المدونة

  • يخلون سرير محبتهم – عبد الله السفر

    يخلون سرير محبتهم – عبد الله السفر

     

    دَفَعَ بدمعتِهِ الرسولُ، وهامَ طَيَّ رسالةٍ لم يحملْهَا. أُخِذَ بالتهدّجِ، نالَهُ يأسُ الكائنِ، فراغُ الأملِ من صاحبِه، نفاذُ السكينِ، عُريُ الوردةِ من شوكتِها. وهذا الليلُ الذي لا يحسنُ مدافعتَه، حين الأصدقاءُ بمناكبَ مذعورةٍ يُخْلُونَ سريرَ محبّتِهم ويتهافتون إلى مراكبَ مخلّعةٍ مشقوقةِ الأشرعة. يعرفون أنها ليست مأوى في اليابسة، ولا تصمدُ لماء.


    يغادرون فحسب لأنّ الرسولَ فاضتْ به الدمعةُ، وانجرحتْ منه الحنجرةُ؛ فطاشتْ سهامٌ خفيّةٌ لا ترأفُ. سُمُّها ضارٍ يبدّدُ الروحَ، ينثرُ الجمرَ في اللحمِ. يتسمَّى الجرحُ باسمِه. تنكتبُ الخيانةُ. تَطْلُعُ عروقُها السوداء. وفي الهشيمِ يبينُ رداءٌ. بقيّةٌ من رداء لا تسترُ جثّةً شاختْ واسترسلتْ في العتمةِ، يرجّفُها بَرْدُ العقوقِ، نظرةٌ مقصوفةٌ لطائرٍ فُركتْ أجنحتُهُ.
    ريشٌ في الهواء. يثقلُ. يحطُّ. يأتيهِ الدمعُ من كلِّ مكان. يثقلُ. يحطُّ. يزفِرُ. يفرفرُ.


    لمعتْ الذكرى وانسابَ الحنينُ عن أخلاّءَ متروكين.. مقذوفين بغيرِ يدٍ تهمسُ بالوداع.
    ظهورٌ تراصّتْ، بطّطَتْها القسوةُ. شروخٌ تطلُّ على النسيانِ. هاويةٌ موَّهَتْها الخديعةُ. مكيدةٌ تتربّصُ. صخرةٌ نهضتْ من أوّلِ الليلِ تفحصُ وليمتَها؛ تتبعُ خيطَ الدمعِ، شاغرَ الخطى. فمُ الكهفِ يقترب. ينصبُ اليأسُ مشنقتَه للعابرِ بدمعتِه، للزائلِ بلا أثرٍ.. بلا حلمٍ يهوّنُ.. بلا نطفةٍ من ضوءٍ يريقُه. الصخرةُ تتعقّبُه، تلزِمُه مضيقَ الألم. وفي لحظة الصَّعْقِ الفاجرةِ يتلوّى مبهوتاً. أظلمتْ عيناهُ. تشعّثتْ أشلاؤُه . ضَاءتْ دمعتُهُ سريراً، وفي الأفقِ لاحتْ جنازةُ الغريب.

     

    الظهران ـ 13 فبراير 2003

     

     


    *نص: عبد الله السفر

  • خلوة – هرمس

    يضع المحرر عذابي في كلمة واحدة. الأنقاض، صورنا الملوحة، أنا أسبّ في سرّي، بشكلٍ لا إراديّ، كل الناس. لأحلل هذا، لا بدّ، قالت لي امرأةٌ تشبهُ الإوزّة في كل شيء، حتى في التقاطة السمكةِ التي تنبتُ بينَ رجلي نهر. لا بدّ خذلوك. مرّت سنون على ذلك.

    أنا إلى نزهتي المتبطلة. والنهر بدأ ينهلُ مِنَ البحيرةِ التي شكلتها خلوتنا القصوى بالآلهةِ المتناوشة في هذه النواحي. إليّ بخلوتي مع العالم، إليّ بجوعي الأسمى.

    وضعَ عذابي في كلمةٍ واحدة، جسداني، أنا أنحتُ الهواء الذائب إلى جسدي. أمقتُ الطعام، وأحب الشراب. وعندما أصطفي امرأةً لحياتي، تكونُ المرأة التي سفع جمالها حقلا من القمح، كشمسٍ. كشق القمر في القصب: دربٌ من الدم. وما أدراك، كما يقول حضرة درويشنا ومولانا، لماذا هذا قصبٌ مملوء بالهواء، وذاك بالسكّر؟

    هنا على جبهتي أقفُ والكلماتُ من حولي قد فرغت كالأقلام من المعنى: شربته. يمور في جوفي مور الخمر.

    كم أسمعُ العالم، وكم يسمعني.

  • زياد خداش – سعلةُ أبٍ غائب

    البنت الصغيرة جدّاً، البنت الضريرة، تهمُّ بدخول مدرستها، بطيئة، مبتسمة. أمشي أنا باتّجاه مدرستي، وحين حاذيتها، صدرت عنّي سعلة سريعة وعنيفة، سمعتها تقول بصوت صغير: “ياه، كم تشبه هذه السعلة سعلة المرحوم أبي، أرجوك، اسعل مرّةً أخرى يا عمو”.
    ابتسمت، حاولت أن أعيدها، لكنني لم أنجح؛ فالسعال ليس فعلاً إراديّاً كما نعرف، افتعلتُ سعلة سريعة، لكنها رفضتها قائلةً: “لا لا لا، مش هاي يا عمو، بدّي زي الأولى، أرجوك زي الأولى”.
    مشت باتّجاهي وهي تنظر إليَّ محاولةً توقّع اتّجاه وجهي، اعتذرت منها بارتباك، ومشيت. صرت كلّما تهيّأت لسعال حقيقي في أيّ مكان، أتذكّر ملاكي الضرير وأتحسّر؛ لأنني لستُ أمامَها.
    في صباح آخر، رأيتها تخطو باتّجاه بوّابة مدرستها ببطءٍ جريحٍ وناعم، بطء مليء بالنداءات، بطء يمسك بيد ابتسامةٍ غريبة، فحواها اعتذارات للشارع؛ لأنها مشت عليه، وللمارة؛ لأنها شوّشت طريقهم، ولسائقي السيارات؛ لأنها أبطأت حركتهم، وللهواء؛ لأنها قضمت منه جرعتين أو ثلاثاً، وللوجود؛ لأنها شقّت فيه حيّزاً لأنفاسها وحضورها الجسدي.
    مرّةً داهمتني في الصف نوبة سعال شديدة، ركضتُ بسرعة باتّجاه مدرستها، وهناك أمام مدرّسيها وزملائها نزفتُ كلّ مقدرتي الطبيعية وغير الطبيعية على السعال. وكانت الدنيا كلّها تصرخ في أذني: لا لا، مش هاي، مش هاي عمو، لا لا، مش هاي عمو، مش هاي، بدّي زي الأولى. بدّي زي الأولى.

    ـــــــــ
    من كتاب: أسباب رائعة للبكاء – زياد خداش – عن دار الأهلية للنشر والتوزيع 2016

  • إجراءات الحياة – عبد الله الناصر

    إجراءات الحياة – عبد الله الناصر

    الذين سيبكون عليك بعد الموت يقلّون.
    لكن عليك أن تستمر في خطة المعاداة
    كي لا يبكيك أحد على الإطلاق.
    عليك أن تبدو كريهاً للقلة المخلصة
    كي لا يكسرهم موتك الجميل.
    الذين أظهروا البغضاء هم الكنز
    أما الذين لا زالوا يسألون
    فيعطلون عربتك القديمة
    في موكب الاختفاء .

    ***

    لا تمدد يداً للغريق.
    إذا رأيت شخصاً يغرق
    فدعه بسلامٍ يغرق.

    الغرقى يعيشون.
    الذين لا يغرقون يحتاجون لانتشال.

    ***

    لا تتحدث وأنت واقفٌ مع الحياة.
    أنتَ سمادٌ جيدٌ حين لا تكون على عجل.

    ***

    لا تثق بالعيون التي تستيقظ من النوم.
    لا تثق بالعيون التي تقرأ الخراب والشعر.
    لا تثق بالعيون التي تذهب للوظيفة وتفكر في آخر الشهر.
    لا تثق بالعيون التي تفكر بالأهل
    لا تثق بالعيون التي تنام في الطائرة والقطارات.
    تلك عيونٌ خربة.

    الحياة الحقيقية
    في عيون الدمى.

    ***

    الشعراء يجلسون في البيت
    كالأمهات الخجلات يجب أن يجلس الشعراء في البيت
    يلقون قصائدهم على نبتة الخيزران
    على قدح القهوة
    على دوائر التبغ
    على الجوارب المنشورة والأواني المسنّدة بعد الغسيل
    يلقونها على ظلالهم الخائفة ليلة رأس السنة

    الشعراء لا يلقون قصائدهم على طاولة لامعةٍ أمام الجموع

    الشعراء يلمعون كالأواني المسنّدة بعد الغسيل

    حين يجلسون في البيت.

    ***

    الحياة سنجابٌ بالغ اللطف
    ويمكن إذا ظللتَ هادئاً أن يتسلق قدميك.
    لكن السناجب في نهاية الأمر
    تفضل الأشجار على الناس.

    ***

    أن تضيعَ
    كي يعثر الضائعون عليك

    ***

    تشبه الحكاية امرأةً
    تكتبُ كتاباً عن الضياع
    وكلما أغمضتْ
    هوت في حِجرها الفراشات.

    ***

    المبصرون يفشلون
    لأنهم يضربون مواعيد عمياء مع مبصرين.
    العميان ينجحون
    لأنهم ينجون من مآزق النظر.

    ***

    لا تُضع الوقت في المطار
    لشم عطر امرأة،
    وأنت تستطيع اللحاق بطائرة
    ستسقط في المحيط.

    ***

    ساعة اليد، كالبطاطا، تزيد الوزن.

    ***

    (ليس مسموحاً للمسافرين اصطحاب نظاراتهم في الزلاقة عندما تهوي الطائرة في البحر). لنكن عمليين: ماذا ستفعل زوجة الصياد بنظارتك الطبية حين تعثر عليها في بطن سمكة؟

    ***

    كل ليلة يواصل تمرير خيط الأيام بين أسنانه قبل النوم. يبصق دماً فاسداً في المغسلة. قبل أن يشعل سيجارة بأصابع مرتجفة، ويتابع في هاتفه عاصفةً ثلجية، عبر كاميرا شارعٍ خالٍ من المارة، في نيويورك.

    ***

    أحلامه مكتظة بحقائب لا يحتاجها.
    حقائب كثيرة وبكل الأحجام تستعمل الوقت المخصص لأحلامه، وتتركه يحلم مذعوراً بترتيب الحقائب نفسها كل مساء.

    ***

    أنت تعلم أن كل هذا الذي يحدث لعبة.
    تذكّر فقط أن ركل القبور ليس من أخلاق اللعبة.

  • ريتا جراهام – عندما نحب نكونُ في ضيافة الله

    ريتا جراهام – عندما نحب نكونُ في ضيافة الله

    نص ريتا جراهام التي تبحث عن وطن، فاعتقلها الوطن.

    العزيزة الغائبة ريتا، التي يلفها ظلام أقبية معتقلات بشار الأسد لأنها قالت: أريدُ وطناً بلا رصاص. أبحثُ عنكِ ياريتا، وأقرأكِ بصوتٍ مسموعٍ جيداً لله والملائكة، ينصتون بخشوع بينما أرثيكِ بالحب وأنت على قيد الحياة.
    أؤكدُ لك ياعزيزتي أنهم لا يقدرون على لغتك، ستظلين تصعقينهم بالصدق، وهذه الكلمات الشاهقة لن يتمكن أي وغدٍ من تسلقها.
    عندما نحب نكون في ضيافة الله، إلى فهرسِ الجمال يا صديقتي، إلى القلوب جميعها.

    1

    يا الله،
    أحب أن أكون موجة،
    أما أن أصير بحراً فهذا يفوق طاقتي.

    2

    حتى أصدقائي
    جعلوني بابا
    وفتحوني على ضجر العالم

    3

    الدمعة التى على خدِّ الليل
    قلبُ امرأةٍ
    أكلَ النهار أحلامَها.

    4

    كريح صغيرة
    تمحو الأثر
    تضلل يقظة حارس متفائل
    يحتكر الليل قنديله،
    وتختبئ أفكاره خلف الباب.

    5

    حين نحب نكون في ضيافة الله،
    في ضيافة التفاصيل الصغيرة
    التي مرت بها يداه حين صنع الورد.

    6

    أنا وتر الشمس
    إن غربت بيد الله.

    7

    النّاي الذي وعدته
    بمزيدٍ من الثقوب ليصدح بي
    كان أنا.

    8

    شعوري الآن كمزهريّة على الحافّة
    تحلمُ أن تفقد توازنها
    ولا تفعل.

    9

    بما أني مت تماما الآن
    فلن أرهق عقلي
    بحساب تكاليف الحياة
    فقط سأفكر في مستقبلي
    كشبح.

    10

    هذا النهار العظيم يُشبه أمي
    أمي التي عندما تبتسم يطول كلُّ شيء
    النهارُ وأبراج الكنيسة والمآذنُ والعناقيد والأنهار والأصدقاء .

    11

    كالشعراء أنت..
    لكنك لم تتسلق ظمأ الريح كغصن الماء..
    لم تبنِ بكل وادٍ كعبة من غياب..
    أيها المستجير من الكتابة بالعذاب.

    12

    أمام محل بيع الألعاب والدمى،
    أقف بضع دقائق لأعتذر لطفولتي.

    13

    ننجو في أحلك الظروف،
    ثم نبزغ كالصباح الغافي على كف عفريت،
    لا ندري أي نهار ينتظرنا.

    14

    عرايا نحن..
    نسينا أن قميص الوجد في الركن القصيّ من أحلامنا.

    15

    ومن أحب شخصا بكل جوارحه، قال له: يا أنا.

    16

    الموت لا شيء آخر،
    قد يكون مخرج الطوارئ الوحيد،
    ليحظى المرء بما يستحق من سكينة.

    17

    ارثني يا صديقي الآن ما دمت أسمعك،
    فأنا إن مت لن أسمع نحيبك علي.
    و تعال شاركني أريد أن أحفر قبري معك،
    أريده واسعاً كقلبك.

    18

    منذ سنوات والله منشغلٌ بدفن أصدقائي الطيبين
    أريده أن ينتهي مبكراً، ليشرع في دفني.

  • محمد بنميلود – محاقن هيروين

    كان لزاما عليها أن تنهض وترمي ستيانها من النّافذة، شجرة الرمّان في الحديقة تشبه الخَطّابة. أنا دائمًا لم يكن عندي جيتار لأطوف به على نوافذ الجميلات المنمّشات، كنت أحبّ الأرامل، وأحيانًا تكرمني الرّيح بستيان.

    أستطيع بسهولة ودون تكلّف، كتابة نصوص كثيرة كهذه حين تكون الجرعة كافية، عن شامات في ظهرك، فقط نامي على السّرير كمصطافة في البحر، واتركي المهمّة الصّعبة لخيالي.

    لا يهم كثيرًا وزنك ولا طولك ولا لون بشرتك، للخيال أجنحةُ ملائكةِ الرسّامين.
    سيكون عدد الشّامات بعدد نجومِ مساء فوق سماء القرية، وأنا كلّ مرّة سأخطئُ العدّ.

    تجلس العازفة أمام البّيانو كسائقة اليخت، المعزوفة تتحوّل إلى رياح في المتحف المهجور، السّتائر ترتفع حتى السّقف وتنزل، وكلّما ارتفعت تتشتّت الشّامات، ويبدو السرّ عاريا.

    السّتائر: إنّها تنانير المكان.

    ماذا سيقولون لكِ وأنت تصعدين أدراج القلعة القديمة بثياب السّباحة، الرّجال بالخوذات الحديديّة، حرّاس الأبراج، أشباح حرب طروادة.
    سيتطوّع رسول على فرس منغوليّة، ليقول لنا إنّ التّوت نضج في الأكمة البعيدة، والنّسائم ستتنهّد، وتموت.
    امرأة مثلك من القرن الواحد والعشرين، تصعد عائدة من الشّاطئ، عبر ممرّات القرن الخامس عشر الحجريّة، إلى سريرها العائم في التّاريخ.

    هذا هو خراب الحقيقة.

    لكن، دعيني أقول لكِ إنّ امرأة أخرى، ستخرج من لوحة تيتيان عارية بالكامل ومكتنزة بالألوان، تاركة لي شالاً طويلاً بلا نهاية من حرير النّظرة، أخضر يمتدّ ليصير قوس قزح، الرسّامون سيقفون في صفّ طويل، وسيرسمون الهواء.
    هذا هو خراب الخيال.

    مرارًا نمتُ تحت أسرّة الأزواج، لم أُضبط ولا مرّة، قشّرت أقمارًا كثيرة تحت سريركِ، وأكلتُ ستيانك، كان بنكهة رمّانة حزينة. أحيانًا قليلة فقط كنتُ أبقى حزينًا أنا أيضًا، لا يكون عندي جيتار أطوف به في الظلام والبرد، على مخادع البنات السمراوات.
    لذلك أحببت الملكة في صورة تطل من شرفة، أبقى وحيدًا بعض الوقت لأجلها، بعيدًا عن شلّة أصدقائي، يقهقون كلّ مساء في بار، يضغطون مرارًا على مزمور سيّارة الفورد السّوداء الطّويلة كي أنزل، البنات بالميني جيبّ وبالسّتريتشات جالسات فوق مقدّمة السيّارة، والأولاد في الخلف يتعاطون الحقنات.

    كثير من المرح تصنعه جوقة أصدقائي لأجلي، بالزّعيق وبالضّغط على مزمور الفورد الكلاسيكيّة الطّويلة المسروقة، لكنّي أقرّر أحيانًا رمي محاقن الهروين إلى الحديقة، والبقاء وحيدًا، لأجل عشق ملكة عجوز في صورة، متأمّلا في عينيها الجميلتين الواسعتين ماضيها المجيد الطويل، ومستقبلها الغائم، الذي كان في الحكايات القديمة مأساويا أكثر من إعدام.

    حين تبتعد جوقة أصدقائي، أفتح الشّرفة على مصراعيها كفخذين، وأقول عن النجوم إنّها شاماتك.

    محاقن الهيروين، تتحوّل في العتمة إلى أشجار رمّان.

  • مثنى وثلاث ورباع – طلال فيصل

    مثنى وثلاث ورباع – طلال فيصل

    إلى التي سألت :
    هل من الممكن أن تتزوج عليّ ؟
    طبعا ممكن
    فلنتصارح قبل مرور العمر الرائع
    بين يدينا ومضة برق
    ولنتفاهم ولنتفق الآن برفق
    لا يوجد رجل في الدنيا
    تكفيه امرأة واحدة
    خير الله كثير حولي
    وأنا لست قليل الذوق
    وأنا رجل يفهم في الحب وفى الشوق
    كفى عن خبط المنضدة ولا تنفعلي
    ، لا تمتعضي ..
    لا تنصرفي
    ودعيني أبسط آرائي قبل..الشنق
    حين يمر العام الأول
    نبدأ نشعر أن الدهشة
    فقدت في القلب ملامحها
    يفقد فينا الشوق صباحه
    أن الملل تجرأ ليزور مدينتنا
    نبدأ نزعم أنا نحتاج إلى راحة
    لكن حين ستقتربين فأسمع همسك
    عندي لك خبر فتماسك
    وتشيرين لبطنك في خجل
    فأراني كالمجنون أحاول أفهم
    هل سأصير أبا بالفعل !
    وأسمع قلبي بين ضلوعي
    خيلا تتراقص في الساحة
    وألاحظ ما تفعل فيك شهور الحمل
    و خطوة مشيتك المرتاحة
    وتصيرين كزهرة لافندر فواحة
    ومدورة كالتفاحة
    وحين أراك أتيت إلى بخير هدية
    وجبينك وسط الإرهاق
    كصحراء تبحث عن واحة
    يأخذ قلبي شكلا آخر
    وتصيرين امرأة أخرى
    **
    لا أتشاءم ,, لكن عفوا
    حين يدب خلاف أول ,,يركب عقلي موج الغضب
    فيركب قلبك موجا أطول,, يرتعش غروري فلتذهب
    ما أحلى طعم الحرية
    لن أعتذر ..ولن أنكسر ..ولن أتوسل
    ثم يمر اليوم فأندم :
    كم كنت غبيا ومغفل … و أبعثر خطواتي نحوك
    طفلا خجلا مما يفعل ,, حين سأدرك أن حياتي
    ليس تساوى دونك شيئا
    وحين سأطبع فوق جبينك أول قبلة صلح بينا
    يأخذ قلبي شكلا آخر
    وتصيرين امرأة أخرى
    **
    حين ينام على كتفينا زهر العمر
    يحكمنا القانون الأبيض
    تختبىء وراء الحناء
    بقايا الشعراوات السمر
    نحتضن الماضي في صمت
    لن يتبقى غير قوارير من الوحدة
    يغلقها فينا الأبناء بختم الهجر
    ننتظر مكالمة تأتى أو لا تأتى ,, ننتظر مراسيل البحر
    وجع الركبة ..أدوية السكر والضغط ,,, وتسندنا حين نقوم نصلى الفجر
    وحين أراك ..
    ترتشفين القهوة صمتا
    في جلسة ما بعد العصر
    يأخذ قلبي شكلا آخر
    وتصيرين امرأة أخرى
    حين وحين وحين
    كفى عن طرح الأسئلة
    ودعينا الآن
    لكي نشهد ما يفعله فينا الزمن
    وعبث فروقات التوقيت
    ملك يأمر لنطاوعه كالأتباع
    يهدم لو شاء ملامحنا
    ويشيد للروح قلاع
    وقفي معي لكي نتأمل
    لغة الوقت ولغة الريح
    وحركة دوران الإيقاع
    يا سائلتي هل هو ممكن !
    طبعا ممكن
    أنت الان بكل بساطة
    مثنى وثلاث و .. رباع

  • بدر شاكر السياب – سوف أمضي

    سوف أمضي أسمع الريح تناديني بعيداً

    في ظلام الغابة اللفّاء .. والدّرب الطويل

    يتمطي ضجراً، والذئب يعوي، والأفول

    يسرق النجم كما تسرق روحي مقلتاك

    فاتركيني أقطع الليل وحيدا

    سوف أمضي فهي ما زالت هناك

    في انتظاري

    **

    سوف أمضي. لا هدير السيل صخّابا رهيبا

    يغرق الوادي، ولا الأشباح تلقيها القبور

    في طريقي تسأل الليل إلى أين أسير

    كل هذا ليس يثنيني فعودي واتركيني

    ودعيني أقطع الليل غريبا

    إنها ترنو إلى الأفق الحزين

    في انتظاري

    **

    سوف أمضي حوّلي عينيك لا ترني إليّا

    إن سحراً فيهما يأبى على رجلي مسيرا

    إن سراً فيهما يستوقف القلب الكسيرا

    وارفعي عني ذراعيك … فما جدوى العناق

    إن يكن لا يبعث الأشواق فيّا ؟

    اتركيني ها هو الفجر تبدى، ورفاقي

    في انتظاري .

  • سارة عابدين – فاصل قبل نهاية العالم

    سارة عابدين – فاصل قبل نهاية العالم

    سينتهي العالم قبل أن أضع قدمي بداخله
    قبل أن أقبض على أحشائه
    قبل أن ألتهمه
    قبل أن ينتهي البنّاءون من العمارة الكبيرة في مدخل الشارع
    قبل أن تصدق ابنة حارس العمارة إن الذي يتحسس جسدها ليس عفريتاً عاشقاً
    قبل أن يفرغ الحوض من الأواني المتراكمة
    قبل أن تذوب الدهون
    قبل أن أتقن صنع كيك البرتقال
    سينتهي العالم واقفا بشكل عرضي في حلقي
    الأفكار المتأرجحة والكتب المؤجلة سأبصقها
    أغلق الهاتف في وجه العالم المعلق بداخلي
    وأجبر عيني على اعتياد الرؤية في الظلام
    سينتهي العالم وأنا يجب أن أنام
    لن أستطع حمل سريري معي إلى هناك
    ولن أجد وقتاً لتغيير الملاءات
    العالم سينتهي قبل أن أُصدق الرغبة في التخلي عنه
    العالم سينتهي وأنا لازلت أتشبث بأطرافه قبل أن ينغلق على جثتي وينهار .

    كتابة: سارة عابدين
    صوت: محمد الشموتي

  • أثير صفا: بالصوت تُقاس المسافات

    بالصوت تُقاس المسافات

    قيس البُعد بين الأرض والقمر من خلال إرسال شعاع ليزر ثم قياس زمن ارتداد هذا الشعاع إلى الأرض، وهكذا هي المسافة بين المبدعين ونصوصهم، تقاس من خلال ارتداد صوت كلماتهم إليهم، ليدركوا كم هي بعيدة عنهم أو كم هي قريبة منهم. ولأن صوتك صدانا؛ “الإيكو” الذي يلحّ على “الإيجو”، لم نعد نستغرب وجود أسطورة إغريقية حول الإلهة إيكو التي أثارت حنق نرسيس بتردادها لآخر كلمة ينطق بها، فحزنت من نفوره منها، واختبأت داخل الكهوف ثم دعت الآلهة أن يتعذب نرسيس ببؤسه، فمات غرقًا بحب ذاته.

    على إيكو في أسطورة الحاضر أن تخرج من كهفها وترتد إلينا كي لا نموت أمام بحيرة ساكنة تنعكس عليها وجوه واهمة، فالصورة زيف والصوت فضح للمسافة الحقيقية بيننا وبين النص؛ ونصوصنا أقمار تدور حولنا كدوران قطع معدنية لا تستقر على وجه إلا بعد أن تحدث شيئًا من الجلبة، فكُن جلبتنا.

    أثير صفا – كاتبة فلسطينية

  • سنترك المدينة خلفنا – إبراهيم السيد

    سنترك المدينة خلفنا – إبراهيم السيد

    مختارات من ديوان: أحد عشر كلباً لإبراهيم السيد

    الحياة كانت في الأصل شجرة

    الجغرافيا التي جمعتنا داخل عربة حنطور كانت كافية لينشد السائق “رق الحبيب”
    كاملةً مرتين قبل أن نعبر شارع البحر وصولاً للمنتزه.
    اكتفينا بالنوم فوق عشب الذاكرة الطري
    هشام يكن يتكلم عن روح سنة 90 عبر راديو ترانزستور أحمر صغير
    الحنين للتسعينيات يؤلم المؤخرة كمقعد دراجة هندية الصنع مقاس 24
    صديقتي غريبة الأطوار ممددة بجواري
    قدماها القصيرتان مغطاتين بالدماء
    الرغبة التي تنمو بين أفخاذنا
    قرينة القطارات
    حيث للذروة صوت نفير
    كما علّمتنا أفلام الأبيض والأسود
    لم يلحظ أحد منا
    الفخاخ المنصوبة أمامنا
    لاصطياد العصافير.

    A Gloomy Sunday Morning
    أو
    الحياة كخلية نائمة

    صديقتي غريبة الأطوار تمارس تدريبات الجري في المكان بينما أنظف الجدار المزخرف مستخدما سائل للتنظيف وردي اللون
    كان تركيب ورق الحائط قبل خمسة وعشرين عاماً، بزخارفه البارزة وأشجاره الخضراء الباهتة دليلاً منقوش على أهمية التغيير.
    كنت في الخامسة
    خيوط زاهية الألوان تملأ الأرفف،
    أمي الوفية لموديل المرأة الحديثة لمجلة حواء
    تبحث عن بكرة خيط ماركة كفر الدوار
    لثبات لونها عبر الزمن.

    بدأ العمال في صب الأساسات الإسمنتية الخضراء
    داخل هياكل خشبية مشدودة بأحكام
    بعد أن تم تخطيط قطعة الأرض الممتدة أمامي بالجير الأبيض
    وأمي في الجهة المقابلة
    صامتة كإله
    تمسك بطرف خيط خلفته طائرة ورقية ملونة
    تشبه الحياة
    قريبة جداً
    وعالقة
    بشجرة.

    سحر الفاشية الخفي

    يبدو ربيع 2012 مؤلما بزهوره الصفراء الصغيرة التي تملأ حديقة المستشفى
    أشجار الكريسماس المتربة
    Made In China
    للزينة الحمراء
    رائحة ثمار فراولة
    تغطيها طبقة بيضاء لزجة من العفن.
    هكذا تخاف صديقتي من جسدها؛ جسدها المحايد
    كحليف غير مأمون تماماً،
    في معركة المحبة.
    الفاشية التي نمت في المدارس تغزو الشوارع الآن.
    لسحالي تجوب الطرقات
    والدولة أشباح تضغط فوق أصابعنا النحيلة.

    المارشات العسكرية تذكر بالخمسينيات السعيدة: خدود شادية الوردية وميلودراما السينما المقتبسة عن غادة الكاميليا
    النسخ الجديدة شائهة والدبابات ومجنزرات أخرى
    تحتل الشوارع.
    في خلفية المشهد “المهرجانات” نشيد وطني
    لجيوش جرارة من بائعي الولاعات، ورجال الدولة وآخرين.
    سنترك المدينة خلفنا
    متجهين للصحراء
    عربات الأجرة ممتلئة بالكامل
    خطوط السكك الحديدية مقطوعة
    لن نقفز في النهر.

    الانتظار

    سباحة متواصلة بالداخل
    ومصّدات الموج الأسمنتية القبيحة
    تسد الرؤية على الجانبين

    الشاطئ خلفنا
    مليء بهياكل جيلاتينية
    تنبض في الظلام
    لقناديل بحر
    باغتتها موجة باردة.

    أصحو من النوم ككلب

    تخبرني زوجتي وهي تمزج مقدار كوب واحد من دقيق القمح الأبيض مع قليل من الزيت وبيضة وقليل من اللبن:
    تحتاج لإجازة، تتعرّق وأنت نائم وكلماتك القليلة الواضحة أثناء نومك تحولت لغمغمات خافتة غير مسموعة.
    تتكلم وهي تفرد كرة العجين بالكوب الزجاجي نفسه فوق الرخام البارد قبل أن تقطعها لدوائر متساوية بالفوهة الدائرية للكوب الزجاجي المزخرف
    أُفكر أنّ الكلاب بالتأكيد لا تتشابه
    هناك كلاب سيئة الطبع وأخرى وديعة
    وكلاب أخرى متقلبة المزاج والطباع كالبشر.
    بدلاً من المجادلة أمزج جبن أبيض مع شَبَت أخضر وزيت زيتون في انتظار الإفطار.
    أنا شريك في الجريمة
    الجريمة
    التى لا تُفيد.

    من الجيد أن تسكن جوار البحر
    هكذا أسمع صوت السعادة واضحاً في أذني
    عربات أسعاف مسرعة
    تحمل جثث الغرقى بلا ملل.

    الأسئلة لن تنتهي كمفاوضات مستمرة مع الأرق
    على أية حال
    الجلوس على طاولة المفاوضات جيد
    لا توجد إجابات نهائية
    الغرفة دافئة والمشروبات لا تتوقف
    الأمر بسيط
    مجرد سوء تفاهم حول خطوط التماس.
    للمدينة دائماً قاع أعمق
    هل ستبدو جثثنا المنتفخة أمام الكاميرات
    كما تليق بغرقى من أجيال مختلفة؟
    لم يتغير شيء
    تلميذ خائب يداعب صنارته الجديدة
    الضجر لانهائي
    كشاطئ مهجور في يونيو
    يعرف رفاقي جيداً أنني لا أشكل تهديداً لأحد
    الأمور تسير إلى الأسوأ كما يخبرني الجميع
    وأنا في طريقي إلى البيت اشتريت سيجاراً لأول مرة
    لأتجنّب الدراما
    في بيتي حافي القدمين
    بيدي سيجار سميك
    و قبعتي فارغة من الأرانب
    هكذا سيتأكد الجميع
    أن ما أجيده لا يحتاجه أحد.
    أحتاج فقط
    مزيداً من الوقت
    كي يتسنى لي
    تأجيل الذهاب إلي هناك.
    الصدأ يتراكم بالداخل
    يجب أن نحطم هذه المدن الآمنة
    أسلحتنا كافية
    فأس بلاستيكية حمراء
    ودلو.

  • لؤلؤة سوداء – هرمس

    أرى السفينةَ فى البحرِ
    وأتذكرُ الحوتَ الرمادى، يرقصُ وحيداً على سطحها. لا أذكرُ شيئاً غير هذا، وأنتِ،
    اللؤلؤة السوداء فى المحارة.
    الآن، أنا أهربُ.. أهربُ من كل شىء،
    وحياتُكِ سنبلةٌ أخيرةٌ حطمت إسفلت الرصيف العالى الذى بين عينى وجبهتى.
    ها أنا أسقى صبارى كل يوم أو يومين وأفقد أصدقائى
    وحياتُكِ
    لا أمين فى هذا العالم أرسله إليكِ
    الرسالةُ التى فى حلقى، تضىء بالليل
    الليلُ نفسُهُ لؤلؤةٌ سوداءُ فى إحدى عينيك
    وفى العينِ الأخرى، يهون العالم.

  • أحبكِ وأنتِ لا تعرفين ذلك – محمد بنميلود

    أحبكِ وأنتِ لا تعرفين ذلك – محمد بنميلود

    أحبُّكِِ،
    أنتِ لا تعرفين ذلك،
    تظنّيني رَجُلاً من ذكريات حزينةْ،
    أضع جاَكِيتِي على كتفي دون أن ألبسها
    وأتجوّل في المساء وحيدًا على القناطر.

    ذاكرتي غسلها المطر والضّباب،
    أحبّ تساقط أوراق لولبيّة من الشّجر العالي،
    أحبّ شمسَ الصّباح والحليبَ باردًا دون قهوة،
    أحبّ الصفَّ الأماميّ في الحرب
    بمذراة بدائيّة في يدي،
    وأحبّ أن أتبعك راكضًا وسط الحقول،
    شَعْرُكِ يتطاير مع العصافيرِ الهاربةِ من القنّاصين،
    والزُّهورُ الصَّغيرةُ تدلّني عليك.

    أحِبُّكِ، وأنتِ لا تفهمين ذلك،
    تأتي القطارات وتمضي،
    ثقيلة جدًّا فوق السكّة،
    أنتِ لا تعرفين شيئًا عن حياتي
    الّتي تخطفها حياتُكِ من محطّات مهجورة،
    من العربات الأخيرة،
    لقطار الأيّام.
    تظنّين كل شيء حزنًا في حزن،
    فقط لأنَّكِ يتيمة كشجرة صغيرة في الأصيص الكبير،
    في الدّار الزّليجيةّ الحزينة،
    بعيدًا جدًّا، عن الغابة.

    *نص: محمد بنميلود

  • مارك ستراند – قصائد مختارة

    مارك ستراند – قصائد مختارة

    سحر الموسيقى اليومي

    لُمّعَ الصوت الخشن حتى صار صوتاً ناعماً، والذي لُمّعَ بدوره حتى أصبح موسيقى. ثم لمّعت الموسيقى حتى أصبحت ذاكرة ليلةٍ في البندقية عندما سقطت دموع البحر من جسر التنهدات، والتي لُمّعتْ أيضا حتى انتهى وجودها وفي مكانها وقف بيت خالٍ لقلبٍ كَدِر. ثم فجأة كانت هناك شمس وعادت الموسيقى وتحرك المرور وهناك في البعد، على حافة المدينة، ظهر خط طويل من الغيوم، وكان هناك رعد، والذي بالرغم من تهديده أصبح موسيقى، وذاكرة الذي حدث بعد البندقية كانت ستبدأ، وما حدث بعد أن انكسر بيت القلب الكدر لنصفين، كان سيبدأ هو الآخر.

    إبقاءُ الأشياء كاملةً

    في الحقل
    أنا غياب الحقل.
    هذه
    هي الحال دائما.
    أينما أكون
    أكون أنا ما هو ناقص.
    عندما أمشي
    أشق الهواء
    ودائما
    يلتحم الهواء
    ليملأ الفراغ
    حيث كان جسدي
    لدينا كلنا أسباب
    للحركة
    أنا أتحرك
    لأبقي الأشياء كاملة

    رجل و جمل

    عشية عيد ميلادي الأربعين
    جلست في الشرفة لأدخن
    عندما مر بي رجل وجمل من العدم.
    لم ينطق أيهما بصوت في البداية،
    ولكن بينما ينجرفان بطول الشارع
    خارجين عن البلدة، بدأ كلاهما في الغناء.
    ولكن ما كانا يغنيانه ظل لغزا بالنسبة لي
    الكلمات كانت غير واضحة، والنغمة
    مزخرفة جدا ليمكنك أن تتذكرها. في الصحراء
    دخلا وبينما يمضيان، علا صوتاهما
    كصوت واحد فوق صوت الغربلة الذي
    للرمال التي تعصف بها الرياح. روعة غنائهما،
    خليطه المرواغ من إنسان و جمل، بدا
    كصورة مثالية لكل الأزواج النادرين.
    هل كانت تلك الليلة التي انتظرتها طويلا؟
    أردتُ أن أصدق أنها كذلك،
    لكن بالضبط عندما كانا يختفيان، توقف الرجل
    والجمل عن الغناء، وركضا عائدين إلى البلدة.
    وقفا أمام شرفتي، وحدقا إلى الأعلى إلي بعيونٍ غاضبة
    وقالا:
    “لقد أفسدته. لقد أفسدته للأبد”

    الوصول الغامض لرسالة استثنائية

    لقد كان يوما طويلا في المكتب وكانت رحلة طويلة عائدا إلى الشقة الصغيرة التي أعيش فيها. عندما وصلت إلى هناك فتحت النور ورأيت مظروفا على الطاولة وعليه اسمي. أين كانت الساعة؟ أين كان التقويم؟ كان خط أبي، ولكنه كان ميتا منذ أربعين سنة. وكما قد يفعل المرء، بدأت بالتفكير أنه ربما، ربما فقط ، كان حيا، ويعيش حياة سرية في مكان ما بالقرب من هنا. كيف إذن يمكنني أن أفسر المظروف؟ لأهدئ نفسي، جلست، وفتحته، وسحبت الخطاب. “إبني العزيز،” كانت تلك الطريقة التي بدأ بها. “إبني العزيز” ثم لا شيء.

    سطور الشتاء

    قل لنفسك
    بينما يبرد الطقس ويسقط الرمادي من الهواء
    أنك ستمضي قدما
    ماشيا، سامعا
    النغمة نفسها حيثما وجدت نفسك
    داخل قبة الظلام
    أو تحت الأبيض المتشقق
    لنظرة القمر في وادي الثلج.
    الليلة وبينما يبرد الطقس
    قل لنفسك
    ما تعرفه والذي هو لا شيء
    إلا النغمة التي تعزفها عظامك
    بينما تمضي. وستكون قادرا
    لمرةٍ أن تستلقي تحت نار نجوم الشتاء الصغيرة.
    وإذا حدث أنك لا تستطيع
    أن تمضي قدما أو تعود
    ووجدت نفسك
    حيثما ستكون في النهاية،
    قل لنفسك
    في المرور الأخير للبرد عبر أطرافك
    أنك تحب ما أنت عليه.

    الفكرة

    لنا، أيضا، كانت هناك أمنية أن نمتلك
    شيئا وراء العالم الذي نعرفه، وراء أنفسنا،
    وراء قدرتنا على التخيل، شيء رغم ذلك
    نستطيع أن نرى فيه أنفسنا؛ وهذه الرغبة
    أتت دائما عابرةً، في الضوء الشاحب، وفي برودة شديدة
    لدرجة أن الثلج في بحيرات الوادي تشقق والتفت حوافه،
    والجليد العاصف غطى كل الأرض التي رأيناها،
    ومشاهد الماضي، عندما طفت ثانيةً على السطح،
    لم تبدُ كما كانت عليه، إنما كانت شبحية وبيضاء
    بين انحناءات زائفة وامّحاءات مخفية
    ولم نشعر أبدا ولو لمرةٍ أننا اقتربنا
    حتى الليلة التي قالت فيها الريح، ” لماذا تفعلوا هذا،
    الآن بالذات؟ عودوا إلى المكان الذي تنتمون إليه؛”
    وهناك ظهر، بنوافذه الوهّاجة، صغيرا،
    في البُعد، في المدى المتجمد، كوخ؛
    وقفنا أمامه، مندهشين من وجوده هناك،
    وكنا لتقدمنا إلى الأمام وفتحنا الباب،
    وخطونا إلى داخل الوهج ودفّأنا أنفسنا هناك،
    لولا أنه كان لنا بكونه ليس لنا،
    ويجب أن يظل خاليا. كانت تلك هي الفكرة.

    النهاية

    لا يعرف كل رجل ما سيغنيه في النهاية،
    مشاهداً المرفأ بينما تبحرُ السفينةُ بعيداً، أو ما الذي سيبدو عليه الأمر
    عندما يمسكه زئير البحر، ساكنًا، هناك في النهاية،
    أو ما الذي سوف يتمناه عندما يكون واضحا أنه لن يعود أبدًا.
    عندما يكون الوقت متأخرًا على تشذيب وردة أو التربيت على قطة،
    عندما لا تظهر ثانيةً الشمس وهي تشعل العشب، ولا القمر وهو يُثْلِجُه ثانية.
    لا يعرف كل رجل ما الذي سيكتشفه بدلا عن هذا.
    عندما يميل ثقل الماضي على اللاشيء،
    وتصير السماء ليست أكثر من ضوءٍ مُتَذَكّر، وحكايات السحاب المرتفع
    والسحاب المنخفض تأتي لنهاية، وكل الطيور تَعلَقُ في الطيران،
    لا يعرف كل رجل ما الذي ينتظره، أو ما الذي سيغنيه
    عندما تنزلق سفينته في الظلام، هناك في النهاية

    الغموض والعزلة في توبيكا*

    العصرُ يغمَقُّ تدريجيا ليصير مساءا. يسقط رجلٌ أعمقَ فأعمقَ في حلزون النوم البطيء، في انجرافته، في طوله، خلال ما يبدو كضباب، ويصل أخيرا إلى باب مفتوح يعبر خلاله من غير أن يعرف السبب، ثم مرةً أخرى ومن غير أن يعرف السبب يذهب إلى غرفة حيث يجلس و ينتظر بينما تبدو الغرفة وكأنها تضيق عليه والظلمة أحلك من أي ظلمة عرفها، ويشعر بشيء يتشكل داخله من دون أن يكون متأكدا مما هو، تنمو سيطرة الشيء عليه، وكأن حكايةً على وشك أن تنفض، فيها شخصيتان، المتعة، والألم، ترتكبان نفس الجريمة، الجريمة التي هي له، التي سيعترف بها مرةً تلو مرةٍ، إلى أن لا تعني شيئا.

    (*) توبيكا هي عاصمة ولاية كنساس الأمريكية.

    اللاجدوى في كي ويست (*)

    كنتُ ممددا على أريكة، على وشك النوم، عندما تخيلت هيئةً صغيرة نائمةً على أريكة مطابقة لأريكتي. “استيقظ، أيها الرجل الصغير، استيقظ،” صرخت. “التي تنتظرها تصعد من البحر، ملفوفةً بالزّبَد، وقريبا ستصل للشط. تحت قدميها ستتحول حديقة الشجن إلى خضرة ناصعة، والنسمات ستصبح خفيفة كنَفَسِ رضيع. استيقظ، قبل أن تذهب مخلوقة الأعماق ويصبح كل شيء خاويا كالنوم.” كم أحاول أن أوقظ الرجل الصغير بشدة ، وكم ينام هو بشدة. والتي صعدت من البحر، راحت لحظتها، كم أصبحت شديدة – كم أصبحت يابسة تلك العيون المشتعلة، ذلك الشعر المشتعل.

    (*) كي ويست هي جزيرة في مضايق فلوريدا بأمريكا الشمالية

    مارك ستراند

  • موت جماعي لرجل واحد – أثير صفا

    نص: أثير صفا
    صوت: محمد الشموتي
    لوحة: فنسنت فان جوخ
    موسيقى: Fantasia on Greensleeves

    تلبس الأسود عليك سبعين عقدًا حتى التمام، حدادًا على فقدك، على وقتك القصير معها قِصَر تنورتها ونظرك، فمُت على مهلك، ودعها تلتمس لك في موتك سبعين عذرًا، وتلبس لك في كل يومٍ فستانًا أسود، كلّ مرةٍ، في قَصَّةٍ مختلفة.

    حين ترتدي الأسود على لحمها الأبيض تبدو مثل فيلمٍ قديمٍ فاتَك. من زمنك الجميل لم يبقَ إلا هي، وتسجيل صوتي – ربّي- كم هو رديء. تحتار فيك: بأيّة لغةٍ غير شعريةٍ تصفك ميتًا فترضيك؟!

    تصطفيك، من بين آلاف الذكور ملكةً.. لتموت؟! كيف طاوعتك قدمك على الزلّة على الانزلاق على السقوط عن جسدها كورقة توت؟! والليل طويلٌ بطول لسانك، كمناكفاتك خانق، والنهار أنت من طواه كصحيفةٍ ووضعه تحت إبطه مُخفيًا خبر وفاتك. ولكنّ الموت الجماعيّ مفضوح، كأسرابٍ من الطيور المهاجرة تتساقط دفعةً واحدة، حول امرأةٍ واحدة.

    موتك كثير، غريب، ومدهش.

    مبهر، كما أبهرَتها تلك الأضواء الصفراء في إحدى اللوحات الزرقاء لفان كوخ، وكما أبهرك فان كوخ نفسه. قطعتْ لك عهدًا بأن تغني لك، فقطعتَ لها كلتا أذنيك! المتطرّف لا يسمع. تمرّ الآن في رأسها عناوين المانشيتات في الصحف القديمة، كانت مكتوبةً بخط الرقعة حين عجزت الآلة الكاتبة عن الطباعة بالفونط العريض. آخر مانشيت كُتب بهذا الخط كان مرثيةً لعبد الناصر، يومها تمامًا مات – مذهولاً- آخر الرقّاعين. وموتك كان شبيهًا بموت كليهما معًا، النعي والناعي والمنعيُّ كُنت. وآخر الحِقَبِ أنت، خلاصتها.

    قُلت: “لاَ أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا”، وهي لا تدري أبرحت أم بلغت أم مضيت! لكنها على يقين أنك الآن غير موجودٍ بشكلٍ مُفزع. قوّاد! تنام كالقواد وتتركها بلا قلق ولا مسكّنات ولا حسٍ إنسانيٍ بسيط، ويبقى الليل للبغايا رخيصًا تعيسًا فارغًا مهما امتلأ. كالضمير تموت وتأخذ معك كل الأخلاقيات؛ موجز التاريخ الإنساني، ليبدأ العالم بعدك من الصفر.

    أنانيٌ أنت بموتك الجماعي.

  • نزار قباني – القصيدة الشريرة

    نزار قباني – القصيدة الشريرة

    مطرٌ..مطرٌ.. وصديقتُها
    معها، ولتشرينَ نواحُ

    والبابُ تئنُّ مفاصلُهُ
    ويعربدُ فيه المفتاحُ

    شيءٌ بينهما.. يعرفُهُ
    اثنانِ، أنا والمصباحُ

    وحكايةُ حبّ.. لا تُحكى
    في الحبَّ، يموتُ الإيضاحُ

    الحجرةُ فوضى .. فحُليُّ
    تُرمى.. وحريرٌ ينراحُ

    ويغادرُ زر عروتهُ
    بفتورٍ ، فالليلُ صباحُ

    الذئبةُ تُرضع ذئبتها
    ويدٌ تحتجُّ وتحتاجُ

    ودثارٌ فرَّ.. فواحدةٌ
    تُدنيه . وأخرى ترتاحُ

    وحوارُ نهودٍ أربعةٍ
    تتهامسُ، والهمس مباحُ

    كطيورٍ بيضٍ في روضٍ
    تتناقرُ .. والريشُ سلاحُ

    حبَّاتُ العقدينِ انفرطتْ
    من لهوٍ ، وانهدََّ وشاحُ

    فاللحمُ الطفلُ ، يخدَّشهُ
    في العتمة ، ظِفرٌ سفّاحُ

    وجُزازةُ شعرٍ.. وانقطعتْ
    فالصوتُ المهموسُ نباحُ

    ويكسَّرُ نهدٌ واقعهُ
    ويثورُ ، فللجرحِ جراحُ

    ويموتُ الموتُ.. ويستلقي
    مَّما عاناهُ المصباحُ..

    *
    يا أختي ، لا.. لا تضطربي
    إنيّ لكِ صدرٌ وجناحُ

    أتراني كوَّنت امرأةً
    لي تمضغَ نهدي الأشباحُ

    أشذوذٌ.. أختاهُ إذا ما
    لثم التفّاح التفاحُ

    نحنُ امرأتان .. لنا قِممٌ
    ولنا أنواءٌ.. ورياحُ
    *
    مطرٌ.. مطرٌ.. وصديقتُها
    معها ، ولتشرينَ نواحُ

    والبابُ تئنُّ مفاصلُهُ
    ويعربدُ فيه المفتاحُ

    المزيد من قصائد نزار قباني

  • شارل بودلير – اسكروا كي لا تكونوا ضحايا معذبين للزمن

    شارل بودلير – اسكروا كي لا تكونوا ضحايا معذبين للزمن

    نص: شارل بودلير
    ترجمة: بشير السباعي
    صوت: محمد الشموتي

    اسكروا.. كي لا تكونوا ضحايا معذبين للزمن

    لابد للمرء أن يكون سكرانًا دائما،
    تلك هي الخلاصة..
    تلك هي القضية الوحيدة
    فلكي لا تشعروا بعبء الزمن الفادح
    ـ الذي يحطم كواهلكم ويحنيكم إلى التراب ـ
    لابد لكم من أن تسكروا بلا هوادة.
    ولكن بماذا؟

    بالخمر أو بالشعر أو بالفضيلة،
    بحسب ما تهوون ولكن اسكروا.

    وإذا حدث مرة
    ـ على سلالم قصر أو على العشب الأخضر لحفرة
    أو في الوحدة الكئيبة لغرفتك
    أن أفقت لأن السكر قد تراجع أو تبدد بالفعل ـ

    اسأل الريح
    والموجة
    والنجمة
    والعصفور
    والساعة
    وكل ما يهرب
    وكل ما يتأوه
    وكل ما يدور
    وكل ما يغرد
    وكل من يتكلم؛

    اسأل عن الوقت؛
    وسوف تجيبك الريح
    والموجة
    والنجمة
    والعصفور
    والساعة:
    “إنه وقت السكر..
    لكي لا تكونوا عبيدًا معذبين للزمن،
    اسكروا،
    اسكروا بلا توقف
    بالخمر
    أو بالشعر
    أو بالفضيلة

    بحسب ما تهوون

  • غونار إيكيلوف – الولادة والموت

    الولادة والموت

    نص: غونار إيكيلوف
    ترجمة: عبد النبي أصطيف
    صوت: محمد الشموتي

    الولادةُ بسيطةٌ
    فأنتَ تصبحُ نفسَكَ
    و الموت بسيط :
    فأنتَ لمْ تعُد أنتَ
    و ربّما كانَ الأمرُ على العكس
    كما هو في عالم المرآة :
    الموت يمكن أنْ يكونَ قد أتى بك
    و الحياةُ أطفأتكَ
    يستوي الأمران على هذا النّحو :
    مِنَ الموتِ انبثقتَ

    و الحياة تمحوكَ بالتّدريج.

  • علي الدميني: الفكرة مهمة في بُعدها الثقافي والإنساني

    الفكرة جميلة فنياً،
    ومهمة في بعدها الثقافي والإنساني.
    أتمنى لكم التوفيق والاستمرارية المنتجة لعمل مختلف،
    وآمل الحرص على الاختيارات الجيدة للنصوص الشعرية من كافة المدارس الأدبية.

    علي الدميني – شاعر

  • أسماء عواد: شكراً الإرسال واضح

    لم أعد أعرف إذا كانت هذه عتبة نافذتي أم بابي؛ ربما أمام كعب الأرض المتشقق أمامي تفقد الجمادات خصوصيتها، وأبدو أنا أقل إكتراثاً بما يلتصق حولي متذرعاً بالجاذبية؛ نعم صحيح.. أقطن مشرق المتوسط حيث من المفترض أن نجهز الشمس بدلال زائد يليق بفراشها المغربي؛ إنها شمس صفراء باهتة، بالكاد تمد كفها لنحنيه، زندها خيط لا يراهن عليه ومشيتها في زرقة السماء عرجاء لكأنها دخيلة على حفل لم تدعى إليه يوماً. كان علي أن أُلقم مرجلها حتى يشتعل قرصها ولم أفعل،،، سأرسلها خاوية حبلى فقط بخيبتي، وإن تعربشتها سطور سابحة لن أقمعها من البوح ببعض حروف خرساء.

    ولد يقرأ لعجوز ترهلت روحها؛ يمتطي الأثير ليصطاد النجوم وينسى أن يقفل شوال الخيش المعلق في رقبته فيتناثر صوته بشغب ناصباً كميناً لأذني؛ يعطي للأبجدية مقعداً وثيراً لكأنه باشا إقطاعي يستقبل “هوانم” العربية كلهن حتى المعلولات، يسند المكسورات ويرفع على ظهره المرفوعات ويتوسد المنصوبات ويمنع صرف من يشاء. ذلك الصوت من انتشلني من عتبتي البلهاء ودق مسماراً لي بجانبة شرفته لأسمع أكثر فيما أحيك نار الشمس ولأرسلها عروساً هذه المرة. شكراً لصدى صوتك في حجرات قلبي الأربعة محمد الشموتي، الإرسال واضح.

    أسماء عواد – كاتبة وصديقة الأنطولوجيا