إلهي..
تقبّل هذه السيدة المعروفة باسم مارلين مونرو في كل بقاع الأرض
على الرغم من أنّ هذا ليس اسمها
(أنت وحدك من يعرف اسمها الحقيقي، اسم اليتيمة المغتصبة في سن التاسعة، وخادمة المتجر الصّغيرة ذات الستة عشر ربيعاً، حيث أرادت أن تقتل نفسها)
ها هي الآن بين يديك
من دون مكياج
من دون وكيلها الصحفي
أو تواقيع للذكرى
فقط كرائدة فضاء في ليلك الفسيح.
على ذمَة “التايمز”، كانت قد حلمت في طفولتها
أنها تقف عاريةً في كنيسةٍ
أمام حشدٍ من النّاس الساجدين
كان عليها أن تسير على أصابع قدميها كي لا تدوس رؤوسهم.
أنت تعرف أحلامنا أفضل مما يعرفها علماء النفس
كنيسةٌ، بيتٌ، كهف
هم أمان الرحم الأمومي
ويعني أيضاً أكثر من ذلك..
الكنيسة هي المعجبين، هذا واضح
(عجينةُ الرؤوس في العتمة تحت خيطِ الضوء).
لكن المعبد ليس استديوهات
20th Century Fox
المعبد الرخامي الذهبي، هو معبد جسدك
حيث يوجد ابن الإنسان والسوط في يده
يطرد العاملين في المحطَّة
الذين جعلوا من بيت عبادتك قبواً للصوص.
إلهي
في هذا العالم الملوّث بالخطايا والإشعاعات
لن تحاسب عاملة في متجرٍ
حلُمت كغيرها أن تُصبح نجمة سينما.
وصار الحلم حقيقةً (لكنّها شبيهةٌ بالأفلام الملونة)
لم تفعل شيئاً غير أنّها أدَّت الدَّور الذي أعطيناها إياه
– مشهد حياتنا- الذي كان مشهداً صامتاً.
اغفر لها يا إلهي ولنا
لقرننا العشرين
لتكلفة الإنتاج المرتفعة التي عملنا من أجلها جميعاً
كان لديها جوعٌ للحب ولم نمنحها سوى مُهدِّئات
كما أوصى الأطباء النفسيون
طالما أننا لسنا قدّيسين
تذكَّر أيُّها الرَّب خوفها الزّائد أمام الكاميرا
وكُرهها للمكياج- مع الإصرار على تزيينها عند كل مشهد-
وبما أن الرّعب ازداد
ازداد حتماً تأخرها عن الوصول للإستديو.
كأيِّ عاملةٍ في متجرٍ
حلمت أن تُصبح يوماً نجمةً في السينما
كانت حياتها وهماً كحلم فسَّرهُ طبيب نفسي وحفظه في أرشيفه.
حياتها العاطفيّة:
كانت مجرَّدَ قبلةٍ بعيون مغمضةٍ
بمُجرَّد أن تفتحهما
تكتشفُ أنَّها تحت الأضواء الكاشفةِ
ثم تنطفئ هذه الأضواء!
وتنفكُّ عن جدران الغرفة (كانت لقطة سينمائيَّةً وحسب)
بينما يبتعد المخرج مع لوحه
لأن المشهد انتهى تصويره.
أو
كرحلةٍ في قاربٍ،
قُبلةٍ في سنغافورة
رقصةٍ في ريو دي جانيرو
حفل استقبال في قصر دوق أو دوقة وندسور
كلها مشاهد مرئية في صالون شقتها البائسة.
وينتهي الفيلم دون القبلة الأخيرة.
وجدوها ميَّتة في سريرها والهاتف في يدها
لم يعرف المُحقِّقون مع من أرادت أن تتحدث
كأنَّ شخصاً طلب رقم صديقه الوحيد
ولم يُسمع سوى صوت المسجّل يقول:
الرقم المطلوب غير موجود
أو كأن عصابة قطعت يدها لتبعدها عن الهاتف المقطوع
إلهي
أيًّا يكن الشخص الذي كادت أن تحادثه
ولم تفعل (لربما لم يكن له وجودٌ، أو كانَ اسماً غير مُسجلٍ في دليل لوس أنجلس)
أنت يا رب
رُدَّ على الهاتف.
المدونة
-

إرنستو كاردينال – صلاة من أجل مارلين مونرو
-

مستقبل مصر بين محاضرات الشعراوي وأفلام البورنو
كتبت: سوسن جاد
الحاجة أم الاختراع، وكذلك الخيالُ أبِيه. فلاختراع أداة جديدة؛ يجب عليك حتماً أن تطلق عنان خيالك للامعقول واللامقبول لتنسج منه كياناً جديداً في شكل فن أو ماكينة. وبالنظر لوثيقة الأزهر لتنظيم مستقبل مصر لتبيان الموقف الشرعي من اللامعقول واللامقبول، انتصرت الوثيقة لموقف الشريعة المستنير من حرية الفكر والإبداع حيث أكدت الوثيقة أن هذه قيمة منصوص عليها فى الشريعة الإسلامية وتعطي للمسلم الحرية الحقيقية فى فكره وآرائه وأفعاله، ولكن هذه الحرية ليست مطلقة من كل القيود إنما هى محددة بما لا يضر المجتمع من منطلق فكرى يطلق عليه القانونيون النظام العام.
ولكن دعنا ندقق لحظة ونعيد السؤال: كيف يمكن للشريعة أن تشجع على الإبداع؟ كيف يمكنك البحث في الشريعة لتبيان أن الاختراع الفلاني حلال أم حرام وهو لم يوجد بعد؟ هل يكفيك الاقتناع بجواز الاختراع طبقاً للنية من استخدامه؟ أي أن حلاله مرهون بنيتك ألا يتم استخدامه فيما يضر المجتمع؟
دعني أروي لك قصة قصيرة أنت بطلها، وعليك إمدادي بقرارات ودوافع الشخصية. أنت شخص متدين تعيش في الثمانينيات، تعمل في شركة طبع وتحميض أفلام، وتسكن في عمارة تسكنها قوادة ودائماً ما ترى فتيات الليل يترددن على مكتبها. ذات يوم، تطلب منك القوادة أن تساعدها في تطوير اختراع جديد (نعرفه لاحقاً باسم شرائط الفيديو) لتسجيل أفلام جنسية وتوزيعها لتساعدها في الانتشار حيث إنها ترغب في توسيع نطاق عملها بتكلفة أقل. هل سترفض وتعتبر هذا الاختراع حرام لأن الساعية له تعمل بالجنس التجاري؟ أم تعتبره حلالاً لما ترى فيه من قدرة عظيمة لنشر المعلومات والإعلام بشكل عام؟
وماذا إذا سألت شيوخاً وعلماء، واتفقوا جميعاً على حرمانيته، وقمت أنت بتحديهم وسُلطتِهم، وصنعت بالفعل أداة تنشر أفلام الجنس بشكل واسع، ثم في ظرف عقد أو عقدين كانت هي نفس الأداة المسؤولة عن الانتشار الواسع للدين الإسلامي في شكل محاضرات ودروس دينية؟ هل تكتب عند الله عاصياً أم يُكتَبون هم ضحلاء الرؤية؟ ومن يتحمل مسؤولية إخفاق الشعوب الإسلامية في الوصول إلى أي سبق صناعي أو ثقافي، لمجرد أن عالم دين اجتهد فأخطأ؟
صديقي، هذه القصة حدثت بالفعل، فقد كان المحرك “الوحيد” (وليس الرئيس، بل الوحيد) لتطوير1صناعة أفلام الفيديو هو أفلام البورنو وتجارة الجنس لتصبح أقل تكلفة وفي متناول الجميع. فاستوردنا نحن هذا الاختراع وسجلنا عليه محاضرات الشيخ الشعراوي لنشاهده يحض على صفات مجتمع مثالي كما صوره فهمه لكتب السيرة، تشعرنا نحن بالرضا كمستهلكين للحضارة، مثله، نبدي أراءنا ذماً ومدحاً فيما يقدم لنا على الطاولة من طعام وأجهزة وتقدم إنساني، دون تفكير في حيثيات صنعها.
وإليك قصة أخرى أنت أيضاً فيها البطل. هذه المرة أنت مقامر سكير مضر للمجتمع لأنك “هلاس” تصرف أموالك على ملذات فاسدة مثل سباق حلبات الخيول. ذات يوم وقد أثملك الخمر أثناء مشاهدة السباق، تحداك بعض الأصدقاء عبثاً لمعرفة عما إذا كانت الخيول ترفع أرجلها الأربعة أثناء الجري أم كل رجل على حدة. بعد كثير من الجدل، قررتم أن تستأجروا كاميرا لتصوروا لقطات كثيرة وسريعة للخيل أثناء الجري لحسم الرهان، فأنتم أغنياء مدللون تفنون أوقاتكم وشبابكم في أنشطة غير مفيدة سوف تسألون عنها يوم الدين. على أية حال، تم حسم الرهان، واكتشفتم متعة اللقطات السريعة من الكاميرا الثابتة، وتم ولادة فن جديد اسمه السينما على يد عابثين لا قيمة لهم في المجتمع الذي ينشده الإسلام. بعد سنين طويلة وصل فن السينما الشرق الأوسط، واستخدمناه كذلك في نشر قيم المجتمع المحافظ كما ننشده، وفي لفظ كل ما هو لامعقول ولامقبول.
بينما تحاول الشريعة تهذيب الإبداع ليتسق مع شكل المجتمع الإسلامي الصحيح، فإنها تحرمه من ممارسة اللامعقول واللامقبول الذي هو المحرك الأساسي للإبداع. فينتهي بها الأمر تلك الشريعة، أن تكون وعاء استهلاكي يقوم دائماً بدور ردة الفعل في شكل الحكم على الناس وأفكارهم، هذا فاسد وذاك مضر، في شكل سلبي (غير استباقي) بعد ظهور الفكرة وليس قبل ظهورها، فيؤدي ذلك إلى حتمية الكسل الفكري لدى المجتمع، لأن أفراده يؤثرون الالتزام بالمقبول والمعقول، خوفاً من مخالفة النظام العام، لربما ينجحوا لا سمح الله في اختراع أو إبداع ما.
-

في شتيمة الحب – محمد الحكيم
ليسَ الأمرُ أنني لا أريدُ أن أكتبَ عنكِ، الأمرُ هو أنني لا أستطيع، فقدتُ الإلهام والشغف والطاقة اللازمة للاستمتاع، الحبُّ عندما ضربَ قلبي، كسرَه، الحبُّ شرير لعين، يكسرُ قلوبنا فلا تكون صالحة لاستخدامات الحياة المتعددة. لا يمكن أن يكون ذلك أمراً جيداً، مثل سيارةٍ ليس بوسعك استخدامها سوى كنبة، أو قلم ليس مسموحاً لك أن تكتب به، بل أن تضعه فقط في مؤخرتك. الحبُّ يقصرُ دور القلب على أن يكون ذليلاً، ويُعطل قدراته الفائقة كمحرك تربو للحياة.
أنظرُ للجميع الذين يبحثون عن الحب، يُفتشون عن فرصةٍ حقيقية للسقوط، تبهرني شجاعة الرغبة التي سرعانَ ما تتحولُ إلى صراخٍ وعواء. أشعرُ بالامتنان لإدراكي هذه الحقيقة قبل أن يضربني الحب، لم يُفاجئني هذا اللعين.
الحب يمتصُّ الحياة من العروق، يسرقُ وجهك، وذلك الاستقرار الذي كنت تحسه في أيامك، الهدوء الجميل والتمشي في مسارات الحياة واللغة والجغرافيا والطموحات الأخاذة التي تقودك في بحرٍ هادئ الأمواج، فجأة تصادفُ موجةً عملاقة، تسونامي شرير لا يريدُ الإبقاء على شئ أمامه، لو كانَ يمكن تربية تسونامي في البيت كحيوانٍ أليف، لأمكن للحبِّ أن يكون جيداً وممتعاً.
الحبُّ يأخذُ منك كلَّ شئٍ ويُعطيك حماساً ونفوراً، يُعطيك براكين تتقدُ في داخلك وتنفجرُ في وجه أيامك. من قال أن البراكين كائناتٌ طيبة؟ إنها مدمرة وسليطة اللهب وتبدو أجمل فقط من بعيد، أما قلبها فيصهرُ كلَّ شئٍ ويلغي حقيقته.
الحبُ يُلغي حقيقةَ الفرد الواعي، ويصهره في جحيمه، حتى لا يغدو كما كان، بل يتحولُ لكائن تالف ممزوج بالغبار والرماد، ويَحلُّ الألمُ مكان كل شئ، الأحلامُ لا تعود ممكنة، ولا الفرح.
الحبُ خنجرُ الطبيعة الموجع، سحرُه أن يغوينا بتشهي طعنته، أمرٌ لا يمكن أن يكون منطقياً، هذه النزعة القوية والميل الشديد للوقوع من أعلى المنحدر، الوسيلة الوحيدة للهروب من الحياة، لأولئك الذين لا يجدون نبضاً راقصاً في قلوبهم، فيختارون أن يرقصوا رقصة الموت.
فقدتُ حقيقتي عندما أحببت، وها أنا أبحثُ عني من جديد.
-
اعتذار واعتراف لنساء العالم – غياث المدهون
إهداء إلى نساء العالم، في يوم المرأة العالمي، الثامن من مارس في كل عام
النساءُ اللواتي عصرنَ العنبَ بأقدامهنَّ منذ بدءِ التاريخ.
النساءُ اللواتي تمَّ قَفْلُهُنَّ بحزامِ العفَّةِ في أوروبا.
الساحراتُ اللواتي أُحرِقنَ في العصورِ الوسطى.
روائياتُ القرنِ التاسع عشر اللواتي كَتَبْنَ بأسماءَ ذكوريةٍ لكي يستطعنَ النَّشر.
حاصداتُ الشاي في سيلان.
نساءُ برلينَ اللواتي أَعَدْنَ إعمارَهَا بعد الحرب.
فلاحاتُ القطنِ في مصر.
الجزائرياتُ اللواتي يَضَعْنَ البرازَ على أجسادهنَ لكيلا يُغتصبنَ من قبلِ الجنودِ الفرنسيين.
عذراواتُ السيجار في كوبا.
عصابةُ الماساتِ السوداواتِ في ليبيريا.
راقصاتُ السامبا في البرازيل.
اللواتي فَقَدْنَ وجوهَهُنَّ بالأسيدِ في أفغانستان.
أُمي.
أنا آسف.
Confession
You
women who have trampled grapes
with bare feet
since the beginning of history
who were locked in chastity belts
in Europe
who were burnt to death
in the Middle Ages
who wrote novels
under male pseudonyms
in order to get published
who harvested tea
in Ceylon
who rebuilt Berlin
after the war
who grew the cotton
in Egypt
who covered your bodies with excrement
to avoid rape by French soldiers
in Algeria
virgins
in Cuba
who rolled cigars
on their naked thighs
members of the Black Diamond guerillas
in Liberia
samba dancers
in Brazil
women who have had faces destroyed
by acid
in Afghanistan
my motherForgive me
Translation from Swedish: James Blake
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــNI
kvinnor som trampat vindruvor med bara fötter sedan historiens början
som låstes i kyskhetsbälte i Europa
som brändes till döds på medeltiden
som skrev romaner under manlig pseudonym för att kunna bli publicerade
som skördade te på Ceylon
som byggde upp Berlin efter kriget
som odlade bomullen i Egypten
som i Algeriet täckte era kroppar med avföring för att undkomma de franska soldaternas våldtäkter
jungfrur på Kuba som rullade cigarrerna mot era nakna lår
medlemmar i Black Diamond-gerillan i Liberia
sambadansare i Brasilien
kvinnor som fått era ansikten förstörda av syra i Afghanistan
min mor
Förlåt mig
översatta från arabiska via engelska av Marie Silkeberg & Ghayath Almadhoun
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Vrouwen
De vrouwen die sinds het begin van de geschiedenis de druiven met hun voeten stampten.
De vrouwen in Europa die
met kuisheidsgordels werden vergrendeld.
De tovenaressen die in de Middeleeuwen werden verbrand.
De schrijfsters van de negentiende eeuw, die schreven
onder mannelijk pseudoniem, zodat ze konden publiceren.
De theepluksters in Ceylon.
De vrouwen van Berlijn, die na de oorlog hun stad weer hebben opgebouwd.
De katoenboerinnen in Egypte.
De Algerijnse vrouwen, die hun lichaam insmeerden met uitwerpselen, zodat de Franse soldaten
hen niet zouden verkrachten.De sigarenmaagden in Cuba.
De bende van de zwarte diamanten in Liberia.
De sambadanseressen in Brazilië.
De vrouwen in Afghanistan die hun gezicht door zoutzuur hebben verloren.
Mijn moeder.
Het spijt me.
Uit het Arabisch vertaald door Djûke Poppinga
-
أنا العاهرة – إيزيس خليل
نعم أيها المجتمع الوسخ، نعم يا معشر المتشددين والمتدينين والسياسيين الأنقياء، أنا هي تلك الفتاة العاهرة التي لا تليق بكم، جميعاً.
أنا هي تلك الفتاة التي ترجمونها في أوقات فراغكم من فوق منابركم الدينية، ومن وسط ساحات النقاش الدائرة ليلاً ونهارًا.
أنا هي يا أيها المثقفين المبجلين، يا رعاة النسوية نهاراً، وفي الليل على مقاهيكم وجبة نميمة شهية.
أنا من اغتصبتومها في الشوارع، وتحرشتم بها في الميادين، ودافعتم عنها من أجل التصفيق والإطراء، وحلمتم بمضاجعتها في المساء بعد انتهاء السكوسيه السياسي المتين.
أنا هي، أنا هي أيها السياسي الهُمام.
أنا هي من تتهمها بالكذب والادعاء والانتماء الأمني كلما عجزت عن فهمها أو صيدها.
أنا هي أيها الشيخ المتدين الأمين الذي صوبت نحوها فتوتك لتبيعها في سوق الشريعة برخص التراب.
أنا هي، أنا هي التي تدخن ولا تمسك تلك السيجارة أمام أبيها، حتى ترحمه ولا تجرحه أمام مجتمع يحاكمه طوال اليوم، ويعايره بابنته المتحررة.
أنا هي الثورية التي علمتك الحب والحياة، وأنت لم تبحث عن نفسك سوى بين فخذيها.
أنا هي يا صديقي العزيز يا من صدقت فيَّ شتائم الجميع، وصلبتني مثلهم لأنك لم تتعلم أن تثق في أنثى بعد.
أنا هي يا أصدقائي الثوار، إحدى ضحايا الرجل الثوري الشهير، صائد الفراشات الذي تبعتموه جميعاً. ومازال وسطكم يصطاد غيري وغيرهم، وأنت تربونه كالقط الثمين كي يلتهم آخرين.
أنا هي من حلمت وتبنت أحلام الأصدقاء، وفي صباحٍ استيقظت كي تجد الصليبَ لها مُعدٌّ تحت بيتها في أكبر ساحات الادعاء والجُبن.
أنا هي من حدثتموها عن حرية المرأة، وحللتم لأنفسكم جسدها، أن سنحت لكم الفرصة يا أغبياء
حقاً لم يسلم منكم أحد، لم يسلم أحد.
كفاكم ادِّعاءً وخراءً.
كفاكم أيها الشيوخ ُفتاوى لبيعنا في أسواق الزنا، فالله شاهد عليكم ويعرفكم بالاسم يا خونة الشرف.
كفاكم أيها الرجال المثقفين عبثاً وكتابةً عنا وعن حقوقنا، وأنتم تخونونا في المضاجع كل نهار، وعلى هامش حياتك هناك أربعة معلقين بك وراء قصص وهمية، تخلقها لهم من فرط عجزك وفقدانك للأمان وخوائك.
كفانا أيها السياسيون عهرًا وبيعًا للقضايا.
كم فراشة قتلت تحت أقدامكم بلمعان قضاياكم بعد أن امتصصتم دمها حتى النخاع؟
كفانا أيها الأصدقاء تداول القصص على مقاهينا، كفانا ابتذالًا وصمتًا على كل المدَّعين.
مدعي النسوية، من يدافعون عنها نهاراً وفي الليل يبحثون عنها بأي مقابل
سئمت منكم جميعاً
سئمت الأحكام و سئمت رائحتكم العفنة
سئمت أجسادكم وعقولكم المشوهة
سئمت أنانيتكم، سئمت ادعائكم وإعلامكم
إن أردتم أن ترجموني فهيا..
أنا هي تلك الفتاة..
أنا العاهرة المتاحة للجميع، المدعية، الكاذبة، التافهة، محدودة الذكاء، الأمنجية الخائنة.. مين يزود ؟؟؟
هه مين يزود ؟؟؟؟
ارجموني إذن وارجموا كل فتيات وسط البلد فيَّ، هيا، أحجاركم أشرف لي من معاشرتكم جميعًا.
فقط تذكروا خطاياكم التي أستطيع أن أكتبها على الأرض وأحفرها على الحوائط أمام الجميع، فقط تذكروا ضعفكم وعجزكم أمامي وأنتم تشوهون الأحلام ولا تملكون سوى أحاديثكم الجانبية وبؤسكم على المقاهي، في مخادعكم لم تمتلكوا حرية تحدثتم عنها يومًا، ولم يسلم منكم أحدٌ أمامي، فمن قام بالفعل مجرم، ومن سكت عليه فهو أشرُّ منه.
وسوف أخبركم بشيء يا أصدقائي الأنقياء الساكتين عن قيادات عفنة فاسدة، لن ننجو من أنفسنا ومنهم على أي صعيد، لن يكتمل أي حلم طالما نحمل لبعضنا الحجارة خلف ظهورنا كل نهار، طالما مازلنا نترك أعلام الحرية يحملها شخص حاكم بأمره يرجمني كلما يشاء ويصفق له الباقون، لن يكتمل الحلم طالما مازلنا نختبئ وراء ستائر اللوحات الأنيقة ونترك العفن يلتهمنا من خلف
أنا هي تلك العاهرة بالثلث، وللكلاب الحكام بأمرهم عندي شيئٌ واحدٌ هو “الذبح” ببساطة، لن ينجو منكم أحد من بين يدي
هناك معركة خفية سأطلقها للنور، النور سيكشف عوراتكم ويسقط عنكم القناعات الزائفة
فمن منكم بلا خطية يا أصحاب العجز فليرمني أولا بحجر
لا تتعجبوا جميعاً، هذا هو الوضع الحقيقي
نحن لم نعتد بعد على مواجهة أنفسنا بالعفن، لكني بدأت الآن أحترف مواجهة العفن ولن أرجع لاعتياده.
لن أعتاد العفن مجدداً، يا ملوك اليأس والعجز.
الثورة للعالم وللكون، الثورة ليست لأرض واحدة وليست لكم
الثورة ليست لكم
الشمس لا تعرفكم
لذلك مات الأنقياء وبقيتم أنتم، بقيتم فوق منابر زائفة ستقتلكم قريباً
-

كان ينقصنا حاضرٌ – مختارات من سرير الغريبة – محمود درويش
لنذهب كما نحن
لنذهبْ كما نحن:
سيِّدةً حرَّةً
وصديقاً وفيّاً،
لنذهب معاً في طريقينِ مختلفين
لنذهب كما نحنُ متَّحدين
ومنفصلين،
ولا شيءَ يوجعنا
لا طلاق الحمام ولا البرد بين اليدين
ولا الرِّيح حول الكنيسة توجعنا…
لم يكن كافياً ما تفتَّح من شجر الَّلوز
فابتسمي يزهر الَّلوز أكثرَ
بين فراشاتِ غمَّازتين.
وعمَّا قليل يكون لنا حاضر آخرٌ
إن نظرت وراءك لن تبصري
غير منفىً وراءك:
غرفة نومك،
صفصافة السَّاحة،
النَّهر خلف مباني الزُّجاج،
ومقهى مواعيدنا…كلها،كلها
تستعد لتصبح منفى،إذاً
فلنكن طيِّبين!
لنذهب كما نحن:
إنسانة حرةً
وصديقاً وفياً لناياتها،
لم يكن عمرنا كافياً لنشيخ معاً
ونسير إلى السينما متعبين
ونشهد خاتمة الحرب بين أثينا وجاراتها
ونرى حفلة السِّلم ما بين روما وقرطاج
عمَّا قليل.
فعمَّا قليل ستنتقل الطَّير من زمن نحو آخر،
هل كان هذا الطريق هباء
على شكل معنى،وسار بنا
سفراً عابراً بين أسطورتين
فلا بدَّ منه،ولا بدَّ منا
غريباً يرى نفسه في مرايا غريبته؟
لا،ليس هذا طريقي إلى جسدي
لا حلول ثقافية لهموم وجودية
أينما كنتَ كانت سمائي
حقيقيةً
من أنا لأعيد لكَ الشَّمس والقمر السَّابقين
فلنكن طيبين…
لنذهب كما نحن:
عاشقةً حرةً
وشاعرها.
لم يكن كافياً ما تساقط من
ثلج كانون أول،فابتسمي
يندف الثلج قطناً على صلوات المسيحيِّ،
عمَّا قليل نعود إلى غدنا،خلفنا،
حيث كنا هناك صغيرين في أول الحب،
نلعب قصة روميو وجولييت
كي نتعلم معجم شكسبير…
طار الفراش من النوم
مثل سراب سلامٍ سريع
يكلِّلنا نجمتين
ويقتلنا في الصِّراع على الاسم
مابين نافذتين
لنذهب ،غذاً
ولنكن طيبين
لنذهب،كما نحن:
إنسانة حرة
وصديقاً وفياً،
لنذهب كما نحن.جئنا
مع الرِّيح من بابل
ونسير إلى بابل…
لم يكن سَفري كافياً
ليصير الصَّنوبر في أثري
لفظة لمديح المكان الجنوبي
نحن هنا طيبون.شمالية
ريحنا،والأغاني جنوبية
هل أنا أنت أخرى
وأنت أنا آخر؟
ليس هذا طريقي إلى أرض حريتي
ليس هذا طريقي إلى جسدي
وأنا،لن أكون (أنا) مرتين
وقد حل َّأمس محل غدي
وانقسمتُ إلى امرأتين
فلا أنا شرقيَّة
ولا أنا غربيَّة،
ولا أنا زيتونة ظلَّلت آيتين
لنذهب،إذاً.
لا حلول جماعية لهواجس شخصية
لم يكن كافياً أن نكون معاً
لنكون معاً…
كان ينقصنا حاضرٌ لنرى
أين نحن.لنذهب كما نحن،
إنسانة حرة
وصديقاً قديماً
لنذهب معاً في طريقين مختلفين
لنذهب معاً،
ولنكن طيبين…سوناتا [I]
إذا كنتِ آخر ما قاله اللـه لي، فليكن ْ
نزولك نونُ الـ “أنا” في المثنّى. وطوبى لنا
وقد نوّر اللوزُ بعدَ خطى العابرين، هنا
على ضفتيك، ورفّ عليك القطا واليمامُ بقرن الغزال طعنتِ السماء، فسال الكلامُ
ندىً في عروق الطبيعة. ما اسم القصيدهْ
أمام ثنائية الخلقِ والحق، بين السماء البعيدة
وأرْزِ سريركِ، حين يحنُّ دمٌ لدمٍ، ويئنّ الرخامُ؟
ستحتاج أسطورةٌ للتشمُّس حولك. هذا الزحامُ
إلهاتُ مصرَ وسومرَ تحت النخيل يغيرّن أثوابهنَّ
وأسماءَ أيامهن، ويكملن رحلاتهنَّ إلى آخر القافية… وتحتاج أنشودتي للتنفُّس: لا الشعرُ شعرٌ
ولا النثرُ نثرٌ. حلمت بأنكِ آخرُ ما قالهُ
ليَ اللـهُ حين رأيتكما في المنام، فكان الكلامُ…سماءٌ منخفضةٌ
هُنَالِكَ حُبٌ يسيرُ على قَدَمَيْهِ الحَرِيرِيَّتَيْن
سعيداً بغُرْبَتِهِ في الشوارع ,
حُبٌّ صغيرٌ فقيرٌ يُبَلِّلُهُ مَطَرٌ عابرٌ
فيفيض على العابرين :
” هدايايَ أكبرُ منّي
كُلُوا حِنْطَتي
واشربوا خَمْرَتي
فسمائي على كتفيّ وأرضي لَكُمْ …
هَلْ شمَمْتِ دَمَ الياسمينِ المُشَاعَ
وفكّرْتِ بي
وانتظرتِ معي طائراً أَخضرَ الذَيْلِ
لا اسْمَ لَهُ ؟ هُنَالكَ حُبٌّ فقيرٌ يُحدِّقُ في النهر
مُسْتَسْلِماً للتداعي : إلى أَين تَرْكُضُ
يا فَرَسَ الماءِ ؟
عما قليل سيمتصُّكَ البحرُ
فامش الهوينى إلى مَوْتكَ الاختياريِّ ,
يا فَرَسَ الماء ! هل كنت لي ضَفَّتَينْ
وكان المكانُ كما ينبغي أن يكون
خفيفاً خفيفاً على ذكرياتِكِ ؟
أيَّ الأغاني ؟ أَتلك التي
تتحَّدثُ عن عَطَشِ الحُبِّ .
أَمْ عن زمانٍ مضى ؟ هنالك حُبّ فقير , ومن طَرَفٍ واحدٍ
هادئٌّ هادئٌّ لا يُكَسِّرُ
بلِّوْرِ أَيَّامِكِ المُنْتَقَاةِ
ولا يُوقدُ النارُ في قَمَرٍ باردٍ
في سريرِكِ ,
لا تشعرينَ بهِ حينَ تبكينَ من هاجسٍ ,
رُبَّما بدلاٍ منه ,
لا تعرفين بماذا تُحسِّين حين تَضُمِّينَ
نَفسَكِ بين ذراعيكِ !
أَيَّ الليالي تريدين ؟ أَي الليالي ؟
وما لوْنُ تِلْكَ العيونِ التي تحلُمينَ
بها عندما تحلمين؟هُنْالكَ حُبٌّ فقيرٌ , ومن طرفين
يُقَلِّلُ من عَدَد اليائسين
ويرفَعُ عَرْشَ الحَمَام على الجانبين .
عليك , إِذاً، أَن تَقودي بنفسك
هذا الربيعَ السريعَ إلى مَنْ تُحبّينَ
أَيَّ زمانٍ تريدين ؟ أَيَّ زمان
لأُصبحَ شاعرَهُ , هكذا هكذا : كُلّما
مَضَتِ امرأةٌ في المساء إلى سرِّها
وَجَدَتْ شاعراً سائراً في هواجسها .
كُلَّما غاص في نفسه شاعرٌ
وَجَدَ امرأةً تتعرَّى أمام قصيدتِهِ ..أَيّ منفىً تريدينَ ؟
هل تذهبين معي، أَمْ تسيرين وَحْدَكِ
في اسْمك منفىً يُكَلَّلُ منفّى
بلألالئهِ ؟ هُنالِكَ حُبٌّ يَمُرُّ بنا ,
دون أَن نَنْتَبهْ ,
فلا هُوَ يَدْري ولا نحن نَدْري
لماذا تُشرِّدُنا وردةٌ في جدارٍ قديم
وتبكي فتاةٌ على مَوْقف الباص ,
تَقْضِمُ تُفَّاحةً ثم تبكي وتضحَكُ :
” لا شيءَ , لا شيءَ أكثر
من نَحْلَةٍ عَبَرتْ في دمي ..هُنَالكَ حُبٌّ فقيرٌ , يُطيلُ
التأَمُّلَ في العابرين , ويختارُ
أَصغَرَهُمْ قمراً : أَنتَ في حاجةٍ
لسماءٍ أَقلَّ ارتفاعاً ,
فكن صاحبي تَتَّسعْ
لأَنانيَّةُ اثنين لا يعرفان
لمن يُهْدِيانِ زُهُورَهُما ..
ربَّما كان يَقْصِدُني , رُبَّما
كان يقصدُنا دون أَن نَنْتَبهْ
هُنَالِكَ حُبّ … سوناتا [II]
لعلَّكِ حين تديرن ظلَّكِ للنهر لا تطلبين
من النهر غيرَ الغموض. هناكَ خريفٌ قليلْ
يرشُّ على ذكر الأيّلِ الماءَ من غيمةٍ شاردةْ
هناك، على ما تركتِ لنا من فتاتِ الرحيلْ غموضُك دربُ الحليب. غبارُ كواكبَ لا اسم لها
وليلٌ غموضُكِ في لؤلؤ لا يضيءُ سوى الماء،
أما الكلامُ فمن شأنه أن يضيء بمفردةٍ واحدةْ
”أحبكِ” ليلَ المهاجر بين معلَّقتين وصفيْ نخيلْ
أنا من رأى غدهُ إذْ رآكِ. أنا من رأى
أناجيلَ يكتبها الوثنيُّ الأخيرُ على سفح جلعادَ
قبل البلاد القديمة أو بعدها. وأنا الغيمةُ العائدةْ
إلى تينةٍ تحملُ اسمي، كما يحمل السيفُ وجهَ القتيلْ لعلّكِ حين تُديرين ظلَّك لي، تمنحين المجاز
وقائعَ معنىً لما سوف يحدث عمَّا قليلْ… درس من كاما سوطرا
بكأس الشراب المرصَّع باللازرودِ
انتظرها،
على بركة الماء حول المساء وزهر الكولونيا
انتظرها،
بصبر الحصان المعدّ لمنحدرات الجبالِ
انتظرها،
بذوق الأمير الرفيع البديع
انتظرها،
بسبع وسائد محشوة بالسحاب الخفيف
انتظرها،
بنار البخور النسائي ملء المكان
انتظرها،
برائحة الصندل الذكرية حول ظهور الخيول
انتظرها،
ولا تتعجَّل فإن أقبلت بعد موعدها
فانتظرها،
وإن أقبلت قبل موعدها
فانتظرها،
ولا تُجفل الطير فوق جدائلها
وانتظرها،
لتجلس مرتاحة ًكالحديقة في أوج زينتها
وانتظرها،
لكي تتنفَّس هذا الهواء الغريب على قلبها
وانتظرها،
لترفع عن ساقها ثوبها غيمةً غيمةً
وانتظرها،
وخذها إلى شرفة لترى قمراً غارقاً في الحليب
انتظرها،
وقدِّم لها الماء، قبل النبيذ، ولا
تتطلَّع إلى توأمي حجلٍ نائمين على صدرها
وانتظرها،
ومُسَّّ على مهل يدها عندما
تضع الكأس فوق الرخام
كأنَّك تحمل عنها الندى
وانتظرها،
تحدَّث إليها كما يتحدَّث نايٌ
إلى وتر ٍخائفٍ في الكمان
كـأنكما شاهدان على ما يعدُّ غدٌ لكما
وانتظرها
ولمّع لها ليلها خاتماً خاتماً
وانتظرها
إلى أن يقول لك الليل:
لم يبق غيركما في الوجود
فخذها، برفقٍ، إلى موتك المشتهى
وانتظرها!…سوناتا [v]
أمسُّكِ مسَّ الكمان الوحيد ضواحي المكان البعيد
على مهلٍ يطلب النهرُ حصته من رذاذ المطرْ
ويدنو، رويداً رويداً غدٌ عابرٌ في القصيد
فأحملُ ارض البعيد وتحملني في طريق السفرْ على فرسٍ من خصالك تنسجُ روحي
سماء طبيعية من ظلالك، شرنقةً شرنقةْ
أنا ابن فعالك في الأرض، وابنُ جروحي
وقد أشعلت وحدها جلَّنارَ بساتينك المغلقة من الياسمين يسيل دمُ الليل أبيضَ .عطركِ
ضعفي وسرُّكِ، يتبعني مثل لدغة أفعى. وشعركِ
خيمةُ ريحٍ خريفيِّة اللون. أمشي أنا والكلامْ
إلى آخر الكلمات التي قالها بدويٌّ لزوجي حمام أجسُّكِ جسَّ الكمان حريرَ الزمان البعيدْ
وينبت حولي وحولك عشبُ مكانٍ قديمٍ _ جديدْسوناتا [VI]
صنوبرةٌ في يمينك. صفصافةُ في شمالك. هذا
هو الصيفِ: إحدى غزالاتك المائةِ استسلمت للندى
ونامت على كتفي، قرب إحدى جهاتك، ماذا
لو انتبه الذئبُ، واحترقتْ غابةٌ في المدى نعاسك أقوى من الخوف. بريةٌ في جمالكِ
تغفو، ويصحو ليحرس أشجارَها قمرٌ من ظلالك
ما اسم المكان الذي وشمتهُ خُطاكِ على الأرض
أرضاً سماوية لسلام العصافير، قرب الصدى؟ وأقوى من السيف نومك بين ذراعيك منسابتين
كنهرين في جنة الحالمينَ بما تصنعينَ على الجانبين
بنفسكِ محمولةً فوق نفسك. قد يحمل الذئبُ ناياً
ويبكي على ضفة النهر: ما لم يؤنَّثْ… سُدى قليلٌ من الضعف في الاستعارة يكفي غدا
لينضج توتُ السياج، وينكسرَ السيفُ تحت الندى
*نص: محمود درويش
-

محمود درويش في حضرة الغياب
الحُبُّ كالمعاني على قارعَةِ الطريق. لكنه كالشِّعرِ صعب، تعُوزُهُ الموهِبَةُ و المُكابَدةُ و الصوغُ الماهر ، لكثرةِ ما فيهِ من مراتب. لا يكفِي أن تحبّ – فذلك فِعلٌ منْ أفعال الطبيعة السحريّة ، كهطول المطرِ و اشتعالِ البرق، يأخذكَ منكَ إلى مدار الآخر لتتدبّر أمركَ بِنفسِك. لا يكفِي أن تحبّ ، بل عليكَ أن تعرف كيفَ تُحِبّ. فهل عرَفت؟ لم تستَطع الإجابة لأنّكَ لا تستطيع استعادة الرعشات التي هزَّتكَ و بعثَرَتْكَ على نزواتِ الليلك، و كَهْرَبَتْكَ و عَذَّبَتْكَ بمذاق العسل الحارق. و لا تستطيع استرجاع أكثر أطوار الموت عذوبةً و حياةً، حيثُ غَادَرَتْكَ « أنا » كَ إلى أنثاكَ لمُلاقاةِ نَفسك الطازجة فيها كالثمرة الناضجة.
تلك اللحظات، حين تَسْترجعها الكلمات ، عصيَّةٌ على رفع الجَسَد إلى مقام الروح. من منـَّا لم يقُل لأُنثاهُ : ” لا وُجُودَ لي إلاّ فيك ” و كُنا صادقين؟ . و كُنا صادقين أَيْضًا حين وَجدن وُجُودنا في قولٍ مُشابه وفي مكانٍ آخر. فهل عرفتَ كيفَ تُحبّ ؟ لم تستطع الإجابة، ربما لأنّكَ لم تتبيّن أحوال الحسِّ المُتنقل في الفوارق بين : الحبّ و العشق، و الوَلَع و الوَلَه، و الهوى و الجَوى، و الشَغَفِ و الدّنَفِ، و الهيَام و الغرَام، و الشَبَق و النزوة ، و الصبوة و الشهوة، و الإعجاب و الانجذاب . . . و غيرها من التباس الصفاتِ على الرغبات. لكلِّ مرتبةٍ حالٌ من أحوال الجَسَد، و لكلِّ حالٍ من أحوال الجسَدِ مرتبةٌ بينَ موتٍ و حياة . فلا تعرِف أينَ كُنت و كيفَ كُنت.لكنَّكَ الآن، إذ تشرف على حياتك إشراف البحّار على خيبته من أسرار البحر التي لا تُدْرك، و تسأل: أينَ مِينائِي؟ تحار من عودة قلبك سالمًا صلْبًا كحبَّةِ سَفَرْجل صعبة القضم. فلماذا بكيتَ إذًا لأنّ العذراء لم تكُن عذراء قرب الشجرة التي سَبَقَكَ إليها أَحَدُ مُرَوِّضِي الريح؟ و لماذا بكيت ثانيةً لأن الثانيةَ لم تفتح لكَ الباب، و أنتَ واقف في الزمهرير مُرتجفًا من الذل، لا من البرد الذي أوقَدَ مدفأتك؟ و لماذا بكيتَ مرَّةً ثالثةً، لأن الثالثة سافرت، دون أن تنتبه إلى أنك كُنت تعانق وسادة، لا جسدًا من حرير و ريش و نعام؟
لا حُبَّ – تقول – لأنّ لا حُبَّ يشبهُ حبًا، و لا تعريف لقوةِ الجاذبية التي تخلع الكائنَ من كيانه، فلا يسأل عن ذاته و قد اغتربت، و عن حريّته و قد اقتربت من عبوديّة مختارة: أنا لك. بخصلةِ شعرٍ طائشةٍ في الريح تنتقل الجبال من أمكنتها. و بشفتين مفتوحتين تنضجُ بساتينُ الكرز في غيرِ أوانها. و بكلمة لا معنى لها يُنصِّبك التأويلُ ملكًا على عرشِ الهباء.
و أنتَ، أنتَ الممسوس بتيَّارِ كهرباء تسير على غير هدى، على أثر ما يتساقط من أوراقك، تدور بك العاصفة و العاطفة، و تدور بهما، و لا تدري إن كنت حزينًا أم فرحًا لأن الالتباس الذي أنت فيه هو الإحساس بخفَّة الأرض و بغلبة القلب على المعرفة. و ستدرك فيما بعد أن الحب، حُبَّك، هو أوَّلـُه. في أوَّل الحب، تكون معدًّا، كآلة موسيقية، لإطاعة الهواء في ما يملي عليكَ من تأليف: كل نسمة نغمة، و كل سكون صلاةُ شكر. و تكون مُعَدًّا أَيضًا لاستطلاع ليليّ لكُلّ نأمة تفدُ إليك من ديار النجمة. فأَطِلْ هذا الأوَّل، أوَّل الحب ، ليمتثل لك الخيال امتثال الفرَس للفارِس، و لتغزوكَ اللغة و تغزوها كرجل و امرأة يتسابقان على استضافة المجهول بكرم الطاعة المتبادلة.
في أول الحبِّ تنهمرُ عليكَ المطالعُ، زرقاءَ زرقاءَ. و في أوج الحب تحياه، و ينساكَ و تنساهُ و يُنْسيكَ المطالع. و في آخر الحب تطيلُ النظر إلى الساعة. و في الغياب تعثر المطالع على المواجع المترسبة في خُلوّ الغرفة من كأس النبيذ الثانية، و من شال أزرق، فتمتلىء القصيدة بما ينقصها. و حين تكملها بنقصانٍ مفتوح على أخرى، تبرأ من ذكرى و من ندم و لا يصدأُ فيك الذهب. كأن الكتابة، كالحب، بنتُ السحابة إن أمْسَكْتَ بها ذابَت. و كأنَّ العبارة لا تتحفّز إلاَّ لتعويض خسارة. فتتجلّى صورة الحب هناك: في غياب كثيف الحضور.
و حين تخرج من نفسِك، كأنَّكَ أنتَ، و تنظر إليكَ من بعيد كأنك هُوَ: واقفًا تحت المطر، على شارعٍ مُزدَحِم بالمارّة، و في يدك باقة ورد أحمر، لا تشعر بالبرد ، بل بسخريةٍ من وقفتك الزائغة. و تتساءَل: هل كان حُبًّا أم شهوة، هل كانَ عشقًا أم شبقًا؟ و تنسى شعورك . . . تنساهُ و لا تبحثُ عنه، فلا تتألم و لا تندم، بل تكتفي بالسلام عليهِ، عن بُعد، و هو ينتقل إلى ذكرى بعيدة لا تُؤَرِّق، ذكرى تتحكَّم بها كما تتحكَّم بجهاز الفيديو: تَضَعُ النهايَةَ في البداية، أو تثبّتُ الصورةُ على ضروراتِ القلب المُتقَلِّب.
و تضحك خجلاً من كلامٍ تمادى في مديح الشبق حتى احترق: يبدأ من القدمين المنحوتتين بقطعة شمس، فإلى أعلى يلمع البرق من ساقين مسكوبتينِ بقلق المهارات، فأعلى إلى الرُكْبَتَيْن المُصنَّفتَينْ كمُعجِزَتَيْن، فإلى أعلى: البطنُ – الموجُ في حالة جَزْر، فأعلى: يبدأُ الغروب تدريجيًا بامتصاصك بنَهَمٍ نبيلٍ خَفِر ، فتُقْبِل و تُدْبِرُ و تعلو و تهبط و تعرق و تشهق و تغرق في ليلٍ ساخن العتمة فاتنْ. يداكَ أو يداها – لا تدري – تلمّانك و تحملانك كنسرٍ أغمي عليهِ في فضاء يدلف كواكب . . . فتنظر إلى العينين نصف المفتوحتين على عينين نصف مُغمضَتين، ليتأكد كل منكما أنه ينبُتُ في الآخر.
لكن أحدًا لا يسكُنُ الذروة، تسقطانِ دُفعةً واحدةً من أعلى سماء إلى نُعاسٍ مُبلّل بالرذاذ. تهمِسان بصمتٍ واحد، بلا شيءٍ أوضحَ من أيِّ شيء. و تحلمان معًا، و على حدة، بأن يستمر هذا العناق إلى الأبد، إلى أن يتضح بكما أن لهذا الأبد عمرًا قصير الأمد، و أن الأبدية لا تنصاع إلى أحد، فهي كثيرة التداول و الانتقال من لحظة إلى أخرى ، و من حالةٍ إلى سِواها.
و أنتَ الذي لا تعرف الحب إلاّ عندما تحبّ، لا تسأل ما هو ولا تبحث عنه. لكن امرأة سألتك إن كنت تحب الحب لذاته، فتمَلّصت و تخلصت من حيرة الجواب، و قلت: أُحِبُّكِ أنتِ. فألحّتْ: ألا تُحِبُّ الحُب، فقُلت: أحبكِ أنتِ لذاتك، فانصرفتْ عنكَ لأنك لا تُؤتمَنُ غيابها. ليسَ الحُبُّ فكرة. إنه عاطفةٌ تسخن و تبرد و تأتي و تذهب. عاطفة تتجسَّد في شكل و قوام، و لهُ خمسُ حواسّ و أكثر. يطلع علينا أحيانًا في شكل ملاكٍ ذي أجنحة خفيفة قادرة على اقتلاعنا من الأرض. و يجتاحُنا أحيانًا في شكل ثور يطرحنا أرضًا و ينصرف. و يهبُّ أحيانًا أخرى في شكل عاصفةٍ نتعرَّف إليها من آثارها المُدمرة. و ينزل علينا أحيانًا في شكل ندى ليليّ حين تحلب يدٌ سحريَّةٌ غيمةً شاردة.
لكن هذه الأشكال كُلّها تجتمع في امرأة، حسية مرئية، ملموسة محسوسة، لا في فكرة. فنحبُّ الشكل الجاذب، و ينكبُّ الخيالُ على تفحُّصِ مافيهِ من غموض و غرائب. أما الأرواح فتتعارف و تتآلف حول الشكل المتلألىءبالجوهر. و قد تختلف على تأويل ما يقولُ الجسَدِ للجَسَد، فتنصرف إلى شفافية أخرى و تحلّ في أجسادٍ أكثرُ امتلاءً بالماءِ و التناغم و الموسيقى. ألحبّ هو المـُتحَوِّلُ المُتَنَقـِّلُ العصيُّ على الهوية. هو الانخطاف الذي يلتبس فيهِ الشغف مع الإشراق. هو ما لا تعرف و تعرف أنكَ لا تعرف. هو اكتمالُ المعنى باللامعنى من فرط جنوحِهِ إلى المجانية و تبذير الحضُور. و هو نقيضُ التكرار و الإلحاح على إصلاح الهواء و اللون، و إلاّ صار زواجًا تحلُّ فِيهِ صِيانَةُ الكلامِ من الزلل محلَّ الارتجال الضروريِّ لشعرٍ لا يقُومُ الحُبُّ إلا عَلَيه، فلا يصلُحُ نثرَ التدبيرِ المنزليّ لإبقاء إجاصتينِ طازجتينِ على طبق المرمر، و لتحرِيضِ المجهول على إغلاق الطريقِ أمامَ المعلوم. لابُد من سرّ، لابد من سرّ دائِم، ليبقى الحب مُفاجأة و هدية، فلا تفتح خزانة ثيابها الملأى بأسرار طباعها !
و إن خمد الشغف ابتعد الحب، رويدًا رويدًا، إلى نهار الصداقة. و تقول لها: ما أجمل الصداقة حين نشيخُ معًا، و أتـَّكِىء عليكِ و تتَّكِئِينَ عليَّ، و أرحمك و ترحمينني في دار العجزة حيثُ لا نقوى على التذكُّر. لكني أوثر أن أعتمد على عكازي، لا عليكِ. و لا أريدُ أن أرى روميو و جولييت، و لا قيسًا و ليلى، أمامي في أرذل العمر. للحبِّ تاريخُ انتهاء، كما للُمرِ و كما للمُعلَّبات و الأدوية. لكني أُفضَّل سقوط الحب، بسكتة قلبية، في أوج الشبق و الشغف، كما يسقط حصان من حبل إلى هاوية.
سألتُكَ: مَنْ هِيَ، فقُلتَ: لا أعرِفُها من فرطِ تعَدُّدِها في واحدة. هي و لا هي. هي و هُنَّ إذا ما اجتمعن في قصيدة حب كتيرةُ المصادر، تتوزَّعها ضروراتُ البحثِ عن تحقق ما لا يتحقق ، و عن نداء يغمرنا دون أن ندرك أنه لم يصل، و عن تجدُّد العطش أمامَ النبع. هي و لا هي إن حضرت و إن غابت، فكأنَّ حضُورَها غيابي فيها، و كأنّ غيابها حضُورُ التفاصيل. لكنها تنتشرُ بعدة أسماء، فلا أدري إن كانت هي هي، أم من نساء مخيلتي و رغباتي المُتبَدَّلَة. لذلك يبدو أنها اختراع، لأني لا أخطىء بالأسماء، فلا أنادي غيرَها باسمها الذي نسيته من قلة الاستعمال.
و سألتُكَ: لَمْ تَعرِفْ، إذًا، كيف تُحبّ ؟ فأدهَشَنِي قَولُكَ: ما الحُبٌّ؟ كأنني لم أحبّ إلا عندما كان يُخيّل لي أنني أحبّ . . . كأن تخطفني من نافذة قطارٍ تلويحةُ يد، ربما لم تكُن مُرسلةٌ إليّ، فأوَّلتها و قبَّلتُها عن بُعد . . . و كأنْ أرى على مدخل دار السينما فتاةً تنتظرُ أحَدًا، فأتخيَّل أني ذاك الأحد، و أختار مقعدِي إلى جِوارِها، و أراني و أراها على الشاشة في مشهد عاطفيّ ، ولا يعنيني أن أفرَح أو أحزن من نهاية الفيلم. فأنا أبحث في ما بعد النهاية عنها. و لا أجدها إلى جواري منذ أنزلت الستارة.
و سألتُكَ: هل كُنتَ تُمثـِّل يا صاحِبِي؟
قُلتَ لي: كُنتُ أخترعُ الحب عند الضرورة / حِينَ أسيرُ وحيدًا على ضفة النهر / أو كلما ارتفَعَتْ نسبةُ الملحِ في جَسَدِي كنتُ أختَرِعُ النهر . . .
-
محمود درويش: طائران غريبان في ريشنا
سمائِي رمادِيّة . حُكَّ ظهرِي . وَ فُكَّ
على مهلٍ ، يا غرِيبُ ، جدَائِلَ شعرِي. وَ قُلْ
لِيَ في مَ تُفكِّرُ. قُل لِيَ ما مَرَّ
فِي بالِ يُوسُفَ. قُل لِيَ بَعضَ الكلام
البَسِيط . . الكلامِ الذِي تشتَهِي امرأةٌ
أن يُقالُ لها دائِمًا . لا أُرِيدُ العبارةَ
كامِلَةً . أكتَفِي بالإشارَةِ تنثُرُنِي في مَهَبِّ
الفراشَاتِ بينَ اليَنابيع و الشمس. قُل لِيَ
إنِّي ضرُوريّةٌ لَكَ كالنوم ، لا لامتِلاءِ
الطبيعَةِ بالماءِ حَولِي و حولك. و أبسُطْ
عليَّ جناحًا من الأزرق اللانِهائِيِّ . . .إنَّ سمائِي رمادِيّةٌ ،
و رمادِيَّةٌ مثلَ لوحِ الكِتابَة ، قبل
الكِتابَة. فاكتُبْ عليها بِحِبرِ دَمِي أيَّ
شيءٍ يُغيِّرُها : لفظةً . . . لفظتَينِ بلا
هدَفٍِ مُسرِفٍ في المَجاز. و قُل إنَّنا
طائِرانِ غرِيبانِ في أرضِ مِصرَ و فِي
الشام.
قُل إنَّنا طائِرانِ غريبانِ فِي
ريشِنا. و اكتُب اسميَ و اسمَكَ تحت
العبارةِ. ما الساعةُ الآن ؟ ما لونُ
وجهِي وَ وجهك فوق المرايا الجديدةِ ؟
ما عُدتُ أملِكُ شيئًا ليُشبِهَنِي. هل
أحَبَّتكَ سَيِّدَةُ الماءِ أكثر؟ هل راوَدَتْكَ
على صخرةِ البَحرِ عن نَفسِِكَ ، اعْتَرِفِ
الآن أنَّكَ مَدَّدتَ تِيهَكَ عشرينَ عامًا
لتبقى أَسِيرَ يديها. و قُل ليَ فِي مَ
تُفَكِّرُ حِينَ تصيرُ السماءُ رماديّة اللون . . .
إنَّ سمائِي رمَادِيّةٌ
صرتُ أُشبِهُ ما لَيسَ يُشبِهُنِي .
هل تُريدُ الرُّجُوعَ إلى ليلِ منفاك
في شَعْرِ حورِيّةٍ ؟ أم تُريدُ الرُّجوعَ
إلى تِينِ بيتِك. لا عَسَلٌ جارحٌ للغريب
هنا أو هُناك. فما الساعةُ الآن ؟
ما اسمُ المكانَ الذِي نحنُ فِيه. و ما
الفرقُ بينَ سمائِي و أرضِك. قُل لِيَ
ما قالَ آدمُ في سِرِّهِ . هل تَحَرّرَ
حِينَ تَذَكّرَ. قُل أيَّ شيءٍ يُغَيِّرُ لون
السماءِ الرّمادِيِّ. قُلْ لِيَ بعضَ الكلام
البَسِيط، الكلام الذي تشتهِي امرأةُ
أن يُقالَ لها بينَ حِينٍ و آخَرَ . قُلْ
إنَّ فِي وسع شخصين، مثلِي و مثلك،
أن يَحمِلا كل هذا التشابُه بينَ الضباب
و بينَ السراب ، و أن يَرجِعا سَالِمَيْن. سمائِي
رماديَّةٌ ، فبماذا تُفكِّرُ حِينَ تَكُونُ السماءُ
رماديَّةً ؟من ديوان: سرير الغريبة – محمود درويش
-
من رواية “عراقي في باريس” صموئيل شمعون
كانت رائحةُُ الجصِّ لا تزالُ تنبَعِثُ من الجُدران، رُغمَ مُضيّ شهرَينِ على ترميمِ البيتِ من آثَارِ الحرِيق. و كانت أُمي تغسِلُ رُوبن القابع في الطشت ، و لما فرَكَت جسَدَهُ بخشُونةٍ أبدى تذمُرهُ ” خجا خجا يمِّي خلابَخْ هاوِنْ ” *۱ فرَدَّت أمي غاضِبة ” ماذا أفعل يا مريم العذراءْ ، رُغمَ المصائِب التي تُلاحِقُنا فإنَّ أولادَ الأخرسِ الأطرش باتوا ينزعجون حتى من النظافة ” . ثمَّ راحت تنظُرُ ، بمزيجٍ من الحُزنِ و اليأس ، إلى الصور المُعلقة أمامها على الحائِط : صورةُ مريمُ العذراء و هي تحمِلُ الطفلُ النبي. صورةُ مار كوركيس ممتطيًا فرسهُ و رمحهُ الطويل مغروس في جسَدِ التنين. صورةٌ مُؤطرة بعنايةٍ لمار شمعون ، هذه الصورة التي لفتت انتباهي منذُ الصغر ، و ذاتَ يومٍ سألتُ شميران التي كانت ترقُص و تغني ” من يكُونُ هذا الرجُل ، يا أختِي ؟ ” فأجابتني دُونَ أن تنقطعَ عن رَقصِها و غِنائِها ” إنهُ الله ” . و مُذاك صرتُ كلما أسمعُ كلمة ” الله ” ترتَسِمُ أمامِي صورة الرجل الذِي يرتدِي ثيابًا سوداء ، و يدَهُ اليُمنى مُتكئةٌ على دكةٍ من المرمر ، و ابتِسامتهُ الكنسية شاردةٌ بينَ ثنايا ذقنهُ السوداء . ثمّ التفتت أمي إليَّ و كُنتُ ألاعِبُ أخِي الجديد ، جون ، و قالت:
” أنتَ ، ضع أخاكَ في فِراشِهِ و املأ الفريموس بالنفطِ و أنفخهُ بقوة “.
” نعم أمي ” أجبتُ و أنا أداعِبُ الطفل الذي ولَّدتهُ سكينة في مساءٍ ممطر منذُ ثلاثة أسابيع ، مساءئِذ هرع قرياقوس و جلبَ قنينتينِ من العَرَقْ ، فيما أعدّت شميران و فاطمة كمياتٌ كبيرةٌ من السمك المقليِّ بالزيت و الكارِي الهندِي . في تلكَ السهرة ، تساءَلَت أمي بما تُسمِّي المولود النائِم في سلةِ القَشّ ، إلى جِوارها. بعدَ صمتٍ طويل نظرت أمي إلى أبي : بلَّلت سبابتها اليُمنى بِلِسانِها ، ثمّ ضغطت بِسبابتها على جبينِ الرضِيع ( ماذا نُسمِّيه ؟ ) ، فأجاب أبي بأن هزَّ كَتِفيه مُبتسِمًا بِشيءٍ من الحياء ( لا أدري ) . جرعَ قرياقُوس كأسًا كبيرةً من العَرَق و قال ، و عينيهِ صارَتا حمراوَينِ تمامًا :
” جُـون ” .
” جُـون ؟ ” تساءَلَت أمي بصَوتٍ واهن .” أجل ، جون ، باسمِ الرَّجُلِ الذي بكَيته كثيرًا منذُ ثلاثِ سنوات ، و في مثل هذا الوقت بالضبط . هل نسيتِ جون كينيدِي يا أختي كرجية ؟ ” .
” أوه ، كيفَ أنسَى جُون كينيدِي ؟ ” قالت أمي ثمَّ ألقَت نظرة نحوَ الرضيع و أكملَت ” أجل ، جون ، إنهُ حقًا اسمٌ جميل. شكرًا يا أخي قرياقُوس ” .
على أنّ قرياقوس قال لي بعدها بيوم، و كنا جالسَين في غرفةِ السينما ” أرأيتَ كيف ضحكتُ على أُمِّكَ و أسمَيتُ أخاكَ الصغِير باسمِ صدِيقنا جون فورد . فقُلتُ له ” و لكننا نُحِب جون كينيدي أيضًا ” . ” طبعًا ، طبعًا ” قال قرياقوس و أضاف ” و لكن يجب أن لا تنسى جويي ، نحنُ سينمائيُون و جون فُورد أقربُ إلينا من جون كينيدِي “.وضعتُ جون في فِراشِه ، و رُحتُ أملأُ الفريموس و أنفُخَهُ ، فعادَت أمي تصرُخ ( أصبحت عصبيةً منذُ الحريق ) . ” انزع ثيابَكَ و حضِّر نَفسَك ” . خافيًا أعضائِي بِيَدِي ، شرّعتُ أزيحُ ثيابِي ببُطء و أنا أنظُرُ إلى العذراءِ و النبي الصغير ، اللذين كانا ينظُرانِ إليّ.
” يام، الله يخليك لنُحول الطشت إلى الغرفةِ الأخرى ” .
سحَبَتنِي من يدي نحوَ الطشت مُبتَسِمَة كأنها فَهِمَت مغزى كلامِي . صبَّت الماءَ على رأسِي و راحت تدعك جسَدِي و تقول ” عندما تكبُرُون أتمنى أن تعرِفُوا العيب. و لكن يا حسرَة ، من يَضمَن لِي أنكُم ستكونونَ إلى جانبِي في ذلكَ الوَقتْ . كلكم تُريدونَ السفر. أنت ، قِرياقُوس أدخل في رأسِكَ هوليوود . شمشون يريدُ السفر إلى أستراليا بعد أن ينهي الجندية . تيدي إلى ديترويت كما فعلَت ابنة يوشيا . و حتى روبن الصغير صارَ يتحدث عن الطيران. أما أبوكم فحدثوا و لا حرَج. آخ ، لو أنهُ عرف الطريق ، لكان منذُ زمنٍ بعيد قد ألقى بي في الشارع و التحقَ بالإنكليز ” .
” لكن قرياقوس ، قال لي إنّ أبي رفَضَ الذهاب مع الإنكليز ” قلتُ بِلهجَةٍ مُدافِعَة .
” قُم و قِف على قَدَمَيك ، رائِحةُ الجيفة طالعةٌ من أجسادِكُم و مع ذلك تهرُبُونَ من الاستحمام ” . قالت أمي و أضافَتْ ” قرياقوس مسكِينْ ، يقُولُ ما يريد ، لو أنّ أباكَ فقط شمَّ رغبة الانكليز بأخذه ، لذَهَبَ إلى ” انكلاند ” على قَدَمَيه. لقد ضَحِكوا عليهِ بعُلبَةِ سجائر لا تُساوِي شيئًا . . اللهُ أعلم رُبما يأخذها البقالُ شاكر الهندي مُقابل كيلوين ِ من التفاحْ ” .
” أنا لا أُحِبُّ التفاح ، يامْ “
” إنهُ مِثال ، ابني . التفاحُ و البَصَلُ و فِضَّةُ الإنكليز لها نفسُ القِيمَة ” .
” من زمان ، كانَ هُناكَ دبّ آشوري يعِيشُ في حبل ِقريب من إحدى قُرى نينوى . و في شهر تشرين الأول تصعدُ الفلاحات إلى المُرتفعات المحيطة بالجبل لقطفِ الجَوز . كان الدُبّ يُراقبُهُنَّ كُلَّ يوم ، و بمرُورِ الأيام أعجَبَتهُ فلاحة آشورية اسمها نازيه ، سمراء ، طويلة مثل شعرها الأحمَرْ ، عيناها خضراوان و شفتاها وَردِيَّتان . كانت حقًا جميلة ، و قد ظلَّ الدب ليالٍ طويلة مُفكِّرًا بِجمالِ نازيه . كان يشعُرُ بالفَرَحِ كُلّما رآها تقطِفُ الجَوزْ ، تمشِي بينَ الأشجارِ و تُغنِّي . كانَ يخفِي نفسَهُ و يَستَمِع إلى صوتها العّذبْ :سوفَ أنتَظِرُكَ يا حبيبي ،
لا تُصَدِّق ما بقُولُون ،
أنا لَك .
إنني أنتَظِرُكْ .ذاتَ يومٍ لاحظَ الدُب أنَّ نازيه لم تعُد تخرُج مع بقيةِ الفلاحاتِ رُغمَ أنَّ كُرات الجوزِ ما زالت تملأ الأشجار . ظلّ ينتظر و ينتظر حتى سَمِعَ ذاتَ مساءٍ أصواتَ طُبُولٍ و مزامِير ، فخَرَجَ من مغارَتِهِ و ألقى نظرةً نحْوَ الوادِي ، فرأى مئات الفوانيس مُشتعلة في أرجاءِ القريَة ، و الناسُ يرقُصُونَ و يَشرَبُونَ الخَمرَ و هُم فَرِحُون . في البِدء اعتَقَدَ الدب المِسكين أنّ القرويين يحتفِلُونَ بـ ” عِيدِ الصليب ” ، لكنه ، و بعدَ تفكِير تذكَّرَ أنهُ شارَكَ هؤلاْ القرويين و هو في الجَبَل ، احتفالاتهم بعِيدِ الصليب الذي يُوافق يوم ۱٤ أيلول من كل عام حتى أنهُ أفرط في الشُرب و لم يذهب إلى الصيد في اليومِ التالِي ، بل ظلَّ يُردد أغنيَةَ نازيه المُفضَّلة :
سوفَ أنتَظِرُكَ يا حبيبي ،
لا تُصَدِّق ما بقُولُون ،
أنا لَك .
إنني أنتَظِرُكْ .لقَد حَزنَ الدب أيما حُزن عندما علم أن الناس إنما كانت تحتفل بزواجِ نازيه من أويقم ابن طبيبِ القرية . ارتدى الدب أجمل ثيابه و وضعَ ربطة عُنُقٍ حمراء ، مشّطَ شعرَهُ إلى الوراء تامًا كما يفعَلُ قرياقوس و نزلَ إلى القرية . مشى بينَ الناس ، شرب كأسًا واحدةً من النبيذ الأحمر ، ثُمَّ دخَل خلسةً إلى غرفة نازيه التي كانت تُمشط شعرها الأحمر الطويل ، وضعها في سجادة كبيرةٍ و حمَلها إلى الجَبَل .
عاشت نازيه مع الدب أكثر من سنة ، حتى أنجبَت لهُ طفلةً صغيرةً ، نصفُها العُلوِيُّ يُشبِهُ نازيه ، و النصفُ السُفلي يُشبِهُ الدُبّ . كان الدب كلما خرَجَ إلى الصيد يضَعُ صخرةً كبيرةً على بابِ المغارة ، و لكنهُ بعدَ فترةٍ أصبَحَ أكثر حنانًا ، فقَرَّرَ أن يترُكَ بابَ المغارة مفتوحًا.
ذاتَ غروب عاد من الصيد و هو يغني و يُصفر فرحًا حاملاً على كتِفَيهِ غزالتَين / ما إن اقتَرَبَ من مغارَتِهِ حتى سَمِعَ بُكاءَ طِفلَتِهِ فحدسَ أنَّ نازيه قد فرَّت نَحْوَ القَريَة . حمَلَ الطفلة الباكية و راحَ يبكِي هو أيضًا . ظلَّ الدُبّ ينظُرُ صوبَ الوادِي و يصرُخُ بأعلى صوته :
نازيه ططا واق واق ، نازيه ططا واق واق ، نازيه ططا واق واق *۲
” و ماذا فعلَ الدب بعدَ ذلك ، يام ؟ ” سألَ رُوبن .
” ما زالَ يصرُخُ و يبكِي حتى الآن . خلاص نامـُوا ، الساعة تُقارب مُنتصف الليل ، ناموا بِسُرعة ” .
لكن أمي نامت قبلنا ، و بعد خمس دقائق أخذ شخيرها يتعالى ، يتقطع تارة و يأخذ منحى أوبراليًا تارة أخرى . لقد كانت موسيقا الأمان بالنسبة لنا . حينما كنا نستيقظ من كوابيسنا ، و نسمع شخير أمي الأوبرالِي ، كنا نعرف أن الدنيا بخير ، فنعود إلى نومنا .
كنا ننتظر إلى عيني أمنا المصوبتين نحو السقف ، و نصغِي إلى الأنغام الخارجة من فمها المفتوح . و رويدًا رويدًا ، تتعبُ أهدابنا و تنسَدِل ، تقطعُ عنـّا ضوء الفانوس و أنين أمي ، و نضِيع ، كُلٌّ في متاهاتِ أحلامه .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*۱ خجا خجا يمي ، خلابخ هاون : ” قليلاً قليلاً يا أمي ، فدوى لك. ” .
*۲ نازيه ططا واق واق : نازيه الطفل يُوقوق ( أي يبكِي ) . -
قصيدة عن الروح
سأكتب نصاً عن الروح…
– وهل تعرف الروحَ، أم تدّعي، أم تجدِّفُ يا صاحبي؟
– لستُ أدري،
و لكنني أتحسّسها في الفراشِ إلى جانبي
مثلما يتحسّس أعمى حبيبَته في الوداع
و مِنْ عجبٍ أنّها لا تفيق من الليلِ حين أفيق من الليل
و لا تتعرّى كتفّاحةٍ في خطيئة آدمَ حين أريدُ الولوجَ إليها
و لكنّها تتماهى مع الشبقِ المتصاعدِ من جنباتِ السريرِ النحاسيِّ
في خفَرٍ تتماهى
و تهمي على طينتي البشريةِ
مثلَ الرذاذِ الشتائيِّ
أو مثلَ أنفاسِ زوجةِ قلبي
إذا ما تسنّى لنا أن نعُبَّ من الجسدِ المتدفّقِ فينا
و أن نُغويَ الأخيلةْربما أعرف الروح، أو أدّعي، أو أجدّف يا صاحبي
و لكنّني أتأمّلها فكرةً وُلِدتْ في السديمِ
و مِنْ ضلعها نبتت زهرةُ اللّهِ
و انبثقت كلُّ كينونةٍ لم تكنْ
و تراءى لنا الماوراءُ خفيفًا شفيفًا
كأنْ لم يكنْ
فأوينا إلى قلبهِ
و امتزجنا بهِ
و توارتْ ملامحنا في السديملستُ أدري، و لكنها الروحُ
مرآتنا في التجلّي،
و رؤيتنا في الغيابِ
و فردوسنا..
في أعالي الكلامِ الذي لنْ يُقال———
* للشاعر سلمان الجربوع -

مختارات من دلال جازي
الحقيقة
الحقيقة هي كل ما يهمني
لكنها تتفلت ، وتلتوي ، وتتشكل
تختبئ ، وتتوارى ، وتدير ظهرها.أريد أن أقبض على الوعي في حالته الأولى
الرخوة الدبقة التي منها كان العالم ،
على الكلمة قبل أن تصبح معناها ، على المعنى قبل أن يصبح التباساته
أريد أن أمسك اليد التي هي يد.وأن أفهم …
***
التاسعة صباحًا
أشعر بقلبي وهو ينبض ،
شيئ يبعث على الغثيان ، قلت لصديق تخيل أنك تمسك بفأر في قبضتك
حركاته الصغيرة المنتفضة وهو يحتك براحة اليد محاولاً الهرب ثم أنت تحكم أصابعك حوله ولكن باشمئزاز
هكذا أشعر
– لن تموتي ، قالها وهو يضحك ، ليست هذه بوادر سكتة قلبية
ازداد الوضع سوءاً ،
هناك حدة واصفرار
سأذهب للطبيب بعد قليل ، أنا لا أريد أن أموت
على الأقل ليس في صباح كهذا
– وماذا ستقولين له ؟
سأقول : في صدري فأر ونصف ليمونة !
صديقي مازال يضحك.***
ماحدث لصرخة الغريق:
المقطع الأعلى منها، الذي جاهدت حنجرته في حشر الهواء من أجله
الهواء القليل الذي كان سيلزمه ربما لثلاث دقائق أخرى يبقى خلالها حياً
هذا المقطع الذي اضطره إلى مثل هذه التضحية ولم يصل
أصابته القداسة ، وصار يد الله في الماء
الشهقات الصغيرة المتتالية ، ابتلعتها سمكة ضخمة في الأعماق ،
فانتفخت وطفت على السطح في المكان ذاته الذي غرق فيه
لا يهزها الموج ولا تتلقفها شباك الصيادين
ظلت واقفة هناك مثل عين فضية مفتوحة على الأبد ، أو شاهدة قبر
غرغرته الأخيرة ، كانت مالحة جداً وزرقاء
راق للبحر كثيراً أنها تشبهه ، فأخذ يرفو بها معطفه وجواربه القديمة
هي تلك الخيوط الطويلة من الزبد
التي تلمس أقدامنا كلما مشينا على الشاطئ
وكأنها تستجدي قليلاً من الإنتباه.**
لا تثق
بالعصفور في اليد، ولا اليد
ولا في الشجرة، وما يحط عليها أو يتدلى منها.***
هذه هي القيامة
تغط في سبات عميق ،
إذا لم يكفوا عن إزعاجها بضجيج معداتهم وسياراتهم العابرة على حوافها
ستستيقظ ،
وعند تثاؤبها
أو عندما تفتح فمها لتقول ” مالذي تريد أن أفعله يارب ؟ ”
ستبتلع العالم.***
حياتي هي الكلب الذي أرمي له العظمة أبعد كي يتوارى ولو قليلاً
لكنه يصر على أن يتبعني ،
يمكنني أن أمشي في الشارع متظاهرة أنه لا يعنيني في شيء
هذا الكلب الضال والوقح
لكن لهاثه خلفي ونباحه المتكرر … يدفعني للجنون !***
يباغتني الألم ،
أرى على الحائط آثار طرق مسمار … فيشتد
ألتفت ألى الطاولة الجانبية فأجد قرطاً وحيداً ، أحدق في طرفه المدبب الذي يثقب الأذن .. فيشتد
أغمض عيني ، فتأتيني صارخة صورة الفلبينية في معرض العطور ، بشعرها الأحمر المستعار … فيشتدمنذ المساء وأنا أميل على الجانب الأيسر من جسدي ,
وكل الغرفة تميل ،
الكتب في زاوية وأفكارها وشخوص حكاياها وكلماتهم الأخيره في الزاوية المقابلة
اللوحة الزرقاء ، ماؤها يفيض ويصل إلى يدي.
النافذة تنفتح وتنغلق ببطء ،
أشيائي تتوهج بفعل الحمى وترتفع
هي تتراقص بخفة وتحيط بي
لكن الباب بعيد …
الباب لا يدخل في اللعبة.
***الأبواب المواربة !
المغلقة تنتظر الطرق أو أن تبحث في جيوبك لها عن مفتاح
المفتوحة ، تنتظر خطوة ،
لكن مالذي تريده تلك المواربة ؟
إنها مريبة ولئيمة جداً
مثل آخر يوم في هدنة
أو مثل وشاية.***
أنتِ بقميصك الفضفاض بدوتِ كمن يعتذرُ عن شيئ ما.
***
لو يطيل المكوث
خمس دقائق، هو كل ما تحتاجه الشجرة الجرداء من وقت
لكي تعتاد على ثقل العصفور على غصنها الذي يكاد ينكسر
خمس دقائق فقط
لتظن أنه ثمرتها
وأنها حية حقاً !***
تفاحة حمراء من البلاستيك ، موضوعة في طبق زجاج على الطاولة
بجواري ثلاثة عناقيد عنب ( بلاستيك أيضاً ) وكرة ليست برتقال ولا يقطين
شيء مشبوه وغير معرف ،
على وجهي آثار ثلاثة أسنان أمامية لطفل
ظن أني صالحة للأكل ، وكدمة على هيئة انبعاج بسيط للداخل عندما رمتني يد مرة للجدار
ولو فكرت في الارتداد حينها برشاقة
لربما تغير مستقبلي وأصبحت كرة.
وبرغم هذه التشويهات تبقيني السيدة دائماً في الصحن
لأني حمراء ودائمة اللمعان
لا أخشى الدود الذي ينخر كل ما هو حي ،
ولا شأن لي بتوقعات الصبية الذين يرمون الشجر بالحجارة لكي تسقط التفاحات المتعلقة في الأغصان العلوية ، أو يقفون في انتظار القريبة التي تتدلى ،تفاحة حمراء من البلاستيك ،
لدي من الخفة ما كان سيمنع رأس نيوتن من التفكير في نظريات هامة لو أنني سقطت عليه
ولست مسئولة ، لست مسئولة أبداً … عن غضب الله من أحد.***
أكره الجسر.
مالذي يهمه، لو أن ضفتين لن تلتقيا أبداً؟
أنا لا أفهمه!***
كان الأرنب طوال هذا الوقت في القبعة ،
هادئاً ، منقبضاً على نفسه في كرة من فرو لا تمس حوافها
أصابع الساحر وهو يشير إلى الجمهور ، ولا تنزلق في العتمة.
كان الأرنب طوال هذا الوقت في القبعة ،
وليس على أحد أن يشرح لنا ، كيف تمكن من البقاء هناك
لا من قام بالخدعة ، ولا من صفق طويلاً بعد انتهاء العرض.
كان الأرنب طوال هذا الوقت في القبعة ،
يتنفس ببطء الهواء المحبوس بين قوائمه والمخمل
ويرفع في الوقت المناسب أذنه اليمنى ليستمع إلى إشارة البدء.كان الأرنب طوال هذا الوقت في القبعة !
ولأنك تفهم هذا الآن ،
تفهمه متأخراً …
ستخبأ الكثير من الجزر في جيبك
وتظن أنك في كل مرة تخرج واحدة منها ،
ستتساقط الرؤوس أمامك وتقفز
كلما أردت أن تعرف الحقيقة.***
منذ سنوات وأنت تصرخ ،
هذه الأرض مرتفعة وأنا أقف على الحافة !
وكان بإمكانك أن تمشي للوراء خطوتين
حيث تتشكل تلال ووديان من أفكار طيبة ومريحة.
أو كان بإمكانك ببساطة
أن تكون جديراً بيأسك
وتسقط.مالذي تنتظره ؟
***
بالغثيان الذي ينتابني ،
أشعر أنه تسري في عروقي مادة بيضاء
لمف أو هلام ، أطرافي تترقق إلى خيوط
والخيوط إلى دخان
جسدي يباغتني وينسحب من أكمام القميص إلى أعلى
الأرض لا تدور ،
يدوّخني السكون.
كل الأسطح جامدة ولا تعكس شيئاً
أنا وحدي أصعد
وفي منتصف المسافة سأتدلى مثل بندول ساعة حائط.
وعلي لكي أنزل
أن أتقيأ الإرتفاع ، اهتزازتي إلى اليمين واليسار
وكل الدقائق التي سبقت تمام الثانية عشرة.***
لو أن الهاتف يرن ،
ستكون ممتناً ، ممتناً جداً ، لهذا الأحد الذي خطرت على باله في هذه اللحظة
لو أن أمك تناديك فجأة
أو أن إخوتك كسروا لعبة أو رموا بكرة أمام بابك ،
لو أن صوتاً غير مفهوم المصدر ، يشبه ارتطام سيارة بأخرى أو انفجار خزان دفعك لكي تهب على قدميك وتتحرك بضع خطوات نحو النافذة
لو شغلك شيئ ، أي شيء
أو أنك تنام ، تنام حقا
لأنقذك الله من الفكرة التي أتتك الآن على هيئة مخلب قط أو قرن شيطان !
***يوجعني الهواء ،
يوجعني احتكاك الصحون ببعضها
عندما تلقى في المغسلة ،
يوجعني مذياع أمي
الدوائر الحمراء في الرزنامة
حشوة الفلين في الطرد الذي يسلمه عامل الدي اتش ال
يوجعني الممر الضيق من المدخل إلى غرفتي
حواف غطاء السرير ، وارتفاعه المريب عن الأرض
الستائر الطويلة ، لأنها طويلة
خفة أخي في القفز عن السلم
ثلاث درجات أخرى … توجعني
يوجعني مربع الرخام المنزوي بجانب خزانة الكتب
والذي يلقي عليه الباب نصف دائرة ظل كلما انفتح
يوجعني لأنه كان يمكنه أن يكون عتبة !
توجعني العتبة لأنه كان يمكنها أن تكون خطوة.أثر ثقب الإبرة على الجلد : أبدية زرقاء
وكوب الشاي بالبابونج له مذاق جريدة.
***
قطعة الصخر التي كانت أصابعي تقبض عليها بشدة ،
الصلدة ، المتماسكة ، والتي في حجم راحة اليد تماماً
هي في الحقيقة فراشة
طارت بخفة بمجرد أن ارتخت قبضتي قليلاً.***
ليست هذه جثث ،
إنها ما علق بالحبل من أنفاس ووصايا
شنقت السماء فتدلت شجرة
شنقت امرأة فتدلت كراسي خالية كثيرة.***
هذه هي الغيبوبة :
جسد على سرير أبيض
يتدلى مثل فاصلة
وروح عالقة في مكان ما.***
اقذف قطعة نقود , اقذف أي شيء معدني له رنين
في الفراغ الأسود الذي تقف بذهول أمامه
أصغِ جيداً … إن لم تسمع صدى
فإما أنه عميق جداً ، أو زائف !
تريد أن تكتشف حقاً ؟ضع قدميك على الحافة , تأمل في سقوطك
واقفز.***
لأنه قناع ،
لن يخدعني بحزنه ،
هذا الوجه وإن جف وتقشر … يمكن طلاؤه من جديد :لا تغادر حفلتك التنكرية بعد
مازال هناك من يعزف الموسيقى.***
لكن هل يرتدي كل منا ظله حين يحل الظلام ؟
أظن أن الظل ينتزع نفسه منا , ليتحد بظلال الآخرين ويصبح عتمة كبيره
الليل إذن : ظلال الآخرين مجتمعة
هذه الحياة المبالغ في إضائتها , تحرم ظلالنا من الذهاب إلى حفلتها التنكرية
الظل وحيد , يقضي يومه كله في ركن منعزل ونائي.
الجسد والظل يواجهان نفس المصير
والنتيجة ( وحده كونية عظمى )***
الوسادة الصغيرة المتكأة على الأريكة
والفقد برائحة المشمش ,
والضوء !
هذا هو الخريف , عندما ينسى الشجرة في الخارج ويدخل البيت.***
وردة اصطناعية حمراء مع بطاقة :
” فلتكن هذه هي الكذبة الوحيدة بيننا ,
انظر كم هي بائسة , لا رغبة لي بمزيد من الزهور البلاستيكية
الحقيقة حية وتموت , لا بأس
فلنحمل في أيدينا أشياء تشبهنا. ”***
أحب اللون الجديد لشعري ,
كان الأسود ثقيلاً , فيه أصابع أمي وهي تمشطه في ضفائر
فيه شرائط طويلة , وصوت باص مدرسة وطابور صباح
فيه طفولة بأكملها
ثم خصلات تتلوى , فناجين قهوة , سهر , وعمر يكبر قليلاً.الأشقر خفيف وبلا ذاكرة
***
أحسد الشرخ في الجدار
الخط الوحيد الذي لا يتوقع أحد استقامته
ولا أحد يطلب منه الوصول إلى مكان ما.
أعرج , وسعيد بنزهته !***
أفكر في أنني أرتدي بيجامة بيضاء ,
هكذا ببساطة …
وأشعر أني مريضة , لأنني أرتدي بيجامة بيضاء
عدت من الخارج للتو
رأسي خالٍ وخفيف
يرتفع عن كتفي , وكأنه فكره لا تخصني
يدي ثقيله , الأكياس الملأى بالخبز والعلب المعدنية التي تركتها عند الباب
مازالت بين أصابعي ,
خط وردي ضئيل بين الإبهام والسبابة يؤلمني كلما ضغطت على الفأرة
ولا أفهم لماذا استمر في الضغط عليها , وتصفح مواقع لا تهمني
أفكر في كاندنسكي الآن
لأنني أرغب في التفكير فيه ,
علي أن أفكر وإلا ازداد مرضي
هذا الأبيض الذي أرتديه سيسبب لي الحمى
ولا أستطيع أن أبدله … قدماي في الأرض
والأرض كلها , حصاة ملساء زلقة
يمكنني أن أسقط بمجرد محاولة النهوض.
يمكنني أن أسقط ,أريد أن أفكر في ألوان كثيرة …
***
ممتنة للضرس الأخير في فكي السفلي من جهة اليمين ,
لأنه كان طيباً ولم يؤلمني كثيراً
منذ يومين وانا اجد صعوبة في فتح فمي لتخرج الكلمات واضحة
أتحدث وكأن الحروف بدلا من أن تخرج , تدخل عميقاً في لأمضغها
صرت أشعر بمذاق ما أقوله , أتمتم حين أغضب بكلمات حامضة
وحين استرسل في وصف شيئ ما , استشعر بطرف لساني خفة الذاكره وهي تحوّل نفسها إلى رموز صوتية.
شيء دسم وأبيض , مثل كريما مخفوقة
ما كنت لأمر بهذه التجربة لو أن الألم كان شديداً
كان ذلك سيمنعني من الإحساس والتفكير
اشعرني ضرسي فقط أنه هناك , كان يرسل دفقات اليكترونية بسيطه يحدد بها محيط المكان حوله , ويكثف وجوده
هكذا بلطف وبساطه
والآن لا اشعر به
حتى انني افتقدته , لم يبق الا ذلك الانتفاخ الضئيل في خدي
عاد إلى وظيفته الأولى
مستسلماً بسلام
لطحن أطراف الخبز المحمص الذي أحرقته للتو.***
المفتاح
الذي دفنته في الحديقة
خشية أن يُسرق
لن ينبت أبواباً …
ستحيط به رطوبة الأرض
ويصدأ
مثل أي قطعة حديد أخرى بلا فائدة
سيتحلل ببطء
ويفقد هويته
رسول النجاة المعدني الصغير
ماكان علي أن أعوّل عليه كثيراً.
***
كدت أن أصدقظلالهم الطويلة التي تسللت عبر السياج ,
لا تعني
أنهم معنا !
***كنت أحدق في أبي الواقف على يسار المصوّر لأني لم أكن أفهم لماذا طلب مني الرجل الغريب بجواره ” أن أبتسم ” !
أحتفظ بها , لأنها صورتنا الوحيدة معاً ( أنا وأبي )
لم يكن ظاهراً لكني أنظر إلى عيني في الصورة لأراه.
***أنا سأكون التلويحة التي نست يد
أن ترتفع بها عند المحطة الأخيرة***
أذكر من طفولتي ذهابي مع أبي إلى السوق
فاجئنا حينها مطر خفيف ,
كنت أقف أمام فاترينة محل ذهب , أمسح بحركات دائرية الضباب وقطرات الماء الصغيرة
فأشعر أن الأصفر المشع الذي جاء من الذهب وضوء المصابيح المسلطة عليه يذوب في أصابعي.
خبأت يدي في جيبي وانتابني احساس انني سرقت كنزاً عظيماً ,
وأن صاحب المحل كان سيطاردني بعد قليل***
أفكر في صوت السيارات الآتي من الخط السريع
ناعم وخاطف , هكذا يصل نافذتي لأن الشارع ليس قريباً جدا من بيتنا
لو كان للأبدية صوت , فسيكون هذا هو حتماً !
***لم تكن إغماءة
كنت أعي تماماً نصف وجودي المتمثل في عينين مفتوحتين على اتساعهما
عندما استيقظت فجأة على صوت الصراخ في الخارج لأجد أنه لم يكن سوى شجار لطفلين من العائلة على لعبة
لكنني سقطت مفرودة الذراعين ولم أشعر حينها إلا بالعرق البارد في يدي
وبالصوت
صوت شاحنة كبيرة في رأسي
كان مريعاً بقدر ما كان جميلاً
لأنه طغى على كل الأصوات التي عرفتها في حياتي
أصغيت وهو يعبر مخلفاً وراءه هالات من الحرارة والضوء والغبار
جهدت في تصور شكل الشاحنة
زرقاء , حمراء , خضراء
لأؤكد لنفسي أنني لم أمت بعد
لم تكن إغماءة , كانت أقرب إلى تجربة روحية
لم يفسدها إلا شعوري بالغثيان بعدها
كان شبه صعود
كان شيئاً لا يمكنني تفسيره.
***وحدها المفاجآتُ البسيطة تُقلقني
يُدهشني أنّ مفتاحاً يستطيع أن يفتح باباً ،
يدهشني أنّ يدي شيئاً أكيداً ،
يُدهشني أن اليونانَّي لا يُصيبُ
بسهمه الإِلي الفوريِّ الهدفَ المحال ،
يُدهشني أنّ السيفَ الوحشيَّ يمكن أن يكون جميلاً ،
وأنَّ للوردة رائحة الوردة.
***
البقاء في غرفة مضاءة بـ 250 فولت ( ليل / نهار )
يحولني إلى كائن يشع … ويتبدّد !
***البرق الأعرج
الذي اتكأ على الأشجار
لم يقصد أن يحرقَ ظلالَها !
***
أن تصادق الجرح يعني
أن يخرج منك وتخرج منه … فتتمايزان عن بعضكما
ويكون لكل منكما كينونته الخاصة ,
أن تلقي عليه التحية في الصباح وتتأمله وهو يمشي معك الطريق
فتقيس حجمه بظلك , وترى أنك دائماً أطول وأكبر
أن تتذكره أحياناً وتنساه كثيراً … كما يفعل الأصدقاء
***
إلى : مسجات التهنئة بالعيدلا أحبكِ
خصوصاً تلك المعلبة , القابعة في صندوق الحفظ بانتظار مناسبة
الأمر يشبه أن يصافحك الآخرون بثلاثة أصابع...
لماذا لا يأتون تماماً ؟
***
برد
هاتِ يدك
سأتوسد الإبهام
وألتحف أربعة أصابع
وحين تتأكد من نومي ,
إسحبها ببطء , رويداً … رويداً
ثم لا تلوّح لي بها
ولا توقظني !***
يقف ,
مثل كف عجوز غجري وحيد
لايمكنه الرحيل للأمكنة
ولا التلويح لها.
***الأرض الوحيدة التي لاتأنس بخطوات … ولو عابرة
تهرم سريعاً ويمتلئ وجهها بالتجاعيد.
***بإمكان كلّ منّا
ألاّ ينام وحيدًالماذا لا تحرّك مقبض بابي
في هذه اللحظة
و تدخل
كضوء
***
أحبكَ متيقنة …
ولتذهب بقية أشيائي للاحتمالات
***يخرج من غوايةِ الغرق
حاملاً وجهه الذي
كان زراً لقميص النرجس
يخرج …
تاركاً لك الخديعة
أيها الماء
لا تلاحقه بدوائرك !
***سوء تقدير
عود ثقاب كان سيفي بالغرض
لم تكن مضطراً لإقامة حفل شواء ضخم
لروحي … !
***يحدث أن تجرح يدي
فأجعل من تلك البقعه الداميه قلباً لزهرة
اعتني برسم بتلاتها بقلم حبر جاف
وحين انتهي , تبدو لي كائناً بشعاً
بعطر شاذ وغامض
تلك زهره لايمكنك أن تحتفظ بها في إناء زجاجي
ولا أن تهديها للآخرين
لك ان تقبض عليها فقط
وتنتظرحتى تذوي … لأنها لم تخلق إلا لهذا
يلتئم الجلد شيئاً فشيئاً
وتختفي خطوط القلم
وهكذا ببساطة
تنسى أنها نبتت هنا.
***
غرقلماذا اتمسك بحبل
في طرفه الآخر نهايةُ العالم ؟
***
في آخر الطريق
يتشكل الضباب على هيئة شجرة
أرى خطوتي الضالة تتدلى من أغصانه
أرى عصفور دمع ينفض جناحيه
ويفر هارباً إلى صدري .
***يقل الباب شيئاً
هو لايملك إلا هذا الصرير .. بكاء الريح التي حُبست بين أغصانه
يوم قطعوه من جذع أمه
له ذاكرة مثقلة بمراجيح وأعشاش وظلال وارفة
له أيضاً أسبابه التي تمنعه من الهرب !***
كل هذا البحر لا يتسع لحزنها
تلك التي تشبه بقعة زيت سوداء
ستطفو على السطح
ولن تصل إلى خلاصها أبداً
***
يلزمني قليل من الوقت
ليعشق هذا الإنكسار صورته في الماء
ويغرق***
عامل المسرح العجوز
يكنس ما تبقى من ضحكات الجمهور
وأقنعة الممثلين , بعد انتهاء العرض كل ليلة
ثم يتكأ على جدار وهمي علّقت عليه مجموعة من الصور الغامضة
في ضوء سيجارته الشاحب يمكنه رؤية يدين من بعيد
لهما نفس التجاعيد التي يحملها
تصفقان طويلا .. طويلا
بخطى متعبة يسير نحو الصف الأول
وينحني ,
لكن الستارة تخذله دائماً حين ترتفع …***
ثمة سواد … لم يتمكن من القفز عبر هذا الشباك الضيق
سواد هائل وقوي وصارم يهز بيديه الجدار فيتصدع
ليتسرب شيئا فشيئا عبر شروخه ويصب في ظلال المارة
لم ينتبه أحدُ إلى أن الكائن الذي يلتصق بأقدامهم ليحتمي بها من حرارة الشمس
يغدو أشد لزوجة وقتامة كلما عبروا من هنا …
***
لم يكن جباناً
أحب الموت أكثر مما ينبغي
فلم يصرخ في وجهه أبدا
القطط السوداء تموء في داخله
تخدشه …
فتسيل خلاياه في ارتعاشات كثيفة
هل كان عليه أن يحاول قتلها ؟
ليصبح مثلهم مثقلاً بفرو شاحب ومخالب مقلمة
كم قطة ميتة يحملون في صدورهم
أولئك الذين يمشون بخطى واثقة !
كان خفيفا بهواجسه …
يسند رأسه للجدار , يطلقها في آخر الليل
ويأنس لالتماعات عيونها الحادة في الظلام
لا يشاركه أحد متعة التنزه الأخير
غير سيجارة تمطر رئتيه بالدخان .
***لا تعرف من منهما كان يشعر بالوحدة أكثر
حين هشم جسد الآخر في محاولة بائسة لاحتضانه
هي أم الوجه الذي أطل في المرآة
آلاف العيون حدقت بها من شظايا الزجاج المتناثرة على الأرض
ترقب بفزع قطرات الدم المتدفقة من يديها
التحفت بشرايينها الممزقة لتنعم بموت دافئ
وابتسمت للوجه الذي لملم عيونه الألف مغادرا المشهد …
***
الريح
هذه القرويّة الطيبة
تسوق قطيع الغيم كل صباح بهدوء
تجلب لنا الماء من مراعي الزرقة في الأعالي
لا أحد يبتسم لها … أو يرفع قبعته شاكرا
تضنيها الوحدة
تركل العلب المعدنية الصدئة في الطريق بغضب
ثم تبكي في شقوق جدار قديم:من يمشط شعري في غياب الأجنحة ؟
من يمنح صوتي فمًا حين تسقط الأوراق ؟
من يفتح أبوابه لي في هذا الشتاء القارس !
أنا أيضا … يقتلني البرد !!!*دلال جازي
شاعرة كويتية من الجيل الأحدث، تنشر قصائدها في عدة جرائد وأماكن، وتكتب في مدونتها : The Corridor، صدر لها: تشريح الأرنب الأبيض، عن دار مسعى عام 2011
-

النومُ – شقيقُ المَوت
أساطير الأغريق الأقدمين تصـور كلا من النوم اللطيف ( Hypnos ) ، و الموت الذي لا يعرف الشفقة ( Thanatos ) على أنهما أبناء لآلهة واحدة هي آلهة الليل ( Nyx ) . والشاعر الروماني أوفيد ( Ovid ) كان يسمى النوم ” بالموت المزيف ” . و هو يعيش في كهف على شواطئ نهر ليثي ( Lethe ) ، حيث لا تنفذ إليه الشمس أبداً . و عند مدخل هذا الكهف تزهر نباتات الخشخاش وعدد كبير من الأعشاب الأخرى ، و من هذه جميعاً يقوم الليل بتقطير عصائر النوم حتى يرطب الأرض بها .
-
تلك الحياة الفاتنة
لك أنتِ أيتها المسالمة أحكي هذه المرة. فالحكاية المذهلة تجلت لي بين جوانحِ تلك اللحظات التي أوشكت أن تأخذك مني، بينما كنت بادئاُ بالكاد أكتشف أنني اخترتكِ بعناية، وأنك لم تكوني إلا قدراً محسوباً بدقةٍ ليناسبني.
فلحظةَ نزلت من السرير، وأنت في ذلك الروب الورقي المعقم، وبينما كنت أساعدك على الهبوط ثم الصعود إلى “الترولي” الذي سيحملك إلى غرفة العمليات، أحسست أنك هي المخلوقة التي تخصني تحديداً. وبدت التفاتة وجهك الشاحب نحوي إشراقةَ قدرٍ لا نهائيِّ التوحد.
(المزيد…) -

على وشكِ أنثى – ع. ف
تأتي متأخراً كالتوبة
متأخراَ كالكلام الجميل
والحبُّ حالةٌ غير موضوعية سيدي
هو زَخمٌ، إذا رَاحَ؛ راحْ
وأنتَ لم تأتِ،
أو أتيت باهتاً كزوج
لذا لم أعبأ عندما زادَ وزني كيلوغرامين
واتسعَ حوضي.
و أنا تجملتُ للقصيدةِ
وادخرتُ لكَ نهدين فاخرينِ يلعبانِ على وجهك،
وأنتَ لم تأتِ،
أو أتيتَ دونَ وجهكَ،
أو بوجهٍ محايدٍ كقط
دونَ صوتك زاخراً باللحظةِ الخنثى
والمرأةُ حالةٌ غيرُ موضوعية سيدي
وهي عسلٌ خليعٌ
إذا رَاحَ، راحْ
وأنتَ لَم تأتِ !
..
..
كنتُ على وشكِ أنثى،
وأنتَ لم تأتِ. -
النملُ آكلة اللحوم – ماجد الثبيتي
1
غداً سوف تُمطر كثيراً ، دون سبب مقنع
وبعد غدٍ سوف تتوقف عن ذلك أيضاً و بدون أية سبب ..
يالحياة المطر التعيسة .2
المسافة بين الحفيد والجدُ الأول ، مليئة بالحجارة والأشواك
أنها طريق النزول في تاريخ آدم ..
3
– ما هو وجه الشبه بين أعواد الثقاب والعادة السرية ؟
– الإضاءة ؟4
لا أثق في من يبدأ حديثه بعبارة : لا شكّ ….5
هكذا هي حياتي : محيط في قطرة .6
والنار المتروكة في الغرفة دون غطاء
والنافذة التي تَكبر
واللون الأخضر حين يحلم بأن يصبح زوجاً لساعة واحدة
والريح المخمورة طوال الليل
والأخوة عادوا بقميص الذئب
والوحيد في الصورة ينزف سرب عصافير
والرقم الخفي الذي يخصُ الله
و الصحراء بلا وقت أو عائلة
وقطيع النباتات في قصة قصيرة
والأولاد يحز رقابهم النمل المتوحش للعشاء الأخير
والرجاء إغلاق الباب عند الخروج من الجحيم .7
أيها العالم كن عاقلاً ، وتوقف عن ذلك
**
أيها العالم تعال أجلس إلى جواري واترك عنك اللعب
**
أيها العالم لا تجعلني أضربك
**
أيها العالم أنت مزعج كأبيك .8
كتاب ” نخبة الأطباق “
للطهي الشرقي
والطبعة الخامسة عشر صدرت منه حديثا ..
العالم يطهو نفسه .9
مرة أخرى ، وينزلُ آدمٌ و زوجه من الجنة ، ونبدأ من جديد …1
الطفل الذي يعبث بعضوه الخاص ويقول بينه وبين نفسه :
– لماذا لا يضع الكونغرس الأمريكي حداً للحرب في العراق ؟————-
• نص ماجد الثبيتي. -
القدّيساتُ الخمسْ
باختِصَارْ..
يَومهَا كُنّا رجالاً أربعَة
من صِغارِ الأنبِيَاءْ
مَعَنا خمسُ صبايا
حسنًا – خمسُ نِساء
حسنًا – خمسُ بغايا ! -
امتداحُ الخالةِ
(1)
عيد ميلاد دونيا لوكريثيافي اليوم التالي الذي أكملت فيه أربعين سنة من عمرها، وجدت دونيا لوكريثيا على وسادتها رسالة ذات خط طفولي، مكتوبة بكثير من المحبة:
«عيد ميلاد سعيد يا خالتي!
لستُ أملك نقوداً لكي أهدي إليك أي شيء ولكنني سأدرس كثيراً، وسأنال المرتبة الأولى وتكون هذه هي هديتي إليك.
أنت الأطيب والأجمل، وأنا أحلم بك كل ليلة.
عيد مبلاد سعيد مرة أخرى!
ألفونسو»
كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل بقليل وكان دون ريغوبيرتو في الحمام منهمكاً في اغتساله وتنظيفاته المعقدة والبطيئة التي يقوم بها قبل النوم.
(فقد كانت النظافة الجسدية، بعد لوحات الرسم الإيروتيكية، هي عمله المفضل لتزجية الوقت؛ أما النظافة الروحية فلم تكن تهمه كثيراً).
وقد تأثرت دونيا لوكريثيا برسالة الطفل وأحست بدافع لا يقاوم يدفعها للذهاب لرؤيته وتقديم الشكر له، فتلك السطور هي دليل على قبولها ضمن الأسرة حقاً.
أيكون مستيقظاً؟ وما أهمية ذلك! إن لم يكن مستيقظاً، ستقبّل جبهته بحذر كبير كيلا توقظه.بينما هي تنزل درجات السلم المغطاة بالسجاد في البيت الغارق في الظلام، متوجهة إلى غرفة نوم ألفونسو، كانت تفكر: «لقد كسبته إلى جانبي، لقد صار يحبني».
وبدأت مخاوفها القديمة من الطفل تتبخر مثل سحابة ضباب خفيفة تنخرها شمس ليما الصيفية.
لقد نسيت أن تلقي على جسدها الروب البيتي، فهي عارية تحت قميص نومها الحريري الأسود، وتكوراتها البيضاء الوافرة التي مازالت صلبة متماسكة، تبدو وكأنها تطفو في الظلمة التي تقطعها انعكاسات أضواء الشارع.
كان شعرها الطويل مفلتاً، ولم تكن قد خلعت أقراط وخواتم وعقود الحفلة.كانت غرفة الطفل مضاءة. ـ أجل، ففونتشو يقرأ حتى وقت متأخر جداً! ـ طرقت دونيا لوكريثا بفقرات أصابعها ودخلت: «ألفونسيتو!» وفي مخروط الضوء الأصفر الذي يبعثه مصباح السرير، أطل وجه طفل يسوع مذعور من وراء كتاب لأكسندر دوماس.
خصل الشعر الذهبي المشعث، الفم المفتوح قليلاً بسبب المفاجأة يبدي صفي أسنان ناصعة البياض، العينان البيرتان الزرقاوان الزائغتان تحاولان تبينها في ظلمة عتبة الباب.
بقيت دونيا لوكريثيا جامدة، تتأمله بعذوبة.
يا للطفل الجميل! ملاك منذ مولده، واحد من غلمان تلك اللوحات الفاجرة التي يخبئها زوجها وراء أربعة أقفال.ـ أهذه أنت يا خالتي؟
ـ أي رسالة جميلة كتبتها لي يا فونتشو. إنها أفضل هدية عيد ميلاد تلقيتها طوال حياتي، أقسم لك.كان الطفل قد نهض ووقف على قدميه فوق السرير. وكان يبتسم لها وذراعاه مفتوحان.
وبينما دونيا لوكريثيا تتقدم نحوه مبتسمة أيضاً، فوجئت ـ أم تراها حدست؟ ـ في عيني ابن زوجها، بنظرة تتحول من السعادة إلى الاضطراب وتنصبّ ذاهلة على قامتها، ففكرت: «رباه، إنك شبه عارية. كيف نسيت ارتداء الروب أيتها الحمقاء. أي مشهد هذا بالنسبة إلى الصغير المسكين.» أتكون قد شربت كؤوس خمر أكثر مما يجب؟ولكن ألفونسيتو عانقها: «عيد ميلاد سعيد يا خالتي!» كان صوته الطازج المنطلق دون قلق يعيد الحيوية إلى الليل.
أحست دونيا لوكريثيا بشبح القامة ذات العظام الهشة يلتصق بجسدها وفكرت بعصفور صغير. وخطر لها بأنها إذا ما ضمته بقوة أكبر، فإن الطفل سينكسر مثل نبتة كاريثو. وهكذا. بينما هو فوق السرير، كانا متساويين في طول القامة.
كان قد طوق عنقها بذراعيه النحيلتين وراح يقبلها بحب من خدها. وعانقته دونيا لوكريثيا أيضاً، وانزلقت إحدى يديها إلى أسفل قميص البيجاما ذات اللون الأزرق البحري والحواف الحمراء، وداعبت ظهره وربتت عليه، شاعرة في أطراف أصابعها بتدرج عموده الفقري الهش.
«أحبك كثيراً يا خالتي». همس الصوت النحيل في أذنها، وأحست دونيا لوكريثيا بشفتين نحيلتين تتوقفان عند شحمة أذنها، تدفئانها بأنفاسهما، تقبلانها وتعضانها لاعبتين.
وبدا لها أن ألفونسيتو يضحك في الوقت الذي يتودد فيه إليها. كان صدرها طافحاً بالتأثر والانفعال.
وفكرت كيف أن صديقاتها كن قد تنبأن بأن ابن زوجها هذا سيكون العقبة الكبرى، وأنها بسببه لن تكون سعيدة أبداً مع ريغوبيرتو.
وفي خضم تأثرها وانفعالها، قبلته أيضاً من خديه، من جبهته، من شعره المشعث، بينما كان إحساس غامض، كأنه آت من بعيد، دون أن تدركه جيداً، يتسرب بين فينة وأخرى من جسدها، متركزاً بصورة خاصة في تلك الأجزاء ـ النهدين، البطن، ظاهر الفخذين، العنق، الكتفين، الخدين ـ المعرضة لملامسة الطفل.
«هل تحبني كثيراً حقاً؟» سألته وهي تحاول الابتعاد عنه. لكن ألفونسيتو لم يفلتها، بل إنه تعلق بها وهو يجيبها مترنماً: «كثيراً جداً يا خالتي، أنت أكثر من أحبه».
ثم أمسكت يداه الصغيرتان بصدغيها ودفعتا رأسها إلى الوراء. أحست دونيا لوكريثيا بنقرة في جبهتها، في عينيها، في حاجبيها، في خديها، في ذقنها… وعندما لامست الشفتان النحيلتان شفتيها. ضغطت على أسنانها مضطربة، أيفهم فونتشيتو ما الذي يفعله؟ هل يتوجب عليها أن تبعده عنها بعنف؟ ولكن لا، لا، كيف يمكن أن يكون هناك أدنى قدر من الخبث في التنقل المتقافز لهاتين الشفتين اللتين حطتا لحظة، مرتين… ثلاث مرات على شفتيها وضغطتا بنهم وهما تجوبان جغرافية وجهها.ـ حسن، والآن إلى النوم ـ قالت أخيراً وهي تفلت من الطفل، وبذلك جهداً أكبر لتبدو أكثر سكوناً مما هي عليه.
ثم أضافت: ـ وإلا لن تستيقظ من أجل الذهاب إلى المدرسة يا صغيري.
دس الطفل نفسه في السرير منصاعاً. كان ينظر إليها مبتسماً. بخدين متوردين ونظرة افتتان. أي خبث يمكن أن يكون فيه! هذا المخلوق النقي، عيناه الفرحتان… الجسد الصغير الذي ينكمش ويتقرقع تحت الملاءات، أليس تجسيداً للبراءة؟ أنت هي المتعفنة يا لوكريثيا! دثرته، سوت وسادته، قبّلت شعره وأطفأت مصباح السرير. وحين كانت تخرج من الغرفة، سمعته يغرد:
ـ سأحصل على المرتبة الأولى في المدرسة وأهديها إليك يا خالتي!
ـ أهذا عهد يا فونتشيتو؟
ـ كلمة شرف!
وفي حميمية السلّم المتواطئة، بينما هي عائدة إلى مخدعها، أحست دونيا لوكريثيا بأنها تتوقد من قدميها إلى رأسها.
وقالت لنفسها مذهولة: «ولكنها ليست حمى». أيمكن لمداعبة طفل غير واعية أن تسبب لها ذلك؟ إنك تتحولين إلى داعرة يا امرأة.
أتكون هذه هي أول أعراض الشيخوخة؟ لأنها في الواقع كانت تلتهب وكانت ساقاها مبللتين.
يا للعار يا لوكريثيا، يا للعار! وفجأة عبرت رأسها ذكرى صديقة خليعة كانت قد أثارت مشاعر الحياء والضحكات العصبية على طاولتها أثناء حفلة شاي لجمع تبرعات للصليب الأحمر، حين روت لهن أنها تنام عارية مع ابن زوجها الصغير الذي يحك لها ظهرها، فتتأجج مثل شعلة.كان دون ريغوبيرتو مستلقياًَ على ظهره، عارياً فوق الفراش الأحمر القاني المطبع برسوم تشبه العقارب.
وكان لا يكاد يظهر منه على وميض الأنوار المتسربة من الشارع إلى الغرفة مطفأة الأنوار، سوى شبحه الطويل الأبيض، والشعر الكثيف على الصدر والعانة. وقد بقي ساكناً بينما كانت دونيا لوكريثيا تنزلق وتتمدد بجانبه، دون أن تلمسه، أيكون زوجها قد نام؟
ـ أين ذهبت؟ ـ سمعته يدمدم بالصوت اللزج والبطيء لرجل يتكلم بخرخرة الوهم، الصوت الذي تعرفه جيداً ـ لماذا تركتني يا حياتي؟
ـ ذهبت لأقبل فونتشيتو. لقد كتب لي رسالة عيد ميلاد لا يمكنك تخيلها. كنتُ على وشك البكاء من شدة رقتها.
حدست أنه لا يكاد يسمعها. أحست بيد دون ريغوبيرتو اليمنى تلامس فخذها. إنها حراقة، مثل مضخة ماء يغلي. وبحثت أصابعه بتعثر ما بين طيات قميص نومها.
ففكرت بقلق: «أتراه سيلاحظ أنني مبللة». كان قلقاً عابراً، لأن موجة الاحتدام نفسها التي استولت عليها وهي على السلم عادت إلى جسدها، وجعلته يرتعش. بدا لها أن كل مساماتها تتفتح متلهفة وتنتظر.ـ وهل رأكِ فونتشيتو وأنت بقميص النوم؟ ـ تخيل صوت زوجها ملتهباً ـ لا بد أنك قد أوحيت بأفكار خبيثة إلى الصغير. وربما سيحلم هذه الليلة أول أحلامه الإيروتيكية.
سمعته يضحك متهيجاً. وضحكت هي أيضاً: «ما الذي تقول يا مجنون».
وتظاهرت في الوقت نفسه بأنها تضربه، وتركت يدها اليسرى على بطن دون ريغوبيرتو. ولكن ما لمسته يدها كان سارية بشرية منتصبة ونابضة.
ـ ما هذا؟ ما هذا؟ ـ هتفت دونيا لوكريثيا وهي تضغط عليه، وتشده ـ وتفلته، وتستعيده ـ، انظر ما الذي وجدته، يا للمفاجأة!
كان دون ريغوبيرتو قد رفعها فوقه وراح يقبلها بتلذذ، مرتشفاً شفتيها، ومباعداً ما بينهما. وبينما عيناها مغمضتان، وهي تحس بطرف لسان زوجها يستكشف تجوف فمها، ماراً على اللثتين والحلق، محاولاًَ تذوق كل شيء والتعرف عليه، بقيت دونيا لوكريثيا لوقت طويل غارقة في ذهول سعيد، إحساس كثيف ونابض بدا وكأنه يلين أعضاءها ويفتحها، ويجعلها تطفو، تغرق، تدور.
وفي عمق ذلك الإعصار اللذيذ كانت هي، والحياة، وكأنها تطل وتختفي في مرآة تفقد زئبقها، ترسم أحياناً وجهاً دخيلاً لملاك أشقر. كان زوجها قد رفع قميص نومها وأخذ يداعب إليتيها في كرة دائرية ومنهجية، بينما هو يقبل نهديها.
سمعته يدمدم بأنه يحبها، ويهمس بعذوبة أن حياته الحقيقية قد بدأت معها. قبلته دونيا لوكريثيا من عنقه وعضعضت حلمتي صدره إلى أن سمعته يتأوه، ثم لحست ببطء عشي إبطيه اللذين يهيجانه كثيراً، واللذين كان دون ريغوبيرتو قد غسلهما وعطرها لها بعناية قبل أن ينام. سمعته يخرخر مثل قط مدلل، يتلوى تحت جسدها. وأخذت يداه المتسرعتان تبعدان ما بين ساقي دونيا لوكريثيا بشيء من الحنق.تجلسانها القرفصاء فوقه، تريحانها، تفتحانها. أنّت متألمة ومستمتعة بينما هي ترى في زوبعة مشوشة صورة للقديس سيباستيان مصاباً بسهم، مصلوباً ومبللاً.
راودها إحساس بأنها قد نطحت في منتصف قلبها. ولم تتمهل بعدئذ. فقد أغمضت عينيها، ووضعت يديها وراء رأسها، ودفعت صدرها إلى الأمام، ممتطية مهر الحب ذاك الذي يتأرجح بها، على إيقاعه، مدمدماً بكلمات تكاد لا تكون مفهومة، إلى أن أحس بأنه يموت.
وسألته مستفهمة وهي في العماء:
ـ من أنا؟ من تراني كنت؟
وانفجر دون ريغوبيرتو تائهاً في حلمه:
ـ أنت زوجة ملك ليديا يا حبي.(2)
قنداولس، ملك ليديا
أنا قنداولس، ملك ليديا، البلد الصغير الواقع ما بين جونيا وكاريا، في قلب تلك الأراضي التي ستُعرف بعد قرون باسم تركية.
أكثر ما يسبب لي الفخر في مملكتي ليس جبالها المتشققة بفعل الجفاف، ولا رعاة ماعزها الذي يسارعون إذا اقتضى الأمر إلى مواجهة الغزاة الفريجيين والإيوليين والدوريين الآتين من آسيا، ويهزمونهم، أو يتصدون للعصابات الفينيقية والإسبارطية وللبدو الرحل الاسثيتيين الذين يأتون لسلب حدودنا، وإنما مصدر فخري هو ردف زوجتي لوكريثيا.أقول وأكرر رِدْف، لا مؤخرة، ولا كفل، ولا إليتان، ولا طيز، ولا ورك، وإنما ردف. لأنني عندما أمتطيها يراودني هذا الإحساس: إحساس من يكون فوق مهرة عضلية ومخملية، مزيج من الأعصاب والرقة الخالصة.
إنه ردف قاسٍ وربما هو ضخم جداً مثلما تقول الأساطير التي تشاع عنه في المملكة، مضخمة مخيلة رعيتي (تصل إلى مسامعي كل تلك الأساطير ولكنها لا تغضبني، بل تفرحني).
عندما أمرها بأن تجثو وتلصق جبهتها بالسجادة، بحيث أستطيع تفحصها على هواي، يصل ذلك الشيء إلى حجمه الفاتن الأقصى.
كل فلقة منه فردوس لحمي، وكلتاهما، تفصل بينهما هوة حساسة ذات زغب يكاد لا يكون مرئياً يغوص في غابة البياض والسواد والحرير العابق الذي يتوج عمودي الفخذين الراسخين. فيذكراني بأحد مذابح ديانة البابليين الهمجية التي محوناها. إنه ردف صلب عند اللمس وعذب في الشفتين، فسيح في الاحتضان ودافئ في الليالي الباردة، ووسادة طرية لإراحة الرأس، ومولد للذات في الهجمات الغرامية.
ولوجه ليس سهلاً؛ بل هو أقرب إلى الألم في البدء، ويصل إلى حد البطولة بالمقاومة التي يبديها هذا اللحم الوردي للهجوم الذكري. لا بد من إرادة عنيدة وقضيب قوي ومثابر لا يرتدعان أمام أي شيء أو أحد مثلما هما إرادتي وقضيبي.عندما قلت لجيجيس، ابن داسيلو، حارسي ووزيري بأنني فخور بمآثر عضوي مع لوكريثيا على السرير الفاخر ذي الستائر الذي في مخدعنا أكثر من اعتزازي بمآثري في ميدان المعركة أو إنصافي في إقامة العدل، احتفل هو ضاحكاً بما ظنه مزحة. ولكنها لم تكن مزحة، لأني أشعر بذلك فعلاً. وأشك في أنه يمكن لكثيرين من أهالي ليديا أن ينافسوني.
في إحدى الليالي ـ وكنت مخموراً ـ ومن أجل التقصي فقط، استدعيت أطلس إلى حجرتي، وهو أفضل العبيد الحبشيين تحت السلاح. وطلبت من لوكريثيا أن تنحني أمامه وأمرته بأن يمتطيها.
لم يستطع ذلك، ربما بسبب الرهبة التي اعترته في حضوري أو لأن الأمر كان تحدياً يفوق قواه. رأيته يتقدم عدة مرات، حاسماً أمره، يندفع، يلهث، ثم يتراجع مهزوماً (وبما أن تلك الواقعة صارت تعذب ذاكرة لوكريثيا، فقد أمرت بقطع رأس أطلس).الواقع أنني أحب الملكة، فكل ما في زوجتي عذب وحساس، على خلاف روعة ردفها الوافر، يداها وقدماها، خصرها وفمها. لها أنف راعش وعينان ناعستان، ماؤهما ساكن بصورة سرية لا يهزه سوى اللذة أو الغضب.
لقد درستها مثلما يفعل الحكماء بأوراق كتب المعبد، ومع أنني أظن أنني أعرفها عن ظهر قلب، فإنني أكتشف في كل يوم ـ أو بكلمة أصح، في كل ليلة ـ ، شيئاً جديداً فيها يؤثر بي: خط الكتفين الناعم، عظمة المرفق الرشيقة، رقة ظاهر قدميها، استدارة ركبتيها والشفافية الزرقاء لغابة إبطيها.هناك من يملون زوجتهم الشرعية بسرعة. ويفلسفون الأمر بأن روتين الزواج يقتل الشهوة، وأنه لا يمكن للخيال أن يدوم ويهيج أوردة الرجل الذي يضاجع المرأة نفسها على امتداد شهور وسنوات.
أما أنا، وعلى الرغم من السنوات التي انقضت على زواجنا، فإن سيدتي لوكريثيا لم تملني. ولم تضجر مني مطلقاً.
فعندما أذهب لصيد النمر أو الفيل، أو حين أخرج إلى الحرب، تسرّع ذكراها قلبي مثلما كان يحدث في الأيام الأولى، وحين أداعب إحدى الجاريات أو أية امرأة لأشغل وحدتي في ليالي خيمة الحملة الحربية، تحس يداي على الدوام بخيبة محزنة، فما ألمسه يكاد لا يكون سوى مؤخرات، إليات، أكفال، أطياز. وهي حدها ـ آه، حبيبتي ـ الردف.
ولهذا يبقى قلبي وفياً لها، ولهذا أحبها. ولهذا أنظم لها قصائد أرتلها في مسمعها وأنبطح أرضاً حين نكون وحدنا لأقبل قدميها.ولهذا ملأت صناديق حليّها وكل خزائنها أوصيت لها من كل أركان العالم على هذه الأحذية والملابس والزينات التي لن تنتهي من تدشينها أبداً. ولهذا أعني بها وأوقرها باعتبارها ألذ ممتلكات مملكتي. فالحياة بالنسبة إلي هي موت دون لوكريثيا.
القصة الحقيقية لما حدث مع حارسي ووزيري جيجس لا تشبه كثيراً التقولات التي تشاع عن الواقعة. وليست هناك رواية واحدة مما سمعته تقارب الحقيقة.
والأمر يجري هكذا على الدوام، فمع أن للخيالي والحقيقي القلب نفسه، إلا أن وجهيهما مثل الليل والنهار، مثل النار والماء. لم يكن هناك رهان أو مقايضة من أي نوع، وكل شيء جرى بصورة مرتجلة، بفعلة تلقائية مفاجئة من جانبي… مجرد صدفة أو مكيدة من إله صغير لعوب.كنا قد حضرنا احتفالا لانهائياً في ميدان مجاور للقصر، حيث جاءت القبائل الخاضعة لتقدم أتاواتها وهي تصم مسامعنا بأغنياتها الهمجية وتعمي أبصارنا بالغبار الذي تثيره بهلوانيات فرسانها. ورأينا كذلك اثنين من هؤلاء المشعوذين الذي يشفون الأمراض برماد الجثث، وقديساً يصلي وهو يلف ويدور على كبيعه، وقد كان هذا الأخير مؤثراً: ففي دورانه المندفع بقوة إيمانه وبالتمارين التنفسية التي ترافق رقصته ـ لهاث أبح متصاعد يبدو وكأنه يخرج من أعماقه ـ حول إلى دوامة بشرية، وفي لحظة معينة، أدت سرعة دورانه إلى اختفائه عن أبصارنا.
وعندما تجسد ثانية وتوقف، كان يتعرق مثل الخيول بعد شن الغارة، وكان شحوبه ذاهلاً وعيناه زائغتين وكأنهما قد رأتا إلهاً أو عدة آلهة.كنا نتحدث أنا ووزيري عن المشعوذين وعن ذلك القديس بينما نحن نتناول كأس نبيذ يوناني، عندما خفض جيجيس صوته فجأة ليهمس بشرارة الخبث تلك التي يودعها الشراب في نظراته:
ـ المصرية التي اشتريتها لها أفضل مؤخرة منحتها العناية الإلهية لامرأة على الإطلاق. الوجه غير مكتمل، والنهدان صغيران، وهي تتعرق بإفراط، ولكن ضخامة وسخاء مؤخرتها تعوض ـ وأكثر ـ عن كل عيوبها الأخرى.
ما إن أتذكرها حتى يصيبني الدوار يا صاحب الجلالة.
ـ أرنى هذه المؤخرة وسأريك واحدة أخرى. فنقارن ونقرر أيهما أفضل يا جيجيس.رأيته يضرب، يرمش ويفتح شفتيه دون أن يقول شيئاً. أتراه ظن بأنني أمزح؟ أتراه خشي أن يكون قد أساء سماع ما قلته؟ فحارسي ووزيري يعرف جيداً عمن أتكلم.
وصغت ذلك السؤال دون تفكير، ولكنني بعد أن وجهته إليه، بدأت دودة عذبة تقرض دماغي وتسبب لي اللهفة.
ـ لقد أصابك البكم يا جيجيس. ما الذي جرى لك؟
ـ لست أدري ما أقول يا مولاي. إنني مرتبك.
ـ أرى ذلك. ولكن أجب، هل توافق على عرضي؟
ـ جلالتك تعلم أن رغباتكم هي رغباتي.هكذا بدأ كل شيء. ذهبنا أولاً إلى منزله، وفي أقصى الحديقة، حيث توجد حمامات البخار، وبينما كنا نتعرق وكان مدلكه يعيد حيوية الشباب إلى أعضائنا، تفحصتُ تل المصرية، إنها امرأة طويلة القامة، ووجهها متضرر بتلك القروح التي يقدس بها أبناء جنسها الفتيات البالغات لإلههم الدموي.
لقد خلّفت الشباب وراءها. ولكنني أقر بأنها كانت مشوقة وجذابة. فبشرتها الأبنوسية تلمح وسط سحب البخار وكأنها مطلية بالورنيش وكل حركاتها وتصرفاتها تكشف عن تكبر استثنائي. لم يكن فيها أي أثر من ذلك التذلل الدنيء الذي تبديه الجاريات بكثرة لنيل ودّ أسيادهن، بل كانت أقرب إلى البرودة المتأنقة.
ولم تكن تفهم لغتنا ولكنها كانت تفهم على الفور التعليمات التي يصدرها إليها سيدها بالإشارة.
وعندما أشار عليها جيجيس بما نريد أن نراه، أحاطتنا كلينا لثوان بنظرتها الحريرية المزدرية، ودارت نصف دورة، وانحنت ثم رفعت عباءتها بكلتا يديها، مقدمة لنا عالمها الخلفي.
كانت باهرة بالفعل، بل وإعجازية لمن ليس هو زوج الملكة لوكريثيا. أجل، إنها صلبة ومكورة. ذات انحناءات ناعمة وبشرة جرداء وحبيبية، تشع بريقاً أزرق، ينزلق عليها البصر مثلما ينزلق على مرأى البحر. هنأتها وهنأت كذلك حارسي ووزيري لأنه مالك مثل هذه اللذة الحلوة.ولكي أنجز الجزء المتعلق بي من العرض، كان علينا أن نتصرف بأقصى قدر من الحذر. فتلك الحادثة القديمة مع العبد أطلس شكلت صدمة عميقة لامرأتي، وقد قلت هذا من قبل؛ إذ أنها وافقت عليها لأن لوكريثيا تلبي كل نزواتي.
ولكنني رأيتها خجلة جداً بينما كانت هي وأطلس يمثلان دون جدوى المشهد الخيالي الذي نسجته، فأقسمت يومئذ بيني وبين نفسي ألا أخضعها ثانية إلى مثل تلك التجربة. وحتى الآن، وبعد مضي زمن طويل على تلك الحادثة، وحين لم يعد هناك من أطلس المسكين كما أظن سوى عظامه الجرداء في وهدة الجثث التي تغص بطيور الرخمة والنسور حيث ألقيت جثته، مازالت الملكة تستيقظ أحياناً في الليل، وتفز قلقة إلى ذراعي، ذلك أن شبح الحبشي يكون قد عاد يلتهب فوقها في الحلم.وهكذا، فقد تصرفت في هذه المرة دون أن تعرف محبوبتي بالأمر. أو هذه كانت نيتي على الأقل، مع أن الشك يراودني في ذلك أحياناً حين أفكر متروياً بما حدث في تلك الليلة وأقلبه في ثنايا ذاكرتي.
أدخلت جيجي من بوابة الحديثة الخلفية ثم أدخلته الحجرة بينما الوصيفات يعرين لوكريثيا ويعطرنها بالعطور التي أحب شمها وتذوقها على جسدها.
أشرت على وزيري أن يختبئ وراء ستارة الشرقة وأن يحاول عدم التحرك أو إصدار أدنى صوت. ومن ذلك الركن، يمكنه أن يرى تماماً السرير البديع ذا الأعمدة المزخرفة والدرجات والستائر الحمراء، والمثقل بالوسائد والحرائر الثمينة المطرزة، حيث نمارس أنا والملكة كل ليلة لقاءاتنا الغرامية، وأطفأت كل المشاعل بحيث تبقى الغرفة خافتة الإضاءة من ألسنة لهب المشاعل التي في البيت.بعد قليل دخلت لوكريثيا ترفل بعباءة فضفاضة شفافة من الحرير الأبيض، ذات زركشات مخرمة على المعصمين والعنق ومحيط الذيل. وكان تضع عقداً من اللؤلؤ وغطاء رأس وتنتعل خفاً عالي الكعب من الخشب واللبد.
أبقيتها واقفة لبعض الوقت، أتأملها بإعجاب بعيني وأهدي إلى وزيري هذا المشهد الذي يليق بالآلهة. وبينما أنا أتأملها وأفكر في أن جيجيس يفعل ذلك أيضاً، أججني فجأة بالشهوة هذا التواطؤ الخبيث الذي يوحدنا. فتقدمت نحوها دون أن أنطلق بكلمة واحدة، وطرحتها على الفراش وامتطيتها.
وبينما أنا أداعبها، بدا لي وجه جيجيس الملتحي، فزادت من التهابي فكرة أنه يرانا. ورشت على لذتي بهاراً حلواً وحامضاً ولاذعاً كنت أجهله حتى ذلك الحين.
وماذا عنها هي؟ أتراها لاحظت شيئاً؟ هل عرفت شيئاً؟ لأنني لم أرها من قبل أبداً بمثل ذلك الاندفاع، ولم أرها مطلقاً بمثل تلك الشراهة في المبادرة والاستجابة، وبمثل تلك الجسارة في العض والتقبيل والعناق.
أتراها هجست في تلك الليلة بأننا من كنا نستمتع في الغرفة المصبوغة بحمرة القنديل والشهوة لم نكن اثنين وإنما ثلاثة.
وعند الفجر، حين استغرقت لوكريثيا في النوم، تسللت من السرير على رؤوس أصابعي، لكي أقود حارسي ووزيري إلى مخرج الحديقة، فوجدته يرتجف من البرد والذهول.
تلعثم متهيجاً ومرتعشاً:
ـ أنت محق يا صاحب الجلالة، لقد رأيتها، وهي رائعة بصورة لا أستطيع تصديقها. لقد رأيتها ومازلت أظن أنني في حلم.
فأمرته:
ـ انس كل شيء بأسرع ما يمكن وإلى الأبد يا جيجيس. لقد أنعمت عليك بهذا الامتياز في لحظة تسرع غريبة، ودون تفكير وتروٍ، لأنني أقدرك كثيراُ. ولكن، حذار من لسانك، فأنا لا أحب أن تتحول هذه القصة إلى حديث الحانات وتقولات السوق، لأني قد أندم على أنني أحضرتك إلى هنا.
أقسم لي أنه لن ينطق بكلمة واحدة. ولكنه فعل ذلك. وإلا كيف دارت كل تلك الأحاديث عما حدث؟ الروايات تتناقض، وكل واحدة منها أكثر شططاً وزيفاً من الأخرى.
إنها تصل إليها، وإن كنا نغضب بسببها في البداية، فإننا نتسلى بها الآن. لقد تحول الأمر إلى جزء من هذه المملكة الجنوبية، في هذه البلاد التي سيصبح اسمها تركية بعد قرون، مثل جبالها القاحلة ورعاياها الأفظاظ، مثل قبائلها المتنقلة، ونسورها ودببتها، ولا تسؤوني في نهاية المطاف فكرة أنه بعد مرور الزمان، وابتلاعه كل ما هو موجود ومحيط بي الآن، لن يبقى للأجيال القادمة في تاريخ ليديا، سوى ردف زوجتي لوكريثيا الشمسي والسخي كالربيع.ترجمة صالح علماني
-
أكتبكِ
امرأتي، مذبح قرابيني الكافر
الذي أداعبه عزفاً بأصابع من نور
غابتي الصغيرة التي أبيت فيها شتائي
آيتي، مريضة الأعصاب، المدنسة، العطوفة
أكتب تنفُّسكِ وجسدكِ
في نوتات الموسيقى.لأذنيك أزفُّ وعدي بأبراج فلكية
لم يستعملها أحد من قبل
وأعدُّ لك من جديد رحلات إلى بلاد العالم
خوفاً من توقف إجباري في بقعة ما.
(المزيد…) -

ايميلي ديكنسون – قصائد مختارة
هذه رسالتي إلى العالم
هذه رسالتي للعالم
الذي لم يكتبْ لي البتة،
هذه الأنباء البسيطة صرَّحتْ بها الطبيعة
مع جلالٍ متواضع.
سُلِّمتْ رسالةُ الطبيعة
إلى أيادٍ لا أراها.
لأن حبها، يا أبناء جلدتي اللطفاء،
يكوِّن حكماً عادلاً عني.من الله نطلب منَّة واحدة
من الله نطلب منّة واحدة
وهي أن يسامحنا-
عمَّا فعلناه، فهو بالتأكيد يعرف:
فجريمتنا نخفيها عن الأعين.
نبقيها خلف الأسوار طوال حياتنا
داخل سجن سحري،
ونلقي باللائمة على السعادة
التي تتنافس مع الفردوس.أنا لا أحد. من أنت؟
أنا لا أحد. من أنت؟
وهل أنت لا أحد، أيضاً؟
إذن نحن اثنان لا أحد.
لا تخبر أحداً – فهم سيطردوننا، كما تعلم.
ياللكآبة، أن تكون شخصاً ما،
كم هو مبتذل – مثل ضفدع-
أن تجهر باسمك طوال شهر حزيران.
وسط مستنقع يرحب بكتختار الروح رفقتها الخاصة.
تختار الروح رفقتها الخاصة
ثم تبادر بإغلاق الباب.
وأمام جلالها المقدس
لا يقترب آخرون.
بدون تأثر ترقب مرور العربات
أمام بوابتها البسيطة؛
بدون رعشة ترقب امبراطوراً يركع
فوق حصيرها.
لقد عرفتُها من بين حشدٍ وفيرٍ
وقد اختارت واحداً،
ثم أغلقت مصاريع وجودها
مثل الحجر.شعرت بمرور جنازة في خلدي
شعرت بمرور جنازة في خلدي
والمشيعون يهرولون جيئة وذهاباً
يخبطون بأقدامهم، على الدوام، حتى بدا
وكأن العقل يكاد ينفجر.
وعندما جلسوا جميعاً،
بدأت الشعائر كالطبل
تدوي قدماً، تدق، حتى ظننتُ
أن خدراً ينسال في دماغي
ثم سمعتهم يرفعون صندوقاً
ويصل الصرير إلى أعماق روحي
مع أحذية الرصاص تلك من جديد،
ثم بدأ الفضاء يمتلئ بالناقوس يُقرع
والسموات كلها كانت كالجرس،
والوجود ليس سوى أذنٍ صاغية،
وأنا والصمت في سباق غريب
حطمنا الوحدة هنا.
ثم هوَتْ قطعة خشب معقولة
وهبطتُ أسفل وأسفل
وارتطمتُ بعالمٍ لدى كل غور
وفقدتُ الإحساس حينئذٍ.على الجراحين أن يكونوا في غاية الحرص
على الجراحين أن يكونوا في غاية الحرص
عندما يمسكون بالسكين.
فتحت الجراح الدقيقة التي يحدثونها
تتحرك المتهمة بالجرم، الحياة.
الإيمان اختراع جميل
الإيمان اختراع جميل
عندما يستطيع أصحاب المروءة أن يلحظوه.
ولكن آلات التكبير حذرة
في حالات الطوارئأقدام جديدة داخل حديقتي تمرُّ
أقدام جديدة داخل حديقتي تمرُّ
أصابع جديدة تحرك سطح التربة.
شاعر متجول فوق شجر الدردار.
يهتك أسرار العزلة.
أطفال جدد يلعبون فوق المساحات الخضراء-
أطفال جدد متعبون ينامون في الأسفل،
ومايزال الربيع الكئيب يرجع،
ومايزال الثلج المحافظ على مواعيده يعود.الأمل شيء ذو ريش
الأمل شيء ذو ريش
يقبع ضمن الروح
ويعزف اللحن بدون كلمات
ولا يتوقف أبداً.
وأجمل مافي العاصفة يُسمع،
ولابد أن الإعصار صعب
قادرٌ على إرباك الطائر الصغير
الذي بقي دافئاً مرات عديدة.
لقد سمعته في الأراضي شديدة الصقيع
وفوق البحر الأكثر غرابة،
ومع أنه كان في ضيق شديد
لم يطلب مني كسرة خبز أبداً.
المسافة التي قطعها الموتىالمسافة التي قطعها الموتى
لا تظهر في البداية؛
عودتهم تبدو ممكنة
لسنوات مشرقة عديدة.
وبعد أن نتبعهم
تزداد شكوكنا،
بأننا أصبحنا جد حميمين
مع استعادة الأحداث الماضية العزيزة الخاصة بهم.لقد متُّ من أجل الجمال
لقد متُّ من أجل الجمال، ولكن حالما
وضعت في القبر
استلقى من كان قد مات من أجل الحقيقة
في حجرة مجاورة.
سأل برقةٍ لماذا فارقتُ الحياة،
“من أجل الجمال” أجبتُ،
“وأنا من أجل الحقيقة. كلاهما واحد.
نحن إخوة”. قال.
وهكذا، مثلما يلتقي الأقارب ليلاً،
تبادلنا الحديث عبر الحجرات،
حتى وصل الطُحلبُ شفتينا
وغطى اسمينا.النجاح يُعتبر الأكثر عذوبة
النجاح يُعتبر الأكثر عذوبة
لأولئك الذين لم ينجحوا
ولكي نستسيغ الرحيق
لابد من مرارة شديدة.
لا أحد من ذلك الجيش الأرجواني
ممن ربحوا الراية اليوم
يعرف هذا التعريف
الواضح جداً للنصر،
فهو الذي هُزم، وهو يلفظ أنفاسه،
وإلى أذنيه المحرومتين
تتناهى نغماتُ الانتصار البعيدة،
وقد امتلأت بالعذاب وواضحة.لأنني لم أستطع التوقف للموت.
لأنني لم أستطع التوقف للموت
توقف هو بلطف من أجلي؛
ولم تحمل العربة سوانا
ومعنا الخلود.
قدنا العربة ببطء، فالموت لا يعرف العجلة.
وأنا قد ادخرت
جهدي، وراحتي على حد سواء
لدماثة خلقه
عبرنا المدرسة حيث الأطفال يلعبون
في حلبة صراع ضمن دائرة،
عبرنا حقول القمح البرّاق،
ومررنا بالشمس وهي تغيب.
توقفنا أمام بيت بدا
كانتفاخ فوق الأرض،
والسقف بالكاد يُرى،
والحلية المعمارية ليست سوى متراس،
مضت قرون منذ ذلك الحين، ولكننا
كلانا بشعر وكأنها أقل من نهار
عندما ظننت أن رؤوس الخيل أولاً
قد اتجهت نحو الأبدية.
الحب يفعل كلِّ شيء ماعدا إحياء الموتى
الحب يفعل كلِّ شيء ماعدا إحياء الموتى؛
وأشكُ إن كان حتى هؤلاء
قد احتجبوا من مثل هذا العملاق.
واكتسوا لحماً.
ولكن الحُبَّ متعبٌ ويجب أن ينام،
وجائع ينبغي أن يُغذَّى،
وهكذا يُغري الأسطول البرَّاق.
حتى يغيب عن النظر.ما أسعد الحجر الصغير
ما أسعد الحجر الصغير
الذي يهيم في الطريق وحيداً،
ولا يهتمُ بمهن البشر وطرق المعيشة،
ولا يخشى مطالب الحياة؛
وغطاؤه الطبيعي بُنيٌ وهبته العناصر
من كون يمر بالقرب؛
ومستقلٌ مثلما هي الشمسُ،
تتحد مع غيرها أو تشرق وحدها
تنجزُ دستورها المطلق
ببساطة لا مبالية.أيُّ فندق هذا
أيُّ فندق هذا
حيث لقضاء الليل
يأتي مسافر غريب؟
من هو صاحب النزل؟
وأين الخادمات؟
فلتنظر، يالها من غرفٍ عجيبة!
لا نيران ضاربة إلى الحمرة في المواقد،
ولا أباريق فضية مترعة تفيض.
أيها الساحر، أيها المالك،
من هؤلاء في الأسفل؟نصوص: اميلي ديكنسون
ترجمة: فاروق هاشم
الإعلامية المميزة هلا ميراز قدمت هذه الحلقة الرائعة عن الشاعرة الأمريكية إيميلي ديكنسون
-
قلب تحت جُبَّة
مقدمة المترجم
ذكرَ جورج إيزامبارGeorges Izambard ، أستاذ رامبو في المدرسة الثّانويّة، أنّ هذا الأخير سلّمه نصّه هذه القصة القصيرة الساخرة في 18 تمّوز/يوليو 1870، أي في العام الأوّل من ممارساته الشعريّة الجادّة أو “النّاضجة”.
ولم يجرؤ لا إيزامبار ولا بَريشونPaterne Berrichon ، صهر الشّاعر، لا ولا حتّى ڤرلين Paul Verlaine على نشر هذه القصّة “الفاضحة”، فلم ترَ النور إلاّ في 1924، إذ نشرَها أندريه بريتونAndré Breton ولوي أراغونLouis Aragon مصوَّرةً بخطّ مؤلّفها. وشكّل هذا النصّ إحدى الحجج الأساسيّة للسورياليّين في سجالهم ضدّ پول كلوديل Paul Claudel الذي كان يقول بصدور رامبو في شعره عن كاثوليكيّة غير واعية.
وسوف يجد القارئ المتمعّن، بين هذه القصّة وقصائد رامبو المعاصرة لها، وحدة أو تقارباً في اللّغة وطبيعة السّخرية والاهتمامات الفكريّة.
وإلى السّخرية النافذة على مستوى السّطح، نلاحَظ، منذ هذه الفترة المبكّرة، ولع رامبو بالكتابة المرموزة (كتابة في شيفرة) والتعريض الكنائيّ. (المزيد…)





