شيئين مقسومين وفجأة اتحدا وتلاحما”.
    هذا الكلام قال شيئاً مشابهاً له كل من كبار الصوفيين في الاسلام وأشهر الكهنة لدى البوذيين في وصفهم للاتحاد مع الله في لحظات الايمان القصوى.
    كل هذا الشرح الجديد للايمان الذي قام به فريق من العلماء لا يتنافى مع الايمان بحد ذاته ويحدد العالم اندرو نيوبورغ مدير قسم الطب النووي في جامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأميركية الفكرة بالكلام التالي: “من دون شك ان تعريف الله المتّفق عليه في جميع الأديان من منطلق تحديده في إطار صفات عديدة تحاول التقرب من صورته النهائية ليست تعريفنا بل وفي بحثنا الجديد نحدد صورة الله في إطار وحدته المتكاملة والمترفعة والمبهمة والتي هي بالتأكيد في جوهر الكون”.
    لا زالت هذه الأبحاث في نتائجها الأولية ومن المتوقع ان تشهد تطورات في الأيام المقبلة ولكن حتى الآن يشرح العلماء الأمر بالتالي: ثمة مادة تدعى سيروتونين موجودة في الدماغ وهي مسؤولة عن نقل أو ايصال كل معلومة من خلية عصبية إلى اخرى، وهي مسؤولة عن نقل مشاعر الجوع والعطش والنعاس.
    ولدى دراسة بعض العلماء لحالة تفاعل السيروتونين في الدماغ في حال تعاطي المخدرات للتوصل إلى نتيجة أفضل تساعد المدمنين على التوقف عن تناولها تبيّن لهم ان السيروتونين تزداد بقوة وقادرة على إعطاء احساس كما الحاصل في حال التخدير وتترك نتائج على الجسد أو تسجل نتائج شبيهة بتلك التي يشعر بها الانسان حين يتناول المخدر من هلوسات وضياع وحالات اتحاد مع الأشياء المحيطة به، أي ان المخدر الدخيل إلى الجسم البشري يترك آثاراً في الدماغ شبيهة بتلك التي تحدث حين نحفز مادة السيروتونين وحين تتكاثر مادة السيروتونين تصير حال الانسان شبيهة بحال الانخطاف أو الاتحاد الروحي مع الله. في هذه المرحلة، بدأت مرحلة الاحصائيات عبر مراقبة حال مئات الأفراد الذين بدأ التركيز على تخطيط هذه المادة في دماغهم في الأيام العادية وفي لحظات الصلاة والايمان وصارت تتكشف حقيقة ان رغبة الايمان تنطلق من مادة السيروتونين الموجودة في الدماغ وكلما زاد الاتحاد الروحي في الصلاة كبر حجم المادة أو العكس. وتبين ايضاً ان الانسان غير المؤمن بشكل واضح هو انسان يفتقد إلى مادة السيروتونين والمؤمن بشكل كبير أو الذي يصل إلى لحظات الاتحاد الروحي مع الله لديه نسبة عالية من المادة في دماغه. كل هذا الاكتشاف لا يتعارض مع الدين على الأرض أو مع ايمان الانسان، لانه لا يدرس فكرة الدين أو لا يتعارض مع قبول فكرة الاديان بل على عكس ذلك فهو يشرح موقف الانسان من الأديان أو أكثر من ذلك حاجته الملحة اليها.