سوزان تذهب
بكَ إلى النهر
سوزان تذهب بك
إلى مسكنها قرب النهر،
تستطيع أن تسمع السفن وهي تعبر
تستطيع أن تمضي الليلة في جوارها.
وأنت تعرف بأنها نصف مجنونة
ولذلك أنت تريد أن تكون هناك
وهي تطعمك الشاي والبرتقال
القادم طوال الطريق من الصين.
وحالما تريد أن تخبرها
أن لا حب عندك لتعطيها،
فتأخذك بين مدى موجاتها،
وتدع النهر يجيب
بأنك كنت دوماً حبيبها.
وأنك تريد أن تسافر معها،
تريد أن تسافر على عماكَ
وتعرف بأنها ستثق بك
لأنك لمستَ جسدها البهي
بذهنك.
(المزيد…)
المدونة
-
سوزان
-
مُعذِّب نَفْسِهْ
سأضربك يا نفسي دون حقد ولا غضب
كما يضرب الجزار وكما ضرب موسى الصخرة
وسأجعل جفنيك يتفجران بماء العذاب
لأروي صحرائي
وستسبح رغبتي المفعمة بالرجاء
في لجة دموعك المالحة
كما تسبح السفينة في عرض البحر
ونحيبك الغالي الذي أسكر قلبي
سيدوّي فيه كالطبل يدق دقات الهجوم
ألسْتُ اللحن الناشز في السمفونية الإلهية
بفضل السخرية النهمة
التي تهزني وتنهشني
أنا الصرخة الحادة في صوتي
والسُّم الأسود في دمي
أنا المرآة المشؤومة التي تتملى
فيها المرأة الشرسة وجهها
أنا الجرح والسكين أنا الخدُّ والصّفعة
أنا الجسد ودولاب التعذيب
أنا الجلاد والضحية
أنا مصاص دماء قلبي
وأحد هؤلاء المنبوذين العظام
الذين حُكم عليهم بالضحك المؤبد
ولكن امتنع عليهم الابتسامأزهار الشرّ
شارل بودلير -
لأنّ البحر الميت أعتق رهائنه
لأنّ البحر الميت أعتق رهائنه، فإن مذاق الملح شراع ومنجاف…
لأن عصابة من الأسرى الرومان، تنكروا في ثياب أسيادهم،
تمكنوا من الهرب، عبر القارة…
لأن مخطوطة من الكلمات الشمعية، أشعلت النار في
دير الرهبان
(المزيد…) -
استبداد الحاضر – أنسي الحاج
يتحدث الواحد منّا عن وحدته على أساس كونها مشكلة تستحق الشفقة، ولا تلبث الوحدة، بالتعميم، أن تغدو شجرة يستظلّها متعطّشو العطف والمؤانسة. هكذا كانت على الأخص في القرن التاسع عشر الأوروبي:
وَصْفَة، مع السلّ، ليصبح المرء تائهاً رومنتيكيّاً، ووسيلة لجذب النساء.
بعد الحداثة الميكانيكيّة أضحت الوحدة داءً واقعيّاً لم يعد فيه أيّة جاذبيّة. وحدة مَنْ فاته القطار ولا مزاج عند أحد للتحسّر عليه. بل بالعكس، صار مدعاة للنفور أو الشماتة.
غير أن هناك وجهاً آخر للوحيد قلّما يستوقف، هو وجه المستبدّ. تُصوّر السينما الأميركية شخصيّة زعيم العصابات في الغالب «اندلاقيّاً» مزدهراً على صخب الهرج والأزلام. قد يكون المافيوزو بهذه الصورة الانفلاشيّة، لكن مافيوزو الجريمة العاديّة ليس هو رمز القاتل المستوحد. رمزه هو رجل السلطة السياسيّة. ستالين، مثلاً، أو هتلر. أو أيّ ستالين أو هتلر صيني أو يوغوسلافي أو إسرائيلي أو عربي أو أميركي لاتيني. عند رجل كهذا، الوحدة شرط من شروط القوّة. عزلته هي تماسُكُه. ليس في العزلة المغلقة دخيل ولا جاسوس. إنها الحصن الحصين البعيد الهادئ حيث تسرح سيناريوهات التقتيل على هوى هذيانها، وما على «الأجهزة» في ما بعد إلّا التنفيذ.لكن الطاغية ليس دوماً فرداً، هناك النظام الطاغية أو الدولة الطاغية، فضلاً عن مؤسسات أخرى. هنا تصبح الوحدة على مستوى أشدّ رعباً لأنّها بلا وجه، يُسْحَق فيها الإنسان ولا يستطيع أن يشتكي على أحد، فخصمه بلا اسم، وهو في كلّ مكان ولا عنوان له. عُرف هذا النَسَق في بلدان الستار الحديدي، لكن الغرب «الحرّ»، إذا أنعمنا النظر، لا يخلو حريره من قبضة بوليسيّة حديديّة خفيّة، ومن بيروقراطية مميتة، وإن تكن ملطّفة بالديموقراطية وبالحقوق التي يتمتّع بها المواطن في محاسبة الدولة ومقاضاتها. ويلعب بريق التعبير الحرّ عن الرأي دوره الكبير في تظهير الفرق بين الأنظمة الديكتاتوريّة والأنظمة الديموقراطيّة. وتبدو أعراض الوحدة في المجتمعات الديموقراطيّة على الطراز الغربي أقرب إلى النزق والتَرَف أو ضرائب العنوسة والشيخوخة منها إلى الضياع النفسي أو الميتافيزيكي أو الانسحاق تحت عجلات القمع كما يحصل في ظلّ أنظمة الحديد والنار. الفريسة في المجتمعات الأولى تستطيع أن تفجّر نفسها في كتاب أو لوحة أو نمط عيش أخرق. الفريسة في المجتمعات الثانية لا تستطيع أن تفجّر نفسها إلّا إذا وظّفتها أجهزة الاستخبارات لهذه المهمّة.
قمّة السلطة الاستبداديّة هي قمّة العَبَث لا قمّة التوازن. السقف يصبح هنا في الحَلْق. يتحسّس الطاغية حقل خياله العَدَمي كما يتحسّس الفنّان حقل خياله الإبداعي.
إرهاب السلطة ليس جديداً، هو سابق للتاريخ. الجديد إرهاب سلطات مفترض أنها صغرى في وجه سلطات مفترض أنها كبرى، وعجز الكبرى حيال الصغرى عجزاً متمادياً أصبح فضيحة تاريخيّة. وإلّا كان تواطؤاً شيطانياً في أخبث عملية إجرامية عموميّة شهدها البشر. لا أحد يعرف. لوحة فوضويّة تختلط فيها الجيوش النظاميّة بالعصابات بعملاء الاستخبارات بشعارات سماوية وبقايا ماركسية لينينية وطلائع عشوائية عديدة ربّما ستُسمّى بعد حين اسماً أيديولوجيّاً لمّاعاً يصنعه لها هانتنغتون ما أو فوكوياما ما. شيء واحد أكيد وسط هذا الجنون غير العفويّ، هو أن لا الماضي متمثّل في هذه اللوحة ولا المستقبل.استبداد الحاضر. حاضر مذعور من ضحاياه، يمعن فيهم ترويعاً كلّما ازداد إحساسه بخطر. الحاضر العادي محكوم بالعبور، لكنّ حاضر السلطة يريد تأبيد نفسه. لا يعترف بزواليّة الوقت إلّا للآخرين. هو خالد. خالد فوق عبيد. وما كان البشر حيال أسيادهم يوماً إلّا هكذا. الفرق بين العبّاد والعبيد أن العبّاد لا يحتاجون إلى شرطة تراقبهم وجلّادين يرعون فيهم الانضباط، فالخوف مقيمٌ فيهم طوعاً.
الطاغية أشدّ وحدة من الشاعر. في وحشة العزلة يجلس الشاعر على دموعه، وقد تكون طيّبة. في وحشة العزلة يبحث الطاغية عن كثافة ألوهته فلا يجد غير عنق يتوجّس من المجهول.
المجتمعات تَصْنَع أذلّاءها كما تصنع مذلّيها. لا تَطْلَع نبتة إلّا في أرضها.
قد «يساعدنا» الآخرون على إيذاء أنفسنا إذا وجدوا في الأمر مصلحة لهم، لكنّهم لا يستطيعون أن يفتعلوا لنا حالات هجينة مئة في المئة. الذين يعملون فينا ترويعاً هم صناعتنا. هم آباؤنا وأبناؤنا. هم ضحايانا قبل أن يصبحوا جلّادينا. فلنعد بالذاكرة إلى الوراء. نحن في لبنان ونحن في باقي أنحاء العالم العربي. مَن الذين يرعبوننا اليوم؟ أليسوا ضحايانا بالأمس؟ إنهم صناعتنا. إذا كان للمرء أن يَعْقد رجاء فربّما يكون أن لا نَصْنَع للمستقبل باقات أخرى من المرعبين.
أن تصبح الحياة على أرضنا أكثر انتاجاً للحياة.خـواتــــــــــــــم
اصغِ إلى كلمة لمشرّدٍ قليل الكلام، اصغِ إلى مَن لا يُفصحون: كلام هؤلاء «البسطاء» هو أكثر الكائنات حياةً في بحيرات الفراغ التي يتكوّن منها وجودنا.
***
أصعب ما في العطاء هو لَجْمُهُ في حدود. وكلمة عطاء نفسها غير صحيحة. لا أحد يملك لكي يُعطي. المعطي هو راغب في الخلاص من شيء. وآخِذُ العطاء هو أحياناً أكثر عطاءً من واهبه.***
أشدُّ ما يوجع في الوحدة هو أنّها لا تفيد أحداً.***
لا أقْبَل أن تحاكمني ذات يوم محكمة مؤلّفة من قضاةٍ أطفال: براءتهم لا تعرف الرحمة.***
«الله هو الموضع النضير على المخدّة». (جان كوكتو).***
أغرب اعترافاتنا أفضينا بها إلى أشخاص تعرّفنا بهم للتوّ. لا نُسِرُّ إلى القريب. الحميميّة تتمّ مع الغريب لأنّه بئر راحلة.***
هناك شخصيّة جنسيّة للروح أيضاً. للعقل والنفس. لعلّها هي ما يقود حسّ النقد الجمالي. الجنس الجسدي المألوف مجرّد وجه ظاهر فظّ لجوهر جنسي متغلغل في كلّ ما يتّصل بالمدارك العقليّة وانعطافات الذّوق. الجنس الظاهر هو نهارُ جنسٍ ليليّ لا نعرف عنه شيئاً.***
عندما كنت طفلاً، كنت أستصعب التواصل مع الآخرين، لكنّي أذكر أنّي كنت، إذا جاءنا ضيفٌ راشد، أتلهّف في داخلي أن أسمعه يقول لي: «معليش! لا تَخَفْ كثيراً…»، وكنت سأفهمها اعتذاراً تُقَدّمه لي الحياة بلسانه.أنسي الحاج
عن صحيفة الأخبار اللبنانية
عدد السبت ٢٣ حزيران2007 -
من أعمال بورخيس الشعرية
الألغاز
إذاً سأكون غداً الموت واللغز،
أنا الذي أسير مبتهجاً اليوم.
لن يكون لي قبل ولا بعد، مقيماً
أبدياً في مدارٍ سحري ومنعزل.
إنه شرط التزهّد. لا أظن أني
أهل بالجحيم ولا موعود بالمجد،
لكني أشك في عدم قدرتي على التنبؤ. قصتنا
تتغير مثل بروتيوس وتخفي قوانينها.
من يدري أي متاهة تائهة، أي حرق
أعمى من البياض سيُدهش قدري،
حين تُعلِمُني تجربة الموت الغريبة
عن نهاية المغامرة؟
لو يمكنني عندها أن أشرب من نهر “ليتي” الصافي،
أن أكون دوماً، وما كنتُ. (المزيد…) -
المنظر والكلب في الطريق
المنظر
كان نهارا حار ا وأنا وطفلتي رؤيا التي تبلغ الخامسة من العمر متوجهين نحو جزيرة (بويوكادا) في رحلة بعربة يجرها حصان . جلست في الخلف وكانت ابنتي تجلس بمواجهتي وكانت تنظر إلى الطريق الرئيس وقد مررنا بحدائق مليئة بالأشجار والأزهار وبالجدران الواطئة والبيوت الخشبية ومزارع الخضار .
وفيما كانت العربة تتمايل في الطريق كنت أراقب وجه ابنتي باحثا في تقاطيعه عن بعض الأحاسيس فيما تراه في هذا العالم من حولها .
(المزيد…) -
مختارات من الشعر الصيني
الحب يركض على ظهر حصان
الحب الذي تحتضنه الجبال
ينطلق على ظهر حصان في عدو سريع
إن الأروقة المسيجة بالأزهار
لا تستطيع احتضان هذا الحب الشجاع .
فقط ،
الجبال الشاهقة ،
والبلراري الوسيعة ،
تحمي وقع خطاه النشيطة .
(المزيد…) -
سيكولوجية الحب في ثقافات الشعوب
تبدو مفردة الحب بحد ذاتها كون خاص في الجمال والاحساس الصادق بالوجود، والدينامية البشرية التي تشكل نجمات ساطعة في سماء تلك المفردة النابضة بالحياة، وتغيب تلك المفردة بلا عودة في عوالم الأشكالات الأجتماعية التي تتأزم نحو تدمير الذوات والوجود، ويشكل ذلك الغياب أسرار انسحاب الإحساس بالوجود مع تلك التأزمات و نكهة الشعور بالسعادة في الحياة .
وشغلت تلك المفردة عوالم الأدباء في مساحات الإحساس المرهف، وعوالم السيكولوجيين في دراسة الدينامية المحركة لتلك المفردة الهادئة الصاخبة في الآن ذاته في حياة البشر، وماهية دوافع تلك المفردة في تحريك الوجود، وما يؤول معها إلى أسرار ساحرة، في اكتسائه بالورد والسلام، وألق تجليات المعاني السامية بين الآنام، وروعة تألقه بطيور الحب المسافرة بلا حدود في اطياف حياتنا المتنوعة .
(المزيد…) -
ما تحبه الحب الصحيح يدوم
ما تحبه الحب الصحيح يدوم
كل ما عداه نفاية .
ما تحبه الحب الصحيح
لن يُغتصَب منك .
ما تحبه الحب الصحيح إرثك الحق .
عالَمُ من ؟
عالمهم أو عالمي ؟
أم أنه ليس بعالم أحد ؟
جاء النعيم المرئي أولا
أي المحسوس , وإن كان في ردهات الجحيم ,
(المزيد…) -
من شعر طاغور
المقطوعة (31) من البستاني
إن قلبي عصفور البرية قد وجد سماءه في عينيك
إنهما مهد الصباح ، إنهما مملكة النجوم
إن أناشيدي تهيم في أغوارهما
دعيني أرفرف في هذه السماء في مداها الرحيب المقفر
دعيني أشق غيومها وأبسط جناحي على أشعة شمسها .
-
فنُّ الشعرِ
أن ننظر إلى النهر المصنوع من الزمن و المياه
ونتذكر أن الزمن مهر آخر،
أن نعرف أننا نكف عن الوجود، تماماً كالنهر
وأن وجوهنا تتلاشى، تماماً كالمياه.
أن تشعر أن اليقظة هي نوم آخر
يحلم بأنه ليس نائم، و أن الموت
الذي ترهبه أجسادنا، هو نفسه الموت
الذي يعتادنا كل ليلة ونسميه نوماً.
أن نرى في اليوم أو في السنة رمزاً
لأيام النوع الإنساني وسنواته
أن نترجم حنق السنين
إلى موسيقى و إشاعة و رمز.
(المزيد…) -
وجهُ السَّعادةِ
يقول لا برأسه
لكنه يقول نعم بقلبه
يقول نعم لما يحب
يقول لا للأستاذ
إنه واقف
تنهال عليه الأسئلة
وتطرح كل المسائل
فجأة
تنتابه الضحكة المجنونة
فيمحو كل شيء
الأرقام والكلمات
التواريخ والأسماء
الكلمات والفخاخ
ورغم تهديدات المعلم
وتحت صياح الأطفال
و بطبشورة من كل الألوان
يروح، على اللوح الأسود من البؤس،
يرسم وجه السعادة.جاك بريفر/فرنسا
ترجمة بول شاوول -
حِكايةُ قاتل
سيعودُ إلى زنزانته حتماً. سَينغلِقُ البابُ بشدةٍ وتكتسحُ الظلمةُ قفصَهُ الصغير، وسيتمدَّدُ في مُحاولةٍ للاسترخاءِ، وفي محاولةٍ يائسة، سيدفعُ عنه الحقيقةَ التي تُلحُّ عليه: كيفَ سيقضي بقية حياته في هذا المكان؟
في البدايةِ سيكونُ يائساً حتى الثمالة، كحيوانٍ يفقدُ داخله. سيملأ رأسه بالحقد – حقدٌ على محاميه، وحقدٌ على القاضي، وحقدٌ على الكاهنِ الذي يزوره يومياً، وحقدٌ على عائلاتِ ضحاياه، وحقدٌ لامُتناهٍ على الضحايا.
(المزيد…) -

بورخيس يكتب عن: أسطورة الكتاب
ترجمة: أحمد عثمان
من كل أدوات الإنسان، يعد الكتاب الأكثر إثارة للدهشة دون أدنى شك. الأدوات الأخرى امتداداتُ جسمه. الميكروسكوب والتليسكوب امتدادا رؤيته، والهاتفُ امتدادُ صوته.. أيضاً، المحراث والسيف امتدادا ذراعه. غير أن الكتاب شيء آخر: الكتاب امتداد الذاكرة والمخيلة.
في مسرحية: ((قيصر وكليوباترا)) لبرنارد شو، فيما يختص بالإسكندرية، قال إنها ذاكرة الإنسانية. هي ذي ماهية الكتاب وأيضاً شيء آخر: مخيلته.
ألأن ماضينا شيء آخر غير تتمة الأحلام؟ أي اختلاف من الممكن حدوثه من استدعاء الأحلام واستدعاء الماضي؟ والوظيفة هي التي تستوفي الكتاب. فكرت يوماً أن أكتب تاريخ الكتاب. ليس من وجهة فيزيقية. لا تثيرني الوجهة الفيزيقية للكتاب (على الأخص، لا تحسب كتب هواة جمع الكتب النادرة الذين، اعتيادياً، لا حد لهم) وإنما الطرائق المختلفة التي تلاحظ الكتاب. تقدمت بواسطة شبنجلر، في كتابه: ((انحطاط الغرب)) الذي يحتوي على صفحات رائعة حول الكتاب، وبإضافة ملاحظات شخصية، أفكر فيما حفظته عن شبنجلر. لا يمتلك الأقدمون ولعنا الشديد بالكتاب – وهذا ما يدهشني.. لقد رأوا فيه بديلاً عن الكلام.
هذه الجملة ندونها دائماً:
((VERBA VOLANT, SCRIPTA MANET))..
لا تعنى أن الكلام عابر، وإنما الكلمة المكتوبة شيء من الخلود والموت. على العكس، الكلام شيء مجنح، خفيف، ((مجنح وسامٍ))، كما قال أفلاطون. بكل شجاعة، قدم جميع أساتذة العالم تعليماً شفاهياً.لنأخذ أول حالة: فيثاغورت. نعرف أنه اختار متعمداً ألا يكتب، لئلا يكون مرتبطاً بالكلمة المكتوبة. استشعر ((الحرف الميت والروح النشطة))، كما أشار الكتاب المقدس بعد ذاك. رغب أن يستشعره وألا يكون مرتبطاً بالكلمة المكتوبة.. ولذا لم يتكلم أرسطو قط عن فيثاغورث وإنما عن الفيثاغورثيين. مثلاً، قال لنا إن الفيثاغورثيين نادوا بالاعتقاد، دوغما الأبدية التي اكتشفها نيتشه بعد ذاك بزمن طويل. أي فكرة الزمن الدائري، التي دحضها سان أوغسطين في ((مدينة الرب)). قال سان أوغسطين، مستعملاً استعارة رائعة، إن محنة المسيح تنقذنا من متاهة الرواقيين الدائرية. لقد عالج هيوم وبلانكي وغيرهما فكرة الزمن الدائري بطريقة سطحية. طوعاً، كف فيثاغورث عن الكتابة، أراد أن يعيش فكرة، ما وراء موته الجسدي، في روح تلاميذه. بحيث إن التعبير، وأنا لا أعرف اليونانية، أقوله باللاتينية:
MAGISTER DIXIT: ((قال المعلم)).
هذا لا يعني أنه من المفروض التمسك بما قاله المعلم، وإنما نؤكد أيضاً أننا أحرار بتطوير الفكر البدائي للمعلم. لا نعرف إذا كان فيثاغورث ابتكر عقيدة الزمن الدائري، ولكننا نعلم بالمقابل أن تلاميذه علموها. مات فيثاغورث جسدياً لكنهم – بضرب من التناسخ الذي يطيب له – استمروا في التفكير وإعادة التفكير في فكره، وحينما نقول جديداً لهم، يعتصمون بهذه المقولة: ((قال المعلم)). غير أننا نملك أمثلة أخرى.هناك النموذج الأكبر لأفلاطون حينما قال إن الكتب كالرسوم (ربما كان يفكر في اللوحات والتماثيل)، نعتقد أنها حية، ولكن عند ما نسائلها لا تجيب. إذاً لكي يخفي هذا الصمت، صمت الكتب، ابتكر المحاورة الأفلاطونية. أي أنه ينشطر إلى أكثر من شخصية: سقراط، جورجياس وغيرهما. أيضاً، نستطيع أن نفكر في كون أفلاطون يود أن يتأسى من موت سقراط متخيلاً أنه يحيا ثانية. أمام أي مشكلة، قال في نفسه: كيف كان سقراط يفكر أمامها؟ إذاً، كان نوعاً من خلود سقراط، الذي لم يترك شيئاً إلا ودونه، وكذا المعلم الشفاهي.
من المسيح عرفنا أنه كتب، ذات مرة، كلمات تعهد الرمل بمحوها. لم يكتب أي شيء آخر، كما نعلم. بوذا هو الآخر معلم شفهي، ترك لنا ثمة وصايا. هناك جملة لسان آنسليم: ((وضع كتاب بين يدي جاهل مثل وضع سيف بين يدي طفل)). هو ذا الرأي الذي نمتلكه عن الكتب. في الشرق كله توجد فكرة أن كتاباً لا يمتلك، كرسالة، إمكانية الكشف عن الأشياء، إنه كتاب، ببساطة، يجب أن يساعدنا على كشفها. رغم جهلي بالعبرية، درست نوعاً ما ((القابال)) وقرأت الترجمتين الإنجليزية والألمانية للـ ((زوهار)) (كتاب الإشراق)) و((سفر يا سراح)) (كتاب العلاقات). أعرف أن هذين الكتابين لم يكتبا لكي يفهما وإنما لكي يفسراً، إذ يجب أن يحثا القارئ على متابعة الفكر.
لا يمتلك العصر القديم نفس احترامنا للكتاب، حتى إذا عرفنا أن الاسكندر الأكبر كان يضع تحت وسادته ((الإلياذة)) وسيفه، سلاحيه. كان هوميروس محترماً للغاية، إلا أننا لا نعدُّه كاتباً مقدساً بالمعنى الذي نعطيه اليوم لهذه الكلمة. لا نفكر في كون ((الإلياذة)) و((الأوديسا)) نصين مقدسين. إنهما كتابان محترمان، ومن الممكن أن يكونا صراعيين.
أقصى أفلاطون الشعراء من ((جمهوريته)) دون اتهام بالهرطقة.إلى جانب هذه الشهادات للقدماء ضد الكتاب، نستطيع أن نضيف شهادة لافتة للنظر لسينكا: بين خطاباته الرائعة المرسلة إلى لوسلوس، هناك رسالة موجهة ضد المغتر الذي يدعي امتلاكه مكتبة من مائة مخطوط، ومن – يتساءل سينكا – يستطيع أن يجد وقتاً لقراءة مائة مخطوط؟ الآن، على العكس، نقدر المكتبات العامرة.
إذاً، للعصر القديم موقف إزاء الكتاب فهمناه سيئاً، لا يشبه تقديرنا للكتاب. دائماً، نرى فيه مادة بديلة للكلام لكن يتأتى مفهوم جديد من الشرق: مفهوم الكتاب المقدس. هناك أمثلة جديد: الإنجيل، أو – مادياً – التوراة أو أسفار موسى الخمسة: يأخذون بعين الاعتبار أن هذه الكتب أوحى الله تعالى بها. هو ذا حدث لافت للنظر: ننسب كتباً لمختلف الكتَّاب ومختلف العصور إلى إله واحد، ولكن في الإنجيل نفسه ألا يقال أن الرب ينبس متى شاء؟ للعبرانيين فكرة تجميع نتاجات أدبية شتى من مختلف العصور وإبداع كتاب واحد تحت عنوان التوراة (الكتاب المقدس باليونانية).
الكتاب، بقول آخر، يجب أن يرحل إلى ما وراء قصد مؤلفه. قصد المؤلف شيء إنساني فقير، قابل للخطأ، لكن في الكتاب يجب أن يكون هناك المزيد.((دون كيخوته))، مثلاً، ليست سوى نقداً لاذعاً لروايات الفروسية. إنه مطلق لاشيء فيه، لاشيء فيه إطلاقاً ينتمي للمصادفة. نفكر في نتائج هذه الفكرة. مثلاً إذ قلت: ((مياه جارية، نقية، بلورية/ أشجار تنظرون إليها بإعجاب/ براري خضراء، بالظلام الندية تكتسي)).. من الواضح أن هذه الأبيات الشعرية الثلاثة، يتضمن كل واحد منها أحد عشر مقطعاً لفظياً. هذا ما أراده الكاتب، إنه اختيار مقصود. لكن أي مقارنة مع النتاج الذي أوحى الله به، مقارنة بالقداسة التي تتنازل عن الأدب. في هذا الكتاب، لاشيء عرضياً، كل شيء حتى اختيار الأحرف يجب أن يتحصل على حجة وجوه. مثلاً، نفهم أن فاتحة الكتاب المقدس:
BERE#### BRAELOHIM تبدأ أبحرف (B)
إذ إنه يتطابق مع ((بارك)) (BENIR).
يتعلق الأمر بكتاب ليس فيه شيء عرضي، لاشيء عرضياً على الإطلاق. هذا يقودنا إلى ((القابال))، إلى دراسة الآداب، إلى كتاب مقدس، أي عكس ما فكر فيه القدماء. هؤلاء فكروا في ربة الشعر، بطريقة شبه رحبة.
((غني، أيا ربة الشعر، غضب أخيل))، هكذا كتب هوميروس في بداية: ((الإلياذة)). هنا، مثلت ربة الشعر الإلهام. عوضاً عن ذلك، إذا فكرنا في الروح نفكر في المحسوس والقوى: الله. الله الذي خلق الكتاب، وفي هذا الكتاب لاشيء عرضياً: لا عدد الأحرف ولا كم المقاطع اللفظية في كل آية. لقد درسوا كل هذا. تتمثل الفكر الثانية، أكررها، في كونه نتاجاً إلهياً. دون شك، هذه الفكرة قريبة من الفكرة التي أطلقناها اليوم على الكتاب مثل الفكرة التي أطلقها القدماء الذين عدوه مادة بديلة عن الكلام. هذا الرأي يضعف بالتالي ودلت آراء أخرى محله. نعتقد، مثلاً، أن كل بلد يتماهي مع كتاب.لنتذكر أن المسلمين يطلقون على اليهود ((أهل كتاب))، لنتذكر هذه الجملة لهنري هاينه بشأن هذا القوم حيث الوطن كتاب: ((الكتاب المقدس، اليهود)). هكذا تتبدى هذه الفكرة الجديدة حسبما ترى أن كل بلد يجب أن يتمثل بكتاب، على أي حال بكاتب، يستطيع أن يبدع أعمالاً عدة . بغرابة – ولا أعتقد أنهم لا حظوا هذا الفعل حتى الوقت الحاضر – اختارت البلاد الأفراد الذين لا يشبهونها كثيراً.
مثلاً، نفكر في أن إنجلترا اختارت صمويل بيكيت كممثل عنها، لكن لا، إنجلترا اختارت شكسبير، وشكسبير – كما نستطيع القول – أقل إنجليزية من الكتاب الإنجليز. النمطي في إنجلترا (UNDERSTATEMENT)، أي قول أقل مما نود قوله. على العكس، نزع إلى المبالغة في الاستعارة، وهذا لا يدهشنا سواء كان إيطالياً أو يهودياً، مثلاً. ألمانيا، هذا البلد الرائع، المتعصب نوعاً ما، اختارت بدقة إنساناً متسامحاً، غير متزمت ولا يبالي بمفهوم الوطن: اختارت جوته. ألمانيا ممثلة من قبل جوته. في فرنسا، لم يختاوا كاتباً وإنما مالوا إلى هوجو. لديَّ، بطبيعة الحال، إعجاب كبير بهوجو غير أنه ليس فرنسياً نمطياً. هوجو غريب عن فرنسا بزخارفه العظيمة واستعاراته الضخمة، إنه ليس ممثلاً لفرنسا. حالة أسبانيا أكثر غرابة، من الممكن أن يمثلها لوب دي فيجا، كالديرون، كيبيدو .لا! أسبانيا ممثلة بميجيل دي سربا نتيث معاصرة لمحكمة التفتيش غير أنه متسامح لا يمتلك صفات وعيوب الأسبان. يتبدى أن كل بلد يرى تمثله عبر أحد ما يختلف عنه، عبر أحد من الممكن أن يكوِّن ضرباً من العلاج، نوعاً من الترياق، واقياً من أمراضه. نحن الأرجنتينيون، اخترنا ((الماكوندر)) لسارمينتو، كتابنا، لكن بالتأكيد، يستحق أن يكون مختاراً ككاتب، لكن كيف نفكر في كون تاريخنا من الممكن تمثيله عبر هارب من معركة الصحراء؟ كتب كثير من الكتاب، بطريقة لامعة نوعاً ما، عن الكتاب الذي أود أن أذكره.
أبدأ بمونتاني الذي كرس أحد مقالاته عن الكتاب. في هذا المقال، هناك جملة جديرة بالذكر: ((لا تفعل شيئاً بدون بهجة)). فهم مونتاني أن مفهوم القراءة الإجبارية خاطئ. قال إنه إذا قابل فقرة صعبة في كتاب، تركه لأنه يعتقد أن القراءة صورة من صور البهجة. إذا قرأنا موضوعاً صعباً، فإن الكاتب حاد عن هدفه، لذا أعتقد أن كاتباً كجويس، جوهرياً، حاد عن هدفه لأن نتاجه يقتضي بذل الجهد. من المفروض ألا يقتضي الكتاب بذل الجهد، إذ لا تستلزم السعادة بذل الجهد. أرى أن مونتاني لديه الحق في هذا الشأن. ثم أنشأ يحصي الكتَّاب الذين أثاروا إعجابه. ذكر فرجيل أنه يفضل قصائد ((الإليادة))، أنا أفضل ((الإليادة))، غير أن السؤال ليس مطروحاً هنا. تكلم مونتاني عن الكتب بهوى، لكنه قال إن الكتب إذا كانت بهجة، فإنها مع ذلك لذة فاترة. قال امرسون العكس – بالنسبة له، يستلزم الأمر دراسة كبيرة حول الكتب. في محاضرته، قال امرسون إن المكتبة ضرب من الغرفة السحرية. في هذه الغرفة، كانت الأرواح الفضلى للإنسانية مغتبطة، إلا أنها كانت تنتظر كلامنا كي تخرج عن صمتها يجب أن نفتح الكتاب، وحينئذ تستيقظ هذه الأرواح. قال إننا نستطيع الاعتماد على صحبة الفضلاء الذين أنجبتهم الإنسانية، غير أننا لا نبحث عنهم ونحن نفضل قراءة الفقرات، النقد، عن الذهاب إليهم.
كنت أستاذاً جامعياً للأدب الإنجليزي في كلية الفلسفة والآداب بجامعة بوينس آيرس، ودائماً كنت أقول لطلابي بضرورة أن يمتلكوا مكتبة محدودة، ألا يقرأوا المقالات النقدية، أن يقرأوا الكتاب مباشرة، ربما لم يفهموا إلا اليسير مما كنت أقوله، لكنهم تحصلوا على لذة سماع صوت أحد ما. أقول إن أهم شيء لدى الكاتب رنة صوته، أهم شيء في الكتاب صوت الكاتب، هذا الصوت الذي يتأتى إلينا. كرست فترة من حياتي للأدب، وأعتقد أن القراءة صورة البهجة، صورة أخرى، صغرى للبهجة والإبداع الشعري، أو ما نسميه إبداعاً ذلك الذي يمزج النسيان والذكرى لما قرأناه. يتقابل امرسون ومونتاني حينما قال الأول بضرورة أن نقرأ ما يعجبنا، فالكتاب يجب أن يكون صورة البهجة. ندين بالكثير للأدب بالعري، حاولت أن أعيد القراءة عن القراءة، أعتقد أن إعادة القراءة أهم بكثير من القراءة، فقط تستلزم إعادة القراءة القراءة. لدي هذا الإجلال للكتاب. من الممكن أن أقوله بطريقة مؤثرة نوعاً ما ولا أريد أن يكون نصيبي.
أو وأن يكون سراً أهمسه لكل واحد منكم، ليس لكلكم وإنما لكل واحد منكم، إذ إن ((الكل)) تجريد، ((وكل واحد منكم)) حقيقة.أتابع ادعائي بعدم كوني ضريراً، أستمر في شراء الكتب، وأملأ مسكني بها. في يوم، أهدوني نسخة من ((انسكلو بيديا بروكهوس))، طبعة 1966. شعرت بوجود هذا النتاج في مسكني، شعرت به كضرب من البهجة. قربي، عشرون جزءاً بالأحرف القوطية التي لا أعرف قراءتها، بلوحات ونقوش لا أستطيع أن أراها، لكن مع ذلك العمل حاضر هنا. أشعر باجتذابه الحميمي. أعتقد أن الكتاب بهجة ممكنة للإنسان. يتحدثون عن اختفاء الكتاب، أعتقد باستحالته.
أي اختلاف، قالوا لي، قائم بين الكتاب والصحيفة والشريط؟ الاختلاف يتمثل في أن الصحيفة مقروءة لأجل النسيان، الشريط مسموع لأجل النسيان، هذا شيء آلي ومن ثم تافه. نقرأ الكتاب لكي نتذكره.
مفهوم ((الكتاب المقدس))، الذي يتعلق بالقرآن، الإنجيل أو الفيدا)) –يقال أيضاً إن ((الفيدا = كتاب من كتب الهندوس الدينية الأربعة )) (خلقت العالم) – ، متجاوز، لكنه يحتفظ بشيء من القداسة التي نسعى إلى حمايتها. يجعل الكتاب وفتحه الحدث الجمالي ممكناً.
ما الكلمات النائمة في الكتاب؟ ما هذه الرموز الميتة؟ مكعب ضئيل من الورق المقوى والجلد، وأوراق، لكن إذا قرأناه يحدث شيء غريب، أعتقد أنه يتغير في كل مرة. قال هيراقليطس (كررتها مراراً وتكراراً) إننا لا نستحم مرتين في النهر نفسه. لا نستحم أبداً في النهر نفسه لأن مياهه تتغير، لكن الأكثر فظاعة أننا لسنا سائلين كما النهر. في كل مرة نقرأ كتاباً يتغير الكتاب، الدلالة الإضافية للكلمات غير السابقة. فضلاً عن ذلك، الكتب محملة بالماضي. أعيب على النقد، وسأعدل عن كلامي (لكن ماذا يهم عندما أعدل عن كلامي). هاملت ليس بالضبط هاملت الذي تصوره شكسبير في بدايات القرن السابع عشر. إنه هاملت كولريدج، جوته وبرادلي، لقد خلق من جديد، ودون كيخوته أيضاً، جرى له الأمر نفسه مع لوجونيز ومارتينيز استرادا، إنما لم يحدث هذا مع مارتن فبيرو. القراء، تدريجياً، أثروا الكتاب. حينما نقرأ نتاجاً قديماً، كأننا نجوب طوال الوقت الذي يمضي بين اللحظة التي كتب فيها واللحظة التي نعيشها. لذا يليق أن نحتفظ بإجلال بالكتاب. من الممكن أن يكون مليئاً بالتصويبات. نستطيع أن نختلف مع آراء كاتبه، ومع ذلك، يخلف شيئاً مقدساً، شيئاً إلهياً، لا لكي نوقره بتطير لكن، بالحري، برغبة أن نستمد منه السعادة، وكذا الحكمة.
-
من مواليدِ بُرجِ الحوتْ
أصلَّي
أهدي هذه الكلمات التي تحمل الجمال و المأساة إلى الذي أحببت حباً أخوياً هو في الغالب أقوى من الكل.
هذا الإهداء المشبع بالبحر الذي أحببناه كلانا كما لو كان بيتنا، إليه أهديه.
بيد أن أكسول سبقني، ذلك لأنه و بصرامة أنجز قدره؛ فقد ذراعيه و ساقيه ثماني سنوات مباشرة بعد أن كتبت إليه هذه الأسطر.
إذا ما بتأن قرأ قارئي المحترم ما سيلي، فسيعرف في النهاية ما حدث لرائعي أكسل.
(المزيد…) -
كتابُ الرَّملِ
….حبل من رمال
جورج هيربرت
(1593-1633)السطر يتكون من عدد لامتناهٍ من النقاط؛ و المخطوط، من عدد لامتناهٍ من السطور؛ والكتاب المجلد، من عدد لا متناهٍ من الصفحات؛ والسفْر، من عدد لامتناه من الكتب المجلدة…
لا، حتماً، ليس هنا، أكثر تخطيطاً، و أفضل طريقة للشروع في كتابة قصتي. لقد غدا اتفاقاً اليوم الإقرار بأن كل قصة عجائبية هي قصة حقيقية؛ و مع ذلك فقصتي أنا حقيقية.أعيش بمفردي، في الطابق الرابع من عمارة بشارع “بيلغرانو”. حدث ذلك منذ أشهر، ذات مساء، سمعت طرقاً على بابي.
فتحت فدخل شخصٌ غريب . كان شخصاً جسيماً، ذا ملامح غير مضبوطة. ربما قصر بصري هو الذي جعلني أراه على تلك الشاكلة.مظهره كله كان يعكس فاقة محتشمة. يرتدي لباسا رمادي اللون ويحمل في يده حقيبة. أدركت للتو أنه شخص غريب.
(المزيد…) -
مَدرسَةُ الزَّوْجاتِ
صديقي
يخيل إلي أنني إليك أنت أكتب، فأنني لم أسطر يوميات من قبل، ولم أفلح إلا في كتابة بعض الخطابات، ولولا أنني أراك كل يوم لكنت ولا ريب قد كتبت إليك.
على أنه إذا قدر لي الموت قبلك، وهذا ما أرجوه لأن الحياة دونك لا تبدو لي إلا جرداء، فسوف تقرأ هذه السطور.
وسوف يخيل إلي أنني إذ أتركها لك لا أفارقك الفراق كله.
ولكن كيف نفكر في الموت، والحياة كلها أمامنا؟ مذ عرفتك، أعني مذ أحببتك، تتراءى لي الحياة جميلة نافعة وقيمة حتى أنني لا أريد أن أضيع منها شيئاً.
سأحفظ في هذه الكراسة كل فتات سعادتي، وهل لي عمل يومي، بعد انصرافك عني، سوى أن أعود فأحيا خاطفة اللحظات الماضيات و سوى أن أتمثلك حاضراً؟ قبل أن ألتقي بك كنت أتألم، وقد ذكرت لك ذلك، كنت أتألم لشعوري بأن حياتي تتقضى بلا عمل، لم يكن عندي ما هو أشد عبثاً من مشاغل هذه الحياة الاجتماعية التي كان يدفعني إليها والداي دفعاً والتي ما أزال أرى صديقاتي يسعدن بها السعادة كلها.
(المزيد…) -
النبوءة
أيها الحبيب! يا حبيبي !
كنت أنت في هذا العالم قبل سنة مضت..
وكنتُ أنا..
أمضي الوقت..وحيدة على الثلج..
دون أن أرى آثار أقدامك..
دون أن أسمع السكوت..
يتهاوى مع رجع صوتك..
كنت أحصي السلاسل التي تقيدني..
أعدها حلقة بعد حلقة..
وما كنتُ أصدق أنها يمكن أن تسقط عني..
بضربة واحدة منك..
* * *
(المزيد…) -
الصَّدَاقّةُ
ثمَّ قالَ له شابٌ: هاتِ حدِّثنا عن الصَّداقةِ.
فأجاب و قال: إنَّ صديقُكَ هو كفايةُ حاجاتكَ.
هو حقلكَ الذي تزرعهُ بالمحبةِ وتحصدهُ بالشُّكر.
هو مائدتكَ و موقدكَ.
لأنكَ تأتي إليه جائعاً، وتسعى وراءهُ مُستدفئاً.فإذا أوضحَ لكَ صديقٌ فكرهُ فلا تخشَ أنْ تُصرِّح بما في فكركَ من النَّفي أو أن تحتفظ بما في ذِهنكَ منَ الإيجاب.
لأنَّ الجبلَ يبدو للمُتسلِّق لهُ أكثرَ وضوحاً وكبراً من السَّهل البعيدْ.
وإذا صَمتَ صديقكَ ولمْ يتكلَّم فلا ينقَطع قلبُكَ عن الإصغاءِ إلى صوتِ قلبه.
(المزيد…)






