المدونة

  • آن سكستون – إلى سيلڤيا

    آن سكستون – إلى سيلڤيا

    آه سيلڤيا، سيلڤيا،
    بتابوتٍ من حجارة وملاعق،
    بطفلين، نيزَكين
    يتقلبان تحت سقف غرفة اللعب الصغيرة
    بثغركِ في الملاءة،
    في رافدة سقفٍ خشبية،
    في تضرعات البُكم

    (سيلڤيا، سيلڤيا،
    إلى أين ارتحلتِ
    بعد أن كتبتِ لي
    من ديفونشاير
    عن جمع البطاطا
    ورعاية النحل؟)

    ما الذي شدّ أزركِ،
    كيف تستلقين في الداخل؟
    أيتها اللصة ــ
    كيف زحفتِ للداخل؟
    زحفتِ وحدكِ
    داخل الموت الذي لطالما اشتهيته
    الموت الذي زعمنا أننا تخطيناه
    الموت الذي تقلدناه على ثديينا النحيلين
    الموت الذي تحدثنا عنه كثيراً كلما
    احتسينا ثلاث كؤوس أخرى من المارتيني الجاف في بوسطن
    الموت الذي تحدث عن المُعالجين والأدوية
    الموت الذي تحدث مثل عرائس متآمرات
    الموت الذي احتسينا نخبه
    الدوافع والفعل الساكن؟

    (في بوسطن،
    يتجول الموت،
    في سيارات الأجرة،
    نعم إنه الموت مجدداً،
    عائداً الى البيت
    مع طفلنا.)

    آه سيلڤيا،
    أذكرُ الطبال الناعس
    يدق على أجفاننا بحكاية قديمة
    كيف أردنا مجيئه
    مثل سَاديّ، أو جنية من نيويورك
    ليؤدي عمله،
    رغبة مُلحة، نافذة في جدار،
    أو مهد،
    منذ ذاك الوقت وهو ينتظر
    تحت قلبِنا، تحت خزانتِنا
    أدركتُ الآن أننا نحتجزه
    عاماً تلو عام، انتحارات قديمة
    ومع نبأ موتك، اختبرتُ له
    مذاقاً فظيعاً، كالملح.

    (وأنا،
    أنا أيضاً.
    والآن، يا سيلفيا،
    أنتِ مجدداً،
    مع الموتِ مجدداً،
    عائداً الى البيت،
    مع طفلنا.)

    فقط أقول
    ذراعاي تُعانقان هذا المكان الحجري
    وما موتُكِ سوى
    انتماء قديم
    وهو الخُلد الذي سقط
    من إحدى قصائدك؟
    آوه يا رفيقتي،
    بينما يسوء القمر،
    ويرحلُ الملك،
    وتجن الملكة،
    وجَبَ على السكير أن يُغني!)
    أيتها الأم الصغيرة،
    وجَبَ عليكِ أيضاً
    أيتها الدوقة المُضحكة!
    أيتها المخلوقة الشقراء!

  • نزار قبانى – تلومني الدنيا إذا أحببته

    تلومني الدنيا إذا أحببتهُ

    كأنني.. أنا خلقتُ الحبَّ واخترعتُهُ

    كأنني أنا على خدودِ الوردِ قد رسمتهُ

    كأنني أنا التي..

    للطيرِ في السماءِ قد علّمتهُ

    وفي حقولِ القمحِ قد زرعتهُ

    وفي مياهِ البحرِ قد ذوّبتهُ..

    كأنني.. أنا التي

    كالقمرِ الجميلِ في السماءِ..

    قد علّقتُه..

    تلومُني الدنيا إذا..

    سمّيتُ منْ أحبُّ.. أو ذكرتُهُ..

    كأنني أنا الهوى..

    وأمُّهُ.. وأختُهُ..

    هذا الهوى الذي أتى..

    من حيثُ ما انتظرتهُ

    مختلفٌ عن كلِّ ما عرفتهُ

    مختلفٌ عن كلِّ ما قرأتهُ

    وكلِّ ما سمعتهُ

    لو كنتُ أدري أنهُ..

    نوعٌ منَ الإدمانِ.. ما أدمنتهُ

    لو كنتُ أدري أنهُ..

    بابٌ كثيرُ الريحِ.. ما فتحتهُ

    لو كنتُ أدري أنهُ..

    عودٌ من الكبريتِ.. ما أشعلتهُ

    هذا الهوى.. أعنفُ حبٍّ عشتهُ

    فليتني حينَ أتاني فاتحاً

    يديهِ لي.. رددْتُهُ

    وليتني من قبلِ أن يقتلَني.. قتلتُهُ..

    هذا الهوى الذي أراهُ في الليلِ..

    على ستائري..

    أراهُ.. في ثوبي..

    وفي عطري.. وفي أساوري

    أراهُ.. مرسوماً على وجهِ يدي..

    أراهُ منقوشاً على مشاعري

    لو أخبروني أنهُ

    طفلٌ كثيرُ اللهوِ والضوضاءِ ما أدخلتهُ

    وأنهُ سيكسرُ الزجاجَ في قلبي لما تركتهُ

    لو أخبروني أنهُ..

    سيضرمُ النيرانَ في دقائقٍ

    ويقلبُ الأشياءَ في دقائقٍ

    ويصبغُ الجدرانَ بالأحمرِ والأزرقِ في دقائقٍ

    لكنتُ قد طردتهُ..

    يا أيّها الغالي الذي..

    أرضيتُ عني الله.. إذْ أحببتهُ

    هذا الهوى أجملُ حبٍّ عشتُهُ

    أروعُ حبٍّ عشتهُ

    فليتني حينَ أتاني زائراً

    بالوردِ قد طوّقتهُ..

    وليتني حينَ أتاني باكياً

    فتحتُ أبوابي لهُ.. وبستهُ

    المزيد من قصائد نزار قباني

  • نزار قبانى ـ أحبك جداً

    أحبك جداً
    وأعرف أن الطريق إلى المستحيل طويـل
    وأعرف أنك ست النساء
    وليس لدي بديـل
    وأعرف أن زمان الحنيـن انتهى
    ومات الكلام الجميل

    لست النساء ماذا نقول
    أحبك جدا…

    أحبك جداً وأعرف أني أعيش بمنفى
    وأنت بمنفى
    وبيني وبينك
    ريحٌ
    وغيمٌ
    وبرقٌ
    ورعدٌ
    وثلجٌ ونـار
    وأعرف أن الوصول لعينيك وهمٌ
    وأعرف أن الوصول إليك
    انتحـار
    ويسعدني
    أن أمزق نفسي لأجلك أيتها الغالية
    ولو خيروني
    لكررت حبك للمرة الثانية

    يا من غزلت قميصك من ورقات الشجر
    أيا من حميتك بالصبر من قطرات المطر
    أحبك جداً

    وأعرف أني أسافر في بحر عينيك
    دون يقين
    وأترك عقلي ورائي وأركض
    أركض
    أركض خلف جنونـي

    أيا امرأة تمسك القلب بين يديها
    سألتك بالله لا تتركيني
    لا تتركيني
    فماذا أكون أنا إذا لم تكوني
    أحبك جداً
    وجداً وجداً
    وأرفض من نــار حبك أن أستقيلا
    وهل يستطيع المتيم بالعشق أن يستقلا…
    وما همني
    إن خرجت من الحب حيا
    وما همني
    إن خرجت قتيلا

  • نزار قبانى ـ أحبك أحبك والبقية تأتي

    نزار قبانى ـ أحبك أحبك والبقية تأتي

    حديثك سجادةٌ فارسيه..
    وعيناك عصفوتان دمشقيتان..
    تطيران بين الجدار وبين الجدار..
    وقلبي يسافر مثل الحمامة فوق مياه يديك،
    ويأخذ قيلولةً تحت ظل السوار..
    وإني أحبك..
    لكن أخاف التورط فيك،
    أخاف التوحد فيك،
    أخاف التقمص فيك،
    فقد علمتني التجارب أن أتجنب عشق النساء،
    وموج البحار..
    أنا لا أناقش حبك.. فهو نهاري
    ولست أناقش شمس النهار
    أنا لا أناقش حبك..
    فهو يقرر في أي يوم سيأتي.. وفي أي يومٍ سيذهب..
    وهو يحدد وقت الحوار، وشكل الحوار..

    دعيني أصب لك الشاي،
    أنت خرافية الحسن هذا الصباح،
    وصوتك نقشٌ جميلٌ على ثوب مراكشيه
    وعقدك يلعب كالطفل تحت المرايا..
    ويرتشف الماء من شفة المزهريه
    دعيني أصب لك الشاي، هل قلت إني أحبك؟
    هل قلت إني سعيدٌ لأنك جئت..
    وأن حضورك يسعد مثل حضور القصيده
    ومثل حضور المراكب، والذكريات البعيده..

    دعيني أترجم بعض كلام المقاعد وهي ترحب فيك..
    دعيني، أعبر عما يدور ببال الفناجين،
    وهي تفكر في شفتيك..
    وبال الملاعق، والسكريه..
    دعيني أضيفك حرفاً جديداً..
    على أحرف الأبجديه..
    دعيني أناقض نفسي قليلاً
    وأجمع في الحب بين الحضارة والبربريه..

    – أأعجبك الشاي؟
    – هل ترغبين ببعض الحليب؟
    – وهل تكتفين –كما كنت دوماً- بقطعة سكر؟
    – وأما أنا فأفضل وجهك من غير سكر..

    أكرر للمرة الألف أني أحبك..
    كيف تريدينني أن أفسر ما لا يفسر؟
    وكيف تريدينني أن أقيس مساحة حزني؟
    وحزني كالطفل.. يزداد في كل يوم جمالاً ويكبر..
    دعيني أقول بكل اللغات التي تعرفين والتي لا تعرفين..
    أحبك أنت..
    دعيني أفتش عن مفرداتٍ..
    تكون بحجم حنيني إليك..
    وعن كلماتٍ.. تغطي مساحة نهديك..
    بالماء، والعشب، والياسمين
    دعيني أفكر عنك..
    وأشتاق عنك..
    وأبكي، وأضحك عنك..
    وألغي المسافة بين الخيال وبين اليقين..

    دعيني أنادي عليك، بكل حروف النداء..
    لعلي إذا ما تغرغرت باسمك، من شفتي تولدين
    دعيني أؤسس دولة عشقٍ..
    تكونين أنت المليكة فيها..
    وأصبح فيها أنا أعظم العاشقين..
    دعيني أقود انقلاباً..
    يوطد سلطة عينيك بين الشعوب،
    دعيني.. أغير بالحب وجه الحضارة..
    أنت الحضارة.. أنت التراث الذي يتشكل في باطن الأرض
    منذ ألوف السنين..

    أحبك..
    كيف تريديني أن أبرهن أن حضورك في الكون،
    مثل حضور المياه،
    ومثل حضور الشجر
    وأنك زهرة دوار شمسٍ..
    وبستان نخلٍ..
    وأغنيةٌ أبحرت من وتر..
    دعيني أقولك بالصمت..
    حين تضيق العبارة عما أعاني..
    وحين يصير الكلام مؤامرةً أتورط فيها.
    وتغدو القصيدة آنيةً من حجر..

    دعيني..
    أقولك ما بين نفسي وبيني..
    وما بين أهداب عيني، وعيني..
    دعيني..
    أقولك بالرمز، إن كنت لا تثقين بضوء القمر..
    دعيني أقولك بالبرق،
    أو برذاذ المطر..
    دعيني أقدم للبحر عنوان عينيك..
    إن تقبلي دعوتي للسفر..
    لماذا أحبك؟
    إن السفينة في البحر، لا تتذكر كيف أحاط بها الماء..
    لا تتذكر كيف اعتراها الدوار..
    لماذا أحبك؟
    إن الرصاصة في اللحم لا تتساءل من أين جاءت..
    وليست تقدم أي اعتذار..

    لماذا أحبك.. لا تسأليني..
    فليس لدي الخيار.. وليس لديك الخيار..

  • نزار قبانى ـ أحاول إنقاذ آخر أنثى

    أعد فناجين قهوتنا الفارغات،
    وأمضغ..
    آخر كسرة شعرٍ لدي
    وأضرب جمجمتي بالجدار..
    أعدك.. جزءاً فجزءاً..
    قبيل انسحابك مني، وقبل رحيل القطار.
    أعد.. أناملك الناحلات،
    أعد الخواتم فيها..
    أعد شوارع نهديك بيتاً فبيتاً..
    أعد الأرانب تحت غطاء السرير..
    أعد ضلوعك، قبل العناق.. وبعد العناق..
    أعد مسامات جلدك.. قبل دخولي، وبعد خروجي
    وقبل انتحاري .
    وبعد انتحاري .

    أعد أصابع رجليك..
    كي أتأكد أن الحرير بخيرٍ..
    وأن الحليب بخيرٍ..
    وأن بيانو (موزارتٍ) بخيرٍ..
    وأن الحمام الدمشقي..
    مازال يلعب في صحن داري.
    أعد تفاصيل جسمك..
    شبراً.. فشبرا..
    وبراً.. وبحرا..
    وساقاً.. وخصرا..
    ووجهاً.. وظهرا..
    أعد العصافير..
    تسرق من بين نهديك..
    قمحاً، وزهرا..
    أعد القصيدة، بيتاً فبيتاً
    قبيل انفجار اللغات،
    وقبل انفجاري.
    أحاول أن أتعلق في حلمة الثدي،
    قبل سقوط السماء علي،
    وقبل سقوط الستار.
    أحاول إنقاذ آخر نهدٍ جميلٍ
    وآخر أنثى..
    قبيل وصول التتار..

    أقيس مساحة خصرك
    قبل سقوط القذيفة فوق زجاج حروفي
    وقبل انشطاري.
    أقيس مساحة عشقي، فأفشل
    كيف بوسع شراعٍ صغيرٍ
    كقلبي،
    اجتياز أعالي البحار؟
    أقيس الذي لا يقاس
    فيا امرأةً من فضاء النبوءات،
    هل تقبلين اعتذراي؟

    أعد قناني عطورك فوق الرفوف
    فتجتاحني نوبةٌ من دوار..
    وأحصي فساتينك الرائعات،
    فأدخل في غابةٍ
    من نحاسٍ ونار..
    سنابل شعرك تشبه أبعاد حريتي
    وألوان عينيك،
    فيها انفتاح البراري.

    أيا امرأةً .. لا أزال أعد يديها
    وأخطئ..
    بين شروق اليدين.. وبين شروق النهار.
    أيا ليتني ألتقيك لخمس دقائق
    بين انهياري.. وبين انهياري.
    هي الحرب.. تمضغ لحمي ولحمك…
    ماذا أقول؟
    وأي كلامٍ يليق بهذا الدمار؟
    أخاف عليك. ولست أخاف علي
    فأنت جنوني الأخير..
    وأنت احتراقي الأخير..
    وأنت ضريحي.. وأنت مزاري..

    أعدك..
    بدءاً من القرط، حتى السوار..
    ومن منبع النهر.. حتى خليج المحار..
    أعد فناجين شهوتنا
    ثم أبدأ في عدها من جديدٍ.
    لعلي نسيت الحساب قليلاً
    لعلي نسيت الحساب كثيراً
    ولكنني ما نسيت السلام
    على شجر الخوخ في شفتيك
    ورائحة الورد، والجلنار.

    أحبك..
    يا امرأةً لا تزال معي، في زمان الحصار
    أحبك..
    يا امرأةً لا تزال تقدم لي فمها وردةً
    في زمان الغبار.
    أحبك حتى التقمص، حتى التوحد،
    حتى فنائي فيك، وحتى اندثاري.
    أحبك..
    لا بد لي أن أقول قليلاً من الشعر
    قبل قرار انتحاري.
    أحبك..
    لا بد لي أن أحرر آخر أنثى
    قبيل وصول التتار..

  • نزار قبانى – آخر عصفور يخرج من غرناطة

    نزار قبانى – آخر عصفور يخرج من غرناطة

    عيناك.. آخر مركبين يسافران
    فهل هنالك من مكان؟
    إني تعبت من التسكع في محطات الجنون
    وما وصلت إلى مكان..
    عيناك آخر فرصتين متاحتين
    لمن يفكر بالهروب..
    وأنا.. أفكر بالهروب..
    عيناك آخر ما تبقى من عصافير الجنوب
    عيناك آخر ما تبقى من حشيش البحر،
    آخر ما تبقى من حقول التبغ،
    آخر ما تبقى من دموع الأقحوان
    عيناك.. آخر زفةٍ شعبيةٍ تجري
    وآخر مهرجان..
    آخر ما تبقى من مكاتيب الغرام
    ويداك.. آخر دفترين من الحرير..
    عليهما..
    سجلت أحلى ما لدي من الكلام
    العشق يكويني، كلوح التوتياء،
    ولا أذوب..
    والشعر يطعنني بخنجره..
    وأرفض أن أتوب..
    إني أحبك..
    ظلي معي..
    ويبقى وجه فاطمةٍ
    يحلق كالحمامة تحت أضواء الغروب
    ظلي معي.. فلربما يأتي الحسين
    وفي عباءته الحمائم، والمباخر، والطيوب
    ووراءه تمشي المآذن، والربى
    وجميع ثوار الجنوب..

    عيناك آخر ساحلين من البنفسج
    فكرت أن الشعر ينقذني..
    ولكن القصائد أغرقتني..
    ولكن النساء تقاسمتني..
    أحبيبتي:
    أعجوبةٌ أن ألتقي امرأةً بهذا الليل،
    ترضى أن ترافقني..
    أعجوبةٌ أن يكتب الشعراء في هذا الزمان.
    أعجوبةٌ أن القصيدة لا تزال
    تمر من بين الحرائق والدخان
    تنط من فوق الحواجز، والمخافر، والهزائم،
    كالحصان
    أعجوبةٌ.. أن الكتابة لا تزال..
    برغم شمشمة الكلاب..
    ورغم أقبية المباحث،
    مصدراً للعنفوان…

    الماء في عينيك زيتيٌ..
    رماديٌ..
    نبيذيٌ..
    وأنا على سطح السفينة،
    مثل عصفورٍ يتيمٍ
    لا يفكر بالرجوع..
    بيروت أرملة العروبة
    والطوائف،
    والجريمة، والجنون..
    بيروت تذبح في سرير زفافها
    والناس حول سريرها متفرجون
    بيروت..
    تنزف كالدجاجة في الطريق،
    فأين فر العاشقون؟
    بيروت تبحث عن حقيقتها،
    وتبحث عن قبيلتها..
    وتبحث عن أقاربها..
    ولكن الجميع منافقون..

    عيناك.. آخر رحلةٍ ليليةٍ
    وحقائبي في الأرض تنتظر الهبوب
    تتوسل الأشجار باكيةً لآخذها معي
    أرأيتم شجراً يفكر بالهروب؟
    والخيانة، والذنوب..
    هذا هو الزمن الذي فيه الثقافة،
    والكتابة،
    والكرامة،
    والرجولة في غروب
    ودفاتري ملأى بآلاف الثقوب..
    النفط يستلقي سعيداً تحت أشجار النعاس،
    وبين أثداء الحريم..
    هذا الذي قد جاءنا
    بثياب شيطانٍ رجيم…
    النفط هذا السائل المنوي..
    لا القومي..
    لا الشعبي
    هذا الأرنب المهزوم في كل الحروب
    النفط مشروب الأباطرة الكبار،
    وليس مشروب الشعوب..
    كيف الدخول إلى القصيدة يا ترى؟
    والنفط يشري
    ألف منتجٍ (بماربيا)…
    ويشري نصف باريسٍ..
    ويشري نصف ما في (نيس) من شمسٍ وأجسادٍ..
    ويشري ألف يختٍ في بحار الله..
    يشري ألف إمرأةٍ بإذن الله..
    لا يشتري سيفاً لتحرير الجنوب..

    عيناك.. آخر ما تبقى من شتول النخل
    في وطني الحزين.
    وهواك أجمل ثورةٍ بيضاء..
    تعلن من ملايين السنين
    كوني معي امرأةً..
    كوني معي شعراً
    يسافر دائماً عكس الرياح..
    كوني معي جنيةً
    لا يبلغ العشاق ذروة عشقهم
    إلا إذا التحقوا بصف الغاضبين..
    أحبيبتي:
    إني لأعلن أن ما في الأرض من عنبٍ وتين
    حقٌ لكل المعدمين
    وبأن كل الشعر .. كل النثر..
    كل الكحل في العينين..
    كل اللؤلؤ المخبوء في النهدين..
    حقٌ لكل الحالمين..
    كوني معي..
    ولسوف أعلن أن شمس الله،
    ولسوف أعلن دونما حرجٍ
    بأن الشعر أقوى من جميع الحاكمين…
    حقٌ لكل المعدمين
    وبأن كل الشعر .. كل النثر..
    كل الكحل في العينين..
    كل اللؤلؤ المخبوء في النهدين..
    كل العشب، كل الياسمين
    حقٌ لكل الحالمين..
    كوني معي..
    ولسوف أعلن أن شمس الله،
    ولسوف أعلن دونما حرجٍ
    بأن الشعر أقوى من جميع الحاكمين…
    حقٌ لكل المعدمين
    وبأن كل الشعر .. كل النثر..
    كل الكحل في العينين..
    كل اللؤلؤ المخبوء في النهدين..
    كل العشب، كل الياسمين
    حقٌ لكل الحالمين..
    كوني معي..
    ولسوف أعلن أن شمس الله،
    تشبه في استدارتها رغيف الجائعين
    ولسوف أعلن دونما حرجٍ
    بأن الشعر أقوى من جميع الحاكمين

    المزيد من قصائد نزار قباني

  • محمود درويش – سوناتا

    إذا كنت آخر ما قاله الله لي، فليكن
    نزولك نون ال “أنا” فى المثنى. وطوبى لنا
    لقد نور اللوز بعد خطى العابرين، هنا
    على ضفتيك، ورف عليك القطا و اليمام

    بقرن الغزال طعنت السماء، فسال الكلام
    ندى فى عروق الطبيعة. ما اسم القصيدة
    أمام ثنائية الخلق و الحق، بين السماء البعيدة
    وأرز سريرك، حين يحن دم لدم، ويئن الرخام؟

    ستحتج أسطورة للتشمس حولك. هذا الرخام
    الهات مصر وسومر تحت النخيل يغيرن أثوابهن
    و أسماء أيامهن، ويكملن رحلاتهن إلى آخر القافية

    وتحتاج أنشودتى للتنفس: لا الشعر شعر
    ولا النثر نثر. حلمت بأنك آخر ما قاله
    لى الله حين رأيتكما فى المنام، فكان الكلام

  • محمود درويش ـ لا أَنام لأحلم

    محمود درويش ـ لا أَنام لأحلم

    لا أَنام لأحلم قالت لَه
    بل أَنام لأنساكَ. ما أطيب النوم وحدي
    بلا صَخَب فى الحرير، اَبتعدْ لأراكَ
    وحيدا هناك، تفكٌِر بى حين أَنساكَ/
    لا شيء يوجعنى فى غيابكَ
    لا الليل يخمش صدرى ولاشفتاكَ…
    أنام على جسدى كاملا كاملا
    لا شريك له،
    لا يداك تشقَّان ثوبي، ولا قدماكَ
    تَدقَّان قلبى كبنْدقَة عندما تغلق الباب/
    لاشيء ينقصنى فى غيابك:
    نهداى لي. سرَّتي. نَمَشي. شامتي،

    ويداى وساقاى لي. كلّ ما فى لي
    ولك الصّوَر المشتهاة، فخذْها
    لتؤنس منفاكَ، واَرفع رؤاك كَنَخْب
    أخير. وقل إن أَردت: هَواكِ هلاك.
    وأَمَّا أَنا، فسأصْغى إلى جسدي
    بهدوء الطبيبة: لاشيء، لاشيء
    يوجِعنى فى الغياب سوى عزْلَةِ الكون

  • محمود درويش ـ الجميلات هنَّ الجميلاتُ

    محمود درويش ـ الجميلات هنَّ الجميلاتُ

    الجميلات هنَّ الجميلاتُ
    “نقش الكمنجات فى الخاصرة”
    الجميلات هنَّ الضعيفاتُ
    “عرشٌ طفيفٌ بلا ذاكرة”
    الجميلات هنَّ القوياتُ
    “يأسٌ يضيء ولا يحترق”
    الجميلات هنَّ الأميرات ُ
    “ربَّاتُ وحى قلق ”
    الجميلات هنَّ القريباتُ
    “جاراتُ قوس قزح ”
    الجميلات هنَّ البعيداتُ
    “مثل أغانى الفرح”
    الجميلات هنَّ الفقيراتُ
    “مثل الوصيفات فى حضرة الملكة”
    الجميلات هنَّ الطويلاتُ
    “خالات نخل السماء”
    الجميلات هنَّ القصيراتُ
    “يُشرَبْنَ فى كأس ماء”
    الجميلات هنَّ الكبيراتُ
    “مانجو مقشرةٌ ونبيذٌ معتق”
    الجميلات هنَّ الصغيراتُ
    “وَعْدُ غدٍ وبراعم زنبق”
    الجميلات، كلّْ الجميلات، أنت ِ
    إذا ما اجتمعن ليخترن لى أنبلَ القاتلات

  • محمود درويش ـ ليلٌ يفيض من الجسد

    محمود درويش ـ ليلٌ يفيض من الجسد

    ياسمينٌ على ليل تمّوز، أغنيّةٌ
    لغريبين يلتقيان على شارعٍ
    لا يؤدّى إلى هدفٍ …
    من أنا بعد عينين لوزيّتين؟ يقول الغريب
    من أنا بعد منفاك فيّ؟ تقول الغريبة.
    إذن، حسنًا، فلنكن حذرين لئلا
    نحرّك ملح البحار القديمة فى جسدٍ يتذكّر…
    كانت تعيد له جسدًا ساخنًا،
    ويعيد لها جسدًا ساخنًا.
    هكذا يترك العاشقان الغريبان حبّهما فوضويًّا،
    كما يتركان ثيابهما الداخليّة بين زهور الملاءات…
    – إن كنت حقًا حبيبي، فألّف
    نشيد أناشيد لي، واحفر اسمي
    على جذع رمّانةٍ فى حدائق بابل…
    – إن كنتِ حقًا تحبّينني، فضعي
    حلمي في يديّ. وقولي له، لابن مريم،
    كيف فعلت بنا ما فعلت بنفسك،
    يا سيّدي؟ هل لدينا من العدل ما سوف
    يكفى ليجعلنا عادلين غدًا؟
    – كيف أشفى من الياسمين غدًا ؟
    – كيف أشفى من الياسمين غدًا ؟
    يعتمان معًا فى ظلالٍ تشعّ على
    سقف غرفته: لا تكن معتمًا
    بعد نهدي – قالت له …
    قال: نهداكِ ليلٌ يضيء الضروري
    نهداكِ ليلٌ يقبّلني. وامتلأنا أنا
    والمكان بليلٍ يفيض من الكأس …
    تضحك من وصفه. ثم تضحك أكثر
    حين تخبّئ منحدر الليل فى يدها…
    – يا حبيبي، لو كان لي
    أن أكون صبيًّا… لكنتكِ أنتِ
    – ولو كان لي أن أكون فتاةً
    لكنتكِ أنتِ!…
    وتبكي، كعادتها، عند عودتها
    من سماءٍ نبيذيّة اللون: خذني
    إلى بلدٍ ليس لي طائرٌ أزرقٌ
    فوق صفصافة يا غريب!
    وتبكي، لتقطع غاباتها في الرحيل
    الطويل إلى ذاتها: من أنا ؟
    من أنا بعد منفاك في جسدي ؟
    آه منّي، ومنك، ومن بلدي
    – من أنا بعد عينين لوزيّتين ؟
    أريني غدي!…
    هكذا يترك العاشقان وداعهما
    فوضويًّا، كرائحة الياسمين على ليل تمّوز…
    فى كلّ تمّوز يحملني الياسمين إلى
    شارع، لا يؤدّي إلى هدفٍ،
    بيد أني أتابع أغنيّتي:
    ياسمينٌ على ليل تمّوز.

    *نص: محمود دويش

  • محمود درويش ـ لا تتركيني

    محمود درويش ـ لا تتركيني

    وطنى جبينك، فاسمعينى
    لا تتركينى
    خلف السياج
    كعشبة برية،
    كيمامة مهجورة
    لا تتركينى
    قمرا تعيسا
    كوكبا متسولا بين الغصون
    لا تتركينى
    حرا بحزنى
    و احبسينى بيد تصبّ الشمس
    فوق كوى سجونى،
    وتعوّدى أن تحرقيني،
    إن كنت لى
    شغفا بأحجارى بزيتونى
    بشبّاكي.. بطينى
    وطنى جبينك، فاسمعينى
    لا تتركيني

  • محمود درويش ـ كمقهى صغير على شارع الغرباء هو الحبّ

    كمقهى صغير على شارع الغرباء
    هو الحبّ… يفتح أَبوابه للجميع.
    كمقهى يزيد وينقص وَفْق المناخ:
    إذا هَطَلَ المطر ازداد روَّاده،
    وإذا اعتدل الجوّ قَلّوا ومَلّوا…
    أَنا هاهنا يا غريبة فى الركن أجلس
    ما لون عينيكِ؟ ما اَسمك؟ كيف
    أناديك حين تمرِّين بى، وأَنا جالس
    فى انتظاركِ؟
    مقهى صغيرٌ هو الحبّ. أَطلب كأسيْ
    نبيذ وأَشرب نخبى ونخبك. أَحمل
    قبَّعتين وشمسيَّة. إنها تمطر الآن.

    تمطر أكثر من أى يوم، ولا تدخلينَ
    أَقول لنفسى أَخيرا: لعلَّ التى كنت
    أنتظر انتظَرتْني… أَو انتظرتْ رجلا
    آخرَ انتظرتنا ولم تتعرف عليه/ عليَّ،
    وكانت تقول: أَنا هاهنا فى انتظاركَ.
    ما لون عينيكَ؟ أَى نبيذٍ تحبّ؟
    وما اَسمكَ؟ كيف أناديكَ حين
    تمرّ أَمامي
    كمقهى صغير هو الحب

  • محمود درويش ـ درس من كاما سوطرا

    بكأس الشراب المرصّع باللازرود
    انتظرها،
    على بركة الماء حول المساء وزهر الكولونيا
    انتظرها،
    بصبر الحصان المعدّ لمنحدرات الجبال
    انتظرها،
    بسبع وسائد محشوة بالسحاب الخفيف
    انتظرها،
    بنار البخور النسائى ملء المكان
    انتظرها،
    برائحة الصندل الذكرية حول ظهور الخيول
    انتظرها،
    ولا تتعجل فإن اقبلت بعد موعدها
    فانتظرها،
    وإن أقبلت قبل موعدها
    فانتظرها،
    ولا تُجفل الطير فوق جدائلها
    وانتظرها،
    لتجلس مرتاحة كالحديقة فى أوج زينتها
    وانتظرها،
    لكى تتنفس هذا الهواء الغريب على قلبها
    وانتظرها،
    لترفع عن ساقها ثوبها غيمة غيمة
    وانتظرها،
    وخذها إلى شرفة لترى قمراً غارقاً فى الحليب
    انتظرها،
    وقدم لها الماء، قبل النبيذ، ولا
    تتطلع إلى توأمى حجل نائمين على صدرها
    وانتظرها،
    ومسّ على مهل يدها عندما
    تضع الكأس فوق الرخام
    كأنك تحمل عنها الندى
    وانتظرها،
    تحدث اليها كما يتحدث ناي
    إلى وتر خائف فى الكمان
    كـأنكما شاهدان على ما يعد غد لكما
    وانتظرها
    ولمّع لها ليلها خاتما خاتما
    وانتظرها
    إلى ان يقول لك الليل:
    لم يبق غيركما فى الوجود
    فخذها، برفق، إلى موتك المشتهى
    وانتظرها

  • محمود درويش ـ فرحا بشيء ما

    فرحا بشيء ما خفيٍّ، كنْت أَحتضن
    الصباح بقوَّة الإنشاد، أَمشى واثقا
    بخطايَ، أَمشى واثقا برؤايَ، وَحْى ما
    يناديني: تعال! كأنَّه إيماءة سحريَّة ٌ،
    وكأنه حلْم ترجَّل كى يدربنى على أَسراره،
    فأكون سيِّدَ نجمتى فى الليل… معتمدا
    على لغتي. أَنا حلْمى أنا. أنا أمّ أمِّي
    فى الرؤي، وأَبو أَبي، وابنى أَنا.

    فرحا بشيء ما خفيٍّ، كان يحملني
    على آلاته الوتريِّة الإنشاد. يَصْقلني
    ويصقلنى كماس أَميرة شرقية
    ما لم يغَنَّ الآن
    فى هذا الصباح
    فلن يغَنٌي

    أَعطنا، يا حبّ، فَيْضَكَ كلَّه لنخوض
    حرب العاطفيين الشريفةَ، فالمناخ ملائم،
    والشمس تشحذ فى الصباح سلاحنا،
    يا حبُّ! لا هدفٌ لنا إلا الهزيمةَ في
    حروبك.. فانتصرْ أَنت انتصرْ، واسمعْ
    مديحك من ضحاياكَ: انتصر! سَلِمَتْ
    يداك! وَعدْ إلينا خاسرين… وسالما!

    فرحا بشيء ما خفيٍّ، كنت أَمشي
    حالما بقصيدة زرقاء من سطرين، من
    سطرين… عن فرح خفيف الوزن،
    مرئى وسرِّى معا
    مَنْ لا يحبّ الآن،
    فى هذا الصباح،
    فلن يحبَّ!

  • محمود درويش ـ ريتا

    بين ريتا وعيونى … بندقية
    والذى يعرف ريتا، ينحني
    ويصلي
    لإله فى العيون العسلية

    … وأنا قبَّلت ريتا
    عندما كانت صغيرة
    وأنا أذكر كيف التصقت
    بى، وغطت ساعدى أحلى ضفيرة
    وأنا أذكر ريتا

    مثلما يذكر عصفورٌ غديره
    آه … ريتا
    بينما مليون عصفور وصورة
    ومواعيد كثيرة
    أطلقت ناراً عليها … بندقية

    اسم ريتا كان عيداً فى فمي
    جسم ريتا كان عرساً فى دمي
    وأنا ضعت بريتا … سنتين
    وهى نامت فوق زندى سنتين
    وتعاهدنا على أجمل كأس، واحترقنا
    فى نبيذ الشفتين
    وولدنا مرتين
    آه … ريتا
    أى شيء ردَّ عن عينيك عينيَّ
    سوى إغفاءتين
    وغيوم عسلية
    !قبل هذى البندقية
    كان يا ما كان
    يا صمت العشيّة
    قمرى هاجر فى الصبح بعيداً
    فى العيون العسلية
    والمدينة
    كنست كل المغنين، وريتا
    بين ريتا وعيونى … بندقية.

  • محمود درويش ـ يطير الحمام يحط الحمام

    محمود درويش ـ يطير الحمام يحط الحمام

    يُقال أن محمود درويش كتب هذه القصيدة بعدما التقى المترجمة المصرية حياة الحيني في إحدى أمسياته الشعرية في منتصف الثمانينيات. عندئذٍ خُلق “أولُ الحب” الذي حتما يستحق الحياة، ويستحق هذا النص الخالد.

    يطيرُ الحمامُ

    يحطّ الحمامُ

    أعدّي ليَ الأرضَ كي أستريح

    فإني أحبّكِ حتى التعب

    صباحكِ فاكهةٌ للأغاني 

    وهذا المساءُ ذهب

    ونحنُ لنا حينَ يدخلُ ظلٌّ إلى ظلّه فى الرخام

    وأشبه نفسى حين أعلّقُ نفسي

    على عنقٍ لا تعانقُ غيرَ الغمام

    وأنتِ الهواءُ الذي يتعرّى أمامي كدمعِ العنب

    وأنتِ بدايةُ عائلةِ الموج

    حين تشبّثَ بالبرّ،

    حينَ اغترب

    وإني أحبّكِ، 

    أنتِ بدايةُ روحي، وأنت الختامُ

    يطيرُ الحمامُ

    يحطُّ الحمامُ

    ***

    أنا وحبيبي صوتان فى شفةٍ واحده

    أنا لحبيبي أنا.. وحبيبي لنجمته الشارده

    وندخلُ فى الحلمِ، 

    لكنّه يتباطؤ كي لا نراه

    وحينَ ينامُ حبيبي أصحو 

    لكي أحرسَ الحلمَ مما يراه

    وأطرد عنه الليالى التى عبرت قبل أن نلتقي

    وأختار أيّامنا بيدى كما اختار لى وردة المائده

    فنم يا حبيبى ليصعد صوت البحار إلى ركبتيّ

    ونم يا حبيبى لأهبط فيك وأنقذ حلمك من شوكةٍ حاسده

    ونم يا حبيبى عليك ضفائر شعري، عليك السلام

    يطيرُ الحمامُ

    يحطُّ الحمامُ

    ***

    رأيتُ على البحر أبريل

    قلتُ: نسيتِ انتباه يديك

    نسيتِ التراتيلَ فوق جروحي

    فكم مرّةً تستطيعين أن تولدي فى منامي

    وكم مرّةً تستطيعين أن تقتليني لأصرخَ

    إني أحبّكِ كي تستريحي

    أناديكِ قبلَ الكلام

    أطيرُ بخصركِ قبلِ وصولي إليكِ

    فكم مرّةً تستطيعين 

    أن تضعي فى مناقيرِ هذا الحمام

    عناوينَ روحي

    وأن تختفي كالمدى فى السفوحِ

    لأدركَ أنّكِ بابلُ، مصرُ، وشامُ

    يطيرُ الحمامُ

    يحطُّ الحمامُ

    ***

    إلى أين تأخذني يا حبيبي، 

    من والديَّ ومن شجري، 

    من سريري الصغير، ومن ضجري،

    من مرايايَ من قمري، 

    من خزانةِ عمري ومن سهري، 

    من ثيابي ومن خفري

    إلى أين تأخذني يا حبيبي إلى أين؟

    تشعلُ في أذنيَّ البراري

    تحمّلنى موجتين 

    وتكسرُ ضلعين، 

    تشربني ثم توقدني،

    ثم تتركني فى طريقِ الهواءِ إليك

    حرامٌ… حرامُ

    يطيرُ الحمامُ

    يحطُّ الحمامُ

    ***

    – لأني أحبكِ، خاصرتى نازفه

    وأركض من وجعى فى ليالٍ يوسّعها الخوف مما أخاف

    تعالى كثيرًا، وغيبى قليلاً تعالى قليلاً، وغيبى كثيرًا

    تعالي تعالي ولا تقفي، آهِ من خطوةٍ واقفه

    أحبّكِ إذ أشتهيكِ

    أحبّكِ إذ أشتهيكِ وأحضِنُ هذا الشعاعَ المطوّقَ بالنحلِ والوردةِ الخاطفه

    أحبكِ يا لعنةَ العاطفه

    أخافُ على القلبِ منك، 

    أخافُ على شهوتي أن تصل

    أحبّكِ إذ أشتهيكِ

    أحبكِ يا جسدًا يخلقُ الذكريات ويقتُلها قبل أن تكتمل

    أحبكِ إذ أشتهيكِ،

    أطوّعُ روحي على هيئةِ القدمين

    على هيئةِ الجنّتين

    أحكُّ جروحي بأطرافِ صمتكِ.. والعاصفه

    أموتُ، ليجلسَ فوقَ يديكِ الكلامُ

    يطيرُ الحمامُ

    يحطُّ الحمامُ

    ***

    لأني أحبّكَ، يجرحني الماء

    والطرقاتُ إلى البحرِ تجرحني

    والفراشةُ تجرحني

    وأذانُ النهارِ على ضوءِ زنديكَ يجرحني

    يا حبيبي، 

    أناديكَ طيلةَ نومي، أخافُ انتباه الكلام

    أخاف انتباهَ الكلامِ

    إلى نحلةٍ بين فخذيَّ تبكي

    لأني أحبّكَ

    يجرحني الظلُّ تحتَ المصابيحِ، 

    يجرحني طائرٌ في السماء البعيدة،

    عطرُ البنفسجِ يجرحني

    أوّلُ البحرِ يجرحني

    آخرُ البحر يجرحني

    ليتني لا أحبّك

    يا ليتني لا أحبُّ ليشفى الرُّخامُ

    يطيرُ الحمامُ

    يحطُّ الحمامُ

    ***

    – أراكِ، فأنجو من الموت.

    جسمكِ مرفأ

    بعشرِ زنابق بيضاء، عشر أنامل تمضى السماء

    إلى أزرقٍ ضاع منها

    وأمسك هذا البهاء الرخاميّ، أمسك رائحةً للحليب المخبّأ

    فى خوختين على مرمرٍ

    ثم أعبدُ من يمنحُ البرّ والبحرَ ملجأ 

    على ضفّةِ الملحِ والعسلِ الأوّلين

    سأشرب خرّوب ليلك ثم أنام 

    على حنطةٍ تكسرُ الحقل، 

    تكسر حتى الشهيقَ فيصدأ

    أراكِ، فأنجو من الموت، جسمك مرفأ

    فكيف تشرّدني الأرضُ فى الأرضِ

    كيف ينام المنامُ

    يطيرُ الحمامُ

    يحطُّ الحمامُ

    فخذني أنا زوجةً أو نفس

    حبيبي، أخافُ سكوتَ يديك 

    فحكّ دمي كى تنامَ الفرس

    حبيبي، تطيرُ إناثُ الطيورِ إليك، 

    فخذنى أنا زوجةً أو نفس

    حبيبي، سأبقى ليكبرَ فستقُ صدري لديك، 

    ويجتثّنى من خطاكَ الحرس

    حبيبي، سأبكي عليكَ عليكَ عليك، 

    لأنك سطحُ سمائى 

    وجسميَ أرضُكَ فى الأرضِ

    جسمي مُقَامُ

    يطيرُ الحمامُ

    يحطُّ الحمامُ

    ***

    رأيتُ على الجسرِ أندلس الحبّ والحاسّة السادسه

    على وردةٍ يابسه، 

    أعادَ لها قلبها وقال: يكلفني الحبُّ ما لا أحبّ، 

    يكلفني حبَّها

    ونامَ القمر 

    على خاتمٍ ينكسر 

    وطارَ الحمامُ

    ***

    رأيتُ على الجسرِ أندلسَ الحبِّ والحاسّةَ السادسه

    على دمعةٍ يائسه 

    أعادت له قلبَه، وقالت:

    يكلفني الحبُّ ما لا أحبُّ 

    يكلفني حبَّه

    ونامَ القمر 

    على خاتمٍ ينكسر

    وطارَ الحمامُ

    وحطّ على الجسرِ والعاشقين الظلام

    يطيرُ الحمامُ

    يطيرُ الحمامُ

  • أحمد أنيس ـ ستعود في إبريل

    ستعود في إبريل
    كما لو كان الأمر مدبر بعناية
    أول إبريل بكذبته الشهيرة
    تذكر كل ما قيل عن السفر
    الآن اختبرت بنفسك
    يمكنك أن تحكم
    ماذا عن السبع فوائد
    ماذا عن الطيران
    وشكل المدن من أعلى
    المشي بين الغرباء
    أول خطوة على الثلچ
    هل ذكرتك بالمسيح على البحيرة
    أم بهتافات الدراويش
    ( اللي معاه ربنا يمشي ع الميه )
    ماذا عن الغربة
    كم ربحت
    هل حصلت على ذكريات جديدة
    ماذا عن الصور لمساعدة الذاكرة المعطوبة
    ماذا عن الصور التي لم تلتقطها
    كم خسرت
    ( هل يعود كما كان إذا ترك المدخنة الدخان )
    هل ستعود في إبريل
    تزوجت في إبريل
    ولم تسمع نصيحة إليوت
    فرحل من علمك إليوت قبلها بليلة
    كما لو كان الأمر مدبر بعناية
    الآن تعرف ما الأهم بين نصائح الجدات
    كن حذرًا من البرد
    والغرباء والفاتنات و……
    وما الأهم بين نصائح المطارات
    خذ حقائب جيدة
    لا تتعدى الوزن المسموح
    خذ وجبتك كاملة على الطائرة
    وأنت تعد الحقائب
    تأكد أنك لم تنس شيئًا
    راجع الوزن مرة أخرى
    الملابس والعطور والهدايا و…..
    لكن يا أخي
    هل وجدت قلبك كاملًا
    ولماذا لم يخبرك أحد
    عن خطورة أن تسافر
    بحمولة زائدة من الحنين

  • لم أصبح قاتلاً محترفاً – عربي كمال

    لم أصبح قاتلاً محترفاً – عربي كمال

    لم أصبح قاتلاً محترفاً
    لهذا يبغضني أبي كثيرًا
    أعطاني مرة بندقية
    ورصاصة
    وقال: حين ترى الغزالة اقتنصها..
    في المساء وجدني أرقص
    وقد جعلتُ من البندقية عصا
    تتلوى من موسيقى فمي!
    والرصاصة غرستها في قلبي
    فأنبتت حديقة يأكلُ الطير منها
    وتشرب الغزالة!
    لم أصبح قاتلاً محترفاً
    لكنني استطعت بمهارة ذئب
    أن أجعل حبيبتي تنهش رقبتي
    بالقبلات المُسكرة
    ثم تلقي بي -منتشية-
    داخل قبر أنيق جداً
    أعدته بذوقها الرفيع
    بعد أن عبأته بالذكريات
    والفراشات الملونة
    وجحيم الحنين.


    لم أصبح قاتلاً محترفاً
    هذا لا يزعجني إطلاقاً
    المزعج حقاً
    أن الغزالة تبصقُ على قبري
    وتصرخ بشدة:
    (لو كنت قاتلاً محترفاً
    لكنت التهمتني..
    وسأكون سعيدة بهذا
    أيها النذل الضعيف!).

    *نص: عربي كمال

  • عبدالرحمن تمام ـ أنا

    عبدالرحمن تمام ـ أنا

    أنا
    أحب آخر الأشياء
    البحر
    حين يشدُّ غطاءه
    و يعتذر للرمل مسبقاً عن كوابيسه الليليه
    الشجرة
    بعد موسم القطف
    دون تلويحة وداع تبص على الراحلين
    المطر
    إذ يحكى لتراب الأرض
    عن حيوات فائتة تفسدها الشمس
    الليل
    و هو يطفئ مصابيحه
    ويغرس أصابعه التي تشبه مناجل صدئة
    في لحم امرأته ليتجشأ
    ويرقد بعدها عاريا
    هى
    تحب أول الأشياء
    البحر
    حين يصحو باكراً
    فيسأل الرمل عن موجة أخرى
    أغواها النهر وفض ملحها
    الشجرة
    لمّا كانت بذرة
    تُحوّش قروشها الخضراء بدأبٍ
    فتشبُ جاهدة لتضعها فى حصّالة الهواء
    المطر
    إذ يُقلّم أظافر جدته الغيمة
    و يحدف بالكريستالات المقصوفة الشمس
    فيُفسد لها الــ ” ميك آب “
    الليل
    و هو يأتى منهكاً بعد الشيفت
    فيفرد القمر رغيفاً
    و العتمة غموساً
    و يرقد على حصيره القديم
    أنا
    أحب آخر الأشياء
    نَفَس السيجارة قبل أن تلسع
    ملوك الطوائف
    شفطة البن من قعر الفنجان
    حجة الوداع
    Game over
    انطفاء الأجنحة على السرير
    رؤيا يوحنا
    هى
    تحب أول الأشياء
    لف التبغ من الباكيت
    الخيل المُسَوَّمة
    كريما الاسبريسو
    غزوة بدر
    Play
    رفيف الأجنحة بالقبلة الأولى
    سفر التكوين
    أنا
    أحببت أول الأشياء
    عصا الراعى
    البلازما
    عتبة البيت
    ” ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان “
    هى
    أحبت آخر الأشياء
    عصا السيلفي
    شوارع وسط البلد
    ” إيلي إيلى لما شبقتنى “
    أنا
    انتبهتُ لأول الأشياء
    خيال الظل

    ……..
    هى
    انتبهتْ لآخر الأشياء
    الإنفوجرافيك

    ……..
    أنا
    أحب أول الأشياء
    الرصاصه

    هى
    تحب آخر الأشياء
    الحرب

    جلسنا على طاولة
    و بيننا صديق قديم
    أظن أن ابن الحرام صارحني ذات يوم:
    عرفت امرأة
    ترتبك أمام الاستعارة
    وجمع القرآن على حرف واحد
    وطريقة عمل الباستا فلورا
    تشبهني تماما
    .
    هي
    تحب أول الأشياء

  • امرأةٌ من نحيب – تانج وان

    امرأةٌ من نحيب – تانج وان

    العالم عدواني،
    والحب خائن.
    وعلى مقربة من ليل،
    يوهن المطر الزهور.
    تجفف الريح الصباحية دموعي،
    أتكئ على السياج.
    صامتة.. أحاول أن أفرغ قلبي
    صعب جدا! صعب جدا!
    صعب جدا!
    وحيدة..
    لم أعد كما كنت بالأمس.
    روحي العليلة حائرة،
    كحبل الأرجوحة.
    وصوت البوق يحعلني أرتجف.
    الآن.. مساء دامس.
    خشية المفاجأة،
    أخفف أحزاني،
    أجهد نفسي في رسم ابتسامة؛
    خداع! خداع! خداع!