المدونة

  • حِكايةُ قاتل

    سيعودُ إلى زنزانته حتماً. سَينغلِقُ البابُ بشدةٍ وتكتسحُ الظلمةُ قفصَهُ الصغير، وسيتمدَّدُ في مُحاولةٍ للاسترخاءِ، وفي محاولةٍ يائسة، سيدفعُ عنه الحقيقةَ التي تُلحُّ عليه: كيفَ سيقضي بقية حياته في هذا المكان؟
    في البدايةِ سيكونُ يائساً حتى الثمالة، كحيوانٍ يفقدُ داخله. سيملأ رأسه بالحقد – حقدٌ على محاميه، وحقدٌ على القاضي، وحقدٌ على الكاهنِ الذي يزوره يومياً، وحقدٌ على عائلاتِ ضحاياه، وحقدٌ لامُتناهٍ على الضحايا.
    (المزيد…)

  • بورخيس يكتب عن: أسطورة الكتاب

    بورخيس يكتب عن: أسطورة الكتاب

    ترجمة: أحمد عثمان

    من كل أدوات الإنسان، يعد الكتاب الأكثر إثارة للدهشة دون أدنى شك. الأدوات الأخرى امتداداتُ جسمه. الميكروسكوب والتليسكوب امتدادا رؤيته، والهاتفُ امتدادُ صوته.. أيضاً، المحراث والسيف امتدادا ذراعه. غير أن الكتاب شيء آخر: الكتاب امتداد الذاكرة والمخيلة.

    في مسرحية: ((قيصر وكليوباترا)) لبرنارد شو، فيما يختص بالإسكندرية، قال إنها ذاكرة الإنسانية. هي ذي ماهية الكتاب وأيضاً شيء آخر: مخيلته.

    ألأن ماضينا شيء آخر غير تتمة الأحلام؟ أي اختلاف من الممكن حدوثه من استدعاء الأحلام واستدعاء الماضي؟ والوظيفة هي التي تستوفي الكتاب. فكرت يوماً أن أكتب تاريخ الكتاب. ليس من وجهة فيزيقية. لا تثيرني الوجهة الفيزيقية للكتاب (على الأخص، لا تحسب كتب هواة جمع الكتب النادرة الذين، اعتيادياً، لا حد لهم) وإنما الطرائق المختلفة التي تلاحظ الكتاب. تقدمت بواسطة شبنجلر، في كتابه: ((انحطاط الغرب)) الذي يحتوي على صفحات رائعة حول الكتاب، وبإضافة ملاحظات شخصية، أفكر فيما حفظته عن شبنجلر. لا يمتلك الأقدمون ولعنا الشديد بالكتاب – وهذا ما يدهشني.. لقد رأوا فيه بديلاً عن الكلام.

    هذه الجملة ندونها دائماً:
    ((VERBA VOLANT, SCRIPTA MANET))..
    لا تعنى أن الكلام عابر، وإنما الكلمة المكتوبة شيء من الخلود والموت. على العكس، الكلام شيء مجنح، خفيف، ((مجنح وسامٍ))، كما قال أفلاطون. بكل شجاعة، قدم جميع أساتذة العالم تعليماً شفاهياً.

    لنأخذ أول حالة: فيثاغورت. نعرف أنه اختار متعمداً ألا يكتب، لئلا يكون مرتبطاً بالكلمة المكتوبة. استشعر ((الحرف الميت والروح النشطة))، كما أشار الكتاب المقدس بعد ذاك. رغب أن يستشعره وألا يكون مرتبطاً بالكلمة المكتوبة.. ولذا لم يتكلم أرسطو قط عن فيثاغورث وإنما عن الفيثاغورثيين. مثلاً، قال لنا إن الفيثاغورثيين نادوا بالاعتقاد، دوغما الأبدية التي اكتشفها نيتشه بعد ذاك بزمن طويل. أي فكرة الزمن الدائري، التي دحضها سان أوغسطين في ((مدينة الرب)). قال سان أوغسطين، مستعملاً استعارة رائعة، إن محنة المسيح تنقذنا من متاهة الرواقيين الدائرية. لقد عالج هيوم وبلانكي وغيرهما فكرة الزمن الدائري بطريقة سطحية. طوعاً، كف فيثاغورث عن الكتابة، أراد أن يعيش فكرة، ما وراء موته الجسدي، في روح تلاميذه. بحيث إن التعبير، وأنا لا أعرف اليونانية، أقوله باللاتينية:
    MAGISTER DIXIT: ((قال المعلم)).
    هذا لا يعني أنه من المفروض التمسك بما قاله المعلم، وإنما نؤكد أيضاً أننا أحرار بتطوير الفكر البدائي للمعلم. لا نعرف إذا كان فيثاغورث ابتكر عقيدة الزمن الدائري، ولكننا نعلم بالمقابل أن تلاميذه علموها. مات فيثاغورث جسدياً لكنهم – بضرب من التناسخ الذي يطيب له – استمروا في التفكير وإعادة التفكير في فكره، وحينما نقول جديداً لهم، يعتصمون بهذه المقولة: ((قال المعلم)). غير أننا نملك أمثلة أخرى.

    هناك النموذج الأكبر لأفلاطون حينما قال إن الكتب كالرسوم (ربما كان يفكر في اللوحات والتماثيل)، نعتقد أنها حية، ولكن عند ما نسائلها لا تجيب. إذاً لكي يخفي هذا الصمت، صمت الكتب، ابتكر المحاورة الأفلاطونية. أي أنه ينشطر إلى أكثر من شخصية: سقراط، جورجياس وغيرهما. أيضاً، نستطيع أن نفكر في كون أفلاطون يود أن يتأسى من موت سقراط متخيلاً أنه يحيا ثانية. أمام أي مشكلة، قال في نفسه: كيف كان سقراط يفكر أمامها؟ إذاً، كان نوعاً من خلود سقراط، الذي لم يترك شيئاً إلا ودونه، وكذا المعلم الشفاهي.

    من المسيح عرفنا أنه كتب، ذات مرة، كلمات تعهد الرمل بمحوها. لم يكتب أي شيء آخر، كما نعلم. بوذا هو الآخر معلم شفهي، ترك لنا ثمة وصايا. هناك جملة لسان آنسليم: ((وضع كتاب بين يدي جاهل مثل وضع سيف بين يدي طفل)). هو ذا الرأي الذي نمتلكه عن الكتب. في الشرق كله توجد فكرة أن كتاباً لا يمتلك، كرسالة، إمكانية الكشف عن الأشياء، إنه كتاب، ببساطة، يجب أن يساعدنا على كشفها. رغم جهلي بالعبرية، درست نوعاً ما ((القابال)) وقرأت الترجمتين الإنجليزية والألمانية للـ ((زوهار)) (كتاب الإشراق)) و((سفر يا سراح)) (كتاب العلاقات). أعرف أن هذين الكتابين لم يكتبا لكي يفهما وإنما لكي يفسراً، إذ يجب أن يحثا القارئ على متابعة الفكر.

    لا يمتلك العصر القديم نفس احترامنا للكتاب، حتى إذا عرفنا أن الاسكندر الأكبر كان يضع تحت وسادته ((الإلياذة)) وسيفه، سلاحيه. كان هوميروس محترماً للغاية، إلا أننا لا نعدُّه كاتباً مقدساً بالمعنى الذي نعطيه اليوم لهذه الكلمة. لا نفكر في كون ((الإلياذة)) و((الأوديسا)) نصين مقدسين. إنهما كتابان محترمان، ومن الممكن أن يكونا صراعيين.
    أقصى أفلاطون الشعراء من ((جمهوريته)) دون اتهام بالهرطقة.

    إلى جانب هذه الشهادات للقدماء ضد الكتاب، نستطيع أن نضيف شهادة لافتة للنظر لسينكا: بين خطاباته الرائعة المرسلة إلى لوسلوس، هناك رسالة موجهة ضد المغتر الذي يدعي امتلاكه مكتبة من مائة مخطوط، ومن – يتساءل سينكا – يستطيع أن يجد وقتاً لقراءة مائة مخطوط؟ الآن، على العكس، نقدر المكتبات العامرة.
    إذاً، للعصر القديم موقف إزاء الكتاب فهمناه سيئاً، لا يشبه تقديرنا للكتاب. دائماً، نرى فيه مادة بديلة للكلام لكن يتأتى مفهوم جديد من الشرق: مفهوم الكتاب المقدس. هناك أمثلة جديد: الإنجيل، أو – مادياً – التوراة أو أسفار موسى الخمسة: يأخذون بعين الاعتبار أن هذه الكتب أوحى الله تعالى بها. هو ذا حدث لافت للنظر: ننسب كتباً لمختلف الكتَّاب ومختلف العصور إلى إله واحد، ولكن في الإنجيل نفسه ألا يقال أن الرب ينبس متى شاء؟ للعبرانيين فكرة تجميع نتاجات أدبية شتى من مختلف العصور وإبداع كتاب واحد تحت عنوان التوراة (الكتاب المقدس باليونانية).
    الكتاب، بقول آخر، يجب أن يرحل إلى ما وراء قصد مؤلفه. قصد المؤلف شيء إنساني فقير، قابل للخطأ، لكن في الكتاب يجب أن يكون هناك المزيد.

    ((دون كيخوته))، مثلاً، ليست سوى نقداً لاذعاً لروايات الفروسية. إنه مطلق لاشيء فيه، لاشيء فيه إطلاقاً ينتمي للمصادفة. نفكر في نتائج هذه الفكرة. مثلاً إذ قلت: ((مياه جارية، نقية، بلورية/ أشجار تنظرون إليها بإعجاب/ براري خضراء، بالظلام الندية تكتسي)).. من الواضح أن هذه الأبيات الشعرية الثلاثة، يتضمن كل واحد منها أحد عشر مقطعاً لفظياً. هذا ما أراده الكاتب، إنه اختيار مقصود. لكن أي مقارنة مع النتاج الذي أوحى الله به، مقارنة بالقداسة التي تتنازل عن الأدب. في هذا الكتاب، لاشيء عرضياً، كل شيء حتى اختيار الأحرف يجب أن يتحصل على حجة وجوه. مثلاً، نفهم أن فاتحة الكتاب المقدس:
    BERE#### BRAELOHIM تبدأ أبحرف (B)
    إذ إنه يتطابق مع ((بارك)) (BENIR).
    يتعلق الأمر بكتاب ليس فيه شيء عرضي، لاشيء عرضياً على الإطلاق. هذا يقودنا إلى ((القابال))، إلى دراسة الآداب، إلى كتاب مقدس، أي عكس ما فكر فيه القدماء. هؤلاء فكروا في ربة الشعر، بطريقة شبه رحبة.
    ((غني، أيا ربة الشعر، غضب أخيل))، هكذا كتب هوميروس في بداية: ((الإلياذة)). هنا، مثلت ربة الشعر الإلهام. عوضاً عن ذلك، إذا فكرنا في الروح نفكر في المحسوس والقوى: الله. الله الذي خلق الكتاب، وفي هذا الكتاب لاشيء عرضياً: لا عدد الأحرف ولا كم المقاطع اللفظية في كل آية. لقد درسوا كل هذا. تتمثل الفكر الثانية، أكررها، في كونه نتاجاً إلهياً. دون شك، هذه الفكرة قريبة من الفكرة التي أطلقناها اليوم على الكتاب مثل الفكرة التي أطلقها القدماء الذين عدوه مادة بديلة عن الكلام. هذا الرأي يضعف بالتالي ودلت آراء أخرى محله. نعتقد، مثلاً، أن كل بلد يتماهي مع كتاب.

    لنتذكر أن المسلمين يطلقون على اليهود ((أهل كتاب))، لنتذكر هذه الجملة لهنري هاينه بشأن هذا القوم حيث الوطن كتاب: ((الكتاب المقدس، اليهود)). هكذا تتبدى هذه الفكرة الجديدة حسبما ترى أن كل بلد يجب أن يتمثل بكتاب، على أي حال بكاتب، يستطيع أن يبدع أعمالاً عدة . بغرابة – ولا أعتقد أنهم لا حظوا هذا الفعل حتى الوقت الحاضر – اختارت البلاد الأفراد الذين لا يشبهونها كثيراً.

    مثلاً، نفكر في أن إنجلترا اختارت صمويل بيكيت كممثل عنها، لكن لا، إنجلترا اختارت شكسبير، وشكسبير – كما نستطيع القول – أقل إنجليزية من الكتاب الإنجليز. النمطي في إنجلترا (UNDERSTATEMENT)، أي قول أقل مما نود قوله. على العكس، نزع إلى المبالغة في الاستعارة، وهذا لا يدهشنا سواء كان إيطالياً أو يهودياً، مثلاً. ألمانيا، هذا البلد الرائع، المتعصب نوعاً ما، اختارت بدقة إنساناً متسامحاً، غير متزمت ولا يبالي بمفهوم الوطن: اختارت جوته. ألمانيا ممثلة من قبل جوته. في فرنسا، لم يختاوا كاتباً وإنما مالوا إلى هوجو. لديَّ، بطبيعة الحال، إعجاب كبير بهوجو غير أنه ليس فرنسياً نمطياً. هوجو غريب عن فرنسا بزخارفه العظيمة واستعاراته الضخمة، إنه ليس ممثلاً لفرنسا. حالة أسبانيا أكثر غرابة، من الممكن أن يمثلها لوب دي فيجا، كالديرون، كيبيدو .لا! أسبانيا ممثلة بميجيل دي سربا نتيث معاصرة لمحكمة التفتيش غير أنه متسامح لا يمتلك صفات وعيوب الأسبان. يتبدى أن كل بلد يرى تمثله عبر أحد ما يختلف عنه، عبر أحد من الممكن أن يكوِّن ضرباً من العلاج، نوعاً من الترياق، واقياً من أمراضه. نحن الأرجنتينيون، اخترنا ((الماكوندر)) لسارمينتو، كتابنا، لكن بالتأكيد، يستحق أن يكون مختاراً ككاتب، لكن كيف نفكر في كون تاريخنا من الممكن تمثيله عبر هارب من معركة الصحراء؟ كتب كثير من الكتاب، بطريقة لامعة نوعاً ما، عن الكتاب الذي أود أن أذكره.

    أبدأ بمونتاني الذي كرس أحد مقالاته عن الكتاب. في هذا المقال، هناك جملة جديرة بالذكر: ((لا تفعل شيئاً بدون بهجة)). فهم مونتاني أن مفهوم القراءة الإجبارية خاطئ. قال إنه إذا قابل فقرة صعبة في كتاب، تركه لأنه يعتقد أن القراءة صورة من صور البهجة. إذا قرأنا موضوعاً صعباً، فإن الكاتب حاد عن هدفه، لذا أعتقد أن كاتباً كجويس، جوهرياً، حاد عن هدفه لأن نتاجه يقتضي بذل الجهد. من المفروض ألا يقتضي الكتاب بذل الجهد، إذ لا تستلزم السعادة بذل الجهد. أرى أن مونتاني لديه الحق في هذا الشأن. ثم أنشأ يحصي الكتَّاب الذين أثاروا إعجابه. ذكر فرجيل أنه يفضل قصائد ((الإليادة))، أنا أفضل ((الإليادة))، غير أن السؤال ليس مطروحاً هنا. تكلم مونتاني عن الكتب بهوى، لكنه قال إن الكتب إذا كانت بهجة، فإنها مع ذلك لذة فاترة. قال امرسون العكس – بالنسبة له، يستلزم الأمر دراسة كبيرة حول الكتب. في محاضرته، قال امرسون إن المكتبة ضرب من الغرفة السحرية. في هذه الغرفة، كانت الأرواح الفضلى للإنسانية مغتبطة، إلا أنها كانت تنتظر كلامنا كي تخرج عن صمتها يجب أن نفتح الكتاب، وحينئذ تستيقظ هذه الأرواح. قال إننا نستطيع الاعتماد على صحبة الفضلاء الذين أنجبتهم الإنسانية، غير أننا لا نبحث عنهم ونحن نفضل قراءة الفقرات، النقد، عن الذهاب إليهم.
    كنت أستاذاً جامعياً للأدب الإنجليزي في كلية الفلسفة والآداب بجامعة بوينس آيرس، ودائماً كنت أقول لطلابي بضرورة أن يمتلكوا مكتبة محدودة، ألا يقرأوا المقالات النقدية، أن يقرأوا الكتاب مباشرة، ربما لم يفهموا إلا اليسير مما كنت أقوله، لكنهم تحصلوا على لذة سماع صوت أحد ما. أقول إن أهم شيء لدى الكاتب رنة صوته، أهم شيء في الكتاب صوت الكاتب، هذا الصوت الذي يتأتى إلينا. كرست فترة من حياتي للأدب، وأعتقد أن القراءة صورة البهجة، صورة أخرى، صغرى للبهجة والإبداع الشعري، أو ما نسميه إبداعاً ذلك الذي يمزج النسيان والذكرى لما قرأناه. يتقابل امرسون ومونتاني حينما قال الأول بضرورة أن نقرأ ما يعجبنا، فالكتاب يجب أن يكون صورة البهجة. ندين بالكثير للأدب بالعري، حاولت أن أعيد القراءة عن القراءة، أعتقد أن إعادة القراءة أهم بكثير من القراءة، فقط تستلزم إعادة القراءة القراءة. لدي هذا الإجلال للكتاب. من الممكن أن أقوله بطريقة مؤثرة نوعاً ما ولا أريد أن يكون نصيبي.
    أو وأن يكون سراً أهمسه لكل واحد منكم، ليس لكلكم وإنما لكل واحد منكم، إذ إن ((الكل)) تجريد، ((وكل واحد منكم)) حقيقة.

    أتابع ادعائي بعدم كوني ضريراً، أستمر في شراء الكتب، وأملأ مسكني بها. في يوم، أهدوني نسخة من ((انسكلو بيديا بروكهوس))، طبعة 1966. شعرت بوجود هذا النتاج في مسكني، شعرت به كضرب من البهجة. قربي، عشرون جزءاً بالأحرف القوطية التي لا أعرف قراءتها، بلوحات ونقوش لا أستطيع أن أراها، لكن مع ذلك العمل حاضر هنا. أشعر باجتذابه الحميمي. أعتقد أن الكتاب بهجة ممكنة للإنسان. يتحدثون عن اختفاء الكتاب، أعتقد باستحالته.

    أي اختلاف، قالوا لي، قائم بين الكتاب والصحيفة والشريط؟ الاختلاف يتمثل في أن الصحيفة مقروءة لأجل النسيان، الشريط مسموع لأجل النسيان، هذا شيء آلي ومن ثم تافه. نقرأ الكتاب لكي نتذكره.

    مفهوم ((الكتاب المقدس))، الذي يتعلق بالقرآن، الإنجيل أو الفيدا)) –يقال أيضاً إن ((الفيدا = كتاب من كتب الهندوس الدينية الأربعة )) (خلقت العالم) – ، متجاوز، لكنه يحتفظ بشيء من القداسة التي نسعى إلى حمايتها. يجعل الكتاب وفتحه الحدث الجمالي ممكناً.

    ما الكلمات النائمة في الكتاب؟ ما هذه الرموز الميتة؟ مكعب ضئيل من الورق المقوى والجلد، وأوراق، لكن إذا قرأناه يحدث شيء غريب، أعتقد أنه يتغير في كل مرة. قال هيراقليطس (كررتها مراراً وتكراراً) إننا لا نستحم مرتين في النهر نفسه. لا نستحم أبداً في النهر نفسه لأن مياهه تتغير، لكن الأكثر فظاعة أننا لسنا سائلين كما النهر. في كل مرة نقرأ كتاباً يتغير الكتاب، الدلالة الإضافية للكلمات غير السابقة. فضلاً عن ذلك، الكتب محملة بالماضي. أعيب على النقد، وسأعدل عن كلامي (لكن ماذا يهم عندما أعدل عن كلامي). هاملت ليس بالضبط هاملت الذي تصوره شكسبير في بدايات القرن السابع عشر. إنه هاملت كولريدج، جوته وبرادلي، لقد خلق من جديد، ودون كيخوته أيضاً، جرى له الأمر نفسه مع لوجونيز ومارتينيز استرادا، إنما لم يحدث هذا مع مارتن فبيرو. القراء، تدريجياً، أثروا الكتاب. حينما نقرأ نتاجاً قديماً، كأننا نجوب طوال الوقت الذي يمضي بين اللحظة التي كتب فيها واللحظة التي نعيشها. لذا يليق أن نحتفظ بإجلال بالكتاب. من الممكن أن يكون مليئاً بالتصويبات. نستطيع أن نختلف مع آراء كاتبه، ومع ذلك، يخلف شيئاً مقدساً، شيئاً إلهياً، لا لكي نوقره بتطير لكن، بالحري، برغبة أن نستمد منه السعادة، وكذا الحكمة.

  • من مواليدِ بُرجِ الحوتْ

    أصلَّي

    أهدي هذه الكلمات التي تحمل الجمال و المأساة إلى الذي أحببت حباً أخوياً هو في الغالب أقوى من الكل.
    هذا الإهداء المشبع بالبحر الذي أحببناه كلانا كما لو كان بيتنا، إليه أهديه.
    بيد أن أكسول سبقني، ذلك لأنه و بصرامة أنجز قدره؛ فقد ذراعيه و ساقيه ثماني سنوات مباشرة بعد أن كتبت إليه هذه الأسطر.
    إذا ما بتأن قرأ قارئي المحترم ما سيلي، فسيعرف في النهاية ما حدث لرائعي أكسل.
    (المزيد…)

  • كتابُ الرَّملِ

    ….حبل من رمال
    جورج هيربرت
    (1593-1633)

    السطر يتكون من عدد لامتناهٍ من النقاط؛ و المخطوط، من عدد لامتناهٍ من السطور؛ والكتاب المجلد، من عدد لا متناهٍ من الصفحات؛ والسفْر، من عدد لامتناه من الكتب المجلدة…
    لا، حتماً، ليس هنا، أكثر تخطيطاً، و أفضل طريقة للشروع في كتابة قصتي. لقد غدا اتفاقاً اليوم الإقرار بأن كل قصة عجائبية هي قصة حقيقية؛ و مع ذلك فقصتي أنا حقيقية.

    أعيش بمفردي، في الطابق الرابع من عمارة بشارع “بيلغرانو”. حدث ذلك منذ أشهر، ذات مساء، سمعت طرقاً على بابي.
    فتحت فدخل شخصٌ غريب . كان شخصاً جسيماً، ذا ملامح غير مضبوطة. ربما قصر بصري هو الذي جعلني أراه على تلك الشاكلة.مظهره كله كان يعكس فاقة محتشمة. يرتدي لباسا رمادي اللون ويحمل في يده حقيبة. أدركت للتو أنه شخص غريب.
    (المزيد…)

  • مَدرسَةُ الزَّوْجاتِ

    صديقي
    يخيل إلي أنني إليك أنت أكتب، فأنني لم أسطر يوميات من قبل، ولم أفلح إلا في كتابة بعض الخطابات، ولولا أنني أراك كل يوم لكنت ولا ريب قد كتبت إليك.
    على أنه إذا قدر لي الموت قبلك، وهذا ما أرجوه لأن الحياة دونك لا تبدو لي إلا جرداء، فسوف تقرأ هذه السطور.
    وسوف يخيل إلي أنني إذ أتركها لك لا أفارقك الفراق كله.
    ولكن كيف نفكر في الموت، والحياة كلها أمامنا؟ مذ عرفتك، أعني مذ أحببتك، تتراءى لي الحياة جميلة نافعة وقيمة حتى أنني لا أريد أن أضيع منها شيئاً.
    سأحفظ في هذه الكراسة كل فتات سعادتي، وهل لي عمل يومي، بعد انصرافك عني، سوى أن أعود فأحيا خاطفة اللحظات الماضيات و سوى أن أتمثلك حاضراً؟ قبل أن ألتقي بك كنت أتألم، وقد ذكرت لك ذلك، كنت أتألم لشعوري بأن حياتي تتقضى بلا عمل، لم يكن عندي ما هو أشد عبثاً من مشاغل هذه الحياة الاجتماعية التي كان يدفعني إليها والداي دفعاً والتي ما أزال أرى صديقاتي يسعدن بها السعادة كلها.
    (المزيد…)

  • النبوءة

    أيها الحبيب! يا حبيبي !
    كنت أنت في هذا العالم قبل سنة مضت..
    وكنتُ أنا..
    أمضي الوقت..وحيدة على الثلج..
    دون أن أرى آثار أقدامك..
    دون أن أسمع السكوت..
    يتهاوى مع رجع صوتك..
    كنت أحصي السلاسل التي تقيدني..
    أعدها حلقة بعد حلقة..
    وما كنتُ أصدق أنها يمكن أن تسقط عني..
    بضربة واحدة منك..
    * * *
    (المزيد…)

  • أنطون تشيخوف – السَّاذجة

    أنطون تشيخوف – السَّاذجة

    منذ أيام دعوت إلى غرفة مكتبي مربية أولادي ( يوليا فاسيليفنا) لكي أدفع لها حسابها.
    قلت لها:
    اجلسي يا يوليا فاسيليفنا.هيا نتحاسب. أنت في الغالب بحاجة إلى النقود، ولكنك خجولة إلى درجة أنك لن تطلبيها بنفسك…حسناً… لقد اتفقنا على أن أدفع لك ثلاثين روبلاً في الشهر….
    – أربعين ..
    -كلا، ثلاثين…هذا مسجل عندي…كنت دائماً أدفع للمربيات ثلاثين روبلاً.
    حسناًلقد عملت لدينا شهرين…
    -شهرين وخمسة أيام …
    شهرين بالضبط…هكذا مسجل عندي…إذن تستحقين ستين روبلاً… نخصم منها تسعة أيام آحاد …فأنت لم تعلمي (كوليا) في أيام الآحاد بل كنت تتنزهين معه فقط…ثم ثلاثة أيام أعياد.

    تضرج وجه يوليا فاسيليفنا، وعبثت أصابعها بأهداب الفستان ولكن..لم تنبس بكلمة!
    -نخصم ثلاثة أعياد، إذن المجموع اثنا عشر روبلاً…كان (كوليا) مريضاً أربعة أيام و لم تكن دروس…كنت تدرسين لفاريا فقط… وً ثلاثة أيام كانت أسنانك تؤلمك فسمحت لك زوجتي بعدم التدريس بعد الغداء…إذن اثنا عشر زائد سبعة- تسعة عشر… نخصم، الباقي… واحد وأربعون روبلاً… مظبوط؟
    واحمرت عين يوليا فاسيليفنا اليسرى وامتلأت بالدمع، وارتعش ذقنها.
    وسعلت بشدة وتمخطت، ولكن.. لم تنبس بكلمة!
    – قبيل رأس السنة كسرت فنجاناً وطبقاً. نخصم روبلين..الفنجان أغلى من ذلك، فهو موروث، ولكن فليسامحك الله! علينا العوض..نعم، وبسبب تقصيرك تسلق (كوليا) الشجره ومزق سترته.. نخصم عشرة….وبسبب تقصيرك أيضاً سرقت الخادمة من فاريا حذاء.
    ومن واجبك أن ترعي كل شيء، فأنت تتقاضين مرتباً.
    وهكذا نخصم أيضاً خمسة…وفي 10 يناير أخذت مني عشرة روبلات.
    فهمست (يوليا فاسيليفنا):
    -لم آخذ!
    ولكن ذلك مسجل عندي!
    -طيب، ليكن…
    – من واحد وأربعين نخصم سبعة وعشرين… الباقي أربعة عشر …
    امتلأت عيناها الاثنتان بالدموع…وطفرت حبات العرق على أنفها الطويل الجميل.
    يا للفتاة المسكينة!
    وقالت بصوت متهدج:
    أخذت مرة واحدة.. أخذت من حرمكم ثلاثة روبلات..لم آخذ غيرها..
    -حقاً؟انظر، وأنا لم أسجل ذلك! نخصم من الأربعة عشرثلاثة، الباقي أحد عشر.. هاهي نقودك يا عزيزتي!ثلاثة..ثلاثة..ثلاثة..واحد، واحد..تفضلي!
    ومددت لها أحد عشر روبلاً..فتناولتها ووضعتها في جيبها بأصابع مرتعشة.وهمست:
    -Merci
    فانتفضت واقفاً وأخذت أروح وأجيء في الغرفة.
    -واستولى عليا الغضب.
    سألتها:
    -Merciعلى ماذا؟
    -على النقود…

    يا للشيطان، ولكني نهبتك، سلبتك! لقد سرقت منك! فعلام تقولين merci؟
    -في أماكن أخرى لم يعطوني شيئاً!
    -لم يعطوكِ؟! ليس هذا غريباً!لقد مزحت معك، لقنتك درساً قاسياً.. سأعطيك نقودك، الثمانين روبلاً كلها!هاهي في المظروف جهزتها لك!ولكن هل يمكن أن تكوني عاجزة إلى هذه الدرجة؟لماذا لا تحتجين؟لماذا تسكتين؟هل يمكن في هذه الدنيا ألا تكوني حادة الأنياب؟ هل يمكن أن تكوني ساذجة إلى هذه الدرجة؟
    ابتسمتْ بعجز فقرأتُ على وجهها:
    ((يمكن!)).
    سألتها الصفح عن هذا الدرس القاسي وسلمتها، لدهشتها البالغة، الثمانين روبلاً كلها.
    فشكرتني بخجل وخرجت…وتطلعت في أثرها وفكرت:
    -حقا ما أسهل سحق الضعفاء في هذا العالم.

    للأديب الروسي أنطون تشيخوف

  • الصَّدَاقّةُ

    ثمَّ قالَ له شابٌ: هاتِ حدِّثنا عن الصَّداقةِ.
    فأجاب و قال: إنَّ صديقُكَ هو كفايةُ حاجاتكَ.
    هو حقلكَ الذي تزرعهُ بالمحبةِ وتحصدهُ بالشُّكر.
    هو مائدتكَ و موقدكَ.
    لأنكَ تأتي إليه جائعاً، وتسعى وراءهُ مُستدفئاً.

    فإذا أوضحَ لكَ صديقٌ فكرهُ فلا تخشَ أنْ تُصرِّح بما في فكركَ من النَّفي أو أن تحتفظ بما في ذِهنكَ منَ الإيجاب.
    لأنَّ الجبلَ يبدو للمُتسلِّق لهُ أكثرَ وضوحاً وكبراً من السَّهل البعيدْ.
    وإذا صَمتَ صديقكَ ولمْ يتكلَّم فلا ينقَطع قلبُكَ عن الإصغاءِ إلى صوتِ قلبه.
    (المزيد…)

  • نَدَباتٌ فِي جَسَدِ اللُّغَةِ والْحُب

    *رعشةٌ في يدي تجتاحُ اطمئنانَ جسدي إلى الراحةِ هذا اليوم. الأمرُ كما لو كانت فكرةٌ كفكرةِ السيفِ تتجسدُ وتقطعُ شرايين العقلِ وتُدمي الدماغ.

    * الآنَ، في هذا الموعدِ من الزمان، يتخلى العدمُ عن خجلهِ، ويفرضُ وجوده في محيطِ أيامي بكلِّ جُرأةٍ وتَمكن.

    *الإنسانُ يُغيِّرُ الأنماطَ وفقَ سلوكياتٍ يبتكرها بقدرتهِ على الخلق، ثم يعزو ذلكَ إلى التطور الطبيعي في الوعيِ الكامن بداخلهِ كإنسان. فيا للغرور.

    * صباحاً أو مساءً. لم يعد ثمة جمالية في أحدهما.
    (المزيد…)

  • السَّأم

    وهُنا لا بدَّ من قولِ بعضِ الكلماتِ عن السَّأم، هذا الشُّعور الذي سأتحدَّث عنه في كثيرٍ من الصَّفحات التي أخطّها.
    فأنا لا أزال أذكر، إذا لم تخنِّي الذاكرةُ، إني قد تألَّمت كثيراً من السَّأم. ولكن يجب علينا أن نتفاهمَ أولاً على ما أعنيهِ بهذهِ الكلمة.

    فهي تعني لكثيرٍ من النَّاس أنها عكسُ التَّسليةِ والتسليةُ تعني الشُّرود والنِّسيان، ولكن السَّأم لا يعني لي عكس التسلية، بل يمكنني القول إنه يشبهُ التسلية في بعض مظاهرهِ وذلك بما يخلِّفه من شرودٍ ونسيان ينتميان بالطَّبع إلى فئةٍ معينةٍ جداً.
    (المزيد…)

  • فِي حَضرةِ الغِيابْ

    الحنينُ مُسامرة الغائبِ للغائبِ، والتفاتُ البعيدِ إلى البعيد.
    الحنينُ عطشُ النَّبعِ إلى حاملاتِ الجرار، والعكسُ أيضاً صحيح.
    الحنين يجرُّ المسافةَ وراءً وراءً، كأن التطلُّع إلى أمام، وقد سمِّي أملاً، خاطرة شعرية ومغامرة.
    فعلُ المضارعِ حائرٌ متردِّد، وفعلُ الماضي النَّاقص معلَّق على سروَة وقفتْ خلفَ تلَّة، على ساقِها الرَّاسخة، والتفَّت بأخضرِها الدَّاكن، وأرهفَت السَّمع إلى صوتٍ واحد: صوت الريح.
    الحنين هو صوتُ الرِّيح.

    وكلما توغلَّتَ في وحدَتك، كتلك الشَّجرة، أخذكَ الحنينُ برفقٍ أموميٍ إلى بلدهِ المصنوع من موادَّ شفَّافة هشَّة، فللحنين بلدٌ وعائلةٌ وذوقٌ رفيع في تصفيفِ الأزهار البريَّة.
    وله زمنٌ منتقىً برعايةٍ إلهية، زمنٌ أسطوري هاديء ينضج فيه التِّين على مهَلٍ، وينامُ فيه الظَّبي إلى جانب الذِّئب في خيالِ الولد الذي لم يشاهد مذبَحة.
    ويطوف بك الحنين، كدليلِ جنَّة سياحي، في أنحاء بلادهِ، ويصعدُ بك على جبلٍ كنتَ تأوي إليه وتتمرَّغ في النَّباتات البريَّة، حتى تتشرَّب مسامُّ جلدكَ برائحةِ المريَمية.
    الحنينُ هو الرَّائحة.
    (المزيد…)

  • ترنيمة – شارل بودلير

    ترنيمة – شارل بودلير

    إلَى الَّتي لا أعزّ ولا أجمَل
    تلك التي تَملأُ قَلبي بالضِّياءِ
    إلى الملاكِ والمَعبودِ الخالِد
    تحيةً لهُ في خُلودهِ
    إنها تَنتشرُ في حياتِي
    كالهواءِ المُشبع بالمِلحِ
    وتَسكبُ في رُوحيَ الظَّامئة
    طعمَ الخُلود
    أيها الحُقْ الدَّائم النّداوةِ
    الذي يُعطِّر الأجواءَ بعطرٍ ثَمين
    يا جمرةً منسيةً تعبقُ سرّاً خلالَ الليلِِ
    كيفَ نُعَبِّرُ عنكَ بصدقٍ
    أيها الحبُّ الذي لا يقبلُ الفسادَ
    يا حبةً من المسكِ ترقدُ
    مختفيةً في أعماقِ أبديَّتي
    إلى التي لا أحلَى ولا أجمَل
    وصانعةَ أفراحِي وعَافيَتي
    إلى الملاكِ والمعبودِ الخالد

    تحيةً لهُ في خُلودهِ.

    أزهارُ الشرِّ-شارل بودلير
    ترجمة: جورجيت وحنا الطيار

  • حَنانٌ

    حنان.متعة، ولكنها أيضاً تقييم مقلق لتصرفات حنونة تصدر عن المعشوق بقدر ما يعي العاشق أنه ليس صاحب امتياز ها الحصري.
    -موزيل:
    1- ليس المقصود فقط الحاجة إلى الحنان، بل الحاجة إلى أن نُظهر الحنان للآخر: نضع أنفسنا في دائرة طيبة متبادلة، يكون واحدنا فيها بمثابة الأم للآخر، ونعود إلى جذور أي علاقة، تلتقي عندها الحاجة والشهوة.
    يقول التصرف الحنون: اطلب مني كل ما يمكنه إرقاد جسدك، لكن لا تنسى بأنني أشتهيك قليلاً، وبشكل خفيف، ولا أريد فوراً أي شيء منك.
    (المزيد…)

  • ممدوح عدوان – طوبى

    طوبى للبَطنِ الرَّافضِ حملاً كي لا يُبقرْ
    طوبى للعاقرِ لم تُنجبْ طفلاً يُذبح فوقَ الرُّكبة
    طوبى للثَّدي النَّاضبِ لم يُرضع طفلاً
    يغتصب الأخوةَ كيْ يفخر
    طوبى للميْتِ في سنواتِ الجوعِ
    فلمْ يقتلهُ أخٌ مغلولُ الَّرقبة
    …ولنا طُوبى
    ولمن أتقنَ أن يتوازنَ في المشي
    وكانَ العالمُ مَقْلُوبَا

    ممدوح عدوان

  • قصيدة كتبت في نسخة لـ ((بيالف))

    بأوقاتٍ عديدة، سألتُ نفسي عن الأسبابِ
    التي دفعتني لأدرسَ، وقتما حلَّت عتمتي،
    دون أمل محددٍ عن الرِّضى،
    لغة الأنجلو سكسون فظة النطق.

    استنفدَت السِّنين ذاكرتي، فأفلتتْ
    قبضتها عن الكلمات التي ردَّدتُها مراراً
    في غير جدوى.وحياتي بنفس الطريقة
    تنسج وتحلّ نسج تاريخها الملول.

    ثم أبلغتُ نفسي: لا بدَّ أن الرُّوح
    لها طريقة سريَّة تكفي لمعرفة
    أن ذلك خالدٌ، أن دائرته الوسيعة، المطوقة
    قد تضمُّ الكلَّ، وقد تبلغ الكل.
    ما وراءَ تلهُّفي، ما وراء هذه الكتابة،
    يترقَّب الكونَ، يدعوني، غير فانٍ.

  • رسالةٌ في الحياة : نبوءة سليستين – ترجمة نيفين الجمل

    رسالةٌ في الحياة : نبوءة سليستين – ترجمة نيفين الجمل

    تمهيد

    هذا الكتاب ملخص ومترجم عن رواية The Celestine Prophecy للمؤلف الأمريكي جيمس ردفيلد James Redfield. يعرض المؤلف حقائق كان لها تأثيراً إيجابياً هائلاً على حياتي وأعتقد أن نفس التأثير يمكن أن يمس حياة آخرين، لذا قمت بتجميع تلك الحقائق ليسهل تبادلها. وتحتم عليّ ترجمتها حتى لا تكون اللغة عائقاً لمن أراد الإفادة منها.

    أهم ما قام به الكاتب هو أنه وضعنا أمام حقيقتنا فإني أرى أنه لا يمكن أن يتحقق أي تقدم بلا حقائق، فكيف يبني إنسان حياته على غير حقائق .. على أوهام إلا إذا أراد الوصول إلى لاشيء.
    وأرى عدم إمكانية تحقيق ما ورد بالكتاب إلا بوجود صلة وثيقة بالله، فما يتوقع تحقيقه هو درجة غاية في الحساسية والصدق مع الذات والآخرين لا تتحقق إلا بالإيمان بالله. وما يدعو إليه الكاتب في تعاملنا مع الآخرين بالحب والتسامح وتقدير الآخرين واحترامهم هو ما يريده منّا الله. والرواية ـ إذا أفادتنا ـ تعيد لنا علاقتنا بأنفسنا وبالتالي بالآخرين.

    أما عن تجربتي كقائمة بالتلخيص والترجمة فإن نتيجة عرضي هذا الكتاب على المجتمع الصغير المحيط بي جاءت إيجابية تماماً مؤكدة لكلمات الكاتب باتساع دائرة المدركين لمحتواه. وقد اتفق البعض على أن الكاتب لم يضيف الكثير ولكنه جمع هذه المعلومات وعرضها مترابطة ربما لأول مرة، بل إن بعض ما تبادلته من أحاديث فاق توقعاتي فقد حدثني البعض عن تجاربهم الشخصية المطابقة لما عرضه الكاتب. أما نسبة المعارضة أو الاختلاف فتكاد لا تذكر ـ ومن الطبيعي المتوقع أن تزداد نسبة المعارضة بازدياد محيط المجتمع المتلقي.

    وعلى كل حال على كل منّا أن يتخذ مما يقرأ ويقابل في الحياة ما يتناسب وثقافته الشخصية، فلكل ظروفه وحياته الخاصة جداً والتطابق غير وارد على الإطلاق وما ينطبق على إنسان لا يمكن أن ينطبق حرفياً على آخر.

    وأخيراً أتمنى أن تؤدي هذه الصفحات المهمة التي كتبت من أجلها، كما أرجو أن ندرك أنه لا سبيل إلى حياة أفضل بدون صراحتنا مع أنفسنا، ولا أتمنى أبداً أن يتسبب الكتاب في مزيد من الصراعات إلا إذا كانت ستؤدي لزوالها!

    نيفين الجمل

    المحتويات

    عودتنا للبحث عن حقيقتنا الروحانية
    المصادفات كجزء من حياتنا
    – التعرف على هدفنا في الحياة
    الطاقةThe Energy Field كجزء من تكويننا المادي
    – رؤية الطاقة
    الصراع الذي يحدث بيننا على الطاقة
    – الحد من عملية الصراع
    – علاقة الحب الإعتمادية
    – كيف ننشئ علاقة عاطفية سليمة
    – التخلص من العلاقة الإعتمادية
    مصادر أخرى للحصول على الطاقة دون صراع
    معاملة الآخرين والأطفال والتواصل في المجموعات
    – الأطفال وحصولهم على الطاقة
    – ما يجب تجنبه عند التعامل مع الأطفال
    – التواصل مع الآخرين
    – كيفية التواصل في المجموعات
    – ما يتسبب في فشل اجتماع ما وكيفية تجنب ذلك
    تصور لحياتنا المستقبلية من وجهة نظر المؤلف

    عودتنا للبحث عن حقيقتنا الروحانية

    يتناول الكاتب التاريخ من منظور جديد فيقول أنه ليس مجرد أحداث تاريخية أو تطورات علمية وتكنولوجية فحسب ولكنه تاريخاً للفكر البشري. بانتهاء العقد الأخير من القرن العشرين نبدأ القرن الواحد والعشرين وننتهي من الألف الثانية من التاريخ، ونبدأ الألف الثالثة، وتطور مشاعر وأفكار الإنسان هو ما يهمنا. يوضح الكاتب هذا المنظور الجديد للتاريخ من خلال عرضه التغيرات التي طرأت على الفكر الإنساني في حوالي الألف سنة الماضية في أوروبا:
    يقول الكاتب:
    تخيل نفسك تعيش في عام 1000 ميلادية تلك المرحلة التي عرفت بالعصور الوسطى. أول ما يجب أن تضعه في الاعتبار هو أن الكنائس كانت تعتبر المصدر الوحيد للسلطة والمعرفة. تخيل نفسك جزء من المجتمع تنتسب إلى إحدى الطبقتين إما الأرستقراطيين أو الفلاحين البسطاء، في كلتا الحالتين أنت تعلم أنك إذا كنت من أبناء الطبقة الأرستقراطية فستبقى كذلك أبداً، وإذا كنت من الفلاحين البسطاء فلن يتغير حالك، وبغض النظر عن الطبقة التي تنتمي إليها أو العمل الذي تعمله فأنت تدرك أيضاً أن الطبقة الاجتماعية ليست سوى شيء ثانوي، فعلاقتك بالله أهم وأمامك أحد الطريقين: اتباع طريق الله أو طريق الشيطان، ولكنك لست وحدك في مواجهة هذا الاختيار بل وإن صح القول فإنك كفرد لست مؤهلاً لأن تتخذ قراراً بهذا الشأن، فهذه مسئولية رجال الكنيسة، إذا اتبعت خطواتهم تأكدت أنك رابحاً في الحياة وما بعدها، وإذا لم تتبعهم فعليك لعنة الله، فالحياة لا تزيد عن كونها اختبار لعلاقتك بالله.
    وقد أعلنت الكنائس ـ كحقيقة علمية ـ إن الإنسان هو محور الكون وأن كل ما في الكون مسخر له، ومن الجدير بالذكر أن تعرف أن الظواهر الطبيعية كانت ترجع أسبابها لإرادة الله إذا كانت خيراً أو عمل من أعمال الشيطان إذا كان في الظاهرة ضرر للإنسان، أما الأسباب العلمية المفسرة لظواهر مثل الأمطار والزلازل وحتى الموت فجميعها أتت في مرحلة لاحقة.

    الآن تخيل أن هذه الحقائق بدأت تنهار في بداية القرن الخامس عشر حين ظهر من الحقائق العلمية ما كذّب ما أشاعه رجال الكنيسة، فقد أثبت علمياً أن الشمس والنجوم لا تدور حول الأرض كما ادعوا بل إن الأرض عبارة عن كوكب صغير يدور حول الشمس في مجرة تشمل ملايين النجوم الأخرى، ففقد الإنسان بذلك مكانته كمركز للكون مما كان له تأثيراً بالغاً عليك كفرد وعلى المجتمع ككل، ولم تعد التفسيرات السابقة لتقلبات الطقس مثلاً أو نمو النباتات أو وفاة مفاجئة لشخص ما مقبولة، وكل ما آمنت به كمسلمات في بدايات القرن أصبح في حاجة إلى تعريفات جديدة وخاصة علاقة الإنسان بربه.
    وهؤلاء الذين عرفتهم كوسيط بينك وبين الله فقدوا مكانتهم تماماً وبدأت تظهر اتجاهات جديدة للكنائس تعتمد على عدم وجود وسيط بين الإنسان وربه، ولكنك تجد نفسك وسط هوجة جماعية تشك في كل شئ بما في ذلك وجود الله، فلِقرون مضت كان رجال الكنيسة يمثلون المصدر الوحيد للسلطة والمعلومات والآن أمام عينيك كل شيء ينهار.
    سؤال كبير بدأ يطرح نفسه عن ماهية العالم تواجهه أنت وجميع من ينتمون للحضارة الغربية. لقد تعودتم وجود سلطة عليا توجهكم في الحياة وبدونها شعرتم بعدم اتزان وضياع، وإذا كان رجال الكنيسة على خطأ فأين الصواب؟ أين الحقيقة؟؟
    وصولاً إلى تلك المرحلة كانت بداية العصر الحديث حيث لم تعد تُقبل أي سلطة مسيطرة، وفقدت حقيقة عالم يحكمه رب. في مقابل ذلك ظهر اتجاه من الباحثين والمكتشفين لاكتشاف العالم بما في ذلك ماهية الله وهدف وجود الإنسان على الأرض. ولكن الأمر ليس بهذه البساطة وإجابة التساؤلات المطروحة ستتخذ زمناً طويلاً لاكتشافها، وإلى أن يحين ذلك الوقت انشغلوا في محاولة للاستقرار في الوضع الجديد والنهوض بمستوى المعيشة وتحقيق الأمان. وهذا ما بدأنا تنفيذه منذ أربعة قرون مضت. واليوم نبدأ في الاستيقاظ من تلك المرحلة بعد أن تمكنّا من تذكر ورؤية ما فعلناه. لقد تحوّلت محاولاتنا للنهوض بمعيشتنا إلى هدفنا الرئيسي، أصبحت أهدافنا الدنيوية هي كل ما يشغل بالنا ونسينا تماماً مقصدنا الأساسي وهو البحث عن الحقيقة، وتهيأ للناس أن سبب وجودهم في الدنيا هو العمل على زيادة رفاهيات الحياة.

    لم تكن مرحلة النهضة الاقتصادية خطئاً منّا فقد ساهمت في تطور هائل في الحضارة الغربية ولولاها لما وصلنا إلى موفقنا الحالي، ولكن كفانا من الوقت ما أمضيناه في النهضة الصناعية، لقد حان وقت البحث عن إجابة السؤال الذي طرحناه منذ قرون مضت: “ماذا وراء وجودنا على الأرض؟ ولماذا نحن هنا؟”.

    المصادفات كجزء من حياتنا

    إن أهم العلل الموجودة في مجتمعاتنا تتمثل في علاقاتنا بالآخرين فمعظمنا له متطلبات تجعل استمرار علاقاتنا الإنسانية لفترة تطول شبه مستحيل، ولكن هذه المشكلة مؤقتة في طريقها إلى الزوال فالكاتب يحدثنا عن تغير محوري ويقظة ستصيب للمجتمع الإنساني بعد سبات عميق استغرق قروناً، يبدأ هذا التغير في تباطؤ ليتحول إدراكنا للحياة من صورته المادية للروحانية، فنحن في طريقنا لاكتشاف بعد جديد للحياة واكتشاف حقيقتها، فهي ليست كما يعيشها معظمنا اليوم.

    تمر علينا أحياناً لحظات نشعر باختلافها عن اللحظات العابرة، لحظات تكون ثرية ملهمة وعميقة نتمنى لو استطعنا إبقاؤها لأطول مدة ممكنة، وعندما تنتهي نشعر بعدم الراحة ونعود لقلق الحياة اليومية مرة أخرى، ولكننا الآن في محاولات للإبقاء على اللحظات الثرية فهي سبيلنا للوصول للحقيقة.
    تتمثل هذه اللحظات في مصادفات تحدث لنا ولكن كثيراً ما لا نلتفت إليها، تلك المصادفات تحمل لنا رسائل ومعلومات يحتّم علينا الوقوف عندها وتأملها، فلا يعقل وجودها مجرد صدفة فأنك تشعر وكأنها قدرك وكأن الله يقودك لطريق ما.
    من المؤكد أنك تشعر أحياناً بالرغبة في تحقيق شئ ما ولكنك لا تدري من أي طريق تبدأ، ثم تحدث مصادفة وتقابل شخصاً أو تقرأ مقالاً أو تذهب لمكان ما تجد فيه بداية الطريق الذي يمكنك أن تسلكه لتحقيق ما أردت. قد يحدث ذلك حينما تكون قد تناسيت الموضوع تقريباً. في مثال آخر تجد إجابة لتساؤل كنت تبحث عن إجابته. إن هذه المصادفات من الدقة والأهمية المصيرية التي تجعلنا نرى أن هذا التدبير المتكامل لا يمكن أن يأتي إلا منه سبحانه وتعالى. التجربة تقودك للأمام وتمنحك الشعور بالغموض والتشويق والحيوية.

    هل حدث مرة أن قابلت صديق مصادفة ــ لم تقابله منذ زمن ــ ثم قابلته مرة أخرى في نفس اليوم أو الأسبوع؟؟ توقف هنا وحاول اكتشاف ما يحمله ذلك الشخص لك أو ما تحمله أنت له، فجميع الأشخاص الذين نقابلهم في حياتنا يحملون لنا رسائل وإلا ما كنّا قابلناهم ولاتخذوا طريقاً غير ما نحن عليه! فلماذا في تلك اللحظة ذاتها حدثت المصادفة التي إذا تأخروا أو تقدموا في التوقيت لحظة لما وقعت؟
    لا توجد صدفة بلا معنى، إن اجتماع أشخاص ما في لحظة معينة له سبب وتعامل هؤلاء الأشخاص مع الموقف هو الذي يوضح السبب أو يغفله عنهم، وعدم التعرف على السبب معناه أنهم لم يستطيعوا تداولها ولا ينفي وجوده.

    هناك بعض العلامات التي تشير إلى أن شخصاً ما سيفيدك التحدث معه، مثل أن تلتقي عينيك بشخص التفت إليك في نفس اللحظة ـ يحدث ذلك كثيراً ولكننا لا نلتفت للأمر، أو أن تشتبه في شخص يبدو وكأنك تعرفه رغم أنك متأكد أنك لم تقابله من قبل، فالأشخاص ذوي الاهتمامات المتشابهة وطرق التفكير المتقاربة تبدو ملامحهم وسلوكياتهم العامة متشابهة ويسهل أن نتعرف عليهم وفي الغالب يحملون لنا رسالة ما. المشكلة تتمثل فينا حين نقاوم رغبتنا في بدء الحديث مع هؤلاء الأشخاص، ولكن حين نسلّم بهذا الواقع الجديد ونستوعبه ستقل مقاومتنا ويهدأ إيقاع الحياة الذي يفقدنا معناها وسنستطيع أن نلتفت إلى ما أغفلناه.

    يقول الكاتب أن هذه الظاهرة ليست جديدة فقد بدأ إدراك الناس لها في مراحل تاريخية سابقة ولكن الاختلاف الآن يكمن في عدد الواعين لها، لقد زاد هذا العدد زيادة ملحوظة في ستينيات هذا القرن وستستمر الزيادة بمعدلات أسرع بمرور الزمن حتى نصل إلى الدرجة التي نتعامل فيها مع هذه المصادفات كظاهرة عادية، وهكذا سيزداد أعدادنا اقتناعاً بما تحمله تلك المصادفات من تحولات مصيرية حتى تصبح ظاهرة جماعية.

    التعرف على الهدف من حياتنا:
    هناك سبب خاص بكل منّا وراء ميلادنا لأسرنا، باكتشاف هذا السبب يتضح لكل منّا هدفه في الحياة والطريق الذي ينبغي علينا أن نسلكه فنبدأ في ذات الوقت اكتشاف هويتنا، يتضح لنا ذلك من خلال المثال التالي:
    “كان الهدف من حياة والد أحد الأشخاص هو تحقيق متعته الشخصية، أما أمه فكانت تؤمن بأن الحياة عطاء وتضحية وكانت تقضي وقتها في خدمة الآخرين ومنكرة لذاتها، كانت تؤمن بأن ذلك مكتوباً عليها، وعندما سئل ذلك الشخص قال إن كل من والديه على حق كما إن كلاهما على خطأ، والسؤال الذي عليه إجابته هو: كيف يمكن الجمع بين الأسلوبين بما إن كلاهما على صواب وكيف يتجنب الخطأ؟ وفي إجابته يتضح الطريق الذي عليه أن يسلكه في حياته.”
    باتباع نفس الطريقة يمكنك تحديد طريقك في الحياة، كما أنك إذا قمت باسترجاع الأحداث التي مرت بحياتك منذ ولادتك وحتى هذه اللحظة كأنها قصة واحدة فستكتشف أنك منذ البداية وأنت تتجه في طريق واحد وصل بك لما أنت عليه الآن. يجب أن تضع في اعتبارك نقاط التحول في حياتك وعلاقتها بالطريق الذي سلكته مثل: اهتماماتك طيلة حياتك؛ الأصدقاء المؤثرون في حياتك؛ المصادفات التي حدثت لك والتي من خلالها واصلت طريقك..الخ، ألم يقودك ذلك كله لهدف ما؟
    بعد ذلك عليك أن تستعد لاستقبال مزيد من المصادفات التي ستساعدك على استكمال مسيرتك فحياتك كلها عبارة عن سلسلة من الأحداث قادتك إلى حيث أنت الآن .. إلى تلك اللحظة التي تقرأ فيها هذه السطور!

    لا تكمن الصعوبة في تفسير المصادفات بقدر ما تتمثل في تحديد السؤال الذي تحتاج لإجابته، ينبغي أن يكون السؤال معبراً عن احتياجك في المرحلة الحالية لحياتك، وما أن تحدد السؤال حتى تظهر لك الإجابات من خلال المصادفات. كل حدث له دلالات وأبعاد ويحمل لك رسالة ترتبط غالباً بسؤالك وعليك أن تكون يقظاً لاستقبالها حتى تصبح جزء من حياتك اليومية، وحين تصل لتلك المرحلة لن تستطيع أن تعود إلى حيث كنت، فسوف تشعر دائما بأن هناك شيئاً مفقوداً .

    أما عن تجربتي الشخصية فأستطيع أن أؤكد أنني لاحظت منذ سنوات أحداث عجيبة تصادفني لم أتركها تمر مروراً عابراً إلا لأن توقفي عندها مهما طال لن أجد به تفسيراً! منذ حوالي ستة سنوات وقع الكتاب تحت يدي مفسراً لي ما عجزت عنه، زاد انتباهي للمصادفات حتى أن دهشتي لها لم تعد تتعدى لحظات، والأمر مهما تكرر لا يمكن إلا أن يدهشك.

    وأقرب مثال يمكنني مشاركته هو سلسلة المصادفات التي تسببت في إعادة كتابة هذا الملخص. بدأت في مكان ومن خلال شخصية لا أمت لأي منهما بأي صلة الآن! كان تواجدي في المكان هو سبب معرفة هذه الشخصية والتي علمت باهتمامي بالكتابة فأهدتني عدداً من مجلة لا تتداول في السوق وأكدت عليّ الاتصال بفلانة لأخبرها برأيي في المجلة، قرأت المجلة وأعجبتني جداً وفكرت في أن أشارك فيها بمقال يتناسب وموضوعات المجلة، اتصلت بفلانة عارضة عليها الأمر واكتشفت أنها لا تعمل بالمجلة ولا تعلم عن صاحبها شيء منذ زمن ليس بقصير ولكنها تستطيع أن تعطيني رقم التليفون رئيس التحرير ــ ولا أخفي أن فلانة هذه فتحت لي باباً جديداً لمصادفات في اتجاه آخر لا أريد الإطالة عليكم بسرده هنا!
    حاولت بالفعل الاتصال برئيس التحرير وكما توقعت فلانة تغيرت الأرقام، فكرت في استخدام أرقام التليفونات المنشورة بالمجلة، وحينما اتصلت رد علي رئيس التحرير شخصياً واكتشفت أنه حوّل هذا الرقم إلى منزله بعد أن حكى لي قصة توقف إصدار المجلة! ورغم انتفاء سبب الاتصال ـ نشر المقال ـ إلا إن حديثنا انتهى إلى التعاون معه بصفتي عضو في جمعية أهلية أعضاؤها من الشباب وكان هو في حاجة لعدد من الشباب لتنفيذ مشروع ما! وفعلاً اجتمعنا عدد من المرات كانت كافية لأن أقرر إهدائه نسخة من الملخص الذي أهديه لكل من أجد لديه الاستعداد لاستيعابه.
    وحين اتصلت به بعد ذلك قال أنه أعار الملخص لصديق له يعمل في مجال النشر وأنه أعجب به كثيراً وطالبني بإعادة كتابته حتى يسهل وصوله لشريحة أكبر من المجتمع، ويعني ذلك رغبته في نشره! وإذا عدت إلى بداية خيط المصادفات لاكتشفت أن البداية لا ترتبط بما وصلت إليه على الإطلاق ولكن لولا أني قرأت المجلة (بحثاً عما يمكن أن تحمله لي) لما تعرفت على الناشر.
    هذه المصادفات أدت بي إلى إعادة صياغة الكتاب وإن كنت لم أستطع مقابلة ذلك الناشر حتى اليوم! ولكني اتبعت المصادفات على يقين أن فيها خيراً لي قد يختلف عما أريده لنفسي، فاليوم وبعد مرور سنوات من تلك الأحداث صادفت ناشر آخر لأطلعه على النسخة الجديدة!

    أصبحت حياتي سلسلة من المصادفات أتوقعها كجزء طبيعي من الحياة ولا أبالغ إذا قلت أني أعتمد عليها لتوجهني أحياناً في بعض الأمور إن لم يكن كلها.

    The Energy Field
    الطاقة كجزء من تكويننا المادي

    يقول الكاتب أن الكون في جوهره عبارة عن طاقة وما يحدث فيه من تفاعلات بين البشر هي تفاعلات تلك الطاقة. من خصائص هذه الطاقة أنها تتأقلم وفقاً لنوايا الإنسان وتوقعاته فيقول أن بتوقعاتنا تتوجه طاقة من داخلنا لتؤثر في العالم الخارجي محققة لهذه التوقعات، من هنا جاءت علاقة المصادفات بالطاقة ومن ثم بإجابات تساؤلاتنا.

    يحدثنا المؤلف عن علاقة تلك الطاقة بالجمال فيقول أن ما نراه جميلاً يختلف من شخص إلى آخر ولكننا نشترك جميعاً في الإحساس بالجمال، بمعنى إننا إذا صادفنا شيء جميل فإننا نشعر بأن ذلك الشيء أكثر حضوراً وبريقاً عن غيره الأقل جمالاً، وأن علاقتنا بما أو بمن نشعر بجماله تتميز عن غيرها من العلاقات ويوضح الكاتب حديثه من خلال تجربة يتم إجراءها على النبات:
    اكتشف العلماء وجود طاقة تحيط بكل نبتة سميت بـ Energy Field أو Aura الأورا، وأن النبات والأورا المحيطة به يكونا معاً نسقاً حياً واحداً، ووجدوا أن صحة أي جزء من أجزاء النبات تؤثر في صحة النبات ككل ويظهر ذلك في الأورا.
    أدت دراساتهم وملاحظاتهم إلى نتائج مذهلة، فقد توصلوا إلى أن النبات الذي يحظى بحب واهتمام وانتباه آدمي ينمو بشكل أفضل، يتمثل هذا الاهتمام في تقليب التربة حول النبات أو إلقاء نظرة على النبات بشكل منتظم، بل أنهم أثبتوا بالتجارب العلمية أن النبات من الممكن أن ينمو أسرع وبشكل أكثر صحة إذا طلب منه صاحبه ذلك بشكل منطوق مع التركيز بكل حواسنا أثناء التجربة.

    رؤية الأورا Energy Field :
    يقول الكاتب أن هذه الطاقة تحيط بجميع الأجسام سواء كانت كائناً حياً أو جماد وبما في ذلك الإنسان، وأن هذه الطاقة يمكن رؤيتها بالعين المجردة ولكن الأمر ليس يسيراً، كما أن المرة الأولى تكون الأكثر صعوبة حيث تحتاج إلى التدريب على طريقة معينة للتركيز بالعين، إذا نجحت في المرة الأولى يمكنك تكرار المحاولة أكثر من مرة، وقد ثبت وجود فترتين في اليوم هما الأكثر ملائمة وسهولة لرؤية الأورا وهما عند شروق الشمس وغروبها، كما يسهل رؤيتها إذا كان طعامك نباتياً خاصة في اليوم الذي تقوم فيه بالتجربة.
    يمكنك أن تحاول رؤية الأورا بأن تركز نظرك على أصابع يديك بحيث تكون في الخلفية السماء زرقاء ثم حاول أن تلامس أطراف السبابتين من يديك الاثنتين، والآن حاول أن تفصلهما بحيث تكون المساحة بينهما حوالي سنتيمترين اثنين، كرر هذه المحاولة بتقريب وإبعاد أصابعك ثم قم بلمس أصابع يديك جميعها بنفس الطريقة، إذا نجحت فسوف ترى أشعة من الضوء تحيط بيديك وأصابعك كما يبدو في الشكل التالي:

    الشكل

    يمكنك أن تصل إلى نفس النتيجة إذا قمت بنفس التجربة على أن يكون في الخلفية أي مسطح أبيض وتكون الإضاءة غير مباشرة.
    إذا نجحت في تكرار التجربة يمكنك أن ترى الأورا الخاصة بالآخرين أو بأي شئ آخر، يساعدك على ذلك أن تتعرف وتصطحب آخرين يستطيعون رؤية الأورا. ويضيف الكاتب أن كل شئ يحيط بنا لديه طاقة حتى الأماكن التي نزورها، بل إن بعض المناطق تُعرف بأن الطاقة الخاصة بها أفضل من غيرها من الأماكن، فالمناطق الطبيعية وخاصة الغابات طاقتها أكثر غنى.
    —————————
    الشكل مأخوذ من كتاب بعنوان Hands of light للمؤلفة Barbara Ann Brennan .

    الصراع الذي يحدث بيننا على الطاقة

    يفسر لنا المؤلف الصراع الذي يحدث بين البشر وعلاقته بالطاقة. عندما تتناقص طاقاتنا عن معدلها الطبيعي نشعر بالضعف وعدم الأمان فنبدأ في البحث عن الطاقة لتعويض ما نقص في المصدر الوحيد المعروف لدينا وهو الاستيلاء عليها من الآخرين، إن السبب الرئيسي وراء رغبة الإنسان في التحكم في الآخرين هو الحصول على الطاقة، يحدث ذلك من خلال حيل نفسية تصدر غالباً من اللاوعي، هذا هو ما وراء جميع الصراعات في العالم على المستوى الفردي وحتى صراع الأمم، من صراع أفراد الأسرة الواحدة والصراع على الرزق إلى صراعات على مستوى الدول بما في ذلك الحروب.

    يعتقد الناس أن من حقهم التحكم في الآخرين، وكل ما يعرفونه أنهم يشعرون بالضعف ويزداد شعورهم بالقوة بتحكمهم اللاإرادي في غيرهم، ولا يدركون أن شعورهم بالقوة هذا يكون على حساب سرقة الطاقة من الآخرين.
    هل يمكن أن تتخيل أن معظم الناس يعيشون حياتهم اعتماداً على استيلاء الطاقة؟ إن معظم العلاقات الإنسانية تتحول إلى صراعات يتحكم فيها إنسان في آخر، كما أصبح خداع الناس لأنفسهم وللآخرين أمراً ملفتاً للانتباه، ولكننا سنعمل على تحويل عملية الصراع أو سرقة الطاقة من مرحلة اللاوعي إلى مرحلة الإدراك لننتهي منها.

    للحد من الصراع (ثلاث خطوات):
    1. يجب أن نعترف وندرك أننا جميعاً ودون استثناء نقوم بسرقة الطاقة ممن حولنا مع اختلاف في الدرجة والطريقة.
    2. الخطوة التالية هي أن نتعرف على الطرق من خلالها تسرق الطاقة:
    يسمي المؤلف هذه الطرق بـ”الدراما التحكمية ” Control Drama، يطلق عليها “دراما” لأنها تتكرر في حياتنا اليومية مثل تكرار مشهد سينمائي مئات المرات، والمشكلة تكمن في هذا التكرار الذي يعوق المشاهد الحقيقية لحياتنا ويعوق ملاحظتنا للمصادفات فنظل منحصرين داخل دائرة مغلقة دون تقدم، وقد حدد الكاتب أربعة أساليب:

    الإكراه أو التهديد Intimidator:
    بهذه الطريقة يجبر الإنسان الآخرين على الانتباه إليه بتهديدهم تهديداً معنوياً أو مادياً فيخضعوا لسيطرته تخوّفاً من العواقب، إن مجرد الانتباه لحديث هذه النوعية من الناس كفيل بأن يحوّل جزءاً كبيراً من الطاقة إليهم.
    يبرر صاحب هذه الطريقة سلوكياته بأنه يدافع عن نفسه، فإنه يتصور أن الناس أو المجتمع يلاحقونه وإذا لم يجد من الناس من يطبق عليه مخاوفه تنتابه حالة من القلق الشديد فيحاول جاهداً الحفاظ على صورته الذهنية باحثاً عن أناس يصلحون لأن يتخيلهم في ملاحقته! هذه حالة مستعصية موجودة من قديم الأزل، وهو السلوك الوحيد الذي تعلّم صاحبه أن يطغى على عقله وينسيه مخاوفه الحقيقية، كما أنه يسهم في إفراز مادة الأدرينالين التي تساعد على تخفيف الإحساس بالقلق والخوف في اللاوعي مما يشعر صاحب الأمر ببعض الراحة على الأقل بعض وقت.

    الاستجواب Interrogator:
    هو نوع آخر من دراما التحكم يعمد مستخدمه إلى طرح سلسلة من الأسئلة بهدف محاولة إيجاد الخطأ فيما يفعله أو يقوله الطرف الآخر، وحين يجد ما يبحث عنه يبدأ في نقد تلك الأخطاء ويصبح الطرف الآخر جزءاً من الدراما ويجد نفسه واضعاً للمستجوب اعتباراً كبيراً ليتجنب الوقوع في الخطأ المتهم فيه، وبهذا تتحقق أهداف المستجوب ويصبح الطرف الآخر تحت تصرفه تماماً ويستمر المستجوب على هذا المنوال ليستمد إحساسه بذاته.
    ألم تقابل شخصاً كهذا من قبل؟ شخص يجعلك تحكم على نفسك من خلال رأيه فيك؟؟ ألم تشعر أن هناك من الأشخاص من تتصرف في وجودهم بألف حساب حتى تتجنب نقدهم لك؟

    الانطوائية Aloof:
    يعيش الشخص الذي يلجأ لهذه الطريقة حالة من الغموض والكتمان والعزلة لإثارة فضول الآخرين والحصول على انتباههم، يقنع هذا الشخص نفسه بضرورة الحذر في المعاملة مع الآخرين، ولكن في داخله يتمنى أن يتنبه إليه أحد ويحاول أن يتعرف على ما بداخله، وحين يقوم أحد بالاقتراب منه يصر على كتمانه وغموضه مما يدفع الآخرين إلى بذل مزيد من الجهد لاكتشاف أسراره ويكون انتباههم الكامل وبالتالي طاقتهم موجهة إليه، وإن باح بشيء يكون أقل القليل حتى تتكرر الدراما ويحصل هذا الشخص على ما يريد من اهتمام الآخرين له واستنزافهم.

    المسُكَنة Poor Me:
    ما يحدث هنا عبارة عن محاولات لاستدرار عطف الآخرين وهي طريقة غاية في السلبية يبدأ أصحابها في إيحائك بأن كارثة ما سوف تحل عليهم وأنك أنت المسئول! وإذا رفضت المساعدة يوهمونك بأن الأمر سيزداد سوءاً بسببك!
    من المؤكد أنك قابلت من جعلك تشعر بالذنب بمجرد تواجدك معه بنفس المكان! حتى وإن كنت تدرك أنه ليس هناك مبرر على الإطلاق وراء شعورك هذا، ولكنهم يفرضون عليك الإحساس بالمسئولية تجاههم فيحتم عليك مساعدتهم أو مشاركتهم مشكلاتهم أو دفاع المسئولية عن نفسك!

    المتطرفين في هذه الدراما لا يجلبون على العالم سوى اليأس والوحشية برغبتهم في الهرب من مشكلاتهم، وهو حال مستخدمي المواد المخدرة الذين يعتقدون أنها تساعدهم على التخلص مما يقلقهم ويخيفهم من مسئوليات، وفي الحقيقة أن المواد المخدرة تعطي شعوراً يشبه إحساسنا عند التشبع بالطاقة، ولكن مشكلة هذا الإحساس الخادع أن جسم الإنسان يقاوم الكيماويات المخدرة فيحتاج المرء إلى زيادة الجرعة في كل مرة من أجل الوصول إلى نفس التأثير مما يعمل على تدمير الجسم، من نفس المنطلق يدمر البعض أجسادهم بتناول كميات كبيـرة من الطعام الذي يحتـوي على الدهـون.

    إن سبب اللجوء إلى دراما التحكم بالآخرين هو الخوف، الخوف من الإحساس بالضعف، الخوف من المسئولية والاضطرار إلى مواجهة الحياة بمشكلاتها أو مواجهة الواقع، يصاب بعض الناس بشلل في الحركة والفكر إذا لم يجدوا الطريقة التي يتخلصون بها من مخاوفهم ويحولونها إلى اللاوعي ويمارسون دراما التحكم بالناس والتي لا يعرفون لها بديلاً. بعضهم يصل إلى قمة الانغماس في روتين الدراما التحكمية حتى إنهم يفشلون في إدراك غيرها.

    إن بداية لجوءنا للدراما التحكمية تكون في طفولتنا، فلمعظم أفراد أسرنا طرقهم التي حصلوا بها على الطاقة منّا نحن أبناءهم، وللأسف الشديد هذا النوع من العنف والجرائم النفسية يحدث طوال الوقت منذ بدء الخليقة، أحياناً يحدث بحسن النية فيدّعى البعض أنهم يقومون بالسيطرة على الأطفال لصالحهم، ولكن النتيجة تكون واحدة: القضاء على النمو الصحي الطبيعي لهؤلاء الأطفال، وهذه هي بداية سلسلة لا نهائية من الصراع البشري.

    ويحذرنا الكاتب مما يمكن أن يقع فيه معظمنا، فأغلبنا سيحاول التعرف على الدراما التحكمية الخاصة بمن نتعامل معهم في نفس الوقت الذي ننفيها عن أنفسنا، ولكن في الواقع لا يفلت أحدنا من اللجوء إلى إحدى هذه الطرق على الأقل، وأغلبنا يلجأ لأكثر من طريقة باختلاف المواقف والشخصيات التي نتعامل معها ولكن يغلب على كل منا إحدى الطرق وكانت غالباً هي الأكثر نجاحاً في استرداد الطاقة من أُسرنا.

    3. أما إذا استطعنا أن نتواصل مع أنفسنا وأدركنا حقيقة علاقتنا مع الآخرين فالخطوة التالية للتوقف عن ممارسة الدراما التحكمية هي أن نعود بذاكرتنا للبحث عن بداية تكوين الدراما، ثم نقوم بمراقبة أنفسنا لنتعرف على نوعية الدراما التي نلجأ إليها، وبعد ذلك يسهل التخلص أو الحد من اللجوء إليها، بعدها تبدأ حياتنا في الانطلاق وتصبح أكثر عمقاً ويصبح لها معنى.

    علاقة الحب الإعتمادية

    الدراما التحكمية مثلت الطرق السلبية في الحصول على الطاقة، هذا لا ينفي وجود طريقة إيجابية ولكنها غير صحية بالمرة، مثل أن يكون المصدر الأساسي أو الوحيد لأحد الأشخاص هو شخص محدد من خلال علاقة حب. لا يمكن أن تكون تلك العلاقات صحية حتى قبل أن تتحول لصراع، وذلك لأن الطرفين أو أحدهما يعتمد اعتماد أساسي للحصول على الطاقة من الطرف الآخر ولا يرضيه غيره وبدونه يشعر بالنقص وعدم الاتزان والإرهاق الشديد وفي الحالات القصوى يتحول نقص الطاقة إلى مرض، لا يشترط أن يحدث ذلك في علاقة حب بين رجل وامرأة، قد يحدث في علاقة صداقة، أمومة، أبوة، أخوة أو غير ذلك من العلاقات الإنسانية.
    في حالات الدراما التحكمية وعلاقة الحب الاعتمادية يتوقف نمونا الروحي، للأسف هذه العلاقات شائعة حتى أننا كثيراً ما نتساءل: ما الذي يحوّل علاقتنا إلى صراع؟
    ويطرح المؤلف الإجابة كما يلي:
    عندما تكون العلاقة في بدايتها يحدث تبادل للطاقة بين الطرفين ويكون إحساسهم رائعاً حينذاك، هذا هو ما يسمى “الوقوع في الحب”، ولكن حين يعتمد كل منهما على الطاقة المنبعثة من الآخر اعتماداً كلياً يفصلان بذلك أنفسهما عن الطاقة الكونية ثم يكتشف كل منهما عدم القدرة على مواصلة تبادل طاقة الحب بشكل اعتمادي، فيتوقفان ويعودان للدراما التحكمية فتتحول العلاقة للصراع المعتاد.
    إن كل منا ـ بتعبير الكاتب ـ نعيش على هيئة حرف C ونكون على استعداد كبير لاستقبال الطاقة من الجنس الآخر كنصف دائرة تتوق لاكتمالها، وحين يحدث التقاء الدائرتين أو الشخصين يبدأ ما يسمى بالعلاقة الاعتمادية والتي تتحول سريعاً إلى صراع، فحينذاك نحصل على شكل O الذي يمثل تكويناً واحداً أو شخصاً واحداً ـ كما يتصوره الكاتب ـ له رأسين كلاهما يريد إدارة هذا التكوين الذي شاركا في تكوينه وكأن هذا التكويـن حقـاً شـيئاً واحداً! ولكن هذه العلاقة لا يمكن أن تستمر، كان بالإمكان تحقيقها حين كان أحد الطرفين على استعداد للتنازل ـ غالباً كانت المرأة وأحياناً الرجل ـ أما اليوم فلم يعد لأحد الاستعداد للتنازل.

    بدأت المشكلة ـ كما سبق وأشرنا ـ منذ صراع الآباء والأمهات مع أبنائهم على الطاقة، فحاجة الأطفال الأساسية من الطاقة يستمدونها من أبويهما إلى أن يصبحوا قادرين على الحصول عليها بأنفسهم، ولكن حصول الطفل على الطاقة من الجنس المخالف له أمر ليس بيسير، بمعنى أنه يصعب على الطفلة الحصول على احتياجها من طاقة من والدها وكذلك حصول الطفل على الطاقة من أمه، وحين يستعصي على الطفلة الحصول على الطاقة من والدها تحاول تعويض ما افتقدته بالاتجاه إلى شخص آخر غير والدها وتركيز مشاعرها عليه ـ كذلك بالنسبة للطفل ووالدته ـ وهو ما يتسبب في إنشاء علاقات اعتمادية غير صحية.

    كيفية ننشئ علاقة عاطفية سليمة؟
    1. يمكننا تجنب العلاقة الإعتمادية إذا قاومنا الوقوع في الحب من أول نظرة، يساعدنا على ذلك أن نتعلم التعامل مع الجانب الإنساني في الجنس الآخر أي التعامل معه كإنسان أكثر منه نوع فيحدث تبادل للطاقة ولكنه يكون عطاء غير شرطي تقديراً لقيمة ذات الإنسان وخالياً من أي نوايا.
    2. لا تقلق فإنك تستطيع أن تقيم علاقة من الحب طبيعية وسليمة ولكن ليس قبل أن تدرك أن مصدر الطاقة الذي ستلجأ إليه لتكتمل دائرتك هو مصدر طبيعي من الطاقة الكونية (كما سنعرف لاحقاً)، فإذا نجحت في الاعتماد على الطاقة الكونية لن تتعرض لتلك المشكلة أبداً وحين تكون في بداية علاقة عاطفية ستكون علاقة جميلة صحيحة لن تجرفك عن مسارك الفردي.

    التخلص من العلاقة الإعتمادية:
    ليس من السهل إذا كنت في منتصف علاقة اعتمادية أن تتخلص منها، فالعملية مؤلمة ولكن إجراؤها ضرورة حتمية، وأول ما يمكنك أن تقوم به هو التواصل مع الطاقة الكونية كمصدر آخر ـ والذي سيوضح كيفيته لاحقاً ـ ثم التركيز على موقفك الحاضر في الحياة والبحث عن رسالتك وطريقك السليم الذي فقدته.

    مصادر الحصول على الطاقة
    الطبيعة :

    تجربة خاصة بالمؤلف :
    “كان اليوم ساطعاً، الشمس مشرقة والسماء زرقاء ناصعة، إحساسي بجسدي مختلف، ظهري ورقبتي ورأسي في استقامة شديدة دون أن أبذل أي مجهود يذكر، ومن وضعي الجالس مربع الساقين استطعت الوقوف دون الاستعانة بذراعي، كنت أشعر بوزني غاية في الخفة وعندما نظرت للأفق وشاهدت الجبال عن بعد لاحظت أن القمر النهاري موجودًا وعلى وشك الغروب، كان يبدو ربعه شبه مكتمل معلق في الأفق على هيئة صحن مقلوب، وسريعاً ما أدركت سبب اتخاذه تلك الهيئة، فكما نعلم جميعاً أن الشمس على بعد ملايين الأميال ..كانت فوقي تماماً وكانت تسطع فقط على الجزء العلوي من القمر، كان بوسعي أن أحدد الخط الفاصل بين أشعة الشمس الواقعة على سطح القمر وبين الجزء الغير مضيء منه وهذا الإدراك جعل شعوري بما حولي يمتد إلى الأفق الشاسع.
    هذه الحالة سريعاً ما زادت من شعوري باستقامة جسدي وراودني إحساس غريب بالمساحة الموجودة فوق رأسي وكأنها هي نفسها موجودة تحت قدمي في الجانب الآخر من الكرة الأرضية، ولأول مرة في حياتي أكون على يقين بدوران الأرض ليس كنظرية علمية ولكن كإحساس فعلي، هذه الدرجة من الإدراك والإحساس بالكون أثارتني بشدة وفي الوقت ذاته كانت تبدو طبيعية تماماً وكل ما كنت أريده حينذاك هو أن أزيد من إحساسي بأنني جزء من الطبيعة.
    وبدلاً من أن أدفع نفسي الجالسة بقدمي عن الأرض ضد جاذبيتها كان إحساسي أقرب منه إلى أن شيئاً ما داخلياً يجذبني لأعلى، مثلي كمثل بالونة مليئة بغاز الهليوم بدرجة كافية بالضبط لوقوفي على الأرض، إحساس يقارب إحساسك بعد عام من التمرينات الرياضية المكثفة فقط أكثر نسقاً وخفة.
    ومن مكاني فوق الجبل ونظرتي للأفق كنت أدرك كل ما حولي كجزء منّي وكان شعوري وكأن ما أعرفه كجسدي ما هو سوى رأس لجسد أعظم حجماً يتكوّن من كل ما هو حولي، لقد كان شعوري وكأن الكون بأجمعه يراقب نفسه من خلال عيني.”

    يرى الكاتب أن هذه التجربة هي مفتاح تخلصنا من صراعاتنا، فهي اكتشاف لمصدر من الطاقة سنتعلم كيفية اللجوء إليه حينما نشاء، يمكنك إتباع الخطوات التالية:
    1. عليك أن تركز على الطبيعة المحيطة بك مثل الأشجار بألوانها التي تبدو أكثر نضارة واخضراراً، ذلك الجمال النادر.
    2. ثم حاول أن تتذكر كيف تبدو لك الأشياء حينما تكون في حالة الغنى بالطاقة والتي فيها يمتلأ إحساسك بالسلام الداخلي وحب الحياة.
    3. ثم حاول أن تتصور أنك جزء من كل ما هو حولك مهما بعدت مسافته.
    4. ثم حاول أن تحصل على قدر من الطاقة التي تواصلت معها فإن ذلك يشعرك بالحيوية والسلام النفسي وحب كل ما هو حولك.

    يمكنك التأكد من نجاحك في هذه العملية إذا كنت توصلت إلى حالة من الحب والسكينة التي قصدناها في البداية، فالحب هو العاطفة التي نشعر بها عندما نتواصل مع الطاقة ومن المؤكد أن هذه العملية نافعة للعالم بأجمعه وإن كانت فائدتها تعود بالنفع بشكل مباشر علينا.
    عندئذ ستشعر باختلاف نوعية أفكارك، فالأفكار التي كنت اعتدتها من قبل ـ والتي كانت تعوق استيعابك للمصادفات ـ تختفي بتواصلك مع الطاقة الكونية، وبتخلصك من الدراما التحكمية تبدأ نوعية أخرى من الأفكار في احتلال مكانها، أفكار تمثل حدسك ولكنها في شكل جديد، فقد تشهدها مثلما تشهد حلم يقظة أو مثل بعض التصورات التي تراودنا ولا ندري من أين جاءت، ولكنها تأتي لإرشادك لشئ معين، إذا التفتنا لتلك التصورات وتساءلنا: “لماذا راودتنا هذه التصورات الآن؟ وكيف ترتبط بتساؤلنا الحالي؟” من الممكن أن يكون لها تأثيراً كبيراً على حياتنا.
    في البداية علينا أن نوقف أي تصورات تخيفنا وتعيقنا، فإذا نجحنا في وقف التصورات السلبية تبدأ تصوراتنا الإيجابية في الظهور، وما يأتي بعد ذلك مما قد يثير القلق يجب أن يؤخذ في الاعتبار، وينطبق ذلك على الأحلام وما تحمله لنا من رسائل وخاصة الأحلام الغير سارة.

    إن الحصول على الطاقة من الطبيعة يمنحنا كل ما نريد، ولكن عندما نتحدث مع شخص لم يصل بعد لمستوى الإدراك الذي وصلنا إليه، أو بمجرد العودة للحياة حيث الصراع ما زال على الطاقة الإنسانية نفقد تواصلنا مع الطاقة الكونية ونعود إلى المستوى الذي بدأنا منه (كما إن إحساسنا بالخوف يسبب الشيء نفسه) ولكن علينا ألا نكف عن المحاولة علماً بأن التقدم سيكون بطيئاً في أوله ولكن النتيجة غاية في الروعة.
    ويجدر بنا الإشارة إلى أنه عندما تكون غنياً بالطاقة ثم تسمح لها بالتناقص المفاجئ يسبب ذلك معاناة جسدية وهذا يفسر علاقة الضغوط النفسية بالأمراض العضوية. وهكذا فإن تواصلنا مع الطاقة الكونية لا يرتبط فقد بحالتنا النفسية بل بحالتنا الصحية أيضاً، لذا عليك أن تتوقف كل حين وآخر للتواصل مع الطاقة الكونية حتى لا تفقد اتجاهك السليم فطالما حافظت على درجة الاكتفاء الذاتي لا يستطيع أحد أن يؤثر على حالتك إلا بالقدر الذي يمكنك أن تعوض نفسك به، فالطاقة المفقودة تصنع في نفس الوقت تياراً يسمح بنفس المعدل من الطاقة الكونية بتعويض ما فقد، وبهذه الطريقة يظل معدل الطاقة ثابتاً، وبمرور الوقت يصبح فقدنا للطاقة مؤقتاً، ومن أجل الوصول لذلك المستوى ينبغي أن نكون دائماً واعين في التعامل مع الآخرين فلا نسمح لأحد المساس بطاقتنا.

    الطعام: الطعام هو الخطوة الأولى لحصولنا على الطاقة، ومن أجل الاستفادة الكاملة من طاقته لابد وأن نقدر أهميته ونشعر بقيمته، والتذوق هو المدخل إلى ذلك، إن الصلوات التي تسبق تناول الطعام والتي يحث عليها أغلب الأديان ليس الهدف الوحيد منها هو شكر الله على نعمته ولكن أيضا لتحويل عملية تناول الطعام إلى عملية مقدسة تنقل الطاقة من الطعام إلى أجسادنا، وإذا اعتدنا على القيام بذلك نصبح أكثر حساسية تجاه الحصول على الطاقة من المصادر الأخرى الطبيعية.

    معاملة الآخرين والأطفال والتواصل في المجموعات

    الأطفال وحصولهم على الطاقة:
    إن مصدر الطاقة الرئيسي للأطفال من آبائهم أو أولياء أمورهم حتى يتعلمون الحصول على الطاقة الكونية لذا فهم في حاجة إلى طاقاتنا واهتمامنا بشكل مستمر وثابت، بشكل غير شَرطي أو اعتمادي فلا ينبغي أن نتحمل مسئولية عدد من الأطفال أكثر من قدرتنا على العطاء فنتسبب في بداية صراع الأطفال على احتياجاتهم من وقتنا واهتمامنا.
    في كثير من المجتمعات يشكل الأطفال مجموعات عصابات، وأحد الأسباب وراء ذلك هو زيادة عدد الأطفال في الأسرة الواحدة مما يشعر بعضهم بعدم الرضا عن القدر الذي يحصلون عليه من اهتمام فيلجئون إلى أقرانهم لتعويض ما يفتقدوه، هذه المشكلة أكثر خطورة مما يتخيل الكثيرين فأغلب الناس يستمتعون بفكرة الأسر الكبيرة، ويعتقد البعض أن نمو الأطفال في وجود أطفال آخرين أمر يفيدهم رغم أن الأطفال في حاجة للتعلم منّا نحن البالغون وليس من أطفال أمثالهم.

    وسوف يتعلم الإنسان في يوم ما أن يمتد عطائه في محيط أكبر من أسرته الصغيرة بحيث يستطيع منح اهتماماً لأطفال غير أطفاله، فالاهتمام المقصود لا يقتصر على الأب والأم بل ومن الأفضل ألا يقتصر عليهم، فإذا انشغلت الأم فليتواجد الأب أو الأخت أو الجدة أو أي شخص يمكنه أن يمنح الطفل إجابات لتساؤلاته ويعطيه اهتماماً وحباً حميمين مما يجنبه اللجوء إلى التظاهـر أو الكـذب كوسائـل لجـذب الانتباه، المهم أن يُمنح الأطفال اهتمامنا مهما كان الموقف كأن ندعوهم لمشاركتنا أحاديثنا خاصة الأحاديث التي يكونوا هم جزء منها.
    ومطلوب أيضاً عدم إخفاء أي حقائق عن الأطفال ومحاولة تبسيط المعلومات التي يتساءلون عنها في لغة يستطيعون فهمها، فعندما يسألك الطفل سؤالاً تعامل معه بجدية وحاول أن تتجنب رغبتك في تحويل الأمر إلى مزاح والذي كثيراً ما نلجأ إليه هرباً من بذل جهد التبسيط، إننا مسئولون عن إيجاد إجابات لتساؤلاتهم الأمر يحتاج فقط إلى بعض من تفكيرنا.

    ما يجب تجنبه عند التعامل مع الأطفال:
    إن أسوأ ما يمكن أن نفعله مع الطفل هو سرقة طاقته أثناء تصويبه عند الخطأ فهذا هو ما يتسبب في خلق الدراما التحكمية لديه، والأسوأ من ذلك ما نقوم به من اختلاق حكايات غير حقيقية نقصّها على الأطفال فيصدقونها ونستمتع نحن بذلك اعتقاداً منّا أن الواقع أكثر تعقيداً من قدرة الطفل على الفهم، وهذا غير صحيح بالمرة لأن أي حقيقة في الدنيا يمكن التعبير عنها بلغة يفهمها الطفل. كما أننا نضرهم برفضنا الاعتراف لهم بأن هناك إجابة ما لا نعرفها، من المفيد للطفل أن يعرف أن والديه لا يعرفا كل الإجابات وأن عليهما البحث عنها مثله، من الأفضل أن يعترفا بذلك قبل أن يكتشف الطفل الحقيقة ويتحوّل الأمر إلى خيبة أمل طفل في والديه.
    هذا لا يمنع أن نمرح ونلعب مع الأطفال ألعابهم الطفولية ولكن الفرق هو أننا حينما نلعب معهم يكونوا على وعي بذلك. كل هذا ينمي في الطفل ثقته بنفسه كما يضمن حصوله على الطاقة بشكل دائم حتى يعتاد حالة السلام النفسي ويسهل عليه فيما بعد التواصل مع الطاقة الكونية.

    يجب على أفراد الأسرة بعد مرحلة الطفولة التواصل مع أولادهم بالحديث خاصة الأب مع ابنته والأم مع ابنها، فالابنة تتخيل أن والدها إنسان مثالي ولكنه يجب أن يكون واضحاً وصريحاً بمعنى أنه يجب ألا يخفي عنها الحقائق التي تتعلق به والتي بإخفائها تستمر صورته المثالية الخيالية في ذهنها، على الفتاة أن تدرك أن أباها إنسان عادي له مواهبه كما له أخطاؤه فذلك يسهل عليها استقبال الطاقة من والدها، ويطبق نفس الشيء في علاقة الأم بابنها.

    التواصل مع الآخرين:

    إن السرعة في تحقيق ما نريد تعتمد أساساً على طريقة تعاملنا مع الآخرين فمعظم ما يأتينا من رسائل يأتينا من خلال أناس آخرون لذلك علينا مساعدة بعضنا البعض في تفسير ما يحمل كل منا من رسائل، فليس كل مَن نقابلهم لديهم من الطاقة أو الوضوح مع الذات ما يمكّنهم من ترجمة ما يحملون من رسائل، وبمساعدتهم التخلص من العوائق بينهم وبين أنفسهم يتحقق لهم الصفاء الذهني ويستطيعون عندئذ مساعدتنا على تحديد الرسالة.
    والخطوة الأولى لتحقيق ذلك هي:
    1. التعرف على نوعية الدراما التي يستخدمها الآخرون.
    2. والتي غالباً ما يتراجعون عن التعامل بها ويزدادوا صراحة ووضوح إذا تم توعيتهم بها.
    3. ذلك يتطلب منّا التركيز على مواطن الجمال الروحي والجوانب الحسنة فيهم ــ فلكل إنسان مساوئه وحسناته مهما أظهر لنا عكس ذلك.
    4. فيسهل علينا حبهم، وبالحب يصلهم من الطاقة ما يعيد إليهم تفكيرهم المتوازن الخالي من الأبعاد سلبية فتتضح حقيقتهم وأفكارهم ويسهل التواصل معنا على أكمل وجه.

    وقد تحدث العملية عكسية فتجد من يمدّك بالطاقة حين يكون في حاجة إلى توضيح ما غمض عليه من الأمور، ولكن علينا أن نعلم أن الطاقة التي نحصل عليها من الآخرين لا تبقى طويلاً فغالباً ما يبدأ الشعور بالحيوية في التلاشي بانتهاء الموقف .

    كيفية التواصل في المجموعات:
    حين تتناقش مجموعة ما في موضوع فإن شخصاً واحداً منهم ـ في لحظة ما ـ هو الذي يحمل الإضافة المناسبة لتلك اللحظة من الحديث، وإذا كان الحاضرين متيقظين لما يدور بينهم فإن باستطاعتهم التعرف على الشخص الحامل للرسالة وعلى وشك أن يتحدث، فيتجهون إليه بالطاقة لمساعدته على بث رسالته بوضوح.
    وحين تكون عضواً في مجموعة نقاش عليك أن تركز فيما يدور بالمناقشة حتى يمكنك أن تستشعر متى يكون وقت مشاركتك في الحديث فسوف يرد إلى ذهنك شيء يدفعك لأن تعبر عنه منبهاً إياك لتوقيتك في المشاركة، أما دورك في حالة الاستماع أن تركز اهتمامك على المتحدث.

    ما يتسبب في فشل اجتماع ما:
    ما يحدث غالباً حين يتحدث شخص ما هو أنه يطمع في اهتمام الآخرين والإحساس الذي ينتابه باستقبال الطاقة منهم فيستمر في حديثه غير مبال بدور الآخرين في المشاركة فيستولي بذلك على طاقة المجموعة ويعرقل مشاركتهم، وتفقد المجموعة بذلك المعلومات القيمة التي كان من المفترض أن يشترك بها كل منهم ويفقد الاجتماع قيمته.
    يحدث الشيء نفسه حين يكون أحد الحاضرين غير مرغوب فيه من المجموعة فتركيزنا يكون على ما لا نحب فيه وعلى ما يتسبب في مضايقتنا ولا نكون راغبين في إعطائه الفرصة للحديث وفي الغالب ما لا تخفى هذه الرغبة على أحد، وتفقد المجموعة ما كان يمكن أن يفيدهم به هذا الشخص، وللأسف إننا حين نفعل ذلك نقوم بسرقة طاقة هذا الشخص ويشعر أنه أقل جمالاً وأقل ثقة بنفسه فنتسبب له في ضرر كبير.
    كيفية تجنب ذلك؟
    علينا أن نركز على الجانب الحسن منه فنستطيع أن نحبه ونرسل إليه الطاقة مما يؤثر إيجابياً على الجميع وينساب بالمجموعة شعور بأنهم بناء متكامل كل يعرف وظيفته وتوقيتها ويرى الحياة بمساعدة الآخرين أكثر وضوحاً.
    تصور لحياتنا المستقبلية من وجهة نظر المؤلف

    بدأ الإنسان حياته بالتحكم في الآخرين وكانت الدفة دائماً تتحول فيأتي اليوم الذي يتحكم فيه آخرون، لقد بدأ وظل الصراع مادياً حتى اخترعت الديمقراطية ولكنها لم تنه الصراع فقط حوّلته من المستوى المادي إلى المستوى النفسي.
    والكاتب يرى أن الإنسان سيتحول من الرغبة في السيطرة على الآخرين إلى الرغبة في التعرف على مواطن الجمال فيهم بل ونشر هذا الفكر، وكلما استطعنا أن نرى المزيد من الجمال كلما ازددنا جمالاً وانطلاقاً في طريقنا السليم، وسوف يعمل الإنسان على خفض عدد السكان لتستطيع المناطق الطبيعية أن تستعوبنا للحصول على الطاقة، في الوقت ذاته الذي ستزداد مساحة هذه المناطق لأننا سنمتنع عن إزالة الغابات حتى يصل بالإنسان الوضع أن يعيش في وجود أشجار يقارب أعمارها الخمسمائة عام وستوجد حدائق معتنى بها مما نفتقده اليوم، كل ذلك سيكون على مسافة باستطاعة الإنسان في المناطق السكنية الوصول إليه.

    هذا غير أننا سنزداد إدراكاً بالقيمة الجمالية للطبيعة وسنتعامل مع الجبال والأشجار والأنهار كمقدسات لها منّا كل الاحترام والتقدير والإعجاب، وسنطالب ونعمل على إيقاف النشاط الاقتصادي الذي يهدد هذه الكنوز الطبيعية بحيث لن ستصبح هي القاعدة العامة وليس الاستثناء، أما الأشجار المطلوبة للتصنيع فسوف يتم زراعتها في مناطق مخصصة لذلك، هذا كله سيؤدي إلى حركة جماعية للتغير المهني فحينما يتعرف كل إنسان على مهمته الحقيقية في الحياة سيكتشف الأغلبية أنهم في حاجة إلى تغيير مهنهم، ولن يكون غريباً أن يغير المرء مهنته عدة مرات فالحقيقة التي نحن بصدد التعرف عليها والمهام المكلفين بها لا يمكنها أن تتآلف مع الوظيفة العادية.

    أما الحياة المدنية فستحقق درجة هائلة من التقدم التكنولوجي فالاحتياجات الأساسية للمعيشة مثل الأطعمة والملابس ووسائل المواصلات ستعتمد اعتماداً كاملاً على التكنولوجيا وستتوافر لنا دون الحاجة إلى شرائها، في نفس الوقت لن نتكاسل عن العمل كما قد يتصور البعض، فكل إنسان سيعرف ما هي مهمته بالضبط وتوقيتها وسيتواءم ذلك بشكل طبيعي متكامل مع الآخرين، ولن يضطر أحد لأن يجور على حق غيره لأننا سنكون قد تخلينا تماماً عن حاجتنا للتملك أو التحكم من أجل الشعور بالأمان، وسوف يكتشف الإنسان فائدة التكنولوجيا وأنها ليست هدفاً في حد ذاتها ولكن الهدف منها هو التفرغ من أجل القيام بمهام أكثر أهمية وعمقاً، إن بحثنا الطبيعي عن الحقيقة سيقودنا لتحقيق هذه الصورة.

    هل يمكنك تصور الإنسانية وقد تبدلت تماماً بحيث يصبح كل شيء ذو دلالة ومعنى؟ تصور أن يتقابل شخصين لأول مرة فيتفحص كل منهم الآخر ليتأكد من عدم رغبة الطرف الآخر في الاستيلاء على طاقته ثم يبدءون في تبادل الرسائل، بعدها يمضي كل منهم في طريقه وهو أكثر حيوية وعلماً ليواصل طريقه الذي ما كان بإمكانه الوصول إليه قبل تلقي الرسالة، أو على الأقل ترشده تلك الرسالة إلى أخرى حتى الوصول إلى ما يريد.

    يرى الكاتب أن مواردنا المالية حينذاك ستستقر فسوف تعتمد على تبادل الرسائل مع الآخرين فحين يعترض شخص ما طريقنا في اللحظة المناسبة لإعطائنا الرسالة المطلوبة فإنه يستحق مقابل مادي لذلك وسيصبح تبادل الرسائل وظيفة الجميع وسوف نتعرف مع الوقت على قيمة تلك الرسائل. إن ما نمنحه للآخرين سيرد إلينا مضاعفاً، فالعطاء مفهوم كوني ما أن نبدأ في الانتظام فيه حتى يفوق ما نحصل عليه ما نمنحه ونعيش ما يسمى بزمن المعلومات.

    والآن تمكنّا من التعرف على الطريق الذي نحن بصدده، لم يكن بإمكاننا تصوره من قبل لأننا لم نكن على وعي بخوفنا وحاجتنا للسيطرة لتحقيق الأمان كما لم يكن أمامنا أية من البدائل المتاحة الآن، ونحن لسنا بعيدين كثيراً عن الميكنة المتكاملة وقد أدركنا الآن أهميتها والهدف من ورائها.

    الصورة التي يقدمها لنا الكتاب غاية في الجمال، وباستيعابنا لتلك المعلومات ستتغير رؤيتنا للحياة وستمنحنا كل ما نحن في حاجة إليه إذا أخلينا أنفسنا من كل ما يمنع ذلك واتخذنا الطريق الصحيح، عندئذ يحين وقت تبدل المجتمع ككل.

    يختم الكاتب حديثه بأن يطلب منا مشاركة هذه المعلومات مع الذين نشعر أنهم على استعداد لاستقبالها وإلا سنرتد إلى صراعاتنا الأولية اللانهائية وسنتسبب في تدمير البشرية والكرة الأرضية.
    علينا أن نفعل ما في وسعنا لتوصيل الرسالة.

    تأليف جيمس رد فيلد
    تلخيص وترجمة وتعريب
    نيفين الجمل

  • بَناتُ آوَى وَ عَربْ

    كنا قد ضربنا خيامنا في الواحة، وقد غفا رفاقي.
    مرَّ بي القوام الأبيض الشامخ لرجلٍ عربي، كان يتفقَّد الإبل، ويمضي في طريقه إلى مرقده.

    استلقيت على ظهري، فوق العشب، حاولت التماس الكرى، لكن النوم جفاني.
    في البعيد عوت بنت آوى، فاقتعدت الأرض ثانية، فجأة دنا مني، كأشد ما يكون الدنو، ما كان نائياً، فقد تدفقت بنات آوى حولي، وعيونهن تلمع بذلك البريق الأصفر الكئيب، وتعاود الاختفاء مجدداً، وأجسادهن اللدنة تتحرك، بتحفز، وعلى نحو منتظم، كما لو كان ذلك يحدث استجابة، لقرقعة سوط.

    أقبلت إحدى بنات آوى من خلفي، مندفعة تحت ذراعي مباشرة، ضاغطة نفسها باتجاهي، كما لو كانت بحاجة إلى أن تلتمس الدفء مني، ثم وقفت أمامي، وراحت تحدثني وجهاً لوجه على التقريب.

    (المزيد…)

  • حِكمٌ وإشرَاقاتْ

    *ثمةَ أشياء أودّ، ألا أعرفها قطّ. فالحكمة تحدِّد تخوماً حتى للمعرفة.

    *((لا يمكن أن نكتب أو نفكِّر إلا جالسين)) (غوستاف فلوبير).ـ تمكَّنت منك، أيُّها العدميّ! أن تكون ذا مؤخرة ثقيلة فتلك، بامتياز، خطيئة في حقِّ العقل. وحدها الأفكار التي تـأتينا ونحن ماشون لها قيمة ما.

    * صيغة سعادتي: ” نعم”، ” لا”، خطٌ مستقيمٌ، هدف…

    *حتى أشجعنا نادراً ما يملك شجاعة تحمُّلّ كلّ ما يعلم…

    * لا يعنَّن لكم أنكم حقيرون بخصوصِ تصرُّفاتكم، وأن عليكم أن تهملوها بمجردِ وقوعها!… فتبكيت الضمير غير لائق.

    * ماذا؟ أتسعى إلى أن تتضاعف عشرَ مرات، مئةَ مرة؟ أتبحثُ عن مُريدين؟ـ فتِّش إذنْ عن أصفَار!.

    * المرأة المتكاملة تقترفُ الأدبَ كما تقترفُ خطيئةً غير مميتة، على سبيل التَّجربة، بلا إلحاح، بالتفاتها لكي ترى هل لحظناها، أو لكي نلاحظها…

    *الدُّودة التي ندوسها تنطوي على نفسها. إنَّها الحكمة عينها.إنها بذلك تختزل إمكانيَّة أن ترى نفسها مُداسة مُجدداً، يُسمَّى هذا في لغة الأخلاقيين: تواضعاً .

    *لقد كانوا بالنِّسبة لي عبارة عن أدراجٍ استعملتها لكي أرتقي ـ كان لزاماً عليَّ، من أجل هذا، أن أعبرَ فوقهم، أن أتجاوزهم. غير أنَّهم كانوا يظنُّون أنني سأستريح فوقهم…

    *غير مهم أن ينتهي الأمر بالنَّاس إلى تصويبي، فأنا على صوابٍ قليل. والذي يضحك اليومَ جيِّداً سيكون آخرَ من يضحك.

    أفول الأصنام
    فريدريك نيتشه
    ترجمة :
    حسان بورقية
    محمد الناجي

  • مُختاراتٌ مِن شِعرِ وليَم كارلُوس وليَامز


    العُشَّاقُ المطارَدُونْ

    أينَ نذهبُ؟
    أينَ نذهبُ
    نحنُ العشَّاق؟

    ذهبت جولييت
    إلى زنزانةِ الرَّاهبِ لورانس
    ولكن ما منْ راحةٍ بانتظارِناـ

    ماءُ المطرِ
    يملأُ الأرضَ الصَّلدةَ
    عاكِساً سماءَ الصَّباحِ

    لكن أينَ نذهبُ؟
    لا نستطيع أن نذوبَ
    لنصبحَ النَّدى

    ولا أن نغرقَ في الأرضِ.
    هل نؤخِّر الأمرَ
    إلى الأبد؟

    إنَّ الرؤوسَ اليابسةَ
    لأزهارِ”عصا الذَّهبِ”
    بعد أن تحوَّلت إلى أطيافٍ جامدةٍ

    تهزُّ سيقَانها
    علامةً على نَذْرٍ جليلٍ
    أينَ نذهبُ؟

    إنَّ علامةَ التَّبْريكَ
    لن تعيدَ الرِّيحَ القارسةَ
    على أعْقابِها.

    (المزيد…)

  • كانَ هُناكْ

    صَعَدَ عالياً على نسيان
    وحين مرَّ طيفٌ قديم
    انزلقَ على ذكرى وعادَ
    إلى الهاوية.

    كانت السلالم كلُّها من صُنْع غير راغبين في عُلُوّ
    ومن صُنع ناسين كيف يحرّكون أقدامهم
    وكان هو قاعداً معهم
    صامتاً مثلهم
    بلا حكاية ولا ذكرى
    والزمن يمرُّ مثل ذبابة عابرة
    لا يلتفت إليها أحد.

    الشاعر: وديع سعادة

    من ديوانه الأخير: تركيب آخر لحياة وديع سعادة
    الصادر عام 2006