
(1)
التاو فارغٌ ولا ينضبهُ النَّضح
لا يُسبر غوره، منشأ الآلاف المؤلفة
ثَلِّم الحد
حُلّ العُقَد
خففِ البريقَ
تمازج مع الترابِ
دع عجلاتك تسيرُ فوقَ الدُّروب القديمة
خفيٌّ وغامضٌ ولكنه حاضرٌ أبداً
لا أدري ابن من هوِ
ولكنه سلفٌ الآلهةِ

(1)
التاو فارغٌ ولا ينضبهُ النَّضح
لا يُسبر غوره، منشأ الآلاف المؤلفة
ثَلِّم الحد
حُلّ العُقَد
خففِ البريقَ
تمازج مع الترابِ
دع عجلاتك تسيرُ فوقَ الدُّروب القديمة
خفيٌّ وغامضٌ ولكنه حاضرٌ أبداً
لا أدري ابن من هوِ
ولكنه سلفٌ الآلهةِ

أحبك
أُحِبُّكَ. لا تحيل الصورة إلى التصريح، أو إلى الاعتراف بالحب، ولكن إلى النطق المتكرر بصرخة الحب.
1-تكفُّ عبارة ((أحبك)) عن الدلالة فور تجاوزها الاعتراف الأول.
فهي تستعيد بطريقة غامضة، لفرط ما هي خاوية، المعنى الأول (الذي قد لا يكون معبراً عن نفسه من خلالها ).
أكررها خارج أي صلة بالموضوع، فتخرج من اللغة وتتيه، لكن إلى أين؟
(المزيد…)

سوف أُصعِّد هذياني
كي تستبقيها قبلةً واحدةً
كي تحوْطها الَّلذة
مثل صيفٍ أبيض أزرق وأبيض
كي تكون لها قاعدة من الذهب الصافي
كي يتحرك صدرها ناعماً
تحت الحر الذي يشد الجسد
نحو لمسةٍ لامتناهيةٍ
كي تكون مثل سهل
عارية ومرئية من كل صوب
كي تكون مثل مطرٍ
عجائبيٍ بلا غيم
مثل مطر بين نارين
مثل دمعة بين ضحكتين
كي تكون ثلجاً مباركاً
تحت الجناح الدافىء لعصفور
حين تسيلُ الدماءُ سريعةً
في شرايين الريح الجديدة
كي يعمّق جفناها المفتوحان
الضوء
عطرا ًكاملاً على صورتها
كي يتفاهم ثغرها والصمت
كي تضع يداها راحتهما
على كل رأس يستيقظـ
كي تتواصل خطوط يديها
في أيدٍ أخرى
مسافاتٍ لعبور الوقتِ
سوف أصعّد هذياني.
* * *
لستُ وحيداً
محمّلةً
ثماراً خفيفة على شفتيها
مزيّنةً
بألف زهرة مختلفة
مجيدةً
بين ذراعي الشمس
سعيدةً
بعصفور مألوف
مفتونةً
بقطرة مطر
أجمل
من سماء الصبح
وفيّةً
أتحدث عن حديقةٍ
أحلم
لكني أحبُّ بحق.
* * *
من دونكِ
تفسد شمس الحقول
تنام شمس الغابات
تختفي السماء الحيّة
ويُثقل المساء على كل الأنحاء.
ليس للعصافيرإلَّادرب واحدة
كلها جمود
بين بضعة أغصانٍ عارية
حيث عند نهاية الليل
سيجيء ليلُ النهاية
ليل الليالي الوحشي
البرد يصير برداً في الأرضِ
في الكرمة الباطنية
ليل بلا أرق
بلا ذكرى النهار
عدوّ رائعٌ
مستعدٌ لكل شيءٍ ومستعد للجميع
الموت لا واحداً ولا مزدوجاً
عند نهاية هذا الليل
لأنه لم يعد ثمة فسحة للأملِ
لأني لم أعد معرضاً لشيء.
* * *
شعركِ الذي من برتقالٍ في فراغ العالم
في فراغ زجاج النوافذ المثقلة بالصمت والظل
حيث تبحث يداي العاريتان عن كل انعكاساتكِ.
شكلُ قلبكِ خرافيٌّ
وحبّكِ يشبه شهوتي الضائعة
يا تنهداتٍ من عنبر، وأحلام ونظرات.
لكنك ما كنت دائماً معي. ذاكرتي لا تزال معتمة من مشهد قدومك ورحيلك. الزمن، كالحب
يلجأ إلى كلمات.
* * *
من منا اخترع الآخر؟
* * *
أين أنتِ؟ أتراكِ تديرين شمسَ النِّسيان في قلبي؟
* * *
امنحي ذاتكِ، ولتنفتح يداكِ كعينين.
* * *
كانت تحبني لتنساني، كانت تعيش لتموت.
* * *
أيتها المجنونة، الهاربة، نهداكِ يسبقانكِ.
ترجمة جمانة حداد
واقفة على أهدابي
شعرها يتخلل شعري،
لها شكل يديّ،
ولون عينيّ،
في ظلي تتلاشى
كما يتلاشى حجرٌ في السماء
بعيونها التي لا تغمض
تمنع عينيّ النوم.
بأحلامها الرافلة في فيضٍ من الضياء
تجعل الشموس تتلاشى،
تجعلني أضحك، أبكي، ثم أضحك،
أتكلم دون أن يكون هناك شيءٌ يُقال.
***

قوسُ عينيكِ يُحيطُ بقوسِ قلبي،
حلبةَ رقصٍ ونعومة،
مكللةً بهالةِ الزمانْ، مهدَ ليلٍ آمنٍ،
وإن لم أعد أذكر يوماً كل ما عاشته عيناي في هذي الحياة،
فذلك لأن عيونكِ لم تكن قد رأتني،
أوراقُ شجرِ النهار ورغوةُ الندى،
مزاميرٌ من رياح، وابتساماتٌ من شذى،
أجنحةٌ تغمر الكونَ بفيضٍ من ضياء،
سفنٌ محملةً بالسماءِ والبحرِ،
صيادون يصطادون الضجيج، ومنابعُ ألوان،
عطورٌ تفتحت في غمرةِ الفجرِ،
تَرْفُلُ وسطَ أعشابِ النُجومْ،
وكما تمنحُنا البراءةُ ضوءَ النهارْ،
فإن عيونَكِ تمنحُنا العالمَ بِأَسْرِهِ.
ترجمة: نجاة محمد علي
إنه إذن، عاشقٌ يتكلم ويقول:

انتظار: صخب مبعثه القلق، ينتج عن انتظار المعشوق حين التأخر البسيط عن (موعدأو مكالمة هاتفية أو رسالة أو عودة).
-شونبرغ
1-أنتظر وصوله وعودته وعلامة موعودة.قد يكون ذلك تافهاً أو مؤثراً جداً: في ((إرفارتونغ: انتظار)) تنتظر امرأة عشيقها ليلاً في الغابة.أما أنا فلا أنتظر سوى مكالمة هاتفية، لكن القلق هو ذاته.الأشياء كلها عظيمة: لأني لا أتسم بحس النسبية.
-فينيكوت- بالياس*
2-ثمة إخراج ٌمسرحيٌ للانتظار: أُنَظِّمُه وأدبِّره، أقتطع بعضاً من الزمن وأحاكي حالة ًمن فقد معشوقٍ وأفتعل نتائج حداد بسيط. هكذا، كما في مسرحية.
(المزيد…)
كيف يمكن أن يكون اسمها؟صاحبة المحل لم تخبرني به.عندما حدثتني عنها لم تكن تسميها إلا: ((الطفلة)).
وقد حولته أنا إلى اسم شخصي، كما هي طفلة العينين*أو السفينة الصغرى*.وروسا كاباركاس تضع لفتياتها، فوق ذلك، اسماًمختلفاًمع كل زبون.
وقد كنت أستمتع بتخمين أسمائهن من خلال ملامح وجوههن.ومنذ البدء، كنت متأكداً من أن للطفلة اسماً طويلاً، مثل فيلومينا، أو ساتورنينا، أو نيكولاسا، كنت مستغرقاً في التفكير في هذا الأمر، عندما انقلبت هي، نصف دورة، في السرير، وصارت توليني ظهرها، بدا لي كما لو أنها قد خلَّفت، في حركتها، بركة دم لها حجم جسدها وشكله.
لماذا أشعر أن المكانَ الذي ولدتُ فيه ليس مكاناً جغرافياً؟ لماذا أشعر أنه رَحِمٌ لُغويّةٌ؟ لماذا أشعر كأنني أبتكر مكانَ ولادتي، كما أبتكر قصيدتي؟ والقصيدة لا تكتمل. كذلك المكانُ الذي ولد فيه الانسان: إنه هو أيضاً لا يكتمل.
هَلْ أفاجئُ، أو أصدمُ أحداً، إن قلت: أتعجب مِمّن يزعمُ أنه يعرف نفسه؟ كيف أعرف نفسي، فيما تبدو لي كمثل الأثير، أو كمثل خَيطٍ في غَزْلِ الشمس، أو كمثل الهواء- سائِحاً في الجهات كلّها؟ كلّما خُيّل إليّ أنني أقتربُ منها، أكتشفُ أنني أبتعد. وأعرف أنها ليست سراباً.
إنها كمثل ضوءٍ يُسْلمكَ، فيما تَصِلُ إليه، إلى ضوء آخر يسلمك هو نفسه إلى آخر. إلى ما لا ينتهي.
وكل ما كتبته ليس، في ظنّي، إلاّ بَحْثاً عنها: بحثاً، وليس تعبيراً عنها. كنت أترصدها، أستقصيها، أكمنُ لها. وكانت تُفْلِتُ دائماً. كأن نفسي؛ كأن هويتي هيَ هذا البحثُ، أبداً.
إن الفن طريق المعرفة، وعالم الفن نظام خاص ذو قيمة للإنسان، يضارع عالم الفلسفة والعلوم، والحق أننا لا نبدأ في تقدير أهمية الفن في تاريخ البشرية إلا عندما نرى بكل وضوح، الفن بوصفه طريقًا للمعرفة، مساويًا للطرق الأخرى التي يتوصل بها الإنسان لفهم ما يحيط به”
– هربيرت ريد – الفن والمجتمع
في الثالثة من عمري كنتُ أحمل المذياع متنقلا في أرجاء المنزل وحديقته، كانت الألوان تتفتح أمامي من خلال صوت الموسيقى الصادر عن المذياع، وبينما يتلهى أقراني في لعب الكرة كنتُ أبحث بيدي عن مفتاح التنقل بين الاذاعات لاستمع الى ما يذاع حين ذاك، وكانت أمي تضحك وهي تراني منسجما مع الموسيقى لدرجة أنها التقطت لي صورة وأنا أحمل الراديو فور استيقاظي من النوم، وكانت كلما أرادت أن ترتاح من طلباتي لتلتفت الى أعمال المنزل تلهيني بالراديو الكبير.
ظلت الموسيقى معي ملاذا جميلا ألجأ إليه، وظل الراديو صديق طفولتي، كنتُ أحاول بينما أكبر من سنة الى سنة أن ألتقط صوت الموسيقى في الأشياء التي حولي، أحاول مرارا أن أستمع الى صوت الماء وهو يهبط من الصنبور فأضع أصابعي تحت الماء لأستمع الى الصوت وهو يتغير مع حركة أصابعي، صارت لعبتي الأجمل هي محاولة البحث عن الموسيقى. بعد ذلك كانت المدرسة، وكانت أجمل الحصص هي حصص الأناشيد، حيث أستمع الى صوت زملائي ككورال مع أستاذي الذي كان يعزف على العود بينما كنا نغني النشيد.
منذ بلغت العاشرة من عمري بدأت أبحث عن وسيلة لامتلاك آلة للعزف، وكان عود أستاذ الأناشيد يشدني إليه وأنا أرى أصابعه تتلاعب بالأوتار فتصدر أنغاما جميلة ننشد معها ونحلق في سموات بعيدة، تركتُ أستاذي منشغلاً وتحايلت فأمسكت عوده ورحت أعزف عليه أنغاما متقطعة لا رابط بينها ولكنني كنتُ أحاول أن أصنع جملة موسيقية صحيحة. فجأة دخل الأستاذ علي وأنا احمل عوده، كنتُ من وجهة نظري أعزف، وكان من وجهة نظره يراني ألعب، فأستحقيت العقاب، وامسك بقلم رصاص ثم وضعه بين اصبعين من أصابعي وأمسك على يدي بشدة فغابت روحي من الألم فصرختُ. هذه الحادثة ظلت معي دائما، وكنتُ كلما تذكرتها شعرت بالألم مجددا في أصابعي، لكنها جعلتني أقسم بأنني سأتعلم العزف على العود لأصبح أفضل من استاذي الذي عاقبني.
في السن نفسه تقريبا كنتُ بدأت اغني الأغنيات التي كنت أستمع إليها أمام البنات والصبيان الذين كانوا يخرجون بعد القيلولة الى ساحة المدينة، كنتُ أغني أغاني عبد الحليم حافظ، فأرى البنات من حولي وقد بدأت أعينهن تمتلىء بالدموع وتتساقط على خدودهن وكنتُ أحب ذلك الشعور الذي كان يصاحبني أثناء الغناء، فقد كنت أشعر أنني أعيش في عالم آخر وانفصل عن أقراني الذين يحيطون بي وأنا أغني. في ذلك الوقت كان لدي الكثير من الأحلام، وقد علمتني الأيام أن الحلم سيظل حلما ما لم نلامسه بأصابع واثقة، ولم أكن أحب الأحلام التي لا تتحقق، كنتُ أريد أن أعيش الحلم الذي أعايشه في الخيال حقيقة، كنتُ أريد أن ألامسه وأشعر به.
هكذا بدأت أولى خطواتي مع الأحلام، كنتُ أرى نفسي جالسا على خشبة المسرح والجمهور يحيط بي، وكنت أستمع الى التصفيق، وحلمتُ كثيراً، لكنني بأصابع واثقة كما ذكرت كنت أسير نحو الحلم وباتجاه تحقيقه.
وفي عام 1977 حققت أول خطوة على سلم الحلم الطويل وبدأت بتعلم العزف على العود على يد معلمي الأول صاحب حسين الناموس في مدينتي الكوت التي تقع جنوب بغداد، وبعد أربع سنوات التحقت بمعهد الدراسات النغمية في بغداد، وتلقيت أول عود هدية من أستاذي ليصبح ملكا لي أداعب أوتاره في ساعات الصباح المبكرة وحتى طلوع الفجر، كنتُ ما أن أضع رأسي على الوسادة حتى تعاودني أحلامي، فأهرع الى العود الذي كان دائما الى جانب سريري وأحتضنه كما لو أنه حبيبتي الأبدية. كنتُ أشعر بأن العالم كله بين يدي، وأستمع الى الأنغام المتصاعدة من العود وأنا أضع أذني عليه، أشم رائحة خشبه، وأشعر بأن التاريخ كله منتصب أمامي أحادثه بالموسيقى ويرد علي هو الآخر بالموسيقى. صرتُ أبحث في كتب التاريخ، وأقرأ عن السومريين وأجدادنا البابليين أحاول البحث عن مصادر جديدة تجعلني أشعر بأن هذه الآلة التي في يدي هي نفسها التي عزف عليها السومري المنتصب في متحف بغداد. كان العود هو التاريخ، وهو الذي يروي ويحكي لي، أعايشه وأظل أحدثه ولا يبخل علي فقد وهبته حياتي كلها وصرت رهنا له.
في معهد الدراسات النغمية لم أكن أريد أن أكون تلميذا عادياً، كان العود هو منتهى أحلامي، هو حياتي التي أراها في المستقبل، وكان حلمي يلح علي، فأتدرب ليلا نهارا على العزف من دون كلل أو ملل، وكان اليوم الذي تنقص ساعات التدرب فيه على العزف عن عشر ساعات أشعر أنه يوم مفتقد من عمري، بل يوم ضائع ذهب هباء، وكنت أشعر بأن العمر يمضي سريعا، وبأن الحلم لا يستطيع الانتظار طويلا، فالحلم يفقد صبره مثله مثلنا نحن البشر، أن لم نغذه بمقومات بقائه أضحى هباء وذهب الى أدراج النسيان.
كنتُ في الساعات القليلة التي أريح فيها جسدي أمضي في الحلم بعيدا، أجوب دول العالم محتضنا عودي ومناديا بقضيتي التي أؤمن بها، قضية الانسان في كل زمان ومكان، وكنتُ أشعر بأن هذا العود هو وحده الذي سيستطيع أن يكسر كل الحواجز ليمضي بي يعيدا جدا، وليسمعني ويتعرف على حضارة وطني كل من في العالم، فالموسيقى وحدها اللغة التي تصنع المعجزات، هي وحدها اللغة التي لا تحتاج الى وسيط، تخرج من الروح لتذهب فورا الى الروح. في ذلك الوقت لم أكن أريد أن أتحول الى ببغاء يردد ما يتعلمه من أستاذه، كنت أريد أن أذهب أبعد بكثير فالنسخة لا يمكن أن تتحول الى أصل ستبقى رقما من تعداد النسخ، وأردت دائما التفرد، هكذا كنت أعزف موسيقاي وألحاني، أجلس على الكرسي وأنا أحاول أن أرى الكون وأصنعه موسيقى. صارت الموسيقى هي العين التي أرى من خلالها العالم كله.
في ما بعد تخرجت من معهد الدراسات النغمية على يد أساتذة كفوئين وكبار الأستاذ علي الإمام والأستاذ روحي الخماش والأستاذ سالم عبد الكريم، وصار علي أن أشق مستقبلي الذي عملت من أجله، هذا بالرغم من أنني خلال سنوات تعلمي في معهد الدراسات النغمية كنت أقوم بالتدريس في المعهد ذاته وفي مدرسة الموسيقى والباليه. لا أعرف لماذا قبلت أن أشارك في ذلك الوقت بمسابقة في التأليف الموسيقي، فأنا كشخص غير مقتنع بالمسابقات كلها، وبالرغم من ذلك تقدمت للمسابقة، ونلت الجائزة الأولى لأفضل لحن. وبالرغم من فرحي بالجائزة إلا أنني لم أشعر بأنني حققت أي من أحلامي، كانت أحلامي أكبر من البحر بكثير، تعبره وتذهب الى ما ورائه، لكن كانت رحى الحرب مع الجارة ايران قد اشتدت وبدأت تسرق من أحلامنا وحاضرنا الكثير الذي أدركناه في ما بعد.
في ذلك الوقت جاءني صديق كان يتعلم العزف على العود، وعندما رأيته صدمت فقد اختفت يده وأصبح بيد واحدة، صورته هذه هزتني من الأعماق فلم أستطع كلاما، نظرت إليه، فبادرني قائلا: الآن لم يعد في وسعي أن أعزف العود فقد انفجر لغم في يدي كما ترى وصرت بيد واحدة، ويد واحدة لا تصفق، صمت طويلا قبل أن أستطيع الرد ثم قلت له بعد أن اجتاحت نفسي قوة غريبة: لا تخف ستستطيع العزف وستكمل المشوار، فقال: كيف، قلت له: أقسم لك لن أعزف ثانية قبل أن أجعلك قادرا على العزف. بعد هذه الحادثة لجأت الى غرفتي مقفلا الباب على نفسي محاولا العزف بيد واحدة متناسيا يدي الثانية السليمة، وبعد فترة كانت مقطوعة (قصة حب شرقية) التي ألفتها لتعزف على يد واحدة، كانت هذه هي الخطوة الأولى للعزف لمن فقد يده أثناء الحرب وهم جنود كثر، وفي ما بعد أصبحت هذه الطريقة شائعة بين طلابي الذين أدرسهم أساليب العزف على العود.
جاء عام 1988 ليضع حدا لهذه الحرب التي كان وقودها قرابة المليوني انسان من البلدين وشروخا عميقة في أرواحنا لم يستطع الزمن مداواتها في العام 1989 غادرت بغداد الى عمان للمشاركة في مسرحية عنوانها (البلاد طلبت أهلها) تأليف المرحوم عبد اللطيف عقل وأخراج المنصف السويسي، وجئت في تلك السنة لأول مرة الى القاهرة لتسجيل الموسيقى والألحان في استديوهات مصر، وكان لهذا العمل المسرحي تأثيرا بالغا على مسيرتي في ما بعد، فقد خصصت ريع حفلاتي في ذلك العام لأبناء فلسطين وبدأت بكتابة أعمال كثيرة تتحدث عن بطولات الشعب الفلسطيني وقدرته غير المتناهية على المقاومة، وبدأت هذه الأعمال تنتشر في كل مكان وتُطلب، وأحسست آنذاك بقيمة أن يكون الموسيقي ابنا لزمانه ولسان حال مجتمعه محتفظاً بمستوى فني فوق الشبهات.
فجأة صحوت على حلم كنتُ رأيت فيه الموسيقى، أعني أنني لم أكن أسمعها بل أراها بعينين مفتوحتين وهي تتراقص أمامي بأجنحة بيضاء أخاذة في جمالها، نهضت من سريري، وأنا أفكر بالطريقة التي أستطيع من خلالها أن أرى الموسيقى، أنني أسمعها لكنني أريد أن ألامسها وأراها، أمسكت العود بين اصابعي، وأغمضت عيني، كانت الأنغام تتراكض بين أصابعي وتؤلف صورة واسعة لفرس يركض في أرض لا نهائية من دون أن يتوقف أبدا يركض ويركض وهو يصنع من وقع حوافره موسيقى تدب في أذني فتعيد أصابعي صياغتها، أنهيت اللحن الذي خرج مرة واحدة وبدفقة لا تتوقف لأجد نفسي أرى الموسيقى، منذ ذلك اليوم صرت أريد من الموسيقى أن تصبح صورة تُرى بالعينين كما تُسمع بالأذنين، صرت أبحث عن موسيقى الصورة التي صارت هاجسي في كل ما ألفت من أعمال موسيقية.
انتهى ذلك العام بمأساة طبعت حياتي بالألم والحزن والسواد، فقدت حريتي فجأة، في ذلك الوقت أصبحت سجيناً خلف القضبان، كنتُ قد بدأت بحصد نجاحات متتالية وجوائز عديدة وفجأة أعادني كابوس إلى النقيض. عدتُ عنوة الى العراق وانقلبت حياتي رأسا على عقب، وبعد فترة زمنية كانت دهورا عددها مائة وسبعون دخلت خدمة العلم الالزامية وخلال أدائي لهذه الخدمة حصل المحظور ودخل العراق الى الجارة الكويت وبدأت الأحداث تتوالى وتتطور بسرعة مذهلة، دمر بعدها بلدي وتمزقت روابط الكرخ والرصافة ضفتي بغداد الجميلتين وكأننا صحونا على زلزال دمر كل جميل فينا وعلى أرضنا.
رحلت هنا والدتي التي كانت هي المعادل عندي للوطن، صرت فجأة يتيما وأنا استعيد دعوتها لي في كل صباح قبل أن أغادر المنزل (ان شاء الله يتحول التراب بيدك الى ذهب)، وهذه أجمل دعوة سمعتها في كل ما تبع من سنوات.
كان مواليد عام 1963 هي أول مجموعة تسرح من الجيش بعد وقف إطلاق النار، هنا بدأت أفكر ما هو العمل الذي يطبب جروح أرض الرافدين، فقررت أن أقدم أول حفل وفي المتحف العراقي (القاعة الآشورية تحديدا) التي تحتوي جدرانها على قطع أثرية تعود الى خمسة آلاف عام، أردت أن أقول من تلك القاعة أن هذا هو العمق الحقيقي لنا لا ما تهدم من مبانٍ وجسور. كانت الدماء ما تزال ندية حينما أعلن عن موعد الحفل ببطاقات دعوة طبعت باليد كما أراد لنا بوش بان يعيدنا الى عصر ما قبل التكنولوجيا’ لكنه ودون أن يشاء أعادنا إلى جذر ربما قد نسيناه بمجيء التكنولوجيا، وكان لهذه الحفلة فعل السحر حضورا وعزفا وتأثيرا كأنما طائر العنقاء قد بدأ ينفض التراب عن نفسه ليحلق مجدداً.
حملت عودي وجرح العراق وطفت العالم من دون دعم أي جهة لا داخل ولا خارج العراق، كنت مسلحا بإيماني وموهبتي وما تعلمت وعودي، كانت الأنغام قادرة على أن تجمع كميات كبيرة من علب الدواء لأطفال وشيوخ شعبي، وامتدت ساقاي الى أرجاء الوطن العربي والعالم، وكان يقيني يزداد كل يوم بأن الموهبة مسؤولية كبيرة لم تمنح للانسان تكريما له ليؤدي واجبا مقدسا من خلالها.
في أكتوبر 1993 دعيت الى تونس لأكون أستاذ العود في المعهد العالي للموسيقى، وأقمت في المعهد خمس سنوات كانت غزيرة بالفن وبالانفتاح أكثر على أوروبا فقد ظهرت لي الأسطوانة الأولى (قصة حرب شرقية) من باريس معهد العالم العربي عام 1994 وتلتها الأسطوانة الثانية (اشراق) من روما عام 1996، وبدأت أجوب العالم وأنا أحمل عودي وأحقق بعض أحلامي التي مازالت لم تتحقق كلها حتى اليوم. بعد ذلك أصدرت أسطوانتي الثالثة “رحيل القمر”.
لم يكن مشواري مع العود سهلا، كان طريقا طويلا ما زال أمامي الكثير لأبلغ نهايته، بل أنني لن ابلغها أبدا، غير أنني عرفت أن من يريد أن يحفر اسمه هو من يضيف لا من يسير على منوال السابقين، فاهتممت بالثقافة والشعر والأدب، وكان زادي من الفنون التشكيلية كبيرا، فأنا تقريبا لدي مجموعة من الأصدقاء التشكيليين أكثر بكثير من الموسيقيين، كما أن جل أصدقائي من الشعراء والكتاب عموما، فالموسيقي بلا ثقافة سيظل مجرد عازف يحرك الاوتار بطريقة ميكانيكية ومن دون أدنى شعور بالرغبة في التغيير أو النظر صوب المستقبل. ومن خلال بحثي المتواصل توصلت الى مخطوطة للمعلم الفارابي موجودة في احدى مكتبات ايرلندا، وفيها يشرح المعلم عن العود ذي الثمانية أوتار، فقمت بتحقيق هذه المخطوطة عام 1986، وقدمت العود بمناظرة مفتوحة أمام الجمهور كان الفارابي والعود المثمن نجمان سطعا في ذلك الحفل.
بعد تونس دعيت الى القاهرة لتحقيق الحلم الذي راودني وخططت له طويلا، وهو إقامة بيت للعود، وهكذا كان بيت العود العربي في دار الاوبرا المصرية (أكتوبر 1998)، ومن هنا انطلقت رحلة جديدة مع جمهور جديد وعريق بدأت اشعر معه بلذة النجاح الذي يقترن بالجدية والجهد والرصانة، ولا أنسى دور د. رتيبة الحفني التي غيرت وجهتي من لندن الى القاهرة وأشعر هنا أن هذه الخطوة كانت صائبة جدا فقد أعطيت الكثير خلال هذه السنوات وكذلك نلت الكثير من الاحترام والتقدير. وربما يصبح الحديث عن تجربة مصر بعد سنوات أجدى.
بعد ذلك أنتقلت ببيت العود العربي من دار الأوبرا المصرية الى بيت الهراوي في الحسين وذلك بسبب ضيق المكان في الأوبرا والذي لم يعد يستوعب الكمية الكبيرة من الطلبة الذين توافدوا من أماكن مختلفة من مصر وخارجها من الدول العربية والأجنبية. أثناء إقامتي في مصر أصدرت أسطوانتي الرابعة “مقامات زرياب” وصدر في مدريد عاصمة اسبانيا، وفيه وضعت عصارة تجربتي.
في مقطوعاتي الموسيقية كنت أحاول طوال الوقت أن أوفق بين حبي للفن التشكيلي وعشقي للسينما، وحاولت أن أكون شاعرا بالألحان، كنت أريد طوال الوقت أن أرى الموسيقى، أن أجسدها أمامي وأراها تتراقص من دون جسد، كنت أرى ألوانها، وحياتها، أراها ككائن آخر يجالسني دائما ويمنحني الطاقة على العيش ومغالبة الصعاب.
لحظة الموسيقى هي أجمل اللحظات التي تطالنا، هي خلاصة وعينا الروحي والفكري معاً، فالخبرة الموسيقية تحتاج الى وعي أقصى، تحتاج إلى كلنا مجتمعين، وأعني بكلنا هو نحن بما جبلنا فيه من وعي تراثي وحضاري وإنساني وتاريخي وحياتي، وفي المحصلة وعي تجربتنا بالكامل. فنحن نتلقى الموسيقى ونتذوقها تبعاً لملكاتنا الفكرية الأعمق، وإذا أمتلأنا بالموسيقى نصبح قادرين على الطيران بعيداً في أرض هي الأجمل، أرض أحلامنا التي تنمو في دواخلنا وتسطع كشمس نلمح بريقها في عيوننا.
كنت أعايش من خلال الموسيقى والعزف لحظات مختلفة من الألم والحنين والحب والموت، أرى صورا متعددة، وأشتاق وأحن إلى أرض اجمل، أنحني وأمشي ممشوق القامة، أقف وأميل.
منذ أول مقطوعة ألفتها، كنتُ أرى الموسيقى، لهذا عندما قرأت ذات مرة قصيدة لشيمبورسكا تقول فيها: كي يرى الموسيقى/ صنع لنفسه كماناً من زجاج. لفتتني العبارة، ولا أعرف لماذا شعرت بأن هذه الكلمة تقصدني أنا تحديدا، فقد صنعت لنفسي عودا من روح، وصار عودي شفيفا، وصرت أرى من خلاله وكنت بلا زجاج أرى الموسيقى تخرج متقطرة من كل شيء، ومنذ تلك اللحظة أيضا عرفتُ أنني أريد أن يرى الناس معي الموسيقى ولا يكتفون بسماعها، أريدهم أن يعيشوا معي لحظة بلحظة، يعايشون لحظتي ولحظتهم في آن، يرتفعون عندما أرتفع وينخفضون عندما أنخفض، يتأملون، يدمعون، يبسمون، كنتُ أريد أن يأخذ مستمعي مني أقصى حالاته، أن يرى الصورة أمامه كما لو أنه أمام شاشة عرض كبيرة ونقية.
عملتُ على موسيقى الصورة، كنتُ أرى وأحاول أن أجسد ما أرى، بينما تجري أصابعي بسرعة وبخفة أحيانا، وببطء أحياناً أخرى. كنتُ أرى الصور كلها. رحلة طويلة وجميلة، هي رحلة حياة، جبت خلالها أرجاء كثيرة من هذا العالم حاملا عودي، ومؤمنا أن الفن يحمل رسالة حضارية الى الأمم، ويجعل وجودنا أقل قسوة في عالم متناحر.
مع الموسيقى كان طريقي جميلا وصعبا، اكتسبت خبرات كثيرة، وتعلمت أن الحزن الذي يقهرنا به الزمن يجعلنا أقوى وأكثر قدرة على العطاء، وها أنني اليوم أنظر الى الموسيقى التي أعطيتها الكثير فمنحتني الكثير، سلم موسيقي بسبع درجات منحني طاقة كبيرة وبأجنحة لا متناهية، ومنحته طيراني في كل مرة أمسك بها عودي.
———
* نصير شمة
1 ـ المفكرُ المتّوحدُ.
1 ـ الموتُ قريبٌ بما فيه الكفاية كي لا نرتاع من الحياةِ .
2 ـ الآلامُ المديدةُ والكبيرةُ تُربي الطاغيّةَ في الإنسانِ.
8 ـ ما إنْ تقول لي الفِطْنَة : “لا تفعلْ هذا، فتأويله سيكون ذميماً”، حتى أسلك خلافاً لها دائماً.
11 ـ أبغضُ ضيقَ الأفقِ أكثر بكثيرٍ من الخَطِيْئَةِ .
14 ـ الإنْسانّ الَّذيّ لم يفكّرْ ولا مرةً بالنّقودِ، بالشّرفِ، باكتساب العلاقات المؤثرة، بالمَنْصب، هل يستطيع يا ترى معرفة النّاسِ؟
20 ـ “يا صاح، إنّ كلَّ شيءٍ كنتَ تحبّه أصابك بالخيبةِ: صارت الخيبةُ دَيْدَنَكَ من كلِّ بدٍّ، وحبك الأخير الَّذيّ تسمّيه حباً لـ “الحقيقة” هو بالضبط ما يجب أن يكون حباً ـ للخيبة”.
21 ـ مَهْلَكةُ الحكيمِ في أنّه أكثرُ الجميع عرضةً لإغراء الوله باللامعقوليّة.
29 ـ ما قبل البطلِ، ليس عندي رأيٌ بدرجة جيدة عنه ـ وعلى الرّغمِ من ذلك : هو ـ الشكل الأكثرُ قبولاً للوجود، لاسيّما عندما لا يكون ثمّة خيارٌ آخر.
34 ـ مَنْ لا يعيش في الجَلِيْل، كما في منزله، هو ذاك الَّذيّ يفهم الجَلِيْلَ شيئاَ فظيعاً ومزيفاً.
36 ـ يمكن فـي ذروة الصّراعِ التضحية بالحياة: لكنّ الظافر يطرح من نفسه بالتجربة المرّة حياتَه. إنّ كلُّ نصرٍ يتسم باحتقار الحياة.
37 ـ تتضمن كلُّ بهجةٍ في نفسها شيئاً ما بوصفه رعباً وهرباً من أنفسنا ذاتها ـ أحايين إنكار الذات، ورفض الذات.
41 ـ إنّ أولئك الَّذيّن كانوا يحبون الإِنْسانَ، أكثر الجميع إلى الآن، الَّذيّن سـببوا له دائماً الألم الأشدّ؛ مثل جميع المحبين فهم يطلبون منه المحال.
46 ـ مَنْ يتعرّض لهجماتٍ من جانب زمنه، هو ذلك الَّذيّ سـبقه بشكلٍ غير كافٍ ـ أو تخلّف عنه.
2 ـ حَوْلَ المعرفةِ
57 ـ أنتم، يا محبيْ المعرفة! ماذا فعلتم جرّاء الحبِّ لأجل المعرفةِ حتّى الآن؟ هل اقترفتم سرقةً أو قتلاً، من أجل التعرّف على ما في روح السّارِق أو القاتلِ؟
60 ـ منذ القدمِ يستحوذ علينا أثناء الإعياء التصوراتُ القاهرةُ.
63 ـ الإنسان وحسب يجعل العَالَمَ قابلاً للإدراك ـ ونحن ما زلنا مشغولين بهذا: وإذا فهمه ذات مرةٍ، فإنّه يشعر منذ الآن بأنّ العَالَم “مخلوقـ” ـه ـ آه ، ويتأتى عليه ككلِّ خالقٍ أنْ يحب مخلوقه!
71 ـ عندما يقترنُ الشكُ بالمعاناةِ تظهر الصوفيّةُ.
73 ـ يتجذّر الإيمانُ بالسببِ النتيجةِ في أقوى الغرائز: في غريزة الانتقامِ.
3 ـ بَعْدَ موتِ الإلهِ
81 ـ جاء زمانٌ، تَوَجّب فيه على الشّيْطان أنْ يكون محامي الإله: إذا أراد أنْ يطيل وجوده هو نفسه.
83 ـ كلُّ كنيسةٍ ـ هي حجرٌ على قبرِ الإِنْسانِ ـ الإله: إذ ترغب حتماً بأنْ لا يُبعثَ مجدداً.
84 ـ لا يجد المؤمنُ عدّوَه الطبيعيّ في المفكّرِ الحرِّ، بل في الإِنْسان الدينيّ.
4 ـ حَوْلَ الأخلاقِ
96 ـ عندما يعظ الطيبون فإنّهم يبعثون القرفَ، وعندما يعظ الأشرار فإنّهم يبعثون الخوفَ.
118 ـ يشعر النّاس الأخلاقيون بالرضى عن النَّفْسِ أَثْناء تبكيت الضمير .
119 ـ السخطُ الأخلاقيُّ هو وسيلةُ الانتقامِ الأكثر خبثاً .
170 ـ “أحببْ قريبَكَ” ـ هذا يعني أولاً: “اتركْه و شأنه”! ـ وهذا الجزء من الفَضِيْلَةِ هو الأكثر صعوبةً.
171 ـ لا أفهم سببَ ممارسة الوشاية، إذا شئتَ أنْ تغيظ أحداً ما، يكفيك أنْ تقول عنه شيئاً صادقاً.
5 ـ الفَنُّ والفَنَّانُ
194 ـ لو خطر لإلاهة الموسيقا ألاّ تتحدث بالنغمات، بل بالكلمات، لتوجب علينا أنْ نصم آذننا.
6 ـ الرّجلُ والمرأةُ
199 ـ المَسْكَنَةُ في الحُبِّ تخفي عن طيب نفسٍ غيابَ الحُبِّ اللاّئق.
205 ـ في البدء شيءٌ من الزعل ـ وعلى إثْر ذلك حب كبير؟ على هذا النحو يحصل الانفجار من احتكاك أعواد الثقابِ.
217 ـ الغَيْرَةُ ـ الهوى الأكثر ظرافةً، بَيْدَ أنَّها الحماقة الكبرى أيضاً.
223 ـ بالنسبة للنّساء اللّواتي تمنعهنّ العادةُ والخجلُ من إشباع الميل الجنسي، يظهر الدِيْنُ، كشيءٍ غيرِ قابلٍ للتعويض، بوصفه انفكاكاً روحيّاً للحاجة الأيروسيّة.
231 ـ مَنْ ليس قادراً على الحبِّ، ولا على الصّداقَة ذلك الَّذيّ يراهن غالباً على الزّواجِ.
7 ـ أشياءُ بشريّةٌ متنوعةٌ
235 ـ لا يبحث إنسانُ المتاهةِ عن الحقيقةِ قطُّ، بل دائماً عن أريادنا وحسب، بغض النَّظر عمّا قاله هو نفسه لنا بصدد ذلك.(5)
246 ـ فقط ذلك الَّذيّ لا يلين له الحقُّ بالتزام الصمتِ حول نفسه ذاتها.
281 ـ النّاس السطحيّون مضطرون للكذاب دائماً، بوصفهم محرومين من المضمون.
287 ـ نحن نمدحُ ما يلائم ذوقنا؛ وهذا يعني، إنّنا عندما نمدح، فنحن نمدح ذوقنا الخاص ـ ألا يخالف هذا كلَّ ذوقٍ سليمٍ؟
1882 ـ 1885
الحواشي:
1. Böse Weisheit. Aphorismen und Sprüche.
2. Die Fröhliche Wissenschaft.
3. Also Sprach Zarathustra.
4. Jenseits von Gut und Böse.
5 ـ فكرةٌ ثاقبةٌ يمكن تقديم دراسة عنها من زاوية التّحليل النّفسيّ، وليس غريباً أن يكون س. فرويد ـ مؤسِّس التّحليل النّفسيّ ـ قارئاً لشوبنهاور ونيتشه؛ و Ariadna في الأسطورة الإغريقيّة ابنه مينوس ـ قيصر كريت ، التي ساعدت تسيوس على للخروج من المتاهة بواسطة بكرة خيطان، ثُمّ هربت معه، لكنّه لن يلبث أن يتركها. ـ م.
_______________________
* فريدريش نيتشه
مختارات من كتاب الحِكْمَة الشّريرةُ: حِكَمٌ و أَمْثَالٌ.
ترجمة : مالك مسلماني
لقد قيل عن أوسكار وايلد بلسان أحد معاصريه أن كل ما كان يتحدث به كان يبدو وكأنه مغلّف ضمن علامتي الاستشهاد. وهذا القول ليس أقل صحة من كل ما كتبه أيضاً، وذلك لأن مثل هذه الحالة كانت النتيجة لاتخاذ وضعية معينة (pose)، الأمر الذي عرّفه وايلد بأنه “إدراك أساسي لأهمية التعامل مع الحياة من منطلق محدد معقول”.
أو مثلما يكيل آلغرنون الصاع صاعين لجاك حين اتهمه قائلاً: “أنت تحب دائماً أن تجادل حول الأشياء” فأجابه ” ذلك بالضبط ما جاءت الأشياء من أجله” في مسرحية وايلد المعنونة بـ “أهمية كون المرء جاداً”.
وبما أن أوسكار وايلد كان على الدوام مستعداً لإطلاق التعليقات الجديرة بالاستشهاد، فقد ملأ مخطوطاته بالأقوال المأثورة عن كل ما يمكن أن يتخيله المرء من موضوعات، إن ما كتبه كان المقصود به مزيداً من التعليق أو الاستشهاد، أو كان المقصود به، وهذا أهم من سابقيه، أن تعود به الجذور إلى وايلد نفسه. ومن الواضح أن هناك أسباباً اجتماعية لبعض هذا الغرور الذي لم يقم وايلد بأية محاولة لإخفائه في سخريته. “إن محبة المرء لنفسه لهي بداية قصة رومانسية طويلة طوال الحياة”، ولكن تلك الأسباب لم تكن لتنوء بعبئها على الفصاحة في أسلوب وايلد.
وبعد أن آلى وايلد على نفسه على الاستخفاف بالعمل والحياة والطبيعة نظراً لنقصانها وتناثرها، اتخذ مملكة له ذلك العالم المثالي النظري الذي كانت فيه المحادثة، كما قال لآلفريد دوغلاس في كراسته المعنونة بـ “من الصميم” (De profundis) ، أساس العلاقات البشرية كلها.
فبما أن الشجار يعوق المحادثة كما فهمه وايلد من الحوار الأفلاطوني، فإن نمط التحادث كان يجب أن يتخذ شكل القول المأثور، فهذا القول المأثور المقتضب هو، بالمصطلح الذي أطلقه عليه نورثروب فراي، وسيلة الأداء الرئيسة لدى وايلد: لفظة موجزة متراصة قادرة على التعبير عن أطول سلسلة من الموضوعات، وعن أعظم نفوذ، وعن أدنى التباس حيال كاتبها. وحين غزا وايلد أشكالاً أدبية أخرى حولها إلى أقوال أطول من السابقة. وهاكم ما قاله عن المسرحية: “لقد تناولت الدراما، وهي أكثر الأشكال الموضوعية المعروفة للأدب، وجعلت منها أسلوباً شخصياً للتعبير، شأنها بذلك شأن القصيدة الغنائية والقصيدة القصيرة، ووسعت في الوقت نفسه مداها وأغنتها بالشخوص”. ولذلك فليس من المستغرب أن يكون قد قال: “لقد أوجزت كل الأكوان في عبارة، وكل الوجود في قول مقتضب”.
إن كراسة “من الصميم” تدون الدمار الذي يحل بالمدينة الفاضلة “utopia” التي كان وايلد قد بشّر بفردانيتها ولا أنانية أنانيتها في كراسته “روح الإنسان في ظل الاشتراكية”. فمن حياة مفعمة بالحرية إلى السجن ومعاناة كل أصناف الشقاء، كيف، يا ترى، تأتي إنجاز التغيير؟ إن تصور وايلد للحرية يوجد في “أهمية كون المرء جاداً” حيث تتكشف الشخصيات المتصارعة على أنها أخوة في خاتمة المطاف ولمجرد أنها تقول بأنها أخوة. إن الشيء المدون (كجداول الجنود التي كان يراجعها جاك) لا يفعل شيئاً إلا توكيد كل ما كان قد قيل سابقاً بنزق، ولكن بفخامة.
فهذا التحول من الخصومة إلى الأخوة هو ماكان في ذهن وايلد لربط تكثيف الشخصية بتكاثرها.
فحين يبتلي تبادل الآراء بين البشر بانعدام حرية التحادث، وحين يكون مقيداً بالموافقة القانونية على الطبع وحسب، الأمر الذي يعني تعذر الاستشهاد به بصراحة ويعني أيضاً، لأنه حظي بالتوقيع الرسمي، أنه صار موجباً لإقامة الدعوى الجنائية فإن المدينة الفاضلة تتقوض وتتداعى. وحين أعاد وايلد التأمل بحياته في “من الصميم” تسمّر خياله من هول آثار نص واحد على حياته. ولكنه يورده ليبين كيف أنه في انتقاله من الكلام إلى الطباعة، الأمر الذي تتفاداه بمعنى من المعاني نصوصه الأخرى الأكثر حظاً من ذلك النص، وتفادته كيفما اتفق بفضل تفردها بالاقتضاب، تعرض وايلد للتدمير.
إن حسرة وايلد في المقطع الوارد أدناه تتمثل بأن النص يشتمل على أكثر مما ينبغي، لا على أقل مما ينبغي، من الواقع الظرفي. ونظراً لذلك فإن النص يصبح، بمفارقة وايلدية، عرضة للمخاطر:
إنك أرسلت لي قصيدة جميلة جداً، شعرها من أشعار الطلاب غير المتخرجين من الجامعة، لأبدي استحساني عليها: وهأنذا أجيب برسالة مليئة بالأفكار الأدبية الوهمية.. انظر إلى تاريخ تلك الرسالة. إنها تنتقل منك إلى يدي زميل كريه، ومنه إلى عصابة من المبتزين، ومن ثم نسخ منها تدور في لندن لأصدقائي، وإلى مدير المسرح الذي يجري تمثيل عملي فيه: وكل ما يخطر على البال من تفسيرات توضع فيها إلا التفسير الصحيح: فلقد ثارت ثائرة الجمعية من الإشاعات الخرقاء حتى وجب علي أن أدفع مبلغاً كبيراً من المال لأنني كتبت لك رسالة شائنة: وهذه تشكل صلب أقذع تهجم لأبيك: وإنني سوف أبرز بنفسي الرسالة الأصلية في المحكمة لأكشف لها عن حقيقة الرسالة، ولقد كانت موضع التشهير من قبل محامي أبيك الذي وصفها أنها محاولة خبيثة فياضة بالتمرد لإفساد الناشئة الأبرياء، وفي خاتمة المطاف تشكل هذه الرسالة جزءاً من الإدعاء الجنائي، ينشغل بها التاج، وينظم بها القاضي حكماً بفهم قليل وخلق كثير، وأخيراً أدخل السجن من جرائها. وهكذا تكون النتيجة لكتابتي لك رسالة رائعة.
*من كتاب: The W o r l d , The T e x t , And The C r i t i c
Edward W. Said
عندما يحصل الحبّ تهجم العاصفة عمياء. يتجسّد الجنون على شكل قلب.
كلّ حبّ إغتصاب.
* * *
ما يحّبه الرجل في المرأة ليس فقط ضعف الكائن الاجتماعي المستضعَف والمستغَلّ،
كما يعتقد بعض النَسَوّيات. ثمّة ضعف آخر فيها يستهوي، هو » قلق الأم« على الرجل، ولو عشيقها، ولو أكبر منها سنّاً. تلك الرقّة المسؤولة التي هي في باطنها حكمة وقوّة عندما
تطوّقان الرجل لا يصمد له من قوّته المزعومة سوى العضلات.
(المزيد…)
24/1/1967
غادة…يا حياتي!
كيف تقولين لي: ((لاألومكَ، لك الحق…في الدفاع عن توقيتك لرحلة صيد انتهت؟)) كيف تفكرين لحظةً واحدة بأن هذا التعيس الذي ينتظرك كما ينتظر وطناً ضائعاً يفعل ذلك؟كيف تعتقدين أن ذلك الرجل الذي سلخت الشوارع قدميه، كالمجنون الطريد، ينسى أو يوقِّت أو يدافع عن نفسه أو يهاجم؟ولكنني أغفر لك، مثلما فعلت وسأفعل وسأظلّ أفعل.
أغفر لك لأنك عندي أكثر من أنا وأكثر من أي شيء آخر، لأنني ببساطة ((أريدك و أحبك ولا أستطيع تعويضك ((* (المزيد…)
الجزء الثالث
الملائكة
-1-
((وحيد القرن)) هو عنوان مسرحية لأوجين يونيسكو واضع الشخصيات المأخوذة برغبة أن تكون إحداها شبيهة بالأخرى، متبادلةً الأدوار في مسرحية((وحيد القرن))، غبرييل وميشيل، شابتان أميركيتان كانتا تدرسان هذه المسرحية من ضمن مقرَّر أعطي في العطلةللطلاب الأجانب في مدينةعلى شاطيءالمتوسط .
وكانتا التلميذتين المفضلتين لدى السيدةرافاييل، أستاذتهما، لأنهمالا تَنيان تتابعانها بانتباه دائم، ولأنهما تسجلان بعناية أيا من ملاحظتها .
وقد طلبت منهما اليوم أن تَحضِّرا سويَّةً، للمقرَّر التالي، عرضاً لمؤدَّى المسرحية.
(المزيد…)
لقد أحببتها بجنون.لماذا نحب؟ ولماذا يحدث ألا نرى في العالم كله إلا كائناً واحداً؟وأن تدور في مخيلتنا فكرة واحدة؟أو ليس عجيباً حقاً أن تمتليء قلوبنا بأمنية واحدة وأن يتردد على شفاهنا اسم واحد؟ ذلك الاسم الذي يطفر على شفاهنا متصاعداً من أعماق أرواحنا-دوماً-مثل المياه من النبع، الاسم الذي يلح علينا فنردده ونهمس به دائما ًوفي كل مكان كأنه صلواتنا.
(المزيد…)

ولد أونغاريتي ungaretti يوم 10-2-1888 بمدينة الإسكندرية التي هاجر إليها والداه من توسكانيا الإيطالية.
سرمَد
بين الزهرة تُقطَف
والزهرة تُمنَح
عدمْ
لا يُدركه التعبير.
* * *
سأمْ
حتى هذي الليلة سوف تمر
العزلة إذ تتشرد
ظلْ من أسلاك ترامٍ
يترنَّح
فوق الإسفَلت الرّْطب
رؤوس السواق أراقبها
نائسةً
مثقلةً بنعاسِ الليل.
* * *
ربما كانَ نهراً
الضباب الذي نتلاشى به
الضباب الذي نمَّحي فيه…هذا
ربما كان نهرٌ هنا
يولد…
إنني أسمع الآن أغنية الحور تأتي
من مياه البحيرةِ
حيث كانت هناك المدينة.
*يُبين أونغاريتي أن الضباب قد حوَّل مدينةَ ميلانو إلى بحيرةٍ ذكَّرته((كالسراب)) ببحيرة مريوط قرب الإسكندرية.
* * *
في إجازة
((فيرسا،27 نيسان،1916))
من يرافقني في الحقول؟
إنها الشمس تنتثر
قطرات من الماس مائيةً
تنزل العشب لدناً.
أتراصف والبهجةَ الكونَ
هادئةَ الخفق والخافق
تنتفخ الجبال
بالريح…ظلاً ليلكاً
ثم تسير في سباق تجذيف مع السماء
في الأعالي الشفيفة
بَطَل السحر…
دلّيت نفسي
بنفسي…
ثم اختبأت
بعشّ
بنفسي.
* * *
صمتْ((ماريانو،27حزيران 1916))
عرفتُ مدينةً
في كلِّ يوم تمتليء بالشمس
حتى حد حافَّتها
وفي لحظةٍ-
إذا ما أفعمتها الشمس
صار الكل…كل الكونِ مسحوراً.
لقد غادرتها غسقاً
وفي قلبي
حفيفُ غصونِ سيكادا*
وعبر سفينةٍ بيضاء
رأيت مدينتي…تخفى
تلاشى
وهي تترك في الهواء
معلقاً
وللحظةٍ…منها
عناق النور.
*السيكادا:شجر.
شعر: أونغاريتي.
ترجمة :سعدي يوسف.
الناشر:دار المدى للثقافة والنشر.
كم من الجهد بَذَلَتْ وكم من العرق ذرفت حتى تمكنت من تخزين القش!ولكن جهودها لم تذهب سدىً لأن الحصاد كان قد حقق نجاحاً أكثر مما كانت تأمل.
وقد كان العمل شاقاً أحياناً لأن الأدوات كانت قد صممت لاستخدام الإنسان وليس الحيوان، وكان أسوأ ما في الأمر عدم تمكن أي حيوان من استخدام أية أداة تستدعي الانتصاب على الأرجل الخلفية، لكن الخنازير كانت على درجة من الذكاء مكنتها من حل أي مشكلة تعترض طريقها.
أما الأحصنة فقد كانت تعرف كل شبر في الحقل، وقد كانت تتقن بالفعل الحصاد والتذرية أكثر من((جونز)) وعماله وكان من الطبيعي أن تتولى الخنازير دور الريادة نظراً لخبرتها الممتازة.
ولقد عمد ((بوكسر)) و((كلوفر)) إلى تثبيت نفسيهما بالمذراة ولم تعد هناك حاجة للأعنة أو اللجام في هذه الأيام بالطبع، وقد دار الحصانان بهمة ونشاط حول الحقل مرات ومرات ومن ورائهما خنزير يسير صائحاً بصوت عالٍ:هيا أيها الرفاق…هيا أيها الرفاق! (المزيد…)
*بعدَ المطرْ
ظلّت تمطر أياماً. وكل ما أراد أحدهم أن يخبرَ به الآخر،
بعد أن جرى تمحيصهُ بعناية-
تأجلَ.
وانطوى.
وحُمل بعيداً في حقائبهم.
لقد غادروا.
الآن، تتمشى حلازينُ كبيرةٌ على رخام الباحة،
حاملةً على ظهورها أبراجاً صغيرةً ونواقيسَ،
إنها تتسلّق الأقحوانَ،
إنها تدخل برودةً متأنيةً.
توقفت هيلين لتنظر، وغمغمتْ،
((ترى، هل الحلازينُ سعيدةٌ؟.))
كان الآخرون صامتين.
جرجرَ السؤالُ نفسَهُ بوثوقِ هاديء.
تاركاً خلفهُ خيطَ فضةِ رطباً.
* * **
*شَيء لمْ يُنجز
غيوم على الجبل.
من الملوم؟ما الملوم؟
صامتاً، متعباً، ينظر أمامه
يستدير، ينحني
الصخور في الأسفل،
والطيور في الأعلى
جرّة في النافذة
ونباتاتٌ شوكيةٌ في الوادي.
يداه في الجيب.
ذرائع، ذرائع.القصيدة تتأخر.فارغ.
الكلمة يدل عليها ما تخفي
* * * *
*يَأس بِينلوب
لم يكن السبب أنها لم تعرفه
في ضوء النهار الكابي،
وهو متنكرٌ بأسمالِ الشحاذِ.
لا…
كانت ثمة علائمٌ جليّهٌ:
الندبةُ على صابونة الركبة
الجسدُ المفتولُ
النظرةُ الماكرةُ
كانت خائفةً
تميل، لائذةً بالجدار.
لقد حاولتْ أن تجد لها عذراً ما
أن تجدَ تأخيراً تتفادى به الإجابةَ
كي لا تفضحَ أفكارها.
أمن أجله أضاعت عشرين عاماً
منتظرةً
حالمةً؟
أمن أجل هذا الغريبِ الرثِّ
الملطخِ دماً
المبيضّ اللحية؟
سقطتْ. فاقدةً الكلامَ على كرسي.
حدقتْ في العشاق المذبوحين على أرضية القاعة
كما لو كانت تحدّق في رغباتها الميتةِ.
وقالت:أهلاً…
كانت تحسّ بصوتها قادماً من البعيد
وكأنه صوتُ سواها.
النَّولُ في الزاوية
يُسقط ظلالاً على السقف، كالقفص.
والطيورُ التي نسجها بخيوطٍ حمرٍ برّاقةٍ
بين أوراقٍ خضرٍ،
استحالت، بغتةً، رماديةًو سوداءَ
تطيُر منخفضةً على السماءِ المسطحةِ لمحنتها النهائية.
* * * *
*إِهمَال
يقول:هكذا تألفُ كلَّ شيء.
حتى الشيُء الذي أدهشنا، يوماً
هو الآنَ مبتذلٌ بائخٌ.
ليست الأشياء، وحدها، التي تبهتُ
وإنما عيوننا تبهت أيضا-
إنها الآن تُشيحُ عن الزجاج الملون
عن الأضواءِ الاصطناعية الحادة-
إنها الآن تفضّلُ الممرّاتِ المعتّمَة
أو الأنفاقَ التي لا تتمايز-
إن تماثُلَها هو كالزمن.
وأنت لن تفاجأ إذا هطلَ المطرُ فجراً،
أو دقّت ساعة المدينةِ الثانيةَ عشرةَ ظهراً،
أو أن الساعاتِ التي تنتصبُ خارجةً، لا مباليةً،
وحيدةً، كشيفة في العراءِ- لا تبتلّ.
امرأةٌ مجهولةٌ تتجوّلُ حول المنزل،
شعثاءَ الشعرِ
ترتدي جواربَ نايلون مهملةً
تنحدر على سَاقيها.
* * * *
*منَ الذَّاكِرة
أشعةُ إكس قديمة لرجال مسلولين.
في مظاريف صفرٍ كبيرةٍ بأعلى خزانةِ الملابسِ،
مليئة بالغبار_
ليلة بعد ليلة حين يصفر القطارُ في الضواحي،
ليال بحوامل شموع طوال،
على الأرض تنتثر مربعاتُ ورقٍ صغيرة
كانت تضمُّ مسحوقَ مداواة ِالسعالِ-
حين انسكبَ القدحُ على الملاءاتِ، مدَّ ساقيه خارجاً-
كانت ركبتاه هزيلتين ،وكان الشعرُ جافاً-
كان لديه انتصابٌ-
طرقٌ على الباب
طرقٌ شديدٌ.
غطيناه بسرعة، وركضنا نحو الممر،
وقفنا خلف الباب ،وأنصتنا:
لم يطرقوا ثانيةً.
* * * *
قصائد لـ: يَانيس ريتْسوس
من مجموعاته الشعرية : (أحجار،إعادات، إيماءات)
ترجمة: سعدي يوسف
والصادرة عن: دار المدى للثقافة والنشر
تحبُّ النوم… اليقظة المغمى عليها كحالك هذا.النوم سيِّد وسلطان.وأنت، سيِّدُ نفسك وسلطانها.حيٌّ بلا تكاليف حياة.حيّ في موت مجازي مُنْتقىً بعنايةِ ملاك، لتمرين الجسد على زيارة اللا مرئيّ بهيئة اللائق باللائق.
النائم لا يكبر في النوم، ولا يخاف ولا يسمع أنباء تعصر العلقم في القلب.لكنك تسأل نفسك قبل النوم:ماذا فعلتُ اليوم؟ (المزيد…)

وصلت الرّسالة إلى إدارة المناجم مع حلولِ الظلام، قبلَ بوق نهايةِ يوم العمل.أشعلَ القومندان مصباحَ البنزين، ثم قرأ الرسالةَ، وخرجَ مسرعاً لإعطاءِ الأوامر.لم يرَ القومندان أيةَ غرابة في الأمر.سألهُ الحارس المناوب فاتلاً سُبابةَ يدهِ اليمنى عند الصّدغ:
-ألم يفقدْ عقله؟
نظر القومندان ببرود إلى جندي الحراسة، فأصابَ الأخير الذّعر جرّاءَ مزحتهِ الخرقاءْ وفي هذه الأثناء أزاحَ نظره باتّجاهِ الطريق وقال:
-إنهم يقودونها، أرداتيف بذاتهِ قادم.
كان يُرى خلال الضباب جنديا حراسة يحمل كل منهما بندقية، وكان وراءهما سائسٌ يجرّ فرساً رمادية هزيلة من لِجامها.إلى جوارهم، في الثّلج مباشرة، خارجَ الطريق كان يسير رجلٌ كبيرُ القدّ، ثقيل الجسد. كان معطفهُ القصير، المصنوع من فرو الغنم مفتوحاً، وكانت قبّعته مُزاحة إلى الخلف، وكان يُمسك بيدهِ عصا يضرب بها جانبي الفرس النحيلين، الضامرين، القذرين، اللذين تبرز منهما عظامها بحدّة. انتفضت الفرس مع كلِّ ضربة، متابعة جرجرة حوافرها، غير قادرةٍ على المشي أسرع.أوقف الحارسان الفرس عند محرس البوابة.تقدم أرداتيف مضطرب الخطو إلى الأمام، متنفساًكحصان منهك، زافراًرائحة الكحول في وجه القومندان المشدود الصدر مباشرة، وحشرج متسائلاً:
-مستعدون؟
أجابه القومندان:
-أجل، مستعدون.
عندئذ، صاح أرداتيف:
-قُدها إلى هنا إذاً، أدخلها في السجلات أنا الذي أعاقِب البشر لن أرحم الخيول..سوف أرغمها على فعل ما أريد- ثمّ تذمّر متمتماً، ضارباًبقبضة يده صدر القومندان- إنها لا تعمل لليوم الثالث على التوالي، كنتُ سأحبس السّائس فالخطة لا تُنفّذ، الخطة لا تتحقق أَتفهم..لكن السائس أقسم لي ((ليس أنا، بل الفرس هي التي لا تعمل))، أنا أف..ف..منهم- تأ تأ أرداتيف- أنا واث..ث..ث ق. أعطيتها سكراً أخذْته من البيت خصيصاً من أجلها لم تأكله .. يا لكِ من حقيرة- فكرتْ- كيف سأخرجُ أيام العمل الخاصة بك، إلى أين سأذهب بهذه السافلة؟إلى جميع التنابل، إلى جميع أعداء الانسانية، إلى الزنزانة،على الماء فقط دون طعام لثلاثة أيام على مخالفتها الأولى.
جلس أرداتيف على الثلج، خلع قبّعته، تدلى شعره الرّطب الأشعث فوق عينيه.نظرَ إلى أعلى محاولاً الوقوف فتأرجحَِ وسقط على ظهرهِ فارشاً ذراعيه.تعاونَ الحارس والقومندان على حملهِ إلى داخل المحرس.
- إنه مخمور، يغطّ في النوم، أنَنقله إلى البيت؟
- دعنا لا نفعل، فزوجتهُ لا تحب ذلك.
- والفرس؟
- يجب إدخالها إلى السجن، إذا استيقظَ ورأى أنّنا لم نحبسْها سيقتلنا، إحبسها في الزنزانةِ الرابعة عندَ المثقفين.
حمل اثنان من المعتقلين القرم إلى غرفةِ المناوبة، وكوّماها قربَ الموقد.سألَ أحدهما، محولاً نظرهُ نحوَ الباب الذي يشخر وراءهُ ارداتيف:
- ما رأيكمْ يا بيوتر غريغوريفيتش؟
- هذا ليس بجديد عليه…كاليغولا…
- أجل، أجل، كما عند ديرجافين-أكملَ الثاني-وألقى منتصباًقصيدة ديرجافين* بإحساس:كاليغولا!
أنّى لحصانكَ المكلّل بالتّبر أن يلمعْ
فالأعمال الطيّبات وحدها التي تسطعْ
دخّن المعتقلان العجوزان.فراحَ دُخان الماخوركا الأزرق يسبح في فضاءِ الغرفة ويحوم قبلَ أن يتبدّدْ.
هوامش
*كاليغولا:إمبراطور روماني(12-41م) والد الإمبراطور غاي،معروف في التاريخ كرمز للقسوة الوحشية.كوى الناس بالحديد الحامي،وألقى بهم لتفترسهم الوحوش الضارية الجائعة في الأقفاص أحياء،أرغم الآباء على حضور طقوس إعدام أطفالهم وزوجاتهم.أعدم ضحاياه ببطء.كان يأمر بالضرب بقسوة حتى يشعر المضروب بالموت.قطع كاليغولا إنتقاماًبأنصال السيوف،وقتلت زوجته ثم ابنته وأحرق قصره.حكم ثلالثة أعوام فقط قتل خلالها آلاف الناس بوحشية.
*غافريل ديميانوفيتش ديرجافين(1743-1816) من شعراء البلاط الكلاسيكيين.ولد في قرية قريبة من قازان على نهر الفولغا،وخدم جندياً عشر سنوات ومن ثم ضابطاً في الجيش القيصري في بطرسبورغ.بعد ذلك شغل منصب محافظ المدينة،ومن ثم السكرتير الخاص للقيصرة الروسية كاترينا الثانية،وفي عهد القيصر الروسي الكسندر الأول صار وزيراًللعدل.كتب قصائد المديح للعائلة القيصرية.من أشهرها قصيدة((فيليسا))(1782) لكاترينا الثانية،كما كتب قصائد حماسية تعكس الحياة الروسية في القرن الثامن عشر.من أعماله الأخرى:صاحب المقام(1774-1794).
المؤلف: فارلام شالاموف
من المجموعة القصصية: القادم من الجحيم ((من الأدب المحظور))
ترجمة: منذر حلوم
الصادرة عن دار الحصاد للتوزيع والنشر
2001
الخفة والثقل
(1)
العَوْد الأبدي فكرةٌ يكتنفها الغموض وبها أربكَ نيتشه الكثيرين من الفلاسفة: أن نتصور أن كل شيء سيتكرر ذاتَ يوم كما عشناه في السابق وأن هذا التكرار بالذات سيتكرر بلا نهاية! ماذا تعني هذه الخرافة المجنونة؟
(المزيد…)
(1)
من كنت
أنا مسكون.أتحدّّث إلى((من كنت))، و((من كنت)) يتحدثون إليّ.أشعر أحيانا بالضيق، كما لو كنت غريباً.إنهم مجتمعٌ كامل يحدث ألا أسمع صوتي فيه.
أقول لهم:انصرفوا.نظّمت حياتي.لم أعد أقدر أن أعير خطبكم سمعي.لكلٍّ حصته من الزمن:كنتم، والآن، أكون.
((انشُرني))، يقول أحدهم ((أرجوك، ((انشرني)).
آه!تصوّروا!إنّ في داخلي لمجانين حقاً.
عشتم سنة أو سنتين تحت جلدنا المشترك، وها أنتم تسّنون لي القوانين، انا الذي أكون الآن!.
((لا أريد أن أموت))-يقول آخر.((تحدثْ عمّن كنت)) .(( لا أريد أن أموت))، ومع هذا فلهجته مفعمة بالشكوك. هكذا ينخدع الانسان. هكذا تفوتنا أشياء كثيرة.ترغب بكتابة رواية، فتجد نفسك تكتب في الفلسفة. لا يكون المرء وحيداً في جلده!.
(المزيد…)