المدونة

  • إجراءات صحيحة قاتلة – أشرف الشريف

    إجراءات صحيحة قاتلة – أشرف الشريف

    عزيزتي ملك ..إن أخطاء خرونوس إله الزمن تشمل كل شيء ..يجوع من لا يستحقون الجوع و يتلقى الحب من لا يستحقون الحب و يموت من لا يستحقون الموت… .منذ عشر سنوات أو أكثر كنت أقوم بالتدريس في الصيف في كلية بنات عريقة في الولايات المتحدة الأمريكية في الساحل الشرقي و أثناء الإمتحان النهائي ضبطت إحدى الطالبات متلبسة بالغش في قاعة الإمتحان فقمت بالإجراءات المعتادة كأي حيوان بيروقراطي واعد …منحت الطالبة درجة راسب و حولت حالتها إلي إدارة الجامعة التي شكلت لجنة تأديبية و بعد جلسات استماع و مداولات قامت بفصل الطالبة من الجامعة…بعد 3 أسابيع من هذا القرار انتحرت الفتاة…شخص آخر يركل الصندوق كما يقول الأمريكيون ..

    اهتمت رئيسة اللجنة التأديبية بأن تتصل بي بعد الإنتحار لتؤكد لي عدم مسؤوليتي عن هذه الفاجعة و أن الخطأ (لو كان هناك ثمة خطأ )هو مسؤولية الإخصائي النفسي في اللجنة الذي لم يحسن تقدير عواقب القرار علي الحالة النفسية لهذه الطالبة التي كانت تعاني من مشاكل ما و أنه سيتم تدارك هذا الخطأ لكي لا يتكرر بعد ذلك.. عم تتكلمين يا سيدتي؟!.. أطربيني أكثر و أكثر بحديث توزيع المسؤوليات البيروقراطية و تستيف أوراق ملف حالة وفاة المرحومة…. كل الإجراءات سليمة بل و مطلقة الصحة أيضا و أخطاء الأداء الميكانيكي سيجري صيانتها و تقويمها لتحسين كفاءتها في المرة القادمة (ماكس فيبر كم أنت رائع بإطلالتك الرائدة علي ملامح الرعب الحديث)..الخسائر محدودة و لا تكاد تذكر فهناك فقط ضحية بشرية واحدة لكن فيما عدا ذلك فكل شيء هادئ علي الجانب الآخر….اللعنة علي كل شيء…علي جبهتي وشم “قاتل” .وصلت إلي قمة الحضارة فهنيئا لي ….لقد حملت دم هذه الفتاة علي رقبتي لأنها كانت ضحية عملية كنت أنا طرفا واعيا مشاركا فيها .حملت دمها عدلا أو ظلما لا فارق عندي .و كأي مثقف رومانتيكي عتيد في رومانتيكيته التافهة يحب أن لا ينجرح و من ثم فهو ينعزل عن عالم الحقيقة كي لا يعرض نفسه للجرح و ذلك لأن الحقيقة مومس مريضة بالزهري ينبغي العمل علي تجنبها فلم أجد أمامي إلا التناسي و الصمت و الإرتضاء بدور صاحب الأخلاق المزعومة الذي ينتهي سقوطه الآجل بالترفيه عن المشاهدين و المتابعين…

    و لا أدري لماذا تذكرت ما حدث هذه الأيام و بعد عشر سنوات من التناسي التام. لعله حديث النهايات.. رجل وحيد ينمو في ظلال الكتب أكثر مما ينمو في وهج الحياة…أسوار من الأسئلة و جدارات من الإلتباس…دخيل في عالم لم يعد قائما. رجل أبدا معلق في نقطة وسط بين الواقع و اليأس و بين الذكري و الألم ، و رعبه الأكبر هو كما قال ستيفان زفايج أن يجد نفسه مدفوعا إلي القاع علي غير علم منه… رجل بدأ من عند كمال عبد الجواد و سينتهي عند كمال عبد الجواد..و مثل إبراهيم الكاتب فالخيبة (بالمعنيين العقلي و الرومانسي ) كانت هي الدافع الذي يحركه دائما بل هي الحصاد الوحيد الذي يجنيه. لا هو بالبطل و لا بالبطل المضاد و لا هو بالكوميدي الهزلي و لا هو بالتراجيدي المأساوي و لا هو بالمألوف و لا هو بغير المألوف و لذا فهو متعدد الأقنعة و الوجوه لكن أيا منها لم يتمكن من أن يحل مكان وجهه الحقيقي المجهول و المرفوض و المنبوذ.. هذا هو أنا.

    أعلم انك قد تختلفين مع هذا التشخيص لكني أشعر أن الصغيرة دليلة ستتفق معه يوما ما في المستقبل و في كل الأحوال لا شيء يهم… تقول كارين بلكسن : “و لكن من أين أتتك الفكرة القائلة بأن الحقيقة هي الشيء الذي يطالبنا الله به؟ إنها فكرة غريبة لأن الله يعرف الحقيقة مسبقا بل و يعرفها جدا إلي درجة أنها تجعله يتثاءب سأما إزاءها دون شك. الحقيقة أمر يخص الخياطين و صانعي الأحزمة. أما الله فأعتقد أنه يفضل الأقنعة”…..

  • كلاوديو بوتساني – أنا المستبعد

    أنا المستبعدُ، الخارجُ على القانون،
    الملعون الذي لا يستسلم !
    أنا البطل الذي يموت في الصفحة الأولي !
    أنا القط الأعور الذي لا تريد أي عجوز أن تداعبه !
    أنا الحيوان الخائف من رهاب الماء
    الذي يعض اليد الممدودة بالرحمة !
    أنا سوء الفهم الذي يؤدي إلي الشجار !!
    أنا الشيطان الذي هرب محبرة لوثر !
    أنا شريط الفيلم الذي ينقطع في ذروة الحدث !
    أنا الهدف الذي أدخل في مرماي في الثانية الأخيرة !
    أنا الطفل الذي ينخر ردا علي تعنيف الأم
    أنا خوف العشب الذي على وشك أن يجزوه
    لست أدري ما إذا كان البحرُ يصنعُ الأمواج
    أو يتحملها !
    لست أدري ما إذا كنت أنا المفكر
    أم فكرة عارضة !

    نص: كلاوديو بوتساني
    صوت: محمد الشموتي

  • لو أنك لم ترحل عند الفجر – آلاء حسانين

    لو أنك لم ترحل عند الفجر – آلاء حسانين

    إلى أيمن ساعي، مرة ثالثة.

    لو أنك لم ترحل عند الفجر
    ولم تغادر
    كضوء خافت
    يزحف في الممشى..
    لو أنك كنت أقل نبلًا
    بما يكفي
    لأن تختبيء
    كلما سمعت دويًا
    أو صراخًا
    بدلًا من أن تطل
    من كل النوافذ والخنادق
    بقلب ممدود للرصاص
    كأنه مطرٌ خفيف..
    لو أنك كنت أقل تعبًا
    بما يكفي
    لأن تمشي عمرًا كاملًا
    دون أن تغريك الأرصفة
    باستراحاتها القصيرة
    التي لا تكفي
    منفيًا مثلك
    لأن يسترد حتى،
    أنفاسه..
    لو أنك لم تحب البلاد كما يجب
    لو أنك لم تحب البلاد..
    أو لو أنك كنت تحبها،
    لكن أقل
    بما يكفي
    لئلا تنتحر
    برصاصة في القلب
    في أحد المنافي.
    لو أنك كنت أقل زهدًا
    كيلا تقول:
    شكرناك على الرصاص
    مثلما شكرناك على المطر
    امنحنا خوفنا القديم
    كأن نعود إلى المنزل
    متأخرين قليلًا
    وظل غريب..
    يتبعنا.
    نحب أحزاننا الكبرى ولكن
    امنحنا حزننا القديم
    وتعبنا القديم
    وخوفنا القديم.
    نشكرك على المنافي الخضراء
    ولكن،
    نريد بلادنا اليابسة
    وخبزنا اليابس..
    نريد بلادنا ولو كانت يابسة.
    نشكرك على الشبع،
    ولكننا
    نريد جوعنا القديم
    وخبزنا اليابس.
    لو أن نومك كان اثقل قليلًا
    كي لا تصحو عند الفجر
    ونحن نيام،
    نربي حلمنا الوحيد.
    لو أنك انتظرت قليلًا
    حتى تشرق الشمس
    ويخمد حزن البارحة
    لو أنك غنيت لقلبك
    حتى ينام.
    وقلت:
    نشكرك على المنافي والبلاد
    وأرضك الواسعة.
    لو أنك لم ترحل عند الفجر
    مثل نور خافت في الممشى
    لتموت
    برصاصة في القلب،
    وأنت تقول:
    أشكرك على المنفى
    ولكن،
    أريد بلدي القديم.

    نص: آلاء حسانين 28 فبراير 2016.

    صوت: محمد الشموتي أكتوبر 2016

  • آلاء حسانين – حلق مكتظٌ برثاء طويل

    آلاء حسانين – حلق مكتظٌ برثاء طويل

    حلقٌ مكتظٌ برثاءٍ طويل

    إلى والدي،
    الذي تتآكل عظامه
    بفعل السرطان، والحياة المريرة، والوقوف الطويل.

    لا أريدك طيفًا
    أو ظلًا
    أو وميضًا في الذاكرة.
    لا أريدك عابرًا
    خفيف الظل
    في المنامات البعيدة.
    لا أريدك رمادًا في جرة
    أو كتابة على شاهد
    أو مزارًا، هناك، على الناصية.
    ابق هنا
    الوحوش عادت
    لتختبيء
    تحت سريري.
    وأنا عدت طفلك
    الذي يتعثر في المشي
    والكلام،
    وعاد ظلي
    لا يريد أن يفارق
    ظلك.
    سأعيد لك العمر
    من أوله،
    ستعود شابًا
    بقدمين
    لا تتقاعدان عن المشي
    ودمٍ متجدد.
    ابق هنا،
    بعظام صحيحة
    أو متآكلة
    بجسدك المعطوب
    وقلبك الهش
    بغضبك السريع
    وعيوبك الصغيرة.
    ابق هنا،
    لا لتنقذ العالم
    أو تبدل زيت الشمس
    أو تساعد الشتلات على النمو،
    إنما،
    ابق هنا،
    هكذا فقط،
    أريد أن أنظر إليك..
    وأنت تحدق بعيدًا
    في النافذة.

     

    ـــــــــــــــــــــ

    نص: آلاء حسانين

    صوت: محمد الشموتي

  • هدى عمران – ابق معي

    ابق معي
    انا وأنت مهووسان
    في عالم عاقل.
    أو عاقلان في عالم مجنون.
    حتى اذا افترقنا غدا
    ابق معي.
    كانت لي أمنية قديمة
    بأن أسكن داخل شرخ في صوت جميل
    في صوت نينا سيمون بالذات وهي تغني بالفرنسية
    لأسمع الآلاف يبكون معي.
    فابكِ معي،
    ولا تقل أحبك
    لا أحب كلمة ” أحب”
    لابد أن نكبح هذا المجنون
    قبل أن يحاول الجري
    ليس العصفور الرقيق ليسمح بذلك ، أعرف
    لا ولا الثعبان الضخم
    هو النسيان الكبير،
    العمى الحُلو؛
    فأعطني عينيك.
    دخن معي سيجارة في هدوء
    غني لي برقة
    اركض في مرآتي المكسورة
    قبلني في حقل ذرة
    وخذني لننام عند النهر.
    دعني أغفو
    وابق معي

     

    ـــــــــــــ

    نص: هدى عمران

  • قطار الأمهات – سارة عابدين – مروة أبو ضيف

    قطار الأمهات – سارة عابدين – مروة أبو ضيف

     

     

    إلى سارة؛

    هناك قطارٌ مِن أجل الأُمَّهات
    سيظنُّ الجميعُ أنه يأخذنا إلى الفردوس
    لكنَّهُ سيذهبُ بنا إلى بُحيرةٍ بيضاءَ
    نغتسلُ فيها مِن العاطفة ولعنة الحنين
    ننظرُ إلى أبنائِنَا فقط كبشرٍ مثلنا
    ندّ لندٍّ
    ننزعُ بصمات أصابعهم عن أثدائِنَا وعظامِنَا المُجهَدَةِ
    السَّهر الذي خطف بريق الأعين
    والشِّفاه التي ذابتْ مِن الغناء والدعاء

    سيكون قطارًا سريعًا
    وسنكون سعداءَ وأحرارًا
    تلوِّحينَ لابنتِكِ ورَجُلِهَا المجهولِ
    أتجاهلُ أبنائي وحبيباتهنَّ التافهات
    سنكونُ جميلاتٍ مَرَّةً أُخرى
    نكتبُ شِعرًا جديدًا
    بريئًا مِن الذِّكريات والأمومة المُثقَلَةِ بالخوف والتساؤل

    أُحبُّ صوت القطارات
    صفيرها العالي وحديدها الحيادي
    وعلى القضبان، سأُلقي سلَّة ذكرياتي كاملةً
    وأغتسل في البُحيرة جيِّدًا
    رُبَّما اغتسلتُ مِن أُنوثتي برمتها
    أنا امرأةٌ ضعيفةٌ
    وبعد رحلةٍ كهذه أودُّ أن أصير قويةً
    أصفعُ الحياةَ على وجهِهَا
    أُراهنُ الزَّمَنَ على حدَّتي، وأكسرُهُ على طاولة المقامرة
    أنا أخافُ الموت ياسارة.

    إلى مروة؛

    لم أعدْ أُحبُّ السَّفر
    القطاراتُ تُصيبني بالغثيان
    والطَّائراتُ أيضًا.

    الحنينُ سيفيضُ في البُحيرة كلَّ شهرٍ مع اكتمال القمر
    لنغرق فيه كبجعاتٍ عجوزاتٍ لا تقوى على السباحة
    نمتصُّ بياض البُحيرة، ونرتشفُ ذكريات بعضنا البعض
    المختلطة في الماء الأبيض
    ونُحاولُ إكمال السُّطور النَّاقصة في ذاكرتنا الهشة
    ننتظرُ أمهاتٍ جُدُدًا يحكينَ لنا عن العالَم خارج بياض البُحيرة
    أمهاتٍ لم يتخلَّصْنَ بعدُ مِن آثار العالَم على أرواحهنَّ
    ولا بصمات الأبناء على أثدائهنَّ
    نقيمُ لَهُنَّ حفلاتِ استقبالٍ على ضفاف البُحيرة
    لِيُساعدونا على التذكُّر
    على فصل متاهة الذِّكريات المتشابكة.

    تصوَّري أن تمرُّي أمام أبنائِكِ ولا تعرفينهم
    وتبتسم لي بناتي، فأتعجَّبُ مِن ابتسامات الفتيات الغريبات.

    البُحيرة ستصهرُ كلَّ الذِّكريات يامروة لِتتَّسعَ أكثرَ
    وتبتلعَ المزيد مِن الأُمَّهات
    الأُمَّهات اللواتي أغوتهنَّ البُحيرة بالقوَّة والجمال
    هُنَّ طعامُ البُحيرة الطَّازج حتَّى تتسع لِتبتلع الأرض

    بُحيرتُكِ البيضاء يامروة
    هي التي ستأتي لك بالموت.

     

    من ديوان: وبيننا حديقة، رسائل شعرية بين سارة عابدين ومروة أبو ضيف.

    صوت: محمد الشموتي

    صدر الديوان عن دار روافد للنشر والتوزيع.

  • ماري كونسيل – وفقاً للطقس

    ماري كونسيل – وفقاً للطقس

    البارحة، شُفِطَ رجلٌ من طائرةٍ فوق جبال بوليفيا ذات القمم الزرقاء. لم يصح “طوارئ.” لم يضغط زر استدعاء المضيفة. كل ما فعله كان أن ترك شوكة الطعام، وفتح فمه، وترك الريح تجمعه بوصة تلو بوصة.

    بقية الركاب اتفقوا. تلك هي الحياة الحقيقية، أحسن من فيلم، أو سَلَطَة الدجاج. مالوا خارجَ كراسيّهم، حاسدين الرجل، الذي انفردت ذراعاه ورجلاه كالملاءة، مكتشفا الهواء النيئ ونَفَسَ الملائكة المهاجرة.

    بالأسفل، فلاحة عجوز تخفق التورتييّا(*). لم تحلم أبدا أن فوق رأسها كان يفقد رجل قلبه. ربما كانت عاقرا، وعندما هبط، كان ستقول، “نعم، هذا هو ابني، أكبر قليلا، متأخرا قليلا، لكنه لا زال ابني.”

    والرجل، فكر في الريح وقطعان أجنحةٍ منزوعة، ثم أغمض عينيه، وقوّس نفسه ثانية. لم يفهم. بدأت رأسه تؤلمه. فهم البويك(**)، الشعر الأحمر، رائحة البيرة البائتة. لكنه لم يفهم تلك السحب، وأشعة الشمس البيضاء الجديدة هذه، أو مصير رجلٍ من سانداسكي، أوهايو.

    نص: ماري كونسيل

    ترجمة: هرمس ( محمد مجدي )

    صوت: محمد الشموتي

    * التورتييّا: نوع من الخبز من أمريكا اللاتينية
    ** ماركة سيارات أمريكية

  • بعد أن بصقنا على الغزاة – تاماوايت – محمد بنميلود

    بعد أن بصقنا على الغزاة – تاماوايت – محمد بنميلود

    والآن
    بعد أن بصقنا من بعيد
    على الغزاة
    وسقط البصاق فوق أرضنا
    ليسقي حبة قمح جائعة
    من حقنا أن نعود كما كنا
    شعراء
    بالربابات في أيدينا
    والمناجل
    نحب شقائق النعمان في الفجر
    والسفرجل الصلب
    والسماء معكوسة بسحابها وطيورها وآلهتها القديمة
    في صحن الزيت
    ومن حق عرائسنا المنقبات
    أن يكشفن وجوههن الآن
    بوشم السنابل في الذقن
    يغنين التاماوايت
    من خلف الجبال
    في آخر الخريف
    لآخر سرب لقالق يهاجر
    وهن حوامل
    ليس عندنا سلاح
    لكن
    لا أحد سيستطيع أن يقول
    إن البصاق على الغزاة
    ليس شعرا

    ـــــــــــ

    محمد بنميلود: شاعر مغربي
    * تماوايت Tamawayt : غناء شعبي أمازيغي شبيه بالموال لا يعتمد آلات مرافقة في الغالب ويكون فرديا أو حواريا بين ذكر وأنثى.

  • يخلون سرير محبتهم – عبد الله السفر

    يخلون سرير محبتهم – عبد الله السفر

     

    دَفَعَ بدمعتِهِ الرسولُ، وهامَ طَيَّ رسالةٍ لم يحملْهَا. أُخِذَ بالتهدّجِ، نالَهُ يأسُ الكائنِ، فراغُ الأملِ من صاحبِه، نفاذُ السكينِ، عُريُ الوردةِ من شوكتِها. وهذا الليلُ الذي لا يحسنُ مدافعتَه، حين الأصدقاءُ بمناكبَ مذعورةٍ يُخْلُونَ سريرَ محبّتِهم ويتهافتون إلى مراكبَ مخلّعةٍ مشقوقةِ الأشرعة. يعرفون أنها ليست مأوى في اليابسة، ولا تصمدُ لماء.


    يغادرون فحسب لأنّ الرسولَ فاضتْ به الدمعةُ، وانجرحتْ منه الحنجرةُ؛ فطاشتْ سهامٌ خفيّةٌ لا ترأفُ. سُمُّها ضارٍ يبدّدُ الروحَ، ينثرُ الجمرَ في اللحمِ. يتسمَّى الجرحُ باسمِه. تنكتبُ الخيانةُ. تَطْلُعُ عروقُها السوداء. وفي الهشيمِ يبينُ رداءٌ. بقيّةٌ من رداء لا تسترُ جثّةً شاختْ واسترسلتْ في العتمةِ، يرجّفُها بَرْدُ العقوقِ، نظرةٌ مقصوفةٌ لطائرٍ فُركتْ أجنحتُهُ.
    ريشٌ في الهواء. يثقلُ. يحطُّ. يأتيهِ الدمعُ من كلِّ مكان. يثقلُ. يحطُّ. يزفِرُ. يفرفرُ.


    لمعتْ الذكرى وانسابَ الحنينُ عن أخلاّءَ متروكين.. مقذوفين بغيرِ يدٍ تهمسُ بالوداع.
    ظهورٌ تراصّتْ، بطّطَتْها القسوةُ. شروخٌ تطلُّ على النسيانِ. هاويةٌ موَّهَتْها الخديعةُ. مكيدةٌ تتربّصُ. صخرةٌ نهضتْ من أوّلِ الليلِ تفحصُ وليمتَها؛ تتبعُ خيطَ الدمعِ، شاغرَ الخطى. فمُ الكهفِ يقترب. ينصبُ اليأسُ مشنقتَه للعابرِ بدمعتِه، للزائلِ بلا أثرٍ.. بلا حلمٍ يهوّنُ.. بلا نطفةٍ من ضوءٍ يريقُه. الصخرةُ تتعقّبُه، تلزِمُه مضيقَ الألم. وفي لحظة الصَّعْقِ الفاجرةِ يتلوّى مبهوتاً. أظلمتْ عيناهُ. تشعّثتْ أشلاؤُه . ضَاءتْ دمعتُهُ سريراً، وفي الأفقِ لاحتْ جنازةُ الغريب.

     

    الظهران ـ 13 فبراير 2003

     

     


    *نص: عبد الله السفر

  • خلوة – هرمس

    يضع المحرر عذابي في كلمة واحدة. الأنقاض، صورنا الملوحة، أنا أسبّ في سرّي، بشكلٍ لا إراديّ، كل الناس. لأحلل هذا، لا بدّ، قالت لي امرأةٌ تشبهُ الإوزّة في كل شيء، حتى في التقاطة السمكةِ التي تنبتُ بينَ رجلي نهر. لا بدّ خذلوك. مرّت سنون على ذلك.

    أنا إلى نزهتي المتبطلة. والنهر بدأ ينهلُ مِنَ البحيرةِ التي شكلتها خلوتنا القصوى بالآلهةِ المتناوشة في هذه النواحي. إليّ بخلوتي مع العالم، إليّ بجوعي الأسمى.

    وضعَ عذابي في كلمةٍ واحدة، جسداني، أنا أنحتُ الهواء الذائب إلى جسدي. أمقتُ الطعام، وأحب الشراب. وعندما أصطفي امرأةً لحياتي، تكونُ المرأة التي سفع جمالها حقلا من القمح، كشمسٍ. كشق القمر في القصب: دربٌ من الدم. وما أدراك، كما يقول حضرة درويشنا ومولانا، لماذا هذا قصبٌ مملوء بالهواء، وذاك بالسكّر؟

    هنا على جبهتي أقفُ والكلماتُ من حولي قد فرغت كالأقلام من المعنى: شربته. يمور في جوفي مور الخمر.

    كم أسمعُ العالم، وكم يسمعني.

  • زياد خداش – سعلةُ أبٍ غائب

    البنت الصغيرة جدّاً، البنت الضريرة، تهمُّ بدخول مدرستها، بطيئة، مبتسمة. أمشي أنا باتّجاه مدرستي، وحين حاذيتها، صدرت عنّي سعلة سريعة وعنيفة، سمعتها تقول بصوت صغير: “ياه، كم تشبه هذه السعلة سعلة المرحوم أبي، أرجوك، اسعل مرّةً أخرى يا عمو”.
    ابتسمت، حاولت أن أعيدها، لكنني لم أنجح؛ فالسعال ليس فعلاً إراديّاً كما نعرف، افتعلتُ سعلة سريعة، لكنها رفضتها قائلةً: “لا لا لا، مش هاي يا عمو، بدّي زي الأولى، أرجوك زي الأولى”.
    مشت باتّجاهي وهي تنظر إليَّ محاولةً توقّع اتّجاه وجهي، اعتذرت منها بارتباك، ومشيت. صرت كلّما تهيّأت لسعال حقيقي في أيّ مكان، أتذكّر ملاكي الضرير وأتحسّر؛ لأنني لستُ أمامَها.
    في صباح آخر، رأيتها تخطو باتّجاه بوّابة مدرستها ببطءٍ جريحٍ وناعم، بطء مليء بالنداءات، بطء يمسك بيد ابتسامةٍ غريبة، فحواها اعتذارات للشارع؛ لأنها مشت عليه، وللمارة؛ لأنها شوّشت طريقهم، ولسائقي السيارات؛ لأنها أبطأت حركتهم، وللهواء؛ لأنها قضمت منه جرعتين أو ثلاثاً، وللوجود؛ لأنها شقّت فيه حيّزاً لأنفاسها وحضورها الجسدي.
    مرّةً داهمتني في الصف نوبة سعال شديدة، ركضتُ بسرعة باتّجاه مدرستها، وهناك أمام مدرّسيها وزملائها نزفتُ كلّ مقدرتي الطبيعية وغير الطبيعية على السعال. وكانت الدنيا كلّها تصرخ في أذني: لا لا، مش هاي، مش هاي عمو، لا لا، مش هاي عمو، مش هاي، بدّي زي الأولى. بدّي زي الأولى.

    ـــــــــ
    من كتاب: أسباب رائعة للبكاء – زياد خداش – عن دار الأهلية للنشر والتوزيع 2016

  • إجراءات الحياة – عبد الله الناصر

    إجراءات الحياة – عبد الله الناصر

    الذين سيبكون عليك بعد الموت يقلّون.
    لكن عليك أن تستمر في خطة المعاداة
    كي لا يبكيك أحد على الإطلاق.
    عليك أن تبدو كريهاً للقلة المخلصة
    كي لا يكسرهم موتك الجميل.
    الذين أظهروا البغضاء هم الكنز
    أما الذين لا زالوا يسألون
    فيعطلون عربتك القديمة
    في موكب الاختفاء .

    ***

    لا تمدد يداً للغريق.
    إذا رأيت شخصاً يغرق
    فدعه بسلامٍ يغرق.

    الغرقى يعيشون.
    الذين لا يغرقون يحتاجون لانتشال.

    ***

    لا تتحدث وأنت واقفٌ مع الحياة.
    أنتَ سمادٌ جيدٌ حين لا تكون على عجل.

    ***

    لا تثق بالعيون التي تستيقظ من النوم.
    لا تثق بالعيون التي تقرأ الخراب والشعر.
    لا تثق بالعيون التي تذهب للوظيفة وتفكر في آخر الشهر.
    لا تثق بالعيون التي تفكر بالأهل
    لا تثق بالعيون التي تنام في الطائرة والقطارات.
    تلك عيونٌ خربة.

    الحياة الحقيقية
    في عيون الدمى.

    ***

    الشعراء يجلسون في البيت
    كالأمهات الخجلات يجب أن يجلس الشعراء في البيت
    يلقون قصائدهم على نبتة الخيزران
    على قدح القهوة
    على دوائر التبغ
    على الجوارب المنشورة والأواني المسنّدة بعد الغسيل
    يلقونها على ظلالهم الخائفة ليلة رأس السنة

    الشعراء لا يلقون قصائدهم على طاولة لامعةٍ أمام الجموع

    الشعراء يلمعون كالأواني المسنّدة بعد الغسيل

    حين يجلسون في البيت.

    ***

    الحياة سنجابٌ بالغ اللطف
    ويمكن إذا ظللتَ هادئاً أن يتسلق قدميك.
    لكن السناجب في نهاية الأمر
    تفضل الأشجار على الناس.

    ***

    أن تضيعَ
    كي يعثر الضائعون عليك

    ***

    تشبه الحكاية امرأةً
    تكتبُ كتاباً عن الضياع
    وكلما أغمضتْ
    هوت في حِجرها الفراشات.

    ***

    المبصرون يفشلون
    لأنهم يضربون مواعيد عمياء مع مبصرين.
    العميان ينجحون
    لأنهم ينجون من مآزق النظر.

    ***

    لا تُضع الوقت في المطار
    لشم عطر امرأة،
    وأنت تستطيع اللحاق بطائرة
    ستسقط في المحيط.

    ***

    ساعة اليد، كالبطاطا، تزيد الوزن.

    ***

    (ليس مسموحاً للمسافرين اصطحاب نظاراتهم في الزلاقة عندما تهوي الطائرة في البحر). لنكن عمليين: ماذا ستفعل زوجة الصياد بنظارتك الطبية حين تعثر عليها في بطن سمكة؟

    ***

    كل ليلة يواصل تمرير خيط الأيام بين أسنانه قبل النوم. يبصق دماً فاسداً في المغسلة. قبل أن يشعل سيجارة بأصابع مرتجفة، ويتابع في هاتفه عاصفةً ثلجية، عبر كاميرا شارعٍ خالٍ من المارة، في نيويورك.

    ***

    أحلامه مكتظة بحقائب لا يحتاجها.
    حقائب كثيرة وبكل الأحجام تستعمل الوقت المخصص لأحلامه، وتتركه يحلم مذعوراً بترتيب الحقائب نفسها كل مساء.

    ***

    أنت تعلم أن كل هذا الذي يحدث لعبة.
    تذكّر فقط أن ركل القبور ليس من أخلاق اللعبة.

  • ريتا جراهام – عندما نحب نكونُ في ضيافة الله

    ريتا جراهام – عندما نحب نكونُ في ضيافة الله

    نص ريتا جراهام التي تبحث عن وطن، فاعتقلها الوطن.

    العزيزة الغائبة ريتا، التي يلفها ظلام أقبية معتقلات بشار الأسد لأنها قالت: أريدُ وطناً بلا رصاص. أبحثُ عنكِ ياريتا، وأقرأكِ بصوتٍ مسموعٍ جيداً لله والملائكة، ينصتون بخشوع بينما أرثيكِ بالحب وأنت على قيد الحياة.
    أؤكدُ لك ياعزيزتي أنهم لا يقدرون على لغتك، ستظلين تصعقينهم بالصدق، وهذه الكلمات الشاهقة لن يتمكن أي وغدٍ من تسلقها.
    عندما نحب نكون في ضيافة الله، إلى فهرسِ الجمال يا صديقتي، إلى القلوب جميعها.

    1

    يا الله،
    أحب أن أكون موجة،
    أما أن أصير بحراً فهذا يفوق طاقتي.

    2

    حتى أصدقائي
    جعلوني بابا
    وفتحوني على ضجر العالم

    3

    الدمعة التى على خدِّ الليل
    قلبُ امرأةٍ
    أكلَ النهار أحلامَها.

    4

    كريح صغيرة
    تمحو الأثر
    تضلل يقظة حارس متفائل
    يحتكر الليل قنديله،
    وتختبئ أفكاره خلف الباب.

    5

    حين نحب نكون في ضيافة الله،
    في ضيافة التفاصيل الصغيرة
    التي مرت بها يداه حين صنع الورد.

    6

    أنا وتر الشمس
    إن غربت بيد الله.

    7

    النّاي الذي وعدته
    بمزيدٍ من الثقوب ليصدح بي
    كان أنا.

    8

    شعوري الآن كمزهريّة على الحافّة
    تحلمُ أن تفقد توازنها
    ولا تفعل.

    9

    بما أني مت تماما الآن
    فلن أرهق عقلي
    بحساب تكاليف الحياة
    فقط سأفكر في مستقبلي
    كشبح.

    10

    هذا النهار العظيم يُشبه أمي
    أمي التي عندما تبتسم يطول كلُّ شيء
    النهارُ وأبراج الكنيسة والمآذنُ والعناقيد والأنهار والأصدقاء .

    11

    كالشعراء أنت..
    لكنك لم تتسلق ظمأ الريح كغصن الماء..
    لم تبنِ بكل وادٍ كعبة من غياب..
    أيها المستجير من الكتابة بالعذاب.

    12

    أمام محل بيع الألعاب والدمى،
    أقف بضع دقائق لأعتذر لطفولتي.

    13

    ننجو في أحلك الظروف،
    ثم نبزغ كالصباح الغافي على كف عفريت،
    لا ندري أي نهار ينتظرنا.

    14

    عرايا نحن..
    نسينا أن قميص الوجد في الركن القصيّ من أحلامنا.

    15

    ومن أحب شخصا بكل جوارحه، قال له: يا أنا.

    16

    الموت لا شيء آخر،
    قد يكون مخرج الطوارئ الوحيد،
    ليحظى المرء بما يستحق من سكينة.

    17

    ارثني يا صديقي الآن ما دمت أسمعك،
    فأنا إن مت لن أسمع نحيبك علي.
    و تعال شاركني أريد أن أحفر قبري معك،
    أريده واسعاً كقلبك.

    18

    منذ سنوات والله منشغلٌ بدفن أصدقائي الطيبين
    أريده أن ينتهي مبكراً، ليشرع في دفني.

  • محمد بنميلود – محاقن هيروين

    كان لزاما عليها أن تنهض وترمي ستيانها من النّافذة، شجرة الرمّان في الحديقة تشبه الخَطّابة. أنا دائمًا لم يكن عندي جيتار لأطوف به على نوافذ الجميلات المنمّشات، كنت أحبّ الأرامل، وأحيانًا تكرمني الرّيح بستيان.

    أستطيع بسهولة ودون تكلّف، كتابة نصوص كثيرة كهذه حين تكون الجرعة كافية، عن شامات في ظهرك، فقط نامي على السّرير كمصطافة في البحر، واتركي المهمّة الصّعبة لخيالي.

    لا يهم كثيرًا وزنك ولا طولك ولا لون بشرتك، للخيال أجنحةُ ملائكةِ الرسّامين.
    سيكون عدد الشّامات بعدد نجومِ مساء فوق سماء القرية، وأنا كلّ مرّة سأخطئُ العدّ.

    تجلس العازفة أمام البّيانو كسائقة اليخت، المعزوفة تتحوّل إلى رياح في المتحف المهجور، السّتائر ترتفع حتى السّقف وتنزل، وكلّما ارتفعت تتشتّت الشّامات، ويبدو السرّ عاريا.

    السّتائر: إنّها تنانير المكان.

    ماذا سيقولون لكِ وأنت تصعدين أدراج القلعة القديمة بثياب السّباحة، الرّجال بالخوذات الحديديّة، حرّاس الأبراج، أشباح حرب طروادة.
    سيتطوّع رسول على فرس منغوليّة، ليقول لنا إنّ التّوت نضج في الأكمة البعيدة، والنّسائم ستتنهّد، وتموت.
    امرأة مثلك من القرن الواحد والعشرين، تصعد عائدة من الشّاطئ، عبر ممرّات القرن الخامس عشر الحجريّة، إلى سريرها العائم في التّاريخ.

    هذا هو خراب الحقيقة.

    لكن، دعيني أقول لكِ إنّ امرأة أخرى، ستخرج من لوحة تيتيان عارية بالكامل ومكتنزة بالألوان، تاركة لي شالاً طويلاً بلا نهاية من حرير النّظرة، أخضر يمتدّ ليصير قوس قزح، الرسّامون سيقفون في صفّ طويل، وسيرسمون الهواء.
    هذا هو خراب الخيال.

    مرارًا نمتُ تحت أسرّة الأزواج، لم أُضبط ولا مرّة، قشّرت أقمارًا كثيرة تحت سريركِ، وأكلتُ ستيانك، كان بنكهة رمّانة حزينة. أحيانًا قليلة فقط كنتُ أبقى حزينًا أنا أيضًا، لا يكون عندي جيتار أطوف به في الظلام والبرد، على مخادع البنات السمراوات.
    لذلك أحببت الملكة في صورة تطل من شرفة، أبقى وحيدًا بعض الوقت لأجلها، بعيدًا عن شلّة أصدقائي، يقهقون كلّ مساء في بار، يضغطون مرارًا على مزمور سيّارة الفورد السّوداء الطّويلة كي أنزل، البنات بالميني جيبّ وبالسّتريتشات جالسات فوق مقدّمة السيّارة، والأولاد في الخلف يتعاطون الحقنات.

    كثير من المرح تصنعه جوقة أصدقائي لأجلي، بالزّعيق وبالضّغط على مزمور الفورد الكلاسيكيّة الطّويلة المسروقة، لكنّي أقرّر أحيانًا رمي محاقن الهروين إلى الحديقة، والبقاء وحيدًا، لأجل عشق ملكة عجوز في صورة، متأمّلا في عينيها الجميلتين الواسعتين ماضيها المجيد الطويل، ومستقبلها الغائم، الذي كان في الحكايات القديمة مأساويا أكثر من إعدام.

    حين تبتعد جوقة أصدقائي، أفتح الشّرفة على مصراعيها كفخذين، وأقول عن النجوم إنّها شاماتك.

    محاقن الهيروين، تتحوّل في العتمة إلى أشجار رمّان.

  • مثنى وثلاث ورباع – طلال فيصل

    مثنى وثلاث ورباع – طلال فيصل

    إلى التي سألت :
    هل من الممكن أن تتزوج عليّ ؟
    طبعا ممكن
    فلنتصارح قبل مرور العمر الرائع
    بين يدينا ومضة برق
    ولنتفاهم ولنتفق الآن برفق
    لا يوجد رجل في الدنيا
    تكفيه امرأة واحدة
    خير الله كثير حولي
    وأنا لست قليل الذوق
    وأنا رجل يفهم في الحب وفى الشوق
    كفى عن خبط المنضدة ولا تنفعلي
    ، لا تمتعضي ..
    لا تنصرفي
    ودعيني أبسط آرائي قبل..الشنق
    حين يمر العام الأول
    نبدأ نشعر أن الدهشة
    فقدت في القلب ملامحها
    يفقد فينا الشوق صباحه
    أن الملل تجرأ ليزور مدينتنا
    نبدأ نزعم أنا نحتاج إلى راحة
    لكن حين ستقتربين فأسمع همسك
    عندي لك خبر فتماسك
    وتشيرين لبطنك في خجل
    فأراني كالمجنون أحاول أفهم
    هل سأصير أبا بالفعل !
    وأسمع قلبي بين ضلوعي
    خيلا تتراقص في الساحة
    وألاحظ ما تفعل فيك شهور الحمل
    و خطوة مشيتك المرتاحة
    وتصيرين كزهرة لافندر فواحة
    ومدورة كالتفاحة
    وحين أراك أتيت إلى بخير هدية
    وجبينك وسط الإرهاق
    كصحراء تبحث عن واحة
    يأخذ قلبي شكلا آخر
    وتصيرين امرأة أخرى
    **
    لا أتشاءم ,, لكن عفوا
    حين يدب خلاف أول ,,يركب عقلي موج الغضب
    فيركب قلبك موجا أطول,, يرتعش غروري فلتذهب
    ما أحلى طعم الحرية
    لن أعتذر ..ولن أنكسر ..ولن أتوسل
    ثم يمر اليوم فأندم :
    كم كنت غبيا ومغفل … و أبعثر خطواتي نحوك
    طفلا خجلا مما يفعل ,, حين سأدرك أن حياتي
    ليس تساوى دونك شيئا
    وحين سأطبع فوق جبينك أول قبلة صلح بينا
    يأخذ قلبي شكلا آخر
    وتصيرين امرأة أخرى
    **
    حين ينام على كتفينا زهر العمر
    يحكمنا القانون الأبيض
    تختبىء وراء الحناء
    بقايا الشعراوات السمر
    نحتضن الماضي في صمت
    لن يتبقى غير قوارير من الوحدة
    يغلقها فينا الأبناء بختم الهجر
    ننتظر مكالمة تأتى أو لا تأتى ,, ننتظر مراسيل البحر
    وجع الركبة ..أدوية السكر والضغط ,,, وتسندنا حين نقوم نصلى الفجر
    وحين أراك ..
    ترتشفين القهوة صمتا
    في جلسة ما بعد العصر
    يأخذ قلبي شكلا آخر
    وتصيرين امرأة أخرى
    حين وحين وحين
    كفى عن طرح الأسئلة
    ودعينا الآن
    لكي نشهد ما يفعله فينا الزمن
    وعبث فروقات التوقيت
    ملك يأمر لنطاوعه كالأتباع
    يهدم لو شاء ملامحنا
    ويشيد للروح قلاع
    وقفي معي لكي نتأمل
    لغة الوقت ولغة الريح
    وحركة دوران الإيقاع
    يا سائلتي هل هو ممكن !
    طبعا ممكن
    أنت الان بكل بساطة
    مثنى وثلاث و .. رباع

  • بدر شاكر السياب – سوف أمضي

    سوف أمضي أسمع الريح تناديني بعيداً

    في ظلام الغابة اللفّاء .. والدّرب الطويل

    يتمطي ضجراً، والذئب يعوي، والأفول

    يسرق النجم كما تسرق روحي مقلتاك

    فاتركيني أقطع الليل وحيدا

    سوف أمضي فهي ما زالت هناك

    في انتظاري

    **

    سوف أمضي. لا هدير السيل صخّابا رهيبا

    يغرق الوادي، ولا الأشباح تلقيها القبور

    في طريقي تسأل الليل إلى أين أسير

    كل هذا ليس يثنيني فعودي واتركيني

    ودعيني أقطع الليل غريبا

    إنها ترنو إلى الأفق الحزين

    في انتظاري

    **

    سوف أمضي حوّلي عينيك لا ترني إليّا

    إن سحراً فيهما يأبى على رجلي مسيرا

    إن سراً فيهما يستوقف القلب الكسيرا

    وارفعي عني ذراعيك … فما جدوى العناق

    إن يكن لا يبعث الأشواق فيّا ؟

    اتركيني ها هو الفجر تبدى، ورفاقي

    في انتظاري .

  • سارة عابدين – فاصل قبل نهاية العالم

    سارة عابدين – فاصل قبل نهاية العالم

    سينتهي العالم قبل أن أضع قدمي بداخله
    قبل أن أقبض على أحشائه
    قبل أن ألتهمه
    قبل أن ينتهي البنّاءون من العمارة الكبيرة في مدخل الشارع
    قبل أن تصدق ابنة حارس العمارة إن الذي يتحسس جسدها ليس عفريتاً عاشقاً
    قبل أن يفرغ الحوض من الأواني المتراكمة
    قبل أن تذوب الدهون
    قبل أن أتقن صنع كيك البرتقال
    سينتهي العالم واقفا بشكل عرضي في حلقي
    الأفكار المتأرجحة والكتب المؤجلة سأبصقها
    أغلق الهاتف في وجه العالم المعلق بداخلي
    وأجبر عيني على اعتياد الرؤية في الظلام
    سينتهي العالم وأنا يجب أن أنام
    لن أستطع حمل سريري معي إلى هناك
    ولن أجد وقتاً لتغيير الملاءات
    العالم سينتهي قبل أن أُصدق الرغبة في التخلي عنه
    العالم سينتهي وأنا لازلت أتشبث بأطرافه قبل أن ينغلق على جثتي وينهار .

    كتابة: سارة عابدين
    صوت: محمد الشموتي

  • أثير صفا: بالصوت تُقاس المسافات

    بالصوت تُقاس المسافات

    قيس البُعد بين الأرض والقمر من خلال إرسال شعاع ليزر ثم قياس زمن ارتداد هذا الشعاع إلى الأرض، وهكذا هي المسافة بين المبدعين ونصوصهم، تقاس من خلال ارتداد صوت كلماتهم إليهم، ليدركوا كم هي بعيدة عنهم أو كم هي قريبة منهم. ولأن صوتك صدانا؛ “الإيكو” الذي يلحّ على “الإيجو”، لم نعد نستغرب وجود أسطورة إغريقية حول الإلهة إيكو التي أثارت حنق نرسيس بتردادها لآخر كلمة ينطق بها، فحزنت من نفوره منها، واختبأت داخل الكهوف ثم دعت الآلهة أن يتعذب نرسيس ببؤسه، فمات غرقًا بحب ذاته.

    على إيكو في أسطورة الحاضر أن تخرج من كهفها وترتد إلينا كي لا نموت أمام بحيرة ساكنة تنعكس عليها وجوه واهمة، فالصورة زيف والصوت فضح للمسافة الحقيقية بيننا وبين النص؛ ونصوصنا أقمار تدور حولنا كدوران قطع معدنية لا تستقر على وجه إلا بعد أن تحدث شيئًا من الجلبة، فكُن جلبتنا.

    أثير صفا – كاتبة فلسطينية

  • سنترك المدينة خلفنا – إبراهيم السيد

    سنترك المدينة خلفنا – إبراهيم السيد

    مختارات من ديوان: أحد عشر كلباً لإبراهيم السيد

    الحياة كانت في الأصل شجرة

    الجغرافيا التي جمعتنا داخل عربة حنطور كانت كافية لينشد السائق “رق الحبيب”
    كاملةً مرتين قبل أن نعبر شارع البحر وصولاً للمنتزه.
    اكتفينا بالنوم فوق عشب الذاكرة الطري
    هشام يكن يتكلم عن روح سنة 90 عبر راديو ترانزستور أحمر صغير
    الحنين للتسعينيات يؤلم المؤخرة كمقعد دراجة هندية الصنع مقاس 24
    صديقتي غريبة الأطوار ممددة بجواري
    قدماها القصيرتان مغطاتين بالدماء
    الرغبة التي تنمو بين أفخاذنا
    قرينة القطارات
    حيث للذروة صوت نفير
    كما علّمتنا أفلام الأبيض والأسود
    لم يلحظ أحد منا
    الفخاخ المنصوبة أمامنا
    لاصطياد العصافير.

    A Gloomy Sunday Morning
    أو
    الحياة كخلية نائمة

    صديقتي غريبة الأطوار تمارس تدريبات الجري في المكان بينما أنظف الجدار المزخرف مستخدما سائل للتنظيف وردي اللون
    كان تركيب ورق الحائط قبل خمسة وعشرين عاماً، بزخارفه البارزة وأشجاره الخضراء الباهتة دليلاً منقوش على أهمية التغيير.
    كنت في الخامسة
    خيوط زاهية الألوان تملأ الأرفف،
    أمي الوفية لموديل المرأة الحديثة لمجلة حواء
    تبحث عن بكرة خيط ماركة كفر الدوار
    لثبات لونها عبر الزمن.

    بدأ العمال في صب الأساسات الإسمنتية الخضراء
    داخل هياكل خشبية مشدودة بأحكام
    بعد أن تم تخطيط قطعة الأرض الممتدة أمامي بالجير الأبيض
    وأمي في الجهة المقابلة
    صامتة كإله
    تمسك بطرف خيط خلفته طائرة ورقية ملونة
    تشبه الحياة
    قريبة جداً
    وعالقة
    بشجرة.

    سحر الفاشية الخفي

    يبدو ربيع 2012 مؤلما بزهوره الصفراء الصغيرة التي تملأ حديقة المستشفى
    أشجار الكريسماس المتربة
    Made In China
    للزينة الحمراء
    رائحة ثمار فراولة
    تغطيها طبقة بيضاء لزجة من العفن.
    هكذا تخاف صديقتي من جسدها؛ جسدها المحايد
    كحليف غير مأمون تماماً،
    في معركة المحبة.
    الفاشية التي نمت في المدارس تغزو الشوارع الآن.
    لسحالي تجوب الطرقات
    والدولة أشباح تضغط فوق أصابعنا النحيلة.

    المارشات العسكرية تذكر بالخمسينيات السعيدة: خدود شادية الوردية وميلودراما السينما المقتبسة عن غادة الكاميليا
    النسخ الجديدة شائهة والدبابات ومجنزرات أخرى
    تحتل الشوارع.
    في خلفية المشهد “المهرجانات” نشيد وطني
    لجيوش جرارة من بائعي الولاعات، ورجال الدولة وآخرين.
    سنترك المدينة خلفنا
    متجهين للصحراء
    عربات الأجرة ممتلئة بالكامل
    خطوط السكك الحديدية مقطوعة
    لن نقفز في النهر.

    الانتظار

    سباحة متواصلة بالداخل
    ومصّدات الموج الأسمنتية القبيحة
    تسد الرؤية على الجانبين

    الشاطئ خلفنا
    مليء بهياكل جيلاتينية
    تنبض في الظلام
    لقناديل بحر
    باغتتها موجة باردة.

    أصحو من النوم ككلب

    تخبرني زوجتي وهي تمزج مقدار كوب واحد من دقيق القمح الأبيض مع قليل من الزيت وبيضة وقليل من اللبن:
    تحتاج لإجازة، تتعرّق وأنت نائم وكلماتك القليلة الواضحة أثناء نومك تحولت لغمغمات خافتة غير مسموعة.
    تتكلم وهي تفرد كرة العجين بالكوب الزجاجي نفسه فوق الرخام البارد قبل أن تقطعها لدوائر متساوية بالفوهة الدائرية للكوب الزجاجي المزخرف
    أُفكر أنّ الكلاب بالتأكيد لا تتشابه
    هناك كلاب سيئة الطبع وأخرى وديعة
    وكلاب أخرى متقلبة المزاج والطباع كالبشر.
    بدلاً من المجادلة أمزج جبن أبيض مع شَبَت أخضر وزيت زيتون في انتظار الإفطار.
    أنا شريك في الجريمة
    الجريمة
    التى لا تُفيد.

    من الجيد أن تسكن جوار البحر
    هكذا أسمع صوت السعادة واضحاً في أذني
    عربات أسعاف مسرعة
    تحمل جثث الغرقى بلا ملل.

    الأسئلة لن تنتهي كمفاوضات مستمرة مع الأرق
    على أية حال
    الجلوس على طاولة المفاوضات جيد
    لا توجد إجابات نهائية
    الغرفة دافئة والمشروبات لا تتوقف
    الأمر بسيط
    مجرد سوء تفاهم حول خطوط التماس.
    للمدينة دائماً قاع أعمق
    هل ستبدو جثثنا المنتفخة أمام الكاميرات
    كما تليق بغرقى من أجيال مختلفة؟
    لم يتغير شيء
    تلميذ خائب يداعب صنارته الجديدة
    الضجر لانهائي
    كشاطئ مهجور في يونيو
    يعرف رفاقي جيداً أنني لا أشكل تهديداً لأحد
    الأمور تسير إلى الأسوأ كما يخبرني الجميع
    وأنا في طريقي إلى البيت اشتريت سيجاراً لأول مرة
    لأتجنّب الدراما
    في بيتي حافي القدمين
    بيدي سيجار سميك
    و قبعتي فارغة من الأرانب
    هكذا سيتأكد الجميع
    أن ما أجيده لا يحتاجه أحد.
    أحتاج فقط
    مزيداً من الوقت
    كي يتسنى لي
    تأجيل الذهاب إلي هناك.
    الصدأ يتراكم بالداخل
    يجب أن نحطم هذه المدن الآمنة
    أسلحتنا كافية
    فأس بلاستيكية حمراء
    ودلو.

  • لؤلؤة سوداء – هرمس

    أرى السفينةَ فى البحرِ
    وأتذكرُ الحوتَ الرمادى، يرقصُ وحيداً على سطحها. لا أذكرُ شيئاً غير هذا، وأنتِ،
    اللؤلؤة السوداء فى المحارة.
    الآن، أنا أهربُ.. أهربُ من كل شىء،
    وحياتُكِ سنبلةٌ أخيرةٌ حطمت إسفلت الرصيف العالى الذى بين عينى وجبهتى.
    ها أنا أسقى صبارى كل يوم أو يومين وأفقد أصدقائى
    وحياتُكِ
    لا أمين فى هذا العالم أرسله إليكِ
    الرسالةُ التى فى حلقى، تضىء بالليل
    الليلُ نفسُهُ لؤلؤةٌ سوداءُ فى إحدى عينيك
    وفى العينِ الأخرى، يهون العالم.