لم يكن شاعرا قط
لكنه يؤوي عش عصافير في حلقه
ويرتدي الأسمال.
ترك أذنيه بعيدا
فوق شجرة الجميز
ومع ذلك يستطيع سماع:
الهمسات المتبادلة بين الحصى،
شهقة الأرض
حين تمضغ بتؤدة بذرة قاسية،
همهمة المياه
وهي تدفن جسدها
بين ذرات التراب
وخطط سرب نمل مثير للشغب،
أنين عود ذرة يلتهمه فأر،
السخرية اللاذعة بين الحشائش الضارة
وحكايات صرصور الليل حول الترعة
وهو يلتهم نقيق الضفادع.
يستطيع رؤية مخالب النسيم الضئيلة جدا
وهي تحصد عطر وردة غافية
هذا العجوز الحجري
الذي يحتضن فأسه
في الميدان.
المدونة
-
رضا أحمد ـ لم يكن شاعرا قط
-
خالد حسان ـ هل من الممكن أن نتحدث – أنا وأنتِ
هل من الممكن أن نتحدث – أنا وأنتِ-
ولو لبضع دقائق في أشياء
قد تبدو تافهة :
كالسياسة ,
أو الاقتصاد ,
أو النظام العالمي الجديد,
أو الحرب الباردة ,
أو التسليح النووي,
أو الخوف من المستقبل ,
أو الكتابة عبر النوعية ,
أو قصيدة النثر,
أو فيلم ” جنينة الأسماك” ,
أو رواية ” دميان ” لهرمان هسه ,
أو البنيوية ,
أو التفكيك,
أو روايتي التي لم تكتمل ,
أو الصيف
أو الملل ,
أو الوحدة ,
أو الجنس,
أو الطبيخ ,
……………….
هل لي أن أشرح لكِ طريقة جديدة لعمل الأرز ؟
ربما جربناها سويا يوما ما ! -
مدحت منير ـ أنصب عيني
أنصب عيني
لأسراب السلمون
وأتخلص أول بأول
من دخاني
في طحالب
بتخبي دموع الشمس
وهي بتستغرب ع المينا
أسيب في كل ساحل
شنطة
أو بطاقة غريبة
أو طفل وحيد
يشبهني
أتصاحب على لمبة بتتطوح
قدام خمارة
وأخرج في المطره
أتخانق
مع قاطع طريق في الحي الهادي
على مومس جميلة
أقتله
وتحبني موت
طول ما المركب واقفه
ياريتني كنت بقيت
مثلا
شخص مهذب
ف مدينة قديمة
بيعشق أسماك الزينة
ويحب مراته
يذاكر للأولاد
في الدفا بالليل
ويصحى الصبح
ينزل م الدور الخامس
يتأمل نفسه
ف وسط الزحمة
وهو بيتمنى
يكون
بحار -

وئام غداس ـ أحرك فمي لأمضغ العدم
أحرك فمي لأمضغ العدم
أريد معدة صلبة لهضم الحصى
وفما مرنا كباب أوتوماتيكي
لسف التراب في ثانية
أكلت الطريق
الدرب الوعرة
والألواح المشيرة إلى الوجهات،
أسهمها الحادة لم تثقب أمعائي
سارت كلها في الاتجاه الصحيح
الأرض صغيرة صغيرة
ها هي مستقرة في بطني
بجبينها المقطب
وكحلها السائل
وشعرها المنكوش
الأرض أسوأ ما أكلت
أستفرغها،
وحيث كانت على كرسيها الهزاز
أرجعها
قصيرة، كثيفة
كقصيدة هايكو
أبحث في معلقات الجاهلية
عما أسد به حفرة جوعي
لحياة أطول
وأفكر أننا جميعا
كنا – دون تقدير –
أكبر من الأرض! -

زهير كريم – أغلق باب شقته
أغلق باب شقته،
أغلقها جيدا،
ثم خاف أن يتخاذل
في اللحظة الاخيرة،
فأسقط مفتاحه في الهاوية.
أوصد النوافذ أيضا،
وأسدل الستائر
كي تظهر صورته لاحقا
مثل الورقة الصفراء الوحيدة
التي على الكرسيّ الوحيد .
كانت في يده قصيدة،
شيئا عن الوحيد الذي انطفأت جمرة الحب في قاعه،
الرجل الذي اكتشف،
أن العالم مجرد مزحة
يرافقها ما يشبه صوت الريح
وهي تدورعلى ميّت
في شقته التي في الطابق الخامس
من عمارة الباسفيك
مزحة تتعلق بغريب آخر يعبر
حقل العزلة
كما يعبرالى الأماكن المجهولة
كلّ طائرغريب. -

محمد زياد الترك ـ الطَّريق الى الآخِرةِ
(الطَّريق الى الآخِرةِ
لم يعدْ مُعقّداً
حتّى انّه مُعبَّد ومُضاء،
مُزدحمٌ بعض الشّيءِ بالأرواح
لكِنّه سالك)..
بهذا الوَصفِ الــبسيط أستطيعُ أن أتلَاعبَ في عقلك كثيراً، وأجعل رغبتك في الرَّحيلِ قلقةٌ ومُتأهِّبة،.
للتوِّ أرسلتُ أم صابرةٌ لربّها
بكَلمتين خفيفتين على اللِّسانِ
والحقت بها أولَادها..
أُثرثرُ فقط للبائســين وأُفسح لهم الطّريق. ولهم حقّ اختيارِ أداةٍ تساعد أرواحهم على التَّحليق
من الرِّيشةِ إلى ثاني أُكسيدِ الكربون.
الوحدَة الآن ممِلّة.
ومُكتظَّةٌ بالسُّكون
واللّيل أصعَبُ من أن أعبُره.
الاشْتياقُ كون خصب للتفكر
وسببٌ رئيسٌ لِلضَّجر
واليدُ الواحِدة لن تُصفّق.
الأرضُ خاوية
والطّبيعةُ تُمارسُ حياتها
كَأنَّ شيئاً لم يَكن
مُذ قالَ اللهُ (خلقناكُم) إلى قولهِ (يُميتُكم).
اد
ذنبُ الحِكمةِ أنّها ثقيلةٌ
لا رأس يُفسِّرها
وسوءاتها أنّها كلمات.
العاقلـينَ تجرحُهم المُوسيقى
الحكمةُ اذن ما تَفعلُ بهم ان كانت كلمات؟.
الطّريق إلى الآخرةِ لم يعُد مُعقّدا. والوحدة مُملّة يا هذِهِ
والقلب مُبتَلٌّ بِالاشتياق
والأرضُ خاويَة
أمّا الله فيميت في وضَحِ التّمني. والثّرثراتُ مثل اليدِ الواحدة لا هسيس لِوقعِها
والحكمة تُصِرُّ أنَّ تعثِّر اللّقاء
بَابٌ مُتاحٌ لِلرَّحيلِ. -
أماني خليل ـ بقايا علاقات الانسان
بقايا علاقات الانسان
خطيرة جداً
مثل بقايا الحرب
حادة كأمواس الحلاقة
التماعة عين عند تقاطع شارعين
أحدهما يرى البحر
مذاق كعكة خبزت
في يوم ماطر
حنين مباغت لرائحة
مركونة في ابط الذاكرة
طرق سريعة، أعمدة انارة
منافض سجائر، عطور قديمة
اسرار صغيرة،
صور في ألبوم
تقاوم التبقع والنسيان
مراكب من ورق ما زالت في الخزائن،
مفارش كروشيه
عرائس بعين واحدة
إيصالات البقالة، شعرات في المشط
اثر صابون حلاقة على المغسلة
كل تلك الأشياء التي انطوت
لكنها تطل بين وقت واخر
دون تفسير واضح
كحكمة الله ان تُخرق السفينة
التي لمساكين
حتي لايسرق خيرها الشرير
والذي لانفهم، لما لايموت
عوضا عن تلك المعاناة..
فنحصل على النهاية السعيدة
في مشهد الختام! -
محمد مركاح ـ مايقلقني حقا
مايقلقني حقا ،
أين سأدفن بعد موتي؟
سؤال مهم
أهم من كل ما طرحه
الدين ، والفلسفة ، واﻷدب
بل أهم من الموت نفسه
فلا يعقل أن اتشرد في العدم أيضافي بداية تخلقي كنطفة
داخل خصية يتيمة
كنت أود اﻷطمئنان على مصيري
في هذا العالم
لم يهدهدني أحد
أو يلفني بقماط
يجمع انبعاج شكوكي
والشيء اﻷكثر ترويعا
وجدت نفسي مقذوفا
هكذا دون أم
لتحبل بي عين
تتسكع دموعها
في التشققات العميقة
لخد في وجه ممتقعمن يومها
وأنا لا أبكي للشيء الذي حدث
صرت أبكي لﻷشياء التي لم تحدث
مثلما لم يكن متوقعا وجودي على هذه الحياة
كذلك لن يتوقع أحدا موتي
ولا المكان الذي سأدفن فيهجميعها خيارات تروج ﻷستقرار كاذب
فمجرد خروجك للحياة
حتى ولو كفكرة يتجادل حولها عاشقان
هو بمثابة قمع لحقك في اللاحضورنحضر هكذا
دون سابق إنذار
وبكدمات على الرأس
من شدة ارتطامنا
بأرض تمارس قسوتها
على جمجمة مقفلة على أشياء لا تقال
لو قلتها سينحل خصر الكلام
وقتها لن تنفعكم الحقيقة
والمحاولات الفاشلة لتبرير وجودكم
فصمتي يجنبكم تحمل أعباء عطسة
قد تفجر كل الشرايين البارزة
في عنق يمتد
تطلعا لمعنى مفقودسقوط قطعة لحمة وهي ترتجف
على صدغي اﻷيمن
لا يعني تدخل الله
وإرساله وجبات سريعة
تلطف القرص المستمر لمعدتي الخاوية
لطم اللحمة لوجهي بقوة
يعكس مدى اﻷنفجار في مدينة بعيدة تسكنها نادلة
تعمل في حانة تمتلكها عجوزة متقاعدة
ماتت النادلة في تفجير إرهابي
تطايرت أعضائها
حصلت على قطعة من لحمها
مضغتها بندم
وشبعت مرارة
هي إمرأة تعيسة
لن يكفي جسدها
لرجل جائع
يحقد على البكتيريا
واﻷميبيا
والكائنات المقترحة ،
والمجهضة والمبتلعة
يكره التكاثر
والتمدد ،
والتفلطح والتضخم
لايبحث عن أدوارا مهمة
ولا محورية ،
ولا رئيسية
هو شاعر
يزعج المدينة ، والحضارة ، والثقافة ، والشعر ذاته مثل ألن غينسبرغ
ينام على يد مخدرة من تجهم الرصيف
وشعور بالتجاهل
يخفف من غباش مصيره بعد الموتفالموت تجربة شخصية
تخوضها وحدك
ولا تعني أحدا سواك
سينساك الكل
وقد يتذكرون ملامحك اللزجة
وروحك اللينة تغادر جسدك الرطب
ليتحدثون بعد ذلك
عن ارتخاء عضلات وجهك وأنت تنسحب صوب الغيابلاتحزن
وأنت تجلس ساهما
تفكر في مصيرك
في لعنتك
في جفاف حلقك
بعد ادراكك النهاية المفزعة
بالموت دون تبرير من أحد
ارتدي بدلة بربطة عنق
وسروالا داخلي أبيض اللون
أجلس في مكان معزول
وضع يدك اليسرى تحت ذقنك
وانتظر ما يؤكد عدم الرغبة في وجودك
حيا ، وثقيلا بأسئلتك
التي تثقب اﻷرض هي واحتجاجات الموتى
المطالبة بوقف وباء الجدري
الناهش ﻷجسادهم المسترخية. -
محمد القليني ـ طَرَدوني مِنَ العَمَلِ
طَرَدوني مِنَ العَمَلِ
وقالوا: اذْهَبْ
واعْمَلْ عِنْدَ اللهِ.
وها أنا يا رَبِّ
مُحَمَّد إبْراهيم القِلّيني
أربعةٌ وثلاثونَ عامًا
مُتَزَوِّجٌ
وأَعُولُ طِفْلَينِ
وأرْغَبُ في العَمَلِ لدَيكَ.
أنا أُجيدُ كَثيرًا مِنَ المهاراتِ
كالطَّبْخِ مَثَلًا
لذَلِكَ يُمْكِنُني أنْ أعْمَلَ لدَيكَ طَبّاخًا
أقْطِفُ نَجْمَتَينِ وأعْجِنُهُما جَيِّدًا
وأُضيفُ إلَيهِما ماءَ سَحابةٍ عَذْبةٍ.
ثُمَّ إنَّني صَبورٌ جِدًّا
ويُمْكِنُني الِانْتِظارُ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ
وتَقومَ بتَسْوِيةِ العَجينِ.
سَأحْمِلُ الطَّعامَ بنَفْسي
وأطوفُ على الفُقَراءِ الذينَ نامُوا بلا عَشاءٍ
وأضَعُ كثيرًا مِنهُ
على وسائدِهم المُبَقَّعةِ بالخَيباتِ.
قبْلَ طَرْدي كُنتُ أحْمِلُ البَضائعَ
وأنْقُلُها إلى المَخازِنِ الواسِعةِ
فلماذا لا تُوَظِّفُني لدَيكَ شيّالًا؟
سَوفَ أحْمِلُ السُّحُبَ على كَتِفي
وأُظَلِّلُ بها رُؤوسَ الأرامِلِ
اللواتي يَبِعْنَ الخُضارَ في شَوارِعِ مَدينَتِنا.
أنا قوِيٌّ يا أللهُ
يُمْكِنُني أنْ أحْمِلَ جَبَلًا عَظيمًا
لأُثبِّتَ بهِ قلْبَ امْرأةٍ غَرِقَ وَلَدُها
وهْوَ يُحاوِلُ الوُصولَ إلى أحْلامِهِ
التي تنْتَظِرُهُ على الجانِبِ الآخَرِ مِن البَحْرِ.
ثُمَّ إنَّني أُجيدُ التَّفاوُضَ
ولَدَيَّ مَهارةُ عَقْدِ الصَّفَقاتِ
مِمّا يؤَهِّلُني لإقْناعِ الشَّيطانِ
بأنْ يُكَفِّرَ عَنْ ذَنْبِهِ ويَسْجُدَ لَكَ..
رُبَّما بِهذا يَدْخُلُ كُلُّ البَشَرِ الجَنّةَ.
أنا أخافُ النّارَ
مُنْذُ أنِ احْتَرَقَ قَلْبُ أبِي
وهُو يبْحَثُ عَنْ رَغيفٍ لطِفْلِهِ الجائعِ..
أطْعَمُوني بَعْدَها آلافَ الأرْغِفةِ
لكِنّي ما زِلْتُ جائعًا يا أللهُ.
في الأعيادِ
أنفُخُ (البَلالينَ) لطِفْلَيَّ
فهلْ يؤَهِّلِنُي ذلِكَ للعَمَلِ لدَيكَ
كنافِخِ بوقٍ؟
سأكونُ رَقيقًا جِدًّا
وسأنْفُخُ ببُطْءٍ
ولنْ أُرْهِبَ المَوتَى إذْ يقومونَ معَ النَّفْخِ.
بلْ رُبَّما أسْتَبْدِلُ النّايَ بالبُوقِ
وأعْزِفُ لَهُمْ ألْحانًا مُبْهِجةً.
آه.. نَسِيتُ أنْ أُخْبِرَكَ
أنا أُجيدُ الكِتابةَ
وأُفَكِّرُ في أنْ أعْمَلَ كمَلاكٍ
يُسَجِّلُ كُلَّ ما يَفْعَلُهُ رَجُلٌ ما
اخْتَرْ لي رَجُلًا يا رَبِّ
شَريطةَ أنْ يكونَ غَنِيًّا
سأجْلِسُ فَوقَ كَتِفِهِ اليُسْرَى
وأُسَجِّلُ كُلَّ سَيِّئاتِهِ.
أُريدُ أنْ أَذْهَبَ مَعَهُ إلى الفَنادِقِ الفاخِرةِ
وأكْتُبَ في سِجِلِّهِ أنَّهُ يُضاجِعُ امْرَأةً بَيضاءَ
شَعْرُها أسْوَدُ
وعَيناها عَسَلِيّتانِ
وجَسَدُها لَيِّنٌ مِثْلَ الإسْفَنْجِ
ولدَيها كَومةٌ مِنَ الأطْفالِ الجَوعَى
يَلْعَبونَ في حَيٍّ شَعْبِيٍّ
رَيثَما تَعودُ إليهم بالطَّعامِ.
أُريدُ أنْ أذْهَبَ مَعَهُ إلى حانةٍ
أنا لا أشْرَبُ الخَمْرَ يا أللهُ
فنَحنُ –الفُقَراءَ- نَسْكَرُ مِن مُشْكِلاتِنا
لكنّي أُريدُ أنْ أعْرِفَ كَيفَ يَسْكَرُ الأغْنياءُ.
كثيرًا ما قَلَّمْتُ أظافِرِي
فلِماذا لا تُجَرِّبُني في تقْليمِ أظافِرِ الشَّمْسِ؟
لقَدْ طالَتْ يا أللهُ
إلى دَرَجةِ أنها تَغْرِسُها في رُؤوسِ العُمّالِ
الذين يَعْمَلونَ في المصانِعِ البَعيدةِ..
العامِلُ مِن هَؤلاءِ
يَعودُ إلى بَيتِهِ بِرَأْسٍ مُتَوَرِّمٍ
بَينَما أصْحابُ المَصانِعِ
يُحْصُونَ أرْباحَهُمْ في المَكاتِبِ المُكَيَّفةِ.
لقَدْ طَرَدوني يا أللهُ
وها أنا ذا
مُحَمَّد إبْراهيم القِلّيني
أرْبعةٌ وثلاثونَ عامًا
مُتَزَوِّجٌ
وأَعولُ طِفْلَينِ
وعاطِلٌ عنِ العَمَلِ
فهل لدَيكَ وَظيفةٌ لي؟ -
إبراهيم حسن ـ واقفاً على قدمٍ واحدة
واقفاً على قدمٍ واحدة
متكئاً على عصايَ
كنت
طفلاً يرعى أغنام جده
كنت أيضاً
ابن المدينة والحارات المزدحمة
قررتُ أن أكون راعياً
ولو ليومٍ واحد..
وحين أطلتُ التأمل في قرويتي
المستعارة
أضعت طريق المزرعة
فبكيت
ومثل كل أطفال الحارات الصلبة
كفكفت دموعي سريعاً
حين تجمعت الأغنام حولي ..
قادنا كبيرهم إلى الطريق بجلالٍ
وقبل أن نصل
سرتُ في المقدمة..
بينما لم تكن المزرعة في مكانها
اعتقدت أنها فرّت نحو المدينة..
فبقيت متكئاً على عصاي
عالقاً بالقطيع ..
ومثل راعٍ حقيقي
تذكرت كل الذئاب التي في الحكايات
-وحتى لا يشعر القطيع بالملل-
رحتُ أحكي لهم كل شيء..
ولم اتوقف عن الكذب ليلةً واحدة -
أسامة الدناصوري ـ بصدق
بصدق
أقول لكِ بصدق:
لقد مللتُ تماماً كونى دبّكِ القطنىّ الأبيض السمين
والذى تأخذينه عندما تنامين فى أحضانك
حالمة بالجرابيع، والشواذ، وأعضاء الحمير.
لمن هذه الابتسامة أيتها الساقطة؟
ألاتخجلين!
انتبهى لهذا الخرطوم الأسود الهائل
الذى يتدلّى من أفكارك الآن.
اشفطى أفكارك اللعينة
وافلتينى
لأعود إلى غابتى البيضاء
أخمش القشرة الثلجية بأظافرى
بحثا عن سمكة صغيرة أسدّ بها رمقى.
كنت أحلمُ بأن ألتفّ كلبلابة حول فرعكِ.
أين هو فرعك الآن؟
أيكون هو ذاك الذى يتوارى تماماً
وسط هذه الغابة المتشابكة من اللوف، والحامول، والهالوك
وكلّ متسلق لعين؟
ثم لمن هذه التينة العجفاء المبقورة
التى تشغى فيها الديدان؟
أهذا هو ميسمك النابض الغفل؟
ذلك الذى كنت أتوق لأن أشمّ رحيقَه!
افلتينى أرجوكِ
لأفرّ بعيدا عن هذه الرائحة النتنة.
لكننى أعلمُ
أنها ستظل تطاردنى إلى آخر الدنيا
طافحة من جوفى كذكرى أليمة
لجريمة دُبّرتْ بعناية عبر سنين
كنتُ فيها الجثة, والمسرح, والأداة,
والمُتستّرَ, فى النهاية, على كل ماجرى. -
هدى عبد القادر ـ هزيمة ممتدة المفعول
هزيمة ممتدة المفعول
كدواء يعاكس الامل
يقمع فوضى الرغبة
ويؤدي في نهاية النوبة
للصمت
هذا الذي يتسلق حنجرتي بدأب
ويواصل صعوده
ليواجهني .. وحدي.
.
مجرد خيبة أخرى
أقترض من الجدار كتفه
أتسول استنادي اليك
وأغفو.
.
يدك التي تقتحم حلمي
هذا الضباب المتواصل من انتظار
ينتهي على عتبة اليقظة
يرمي بي أكثر في حفرة الحنين
وأنادي.
.
اغنية نيئة
تجتر اللحن الاثير الذي همهمت به يوماً
تنطفيء على جلدي كسيجارة من محبة
اشتعلت لحظات
وتركتني ألتهم رمادي. -
بسام حجار – حين يتكلّمان
حين يتكلّمان
لا ينظر واحدهما إلى وجهِ الآخر.
هي تجمعُ طرف القماشِ بين ركبتيها
وهو يواصل الحديث كمن يتذكّر
شيئًا بصعوبة.
كان البيتُ نظيفًا
والثياب مرتبةً
وكان الزائرون يلاحظون هذه السعادة
ويذهبونْ..
كانت الأمورُ تحدثُ عاديةً في الخارج
كان الباعة يمرونَ
والإبنة نائمة
كانت الأبوابُ موصدةٌ
والساعةُ تدقْ
وحين يتكلّمان
لا ينظر واحدهما إلى وجهِ الآخر.
هي تجمع طرف القماش بين ركبيتها
وهو يواصل الحديث كمن يتذكّر
شيئًا بصعوبة. -

عماد غزالي ـ المكان بخفة
من السهل جدا
أن تأخذك سنة من النوم
على المقهى
لتنتبه بعد سنوات
فتجد كل شيء على حاله
إلا قليلا
النادل هو نفسه
وصبية المقهى
لا يزيدون عن أمس
إلا أصابع
والصحيفة التي بيد الرجل
على المنضدة المجاورة
لا يشوب عناوينها تحول لافت
فثمة تعديلات على الدستور
تطالب بها النخبة
وثم سلام
يسعى إليه بجد
وثمة رقع من الأرض
تنكمش هنا، وتستطيل هناك
باعة ذوو حقائب ضخمة
يزيدون على المألوف قليلا
يتجولون بين المناضد
لا يبيعون شيئا
وكعادتك دائما
تفكر في أن تدعو أحدهم
إلى كوب من الشاي
بينما ارتعاشة القلم في يدك
تتمدد قليلا
ثمة عملات ورقية ومعدنية
تثقل جيبك
يندهش لها النادل:
سيدي
لقد اختفى جامعو العملات القديمة
ثم إنها على ما يبدو
صك حاكم آخر لبلدة مجاورة
لا بد من النهوض إذن،
لكن رغبتك
تنسحب عنك
قليلا، قليلا. -

أشرف الجمال ـ كلهم عادوا إليك
كلهم عادوا إليك
يا من قضيت نصف حياتك
في انتظارهم
والنصف الآخر تزرعين الحقل
وتحرثين الغياب
تجمعين الغلة لتصنعي لهم خبزا
مع حمام السطوح
وأمام فرن الخبيز..
القبطان المهاجر
والجندي ذو القدم المبتورة
والتاجر الذي سافر ليجمع اللآلئ
وراء ألمانية شقراء
والشاعر الذي سرقته القصيدة
كل أبنائك دفعة واحدة
وعلى غير موعد
عادوا..
ليحضروا جنازتك يا أمي. -

أسامة بدر ـ الليلة
الليلة
استضفتُ ريحا طيبة على العَشَاء
في الحقيقة
كانت بضع نسمات هاربة من عاصفة لاذت بنافذتي
قلت أربيها لوقتها
حين اشتدت قليلا
صرت أبعثها بعيدا
هناك لقريتنا الصغيرة
لما الفلاحون يزرعون أيديهم مع شتلات القمح
فتنبت السنبلة يحرسها ملاكان
وحيث الموتى ينامون في جدران البيوت
ويدسون أنوفهم في شئوننا الخاصة
كانت الريح تزورهم جميعا
وتعود لي بأخبارهم
أحيانا كانت تمر على البحر
فتعلق بها مواويل الصيادين
وأنين الأسماك في شباكهم
وأحيانا كانت تأتى متأخرة بعد العِشَاء
فتسقط منها دعوتان من دعاء أمي في الصلاة
أحبتْ الريحُ قريتنا كثيرا
فكانت تروح وحدها وتجيئ
الليلة .. في هذه العاصفة
قلت لها : “لا تخرجي … نامي هنا”
آوت الريح ليدي حزينة
أعرف شعورها جيدا
كانت الريح مثلي
تشعر بغربة شديدة -
محمد قمصان ـ لأني قصير
لأني قصير
لا يسمع أحد صراخي
لهذا قررت شراء نعل متفائل عال
حتى أحشو كل ما أكتبه في عيون العالم،
إذا رأيتم قصيدة تمر من هنا
نعم هي أنا
لأني عملاق.
العالم من فوق
لا يراه إلا عمال الفضاء
الراقصون بين الكواكب والنيازك،
مازلت لا أعرف شيئا عن الجاذبية
غير أن تلك البنت تعجب بي
ومن ثم نرش القبلات
على وجوهنا
كمهرجين.
لقد مللت من السماء
سأهبط كالمطر
كتمر النخيل
خبئوا الأطفال لأني أغضب من صراخهم القاتل
خبئوا العواجيز لأني سئمت العويل
فلتكن أرض هادئة
خالية من الرقص
وليكن صوت
واحد
هنا
صوتي. -

جمال القصاص ـ نساء الشرفات
يا نساء الشرفات
مهلا..
أنا الأعزل حتى من نفسي
لا إرث لي
الحياة تمر تحت لساني مثل قرص المخدر
لا أستطيع أن أكتب..
حتى يتذكر أحد.. أنني عشت هنا.
…
…
هل أضع رأسي هنا
بيني وبينكن شارة لا ترى
انظرن.. على الطاولة أكاذيبي
لن أسخر حين تصدقنها
أو تمضغنها مثل علكة النعناع
أحيانا لها طعم الشيكولاتة
الشامبو والمرطبات وظلال العيون
أشياء عزيزة عليكن
أعرف..
كيف أحرركن من نفسي
في لحظة ما
في صرخة ما
ستخرج أيامي من هياكلكن
سأكون وحيدا مثل شجرة
مثل كرة من دخان!
لن أذهب أبعد من رماد طفولتي
كم هو جميل أن أداعبكن
دافئة أنفاسكن
حارة تحت جلد الكلمات
لكن اعذرنني..
أحيانا أتذكر أني أحيا
أمارس الخدعة نفسها
وأمشي..
في الشرفة ألف أغنية لا تصلح لوداعي
ألف دمعة لم تطفئها الحرائق..
دفتري مقلوب
وأوعيتي بائسة
أيتها الفراشة
خففي الرفيف
سوف تنتحر الموسيقى! -
سامي سعد ـ أنا مواطن صالح
أنا مواطن صالح
عيوبي طفيفة، ولا تُذكر
لا أقرأ الجرائد، ولا أتابع التلفاز
ولا تعليق لي على الأحداث الجارية.
هناك رب يدبّر الأمر
ملوك ورؤساء، جنود يديرون الدفة
لا أوافق، ولا أرفض
ليست لديّ بطاقة انتخاب، ولا فيزا كارت
أكتفي ببطاقة الهوية
للمرور من الكمائن بعد الفحص،
استخراج تصريح الدفن
ما عرفته من الحياة، والكتب الشريرة
ألقيته في البحر
أمضي وقتي في متابعة ناشيونال جيوغرافيك
وسؤال حبيبتي عن طلاء أظافرها
أمنياتي قديمة، ولن تتحقق أبداً
أنا مواطن صالح، ورغم هذا
لا يتركوني أنام مطمئناً
يضغطون على قلبي بقسوة
لأكفر بكل شيء. -

رياض الصالح الحسين ـ رغبات
رغبات
أريد أن أذهب إلى القرية
لأقطف القطن وأشمّ الهواء
أريد أن أعود إلى المدينة
في شاحنة مليئة بالفلاحين والخراف
أريد أن أغتسل في النهر
تحت ضوء القمر
أريد أن أرى قمراً
في شارع أو كتاب أو متحف
أريد أن أبني غرفة
تتسع لألف صديق
أريد أن أكون صديقاً
للدوري والهواء والحجر
أريد أن أضع بحراً
في الزنزانة
أريد أن أسرق الزنازين
وألقيها في البحر
أريد أن أكون ساحراً
فأضع سكيناً في القبعة
أريد أن أمدّ يدي إلى القبعة
وأخرج منها أغنية بيضاء
أريد أن أمتلك مسدساً
لأطلق النار على الذئاب
أريد أن أكون ذئباً
لأفترس مَنْ يطلقون النار
أريد أن أختبئ في زهرة
خوفاً من القاتل
أريد أن يموت القاتل
حينما يرى الأزهار
أريد أن أفتح نافذة
في كل جدار
أريد أن أضع جداراً
في وجه من يغلقون النوافذ
أريد أن أكون زلزالاً
لأهزّ القلوب الكسولة
أريد أن أدس في كل قلب
زلزالاً من الحكمة
أريد أن أخطف غيمة
وأخبئها في سريري
أريد أن يخطف اللصوص سريري
ويخبئونه في غيمة
أريد أن تكون الكلمة
شجرة أو رغيفاً أو قبلة
أريد لمن لا يحب الشجر
والرغيف
والقبلة
أن يمتنع عن الكلام





