المدونة

  • أندري فلتير – مٌهرّجون لِأَجْل مُهرّجين

    أندري فلتير – مٌهرّجون لِأَجْل مُهرّجين

    **

    الْبَهاليل،الّذين يلْعبُون الْعُقْلة بِخفّة،وينْفُثون النّار من أفواهِهِمْ

    الْمُروّضُون،الْخَيّالةُ،السّحَرة والرّاقِصُون

    هُمْ ،بالسّيرك،اسْتِعاراتٍ مجيدة

    لِلْعالَم الّذي يُقايِضُ كُلَّ يوْمٍ تقْرِيباً

    طعْمَ الْخَطَرِ والْحَياةِ بِنقّالَةٍ

    ضدّ الْمَبْدأ الْأوّل لِلْحَذَر الْقَادِم

    والْخَوْف الْجَاثِم

    .

    أيْنَ حتّى الآنَ تتمرَّنُ ،بعيداً عنْ خِيام السّيرك،

    مِثْلُ هذِهِ الْإِرادَة،وهذِه الشّجاعة،وهذِه الْكِبْرياء؟

    وأيْن تَتواصَلُ، أيْضاً، مع بعْضِها الْبَعْض مِثْلُ هذِه الْأَجْسَاد

    الّتي تُزَخْرِف الجَهْد،وتُجسِّدُ الْأَحْلام؟

    .

    ولمّا تنْفَجِر التّهاريج

    فإنّها مِثْلُ نِظامٍ يَنْحلُّ عَلى رِسْلِه

    وسَط ضَحْكاتٍ منْ كُلّ صوْب.

    .

    زعَمُوا أنّ معَ البنْطلون الْفَضْفاض أوْ دُونِه

    ومعَ الْأَحْذِية الْوَاسِعة أوْ دُونِها

    ليْسَ لِلْأُمَراء وأصْحابِ السّمُوِّ والْمَعالي

    والرُّؤساءِ لِلْجَميع ولِأيٍّ كان

    أَنْ يُنْجِزوا شيْئاً عَدَا

    بعْض دوْراتٍ داخِل النّشارة

    معْلومَاتٍ بِإِثْنَتيْ عَشرة ضرْبة عَلى الصُّنوج…

    .

    لنْ ينْقُصَ الْمَشْهد أَباطِرة

    لانْتِحال اسْمِ الْأُوغسْت

    وَبِلَا ذوْقٍ ورِيبةٍ

    يجْعلُون لأنْفُسِهم أنْفاً أحْمَر.

    *

    ترجمة: عبداللطيف الوراري

  • أندريه برتون – في وادي العالم

    أندريه برتون – في وادي العالم

    بهائم منفصلة تجول حول العالم

    وتسأل طريقها هواي

    الذي يجول هو الاخر حول الارض

    لكن في اتجاه معاكس

    ينجم عن ذلك التباسات كبرى

    الصين تخضع للحظر

    شبه الجزيرة البلقانية

    يتجاوزها قسم من الموكب

    في المشرق ستة عشرة زحافة

    منجمة انطلاقا من نار

    جوفية رفعت على

    قمة سارية

    محرّضة للسماء

    تحي افتراب اللبدات البيضاء

    الاوراق السنانية

    التي ترافق تمتمتها

    هذه القصيدة

    حسب زعم مغن

    ظل الاجنحة الاقدام الزعانف

    يكفي للشهرة

    الافق يكثّف الابخرة الثمينة

    القردة البحرية

    المتدلية من اشجار المرجان

    والسنونوة التي تعيش

    في الحطام

    تظهر الغاية المحقونة

    بالورود والكوكايين

    درجات العنبر

    التي تقود الى عرش الافكار

    تهرق الدم الموشوري

    اذان الفيلة التي كانت

    تبدو شواهد قبور

    في وادي العالم

    تعيّن نغم القرون

    قريبا اكثر النساء من فوق

    مدائن حلل القدّاس والكرز

    النساء المطليات بالزهور

    النساء اللواتي تقود قطيعهن

    البهائم الاسطورية

    يتهّمن بالصرامة المبدأ

    الذي يماثل النباتات

    الطيفية

    الحب ذا الاغصان الخمسة

    الهستيريا نديفة الشفق

    بالموت الموت الصغير

    الانتحاء الشمسي

  • أنتونيلا أنيدا – إلى صوفيا

    أنتونيلا أنيدا – إلى صوفيا

    فقط

    كما هو الآن،

    شجرة الزيتون على الشرفة

    الريح التي تعبث بالغيوم.

    بعد زمان

    في أمسيات ستجيء عندما يكون لا أنت ولا أنا هنا،

    عندما تصبح السنوات فروعا

    تلمس شيئا بلا معنى،

    في أمسيات سينظر فيها أناس آخرون

    إلى بعضهم البعض كما يفعلون اليوم

    في الأحلام – في الظلام

    مثل ركام بركاني ينحني تحت رماد أبيض.

    .

    سأطوى الصفحة وأطفئ الضوء الأخير

    وأترك معابدك تصطدم بالأغطية ببطء

    وأترك الليل يجثو

    أمام “نوفمبرك” القصير.

    *

    ترجمة: أحمد يحيى

    ترجمها للإنجليزية: جيمي ماكيندرك

  • أنتونان آرتو – صرخة

    الشاعر السماوي الصغير

    يفتح مصاريع قلبه.

    السماوات تتلاطم. النسيان

    يقتلع السمفونيا.

    يا خادم البيت المجنون

    الذي يكلفك حراسة الذئاب

    لا يعرف شيئاً عن الغضبات

    التي تستعر تحت المضجع الكبير

    مضجع القبة التي تتدلى الينا

    بالتالي أيها الصمت والليل

    كما كل غير صافٍ

    السماء بخطى كبيرة

    تقترب في ملتقى الجلبات

    النجمة تأكل. السماء الملتوية

    تشرع بالتحليق نحو القمم

    الليل يجرف بقايا

    الطعام الذي كان يرضينا.

    على الأرض يمشي حلزون

    تحييه عشرة آلاف يد بيضاء

    حلزون يزحف

    حيث الأرض تقلصت.

    بينما كان ملائكة يعودون بسلام

    لا تناديه أي فحشاء

    ارتفع الصوت الحقيقي

    للفكر الذي كان يناديهم.

    كانـت الشمس الأكثـر انخـفـاضاً من النهار

    تجفف كل البحر.

    حلم غريب لكن واضح

    ولد على الأرض المنهزمة.

    الشاعر الصغير الضائع

    يترك مركزه السماوي

    بفكرة عما وراء – الأرض

    مشدودة الى قلبه الكثيف الشعر

    تقليدان التقيا.

    لكن أفكارنا المقفلة

    لم يكن لها الموضع الضروري،

    تُعاد التجربة.

    *

    ترجمة الشاعر: أنسي الحاج

    من مجلة «شعر»، خريف 1960

    اللوحة للرسام ديلاور عُمر

  • أمين عزيمي – الجمال الخالد

    في وجهك الخالد وجدت

    جمالك الخالد

    سمعت صوت الفتنة داخلي

    من بين أصوات صامتة.

    سافرت بي صور مفتتة

    تعود الى زمن

    في ركن ذاكرتي.

    برقصتك المجيدة

    هتافات داخلي بصدي

    همس أصوات لا نهائية.

    .

    لم تعرفي أبدا

    لكنك تعمرين أحلامي.

    كنت أسير بك عبر الزمن.

    لحظات كاملة تطفو

    بالصور الصافية

    ولحنك كان هدية أصوات من الماضي.

    اللحظات الثمينة

    تعانق غير المرئي منك.

    .

    لمحة طلّت من السماء

    حينما فتحت نافذة الخيال

    بوابتها

    المزروعة داخلي برسالة

    أصوات مرغوبة.

    .

    مرت سنين منذ ان رأيتك

    آخر مرة في قطار الذاكرة،

    تظلين ضيفة، ويرحل معي

    رفيق صامت.

    في حديقة المتعة عشتُ

    مع أصوات وفية.

    الليلة الماضية،

    في ظل نور الشمعة

    حدقت في تلك العيون الماكرة

    همس الذاكرة ينبهني

    علي حلم أصوات لا تنتهي.

    .

    تنفجر كاللهيب عائدة لحياتي.

    في دائرة العمر

    عاطفتي إليك، سر

    أصواتك الحميمة.

    *

    ترجمة: محمد عيد ابراهيم

    اللوحة للرسام ديلاور عُمر

  • أميليا روسيللي – العالم ضرسٌ مقلوع

    العالم ضرسٌ مقلوع

    لا تسألوني لماذا

    لي من العمر اليوم سنوات كثيرة

    والمطر عقيم…

    هل يأسي هذا حبٌّ ؟

    أتراه حبٌّ ما يُسمّى حباً

    أم أنه الحاجة الساذجة إلى ان نبني في الآخر

    ما ينقصنا؟

    أتراه حقيقية بديهية

    أم اختراع روحٍ تتضوّر جوعا؟

    *

    الترجمة: جمانة حدّاد

  • أميليا روسيللي – كانت إقامتي في الجحيم

    أميليا روسيللي – كانت إقامتي في الجحيم

    كانت إقامتي في الجحيم ذات طبيعة سماوية

    لكنّ بلاط العناية الإلهية كان يصرخ أسماء مرتجعة

    وازدادت تجارب الماضي شراهةً

    القمر أيضا تحرّر من حنينه

    وصارت ورود الحديقة تذبل ببطء تحت شمسٍ ناعمة

    وحين كنتُ ألامس الحديقة كانت نعومتها تخترقني حتى العظم

    وحين كنتُ ارتجل أغنية كانت الشمس تقع

    لم تكن إذا طبيعة الأشياء السماوية ما يحرّك روحي

    بل الحنين.

    *

    الترجمة: جمانة حدّاد

  • أميليا روسيللي – كان ثمة في الصين القديمة

    أميليا روسيللي – كان ثمة في الصين القديمة

    كان ثمة في الصين القديمة أزهار أندلسية. أنت لا تصفرُ من اجلي. غصن نذالتكَ الملتوي لم يكن سوى الجَمال! بحرٌ أملس ومسرَّح على جمجمة وعرة. منحوتة حبّكَ لازمةٌ، فاصلةٌ بارعة من فواصل المايسترو الذي يتقن الاختفاء عن مائدة خالية.

    أرض اليابان القاسية والبعيدة هي وطنكَ. أرض اليابان الوعرة والمتشابكة هي الرحلة التي سيمنحني إياها غيابكَ.

    العالم كلّه أرمل إن كنت ما زلت تمشي فيه حقا. العالم كله أرمل ان كان حقيقياً. العالم كله حقيقي ان كنت ما زلت تمشي حقا، العالم كله أرمل ما دمت لم تمت! العالم كله ملكي ان لم تكن حياً حقا بل محض سراج لعينيّ المائلتين. ولادتكَ أعمتني وأهمية النهار الطالع ليست

    .

    عمياء أنا لأنك ما زلت تمشي! عمياء أنا لأنك تمشي والعالم أرمل والعالم أعمى ما دمت تمشي وتمشي متشبثاً بعينيّ السماويتين.

    *

    الترجمة: جمانة حدّاد

  • أميليا روسيللي – ابتسامتك

    أميليا روسيللي – ابتسامتك

    أجهلُ إذا كنتُ سأموت جوعاً أم لا، إذا كنتُ سأموت خوفاً وعيناي مفتوحتان كمعجزة…

    أجهلُ إذا كان الصيف الأخضر مختلفاً عن اختلافكَ الأخضر…

    أجهلُ إذا كنتُ أكتب الشعر افتتاناً أو عذاباً، أجهل إذا كنت اكتبُ افتـتاناً أو حكمةً، وأجهل إذا كنتَ تعرف أنني أكتبُ لأجلكَ ، لأجلكَ أنتَ فحسب…

    أجهلُ إذا كنتَ تقع أو ترتجف، أنتَ تجهل إذا كنتُ ابكي أو أيأس. اليأس اليأس اليأس، كلّه اختراع. أنت تجهلُ إذا كنتُ أبكي أو أيأس، تجهل إذا كنتُ اضحك أو أيأس. وأنا اجهل إذا كانت ، بين الصخور الشاحبة، ابتسامتـكَ.

    *

    ترجمة: جمانة حداد

  • أمير حمزة – الغريق

    إني أرحلُ , يا عاشقتي

    يحملني التيّارُ بعيداً

    أفلتُ من يدكِ

    صحراءُ الصمتِ تحاصرني!

    تبتعد

    عنيّ أصواتُ العشق

    تسكت هذي الريح.

    لا ريح في الأفق تبرد قلبي ،

    لا ماء

    يطفئ عطشي

    عطشي في حبك

    يا عاشقتي

    إني أتوق إلى همساتكِ

    سوف

    يقتلني صمتكِ

    يا عاشقتي

    والسموات

    كخيوط العنكبِ تمسكني

    وتغطيني

    إني أغرق

    أغرق في الغسق

    مازال الماء

    إلى الأعماقِ

    يدفعني

    ترفضني الأرضُ

    فأنا الميت ، يا عاشقتي ،

    إني أنا الميت.

    قصرُ الرحمة

    لا تحزني ، حبيبتي

    لن نلتقي في هذه الحياة

    ولن تكون هذه الحياة بيتنا إلى الأبد

    دعي الظنون

    تعلوا إلى السماء.

    لا تسمعي في الصمتِ وشوشاتهم

    تمهلي،

    تبصري

    وليتواضع القلبُ أمام العقل.

    في البدء لم يكن ثمة شي،

    ثم كنتُ في رحمته

    سوف يكون الزمانُ زماننا

    ونري السعادة تتحرك فوق صفحةِ المياه:

    سوف نقطف الفاكهة معاً،

    ونجمع الحصاد فوق أرضِنا.

    وتذبل السخرية

    وسوف تبتسم السعادة.

    عندها ، ولأول مرة،

    سوف نكون معاً

    نقرأ معاً

    الحروف التي يكتبها اللؤلؤ

    عند بوابة قصر الرحمة.

    *

    ترجمة الدكتور محمد قصيبات

  • ألويس هيركويت – الوداع

    سيبدو صعبا,

    حين يجب أن يكون

    الرحيل فجأة ــ

    ربما عند منتصف النهار,

    أو المساء,

    قبل بداية الاحتفال.

    ولا يزال الشاي ساخنا ..

    كذلك الفراش…

    الكتاب على المنضدة ,

    ولم يكمل قراءته بعد …

    سيكون أمرا لا يصدق

    لكن!!

    لقد حدث هذا دائما ..

    استمر في النوم

    بالرغم من صفير محطة

    القطار ..

    احذر …

    إشارات تقاطع الشوارع

    والعجلة من مغادرة القطار

    بخمسة دقائق..

    لكن!!

    لن يكون هذا صعبا جدا

    ربما كانت الخطوة فقط

    وربما كانت اللحظة ,

    فوق عتبة الباب ,فقط

    فهذا الذي تدعه

    قبل أن تنطلق

    إلى الهواء الطلق

    *

    ترجمة : بدل رفو المزوري

  • ألويس هالنير – حين أكرهُ شئيا ما

    1 ـ حين أكرهُ شئيا ما

    لو ثمة ما امقته

    فهو الحرب ،

    وتحديدا :

    اكره من يعيش

    على حساب غيره

    ومن جيبه ،

    يوجهه ويغيرمن شكله

    يقتله ويدعو الى

    القتل،

    اكره من يحتقر ضحاياه

    ويستصغر آلاته ،

    أكره من يتشبث

    بحقوق الصفوةمن الناس ،

    ويتقلد بالانسانية ،

    ويشعل فتيل الحرب،

    أو من يتنازل عن

    منعهم اياها .

    فانا احب البشر …

    واخص النساء والاطفال بحبي هذا

    ولذا لا أقدر ان ادع الكره

    الذي اكرهه.

    2 ــ نظرة عالم مقلوبة

    جميل ، عالمنا

    وسيمائه هو الغنى ،

    فلدينا اشياء اكثر مما

    نحتاج ،

    والناس تشتريها

    باسعار باهضة ،

    ولدينا فائض من الناس

    اكثر مما هو ضروري

    لينعموا بدخل

    جيد،

    كي يغدو العالم اكثر غنى

    علينا

    ان نضع حدا للفائض

    وان كان ضروريا ولا بد منه

    فبالنار والجوع

    والماء والقنابل .

    3 ــ القساوة مايطلبه العالم

    هي القساوة

    ما يصبو اليه العالم

    الرقة غير مستحبة

    واحدنا يريد ان يبكي من فرط الحب

    يتالم لمن ضرب

    يكون المؤاسي

    في الشدة

    البكاء، الرأفة ، المواساة

    لا قيمة لها

    ولا تغير شيئا

    فالضعيف يتلقى العقوبة

    ويتحدى القدر

    الذي تختبئ الانانية

    تحت ثيابه

    فالأعمال الخيرية

    ورقة الحياء وتبرئة الخطيئة

    اشياء لا تغير

    ولو كانت مجتمعة

    فمن يريد ان يمحي الضيق

    الممكن تجنبه

    ويساعد عبر العمل

    عليه ان يحارب

    ولو ضد نفسه .

    ولهذا ..

    الرقة غير مطلوبة

    لان القساوة ما يطلبه العالم .

    ترجمة : بدل رفو

    اللوحة للرسام ديلاور عُمر

  • ألند ئاكره يي – البساطة

    ألند ئاكره يي – البساطة

    أيا حبيبتي

    هلاّ علمت

    في مهرجان ومعارض صورك

    وألبومك وموقعك الالكتروني،

    كنت قد بسطت لي

    هذا العالم

    وفي كل ابتسامة لي

    تقيمين لي احتفال فرح

    ولكن اليوم…!

    في مراسيم تشييع جنازتي

    سوف يكون من الصعب عليك

    أن تذرفي دموعاً

    وبوفاء تدفنينني.

    *

    ترجمة: بدل رفو مزوري

  • ألن غينسبرغ – عُواءَ

    ألن غينسبرغ – عُواءَ

    أيّ أبي هولٍ من الإسمنت والألمنيوم شظّى جماجمهَم وافترس أدمغتهم ومخيّلاتهم؟

    مولوخ؛ عزلةٌ! قذارةٌ! بشاعةٌ! براميلُ قمامة ودولاراتٌ بعيدةُ المنال! أطفالٌ يزعقون تحت السلالم!

    صبية ينشجون في الجيوش! شيوخٌ ينتحبون في المنتزهات!

    مولوخ! مولوخ! كابوس مولوخ! مولوخ سيّد البغضاء! مولوخ الفكري! مولوخ قاضي البشر الصارم!

    مولوخ السجن العصيّ على الخيال! مولوخ الحبس الشاقّ بعلامة الموت ذي العظمتين المتقاطعتين وكونغرس المآسي! مولوخ الذي مبانيه يوم الدينونة! مولوخ الحجر الضخم للحرب! مولوخ الحكومات المصعوقة!

    مولوخ الذي عقله آلية خالصة! مولوخ الذي دمُهُ مالٌ جارٍ! مولوخ الذي أصابعه عشرة جيوش! مولوخ الذي صدره دينامو آكلٌ لحومِ البشر! مولوخ الذي أذنُهُ قبرٌ يعلوه الدخان!

    مولوخ الذي عيونه ألف نافذة عمياء! مولوخ الذي ناطحات سحابه تنتصبُ في الشوارع المديدة كعدد لانهائي من يهوه! مولوخ الذي مصانعه تحلم وتنعق في الضباب! مولوخ الذي مداخنه وهوائياته تتوّج المدن!

    مولوخ الذي ولعه نفط وحجر بلا نهاية! مولوخ الذي روحه كهرباء ومصارف! مولوخ الذي فقره شبح العبقرية! مولوخ الذي قدره سحابة من الهيدروجين لا جنس لها! مولوخ الذي اسمه العقل!

    مولوخ الذي فيه أقبع وحيداً! مولوخ الذي فيه أحلم بملائكة!

    مصروع في مولوخ! مصّاص الذكور في مولوخ! محروم الحبّ ومخنّث في مولوخ!

    مولوخ الذي باكراً اقتحم روحي! مولوخ الذي أنا فيه وعي بلا جسد! مولوخ الذي أرعبني وصدّني عن نشوتي الطبيعية! مولوخ الذي أهجره! أصحو في مولوخ! نور يشعّ من السماء!

    مولوخ! مولوخ! شقق رّبوطات! ضواحي لامرئية! كنوز هياكل عظمية! رساميل عمياء! صناعات شيطانية! أمم وهمية! مستشفيات مجانين محصّنة! أعضاء ذكوريّة من الغرانيت! قنابل مَهُولة!

    قصموا ظهورهم رافعين مولوخ إلى السماء! أرصفة، أشجار، راديوات، أطنان! رافعين المدينة إلى السماء التي تدوام على وجودها وتحيطنا من كل حدب وصوب!

    رؤى! تكّهنات! هلوسات! معجزات! نشوات! غاصتْ في النهر الأميركي!

    أحلام! عبادات! إشراقات! ديانات! حمولة المركب كلها من القذارات الحسّاسة!

    اختراقات! على طول النهر! تشقلبات وحوادث صَلْب! غرقتْ في الطوفان!

    سَكَراتٌ! أعيادُ غطاس! حالاتُ يأسٍ! صرخاتٌ حيوانية وإنتحارات لعشر من السنوات! عقولٌ! غراميات جديدة! جيلٌ مجنون! انهواءً على صخور الزمن!

    قهقهة مقدّسة حقيقية في النهر! رأوها برمّتها! العيون الوحشية! الصيحات المباركة! قالوا الوداع! وثبوا من السقف! إلى العزلة! ملوّحين! حاملين زهوراً! هابطين إلى النهر! فالشارع!

    __________________

    “عواء”، مرثاة غنائية طويلة على النمط الويتماني، تفضح بلغة عارية فجّة علل وعاهات المجتمع الأميركي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. هي صرخة غضب من فئة من الشباب الأميركي اليائس، الثائر، ضد مجتمع مدمّر وانتهازي، مهداة إلى “كارل سولومون” الرجل الذي الت

    تعرّض ديوان “عواء” للمصادرة عام 1957 على يد شرطة سان فرنسيسكو، بحجة أنه كتاب مخلّ بالآداب العامة، إلا أنه تمّ إعادة توزيعه بعد صدور حكم بنقض الدعوى القضائية المقامة في حق الناشر “لورانس فرلنغيتي”.

    *

    ترجمة: آمال نوار

  • ألكسندر بوشكين – النبي

    ألكسندر بوشكين – النبي

    مضنى بالظمأ الروحي

    تعذّبت في صحراء موحشة

    وفجأة ظهر لي عند مفترق الطرق

    الملاك “سيرافيم” السداسي الأجنحة

    وبأصابع خفيفة كالحلم

    لمس قرة عينيّ

    فانفرجت مقلتايّ النبويتان

    كأنهما عينيّ نسر مذعور

    ثم لمس أذنيّ

    وملأهما ضجة ورنيناً

    فسمعت رعدة السماء

    وتحليق الملائكة في الأعالي

    وسريان حركة أغوار البحار

    ونمو الكرمة النائية

    وانحنى الملاك على فمي

    وانتزع لساني الآثم

    الخامل والمراوغ

    ووضع في فمي المشدوه

    بيده اليمنى المضرجة

    لسان الأفعى الحكيم

    وشق صدري بسيفه

    واقتلع قلبي المرتجف

    وأقحم في صدري المشقوق

    جذوة متأججة النيران

    فانطرحت في الصحراء كجثة

    وناداني صوت :

    “انهض، يا نبي، وابصر،

    ولب إرادتي،

    وجب البحار والأراضي

    وألهب بقولك قلوب الناس

    *

    ترجمة: د.طارق مردود.

  • لستُ الرجل الذي تتوقعين – ألكسندر بن – ترجمة: نمر سعدي

    لستُ الرجل الذي تتوقعين – ألكسندر بن – ترجمة: نمر سعدي

    لستُ أنا هو الرجلُ

    الذي تتوّقعينَ مجيئهُ من بعيدْ

    رزمة أوجاعِ ارتحالاتي القديمة

    أحضرتُها بدل خاتمٍ لكِ

    لا ترسلي نظرةً مثل صنارة ٍ

    فحزني من عينيَّ لن ينتشلْ

    لأنكِ لستِ لي ليال منتظرةً

    ليس لي تستمرُّ وحدتكِ

    .

    لا نجمَ بيديَّ ,لا حلمْ

    يتيمةٌ من كليهما , وفارغة هيَ.

    لو تقتربينَ من فضلكِ وتنظرين من الشباك ْ

    على جبيني المتعبِ وصمةَ عارْ

    .

    ماذا يهمّكِ أنا أم هو ؟

    أم آخرُ يتنبَّأُ بالعاصفة،

    وفي الليلِ , في وشوشةٍ وتأملِّ

    تُنسجُ لكِ فريةُ الهلالْ

    .

    ومع الضوء,حينَ يدقُّ السحَرُ

    بقرنَيْ أرجوانِ على البابْ

    يرجعُ إليكِ ليقدمَّ لكِ

    قصيدةً فجريةً عن غزالة

    ومن الجميعِ تلميّنَ حَّصتكِ

    فيها العنفوانُ والمرحُ والقوة

    وعند موتك لا يعرفونَ

    لمن وهبتِ قلبكِ الفاني

    لا تبكي , ستمرُّ سنونْ

    وآخرُ لكِ يجلبُ خاتَماً

    وأنا –

    لستُ أنا , لستُ أنا

    هو الرجلُ الذي تنتظرينَ مجيئهُ أنتِ.

    *

    نص: ألكسندر بن

    ترجمة: نمر سعدي

  • ألكسندر بلوك – الغريبة

    عند المساء يخيم على المطـاعم الليلية

    هواء ساخن ثقيل وأصم

    و روح الربيع المُفسد

    تتحكم بصياح السكارى

    .

    وفي منأى، على غبار الأزقة

    وسأم البيوت الريفية

    كعكة هلالية مذهبة قليلاً ،على واجهة المخبز

    ويدوي بكاء طفل

    .

    وفي كل أمسية، خلف حواجز الطرق

    يتنزه مع السيدات بين السواقي

    ظرفاء محنكون

    أمالوا قبعاتهم

    .

    و تأز في البحيرة مماسك المجاديف

    وتتعالى ولولة النساء

    وفي السماء تلوى من دون معنى القرص

    الذي اعتاد على كل شئ

    .

    وفي كل مساء نديمـي الوحيد

    انعكس في قدحي

    وعلى شاكلتي وديع أذهلته

    الرطوبة اللزجة وأذهله الغموض

    .

    وقريبا من المناضد المجاورة

    يتراوح خدم مخمورون

    ويصرخ السكارى ذوو عيون الأرانب

    “IN VINO VERITAS”

    .

    وفي كل مساء، في ساعة محددة

    ( أم أن هذا راودني في الحلم وحسب؟)،

    يتهادى في النافذة المظلمة

    قــد فتاة، متشح بالحرير

    .

    ودائماً من دون أصحاب، وحيدة

    تشق طريقها ببطء بين السكارى

    تضوع بالعطر والضباب

    وتجلس عند النافذة

    .

    ويُذَكِر حريرها الناعم

    وقبعتها الموشاة بريش الحداد

    والخواتم بأصابعها الناحلة

    بالمُعتقدات القديمة

    .

    حاصرني هذا التماس الغريب

    أُحملق خلف الوشاح الحالك

    وارى شاطئاً مسحوراً

    و بُعداً مسحوراً

    .

    عُهدت أسرار غامضة بي

    عُهدت بي شمس ما

    وغاصت روحي بالمنعرجات

    وراحت الخمرة اللزجة تؤرقني

    .

    وريش النعامة، المائل على قبعتها

    يهتز في دماغي

    وعيون زرقاء من دون قاع

    تزهر على شاطئ بعيد

    .

    في روحي يوجد كنز

    عُهٍِِِدَ بمفتاحه بي فقط

    أنت على حق أيها المسخ المخمور

    أنا أعرف : إن الحقيقة في الخمرة.

    **

    ترجمة :فالح الحـمراني

  • ألفونسينا ستورني – أنا الذائبة في الريح … هل ستعرفني؟

    ألفونسينا ستورني – أنا الذائبة في الريح … هل ستعرفني؟

    بورتريه لغارثيا لوركا

    يبحث عن جذور جناحيه
    فيتحرّكُ جبينه يمنةً ويسرة.

    وفوق اضطرابِ الوجه
    تنسدلُ
    ستارةٌ من العالم الآخر
    محدودبةً وواسعة.

    دودةٌ
    تصرخ في أنفه
    محاولةً تهشيمه
    حانقة…

    يوناني يقفز
    من عينيه البعيدتين.

    يوناني
    تخنقه
    التلال الأندلسية
    المتعرّشة على وجنتيه
    والوادي المرتجف
    في فمه.

    عنقه ينفر
    إلى الخارج
    تائقا
    إلى السكين المنسوج
    من مياه مسننة.

    إذبحوه
    من الشمال إلى الجنوب
    من الشرق إلى الغرب!

    إجعلوا الرأس يطير،
    الرأس فقط،
    ذاك المجروح بالأمواج البحرية
    السوداء
    وبأصداف من شبق
    تقع مثل جريسات
    على وجهه
    ذي القناع القديم.

    اخنقوا
    صوته الخشبي
    الأجش
    المختبىء
    في ديماس الأنف.

    حرِّروه منه
    ومن ذراعيه الرقيقتين
    ومن جسده الترابي.

    انقضّوا عليه وحيدا
    قبل أن تقذفوه
    نحو الفضاء
    حتى تصير قوسا حاجبيه
    جسرين
    فوق الأطلسي
    والهادئ…

    هناك حيث عيناه
    سفينتان تائهتان
    تجولان
    بلا مرفأ
    ولا شواطئ.

    ***

    سوف أنام

    يا أسناناً من زهر، يا قبّعةً من ندى،
    يا يدين معشوشبتين، وأنت، يا مرضعتي الرقيقة،
    جهّزي لي الشراشف الترابية
    ولحافا من الطحالب المقلوعة.

    سوف أنام، يا مرضعتي، ضعيني في السرير.
    أضيئي لي مصباحا عند رأسي
    أو كوكبة نجوم، تلك التي تعجبك:
    كلّها جميلة، فقط اخفضيها قليلا.

    الآن دعيني وحدي: سأسمع البراعم تتفتّق،
    ستهدهدني قدم إلهية من عل،
    وعصفور سيرسم لي إيقاعات
    لكي أنسى.

    شكرا… آه، خدمة أخرى:
    إذا اتصل بي ثانيةً
    ذاك الذي عبثاً أنتظر،
    قولي له ألا يصرّ،
    قولي إني خرجت.

    ***

    يوم السبت

    استيقظتُ باكرا ومشيت حافية
    بين الأروقة: نزلت إلى البستان
    وقبّلت الغرسات،
    امتصصت بخار الأرض النظيف
    المتدفق في العشب،
    استحممت في النبع المزنّر بسموات خضراء،
    ثم مشّطت شعري المبلول
    عطّرت يدي
    ولبست ثوبا من كتّان
    أخفّ من الشاش،
    وبقفزة رشيقة حملت إلى البهو
    كرسيَّ الذي من قشّ.
    مسمّرتين في البوابة كانتا عيناي،
    مسمّرتين في البوابة.

    قالت الساعة: انها العاشرة صباحا.
    في الداخل صوت خزف وكريستال:
    غرفة الطعام في الظل، والأيدي تعدّ المائدة.
    في الخارج شمسٌ كما لم أرها قط
    فوق رخام الدرج الأبيض.

    داخلٌ وخارجٌ
    وبينهما عيناي،
    عيناي المسمّرتان على البوابة،
    مسمّرتان:
    تنتظرانكَ.

    ***

    أنا في قاع البحر

    في قاع البحر
    بيتٌ من الكريستال

    يطلّ
    على جادة
    المجوّفات.

    سمكةٌ ذهبية كبيرة
    تجيء عند الخامسة
    لتحيّيني

    تحمل لي
    باقة حمراء
    من زهور المرجان.

    أنام في سرير
    أكثر زرقة بقليل
    من زرقة البحر.

    أخطبوط
    يغمزني
    من وراء الزجاج،
    وفي الغابة الخضراء
    التي تحوطني
    – دينغ دونغ… دينغ دونغ –
    تتأرجح وتغنّي
    جنيات البحر
    اللواتي من صَدَف أوقيانوسيّ أخضر.

    في قاع البحر
    أنا
    وفوق رأسي
    تحترق في المغيب
    أطراف البحر
    المنتصبة.

    ***

    تريدني بيضاء

    أنتَ تريدني فجراً،
    من زبد تريدني،
    من صَدف.
    تريدني زنبقةً
    أفضل من كل الزنابق، أصيلة
    ذات عطر ناعم
    وتويجة مضمومة،
    لا يعبرني حتى
    شعاع قمر واحد
    ولا تزعم زهرة ربيع
    أنها أختي.

    ثلجية تريدني،
    بيضاء،
    تريدني فجراً.

    أنت الذي حملتَ كل الكؤوس
    بين يديك
    ومرّغتَ شفتيك
    بالفاكهة والعسل،
    أنت الذي،
    مستورا بأوراق تين،
    تركتَ لحوم المأدبة
    لتحتفي بباخوس،
    أنت الذي
    ركضتَ صوب الدمار
    في بساتين الخداع السوداء
    مرتديا اللون الأحمر،
    أنت الذي هيكلك العظمي
    لا يزال سليما،
    لا اعرف حتى الآن
    بأي معجزة
    تزعمني بيضاء
    (سامحك الله)،
    تزعمني أصيلة
    (سامحك الله)
    تزعمني فجرا!

    أهربْ إلى الغابات
    إذهب إلى الجبل
    اغسل فمك
    عش في الأكواخ
    المس بيديك
    الأرض الرطبة
    غذِّ جسمك
    بالجذور المرّة
    اشرب من الصخور
    نم فوق الندى
    جدِّد أنسجتك
    بالملح والماء
    تحدّث مع العصافير
    واستيقظ باكرا،
    وعندما يعود إليك
    جسمك
    وعندما تسكب في هذا الجسم
    روحك
    الضائعة في المخادع،
    آنذاك، شئني أيها الرجل الطيّب،
    شئني بيضاء
    شئني ثلجية
    شئني أصيلة.

    ***

    ثقل متوارث

    قلتَ لي: والدي لم يبك يوما،
    قلتَ: جدي لم يبك يوما،
    أبدا لم يبك رجال سلالتي:
    كانوا من فولاذ.

    وإذ قلتَ ذلك انبجست منك دمعة
    وسقطت في فمي.
    لم اشرب في حياتي كمية سمّ أكبر
    من قدح صغير كهذا.

    أنا المرأة الضعيفة، المسكينة التي تفهم،
    ميّزتُ وجع القرون ما ان شربته.
    آه، لا تستطيع روحي
    حمل ثقلك كله.

    ***

    حدس

    حدسي يقول لن أعيش طويلا.
    رأسي هذا يشبه البوتقة،
    يطهّر ويحرق،
    ولكن بلا شكوى وبلا ظل رعب.
    حدسي يقول لن أعيش طويلا
    ولكي أنتهي أودّ لو تولد –
    في مساء بلا غيوم،
    تحت شمس صافية –
    أفعى بيضاء من ياسمينة كبيرة
    وبرقّة، برقّة تلدغ قلبي.

    ***

    صمت

    في أحد الأيام سأكون ميتة، بيضاء كالثلج،
    رقيقة كالمنامات في مغيبٍ ممطر.

    في أحد الأيام ميتةً سأكون، باردةً كالحجر،
    هادئةً كالنسيان، كاللبلاب حزينة.

    سأحقق في أحد الأيام حلمي المسائي،
    ذاك الحلم الغالي حيث تنتهي الطريق.

    سأنام في أحد الأيام مع حلم فسيح فسيح،
    حدّ أن قبلاتكَ نفسها لن تستطيع إحياء الخدر.

    في أحد الأيام سأكون وحيدة، مثلما الجبل وحيد
    بين الصحراء الشاسعة والبحر الذي يغسله.

    سيكون ذلك المساء طافحا بالرقة الإلهية
    بالعصافير الصامتة والنفل البرّي.

    وسيدخل الربيع الزهري مثل شفة طفل
    من الأبواب بلهاثه المعطّر.

    وسيضع الربيع الزهري – الربيع الزهري أجل! –
    وردتين صفراوين على خدّي…

    الربيع الرقيق، ذاك الذي وضع ورودا
    قرمزية وبيضاء على يديّ الحريريتين.

    الربيع الرقيق نفسه الذي علّمني أن أحبك
    الربيع الذي ساعدني في الوصول إليك.

    آه من المساء الأخير الذي أتخيّلني فيه ميتة
    مثل أنقاض مدينة ألفية وخالية!

    آه من ذلك المساء الذي يشبه صمت البحيرات
    الصفراء والساكنة تحت شعاع القمر!

    آه منه مساءً ثملا من التناغم الكامل:
    كم مريرة هي الحياة، وكم هو الموت مستقيم!

    الموت المنصف الذي يحملنا إلى النسيان
    مثلما يستقبل العش عصفورا تائها.

    وسيقع في بؤبؤيّ ضوء خيِّر،
    الضوء الإلهي الأزرق للساعة الأخيرة.

    ضوء خافت سينزل من السماء
    وسيسكب في عينيَّ حنوّ غلالة.

    ضوء خافت سيغمرني كلّني
    بحجابه اللامحسوس كطرحة عرس.

    ضوء سيهمس في روحي على مهل:
    “الحياة كهف، الموت هو الفضاء”،

    وسيمحوني في سكون بطيء وسامٍ
    مثلما عند الشاطئ الذهبي يمّحي الزبد.

    ***


    اللمسة الضائعة

    تهرب اللمسة من أصابعي بلا سبب
    تهرب من أصابعي… اللمسة الشريدة
    المتدحرجة في الريح، بلا قدر ولا غاية،
    اللمسة الضائعة، من سيلتقطها؟

    استطيع أن أحب هذه الليلة برحمة لامتناهية
    استطيع أن أحب أول من سينجح في الوصول اليّ،
    لكن لا أحد يأتي. هناك فقط دروب مزهرة
    ولمسة ضائعة تتدحرج… تتدحرج…

    إذا نادوك في الريح هذه الليلة يا أيها المسافر،
    إذا ارتجفت الأغصان بتنهيدة رقيقة
    إذا ضغطت على أصابعك يدٌ صغيرة
    راحت تأخذك وتتركك، تنالك ثم ترحل،
    وإذا لم تر تلك اليد، ولا الفم الذي يقبّل،
    إذا كان الهواء هو الذي ينسج وهم النداء،
    آه يا أيها المسافر الذي يحمل السماء في عينيه،
    أنا الذائبة في الريح
    هل ستعرفني؟

    ***

    أنا تلك الزهرة

    حياتكَ نهر كبير يجري غزيرا.
    على ضفته، خفية، أنبتُ بتؤدة.
    أنا تلك الزهرة الضائعة بين الأسل والحشائش
    التي تغذيها برحمتك، لكنك لا ترمقها قط.

    عندما تعلو تسحبني فأموت على صدرك،
    وعندما تجفّ أموت ببطء في الوحل
    لكني أعود فأنمو بتؤدة
    عندما في النهارات الجميلة تدفق غزيرا.

    أنا تلك الزهرة الضائعة التي تنمو على ضفتيك،
    خاشعة وصامتة، ربيعا وراء ربيع.

    ——————-

    *نصوص: ألفونسينا ستورني

    ترجمة: جمانة حداد

  • ألفونس دي لامارتين – البحيرة

    ألفونس دي لامارتين – البحيرة

    وهكذا في عباب البحر قد مَخرتْ

    بنا السفينة نأيـاً عـنْ مراسيهـا

    في ظلمـةٍ طوّقتـنا غيرِ زائـلـةٍ

    فلا صباحٌ يُـرَجّـى من حـواشيها

    يجري بها البحر قُدْمـاً لا رجوعَ لها

    ولا استراحةَ يوم راح يُسديهـا

    تمرّ حيرى بشُطآنٍ بلا عدد

    لكنهّا لا ترى مرفـا فيُـؤويهـا

    ***

    أيا بحيـرةُ هلاّ تنظرين إلى

    عـَوْدي وحيـداً وذكرى منْ لياليها

    من بعد عام مضى قد عُدتُ ثانية

    أعلـّل النفسَ لا شيءٌ يُسلّيـهـا

    كانت على الصَّخرة الصّماء جالسةً

    والموج يرقص مختـالاً حوالِِـيها

    ويقذف الرّغوةَ النّعسى على قَدمَـيْ

    جوليـا حُـنُـوّاً فتشدو في أغانيها

    والآنَ أجلس وحدي فوق صخرتها

    والنفسُ في شَجنٍ مَنْ ذا يواسيهـا ؟

    ***

    تذكـّري ليلة والأنسُ يغمـرُنا

    ولا نرى غيرَ دنيا الحبِّ نَرويهـا

    جرى بنا القاربُ السّهمان في مرح

    تحت السّماء وفوق الماء ساريـها

    وكلّ ما حولَـنا صمتُ ولا صَخَبٌ

    إلاّ المجـاديفَ تشدو في مساعيـها

    لكنّ صـوتاً له سحـرٌ وهيمـنـة

    أصغتْ له النفسُ فانزاحتْ غـواشيـها:

    ***

    يا أرضُ رفقاً بنـا لا تُسرِعي أبداً

    وطَـوِّلـي ليلـةً رقَّتْ معـانـيها

    وأنتِ، أيتها الساعات، لا تَـثِـبـي

    دعي الصّبابةَ ترعى مـَنْ يُـداريـهـا

    وخلـيانا نعُـبُّ الحبَّ في رغَـدٍ

    وأسرعا معْ كئيب النفس داميـهـا

    وقصِّـرا ليلـةً طالت على نَـكِـدٍ

    مُسهَّـدٍ راح بالأشجان يقضيـهـا

    ***

    لم يسمعِ الدهرُ صوتَ الحبِّ عن عَـمَدٍ

    إذ يكره الحبَّ والأزهـارُ يُـذويـها

    فالصّبح قد هَـتَـكَ الليلَ البهـيَّ بلا

    عطفٍ ففـارقتْ الأفـراحُ راعيـها

    بحرُ الزمان ضنينٌ كلـّه ضِغَنٌ

    يمزّق العمـرَ والأيـّامُ يَطـويـها

    ***

    إنَّ الزمان ليجري في تدفّـقِـهِ

    وإنَّ أمـواجَـه لا رحمةٌ فيـها

    فلنغتنمْ فرصةً عَـنّتْ على عجـلٍ

    من لم يُبادرْ إليـها ليس يَجنيـها

    و لـنُـتْـرعِ الكأسَ أفراحاً مُشَعشِعةً

    فإنَّ جذوتَـنا الأقدارُ تُـطفيـهـا

    فليس للمرء مرفا يستجيرُ بهِ

    وليس للنـفس شُطآنٌ فتَحميـهـا

    تجري بنا لُججُ الأهـوال مُسرعـةً

    نحو النهـاية لا شيءٌ سيَـثنـيها

    ***

    فيا بحيرةُ يا مـا ليلـةٌ شهدتْ

    حبّاً تقضّى سريعـاً في دياجيـها

    ويا صخوراً على الشاطي تداعبها الـ

    أمواجُ في جذلٍ والماءُ يُـرويهـا

    وأنتِ يا غابةً سوداءَ مظلمـةً

    تُجدّد العمرَ دوماً في مـراعيـها

    لكم خلودٌ فلا دهـرٌ يُحطِّمُـكمْ

    ولا الرياحُ أو النَّسْماتُ يُـفـنيـهـا

    تذكَّروا اثنين عاشا في ربوعِكمُ

    تساقيا الحب صَفـواً في أعـاليـهـا

    *

    ترجمة: د. بهجت عباس

    ___________

    ترجمة أخرى لنفس القصيدة

    هكذا، يُلقى بنا دوما نحو سواحل جديدة،

    وفي الليل الأزليّ نُؤخذ بدون رجعة،

    فهل بمقدورنا يوما، على سطح محيط الدهور

    إلقاء المرساة ولو ليوم؟

    .

    ألا يا بحيرة! ها هو الحول قد دار

    وعند الأمواج الحبيبة التيّ كانت من جديد ستراها،

    أُنظري! ها أنا اليوم جئتُ وحيدا، لأجلس على تلك الصّخرة

    الّتي طالما رأيتِها جالسة عليها!

    .

    كنتِ تهدرين هكذا تحت هذي الصخور الغائرة؛

    هكذا كنتِ تتحطّمين على جُنوبها الممزّقة؛

    هكذا كانت الريح تلقي بزبد أمواجك

    على ساقيها المحبوبتين.

    .

    هل تذكرين ذات مساء؟ كان قاربنا يجري بصمت؛

    ولم يكن يصلنا من هناك.. من بعيد.. فوق الموج وتحت السماوات،

    غير صخب المجدّفين، وهم يضربون بإيقاع،

    أمواجك المتناغمة

    .

    ومن الساحل المفتون، علت فجأة بالأصداء

    نَبَرات، لا عهد للأرض بها

    فأنصت الموج، ومن الصوت الحبيب

    تناثرت الكلمات:

    .

    أيا دهر، رويدك! وأنتنّ، أيّتها الساعات الخليلة

    قفن!

    لكي ننعم بأجمل أيّامنا

    والنّعيم محكوم دوما بالزّوال!

    .

    كم من البؤساء في هذي الأرض يستجدونك

    أطلق عنانك من أجلهم؛

    خذ مع أيّامهم مآسيهم التي باتت تنهشهم؛

    وانسَ السعداء

    .

    لكن، عبثا أسأل، من الوقت المزيد

    يفلت الزمن منّي.. يفرّ؛

    أقول لهذه اللّيلة: “تمهّلي!”؛ والفجر

    سوف يبدّد الدّجى.

    .

    فلنعشق إذًا! فلنعشق! وبالسّاعة الهاربة،

    هيّا بنا ننعم!

    ليس للإنسان مرفأ، ولا للزّمان ساحل؛

    فعجلة الزمان تدور ونحن نمضي!

    .

    ألا أيّها الدهر الحاسد، هل لساعات النشوة،

    عندما يسقينا الحب السعادةَ بدون حساب،

    أن تَطيرَ بعيدا عنّا، بسرعةِ

    أيّام الشّقاء؟

    .

    ماذا! ألن يكون بمقدورنا أن نستبقي منها الأثر؟

    ماذا! ولّت إلى الأبد؟ ماذا! ضاعت كلّ تلك السّاعات؟

    هذا الدهر الّذي أوجدها، هذا الدّهر الّذي يمحيها،

    أفَلن يعيدها لنا من جديد؟

    .

    أيّها الأزل، أيّها العدم، أيّها الماضي، أيّتها اللّجج السّحيقة،

    ماذا ستفعلون بالأيّام التي قد ابتلعتُم؟

    تكلّموا! هل ستعيدون لنا تلك النّشَوَات الكبرى

    الّتي قد خطفتم؟

    .

    أيتها البحيرة! أيّتها الصّخور الصمّاء! أيّتها الكهوف! أيّتها الغابات الحالكات!

    أنتنّ يا من يرعاكنّ الزمان.. بل قد يبعث فيكنّ الشباب،

    احفظن من هذي اللّيلة.. احفظي أيّتها الطبيعة الغنّاء،

    على الأقلّ، الذكرى!

    .

    لِتكن في سكونكِ، لِتكن في عواصفكِ،

    أيّتها البحيرة الجميلة! وفي منظر تلاّتك الضاحكات،

    وفي صنوبركِ الدَّجِيّ، وفي صخورك المتوحّشات،

    المعلّقات فوق مياهك!

    .

    لتكن في هبّات نسماتك المرتعشة،

    في لغط ضفافكِ وهي تردّده بالأصداء،

    في ذاك النّجم، الفضيّ جبينه، ينشر ضياءه على سطحك

    بلألئه الرّخو!

    .

    ولتقلِ الريح المتأوّهة، وليقل القصب المتنهّد،

    وليقل شذى أريجكِ،

    وليقل كلّ ما نسمع، وكلّ ما نرى، وكلّ ما نتنفّس،

    ليقل كلّ الوجود: ” لقد أحبّا!”

    *

    ترجمة سعيد محمد الجندوبي

  • مُقتطفات من قصائد آيه. آر. آمونز القصيرة حقّاً

    مُقتطفات من قصائد آيه. آر. آمونز القصيرة حقّاً

    يومٌ بلا مطر أشبه

    بيومٍ بلا شمسْ.

    *
    صارَ

    الربيعُ

    في

    خطوتِها

    خريفاً.

    *
    بعد يوم

    طويلٍ

    رطب

    مائل

    كانت

    حبّاتُ المطر

    متفرّقة

    جداً

    النحلةُ الطنّانة

    حلّقَتْ

    عَبرَها

    إلى البيت.

    *
    في الربيع

    يهبّ

    هواءٌ

    .

    على

    جدار

    ويرفع

    .

    وريقات العام الفائت

    أعلى

    مما تفعل الأشجار.

    *
    يفسحُ القصبُ

    طريقاً

    للريح ويسحبُ

    الريحَ بعيداً.

    *
    أثلجتِ

    الليلة الفائتة

    وهذا الصباح

    لا

    أثرَ في الداخل

    أو الخارج يظهرُ

    على

    درب

    المقبرة.

    *
    مذهلٌ كيف

    تجري كلّ هذه

    الحركة

    والمياهُ تمكثُ ساكنةً

    في الكؤوس وصفيحةُ

    الغاز

    في المرآب

    لا تُقعقع.

    *
    ما إن

    لا تعود

    لديك مشكلة

    بالهبوط الى

    ال- أرض

    يصير لديك

    مشكلة في

    الارتفاع عن

    ال- أرض.

    *
    الأفكار تدخل

    معظم

    الرؤوس من دون

    .

    أن تلتقط

    .

    شيئاً

    أو أن تترك

    أثراً.

    *
    أسرعُ

    طريقةً

    لتغيير

    الــ

    عالم

    أن

    نحبّه

    كــ

    ما

    هو.

    *
    في الريح العاتية

    لا تسقطُ الأغصانُ

    بل تطيرُ

    مباشرةً من

    الشجرة

    كالعصافير.

    *
    عينان أشعّتا توقاً

    للحياة

    بخسارة

    ناصعة.

    *
    وجدتُ

    عشبةً ضاريةً

    في داخلها

    مرآةٌ

    وتلك

    المرآةُ

    انعكست

    في مرآةٍ

    فيَّ

    فيها

    عشبةٌ ضارية.

    *
    أصحو

    من قيلولة

    وأحسّ بئراً فيّ:

    قد

    سَقَطتُ

    في البئر:

    سطحُ الماء

    سَكنَ

    توّاً.

    *
    جميلٌ

    بعد العشاء

    أن أسيرَ

    إلى الشاطئ

    لأجدَ

    أكبرَ شيء

    على الأرض

    هادئاً نسبيّاً.

    *
    أحنيتُ رأسي

    لأمضي تحتَ

    الغصون الواطئة

    .

    فَهِمَتِ الجمّيزةُ

    مقصدي خطأً

    وانثنتْ إلى الوراء.

    *
    إذا قفزتُ

    أستطيعُ

    الغوصَ على

    أعالي الصنوبر إلى

    البحر الأعمق.

    *
    إنها ساكنةٌ جداً اليوم

    حيث إن

    انخفاضَ غصنٍ يعني

    أن سنجاباً

    عَبَر.

    *
    الفنُّ

    ثمرةُ

    أشجار

    الألم

    التي تنمو

    في

    حقول حياةٍ

    لم تُعَش.

    *

    كيف تصلّي القِدر:

    إغسلني حتى ألمع؟

    أيتها الصّلوات شقّي طلائي:

    دعي الصدأ يدخل.

    *

    أرجو أن

    أكون مخطئاً

    أين يضربُ

    الصقيعُ

    الفراشةَ:

    على الظهر

    بين

    الجناحين؟

    *
    لا

    أريد

    أن أُحمل

    على محمل الجدّ سوى

    أنّي

    أتمنى

    ألا تُحمل

    أمنيتي هذه

    على محمل الجدّ

    أنها

    محمولة حقاً

    على محمل الجدّ.

    *
    لم تكن لي علاقات

    طيّبة بالعالم

    .

    في البداية لم يكن لديّ

    شيء ممّا يريده العالم

    .

    ثم لم يكن لدى العالم

    شيء ممّا أُريد.

    *
    طائرةٌ فضيّة

    تحلّقُ فوق غيوم التندرا(*)

    ربما تأتي

    من الريو:

    تشرقُ الشمسُ الألومنيوم

    عليها

    كما لو أنها كائنٌ طبيعي.

    *
    أرخيتُ

    المعولَ المكسور

    .

    وفي حمأة الغضب

    من الفشل

    .

    هاجمتُ حجرَ

    الوقت بالــ

    .

    دموع: صمدَ

    الحجرُ، لكنَّ الدموع

    .

    ليّنَتْ حجرَ

    مُكابَدتي.

    *
    طوالَ العصر

    امتدّتْ ظلالُ الأشجار

    متسارعةً

    حتى

    بعثَها الغروبُ

    سوداءَ إلى اللامتناهي:

    في الصباح التالي

    عادت

    الظلمةُ

    من اللامتناهي

    الآخر

    والتقطَتِ الظلالُ الأرضَ

    وخلال الصباح قَسَتْ

    متباطئة

    حتى الظهيرة.

    *

    ترجمة:سامر أبوهواش

    من (قصائد أ. ر. أمونز القصيرة حقّاَ)

    (1990)