المدونة

  • ألبرت أوسترماير – تقطير

    ألبرت أوسترماير – تقطير

    حين تكون لدى شفاهنا عيونٌ، من الأفضل

    أن تتوقّفي عن النّظر إليّ وامسحي نظراتك هذه

    عن وجهك، نظراتك التي تلتصق بي

    لن أبقى أبدا ما الجدوى من مسحات العيون

    فقط البشرة تربطنا وهي هيّجت نفسها كفاية

    اتركيني أعزّيك لا أستطيع البكاء

    بقي لديّ فقط البصاق.

    *

    ترجمة: عبد الرحمن عفيف

    اللوحة: ديلاور عُمر

  • لورد ألفريد تنيسون – الدموع

    لورد ألفريد تنيسون – الدموع

    يقول تنيسون: “كتبت هذه القطعة في دير تنترن

    عندما أخذت الغابات تصفر بقدوم الخريف وتتراءى بلونها الشاحب

    من خلال النوافذ الخربة. والشيء الذي كنت أحس به دائماً

    وأشعر به حتى منذ أن كنت ولداً صغيراً هو ما كنت،

    وأنا ولد أدعوه (حب الماضي والتعلق به) وهكذا هي الحال معي الآن،

    فما يفتنني ويروعني هو المدى في المنظر الطبيعي،

    والصورة، والماضي، وليس الحاضر المباشر الذي فيه أتحرك وأعيش.”

    *

    الدموع، تلك الدموع المتثاقلة الكسول!

    لست أدري أي شيء تعني!

    دموع من غور يأسٍ إلهيّ مقدّس

    إلى القلب تتصاعد وفي العيون تتجمع،

    إذ أجيلُ النظر في حقول الخريف السعيدة،

    وأفكرُ في الأيام التي مضت ولن تعود!

    .

    غضّة نضيرة كأول شعاع يسطع لألاءً

    على شراع يطلع علينا بالأحباب

    من المياه وراء الأفق؛

    ومكتئبة حزينة كآخر شعاع يحمرّ فوق شراع

    يغرق ويهوي بمن نحب إلى ما وراء الشفق؛

    هكذا هي مكتئبةٌ حزينة وغضة نضيرة

    تلك الأيام التي مضت ولن تعود!

    .

    آه حزينة وغريبة كالصدحة المبكرة

    وقت الفجر المعتّم في أيام الصيف،

    تلقيها الطيور نصف المستيقظة

    في الآذان المتثاقلة المحتضرة،

    اذ ما تتسع النافذة المعتمة

    تدريجيا في وميضها وبريقها

    ازاء العيون المثقلة بالنوم حتى الموت؛

    هكذا هي حزينة وغريبة

    تلك الأيام التي مضت ولن تعود!

    .

    عزيزةٌ غالية كالقبل التي نتذكرها

    بعد موت الحبيب،

    وحلوةٌ عذبة كتلك التي يتصورها

    ويتخيلها الوهم القانط

    على الشفاه التي لا نملك؛

    وعميقةٌ كالمحبّة، عميقةٌ كأول محبّة

    وهائلة الغرابة بكل ما فيها من ندم وحسرة؛

    آه، أيها الموت في الحياة،

    أنتِ أيتها الأيامُ التي مضت ولن تعود!!

    *

    ترجمة: توفيق اليازجي

    اللوحة: جوستاف كليمت

  • ألدا ميريني – إذا حاول أحدهم

    عندما وصلتُ

    ثلاث أعين استقبلتني

    وأودعتني محاجرها

    ثلاث أعين قاسية مجنونة

    لثلاث نساء مختلات.

    عندما وصلتُ

    فقدت رشدي وفهمت

    أن هذه البحيرة الزرقاء

    ما هي سوى مستنقعٍ موحلٍ

    من النفايات المهروسة

    سوف أغرق فيه.

    *

    الترجمة: جمانة حدّاد

    اللوحة: ديلاور عُمر

  • ألدا ميريني – القمر يتـفتّح في حدائق المصحّ

    القمر يتـفتّح في حدائق المصحّ

    وفي إحدى الزوايا يتنهّد مريضٌ

    مودعا يده جيبه العاري.

    القمر يتـفتّح شرهاً في حدائق المصحّ

    مطالباً بعذاب المحتجزين

    مطالبا بدمائهم.

    لقد رأيت مريضاً

    يموت نازفاً

    تحت القمر المشتعل.

    *

    الترجمة: جمانة حدّاد

  • ألدا ميريني – لا، لا تعانقني الآن

    لا. لا تعانقني الآن

    قد تسحق فيّ ذاك الشريان السامي

    الذي يدوّخني ويُنضجني

    دعني أرفع قواي إلى الشمس

    دعني أشغف بثماري

    دعني أهذي ببطء

    ثم اقطفني يا أيها الأول والوحيد

    يا منشوداً في الليالي كلها

    اصعقني بشباك عشقك

    وخذني

    مثلما تؤسر نعجة طائشة.

    *

    الترجمة: جمانة حدّاد

  • ألدا ميريني – كنتُ في ما مضى عصفوراً

    ألدا ميريني – كنتُ في ما مضى عصفوراً

    كنتُ في ما مضى عصفوراً

    ذا بطن أبيض ناعم.

    لكنّ أحدهم جاء وذبحني-

    ربما لأنّ منظر رأسي المقطوع يضحكه

    لا اعرف.

    كنتُ طائر نورس كبيراً

    يرفرف فوق البحار.

    لكنّ أحدهم قطع عليّ الدرب

    من دون أي إنذار.

    ولكن حتى وأنا ممدّدة ها هنا

    على بلاط المصحّ البارد

    سأظلّ أنشد لكم أغنيات حبّي.

    *

    الترجمة: جمانة حدّاد

  • وداعاً حسن السبع.. تغيب وتبقى ضحكتك بيننا ويظل صوتك عامراً ما بقي الحرف

    وداعاً حسن السبع.. تغيب وتبقى ضحكتك بيننا ويظل صوتك عامراً ما بقي الحرف

    تَنسى برفقته كل آلامك، ابتسامته لا تفارق وجهه، ازدانت كلماته بالسخرية التي لا تمس شعور أحد حتى وهو على فراش المرض.. مُبدع تسبقه إنسانيته وشاعريته مثلما يسبقه عشقه للقلم والحرف، لم نسمعه يوماً يغتاب أحد أو يحقد على أحد، كان إخلاصه لقصيدته يشغل العديد من الصحف والمجلات، وكذلك إخلاصه لمقالاته الغنية التي كنا نتابعها بشغف، فقد شكلت اللغة أركان شخصيته، وكوّن الموروث الشعري القديم قريحته الشعرية.. إنه الشاعر حسن السبع الذي رحل عن عالمنا ولكنه باقٍ في قلوبنا، وثراءه الأدبي باقٍ في مكتباتنا..

    وُلد حسن السبع عام 1948م، وتلقى العلم في مدارس المنطقة الشرقية في المملكة، ثم التحق بكلية الآداب جامعة الملك سعود وذلك عام 1972م فحصل على درجة الليسانس من قسم التاريخ ثم سافر إلى فرنسا فحصل على دبلوم العلوم البريدية والمالية من مدينة تولوز بفرنسا، ثم حصل على الماجستير في الإدارة العامة من جامعة إنديانا عام 1984م.

    عُرف الشاعر بدماثة خلقه، وخفة ظله، وأسلوبه السهل العذب، وقدرته على نقد الواقع بأسلوب نقدي ساخر ولاذع ويُذكر عنه أنه قال عن نفسه ذات مرة “لقد ولدت في عام النكبة و تزوجت في عام النكسة” ،كما تميزت ثقافته بالتعددية إذ جمع بين الإنجليزية والفرنسية، كما حصل على الماجيستير من فرنسا، بالإضافة إلى معرفته بالتراث العربي وثقافته العربية الواسعة وكثرة إطلاعه، مما ساهم في إنتاجه الفكري وإطلاعه على ثقافات مختلفة أثرت نتاجه الأدبي في النهاية، واشتهر بحسه الفكاهي وتمتعه بالتواضع والتسامح والقدرة على التعايش والتآلف مع مختلف الأطياف، أحب دائماً الإبتعاد عن الأضواء واكتفى بنور إبداعه الأدبي الذي أنار للكثيرين من محبي الأدب والفكر في جميع أرجاء الوطن العربي .

    رحل عن عالمنا يوم الخميس الموافق 21 سبتمبر 2017م، بعد أعوامه التي قضاها في خدمة الأدب، فأثرى الساحة الأدبية بإبداعاته.

    الشاعر حسن السبع، بابتسامته المُحبة

    أشاد عدد من الشعراء والكُتّاب بشخصية الراحل الشاعر حسن السبع وبتجربته الشعرية الفريدة من نوعها – حسب وصفهم -، كان ذلك في حديثهم على هامش تأبينه في أمسية «بوصلة الحب والدهشة» التي اُقيمت الخميس في جمعية الثقافة والفنون، ننقل لكم عن بعض أصدقاء وزملاء الراحل هذه الرؤى التي أملوها بالألم:

    تحدث الشاعر جاسم الصحيح قائلاً:

    “باسم الشاعر الذي يغسلنا على الشاطئ هذه الليلة التي هي خير من ألف نهر باسم الشاعر القادم في (زيتها وسهر القناديل)، الحالم في (حديقة الزمن الآتي) والباسم في (ركلات ترجيح). باسم الشاعر الذي يسكن الجمال عرش الحروف، ويرحل بنا بعيداً عن ذواتنا الموجعة كي نحل في ذواتنا العاشقة على أمل أن نحب أكثر. وكلما أحس بجرحه يكاد أن يلتهب غسله بالنغم الضاحك وضمده بقافية الفكاهة. إنه الشاعر الكبير حسن السبع. الشاعر المفرط في هدوئه وكأنه مقيم في معبد، والمفرط في طفولته وكأنه لم يبتدئ عمره بعد”
    ثم قرأ الجاسم قصيدة في المناسبة بعنوان «ريح الكتابة ممحاة الضجر»، منها:

    “نشم رائحة المنفى بداخلنا
    من فرط ما نقتفي في ذاتنا أثرك
    ما كان أفقرنا روحاً وعاطفة
    لو لم يكن صانك التاريخ وادخرك”

    وقال الشاعر فريد النمر:
    “من عرف السبع الشاعر والإنسان لا بد وأنه تأثر به، الهادئ الواعي الحساس واللاذع، المحب والمعطاء، المنتظر دوماً والمتأمل دائماً، المستمتع بالحياة كما يجب والمتطلع للجمال أينما كان، يتحدث حيث يكون من الضرورة الكلام ويصمت حيث لا يكون هناك فائدة في الضجيج”

    ووصفه بأنه:

    “ذلك الكائن الذي ينمو في مفاصل الكون على شجرة الحياة المثمرة، ولأنه كل الثقافة في المجتمع الحرّ فقد أصبح محور الفنون التي تطوف حوله”

    ونعاه صديقه المقرب مدير جمعية الثقافة والفنون بالدمام الشاعر أحمد الملا، أن الشاعر السبع منحهم الكثير من الروح العالية التي جعلتهم أقرب للشعر والحياة قائلاً:
    “الشاعر الراحل كان مزيج بين الشاعر والأديب وكان حسياً في الحياة. فقد كان يمارس الشعر في حياته اليومية مليء بالحس العالي لحياته كلها. الكل أجمع على حكمته وروحه العالية، وهو المطبوع شعراً ورقة، ولربما تجد الصديق المازح بتقدير والبشوش عند كل لقاء ،وربما تعثر على متأمل في اللحظة الراهنة بوعيه المعرفي، التراثي في استشهاداته الملتقطة من بطون الكتب العتيقة”

    وأضاف

    “من لم يعرف حسن السبع عن قرب، عليه أن يجد أكثر من بديل ليواسيه في هذه الحياة، إذ يندر امتزاج تلك الفرادات الشخصية في كائن شفاف. شيخ بين الشيوخ، يفضحه قلب طفل، مفعم بحماسه الشغوف بالحياة وهو يراها مقبلة. وستجد من له خصلة العطف والحنان على عثرات الأصدقاء. العاذر عند السهو، المتعفف عن مزاحمة اللاهثين، المشفق على الآخرين والساخر بضحكة يستر انفجارها بيد خجولة.. نعم ستجد من يتمتع منعماً بخصلة مما سبق لكن حسن السبع يوفر عليك مجلساً مكتظاً بكل وجوهه السمحة ويأتيك بكله لا راجياً ولا ثقيلاً”

    وقال الدكتور سعد البازعي:
    “قصائد حسن السبع تتوزع بين لونين لون الدعابة والفكاهة، ولون الحزن والفقد والأسى الإنساني، حسن السبع كان يحس بهاتين القوتين. وقد عمق تجارب ورؤى التجربة الشعرية السعودية، وتوسع في القرين أو الظل في ديوانين مختلفين. كان السبع إضافة كبيرة للتيارات الشعرية الأساسية وهو حداثي من ناحية ورومانسي من جهة أخرى، محتفظاً بالشكل التفعيلي للشعر وكتب العمودي ولكنه لم يقصد القصيدة النثرية. وقد كانت تجربة السبع الروائية فريدة من نوعها، حاكى فيها واقعنا ووظف معرفتنا الواسعة في التراث العربي لاسيما في استحضار شخصية المرأة، وأنه زاوج بين واقع الظلم الاجتماعي على المرأة والإبداع لديها”

    وأثنى الشاعر رائد الجشي على تجربة الشاعر حسن السبع وعلى دعمه للكتاب والشعراء الشباب معنوياً للاستمرار في الكتابة، وعبر عنه بالشخصية الفريدة من نوعها، مشيراً إلى أن له مسارين من أشعاره الفكاهي والشاعرية الرومانسية، وقال عنه:
    “كان ظاهرة استثنائية صعب أن تتكرر له الفضل عليَّ وعلى الكثيرين في الساحة الأدبية، كان يقدم نمط دقيق مبهر بالشعر التفعيلي حقيقي في مقابل كان الشعر العمودي التفعيلي في الشعر السعودي هو السائد، فقد كان شعر السبع تفعيلي بكل المقاييس متمرد على الأنساق الموجودة، كان عمودياً بحتاً في ركلات ترجيح من باب النظم الضاحك والكوميديا السوداء، وكان يقدم نقداً اجتماعياً فكاهياً”

    ووصف الكاتب حسن آل حمادة الشاعر حسن السبع بالشخصية العصية على النسيان قائلاً:
    “كل من اقترب من عالمه الإنساني أو الأدبي سيحتفظ بشيء من السبع في رزانة كلماته الجادة أو إيقاعها الضاحك والساخر من الواقع المر الذي نكتوي بناره على مختلف الصعد، فالسبع من الشعراء القلائل الذين أحب أن أعود لمجموعاتهم الشعرية بين فينة وأخرى، لا سيما في شعره الفكاهي الذي أحفظ بعضه عن ظهر قلب، وأتذكر أنه كان سعيداً حين وجدني في ملتقى ثقافي وأنا أرتجل بعض أشعاره، وأضاف مازحاً: كويس أن أجد من يحفظ بعض أشعاري
    وأضاف:

    “أن السبع قامة إبداعية متجددة مع كل قراءة جديدة لأنه آتٍ من حديقة الزمن الآتي، ليصنع لنا بوصلة الحب والدهشة، بإيقاع ركلات ترجيح”.

    وبين الشاعر عبد الوهاب أبو زيد أن الراحل حسن السبع هو من علاقات الصداقات التي كان ولازال يعتز بها، مشيراً إلى أنه كان ينظر له سابقاً كأستاذ وشاعر وعندما اقترب منه تولد لديه إحساساً بأن الحواجز بينهم غير موجودة لكونه إنساناً متواضعاً وبمعرفته به أغنت تجربته الشعرية والكتابية.

    ووصفه محمد الجلواح بأنه “صديق كلمة ومشوار” ومثل الجلواح الراحل السبع في حديثه أنه وُلد وفي فمه ملعقة شعر، وهو من الكتاب الذين سيكون لهم بصمة في عالم الشعر لأنه شاعر حقيقي غير تقليدي بل عميق.

    الناقد الدكتور مبارك الخالدي، يصف حسن السبع بأنه:
    “المنسجم في نفسه والمتسامح مع العالم.. حسن السبع الكائن المجبول من تواضع وتسامح، والإنسان الذي يتمتع بقدرة هائلة لا تحد على التواصل والتعايش مع الآخرين على اختلافهم فكرياً واجتماعياً وطائفياً ومنطقياً وسياسياً”

    وأضاف:

    “إن التعددية هي أدقُ وصفٍ تُوصَفَ به مصادر حسن السبع المعرفية والثقافية، لتعددها ثقافياً ولغوياً لإجادته لغتين أجنبيتين هما الفرنسية والإنجليزية، ما مكنّه من النهلِ من منابعِ الثقافتين الفرانكوفونية والأنجلوساكسونية، إلى جانب الثقافة العربية، فالأديب السبع يتميز بعمق معرفته وقوة صلته بالتراث العربي الذي أخذَ أجمل ما فيه واستوعبَه، ولم يسجن فيه كما قال ذات حوار صحافي. فكان أن تجاور وتعايش فيه القديم والجديد، التراثي والحداثي كما يبدو جلياً في نثره وشعره وسرده”

    وأعرب المذيع محمد الحمادي عن سعادته لتقديم حفل تأبين إنسان أحبه الجميع، مضيفاً أن الراحل السبع شخصية ودودة ترحب بالجميع، كانت علاقته به في المحافل الثقافية والندوات، وأنه إنسان يدخل القلب لأول وهلة ومن سوء الصدف أني قد دُعيت للتكريم الذي كان في حياته واعتذرت وشاءت الظروف أن أقدم هذا الحفل بعد وفاته.

    وبلغة الحزن تحدثت إبنة أخيه رائدة السبع عن علاقتها بعمها الراحل الشاعر حسن السبع قائلة:

    “إنه الصديق والأب الروحي بالنسبة لي ولا توفيه كل المدونات، إنه من علمني كيفية انتقاء الكتب والكُتّاب وشجعني على القراءة، وكان يُشاركني تجاربه الثقافية وأشعاره ورواياته، وأصعب المواقف ما كان في اللحظات الأخيرة قبل وفاته وهو المقال “في غرفة العناية الفائقة” وقد كتبت مسودته قبل أن يغادر الحياة”

    ومن جانبه قال الشاعر محمد الدميني:
    “لا يمكن لأحد أن ينجو من سحر شخصية حسن السبع، عرفه يوماً أو عاش معه سنيناً..
    حسن السبع هو أحد رموز القصيدة الحديثة في المملكة، وهو من القلائل الذين تبدو في قصائدهم جملاً ولوازم واستعارات مجلوبة من القديم في اجتهاد كبير لجعل العلاقة بتراثنا الشعري حية ودائمة.
    عرفته منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي في صحيفة اليوم، وقد بدأت بالتعرف عليه حين بدأنا نشر قصائده في (اليوم الثقافي)، وهو حتى تلك الفترة لم يكن حاضراً ببروز في مشهدنا الشعري، وأظن الدراسة والوظيفة قد أخذتاه بعيداً عن الأدب والكتابة لكنه فيما بعد عاد ناشطاً شعراً وكتابة ومشاركاً في أمسيات الأدب العامة والخاصة، ليعمل في القسم الثقافي للصحيفة تالياً، وكم كانت مساريب صحيفة اليوم تعج بقصص ومواقف لا يتسع لها المقام هنا.
    يكاد حسن السبع أن يكون فريداً في المزاوجة بين القصيدة الرصينة وبين القصيدة الساخرة أو الهازلة، وخلق تناغم نادر أحياناً بينهما، وقد أصدر مجموعات شعرية على مدى عمره الشعري مثلت كل الأغراض الشعرية التي أحبها وبرع فيها.
    هذا الشاعر الذي كان يملأ كل مكان يحتويه غبطة وأملاً ومزاحاً يغيب في ساعة حالكة، ونفقد معه قصيدته البسيطة التي اقترب بها كل حدس وضمير قاريء.
    وداعاً حسن السبع.. والبقاء لقصيدتك ومزاجك الساخر من آلام الزمن وتحولاته..
    لقد أنطفأت قناديلك هذه المرة..”

    وفي كلمته عن الراحل قال د.عبدالله الحيدري:
    “في مستهل عام جديد كنا نتداول مع بعض الزملاء والأحبة التهاني مقدمين الدعوات والتفاؤل بمقدمه، غير أن خبراً كدر الخواطر وعكر الأمزجة، وهو خبر انتقال الشاعر حسن السبع إلى رحمة الله، مستسلمين لقضاء الله وقدره.
    وحين نكتب عن السبع، فإننا أمام أديب له حضوره في الشعر، وفي الكتابة بشكل عام، وفي التحرير الصحفي الثقافي، إضافة إلى عمله الإداري الرفيع في البريد.
    ويعد السبع أحد أعمدة القصيدة الحديثة، وله تجارب ناجحة ومتميزة، ودواوينه المطبوعة تدل على شاعرية لافتة وعمق في الطرح والرؤية.
    وشخصيته محبوبة لدى الجميع إذ عُرف بخفة الدم والمرح وحب النكتة وانعكس ذلك على أدبه إذ يمثل ديوانه «ركلات ترجيح» هذه الروح المرحة المحبة للفأل وللحياة.
    رحم الله الشاعر والكاتب حسن السبع وأسكنه فسيح جناته، وأرفع خالص التعازي والمواساة لأسرة الفقيد، وللوسط الثقافي في المملكة”

    ويضيف الدكتور الشاعر يوسف العارف:
    “إلى الشاعر «السبع» في عامه الأخروي الجديد، سلام عليك.. سلام عليك.. جئت أكتب عنك.. فتناثرت حروفي على مائدة الفقد والموت! وتتالت مآلات الحزن على ذاكرتي فتوجست خوفاً من اليقين.. حسن السبع.. يا من كنت أيقونة الصفاء وروعة المستحيل وزهرة الجمال، تستوطن الفؤاد وتلهم الشوق معاني العطاء والبذل والإنسانية.
    حسن السبع.. كنت بيننا ذات مساء شاعري في نادي جدة الأدبي فتناغمت حروفك الشعرية مع ذائقتي النقدية فقلت عنك كل الكلام الجميل!!
    حسن السبع.. فقدك مع بدء عامنا الجديد نقص في مشهدنا الشعري ومشهدنا الثقافي، فرحمك الله.. وأسبغ على أهلك وذويك الصبر”

    ويقول الكاتب فؤاد نصر الله:
    “رحل شاعر الابتسامة والصور الشعرية الكاريكاتورية المتهكمة، الشاعر الرقيق الذي رسم من صور الحياة مشاهد خالدة ما زالت ضربات ترجيحها تصدح في ردهات الثقافة وقاعات الشعر.
    إن التوجه الفكري للشاعر حسن السبع مؤسس على ركائز ومداميك صلبة، وهو ما يمكن أن نحسبه على تجربته الشعرية الطويلة، واجتهاده السردي الحديث، في مقالاته الثقافية الهادفة.
    كذلك فإن الروح الساخرة لدى الشاعر حسن السبع أمدته بثروة من الكتابات التي تشمل حساً كاريكاتورياً، تمكن من خلاله من فك شفرة القضايا التي ما زال أغلبها يقض مضجع الإنسانية كلها.
    إن مثل هذه الرؤية الإشراقية تتغلغل في قصائد الشاعر السبع حيث يمنحها حكمة مضاعفة، فنراه يحوم في فضاءات بعيدة ليضع يده على الحقائق الإنسانية الخالدة.. الحب، الحياة، الموت.
    وهكذا لم يعد الشاعر السبع ينصت لأنين القرنفلة، ويتحدث عن القطيعة، أو يستمر مصمماً على فهم معادلات الكون في انكسارته وصبواته وطموحه وعذوبته وعذاباته، فقد رحل وأطلق العنان لأنين قرنفلته يتتبع بقايا صداه”

    ويضيف المهندس كامل المزعل -أحد الذين كانوا وراء فكرة تكريمه قبل أشهر:-
    “من الصعب جداً أن تكتب كلمات تتحدث فيها عن فقد الشاعر والأديب الأستاذ حسن السبع «أبو نزار»، هذا الشاعر الذي ملك الكلمات وطوعها وشكلها حسبما يريد، بل أصعب الكلمات والأشعار عندما كتب حول الشعر الفكاهي أو الهزلي، حيث كان من أبرز من كتب في هذا المجال في الساحة السعودية بل والعربية، لذا فما عساني أقول في هذه العجالة، وعن ماذا أتحدث وأنقل من ذكريات جمعتني بهذا الراحل؟ إنها كثيرة ولا يتسع المجال لذكرها، فهو يستحق صفحات وصفحات، ولكن لا نقول إلا إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ورحم الله الفقيد رحمة واسعة وأسكنه الفسيح من جناته وألهم أهله الصبر والسلوان ولا حول ولا قوة إلا بالله”

    ويقول الناقد عبدالله السفر:
    “منذ الجلطة والقلب يهش النبأ المنتظر، أبو نزار لم يعد بيننا، حسن السبع يغادر ويتركنا، الفاجعة أدبية وشخصية، قامة كبيرة في الشعر والنثر، امتلك ناصية الكلمة قصيدة ومقالاً. حسن السبع إنسان في غاية الرقة والدماثة وفي غاية اللطف.
    عرفته عن قرب خلال عملنا معاً، ولم أعهده إلا والإبتسامة على محياه، وتعليقاته الظريفة تحف الحديث.
    من الصعب أن أتصوره غائباً، يغيب وجهه بابتسامته الموغلة في القلب، تغيب كتاباته الساخرة الفريدة والمتجددة دوماً.
    رحمك الله أبا نزار. تغيب وتبقى ضحكتك بيننا، يظل صوتك عامراً ما بقي الحرف”

    ونعى الدكتور صالح زيّاد أستاذ النقد الأدبي بكلية الآداب في جامعة الملك سعود، بقوله:

    “‏رحم الله الشاعر الأستاذ حسن السبع‬⁩، ‏أحد الأسماء الشعرية الممهورة بألق لا يتكرر
    ‏وإبداعه جدير بدراسات وأطروحات جامعية”

    وودعه الشاعر والكاتب ورئيس تحرير مجلة القافلة بقوله:

    “حسن السبع‬⁩، وداعاً أبا نزار، أيها الشاعر الذي امتزجت بين يديه القصيدة بدعابات الحياة وآلامها، لقد نقص ليلنا قلباً آخر”

    ويجدر بالذكر بأن رحيل الأديب السبع حظي بتفاعل العديد من أدباء المنطقة ومثقفيها والشخصيات الاجتماعية، حيث نعاه الكثير منهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

    الشاعر حسن السبع..

    “أنت أيها العزيز وإن كان الرحيل مفاجئاً مفجعاً موجعاً فالأمر لله، ولكنك ستظل بقصائدك في كل حرف كتبت، في قامة وروح وملامح ونجاحات بلقيس ونزار ورائدة وطفول وأسراب الأصدقاء، ستظل شمساً لن يحين غيابها ما دمنا أحياء وما دام على الأرض عشاق للشعر وللمرح وللبراءة وللحياة” د. فوزية أبوخالد

  • أريد أن أموت – آن سكستون

    أريد أن أموت – آن سكستون

    بما أنكم تسألون، فأنا لا أتذكّر معظم الأيام.
    كنت أسير في لباسي، ولا أشعر بزخم الرحيل.
    هكذا يعاودني ذاك الشبق الذي لا يُسمَّى.
    حتّى إن لم يكن لديَّ شيء ضدّ الحياة.
    فأنا أعرف جيّداً شفير الأعشاب التي تذكرون
    وذاك الأثاث الذي وضعتموه تحت لهب الشمس.
    غير أن الانتحارات لها لغتها الخاصّة
    تماماً كالنجّار
    الذي يريد أن يعرف كيف يستخدم الأدوات،
    دون أن يسأل مطلقاً: لماذا يبني؟
    لمرَّتَين وببساطة أعلنتُ نَفْسي،
    امتلكت العدو، ابتلعت العدو،
    وعلى مَرْكبه أخذت معي سِحْره.
    وفي هذه الطريق، مُثقلة ومُستغرقة
    أدفأ من الزيت أو الماء،
    أنا استرحت
    وسال َمن فوَّهة فمي لعابٌ.
    لم أفكّر في جسدي عند وخزة الإبرة.
    حتّى قرنيَّتي وما بقي فيَّ من بَوْل، اختفيا.
    الانتحارات كانت قد خانت الجسد مسبقاً.
    اليافعون لا يموتون عادةً،
    غير أنهم يُبهَرون، لا يستطيعون نسيان لذَّة مُخدِّر
    حتى أنهم ينظرون إلى الأطفال ويبتسمون
    أن تَسحَقَ تلك الحياة َكلَّها تحت لسانك!
    ذلك بحدِّ ذاته يستحيلُ عاطفةً.
    ستقول: موت عَظْمةٍ بائسةٍ ومُجرَّحة.
    مع ذلك ستنتظرني هي عاماً بعد عام،
    لأمحو هكذا برقَّةٍ جُرحاً قديماً،
    لأُخلِّصَ شهقتي من سجنها البائس.
    نتَّحد هناك، الانتحارات تلتقي أحياناً،
    نحتدُّ عند فاكهة وقمر مفقوء،
    تاركين كِسرةَ الخبز التي أخطأتها قبلاتهم
    تاركين صفحةَ كتابٍ مفتوحةً مُهملةً،
    وسمَّاعة هاتف معلَّقة
    لشيء لم يُلفظ بعد،
    أمّا الحبّ، أيّاً يكن، فليس سوى وباء.
    المُترجم : شريف بقنه الشهراني
    اللوحة للفنانة Joanna Rusinek
  • آن سكستون – إلى سيلڤيا

    آن سكستون – إلى سيلڤيا

    آه سيلڤيا، سيلڤيا،
    بتابوتٍ من حجارة وملاعق،
    بطفلين، نيزَكين
    يتقلبان تحت سقف غرفة اللعب الصغيرة
    بثغركِ في الملاءة،
    في رافدة سقفٍ خشبية،
    في تضرعات البُكم

    (سيلڤيا، سيلڤيا،
    إلى أين ارتحلتِ
    بعد أن كتبتِ لي
    من ديفونشاير
    عن جمع البطاطا
    ورعاية النحل؟)

    ما الذي شدّ أزركِ،
    كيف تستلقين في الداخل؟
    أيتها اللصة ــ
    كيف زحفتِ للداخل؟
    زحفتِ وحدكِ
    داخل الموت الذي لطالما اشتهيته
    الموت الذي زعمنا أننا تخطيناه
    الموت الذي تقلدناه على ثديينا النحيلين
    الموت الذي تحدثنا عنه كثيراً كلما
    احتسينا ثلاث كؤوس أخرى من المارتيني الجاف في بوسطن
    الموت الذي تحدث عن المُعالجين والأدوية
    الموت الذي تحدث مثل عرائس متآمرات
    الموت الذي احتسينا نخبه
    الدوافع والفعل الساكن؟

    (في بوسطن،
    يتجول الموت،
    في سيارات الأجرة،
    نعم إنه الموت مجدداً،
    عائداً الى البيت
    مع طفلنا.)

    آه سيلڤيا،
    أذكرُ الطبال الناعس
    يدق على أجفاننا بحكاية قديمة
    كيف أردنا مجيئه
    مثل سَاديّ، أو جنية من نيويورك
    ليؤدي عمله،
    رغبة مُلحة، نافذة في جدار،
    أو مهد،
    منذ ذاك الوقت وهو ينتظر
    تحت قلبِنا، تحت خزانتِنا
    أدركتُ الآن أننا نحتجزه
    عاماً تلو عام، انتحارات قديمة
    ومع نبأ موتك، اختبرتُ له
    مذاقاً فظيعاً، كالملح.

    (وأنا،
    أنا أيضاً.
    والآن، يا سيلفيا،
    أنتِ مجدداً،
    مع الموتِ مجدداً،
    عائداً الى البيت،
    مع طفلنا.)

    فقط أقول
    ذراعاي تُعانقان هذا المكان الحجري
    وما موتُكِ سوى
    انتماء قديم
    وهو الخُلد الذي سقط
    من إحدى قصائدك؟
    آوه يا رفيقتي،
    بينما يسوء القمر،
    ويرحلُ الملك،
    وتجن الملكة،
    وجَبَ على السكير أن يُغني!)
    أيتها الأم الصغيرة،
    وجَبَ عليكِ أيضاً
    أيتها الدوقة المُضحكة!
    أيتها المخلوقة الشقراء!

  • نزار قبانى – تلومني الدنيا إذا أحببته

    تلومني الدنيا إذا أحببتهُ

    كأنني.. أنا خلقتُ الحبَّ واخترعتُهُ

    كأنني أنا على خدودِ الوردِ قد رسمتهُ

    كأنني أنا التي..

    للطيرِ في السماءِ قد علّمتهُ

    وفي حقولِ القمحِ قد زرعتهُ

    وفي مياهِ البحرِ قد ذوّبتهُ..

    كأنني.. أنا التي

    كالقمرِ الجميلِ في السماءِ..

    قد علّقتُه..

    تلومُني الدنيا إذا..

    سمّيتُ منْ أحبُّ.. أو ذكرتُهُ..

    كأنني أنا الهوى..

    وأمُّهُ.. وأختُهُ..

    هذا الهوى الذي أتى..

    من حيثُ ما انتظرتهُ

    مختلفٌ عن كلِّ ما عرفتهُ

    مختلفٌ عن كلِّ ما قرأتهُ

    وكلِّ ما سمعتهُ

    لو كنتُ أدري أنهُ..

    نوعٌ منَ الإدمانِ.. ما أدمنتهُ

    لو كنتُ أدري أنهُ..

    بابٌ كثيرُ الريحِ.. ما فتحتهُ

    لو كنتُ أدري أنهُ..

    عودٌ من الكبريتِ.. ما أشعلتهُ

    هذا الهوى.. أعنفُ حبٍّ عشتهُ

    فليتني حينَ أتاني فاتحاً

    يديهِ لي.. رددْتُهُ

    وليتني من قبلِ أن يقتلَني.. قتلتُهُ..

    هذا الهوى الذي أراهُ في الليلِ..

    على ستائري..

    أراهُ.. في ثوبي..

    وفي عطري.. وفي أساوري

    أراهُ.. مرسوماً على وجهِ يدي..

    أراهُ منقوشاً على مشاعري

    لو أخبروني أنهُ

    طفلٌ كثيرُ اللهوِ والضوضاءِ ما أدخلتهُ

    وأنهُ سيكسرُ الزجاجَ في قلبي لما تركتهُ

    لو أخبروني أنهُ..

    سيضرمُ النيرانَ في دقائقٍ

    ويقلبُ الأشياءَ في دقائقٍ

    ويصبغُ الجدرانَ بالأحمرِ والأزرقِ في دقائقٍ

    لكنتُ قد طردتهُ..

    يا أيّها الغالي الذي..

    أرضيتُ عني الله.. إذْ أحببتهُ

    هذا الهوى أجملُ حبٍّ عشتُهُ

    أروعُ حبٍّ عشتهُ

    فليتني حينَ أتاني زائراً

    بالوردِ قد طوّقتهُ..

    وليتني حينَ أتاني باكياً

    فتحتُ أبوابي لهُ.. وبستهُ

    المزيد من قصائد نزار قباني

  • نزار قبانى ـ أحبك جداً

    أحبك جداً
    وأعرف أن الطريق إلى المستحيل طويـل
    وأعرف أنك ست النساء
    وليس لدي بديـل
    وأعرف أن زمان الحنيـن انتهى
    ومات الكلام الجميل

    لست النساء ماذا نقول
    أحبك جدا…

    أحبك جداً وأعرف أني أعيش بمنفى
    وأنت بمنفى
    وبيني وبينك
    ريحٌ
    وغيمٌ
    وبرقٌ
    ورعدٌ
    وثلجٌ ونـار
    وأعرف أن الوصول لعينيك وهمٌ
    وأعرف أن الوصول إليك
    انتحـار
    ويسعدني
    أن أمزق نفسي لأجلك أيتها الغالية
    ولو خيروني
    لكررت حبك للمرة الثانية

    يا من غزلت قميصك من ورقات الشجر
    أيا من حميتك بالصبر من قطرات المطر
    أحبك جداً

    وأعرف أني أسافر في بحر عينيك
    دون يقين
    وأترك عقلي ورائي وأركض
    أركض
    أركض خلف جنونـي

    أيا امرأة تمسك القلب بين يديها
    سألتك بالله لا تتركيني
    لا تتركيني
    فماذا أكون أنا إذا لم تكوني
    أحبك جداً
    وجداً وجداً
    وأرفض من نــار حبك أن أستقيلا
    وهل يستطيع المتيم بالعشق أن يستقلا…
    وما همني
    إن خرجت من الحب حيا
    وما همني
    إن خرجت قتيلا

  • نزار قبانى ـ أحبك أحبك والبقية تأتي

    نزار قبانى ـ أحبك أحبك والبقية تأتي

    حديثك سجادةٌ فارسيه..
    وعيناك عصفوتان دمشقيتان..
    تطيران بين الجدار وبين الجدار..
    وقلبي يسافر مثل الحمامة فوق مياه يديك،
    ويأخذ قيلولةً تحت ظل السوار..
    وإني أحبك..
    لكن أخاف التورط فيك،
    أخاف التوحد فيك،
    أخاف التقمص فيك،
    فقد علمتني التجارب أن أتجنب عشق النساء،
    وموج البحار..
    أنا لا أناقش حبك.. فهو نهاري
    ولست أناقش شمس النهار
    أنا لا أناقش حبك..
    فهو يقرر في أي يوم سيأتي.. وفي أي يومٍ سيذهب..
    وهو يحدد وقت الحوار، وشكل الحوار..

    دعيني أصب لك الشاي،
    أنت خرافية الحسن هذا الصباح،
    وصوتك نقشٌ جميلٌ على ثوب مراكشيه
    وعقدك يلعب كالطفل تحت المرايا..
    ويرتشف الماء من شفة المزهريه
    دعيني أصب لك الشاي، هل قلت إني أحبك؟
    هل قلت إني سعيدٌ لأنك جئت..
    وأن حضورك يسعد مثل حضور القصيده
    ومثل حضور المراكب، والذكريات البعيده..

    دعيني أترجم بعض كلام المقاعد وهي ترحب فيك..
    دعيني، أعبر عما يدور ببال الفناجين،
    وهي تفكر في شفتيك..
    وبال الملاعق، والسكريه..
    دعيني أضيفك حرفاً جديداً..
    على أحرف الأبجديه..
    دعيني أناقض نفسي قليلاً
    وأجمع في الحب بين الحضارة والبربريه..

    – أأعجبك الشاي؟
    – هل ترغبين ببعض الحليب؟
    – وهل تكتفين –كما كنت دوماً- بقطعة سكر؟
    – وأما أنا فأفضل وجهك من غير سكر..

    أكرر للمرة الألف أني أحبك..
    كيف تريدينني أن أفسر ما لا يفسر؟
    وكيف تريدينني أن أقيس مساحة حزني؟
    وحزني كالطفل.. يزداد في كل يوم جمالاً ويكبر..
    دعيني أقول بكل اللغات التي تعرفين والتي لا تعرفين..
    أحبك أنت..
    دعيني أفتش عن مفرداتٍ..
    تكون بحجم حنيني إليك..
    وعن كلماتٍ.. تغطي مساحة نهديك..
    بالماء، والعشب، والياسمين
    دعيني أفكر عنك..
    وأشتاق عنك..
    وأبكي، وأضحك عنك..
    وألغي المسافة بين الخيال وبين اليقين..

    دعيني أنادي عليك، بكل حروف النداء..
    لعلي إذا ما تغرغرت باسمك، من شفتي تولدين
    دعيني أؤسس دولة عشقٍ..
    تكونين أنت المليكة فيها..
    وأصبح فيها أنا أعظم العاشقين..
    دعيني أقود انقلاباً..
    يوطد سلطة عينيك بين الشعوب،
    دعيني.. أغير بالحب وجه الحضارة..
    أنت الحضارة.. أنت التراث الذي يتشكل في باطن الأرض
    منذ ألوف السنين..

    أحبك..
    كيف تريديني أن أبرهن أن حضورك في الكون،
    مثل حضور المياه،
    ومثل حضور الشجر
    وأنك زهرة دوار شمسٍ..
    وبستان نخلٍ..
    وأغنيةٌ أبحرت من وتر..
    دعيني أقولك بالصمت..
    حين تضيق العبارة عما أعاني..
    وحين يصير الكلام مؤامرةً أتورط فيها.
    وتغدو القصيدة آنيةً من حجر..

    دعيني..
    أقولك ما بين نفسي وبيني..
    وما بين أهداب عيني، وعيني..
    دعيني..
    أقولك بالرمز، إن كنت لا تثقين بضوء القمر..
    دعيني أقولك بالبرق،
    أو برذاذ المطر..
    دعيني أقدم للبحر عنوان عينيك..
    إن تقبلي دعوتي للسفر..
    لماذا أحبك؟
    إن السفينة في البحر، لا تتذكر كيف أحاط بها الماء..
    لا تتذكر كيف اعتراها الدوار..
    لماذا أحبك؟
    إن الرصاصة في اللحم لا تتساءل من أين جاءت..
    وليست تقدم أي اعتذار..

    لماذا أحبك.. لا تسأليني..
    فليس لدي الخيار.. وليس لديك الخيار..

  • نزار قبانى ـ أحاول إنقاذ آخر أنثى

    أعد فناجين قهوتنا الفارغات،
    وأمضغ..
    آخر كسرة شعرٍ لدي
    وأضرب جمجمتي بالجدار..
    أعدك.. جزءاً فجزءاً..
    قبيل انسحابك مني، وقبل رحيل القطار.
    أعد.. أناملك الناحلات،
    أعد الخواتم فيها..
    أعد شوارع نهديك بيتاً فبيتاً..
    أعد الأرانب تحت غطاء السرير..
    أعد ضلوعك، قبل العناق.. وبعد العناق..
    أعد مسامات جلدك.. قبل دخولي، وبعد خروجي
    وقبل انتحاري .
    وبعد انتحاري .

    أعد أصابع رجليك..
    كي أتأكد أن الحرير بخيرٍ..
    وأن الحليب بخيرٍ..
    وأن بيانو (موزارتٍ) بخيرٍ..
    وأن الحمام الدمشقي..
    مازال يلعب في صحن داري.
    أعد تفاصيل جسمك..
    شبراً.. فشبرا..
    وبراً.. وبحرا..
    وساقاً.. وخصرا..
    ووجهاً.. وظهرا..
    أعد العصافير..
    تسرق من بين نهديك..
    قمحاً، وزهرا..
    أعد القصيدة، بيتاً فبيتاً
    قبيل انفجار اللغات،
    وقبل انفجاري.
    أحاول أن أتعلق في حلمة الثدي،
    قبل سقوط السماء علي،
    وقبل سقوط الستار.
    أحاول إنقاذ آخر نهدٍ جميلٍ
    وآخر أنثى..
    قبيل وصول التتار..

    أقيس مساحة خصرك
    قبل سقوط القذيفة فوق زجاج حروفي
    وقبل انشطاري.
    أقيس مساحة عشقي، فأفشل
    كيف بوسع شراعٍ صغيرٍ
    كقلبي،
    اجتياز أعالي البحار؟
    أقيس الذي لا يقاس
    فيا امرأةً من فضاء النبوءات،
    هل تقبلين اعتذراي؟

    أعد قناني عطورك فوق الرفوف
    فتجتاحني نوبةٌ من دوار..
    وأحصي فساتينك الرائعات،
    فأدخل في غابةٍ
    من نحاسٍ ونار..
    سنابل شعرك تشبه أبعاد حريتي
    وألوان عينيك،
    فيها انفتاح البراري.

    أيا امرأةً .. لا أزال أعد يديها
    وأخطئ..
    بين شروق اليدين.. وبين شروق النهار.
    أيا ليتني ألتقيك لخمس دقائق
    بين انهياري.. وبين انهياري.
    هي الحرب.. تمضغ لحمي ولحمك…
    ماذا أقول؟
    وأي كلامٍ يليق بهذا الدمار؟
    أخاف عليك. ولست أخاف علي
    فأنت جنوني الأخير..
    وأنت احتراقي الأخير..
    وأنت ضريحي.. وأنت مزاري..

    أعدك..
    بدءاً من القرط، حتى السوار..
    ومن منبع النهر.. حتى خليج المحار..
    أعد فناجين شهوتنا
    ثم أبدأ في عدها من جديدٍ.
    لعلي نسيت الحساب قليلاً
    لعلي نسيت الحساب كثيراً
    ولكنني ما نسيت السلام
    على شجر الخوخ في شفتيك
    ورائحة الورد، والجلنار.

    أحبك..
    يا امرأةً لا تزال معي، في زمان الحصار
    أحبك..
    يا امرأةً لا تزال تقدم لي فمها وردةً
    في زمان الغبار.
    أحبك حتى التقمص، حتى التوحد،
    حتى فنائي فيك، وحتى اندثاري.
    أحبك..
    لا بد لي أن أقول قليلاً من الشعر
    قبل قرار انتحاري.
    أحبك..
    لا بد لي أن أحرر آخر أنثى
    قبيل وصول التتار..

  • نزار قبانى – آخر عصفور يخرج من غرناطة

    نزار قبانى – آخر عصفور يخرج من غرناطة

    عيناك.. آخر مركبين يسافران
    فهل هنالك من مكان؟
    إني تعبت من التسكع في محطات الجنون
    وما وصلت إلى مكان..
    عيناك آخر فرصتين متاحتين
    لمن يفكر بالهروب..
    وأنا.. أفكر بالهروب..
    عيناك آخر ما تبقى من عصافير الجنوب
    عيناك آخر ما تبقى من حشيش البحر،
    آخر ما تبقى من حقول التبغ،
    آخر ما تبقى من دموع الأقحوان
    عيناك.. آخر زفةٍ شعبيةٍ تجري
    وآخر مهرجان..
    آخر ما تبقى من مكاتيب الغرام
    ويداك.. آخر دفترين من الحرير..
    عليهما..
    سجلت أحلى ما لدي من الكلام
    العشق يكويني، كلوح التوتياء،
    ولا أذوب..
    والشعر يطعنني بخنجره..
    وأرفض أن أتوب..
    إني أحبك..
    ظلي معي..
    ويبقى وجه فاطمةٍ
    يحلق كالحمامة تحت أضواء الغروب
    ظلي معي.. فلربما يأتي الحسين
    وفي عباءته الحمائم، والمباخر، والطيوب
    ووراءه تمشي المآذن، والربى
    وجميع ثوار الجنوب..

    عيناك آخر ساحلين من البنفسج
    فكرت أن الشعر ينقذني..
    ولكن القصائد أغرقتني..
    ولكن النساء تقاسمتني..
    أحبيبتي:
    أعجوبةٌ أن ألتقي امرأةً بهذا الليل،
    ترضى أن ترافقني..
    أعجوبةٌ أن يكتب الشعراء في هذا الزمان.
    أعجوبةٌ أن القصيدة لا تزال
    تمر من بين الحرائق والدخان
    تنط من فوق الحواجز، والمخافر، والهزائم،
    كالحصان
    أعجوبةٌ.. أن الكتابة لا تزال..
    برغم شمشمة الكلاب..
    ورغم أقبية المباحث،
    مصدراً للعنفوان…

    الماء في عينيك زيتيٌ..
    رماديٌ..
    نبيذيٌ..
    وأنا على سطح السفينة،
    مثل عصفورٍ يتيمٍ
    لا يفكر بالرجوع..
    بيروت أرملة العروبة
    والطوائف،
    والجريمة، والجنون..
    بيروت تذبح في سرير زفافها
    والناس حول سريرها متفرجون
    بيروت..
    تنزف كالدجاجة في الطريق،
    فأين فر العاشقون؟
    بيروت تبحث عن حقيقتها،
    وتبحث عن قبيلتها..
    وتبحث عن أقاربها..
    ولكن الجميع منافقون..

    عيناك.. آخر رحلةٍ ليليةٍ
    وحقائبي في الأرض تنتظر الهبوب
    تتوسل الأشجار باكيةً لآخذها معي
    أرأيتم شجراً يفكر بالهروب؟
    والخيانة، والذنوب..
    هذا هو الزمن الذي فيه الثقافة،
    والكتابة،
    والكرامة،
    والرجولة في غروب
    ودفاتري ملأى بآلاف الثقوب..
    النفط يستلقي سعيداً تحت أشجار النعاس،
    وبين أثداء الحريم..
    هذا الذي قد جاءنا
    بثياب شيطانٍ رجيم…
    النفط هذا السائل المنوي..
    لا القومي..
    لا الشعبي
    هذا الأرنب المهزوم في كل الحروب
    النفط مشروب الأباطرة الكبار،
    وليس مشروب الشعوب..
    كيف الدخول إلى القصيدة يا ترى؟
    والنفط يشري
    ألف منتجٍ (بماربيا)…
    ويشري نصف باريسٍ..
    ويشري نصف ما في (نيس) من شمسٍ وأجسادٍ..
    ويشري ألف يختٍ في بحار الله..
    يشري ألف إمرأةٍ بإذن الله..
    لا يشتري سيفاً لتحرير الجنوب..

    عيناك.. آخر ما تبقى من شتول النخل
    في وطني الحزين.
    وهواك أجمل ثورةٍ بيضاء..
    تعلن من ملايين السنين
    كوني معي امرأةً..
    كوني معي شعراً
    يسافر دائماً عكس الرياح..
    كوني معي جنيةً
    لا يبلغ العشاق ذروة عشقهم
    إلا إذا التحقوا بصف الغاضبين..
    أحبيبتي:
    إني لأعلن أن ما في الأرض من عنبٍ وتين
    حقٌ لكل المعدمين
    وبأن كل الشعر .. كل النثر..
    كل الكحل في العينين..
    كل اللؤلؤ المخبوء في النهدين..
    حقٌ لكل الحالمين..
    كوني معي..
    ولسوف أعلن أن شمس الله،
    ولسوف أعلن دونما حرجٍ
    بأن الشعر أقوى من جميع الحاكمين…
    حقٌ لكل المعدمين
    وبأن كل الشعر .. كل النثر..
    كل الكحل في العينين..
    كل اللؤلؤ المخبوء في النهدين..
    كل العشب، كل الياسمين
    حقٌ لكل الحالمين..
    كوني معي..
    ولسوف أعلن أن شمس الله،
    ولسوف أعلن دونما حرجٍ
    بأن الشعر أقوى من جميع الحاكمين…
    حقٌ لكل المعدمين
    وبأن كل الشعر .. كل النثر..
    كل الكحل في العينين..
    كل اللؤلؤ المخبوء في النهدين..
    كل العشب، كل الياسمين
    حقٌ لكل الحالمين..
    كوني معي..
    ولسوف أعلن أن شمس الله،
    تشبه في استدارتها رغيف الجائعين
    ولسوف أعلن دونما حرجٍ
    بأن الشعر أقوى من جميع الحاكمين

    المزيد من قصائد نزار قباني

  • محمود درويش – سوناتا

    إذا كنت آخر ما قاله الله لي، فليكن
    نزولك نون ال “أنا” فى المثنى. وطوبى لنا
    لقد نور اللوز بعد خطى العابرين، هنا
    على ضفتيك، ورف عليك القطا و اليمام

    بقرن الغزال طعنت السماء، فسال الكلام
    ندى فى عروق الطبيعة. ما اسم القصيدة
    أمام ثنائية الخلق و الحق، بين السماء البعيدة
    وأرز سريرك، حين يحن دم لدم، ويئن الرخام؟

    ستحتج أسطورة للتشمس حولك. هذا الرخام
    الهات مصر وسومر تحت النخيل يغيرن أثوابهن
    و أسماء أيامهن، ويكملن رحلاتهن إلى آخر القافية

    وتحتاج أنشودتى للتنفس: لا الشعر شعر
    ولا النثر نثر. حلمت بأنك آخر ما قاله
    لى الله حين رأيتكما فى المنام، فكان الكلام

  • محمود درويش ـ لا أَنام لأحلم

    محمود درويش ـ لا أَنام لأحلم

    لا أَنام لأحلم قالت لَه
    بل أَنام لأنساكَ. ما أطيب النوم وحدي
    بلا صَخَب فى الحرير، اَبتعدْ لأراكَ
    وحيدا هناك، تفكٌِر بى حين أَنساكَ/
    لا شيء يوجعنى فى غيابكَ
    لا الليل يخمش صدرى ولاشفتاكَ…
    أنام على جسدى كاملا كاملا
    لا شريك له،
    لا يداك تشقَّان ثوبي، ولا قدماكَ
    تَدقَّان قلبى كبنْدقَة عندما تغلق الباب/
    لاشيء ينقصنى فى غيابك:
    نهداى لي. سرَّتي. نَمَشي. شامتي،

    ويداى وساقاى لي. كلّ ما فى لي
    ولك الصّوَر المشتهاة، فخذْها
    لتؤنس منفاكَ، واَرفع رؤاك كَنَخْب
    أخير. وقل إن أَردت: هَواكِ هلاك.
    وأَمَّا أَنا، فسأصْغى إلى جسدي
    بهدوء الطبيبة: لاشيء، لاشيء
    يوجِعنى فى الغياب سوى عزْلَةِ الكون

  • محمود درويش ـ الجميلات هنَّ الجميلاتُ

    محمود درويش ـ الجميلات هنَّ الجميلاتُ

    الجميلات هنَّ الجميلاتُ
    “نقش الكمنجات فى الخاصرة”
    الجميلات هنَّ الضعيفاتُ
    “عرشٌ طفيفٌ بلا ذاكرة”
    الجميلات هنَّ القوياتُ
    “يأسٌ يضيء ولا يحترق”
    الجميلات هنَّ الأميرات ُ
    “ربَّاتُ وحى قلق ”
    الجميلات هنَّ القريباتُ
    “جاراتُ قوس قزح ”
    الجميلات هنَّ البعيداتُ
    “مثل أغانى الفرح”
    الجميلات هنَّ الفقيراتُ
    “مثل الوصيفات فى حضرة الملكة”
    الجميلات هنَّ الطويلاتُ
    “خالات نخل السماء”
    الجميلات هنَّ القصيراتُ
    “يُشرَبْنَ فى كأس ماء”
    الجميلات هنَّ الكبيراتُ
    “مانجو مقشرةٌ ونبيذٌ معتق”
    الجميلات هنَّ الصغيراتُ
    “وَعْدُ غدٍ وبراعم زنبق”
    الجميلات، كلّْ الجميلات، أنت ِ
    إذا ما اجتمعن ليخترن لى أنبلَ القاتلات

  • محمود درويش ـ ليلٌ يفيض من الجسد

    محمود درويش ـ ليلٌ يفيض من الجسد

    ياسمينٌ على ليل تمّوز، أغنيّةٌ
    لغريبين يلتقيان على شارعٍ
    لا يؤدّى إلى هدفٍ …
    من أنا بعد عينين لوزيّتين؟ يقول الغريب
    من أنا بعد منفاك فيّ؟ تقول الغريبة.
    إذن، حسنًا، فلنكن حذرين لئلا
    نحرّك ملح البحار القديمة فى جسدٍ يتذكّر…
    كانت تعيد له جسدًا ساخنًا،
    ويعيد لها جسدًا ساخنًا.
    هكذا يترك العاشقان الغريبان حبّهما فوضويًّا،
    كما يتركان ثيابهما الداخليّة بين زهور الملاءات…
    – إن كنت حقًا حبيبي، فألّف
    نشيد أناشيد لي، واحفر اسمي
    على جذع رمّانةٍ فى حدائق بابل…
    – إن كنتِ حقًا تحبّينني، فضعي
    حلمي في يديّ. وقولي له، لابن مريم،
    كيف فعلت بنا ما فعلت بنفسك،
    يا سيّدي؟ هل لدينا من العدل ما سوف
    يكفى ليجعلنا عادلين غدًا؟
    – كيف أشفى من الياسمين غدًا ؟
    – كيف أشفى من الياسمين غدًا ؟
    يعتمان معًا فى ظلالٍ تشعّ على
    سقف غرفته: لا تكن معتمًا
    بعد نهدي – قالت له …
    قال: نهداكِ ليلٌ يضيء الضروري
    نهداكِ ليلٌ يقبّلني. وامتلأنا أنا
    والمكان بليلٍ يفيض من الكأس …
    تضحك من وصفه. ثم تضحك أكثر
    حين تخبّئ منحدر الليل فى يدها…
    – يا حبيبي، لو كان لي
    أن أكون صبيًّا… لكنتكِ أنتِ
    – ولو كان لي أن أكون فتاةً
    لكنتكِ أنتِ!…
    وتبكي، كعادتها، عند عودتها
    من سماءٍ نبيذيّة اللون: خذني
    إلى بلدٍ ليس لي طائرٌ أزرقٌ
    فوق صفصافة يا غريب!
    وتبكي، لتقطع غاباتها في الرحيل
    الطويل إلى ذاتها: من أنا ؟
    من أنا بعد منفاك في جسدي ؟
    آه منّي، ومنك، ومن بلدي
    – من أنا بعد عينين لوزيّتين ؟
    أريني غدي!…
    هكذا يترك العاشقان وداعهما
    فوضويًّا، كرائحة الياسمين على ليل تمّوز…
    فى كلّ تمّوز يحملني الياسمين إلى
    شارع، لا يؤدّي إلى هدفٍ،
    بيد أني أتابع أغنيّتي:
    ياسمينٌ على ليل تمّوز.

    *نص: محمود دويش

  • محمود درويش ـ لا تتركيني

    محمود درويش ـ لا تتركيني

    وطنى جبينك، فاسمعينى
    لا تتركينى
    خلف السياج
    كعشبة برية،
    كيمامة مهجورة
    لا تتركينى
    قمرا تعيسا
    كوكبا متسولا بين الغصون
    لا تتركينى
    حرا بحزنى
    و احبسينى بيد تصبّ الشمس
    فوق كوى سجونى،
    وتعوّدى أن تحرقيني،
    إن كنت لى
    شغفا بأحجارى بزيتونى
    بشبّاكي.. بطينى
    وطنى جبينك، فاسمعينى
    لا تتركيني

  • محمود درويش ـ كمقهى صغير على شارع الغرباء هو الحبّ

    كمقهى صغير على شارع الغرباء
    هو الحبّ… يفتح أَبوابه للجميع.
    كمقهى يزيد وينقص وَفْق المناخ:
    إذا هَطَلَ المطر ازداد روَّاده،
    وإذا اعتدل الجوّ قَلّوا ومَلّوا…
    أَنا هاهنا يا غريبة فى الركن أجلس
    ما لون عينيكِ؟ ما اَسمك؟ كيف
    أناديك حين تمرِّين بى، وأَنا جالس
    فى انتظاركِ؟
    مقهى صغيرٌ هو الحبّ. أَطلب كأسيْ
    نبيذ وأَشرب نخبى ونخبك. أَحمل
    قبَّعتين وشمسيَّة. إنها تمطر الآن.

    تمطر أكثر من أى يوم، ولا تدخلينَ
    أَقول لنفسى أَخيرا: لعلَّ التى كنت
    أنتظر انتظَرتْني… أَو انتظرتْ رجلا
    آخرَ انتظرتنا ولم تتعرف عليه/ عليَّ،
    وكانت تقول: أَنا هاهنا فى انتظاركَ.
    ما لون عينيكَ؟ أَى نبيذٍ تحبّ؟
    وما اَسمكَ؟ كيف أناديكَ حين
    تمرّ أَمامي
    كمقهى صغير هو الحب