المدونة

  • جاسم الصحيح – فهرسةٌ للجراح

    جاسم الصحيح – فهرسةٌ للجراح

    يُطلُّ الصبحُ شيخاً مُشْرَعَ الكفَّينِ
    يحتلبُ الندَى الريَّانَ من ثديِ الطبيعةِ في إناءِ الكونِ…
    جَلَّ اللهُ ما أبهاهُ!!
    يستجلي مواهبَهُ على الدنيا
    فأصحوَ صحوَ رجل قديمٍ
    كلَّما نَزَلَ الجمالُ بأرضيَ انبثقَتْ حكاياتُ
    وأُسْلِمُ للمدَى جسدي
    فإنْ طَرَقَتْ عليَّ الريحُ تنفرجُ المساماتُ
    ووجهيَ حنطةٌ في الدربِ تأكلُهُ المسافاتُ
    وما زالَتْ ملامحُهُ تناضلُ للظهورِ بِصورةِ الأحياءْ
    أخافُ..أخافُ من زمنٍ:
    مُسَدَّسُهُ وَلِيُّ الأمرِ في وطني
    وصاحبةُ البهاء رصاصةٌ بلهاءْ

    ولكنّي أعضُّ بِكُلِّ ما أوتيتُ من أملٍ على جرحي
    كأنّيَ ممسكٌ بِوِسَامْ!
    وأحملُ قيدَ آثامي
    أطوف الأولياءَ بها فقد تتفصَّمُ الآثامْ
    وليس لديَّ في النجوَى سؤالٌ في مقام الحق..
    ليس لديَّ ما يكفي من الأسرارِ كي أُحْيِي كَذَاكَ مقامْ!

    وذاتَ ضحيً
    مررتُ بِحقلِ أحلامي..
    وكانَ الحقلُ طفلاً في مهادِ النُّضْجِ..
    كانَ مقمَّطاً بِسِيَاجْ
    فَمَدَّ يديهِ عنقودَيْنِ خارجَ مَهْدِهِ الوَهَّاجْ
    ولم أحلمْ بغير محبَّةِ امرأةٍ
    تُشَكِّلُ (نونَ) ها حوضاً
    أُرَبِّي فيه كالأسماكِ أشعاري
    بِوِسْعِ قصيدةٍ في الحبِّ
    أنْ تبني لنا دَرَجاً إلى الفردوسِ
    أوْ دَرَكاً إلى النارِ
    لَبسْتُ من الهوَى عُمُراً…
    إذا ماشَقَّهُ وَطَرٌ أُرَقِّعُهُ بِأوطارِ
    وكان الليلُ من حولي
    يذوبُ كقطرةِ الليمونِ
    فيما كنت ُ أقرأُ ما رَوَاهُ (المؤرخ) عن أحاديثِ العيونِ
    وطالما كانَتْ تجيدُ يدايَ
    كيف (ترنو) خاشعةً إلي الرقبَهْ!
    وكيف (تطوفُ) حولَ الخصرِ..
    كيف (تُفيض) من سفحٍ حواليهِ إلى هضبَهْ !
    وما أمسكتُهُ بِيَدَيَّ..
    ذلكَ لم يكنْ جَسَداً
    ولكنْ قلبَ درويشٍ يرقرقُ في دمي عِنَبَه!
    دعاني (النيلُ) للنجوَى..
    دعاني للهوَى (بردى) ..
    وأُقْسِمُ ماكسرتُ خواطرَ الأنهارْ
    فألهمَني هناكَ الماءُ
    كيف أُهَرِّبُ الأزهارَ في الأفكارْ
    وها أنا ذا..
    إذا ما هزَّني بيتٌ من الشعرِ
    غدا رأسي أميراً مائلَ الأعطافِ في أرجوحة السُّكْرِ
    وإنْ بيتانِ شعريَّانِ مالا بي من الطرب
    غدوتُ بِنشوتي بَهياً يسوسُ قبائلَ العِنَبِ
    كفاني من عطايا الشعرِ
    مُلْكٌ باتّساعِ الرأسِ أبلغُهُ بِبيتينِ!
    وأحكمُهُ بِقافيةٍ وشطرينِ!!
    ترنُّ خُطى الأحبّةِ ملءَ ذاكرتي
    إذا خَطَروا..
    إذا دقُّوا
    على باب الخيالِ هناكَ وانفتحَتْ لهم صُوَرُ:
    هنا ضحكوا…هنا ناحوا
    هنا اختاروا لهم وَطَناً بقلبِ الموتِ وارتاحوا

    وعُدْتُ أنا…
    أجرُّ (الأربعين) معي
    جنائزَ …
    والخطى عرباتْ
    أحاول جمعَ أحبابي بأغنيةٍ ..
    فينتثرونَ في الآهاتْ
    وأرجع للخيال أَلُمُّ
    ما أهرقتُ من نجوَى على أعتابِ عودتهِمْ..
    و ما أهدرتُ من صلواتْ
    مسيرةُ خمسِ آهاتٍ ..
    وأبلغ موطن الذكرى..
    أذودُ الموتَ عن ماضٍ
    تَأَرْجَحَتِ (الأنا) فيهِ على حبلٍ من الصَبَوَاتْ
    تُفيق الدارُ..
    تلمحُني..
    فتلمحُ في المدى كأساً بهِ تتكثَّفُ الغُرُبَاتْ
    وتلمحُ في المدى أَلَماً
    مقفّى في قصيدتهِ تُمَهَّد كامل الأبياتْ
    هنا داري..
    على عتَبَاتِها وَلَهٌ لِأقدامي
    وملءُ ترابِها وَحْشَه
    هنا سَيَّلْتُ أعوامي..
    ويومَ صَحَتْ تُوَدِّعُني اخْتَصَرْناَ السيلَ في رعْشَه
    أُطِلُّ على النهايةِ تنزفُ الآلامَ من حولي
    فَأُدمي جبهتي أسفاً على جدرانِ خَيْبَاتي
    وأُصغي للمدَى ..لاصوتَ .. إلا صوتُ مأساتي
    وصمتيَ في سكينتِهِ
    يُهَيِّئُ شكلَ معركتي مع الآتي
    وها أنا ذا ..
    أُجَدْوِلُ نَزْفَ أعضائي بِفَهْرَسَةِ الجراحاتِ
    وأسكنُ ذاتَ أمنيتي إلى أنْ ألتقي ذاتي!

    جاسم محمد الصحيّح
    عن جريدة (الزمان)

  • قصيدتان من ايطاليا

    مُفاجَأة

    مَن قالَ إنَّ عليّ أن أعرفكَ
    بعدَ أنْ تقدَّّم بيَ العُمر ُ
    وأن أمْسكَ بوجهكَ بينَ يديَّ
    لأقرِّب شفتيّ منه؟
    تسرَّب الوقتُ نقطةً وراءَ أخرى
    لا يسمح لنا إيجاد مَسارب.
    ومع ذلك ها أنتِ إلى قربي
    في الرَّغبة،
    مُستعدة لأن تُسلِّمي نَفسك عارية ً
    إلى الذي، منذُ زمنٍ طويل، يقول أحبُّك.

    (المزيد…)

  • محمود درويش – عندما يبتعد

    محمود درويش – عندما يبتعد

    للعدوِّ الذي يَشربُ الشَّاي في كوخِنا
    فَرسٌ في الدُّخانِ.وبنْتٌ لها
    حاجبانِ كَثيفانِ.عَينانِ بنِّيتان.وشَعرٌ
    طَويلٌ كَليلِ الأغاني عَلى الكَتفينِ.وصُورَتها
    لا تُفارقهُ كُلَّما جَاءنا يَطلبُ الشَّاي.لَكنَّه
    لا يحدثُنا عَن مَشاغلها في المساء، وعَن
    فَرسٍ تَركتهُ الأغَاني عَلى قِمَّة التلِّ…/

    …في كُوخنا يَستريحُ العدوُّ من البُندقية،
    يَتركها فَوق كُرسيِّ جدِّي.ويَأكل مِن خُبزنا
    مِثلما يفعل الضَّيفُ.يغفو قليلاً عَلى
    مِقعد الخيزرانِ.ويحنو على فَروِ
    قطَّتنا.ويقول لنا دائماً:
    لا تَلوموا الضحيَّة!
    نَسأله: مَن هيَ؟
    فيقول: دمٌ لا يجفِّفه الليلُ…/

    … تلمَع أزرارُ سُترتهِ عِندما يَبتعدْ
    عِمْ مَساءً! وسلِّم على بِئرنا
    وعلى جهة التين.وامْش الهُوينى على
    ظلِّنا في حُقول الشَّعير.وسلِّم على سَروِنا
    في الأعالي. ولا تنسَ بوَّابة البيتِ مفتوحةً
    في الليالي. ولا تَنْسَ خوفَ
    الحصان منَ الطَّائرات،
    وسلِّم علينا، هُناك، إذا اتَّسع الوقتُ…/

    هذا الكَلامُ الذي كَان في ودِّنا
    أن نقولَ على الباب…يسمعه جيَّداً
    جيَّداً، ويخبِّئه في السُّعال السَّريع
    ويلقي بهِ جانباً.
    فلماذا يَزور الضَّحيةَ كلَّ مساءٍ؟
    ويحفظ أمثالنا مِثْلنا،
    ويعيد أناشيدنا ذاتها،
    عن مواعيدنا ذاتها في المكان المقدَّس؟
    لولا المسدسُ
    لاختلط النايُ في النايِ…/

    …لن تنتهي الحربُ ما دامتِ الأرض
    فينا تدورُ على نفسها!
    فلنكن طيِّبين إذاً. كان يسألنا
    أن نكون هنا طيِّبين. ويقرأ شعراً
    لطيَّار((ييتس)): أنا لا أحبُّ الذينَ
    أدافعُ عنهم، كما أنني لا أُعادي
    الذينَ أحاربهم…
    ثم يخرج من كوخنا الخشبيِّ،
    ويمشي ثمانينَ متراً إلى
    بيتنا الحجريِّ هناك على طرفِ السَّهل…/

    سلِّم على بَيتنا يا غَريب.
    فَناجين ُ
    قَهوتِنا لا تزال على حالها. هل تشمُّ
    أَصابعنا فوقها؟ هل تقول لبنتكَ ذات
    الجديلةِ والحاجبين الكثيفين إنَّ لها
    صَاحباً غائباً،
    يتمنَّى زيارتها، لا لشيءٍ…
    ولكن ليدخلَ مرآتها ويرى سرَّه:
    كيف كانت تتابع من بعدهِ عمره
    بدلاً منه؟ سلِّم عليها
    إذا اتَّسع الوقت…/
    هذا الكلام الذي كانَ في وِدِّنا أن نقولَ له، كان يسمعهُ جيداً
    جيداً،
    ويخبِّئه في سُعالٍ سريعٍ،
    ويُلقي به جانباً، ثم تلمعُ
    أزرار سترتهِ عندما يبتعدْ…

    محمود درويش

  • من رواية الجهل، ميلان كونديرا

    يعيش الكائن البشري بشكل متوسط حوالي ثمانين عاماً. وبحساب هذه المدة يتصور كل شخص حياته وينظمها.
    ما قلته الآن يعرفه الجميع، لكن قليلاً ما ننتبه إلى أن هذا الرقم الذي حُدد لنا ليس مجرد معلومة كمية ولا خارجية بشكل خاص(مثل طول الأنف أو لون العينين)، بل يشكل جزءاً من تعريف الإنسان نفسه.
    إن ذاك الذي يستطيع أن يعيش بكامل قواه، زمناً مضاعفاً، لنقل مئة وستين عاماً لن ينتمي إلى نوعنا نفسه.
    لن يبقى شيء كما كان في حياته، لا الحب، لا الطموحات، لا شيء.
    إذا عاد مهاجر بعد عشرين عاماً من العيش في الغربة إلى بلده الأصلي وأمامه مئة عام آخر، فإنه لن يشعر بلهفة العودة الكبرى، وربما لن تكون بالنسبة إليه عودة، بل مجرد جولة من جولات كثيرة يقوم بها على امتداد مجرى حياته.
    لأن فكرة الوطن ذاتها، بالمعنى النبيل و العاطفي للكلمة، مرتبطة بحياتنا القصيرة نسبياً، والتي تمنحنا وقتاً أقصر كي نتمكن من التعلق ببلد آخر، بلدان أخرى، ولغاتٍ أخرى.


    يمكن للعلاقات الإيروسية أن تملأ حياة الراشد.لكن لو كانت الحياة أطول بكثير، ألن يُخمد الإنهاك القدرة على الإثارة قبل أن تغرب الطاقة الجسدية؟لأن هناك فرقاً هائلاً بين الجماع الأول،العاشر، المئة، الألف، وغير المحدد.
    أين سيكون الحد الذي سيصبح التكرار بعده نمطياً، إن لم يكن هزلياً بل ومحالاً؟ثم ما الذي سيجري بالنسبة للعلاقة الغرامية بين رجل وامرأة حين يتم تجاوز هذا الحد؟هل ستختفي؟أم على العكس سيعتبر الحبيبان المرحلة الجنسية من حياتهما مرحلة الوحشية ما قبل التاريخية لحب حقيقي؟إن الإجابة على هذه الأسئلة سهلة سهولة تصور سيكولوجية سكان كوكب مجهول.

    ربما نشأت فكرة الحب(الحب الكبير، الحب الوحيد) أيضا من محدودية الزمن الممنوح لنا.
    لو لم يكن لهذا الزمن حدود هل كان جوزيف سيشعر بكل هذا التعلق بزوجته المتوفاة؟نحن الذين سيكون من نصيبنا أن نموت باكراً لا نعرف.

    الذاكرة أيضا لا يمكن أن تدرك دون مقاربة رياضية.إن المعلومة الأساسية تقوم على العلاقة الرقمية بين زمن الحياة المعاشة وزمن الحياة المخزنة في الذاكرة.
    لم نحاول قط أن نحسب هذه العلاقة، ثم إننا لا نملك وسيلة تقنية لفعل ذلك، ومع ذلك أستطيع أن أفترض دون مجازفات كبيرة بالخطأ، أن الذاكرة لا تحتفظ إلا بجزء من مليون، من ألف مليون، أي جزء هزيل جداً، من الحياة المعاشة.
    وهذا أيضاً يشكل جزءاً من جوهر الإنسان نفسه.
    لو استطاع أحد ما أن يحتفظ في ذاكرته بكل المعاش، لو استطاع أن يستحضر متى شاء أي جزء من ماضيه، لما كان له علاقة بالكائن البشري: فلا حبه ولا صداقاته ولا كراهياته ولا قدرته على الصفح أو الانتقام ستشبه مثيلاتها عندنا.
    لن نتعب أبداً من نقد من يشوهون الماضي، يعيدون كتابته، يزورونه، ويبالغون بأهمية حدث أو السكوت عليه.
    هذه الانتقادات مبررة(لا يمكن إلا أن تكون كذلك)، لكنها تخلو من الأهمية، ما لم يسبقها نقد أكثر بساطة: نقد الذاكرة البشرية بوصفها كذلك.
    إذ ماذا تستطيع ذاكرتها المسكينة أن تفعل واقعياً؟وهي ليست قادرة على أن تحتجز من الماضي إلا جزءاً يسيراً، دون أن يدري أحد لماذا هذا الجزء وليس غيره، فهذا الاختيار يصاغ بطريقة غامضة في كل واحد منا بعيداً عن إرادتنا ومصالحنا.
    لن نفهم شيئاً عن الحياة الإنسانية ما لم نصرّ على انتشال أوَّل البديهيات جميعها: إن واقعاً كان لا يبقى كما كان، واسترداده محال.

    ميلان كونديرا
    ترجمة: رفعت عطفة

  • باب ما جاء في تفضيل لحم الإنسان الأبيض

    كان اللحم البشري من لوازم العيش بين قبائل كثيرة، ولم يكن الناس يعرفون الجنائز؛ بل قد كان الأحياء في الكنغو الأعلى يُباعون ويُشترون رجالا ونساء وأطفالاً، كانوا يباعون ويُشترون علناً على اعتبار أنهم من مواد الطعام، وأما في جزيرة بريطانيا الجديدة فقد كان اللحم البشري يباع في دكاكين كما يبيع القصابون اللحم الحيواني اليوم؛ وكذلك في بعض جزر سليمان كانوا يسمنون من يقع في أيديهم من الضحايا البشرية- وخصوصاً النساء- ليولموا بلحومهم الولائم كأنهم الخنازير.

    وكان الفويجيون ينزلون النساء منزلة أعلى من الكلاب لأن “الكلاب كان مذاقها رديئاً” كما كانوا يقولون.

    ولما مر “بيير لوتي” بجزيرة تاهيتي، أخذ رئيس كهل من رؤساء البولينزيين يشرح له طعامه فقال: “إن مذاق الرجل الأبيض إذا ما أُحسن شواؤه كمذاق الموز الناضج” أما الفيجيون فلم يعجبهم لحم البيض زاعمين أنه زائد في ملحه عما ينبغي، وقوي الألياف، فالبحار الأوربي إذا ما وقع لهم كاد في رأيهم ألا يصلح للطعام، وعندهم أن الرجل من بولينزيا ألذ طعماً.

    فمـا أصل هذه العـادة؟ ليس هنالك مـا يثبت قطـعاً أنها نشأت- كمــا ظـن النـاس مـن قبل- بسبـب قلـة في أنـواع الطعـام الأخرى، ولو كان ذلك كذلك إذن فقد بقى التلذذ بمذاق اللحم البشري بعد زوال القحط في مواد الطعام الأخرى، لأن العادة قد تكونت وأصبحت مما يستميل الأكل وهاهي ذي الطبيعة، أصبح فيها الدم البشري طعاماً شهياً لا يُقدم عليه اللاعق في جزع قط، حتى النباتيون البدائيون كانوا سرعان ما يعتادونه بشغف عظيم؛ ولطالما شرب أهل القبائل دم الإنسان، مع أنهم يكونون في غير هذا الظرف رقيقي القلوب كرام النفوس- يشربونه تارة باعتباره دواء؛ وطوراً باعتباره شعيرة دينية أو وفاء بعهد، ويشربونه عادة على عقيدة منهم أنه سيضيف إلى الشارب القوة الحيوية التي كانت للمأكول.

    ولم يكن أحد ليشعر بشيء من الخجل في إيثاره للحم البشري، والظاهر أن البدائيين لم يكونوا يفرقون في حكمهم الأخلاقي بين أكل الإنسان وأكل الحيوان، بل أنه لمدعاة للفخار في ميلانيزيا أن يدعو الرئيس أصدقاءه إلى أكلة يُقدم فيها إنسان مشوي، وفي ذلك قال رئيس برازيلي فيلسوف: “ما دمتُ قد قتلتُ عدوي، فلا شك أنه من الخير أن آكله بدل أن أتركه فيضيع خسارةً لا يفيد منه أحد . . . ليس أسوأ الحالات أن يؤكل الإنسان، لكن أسوأها أن يموت، فإذا ما قُتلتُ فسواء لدي أأكلني عدو القبيلة أم تركني؛ على أنني لا أجد بين صنوف الصيد جميعاً ما هو ألذ مذاقاً من طعم الإنسان. والحق أنكم أيها البيض قد بلغتم الغاية في حسن المذاق” .

    ومما لا ريب فيه أن هذه العادة قد كان لها حسنات اجتماعية معينة؛ فقد سبقت إلى الوجود الخطة التي اقترحها “سوفت” في شأن الانتفاع بالأطفال الزائدين عن الحاجة، ثم أفسحت أمام الكهول مجالاً وهو أن يموتوا موتاً فيه نفع للآخرين؛ أضف إلى ذلك وجهة النظر التي لا ترى في الجنائز إلا إسرافاً لا تدعو إليه ضرورة.

    ولقد كان من رأي “مونتيني” أن تعذيب الإنسان حتى يُسلم الروح تحت قناعٍ من الورع والتقوى- كما كانت الحال في عصره- أفظع وحشيةً من طهيه وأكله بعد موته؛ إنه لواجب علينا أن يحترم كل منا أوهام الآخر.

    قصة الحضارة – ول ديورانت.
    التراث الشرقي – نشأة الحضارة
    من الصيد إلى الحرث

  • هسهسة اللغة، رولان بارت

    هسهسة اللغة، رولان بارت

    إنَّ الكلام لَيسير قدماً في اتِّجاهٍ واحد.وهذا هو قدره.‏
    فما قد قيل لا يستطيع أن يستعيد نفسه، إلا إذا ازداد:فالتَّصحيح، إنَّما يكون هنا، وبشكل غريب، إضافة.‏
    فأنا حين أتكلم لا أستطيع أن أمحو ما أقول أبداً، كما لا أستطيع أن أمسحه، ولا أن ألغيه.‏
    وإن كل ما أستطيع فعله، هو أن أقول: ((أُلغي، وأمسَح، وأُعدِّل)).‏
    وباختصار، فإني أتكلم أيضاً.‏
    وإني لأسمي هذا الإلغاء الفريد عن طريق الإضافة ((ثغثغة)).‏
    والثغثغة رسالة مخفقة مرَّتان: إننا نفهمها، من جهة أولى، فهماً سيئاً.‏
    ولكن مع الجهد، من جهة أخرى، فإننا نفهمها على كل حال.‏
    إنها فعلاً، ليست ضمن اللغة، ولا هي خارجها: إنها هسهسة لسانية.‏
    وإنها لَتقارن بمُحرك يجعلنا، بعد عدة محاولات لتشغيله، نسمع بأنه ليس سيئاً.‏
    وهذا هو، على وجه التحديد، معنى الإخفاق، ومعنى الإشارة الصوتية للفشل، الذي يترك جانبه في الشيء.‏
    فثغثغة (المحرك، أو الذات)، إنما هي خوف في النتيجة: إني لأخشى أن يتوقف السير فجأة.‏


    موت الآلة: إنه قد يكون مؤلمًا بالنسبة إلى الإنسان، أن يصف موت الآلة، وكأنه شبيه بموت الحيوان(انظر رواية ‏زولا).‏
    ومهما تكن الآلة قليلة الجاذبية في النتيجة(لأنها صورة الروبو، تشكل أخطر تهديد: يتجلى في ضياع ‏الجسد)، فثمة، مع ذلك، إمكان فيها لموضوع مرح: ألا وهو أداؤها الجيد.‏
    وإننا لنحذر الآلة، لأنها تعمل وحدها، ولكننا نُسرُّ منها أيَّما سرور إذ تعمل جيداً.‏
    وكذلك الحال بالنسبة إلى أعطال الوظائف اللسانية.‏
    إنها لتختصر إلى حد ما في الإشارة الصوتية: الثَّغْثَغَة.‏
    وينطبق هذا الأمر على حسن عمل الآلة أيضاً، وهذا يظهر في كائن موسيقي: إنه الهَسْهَسَة.‏

    إن الهسهسة هي الصوت الدَّالّ على حُسن سير الشيء.‏
    وثمَّة مُفارقة تنتج عن ذلك : إن الهسهسة لتشير إلى صوتٍ محدد، صوت غير ممكن، صوت الشيء الذي لا ‏صوت له في حال تنفيذه لأدائه كاملاً.‏
    وإن فعل هسهس ليجعل تبخُّر الصوت نفسه مسموعاً: فالصوت الرَّقيق، والمُشَّوش، والمُرتجف يُستقبل بوصفه ‏إشارات لإلغاء صوتي.‏

    إن الآلات السعيدة، إذن، هي الآلات التي تهسهس.‏
    ولقد تخيل ساد الآلة الشبقيَّة، ووصفها ألف مرة كأنها كتلة((فكرة)) من الأجساد، مواقعها الغرامية منضَّدة ‏بعناية، بعضها إلى جانب بعض.‏
    وعندما تبدأ هذه الآلة عملها، بحركات تشنُّجية يقوم بها المشاركون، فإنها تهتز وتهسهس خفيفة: إنها باختصار، ‏تمشي، بل هي تمشي جيداً.‏

    ونجد، في مكان آخر، أن الياباني اليوم، حين يتعاطى لعبة آلة النقود جماهيرياً(تسمى هذه اللعبة باشانكو) في ‏قاعات كبرى، فإن هذه القاعات تمتليء بضجة هائلة تحدثها الكرات.‏
    وإنه لمما تعنيه هذه الضجة أن ثمة شيئاً يعمل جماعياً: إن اللذة لقائمة في اللعب(وهي لذة تنطوي على لغز ‏لأسباب أخرى)، وفي التصرف بالجسد تصرفاً دقيقاً.‏
    وذلك لأن الهسهسة(ونرى هذا في أمثلة لساد، وفي الأمثلة اليابانية)تستلزم أمَّة من الأجساد: إذ في هسهسة ‏اللذة التي ((تعمل))، ليس ثمة صوت يعلو، أو يقود، أو يبتعد.‏
    وليس ثمة صوت يتكون كذلك.‏
    فالهسهسة هي الصَّخب نفسه للمتعة المتعددة ـولكنها ليست جماعية على الإطلاق(فالجماهير، هي على العكس من ذلك.إن لها صوتاً واحداً، وقوياً قوةً ‏مخيفة).‏

    واللغة، هل تستطيع أن تهسهس؟يبدو أن الكلام، سيبقى خاضعاً للهسهسة.‏
    كما يبدو أن الكتابة ستبقى خاضعة للصمت، ولتميز الإشارات: وعلى كل حال، فإن ثمة معنى كثيراً سيبقى ‏دائماً، لكي تحقق اللغة به متعة تكون خاصة بمادتها.‏
    ولكن يبقى أن ما هو مستحيل، لا يعني أنه مستحيل على الإدراك: فهسهسة اللغة تشكل اليوتوبيا، أي ‏يوتوبيا؟.‏
    إنها يوتوبيا موسيقى المعنى.‏
    وإني لأعني بهذا، أن اللغة، لتتسع في حالتها اليوتوبية، بل لعلي أقول إنها لتتشوه أيضاً، وتظل كذلك إلى أن ‏تنسج نسيجاً صوتياً هائلاً، تجد فيه الآلة الدلالية نفسها غير متحققة.‏
    هكذا، ينتشر الدال الصوتي، والعروضي، والنطقي انتشاراً تتجلى فيه كل فخامته من غير أن تنفصل عنه إشارته ‏أبداً(يأتي لكي يطبع هذا الغطاء الخالص من المتعة)ولكن أيضا ـــ وهنا تكمن الصعوبة ـــــ من غير ‏أن يكون المعنى مقصياً بفظاظة، وساقطاً سقوطاً عقدياً، وبإيجاز، من غير أن يكون مخصياً.‏
    ومع ذلك، فاللغة في حال هسهستها إذ تودع نفسها في الدال بحركة غير معروفة، ومجهولة في خطاباتنا ‏العقلانية، فإنها لا تهجر من أجل ذلك أفق المعنى: وسيكون المعنى غير قابل للتجزيء، حصيناً، وغير قابل ‏للتسمية.‏
    كما سيكون، مع ذلك، موضوعاً في مكان بعيد، وكأنه شبح يجعل من التمرين النطقي مشهداً مضاعفاً، ومزوداً ‏ب((عمق)).‏
    ولكن بدل أن تكون موسيقى الأصوات هي ((عمق)) رسائلنا(كما يحدث في شعرنا)، فإن المعنى سيكون هنا ‏نقطة هروب المتعة.‏
    وكذلك حال المعنى بالنسبة إلى الآلة.‏
    إننا حين نعزو الهسهسة إليها، فإننا لا نعزو إليها سوى هسهسة غياب الضجة.‏
    وكذلك هو أيضا حال المعنى حين ينسب إلى اللغة.‏
    إنه قد يكون هذا المعنى الذي يحدث السماع، ويستثني نفسه، أوـ وهذا يعني الشيء نفسه -قد يكون ‏هذا اللامعنى الذي يسمع الداني والنائي معنى متحرراً، من الآن فصاعداً، من كل الإعتداءات التي كانت علامتها ‏علبة باندور*، تلك العلامة التي تشكلت في ((الحزن التاريخي للبشر)).‏

    ‏هذه هي اليوتوبيا، من غير ريب.‏
    ولكن اليوتوبيا هي التي تقود البحوث الطلائعية غالباً.‏
    ثمة، إذن، هنا وهناك، وفي بعض الأوقات ما يمكن أن نطلق عليه تجربة الهسهسة: وإن هذا ليكون كبعض ‏منتوجات الموسيقى البعد تسلسلية(وإنه أمر هام جداً أن تعطي هذه الموسيقى للصوت أهمية قصوى: ذلك لأنها تزاول الصوت باحثة أن تشوه المعنى ‏فيه، لا أن تشوه الحجم الصوتي)، وبعض الأبحاث في الهواتف اللاسلكية.‏
    وهي أيضا آخر نصوص بيير غيوتا، أو فيليب سوللير.‏

    وثمة ما هو أكثر من ذلك.إننا نستطيع أن نقوم بهذا البحث حول الهسهسة بأنفسنا، سواء كان ذلك في الحياة، ‏أم كان ذلك في مغامرات الحياة، وبما تحمله الحياة بشكل مرتجل.‏
    ففي ذات مساء، بينما كنت أشاهد فيلم أنطونيني عن الصين، اختبرت هسهسة اللغة في لقطة من اللقطات: في ‏شارع من شوارع إحدى القرى، كان بعض الأطفال جالسين مستندين إلى جدار، وهم يقرأون بصوت مرتفع.‏
    كان كل واحد منهم يقرأ لنفسه، وجميعهم بعضهم مع بعض، كتاباً مختلفاً.‏
    ويهسهس هذا التجمع بشكل حسن، وكأنه ألة تسير سيراً جيداً.‏
    وكان المعنى، بالنسبة إلى ممتنعاً خرقه بشكل مضاعف: فقد كنت أجهل اللغة الصينية، وكان يحول بيني وبين ‏المعنى التشويش المتزامن لهؤلاء القراء.‏
    ولكني كنت أسمع، من خلال نوع من أنواع الإدراك الهاذي بمقدار ما كان هذا الإدراك يتلقاه من كثافة دقة ‏المشهد، كنت أسمع الموسيقى، والنفس، والتوتر، والدقة.‏
    وكنت، باختصار، أسمع شيئا يشبه الهدف، ماذا!.‏
    هل يكفي أن نتكلم جميعاً لكي نجعل اللغة تهسهس، بشكل نادر، ومستعار من المتعة، كما جئنا على قوله؟.‏
    ليس ذلك كذلك على الإطلاق، وهذا مؤكد.‏
    ذلك لأن المشهد الصوتي يحتاج إلى شبقية(بالمعنى العام لهذه الكلمة)، وإلى حماسة، أو إلى الاكتشاف، أو إلى ‏مصاحبة بسيطة للإنفعال: وهذا ما يحمله، تحديداً، وجه الطفل الصيني.‏

    إني لأتصورني اليوم على طريقة اليوناني قديمًا، تماماً كما وصفه هيجل: يقول، إنه كان يسأل بانفعال، ومن غير ‏انقطاع، هسهسة أوراق الشجر، والينابيع والرياح، وبإيجاز كان يسأل قشعريرة الطبيعة لكي يدرك قدر العقل.‏
    أما أنا. فإني أسأل قشعريرة المعنى وأنا أسمع هسهسة اللسان ـ إذ من هذا اللسان طبيعتي، أنا، الإنسان ‏المعاصر.‏

    *المقصود بعلبة باندور آلة موسيقية تشبه القيثارة

    رولان بارت

    ترجمة: منذر العياشي

  • عَودةُ لِيليتَ : مبتدأٌ أوَّلٌ

    أنا ليليت المرأة القَدَر. لا يتملّص ذَكَرٌ من قدري ولا يريد ذكرٌ أن يتملّص

    أنا المرأة القَمَران ليليت. لا يكتمل أسوَدهما إلا بأبيضهما، لأنّ طهارتي شرارةُ المجون وتمنّعي أول الاحتمال. أنا المرأةُ الجنّة التي سقطت من الجنّة وأنا السقوط الجنّة

    أنا العذراء ليليت، وجه الداعرة اللامرئي، الأم العشيقة والمرأة الرجل. الليلُ لأني النهار، والجهة اليمنى لأني الجهة اليسرى، والجنوب لأني الشمال
    (المزيد…)

  • أسطورة ليليث Lilith – بريجيت كوشو

    أسطورة ليليث Lilith – بريجيت كوشو

    تنتمي أسطورة “ليليث” إلى أصول تاريخية قديمة جداً، فهي تتصل ببابل القديمة، حيث كان الساميون القدماء يتبنون مجموعة من المعتقدات الخاصة بأجدادهم السومريين، كما ترتبط بأكبر أساطير الخلق. هناك روابط متينة تلصقها بالثعبان، إنها بقايا ذكريات طقس قديم جداً كرّم أكبر إلهة سميت كذلك بـ”الثعبان الأكبر” و”التنين”، القوة الكونية للخلود الأنثوي، والتي عُبدت من خلال هذه الأسماء: “عشتروت Astarté، أو عشتار Istar ou Ishtar، ميليتا Mylitta، إنيني أو إينانا Innini ou Innana”(1).

    وقد اكتشفت نقوش في الآثار البابلية (مكتبة آشور بانيبال)، وضّحت أصول “ليليث”، البغي المقدسة لإنانا، والآلهة الأم الكبرى، التي أرسلت من قبل هذه الأخيرة كي تغوي الرجال في الطريق، وتقودهم إلى معبد الإلهة، حيث كانت تقام هناك الاحتفالات المقدسة للخصوبة. كان الاضطراب واقعاً بين “ليليث” المسماة “يد إنانا”، والإلهة التي تمثلها، والتي كانت هي نفسها توسم أحياناً بهذا اللقب “البغي المقدسة”.

    لاسم “ليليث” جذور في الفصيلة السامية والهندو أوروبية. الاسم السومري “ليل Lil” الذي نجده ممثلاً في اسم إله الهواء “أنليل”(2) يدلّ على: “الريح” و”الهواء” و”العاصفة”. إنه هذا الريح الحار الذي ـ حسب المعتقد الشعبي ـ يعطي الحرارة للنساء أثناء الولادة، ويقتلهن مع أطفالهن. عُدّت “ليليث” في البداية باعتبارها من أكبر القوى المعادية للطبيعة تتصدر مجموعة مكوّنة من ثلاثة آلهة: أحدهم ذكر والاثنتان أنثيان: “ليلو Lilû”، و”الليليتو La Lilitû”، و”أردات ليلي L’Ardat Lili، واعتبرت هذه الأخيرة زوجة سارق النور أو السارق الأنثوي للنور.

    يوجد كذلك تشابه بين كلمة “ليليث” والكلمتين السومريتين التاليتين: ليلتي “الشهوة” ووليلو” الفسق”. تستخدم ليليث إغراءها (المرأة الجميلة ذات الشعر الطويل) وشهوانيتها (الأكثر حيوانية) في نهايات تدميرية. على الأرجح وقع هذا أثناء سبي بابل(3) حيث حاول اليهود أن يتعرفوا على هذا الإله الذي يَنْشط خاصة في الليل؛ وعليه حاولوا أن يربطوا بين اسم (ليليث) والكلمة العبرانية ليل (الليل)، ولكن عدّ الربط احتمالاً غير ممكن الوقوع. وهكذا رُسمت صورة لليليث من خلال ملامح طائر الليل، البومة أو طائر الشؤم.

    سيمكّن صوت باحثين آخرين من استكمال وصف ليليث من خلال العلاقات الممكنة التي تُقرّب اسمها من الجذر الهندو أوروبي (ل، La) بمعنى (الخلق ـ الغناء) من جهة، ومن الكلمة اليونانية من جهة أخرى. وتتفرع من الجذور (ل، La) الكلمة السنسكريتية (ليك، Lik) أي (لعق)، وكذلك عدد كبير من الكلمات التي لها علاقة باللسان والشفتين: نجد كلمة (lippe) في الألمانية والفرنسية، وكلمة (Labium) اللاتينية؛ تلتهم ليليث الأطفال، وتتجلى شفتاها وفمها دائماً في الأعمال الأدبية التالية.

    للكلمة اليونانية علاقة مع الكلمات التالية: (Lux) اللاتينية و(Luz) الإسبانية وكلمة (Light) في الإنجليزية و(licht) في الألمانية، وتُعَبّر كل هذه الكلمات عن فكرة الضوء، أو أكثر تدقيقاً “النظر من خلال رؤية ثاقبة”، “النظر ليلا”، التحرّر من الظلام الدامس”، (أنظر “جاك بريل” Jacque Bril ليليث أو أم الظلام، “رسائل فلسفية”)؛ لكن بعض النصوص الأدبية سوف تستحضر “ليليث” في مغامرة بحث مختلفة يدفعها إليها البطل.

    النصوص المؤسسة:

    ذُكرت “ليليث” في العهد القديم، كتاب الرسل، إشعيا (34/14)، سفر الرؤيا في نهاية أدوم التي تتحول، بفعل غضب يهوه، إلى كتلة نارية من الزفت والكبريت(4) وقبل أن تصبح مكاناً قفراً لا يستطيع أحد اجتيازه إلا البجع والقنفذ وطائر البوم والغراب، وكلها ستتخذ من هذا الخواء مأوى لها و”هنا كذلك تستقر ليليث، كي تجد الهدوء برفقة القطط المتوحشة، والضباع، والساتير، والحية السامة، والنسور”.

    إنه الاقتراب من هذا الممر (منفى ليليث) ومن قصتين من قصص خلق الرجل والمرأة من قبل يهوه (الإصحاح الأول والثاني من التكوين)(5) حيث ستولد أسطورة ليليث في العصور الحديثة: المرأة الأولى المخلوقة، التي تنطق بالـ”اسم غير المُعَبَّر عنه” والذي يزودها بأجنحة تمكّنها من الهروب من جنّة عدن، حيث ستفارق آدم، ولم تكن تتوقع أن تقتفي أثرها ثلاثة ملائكة: ـ (Samengeloff, Sinsinoï, Sinoï) ـ يجدونها عند البحر الأحمر، ويطلبون منها العودة، ويصبح هذا الهروب وضعاً على انفراد، منذ ذلك اليوم في إجابة عن تهديد الملائكة الثلاثة (رؤية ملايين الأطفال الذين يُقتلون يومياً)، ورغبة في المواجهة والغيرة فيما يتعلّق بحوّاء التي خلقت بعدها كي تعوضها ـ ليس من الطين، موازاة بآدم وليليث، وهذا هو الدليل الذي قُدِّم باعتباره سبب سوء التفاهم بين ليليث وآدم، ولكن هذه المرة من ضلع هذا الأخير ـ تعود ليليث إلى عالم الرجال، وتُسقط آدم وحواء، كي تسبب لهم الأذى والضرر.

    النصوص الأولى المعروفة التي حاولت إعادة الاعتبار لليليث هي نصوص وُضعت أساساً ضد شيطانية ليليث، والتي منحت التضرعات والطرائق من أجل حمايتها، وخاصة من أجل إبعادها عن الأطفال والنساء الحوامل: وصية سليمان (القرن الثالث قبل الميلاد)، التلمود (القرن الخامس قبل الميلاد)، حيث تظهر كذلك في المرتبة الثالثة للشياطين في شكل إنساني تحمل أجنحة الـ(ليلان Lilins) في أبجدية بن سيرا (Ben Sira L’A;phabet de)، في (القرن السابع قبل الميلاد) حيث دوّن المقطع الأكثر شعبية والأكثر نقاء في الأسطورة، و”الزهار LaZohar” في (القرن العاشر قبل الميلاد) الذي أعطى الرواية الأكثر خفاء، و”الكابال La Kabbale” (1600 قبل الميلاد) حيث نرى ليليث تتحد مع إسماعيل.

    ليليث المتمردة:

    اهتمّ الأدب على وجه الخصوص بليليث المتمردة، والتي تضيع ـ هي نفسها ـ في تأكيدها على حقّها في الحرية واللذة، والمساواة مع الرجل، وكذلك كلّ اللواتي يلتقين بها، امرأة شهوانية ومدمّرة؛ إنها تطمح كذلك إلى التفوّق وإلى القدرة. يتجلى هذا في دراما ألمانية مؤرخة سنة 1565: “جيتا Jutta”، التي تأخذ بعين الاعتبار وجود ليليث من خلال سرد حكاية الطفلة الصغيرة “جيتا أو جوانا Johanna ” المرأة الوحيدة التي تعرف بأنها سوف تصبح بابوية(6). وقد أعيدت هذه القصة في القرن العشرين من طرف “لورانس دورال Lawrence Durrell في رواية: “البابوية جان La Papesse Jeanne”، ومن قبل “أوديل إيريت Odile Ehret” في مسرحية مُثّلت في مصنع الذخيرة فانسان بباريس سنة 1983م: “البابوية أو حكاية البابوية جان ومرافقتها بارتوليا” (La Papesse ou La Légende de La Papesse Jeanne et de sa compagne Bartoléa). وفي الفترة نفسها استلهم “كلود باستور C.Pasteur” رواية عنونها بـ”البابوية” (1983م).

    أشار “ملتون Milton” في الفردوس المفقود إلى ليليث في 1667 مستخدماً اسم “الحية الساحرة”. البطلة اليائسة بالنسبة إلى الرومانسيين، وُصفت باعتبارها امرأة جميلة وشهوانية، بشعر طويل، تقود الآخرين معها في دوامة من الآلام، ومن النكبات والموت. استدعى “فكتور هيجو VictorHugo” مظهرها البشع كمصاصة دماء، وحاول أن يمزج بينها وبين إيزيس في “نهاية الشيطان La Fin de Satan”(1886):

    “ابنة الشيطان، امرأة الظلام الكبرى

    هذه ليليث التي نسميها إيزيس على ضفة نهر النيل…”

    “إنني ليليث ـ إيزيس، الروح السوداء للعالم”،

    وقام بإخفائها “دانتي غبريال روسيتي Dante-Gabriel Rossetti” أمام ملاك الحرية في “بيت الحياة” (Eden Bower et the House of life)،
    (1870-1881)، وصنع من ليليث جنية مغوية، المرأة المدمرة الخالدة بكل سحرها الذي لا يقهر والجهنمي. توقظ بما تمتلكه من خوارق عند الرجال حسّ المغامرة وتقودهم نحو ضياعهم.

    وتتجلى بالصورة نفسها في الأعمال المعاصرة نهاية القرنين التاسع عشر والعشرين.

    تؤدي ليليث في رواية” مارك شادورن” (الإله يخلق أولاً ليليث) (1937)، دور الجنية، والموت، واليأس القاتل، وقبل الاختفاء يائسة هي دوماً الثائرة المتمردة، لا ندري أين؛ ربما تكون ميتة وربما لا.

    الأسطورة المعقدة: (ليليث، ليلو، لوليثا):

    مسرحية “ليلو” لـ”وادكيند Wedekind” (مجموعة مؤلفة من روح الأرض، 1893م، ومن علبة بوندور La Boite de Pandore، 1901م)، كيّفت في السينما من قبل “بابست Pabst”(1928)، واستعادتها أوبرا بابرج Berg (الأولى عالمياً في المسرح الوطني للأوبرا بباريس، في 24/02/1979م)، من إنتاج “باتريس شيرو P.Chéreau”، كما مثلت في طبعة جديدة لـ”بيار جون جوف P.J.Joufe” سنة 1983م في مصنع الذخيرة فانسان سنة 1985م، منحت صورة متألقة لليليث، واضعة بعين الاعتبار كل التعقيدات والموضوعات الأساسية للأسطورة. وما يثير الانتباه، هو أنّ المرشدة المزعومة “لو أندريا سالومي Lou-Andria Saloumi” في مسرحية وادكيند وصفت هي الأخرى من قبل “فرويد” باعتبارها تمتلك الملامح والخصائص نفسها التي تحيل على أسطورة ليليث.

    استعاد “ريمي دوغورمون Remy de Gourmont” في مسرحية “ليليث”، سنة 1892، القصة التقليدية الكاملة للخلق، كما جاءت في النصوص المقدسة اليهودية، بطريقة هزلية مذهبية وغرامية، مرتبطة بوجهة نظر متشائمة للحياة الإنسانية. لكن رغم الطابع الهزلي لهذا العمل، فإنه يبيّن بوضوح أنّ التزامن مع أسطورة ليليث يفتح على بحث غير محدّد للإنسان، والأصل ومعنى الحياة.

    وهذا ما يتجلى كذلك في رواية “جورج ماكدونالد G.Macdonald” ليليث (1895م)، حيث يُقذف البطل المواجه لليليث في طريق محفوف بالمخاطر في شقاء تلقيني طويل، وبعبارة أخرى يجد نفسه وحيداً ومتردداً.

    يتشابه هذا الموقف مع ما يمر به بطل رواية “لوليثا” لنباكوف (1955م)، حتى وإن كان هذا التلقين “باتجاه” البطل، ويقوده إلىدجمار مجنون وإلى الموت، تقدّم بطريقة مختلفة. سجين ينتظر محاكمته، من أجل نصرة “الصغيرة ليليث” أُحضر هنا، من أجل هذا يتذكر بنفسه ويدرك حجم الألم الذي سبّبه الافتراق حيث “هامبرت هامبرت Humbert-Humbert” يكتب قصته. الفن يكتب هنا، مثل علامة بارزة في مخطط الأسطورة كما يراه المؤلف ناباكوف الذي يصوّر بطله المكتوب، ويؤكد حريته (أنظر ف. ناباكوف، فيما يخص لوليثا في لوليثا، غاليمار 1959م).

    اتسع مظهر ملتهمة الأطفال ليليث ليشمل الجدّة الملتهمة التي تلتهم العالم الإنساني بفمها الكبير بجهل، وعنف وموت.

    هذا المظهر يحتفل به العنوان نفسه للدراسة الأخيرة التي صدرت حول أسطورة ليليث: ليليث أو الأم المظلمة، لـ”ج. بريل J.Bril” (1981)؛ وبالمظهر نفسه تتجلى الأسطورة بشكل مزعج في رواية “ب. سولييه P. Solliers”: النساء (1983).

    موازنات:

    استرجعت بعض جمعيات ليليت مع ملكة السابا مظهر ليليث المستبعد خطأ، سادّة فراغ الرجل الذي استجاب لإغراءاتها، ومواهبها الفاتنة، إنها توجه في رحلة بحث تعزلـه عن الآخرين وتدفعه باتجاه صوت سيكون بخلاف الحياة. يبتكر المحلل النفساني النمساوي “فريتز ويتلز Fritz Wittels” سنة 1932م، عقدة سمّاها “عقدة (أو عصاب) ليليث”، ولكنها ليست لها علاقة بليليث هذه.

    لأسطورة ليليث وظيفة جوهرية تتمثل في إزاحة الرجال عن طريقها، من خلال تحذيرهم بالخطر الذي تمثله بالنسبة إليهم.

    ولكن يبدو أن وظيفتها الأساسية هي تحذير النساء: التي لا تتبع قانون آدم سيكون مصيرها الرمي، وتكون إلى الأبد حزينة ومصدر الأسى. جعلت نهاية أقصوصة أناتول فرانس Anatole France في بلتزار Balthasar “ابنة ليليث” من هذه البطلة “معادلة أنثوية للهولندي الطائر” الذي طمح إلى مصير حواء وإلى نتيجة الموت من أجل معرفة “الحياة” و”اللذة”.

    ومع ذلك فإن تطور هذه الأسطورة على امتداد النصوص، وانبعاثاته المتكررة في الفترة المعاصرة، يسعى إلى أن يلفت انتباهنا بطريقة خاصة إلى هذه الصورة الأنثوية ـ التي تمثل لذلك رؤية للحياة والعالم الإنساني وإلى التصنيف الذي يحكمها ـ مطرودة من مؤسسة الرجال والتي تريد أن تُعرّف بالحق “المقلوب” من خلال الألم الذي تسببه لهم. تداخل ليليث مع إيزيس، محبّبة مثل أم كبرى شافية ومنقذة، وبعض الأساطير المجاورة من خلال التعارض بين: (سعيد/ تعيس) تستدعي بأن أفعالها تجاه الحياة الإنسانية ترتبط في قسم كبير بالمنظورات التي سجلها الرجال، وبالنظرة التي ينظرون من خلالها إليها. الطريقة السياحية للجولات في الصحراء تتكلم عنها بطريقتها: بعض الرجال يستعدون للذهاب لزيارة ليليث في موقعها، في رغبة ملحة لمعرفة منفاها. معروفة ومعادة إلى حضن الجماعة الإنسانية في احترام لمواهبها ولحقوقها، أتصبح آلهة سعيدة ومحمية، مثلما هو الوضع بالنسبة إلى (كيشيموجان Kishimojin)، إحدى أخواتها في الهند، وهي ابنة الآلهة التنين، والمدمرة وسارقة الصغار، تصبح الآلهة المنقذة التي تساعد لحظة الولادات بعدما أن أعاد إليها “بوذا” ابنها؟ إنها على كل حال وجهة نظر لمستقبل متفائل، مقارنة بوجهات نظر أخرى دونية…

    مهما يكن من أمر، تذكرنا ليليث دائماً بأنّ قوى الموت تستجيب لقوى الحياة والكل يتوازن ـ ليل ونهار، ظلام ونور، أنثى وذكر ـ دون أي محاكمة فاعلة أو علاقة سيطرة يمكن أن يفرضها طرف على الطرف الآخر، تحت تأثير تتابع الشؤم بالنسبة إلى هذا الأخير. إنها تحاول أن تقول لنا دائماً أن هناك شيئاً ينبغي أن نبحث عنه من أجل خير المجموع، في كل أرجاء المعمورة، إنها من بعيد ترسل لنا علامة.

    بريجيت كوشو
    ترجمة نظيرة الكنز
    عن مجلة الآداب الأجنبية الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق


    الهوامش:

    1 ـ إنانا: آلهة الحب والخصب عند السومريين، ارتبطت بها مظاهر تبدل الطبيعة.

    2 ـ أنليل: إله الهواء والعاصفة عند السومريين، فصل السماء عن الأرض بعدما أن كانا ملتصقين، ويحظى بمكانة مميزة في مجمع الآلهة السومري.

    3 ـ بعد السبي الأول لليهود (قبيل الميلاد بخمسة قرون) ظهرت ليليث الشيطانة الليلية التي تعرف عليها اليهود في السبي البابلي، وعليه عادوا من بابل بليليث المخيفة التي تدب الخوف والرعب في قلوب الصغار.

    4 ـ في سفر إشعيا، الإصحاح الرابع والثلاثون تتجلى صورة ليليث المرعبة كما نقلها اليهود من السبي الأول فهي الليل والأفعى السامة: “هناك يستقر الليل ويجد لنفسه محلاً. وهناك تُحجر النكازة (الأفعى السامة) وتبيض وتفرخ وتربي تحت ظلها. وهناك تجتمع الشواهين بعضها ببعض”. أنظر: سفر إشعيا (34/14)، العهد القديم.

    5 ـ من أجل حلّ التناقض الموجود في قصة الخلق في الإصحاح الأول والثاني، فإن شراح التوراة جعلوا الأنثى التي وردت في الإصحاح الأول “ليليث” الزوجة الأولى لآدم، والأنثى الثانية التي خلقت من ضلعه “حواء” الزوجة الثانية، وزعموا أن ليليث هربت مع الشيطان تاركة آدم وحيداً، ويزعمون كذلك أنها شعرت بالغيرة من حواء فجاءتها على شكل أفعواني شيطاني جميل جداً ودفعتها إلى المعصية.

    6 ـ كلمة بابوية هي ترجمة للكلمة: LA Papesse، أما المعنى اللغوي للكلمة فهو المرأة التابعة للبابا.

  • حِوَارٌ عَنْ حِوَارْ

    أ: ((كُنَّا مستغرقين في استنطاق الخلود، تاركين الظَّلام يهلُّ بدون أن نشعل المصباح.‏
    لم نكنْ نرى وجهَ بعض.
    ظلَّ يردِّد أنَّ الرُّوح خالدةً، وكان في عذوبة صوت ماسيدونيو فرنانديز واتِّساقه إقناعٌ ‏أكثر مما لو كان حماسيِّاً.‏
    كان يؤكِّد لي أنَّ فناءَ الجسدِ حقيرٌ للغاية، وأنَّ هذا الفناء لا بد أنه بحكمِ الظُّروف هو الحقيقة الأكثرَ خواءً وبطلاناً ‏التي يمكن حدوثها للإنسان.‏

    جلست ألعبُ بمِشبكِ مطواة ماسيدونيو، أفتحهُ وأغلقهُ.
    وكان أكّورديون قريب يصرُّ بتانجو لاكومبرسيتا على غيرِ ‏نهاية، تلك التَّفاهة البالية والتي طالما عَشقها الكثير بزعمٍ من أنَّها قديمةــ
    اقترحتُ على ماسيدونيو أن ننتحرَ سوياً ‏حتَّى نتمكَّن من الإستمرار ِفي نقاشنا بلا مضايقة)).‏

    ي : (مازحاً) ((ولكني أشكُّ أنَّك تفعلها في النِّهاية)).‏
    أ : (بغموضٍ تامٍ الآن) ((إنِّي لا أتذكَّر في الحقيقة إن كُناَّ انتحرنا تلكمْ الليلة أم لا)).‏

    خورخي لويس بورخيس
    من مجموعة: نمور الحلم
    ترجمة :محمد عيد ابراهيم

  • يدها التي… في مكمن ضعف – عماد فؤاد

    يدها التي… في مكمن ضعف – عماد فؤاد

    لمْ تكن عَرْجاء
    كانتْ كُتلةَ عِظامٍ
    جُمِّعتْ إلى بعْضها البعض
    بعفويةِ صانعٍ مبتدئ
    الحَدْبَةُ الخفيفة خلف كِتْفها الأيمن
    سوَّتْ بُروز نهديها الملفوفين
    بصدرها المَلْمُوم
    وقِصر إحدى ساقيها خمسة سنتيمترات
    جعلها تمشي بانحناءةٍ مفضوحةٍ؛
    كان على يدها اليسرى
    أن تتَّكئ بقوةٍ
    إلى رُكْبةِ ساقها الشِّمال
    فينحني جذعُها كلَّما مشتْ
    كهودجٍ يرفُّ بثقلٍ
    على ظَهْر جَمَلٍ هَدَّه العطش

    سبعة وعشرون عاماً
    ولم ترعشها النَّشوة
    بين ذراعين حقيقيين
    لم يختلط عرق جسمها البضِّ
    بماءِ سواها

    سبعة وعشرون
    لكنها شبقةٌ بما يكفي
    لتخيّل طعمه في فمها
    هي التَّي
    سرقتْه نتفاً في زحام المواصلات العامة
    تلصَّصتْ كمراهقةٍ
    على شبابيك جيرانها المتزوجين حديثاً
    أرهفتْ سمْعَها بحرصٍ
    لطقطقة عِظام زوجات أشقائِها كلَّ خميسٍ
    في الغرف المجاورة
    وتركتْ نفسها هامدةً كجثةٍ
    تحت يد جارها الذي هَرَسَ لحمها على بسطة السُّلمِ
    حين انقطع النُّور
    كانت صبورةً
    الصَّبر الذي علَّمها تحمُّل هشاشة عظامها
    عمراً بأكملهِ
    وقسوة زوجات أشقائها
    حين ينادونها بكلمة “عانسٍ”
    كلما تشاجرن معها

    المغفَّلة
    لم تُبدِ نظرة تشجيعٍ
    للجِلفِ الذي ألصق جذعَه بكتفها في الأتوبيس
    كذبَّتْ ظنونها في البداية
    ثمَّ أغمضتْ جفنيها على كحلهما العربيِّ بقوةٍ
    فيما سنَّتاها الأماميتان
    يضغطان بنشوةٍ على شفتها السُفْلى
    حين أحسَّتْ بانتصابه يتمسَّح كطفلٍ
    بنهدها المحموم
    شعُرتْ به بارزاً تحت بنطاله الرماديِّ
    وصلباً كعمودِ خيمةٍ
    فحرَّكت كتفها قليلاً
    كي تحسَّ نبضه كاملاً
    بين نهديها
    في جلستها الضئيلة أمام خاصرته
    جرحتْها عيون المتطفلين وهْي تمسحها بنظرة لومٍ
    فرمتْ عينيها خارج النَّافذة المحطَّمة الزُّجاج
    وهْي تدسُّ أصابعَها المرتعشة بين فخذيها
    حيث بللٌ مفاجئٌ ضربها كزلزلةٍ
    في مَكْمَنِ ضعْف

    مغفَّلة
    لو انتظرتْ قليلاً
    لشعرت بقذفه القويِّ فوق صدرها المرفوع
    لكنَّها سحبتْ كِتْفيها إلى مسند كرسيَّها
    حين أحسَّتْ بروحها تنساب كقبضةٍ من مياهٍ
    بين وركيها
    وتشنجتْ أصابعُها الخمس
    على حافة الإفريز

    كلَّ ليلةٍ
    تدخل غرفتها المطلة على الشَّارع
    وتكمن كقطةٍ هاربةٍ تحت غطائها الثَّقيل
    تكتم أنفاسها المحمومة
    وهْي ترفع قميصها الأسود الحريريِّ
    إلى ما فوق حلْمتيها الصَّلبتين
    قميصها الأسود الشَّفاف
    غافلتْ أمَّها ذات ليلةٍ
    وسلبتْهُ خِلْسةً من جهاز عرسها
    بيدٍ مرتجفةٍ ومعروقةٍ
    ترفع حرير قميصها
    حتَّى تشمَّ رائحة الصَّابون المعطر
    وعبق حبات النفتالين
    وتنظر إلى وحشها السَّاخن
    بعتاب أمٍّ
    تقرِّب كفَّها منه
    بخوفٍ في البداية
    كطفلةٍ تجرِّب أثر شعلة شمعةٍ
    على يدها الصَّغيرة
    ثم تدعكه ببطء وخفَّةٍ
    فتهتز عروش آلهة وأرباب
    تفترض وجودهم
    في الأعالي

    لم تكن عَرْجاء
    كانت كتلة عِظامٍ
    جُمِّعتْ إلى بعضها البعضِ
    بعفوية صانعٍ مبتدئٍ
    مفتوحة السَّاقين فوق فراشها الكبير
    كأنَّما أعضاؤها مفكوكةٌ
    كنجمةٍ معلقةٍ في ليلٍ بلا انتهاء
    أخفُّ من دعاءٍ على يدين مفتوحتين
    وأثقل من وجعٍ على جسدين يلتقيان
    علَّمتها الوحدةُ
    والأيام التي تخطو فوق ترابها بلا أثرٍ
    كيف تربِّي وجعها السَّاكن بين وركيها
    كذنْبٍ لا يغفره الله
    كيف تكوِّره كحجرٍ
    وتقذفه بعيداً
    بكفٍّ واحدةٍ أو أقل
    عرفتْ كيف تروضه ككلبٍ
    وتجعله خاتماً
    في إصبعها الصغير
    فقط
    إصبعان يفتحان شفتيه برفقٍ
    وثالث يحكُّ بظرها المنتصب
    بلا رحمةٍ
    البنت التي تبكي بنهنهةٍ
    كلما لسعتها المتعة بين وركيها
    تغلق عينيها على وجعٍ
    وتفتحهما على أوجهٍ مضبَّبةٍ
    تجئ من عدمٍ
    وإلى عدمٍ تروحُ
    أوجهٍ
    يظلُّ أصحابها
    مصلوبين بين ذراعيها
    وهم يحكُّون ألسنتهم السَّاخنة
    في عضوها المفتوح

    يا الله
    ثلاث أصابع فقط
    وتشعر بجسدٍ خشنٍ يهتزُّ معها
    جسدٍ جميل
    يعرف كيف يغطي كلَّ جزءٍ من جسمها الملفوف
    بفُجْرٍ محبَّبٍ
    تهتزُّ
    تترجرج انحناءاتها في فرح موجعٍ
    وصدرها البريُّ يعلو ويهبط
    كأرجوحةٍ
    فيما مِلْح دموعها يلسع جفنيها المحتقنين
    وثمَّة إصبعٌ
    إصبعٌ وحيدٌ
    تقشَّر لون طلاء ظفره من غَسْلِ المواعين
    يندسُّ إلى أقصى نقطةٍ
    ببطءٍ رحيمٍ
    بين وركيها.

    النَّص من مجموعة “حرير” للشاعر عماد فؤاد

  • شَغَبُ الْجِمَاعْ

    ما من غابةٍ تستحقّ الشجر، ما من شجرةٍ تستحقّ الغصن، ما من غصنٍ يستحقّ الثمرة، ما من ثمرةٍ تستحقّ تؤكل، ما من سهلٍ يستحقّ أعشابه وهسيس نداه، ما من جبلٍ، ما من تلةٍ، ما من هاويةٍ، ما من قمرٍ يستحقّ نهرَ النجوم، ما من نجومٍ تستحقّ، ما من توسّلٍ يستحقّ الاشتعال، ما من شبقٍ يستحقّ الشبق، ما من يدٍ، ما من نهدين يستحقّان، ما من سريرٍ يستحقّ خرابَ السرير، أقول ما من جماعٍ يستحقّ إذا لم تهرع شمسٌ الى خطأ الظلّ.

    (المزيد…)

  • مَقَالٌ عَنْ آدم

    يوجد خمس احتمالات.
    أولاً: آدم سقط.
    ثانياً: دُفعَ.
    ثالثاً: قفزَ.
    رابعاً:
    نظر فقط فوق الحافة، ونظرة واحدة أخرسته.
    خامساً:
    لم يحصل مع آدم أي شيء يستحق الذكر.

    (المزيد…)

  • التيوس – فيكتور يروفييف

    حدث وأن أصبح الجميعُ، عندنَا في رُوسيا، على نحوٍ مَا، تُيوساً .

    رؤساء العمل، تيوس.
    المرؤوسون، تيوس.
    الديمقراطيون، تيوس.
    الشيوعيون، تيوس.
    الانتلجنسيا، تيوس.
    الشباب، تيوس.
    العمال، تيوس.
    الروس الجدد، تيوس.
    المحالون على المعاش، تيوس.
    العلماء ـ تيوس .
    الفلاحون ، بالطبع ، أيضا ـ تيوس .
    فى الجيش ـ كلهم تيوس ، من الجنود إلى الجنرالات .
    ومن البديهى أن يكون الرئيس أيضا ـ التيس الرئيسي .

    كل ذلك ، مثل الوباء ، يوقظ بعض الشئ . وتكون النتيجة أننا نعيش فى دولة تيسية مطلقة ، حيث يتضح أن الغالبية العظمى منا تيوس مرتين وثلاث حينما يجمعون بين الأدوار المختلفة للتيوس . وعلى أية حال لم يكن الجميع فى الماضي تيوساً . فعلى سبيل المثال ، كان هناك استثناء لرواد الفضاء . ومن المشكوك فيه أن أحداً ما قد سُمَّيَ جاجارين تيسا . ولكن صار رواد الفضاء الآن تيوساً أيضاً . والشعراءُ ـ أيضاً تيوس . والمغنونَ المشهورون على وجه الخصوص ـ تيوس . حتى الأجانب فـي روسيا ، أولئك الذين كانوا حتى وقت قريب يتمتعون بالامتيازات ، أصبحوا أيضاً تيوساً لا تقلُّ أو تزيدُ عن التيوس المحلية .

    من جهةٍ أخرى ، فالكثير من الشخصيات الروسية التاريخية التى رحلت عنا ، من أمثال لينين ـ دخلت فى زمرة التيوس . لدينا ماضٍ تيسي. وتَشَكَّل لدينا وضعٌ تَيسي، حتى على الجبهة الجنسية. وإذا أخذنا فى اعتبارنا أن كميةً غيرَ قليلةٍ من النساء الروسيات ترى أن الرجال الروس تيوس، فالوضع يصبح أشد خطراً. وبالتالي فكلُّ ما يجري فى روسيا أمرٌ بديهى .

    التيس ـ كلمة كريهة ، سباب حاد ، أشدُّ من كلمات السباب بالأم . ولعله أشهر سباب فى روسيا في يومنا هذا . فهو لا يعرف أية حدود للعمر ، حتى المربون فى رياض الأطفال يستخدمونه .

    إذا كان سكان الدولة من الرجال يقعون تحت طائلة القانون التيسي ، معنى ذلك أنه من اللازم أن يتم التعامل معنا مثلما يتم مع التيوس . أولاً ـ لا يجوز إطلاقاً أن يكون التيس محبوباً. أبداً . الشاذون ، أولئكَ المجانين المهتمينَ جنسياً بالحيوانات ، هم فقط الذين يحبون التيوس . ثانياً ـ لا يوجد أي احترامٍ للتيس . وفي النهاية ـ لا يوجد أي أسفٍ أو حزنٍ عند ذبح التيس . التيس ـ ليس صديق الإنسان . والتراجيديا لدى اليونانيين القدماء كانت تُسمى أغنيةً تيسية ، وهذا يعني أنه لن يكون هناك أي مستقبلٍ في بلادنا . فالتيوس لا تملك مستقبل . ومن الصعب أن نجادل فى ذلك .

    ولكن ألا يمكن أن نشك فى الاستنتاج الأولي ؟ فالسباب ـ ليس كنية أو اسماً مستعاراً . ولو حتى كنا تيوساً ، فنحن تيوس بين الأقواس، أي بالمعنى المجازي حصراً . ومع ذلك ، فهذا لا يعلل أو يواسي، لأن التيس المجازي كائن متعفن روحياً، الأمر الذى يعتبر أيضاً في غايةِ السوء .

    فهل من الممكن أن نبرهن بحق أننا لسنا تيوساً ؟ إذن فأية براهين لدينا يمكن أن نقدمها إلى صديقاتنا وزوجاتنا على أننا لسنا تيوساً ؟ مَنْ مِنَّا فى قرارة نفسه لم يسب نفسه بالتيس ؟ مَنْ مِنَّا لم يجلد نفسه بسبب انتمائه التيسي ؟ إن الهوية التيسية والوعي التيسي موجودان بداخلِ كلٍّ منا . وفي هذا لُبُّ القضية . فالتيسُ يريد أن يرى الجميع تيوساً ، وبخلاف ذلك سيعز عليه الأمر ، سيحزن ويتضايق .

    هل هناك أى مخرج من هذا الوضع الناشئ ؟
    نحن الشعب المؤمن ، الذى يعشق تعاويذ السحرة ورقيهم ، يجب أن نجمع العالم كله : الشباب ورجال الشرطة والشيوعيون والمحالون على المعاش والروس الجدد ، ونشرع في الغناء :

    نحن ـ لسنا تيوساً .
    تيوس ـ ليس نحن .
    يجب أن نكرر ذلك إلى مالا نهاية وعلى تنويعات موسيقية مناسبــة : راب … راب … أو … تم …تم . بإيقاع هادئ .. وصاخب . بسرعة وببطء . بعقل وبدون عقل . ولكن الرئيسي هنا هو أن يكون الجميع مبتهجين فرحين مهللين :
    نحن ـ لسنا تيوساً .
    تيوس ـ ليس نحن .
    عندئذ سيكون كل شئ على ما يرام .

    فيكتور يروفييف من مواليد موسكو عام 1947م أنهى كلية الآداب جامعة موسكو الحكومية عام 1970م . وفي عام 1973م حصل على الدكتوراه من معهد الأدب العالمي . بدأ شهرته بنشر مقالات عن ماركيز دي ساد فى مجلـة ” قضايا الأدب ” الروسية عام 1973م . له روايات وكتب نقدية عديدة منها ” الجميلة الروسية ” و ” المحكمـة الرهيبة ” و ” زهور الشر الروسية ” .
    * ترجمة : أشرف الصبَّاغ

  • الأبيقورية.. فلسفة الحرية

    أن تكون أبيقورياً، لا يعني فقط أنك تُعدُّ اللذةَ مبدأَ وعاقبةَ السعادة، و إنما أيضاً رغبةَ أن تكون حُرَّاً، مثلما قال أبيقور، بصددِ حديثه عن الاكتفاءِ الذاتيِّ لدى الحكيم: ” ثَمرةُ الاكتفاء الذاتي الأكثر أهمية هي الحرية “. (حكمة فاتيكانية، 77).

    لا نستطيع أن نسيطر إلا على ما يتعلق بنا، لا نثابر، ليس على النضال ضد القوى التي تتجاوزنا، وإنما على إحباط أوهامنا : الوهم وخشية العقابات الداهية، الوهم بالحزن على موتنا، أو أيضا الوهم الذي يُنتج الحب العاطفي والاستحواذي، الذي يجعلنا نتخلى عن رغبات الذات العاشقة ورغبات الذات العاشقة لصورتها. إذن، من الضروري العمل على السيطرة، داخلياً، على كل ما هو قابل لسلبنا وكل ما هو قابل لكي يسلبنا إرادتنا.
    (المزيد…)

  • مختاراتٌ منْ شعرِ بيير عمَّانوئيل

    أكثر، أو أكثر‏
    نحنُ أكثر طفولةً، أو أكثر هرماً، من أن نعرف صلواتنا.في الأعلى كل شيءٍ أزرق. بعد الليل ستجيء النجمة.‏
    أحياناً يكون الألم شبيهاً بحصاة ٍنحلم بأن نقذفها بعيداً بضربة مقلاع.‏
    هذا العالم الواسع إلى حدِّ الرهبة، يعرف هزارٌ أن يملأه بغنائه.‏
    هكذا يفكر الطفل، و الشيخ ذو القلب الطفل.‏
    يخطو خارج نفسه خطوةً، ويقيس هذا الموضع الذي أصبح ملعباً شاسعاً للطفولة.‏
    هكذا يتراجع آخر رفضٍ للطبيعة، من أن تموت في العدم،حتى تلد في الحيِّ وحدِه.‏
    (المزيد…)

  • مُختاراتٌ مِن شعرِ بيثنتهْ الكساندر

    مُراهَقة‏

    كأنكَ تأتي وتروح من درب ٍإلى دربٍ آخر.‏
    نراكَ، ثم هوَذا نحن لا نراك،
    تعبر من جسرٍ إلى جسرٍ غيره:‏
    القدمُ خفيفةٌ‏
    والضوءُ فرحاً ينحسر‏
    أيها الفتى الذي ربما كان أنا نفسي،
    محدقاً في الماء يجري عبر التيار‏
    حين ينزلق أثرك في المرآة ويغيبُ.‏
    (المزيد…)

  • مختارات من الشاعر الأمريكي ايه. ار. أرمونز

    مختارات من الشاعر الأمريكي ايه. ار. أرمونز

    موعد

    سأراكِ الليلة
    العصافيرُ التي تعرفُ وجهة طيرانها
    طليقة الآن تحت أضلعي:

    عيناكِ تحلّقان إلى هنا، إلى عينيّْ
    عقلي: أنظر فيهما:
    ماذا لو تجمّدتُ

    لدى مرآكِ؛ ماذا لو احتَرقْتُ
    بالكامل: العصافيرُ يمكن
    أن تَنفلتَ وتذهب

    باكراً جدّاً؛ أو، السيئ جدّاً
    لو حلّقَتْ نَفْسي إليك
    باكراً، وما استطعتُ لحاقها.

    انبعاثات

    في الربيع
    يهبّ
    هواءٌ
    على
    جدار
    ويرفع

    وريقات العام الفائت
    أعلى
    مما تفعل الأشجار.

    سير الأمور

    الأفكار تدخل
    معظم
    الرؤوس من دون

    أن تلتقط

    شيئاً
    أو أن تترك
    أثراً.

    سيرة نجاح

    لم تكن لي علاقات
    طيّبة بالعالم

    في البداية لم يكن لديّ
    شيء ممّا يريده العالم

    ثم لم يكن لدى العالم
    شيء ممّا أُريد.

    صَقلُ حجر بحجر

    أرخيتُ
    المعولَ المكسور

    وفي حمأة الغضب
    من الفشل

    هاجمتُ حجرَ
    الوقت بالـــ

    دموع: صمدَ
    الحجرُ، لكنَّ الدموع

    ليّنَتْ حجرَ
    مُكابَدتي.

    أقْلِعْ عن ذلك

    لا
    أريد

    أن أُحمل
    على محمل الجدّ سوى

    أنّي
    أتمنى

    ألا تُحمل
    أمنيتي هذه

    على محمل الجدّ
    أنها

    محمولة حقاً
    على محمل الجدّ.

    غابات الصنوبر

    إنها ساكنةٌ جداً اليوم
    حيث إن
    انخفاضَ غصنٍ يعني
    أن سنجاباً
    عَبَر.

    العناية الإلهية

    أن تبقى
    لامعاً كما
    لو مجرّدَ
    التفكير في
    الأرض يتطلّبُ
    مجردَ
    ألا يبقى شيء.

    قراءة

    جميلٌ
    بعد العشاء
    أن أسيرَ
    إلى الشاطئ

    لأجدَ
    أكبرَ شيء
    على الأرض
    هادئاً نسبيّاً.

    أُغنية صغيرة

    يفسحُ القصبُ
    طريقاً

    للريح ويسحبُ
    الريحَ بعيداً.

    أشجار

    الفنُّ ثمرةُ أشجار
    الألم،

    التي تنمو في حقول حياةٍ
    لم تُعَش.

    بشكل دائم

    عينان أشعّتا توقاً
    للحياة

    بخسارة
    ناصعة.

    العلامة

    أرجو أن
    أكون مخطئاً
    أين يضربُ
    الصقيعُ
    الفراشةَ:
    على الظهر
    بين
    الجناحين؟

    ذلك اليوم

    جئتِ لزيارتي يوماً
    وكالعادة في أحوال كهذه

    تتخذُ الأشياءَ معنى؛
    ما تؤمنينَ به، كيف

    تتلفّتينَ أو تنحنينَ: حين
    غادرتِ، شُغِلت مساحتُنا،

    آجرة قرميد، وكلّ شيء
    يعارضُ الخراب، انزلقَ عن موضعه.

    حدود المدينة

    حين تفكّر في الشعاع، أنه لا يكبحُ
    نفْسهُ لكنه يسكبُ وفرته من غير انتقاء في كلّ
    زاوية وصدع ليس في الناتئ أو المخبوء؛ حين تفكّرُ

    أن عظام الطيور لا تصنعُ ضوضاءَ مروّعةً قبالة الضوء بل
    تتمدّدُ خفيضةً في الضوء كما في شهادة عالية؛ حين تفكّرُ
    في الشعاع، أنه سيظهر في الثنايا الأقلّ ذنباً

    للقلب المترنّح وأنه سينشرُ نفسَه فوقها،
    غير منسحبٍ إلى التنكّر أو العتمة؛ حين تفكّرُ
    في غزارة مورد كهذا إذ ينيرُ الأجساد

    المتوهّجة بالأزرق والأجنحة المخصّلة بالذهب للذباب المحتشد في القنوات
    المهجورة لمذبح أو أنابيب البراز التي لا
    تجفلُ إطلاقاً من عواصف كرمها؛ حين تفكّرُ

    أن الهواء أو الفراغ، الثلج أو الصخر الطينيّ، الحبّار
    أو الذئب، الزهرة أو اللايشن
    كلّ منها يُقبَلُ بما يَستوعبُ من ضوء، عندها
    يصبحُ القلبَ أوسع، عندها يقفُ الرجلُ ويتفكّرُ،

    ورقةُ النبات لا تُكثرُ نَفْسها على العشب، والعملُ
    المعتم لأعمق الخلايا هو من التناغم مع شجيرات الزعرور
    والخوفُ المضاء باتّساع دعةٍ كهذه يستحيلُ ثناءً.

    حميميات رائقة

    ما القوّة وما
    يسعنا فعله لننقذ

    ذواتنا بها أو منها،
    أنّى لنا أن نعرف،

    إذ تصلنا منخولة، في التلميحات
    والصور المزدوجة، يتردّد صداها

    من الهيئات المخادعة، من الإعلانات
    الصامتة، من حركة الطيور

    وأوراق الشجر، إعلانات
    من (أجسام) ونقاط ضوء:

    فيضان أم بركة، أيّ
    كان، يقف عائقاً:

    نحن هنا وهناك
    نبحر، نغوص، نغرق.

    عاطفة

    كلّ ما يعيش يموت لكن حتى
    الأنهار تجفّ أو تتدَحرج
    خارج ضفافها والأراضي الناشئة

    أحياناً تزيلُ البحار والمراعي،
    القمم التي يعلوها الثلج طوال السنة تبلى تدريجياً:
    الأرض نفسها، بالطبع،

    تكوّنَت ومع الوقت ستذوي:
    فكّر في الأثناء، مع ذلك، في صدمة،
    الأشياء الثانوية، مصادفة صديق

    التأخّر على مباراة كرة
    قدم ابنك، شجرة مائلة
    في باحة زاح عنها بيتٌ قديم.

    تصميم

    القطرةُ تنزّ كاملةً
    من العشب الذي على الصخرة
    أو من الطّحلب وتسقطُ،

    مجتمعةً، لتسيل،
    وتجري، وتسقط، وتطرطش،
    وتتمدّد في الأعماق الدفينة،

    لتندفعَ في المياه الضّحلة، وتتناثر
    رفيعةً في المرتفعات،
    لكن بعدها تندفعُ شيئاً فشيئاً،

    لتدوّمَ جنبَ لا شيء سوى
    انفتالَ اللاشيء
    لحركةٍ أُهرِقَتْ.

    ذكرى
    حين كلّ شيء يسوَّى
    حتى بالأرض
    هل سيحملُنا غصنٌ
    أو قصبةٌ
    إلى الضوء ثانيةً:

    حيث الأقلّ يُصنعُ
    من المبالاة
    هل سنُشفى من يقظة الخلود
    في ورقة نبات:

    من اللامبالاة هل سيسعُنا
    حزم الكافي
    من التوق
    لنحفر الخلاء المُعتم: أو حين
    الرملُ يكسو الأرضَ

    ألن يكون فيها معرفتُنا بالخسارة
    وفي الريح العويل.

    أضرحة

    1.

    الإزميل، في تشظّيهِ،
    يحفرُ أسماءً
    لا تستطيع أن تذروها الرياح

    2.

    يفتّتُ القلبَ أن الحجرَ يقبضُ على
    ما يُفلتهُ الوقت

    لكنّ الحجارة هي
    الوقتُ الباقي
    لمكث الأسماء

    3.

    الأرضُ مسطّحة أم
    متدحرجة من ذرى تلّة، تتناثرُ
    قليلاً،
    لا انهمارَ يمكن

    أن ينظّمَ التدفّقات التي تُزيحُ
    الحجارة،
    مطابقاتٌ تنطرحُ
    من رابية إلى أُخرى

    4.

    قائمٌ في الخطّ بين
    الوقت واللاتكوّن،
    في تقاطع
    الوقت الاعتيادي الجاري
    والوقت الواقف بين
    أوقات أُخرى،
    وقتُ النِسب والإلكترونات
    يمضي كالعادة -ـ حجر -ـ
    مستويات من الوجود
    في الوجود، أوقات
    في وقت، تَعضيةٌ واحدةٌ
    تمضي؛ وإلا،
    لا شيء يبدو ضائعاً

    5.

    الروحُ مع أنها لامرئية،
    بلا وزن تضيع: تحويمها
    أبقى التحويم: لكنّها تحوّمُ
    فقط حين يتوقّفُ التحويمُ
    تختفي:
    حين لا يضيّعُ المرءُ شيئاً
    يضيّعُ كلّ شيء

    6.

    لكن لمَ وَضعُ حجرٍ هناك:
    نضعُ هناك حجراً
    ثقيلاً جدّاً لنبني به أو لنسيّجَ،
    من دون محتوى عضويّ للقيمة،
    ثقيلٌ كفاية
    ليمسمرَ الوقت،
    تذكارٌ، غالباً من دون
    تذكّر يُشفي،
    صنيعُ مليون حقيقة
    ضائعة كلّها

    7.

    نهيراتٌ من التناثر،
    طرق الفساد المتأتي
    من مجاراة الأشياء،
    متذكِّرون غير متذكَّرين،
    ومع ذلك ينادون الإسم
    معاً في المرّة
    الأخيرة، في الوقت الجديد، في الصباح الجديد،
    كلّ المعلومات الصغيرة،
    والإسم الذي قيل من قبل،
    سيعاودُ الشكلَ الظهور – المسافةُ
    بين المسمّى وطوافِ الإسم

    8.

    شكلُ الغبار في الهواء
    يمكن أن يكون تذكاراً
    برهةٌ تدلّ على ما يفصلُ بينها،

    أن ما مضى
    يمضي مع أشياء أُخرى
    ماضية

    ثباتُ حركة
    في الوقت
    تصحبُ وقتَها الخاص:

    بدلاً من ذلك كتلةُ
    الحجر
    تقطعُ الاستمرار،

    قَطْعٌ يقولُ إنّ
    انعدامَ الوقت يرسمُ
    الوقتَ الجاري كالعادة

    9.

    الإسمُ على الحجر يدلُّ على
    ما يمكن أن يُعثر عليه ليعني
    شيئاً لرأسٍ حيّ:
    حين الرؤوس
    فارغة
    اسمُ الحجر يسمّي الفراغَ،
    ليس الذي الآن
    ولا الذي لم يكن أصلاً

    10.

    كما لو أنّ الإسم ليس
    عدماً،
    حجرٌ، متشظٍّ،

    يتركُ لاشيئيّة الإسم
    حاضرة،
    أثلام غياب

    علامةٌ أُخرى لعلامة
    تخفّفُ
    رسوّ حملها

    11.

    الأثلام محتشدة بالطّحلب،
    مع ذلك، ذلك الربيع
    يحكي بالأخضر
    والخريف يحترقُ بالبرد ذاهباً
    نحو كتاب الشتاء الأسود

    12.

    طائر يغنّي
    لمقبرة كاملة: دفقُ صوته
    يلمّعُ الشواهدَ،
    يذوّب الأسماء

    13.

    الريح تهدرُ، تُحوّمُ، تندفعُ،
    حرّة تقريباً حتى في سَكناتها،
    والريحُ تحملُ الأوراق، الرملَ،
    البذورَ، أيّ شيء: المطرُ ينسكبُ،
    يوحلُ، يتدفّق: الأرضُ
    تُذعن للريح أو المطر، تشدُّ، تسحقُ،
    تفورُ: بين التحرّكات
    المدوّمة، الحركةُ الطفيفة للحجر
    تحفظُ الإسم

    14.

    حجرٌ يغرقُ في الرمل
    كجوهرة في النفط
    أو يجمّعُ الرملَ والأوراق
    من الريح
    ليكدّسَ نَفْسَه بعيداً:
    أو المطر يشقّ زاويةً
    ووجه الإسم
    ينحدرُ إلى الأرض
    كما لو أن مناداةَ
    كلّ ما ينهضُ عميقاً
    سيُنهِضه ثانيةً

    15.

    حين ينزلقُ تحت نهر جليديّ ربما
    أو ينحلّ إلى البكتيريا والجذور
    ينعمُ الحجر
    ولا يعودُ بوسعه حملَ الإسم،
    هل ينهارُ الوجود
    المتشبّث، هل يمتنعُ الوجودَ الطيّب
    عن الوجود

    16.

    الحجارة، والأسماء فيها، مجرّد
    حجارة: حين الحجر
    يمسّ العقلَ تصفّي
    الذاكرةُ الحجر

    17.

    ما يهمّ إذا
    سقط حجرٌ أو انزلق
    وأساء إدراك هضبة:
    إذ ييأس المظهر
    الخارجيّ لحجر
    ينادي نفسه

    18.

    الأحجارُ، كما لو أنّ أشكالاً من الذكاء،
    تضطربُ: تركّز الضوء
    مع ذلك وتملكه:

    مع أن كائنات أُخرى تعيشُ أطول من الحجارة
    فإنّ نبضاً في مدارات الكون
    ينبضُ مرّة كلّ أربعة آلاف سنة:

    في نظام زمنيّ ما
    الحجارةُ تهبّ كالريح:
    ضوءُ النجوم يُفرقعُها كالفقاقيع

    19.

    أشياءُ الأرض ليست أغراضاً،
    ليس ثمة طبيعة،
    لا طبيعة للحجارة والجداول، للمزاريب وجذول الأشجار،

    ذلك أنّها أحواض طاقة تعدّلُ المكان،
    أو أنّها أضواء نجوم
    تُدّخر

    أو أنّها ضوءٌ مسرعٌ يُكبحُ:
    الغاباتُ أخضرٌ بطيءٌ مشتعل
    وطرق السدود الترابية

    مجرّد عمى خفيف مكثّف

    20.

    الحجرُ يَبذل
    أطول، وأقسى
    (جهوده)
    ليمسك الوميض
    ويبقيه في الذاكرة
    أو اللمعان
    الذي لمرّة
    في عين أحدهم

    21.

    الأشياءُ الصلبة
    تبقى
    أطول، ربما،

    لكن بشكل جيّد، الأفضلُ:
    إذا الريحُ
    تستطيعُ حملَ الرسائل:

    فقط إذا الأسماء
    الخفيفة الملفوظة:
    حين الحبّ يمسّ

    أعصابنا
    ويرسِلُ
    ملخّصاً لأدمغتنا

    ربّما يُرسل
    الملخّص
    عبر الاهتزازات

    الكونُ هو الكون
    حقّاً، شيء عتيق إلى هذا الحدّ
    وما يزال المستقبل أمامه

    22.

    إذا الحبّ جيّد
    والحجارة اضمحلالات قاسية،
    كيف نقلّلُ من شأن
    الحبّ فنكتب اسمه
    مضيّعين الحبّ
    على مياه النقش القاسية

    23.

    الضوءُ عينٌ
    متشكّلة
    في أُطر الحسّ

    كيف هذا النبع الصغير
    الضحل جداً
    والعميق، السحريّ جداً

    والمسطّح يستطيعُ
    أن يُمركزَ كلّ
    التحوّلات

    العينُ نفسها
    بصرُ البصر
    والرؤى المحكَمَة

    24.

    الكونُ نفسُه
    تذكارُ الحبّ
    كلّ جرف،
    كلّ مرتفع صخريّ
    أنفقَ نفسه
    في ضوء الحبّ
    حتى أشعلها الحبُّ ثانيةً وحرّرها:
    تسعون بالمئة
    من الكون نجومٌ ميتة،
    لكن أُنظر كيف الضوء ما يزال
    يسيلُ
    في أمداء ألفيّة

    25.

    لا شيء، مع ذلك، لا الحجر
    ولا الضوء يَبقى
    كالمكان الذي
    أحفظ حبّي لك فيه وهذا

    مع أن شيئاً لا يستطيع تدوينه
    ولا شيء يحفظه:
    اللاشيء
    يبقى كفايةً لحفظه

    26.

    إذا الشواهدُ حُشرت معاً
    في كومة واحدة،
    سيكونُ هذا تجميعاً رائعاً،
    سجلٌ أعلى من
    إيفرست:
    لكن إذا الوقت فَتّتَ الحجارة،
    جَرف الرمال الخشنة،
    ذَوّبَ الأشكال
    فكلّ الأسماء المترسّبة
    لن تَلفظ شيئاً

    27.

    سربٌ من
    النوارس
    مرّ، فكّرتُ، لكنّها

    كانت هضبةٌ
    من الحجارة

    28.

    حجرُ الحدّ غائصٌ
    بلا حجرِ زاويةٍ
    مُجيبٍ، لا وصفَ مثلّثاً
    للمنطقة، لا مربّع،
    نقطة، نقطةٌ
    متبخّرة خارج الأبعاد،

    لكن يبقى حدّ عميق،
    حدّ يَغزلُ عميقاً

    29.

    الحروفُ،
    تحملُ ما تستطيع
    حمله في الحجارة

    لكن مرسلةً الرقائق أو
    الضبابَ بعيداً –
    ثقلُ ذرّة من الذاكرة

    أو متذكِّرٌ يمضي:
    في مئات كثيرة من السنوات،
    الأسماء

    ستكون خفيفةً كفاية
    وكالبالونات
    ترتفعُ من الحجر.

    ———–
    أ. ر. أمونز
    (1926 – 2001)
    ترجمة: سامر أبوهواش

  • زوربا

    Zorbas-Dance
    اليوم، أمطرت ببطء، واتَّحدت السَّماء بالأرض بحنانٍ لا متناهٍ.
    إنني أذكرُ نقشاً هندوكياً من الحجارةِ الرَّمادية القاتمة يمثِّل رجلاً مُلقياً ‏ذراعيه حول امرأةٍ ومتَّحداً بها بكثيرٍ من العذوبة والاستسلام حتى أنك لتحسّ، بعد أن لعقَ الدَّهر الجسدين وتآكلهما، أنك ترى ‏حشرتين متعانقتين بشدَّة، راح المطر الناعم يتساقط فوقهما، والأرض تتشرَّبه بلذَّة وتمهُّل.

    إنني جالسٌ في الكوخ.أنظر إلى ‏السَّماءتتكدَّر، وإلى البحر يتألَّق ببريقٍ رماديٍّ أخضر.
    ومن طرف السَّاحل إلى طرفه الآخر، ليس ثمَّة إنسان، ليس ثمَّة شراع، ليس ثمَّة ‏طير.
    رائحةُ الأرض وحدها تدخل من النَّافذة المفتوحة.ونهضت، ومددت يدي إلى المطر كأنني متسوِّل.وفجأة، رغبت في البكاء.
    كان ثمَّة ‏حزن، ليس من أجلي، ليس لي، أعمق، وأظلم، يتصاعد من الأرض النديَّة.
    إنه كالرُّعب الذي يتملَّك الحيوان الذي يرعى، بلا مبالاة، ثم يشمّ ‏حوله فجأةً، في الفضاء، دون أن يرى شيئاً، أنه مُحاصَر، لا يستطيع أن يُفلت.
    وكدت أُطلق صرخةً، مدركاً أن ذلك سيعيد الهدوء إلى نفسي ‏لكنني خجلت.

    وكانت السَّماء تنخفض أكثرَ فأكثر.ونظرت من النافذة: كان قلبي يرتعد بهدوءٍ.إنها للذيذةٌ، وحزينةٌ جداً، تلك السَّاعات ‏من المطر النَّاعم، تعيد إلى الذِّهن جميع الذِّكريات المُرَّة، المدفونة في القلب: فراقُ الأصدقاء، ابتساماتُ نساء قد انطفأت، آمالٌ قد فُقدت ‏أجنحتها كفراشاتٍ لم يبقَ منها إلا الدُّود.
    ولقد وقف هذا الدُّود فوق أوراقِ قلبي وراح يقرُضها.ورويداً رويداً، عبرالمطر والأرض ‏النَّديَّة، صعدَت من جديد ذكرى صديقي، المنفيّ هناك، في القوقاز.
    وأخذتُ ريشتي، وانحنيت على ورقي، وأخذت أحدِّثه، لأمزِّق شبكة ‏المطر وأتنفَّس.
    (المزيد…)

  • مختارات من رواية العمى – جوزيه ساراماغو

    مختارات من رواية العمى – جوزيه ساراماغو


    كانتْ ليلةً مضطربة. انتقلَت الأحلامُ من نائمٍ إلى آخرَ، غامضة ًفي البدءِ، وغير دقيقة تلكأت هنا وهناك، جلبت ‏معها ذكريات وأسراراً، ورغباتٍ جديدة، لهذا السَّبب كانَ النَّائمون يتنهدونَ ويتمتمون، هذا الحلم ليس ‏حُلمي، غير أن الحلم كانَ يجيب، أنتَ لا تعرف أحلامكَ بعدُ.

    بهذهِ الطَّريقة عرَفت الفتاة ذات النَّظارة السَّوداء ‏من هوَ الكهل ذو العينِ المعصوبة، الَّذي ينام على بعدِ خُطوتين منها. بالطَّريقةِ نفسها عرفَ هو من هي، اعتقدَ ‏أنه عرف، إذ لا يكفي أن تكون الأحلام تبادليةً كي تكون متطابقة.

    بدأ المطر ينهمر مع حلولِ الفجر. الرياح ‏تسُوطُ النوافذ بقوةٍ بدت أشبه بوقعِ آلاف السِّياط. استيقظت زوجة الطبيب، فتحت عينيها ودمْدمت، اصغ ‏إلى ذلك المطر، ثم أغمضتهما ثانية، كان الظلام دامساً في الغرفة، بوسعها أن تنام الآن.
    لم تدمْ إغماضتها أكثر ‏من دقيقةٍ، واستيقظت بغتةً وفي رأسها فكرةٌ عن شيء تفعله، لكنها لم تكن تعيْ بعدُ ما ذا يمكن أن يكون .

    كان ‏المطر يقول لها، انهَضِي. ما الذي يُريدهُ المطر. غادَرت الغُرفة ببطءٍ، وبحذرٍ كبيريَن كي لا توقظ زوجها، اجتازت ‏غرفة الجلوسِ، توقفت فيها هنيهةً كي تتأكد أن الجميع على الأرائك، ثم تابعت صوب الممرِّ، فإلى المطبخ.

    كان ‏المطر يهْمي بقوةٍ على هذا الجانب من البناية، بسبب الرِّيح. مسحت بكمِّ فُستانها البخار المتجمِّع على زجاج ‏نافذة الباب، ونظرت إلى الخارج. كانت السَّماء كلها غيمةً هائلةً والمطر يهمي مدراراً. كانت الثياب القذرة ‏التي خلعوها مكوَّمة على أرضيَّة الشُّرفة، وفي الطِسْت البلاستيكيّ أحذيتهم القذرة بانتظار من يغسلها .اغسلي. ‏

    لقد زالت عنها غشاوة النَّوم الأخيرة، هذا ما كان عليها أن تفعله. فتحت باب الشُّرفة، خطت خطوة واحدة، ‏وفي الحال بلَّلها المطر من رأسها حتى قدميها، وكأنها وقفت تحت شلَّال ماء. يجب أن أستفيد من هذا المطر، ‏فكَّرت لنفسها.

    عادت إلى المطبخ وبحرصٍ على تجنُّب أكبر قدرٍ من الجَلبة، بدأت تجمع الزَّبادي، الطَّناجر، ‏والمقالي، أي شيء يمكن أن تجمع فيه بعض الماء الذي ينهمر من السماء كستائر تسَّرعها الريح، تكنُسها فوق ‏أسطحة المدينة كمكنسةٍ ضخمة صخَّابة .

    حملتها إلى الشرفة، صفَّتها على طول الدرابزين. الآن ستتوفر المياه ‏لغسل الثياب والأحذيةِ القذرة. لا تتوقَّفي عن الهطْل، دمدمت وهي تبحث في المطبخ عن صابونٍ ومنظفات، ‏فراشي، مكاشِط، أي شيء يمكن أن يستخدم لتنظيف قليل، على الأقل، قليل من قذارة الرُّوح التي لا تُحتمل. ‏قذارة الجسد، قالت وكأنها تصحِّح هذه الفكرة الميتافيزيقية، ثم أضافت لا فرق، إنهما الشيء نفسه.

    بعدئذٍ كأن ‏هذه هي النتيجة ُالمحتومة، التَّوفيق التَّناغمي بين ما قالته وما فكرت فيه، خلعت بسرعة ثوب نومها المبلَّل، ‏وراحت الآن، وهي تتلقَّى مداعبات المطر حيناً وسياطه أحيانا أخرى، تغسل الثياب وجسدها في الوقت نفسه.

    ‏حال صوت المطر من حولها دون انتباهها إلى أنها لم تعد وحيدة. كانت الفتاة ذات النظارة السوداء وزوجة ‏الأعمى الأول تقفان في باب الشرفة، لا نعرف أي شعور سبْقيٍ، أي حدْس، أي أصوات داخليَّة قد تكون ‏أيقظتهما، ولا نعرف كيف وجدتا طريقهما إلى هنا. لا فائدة الآن من البحث عن تفسير، والتكهنات حرَّة.

    ‏ساعداني، قالت زوجة الطبيب، عندما رأتهما .كيف سنساعدكِ، ما دمنا لا نستطيع أن نرى، سألت زوجة ‏الأعمى الأول. اخلعا ثيابكما، فكلَّما قلَّ ما سنجفِّفه فيما بعد كان الأمر أفضل، لكننا لا نستطيع أن نرى، ‏كرَّرت زوجة الأعمى الأول.
    لا يهم قالت الفتاة، سنفعل مانستطيعه. سأنتهي عما قريب، قالت زوجة الطبيب، ‏وسوف أنظف أي شيء لا يزال وسخاً، هيا إلى العمل الآن .

    هيا، إنني المرأةالوحيدة في العالم تمتلك زوج أعين ‏وستُّ أيادٍ.
    ربما، هناك في البناء المقابل، استيقظ رجال ونساء عميان بسبب صخب المطر المستمر، ووقفوا خلف ‏النوافذ مُسندين جباههم إلى أفاريزِ النوافذ الباردة، وأنفاسهم المتكثِّفة على الزُّجاج تحجب الظُّلمة الباهتة، ‏يتذكرون آخرَ مرة، مثل الآن، شاهدوا فيها المطر ينهمر من السَّماء.

    لا يستطيعون أن يتخيَّلوا أن هناك، علاوة ‏على المطر، ثلاثُ نساءٍ عاريات، كما ولدتهنَّ أمهاتهنَّ، يبَدينَ مجنونات، لا بد أنهنَّ مجنونات، فالنِّساء العاقلات ‏لن يخرجنَ إلى الشرفة ليغتسلنَ هناك ويعرضنَ أجسادهنَّ للجيران.
    حتى إن بدا الأمرأقل من ذلك، فكوننا ‏عمياناً لا يغيِّر في الأمر شيئاً، لأن أموراً كهذه يجب ألا تُفعل.
    يا إلهي، كيف يَهمي المطر عليهنَّ، كيف يترقرقُ ‏بين أثدائهنَّ، ويجري متكاسلاً ويختفي في سواد عاناتهنَّ، كيف يبلِّل أخيراً أفخاذهنَّ ويجري عليها، ربما اخطأنا ‏الحكم عليهنَّ، أو ربما لسنا قادرين على رؤية هذا الأمر الأكثر جمالاً وروعة في تاريخ المدينة.

    تجري فوق أرضية ‏الشرفة طبقة من الزبَد، ليتني أستطيع الجريان معها، أسقط بلا تناهٍ، نظيفاً، مطهراً، عارياً، الله وحده يرانا، قالت ‏زوجة الأعمى الأول، التي رغم الإحباطات والنكسات لا تزال متعلِّقة بالاعتقاد أن الله ليس أعمى.
    ردَّت عليها ‏زوجة الطبيب، حتى الله لا يرانا، فالسماء ملبدةٌ بالغيوم. أنا فقط استطيع أن أراكما .
    هل أنا قبيحة سألت ‏الفتاة. أنت وسخة وشديدةُ النُّحول، لكن لن تكوني قبيحة أبداً. وأنا، سألت زوجة الأعمى الأول. أنت وسخة ‏وشديدة النحول مثلها، لست بجمالها ،بيد أنك أجملَ مني. أنتِ جميلة، قالت الفتاة. كيف تعرفين ذلك ،وأنت لم ‏تريني البتَّة. لقد حلُمت بكِ مرَّتين. متى. المرة الثانية كانت ليلة أمس .كنت تحلمينَ بالبيتِ لأنك شعرتِ فيه ‏بالأمان والهدوء، وهذا طبيعيٌّ بعد كل ما قاسيناه، ففي حلمكِ كنت أنا البيتَ، وكنت بحاجة إلى وجه ٍكي ‏تريني، وهكذا اخترعت هذا الوجه.

    أنا أيضا أراك جميلة، رغم أني لم أحلم بك البتة، قالت زوجة الأعمى الأول.
    ‏هذا يفيد في أن العمى هو ثروةُ القبيح.
    أنت لست قبيحة. كلا، في الواقع لست قبيحة، لكن في سني هذه. كم ‏عمرك، قاطعتها الفتاة. إني على مشارف الخمسين .مثل أمي. وأمك. ما بها أمي. هل لا تزال جميلة. كانت أكثر ‏جمالاً ذات يوم. أنت لم تكوني أكثر جمالاً البتة، قالت زوجة الأعمى الأول.
    هكذا هي الكلمات مخادعة، يتراكم ‏بعضها فوق بعض، تبدو لا تعرف أين تمضي، وفجأة بسبب اثنتين، أو ثلاث، أو أربع تخرج فجأة وبسيطة بحد ‏ذاتها… ضمير، فعل، حال، صفة ،ونتحفّز لرؤيتها تنساب إلى السطح، بشكلٍ لا يقاوم، عبر الجلد والأعين ‏وتقلب هدوء مشاعرنا رأساً على عقب، وأحيانا الأعصاب التي لا تستطيع احتمالها بعد، وبوسعنا القول إنها ‏تبدي مقاومةً فائقةً، تقاوم كل شيء، وكأنها تلبس دروعاً .

    إن لزوجة الطبيب أعصاباً فولاذيةً ومع ذلك فقد ‏ارتدت زوجة الطبيب إلى الدموع بسبب ضميرٍ، فعلٍ، حالٍ، صفة، مجرد تصنيفات قواعديَّة، مجرد تسميات، ‏تماماً مثل المرأتين الأُخريين، ضميرين نكِرتين، إنهما تبكيان أيضاً، إنهما تحتضنان امرأة الجملة كلها، ثلاث نِعَم ‏تحت المطر.

    هذه لحظاتٌ لا تدوم إلى الأبد، فأولئك النُسوة تحت المطر منذ أكثر من ساعة فقد آن الأوان ‏ليشعرنَ بالبرد.
    إني بردانة قالت الفتاة. لا نستطيع فعل المزيد للثياب، وقد غدت الأحذية جديدة كما كانت، ‏والآن حان دور النساء كي يغتسلنَ. ينقعنَ شعرهنَّ، وتغسل إحداهنَّ ظهر الأخرى ويتضاحكنَ كطفلاتٍ ‏صغيرات يلعبن لعبة الأعمى العارية في الحديقة قبل أن يعمينَ.
    بزغ النهار، فقد أطلَّت أولى خيوط الشمس من ‏فوق كتف العالم قبل أن تحتجب ثانية خلف الغيوم. استمر الهطل لكن بغزارة أقلّ. عادت الغسَّالات الثَّلاث إلى ‏المطبخ، جفَّفنَ وفركنَ أجسادهنَّ بالمناشف التي جلبتها زوجة الطبيب من خزانة الحمَّام. أجسادهنَّ مضمَّخةٌ ‏برائحةِ المنظِّفات، لكن هذه هي الحياة، فإن لم يكن لديك كلبٌ تصيد به فاستخدم قطَّة، فقد اختفى الصَّابون في ‏غمضةِ عين، رغم أن هذا البيت يبدو أنه يحتوي كل شيء، أو أنهن يعرفنَ كيف يستفدْنَ من كلِّ شيءٍ على ‏أكمل وجه.

    أخيراً، سترنَ أجسادهنَّ، لقد كانت الجنَّة ظاهرة للعيان.
    كان ثوب نوم زوجة الطبيب مبللاً، لكنها ‏لبست ثوباً مزهَّراً لم تلبَسه منذ سنوات فجعلها تبدو أجمل الثَّلاث.‏

    رواية العمى للكاتب البرتغالي: جوزيه ساراماغو
    ترجمة : محمد حبيب
    صدرت عن: دار المدى عام 2002‏

  • محمود درويش: كزهر اللوز أو أبعد

    ‏”أحسنُ الكلامِ ما… قامت ‏ْ
    صورتهُ بينَ نَظمٍ كأنه نثر، ونثرٍ‏
    ‏ كأنه نظم…”‏

    أبو حيَّان التوحيدي ‏
    الإمتاع ُوالمؤانسةْ
    ‏[الليلة الخامسة والعشرون] ‏

    I


    أَنتَ

    فكِّر بغيركَ

    وأنتَ تُعِدُّ فطورك، فكِّر بغيرك َ
    ‏ [لا تنسَ قوتَ الحمامْ]‏

    وأنت تخوضُ حروبكَ، فكِّر بغيرك َ
    ‏ [لا تنس مَنْ يطلبون السلامْ]‏

    وأنت تسدِّد فاتورةَ الماء، فكِّر بغيرك َ
    ‏ [من يرضَعُون الغمامْ]‏

    وأنت تعودُ إلى البيت، بيتكَ، فكِّر بغيرك َ
    ‏ [لا تنس شعب الخيامْ] ‏

    وأنت تنام وتحْصي الكواكبَ، فكِّر بغيركَ ‏
    ‏ [ثَمَّةَ مَن لم يجد حيّزاً للمنام] ‏

    وأنت تحرِّر نفسك بالاستعارات، فكِّر بغيرك ‏
    ‏ [من فقدوا حقَّهم في الكلامْ]‏

    وأنت تفكِّر بالآخرين البعيدين، فكٍّر بنفسك ‏
    ‏ [قُلْ: ليتني شمعةٌ في الظلامْ]

    الآن… في المنفى

    الآنَ، في المنفى … نعمْ في البيتِ، ‏
    في السِّتين من عُمرٍ سريعٍ ‏
    يُوقدون الشَّمع لكْ

    فافرَحْ، بأقصى ما استطعتَ من الهدوء، ‏
    لأنََّ موتاً طائشاً ضلََّ الطريقَ إليك ‏
    منْ فرطِ الزحام … وأجَّلك ْ

    قمرٌ فضوليٌّ على الأطلال، ‏
    يضحك كالغبيّ ‏
    فلا تصدِّق أنه يدنو لكي يستقبلَك ْ
    هوَ، في وظيفته القديمةِ، مثل آذارَ ‏
    الجديدِ … أعادَ للأشجار أسماءَ الحنين ‏
    وأهملكْ

    فلتحتفلْ مع أصدقائكَ بانكسار الكأس.‏
    في الستين لن تجدَ الغدَ الباقي‏
    لتحملهُ علي كتفِ النشيد… ويحملَكْ

    قُل ْللحياةِ، كما يليقُ بشاعرٍ متمرِّسٍ:‏
    سيري ببطء كالإناث الواثقات بسحرهنَّ
    وكيدهنَّ. لكلِّ واحدةٍ نداءٌ ما خفيٌّ :‏
    هَيتَ لك / ما أجملكْ!‏

    سيري ببطءٍ، يا حياةُ، لكي أَراك ‏ِ
    بكامل النقصَان حولي. كم نسيتكِ في ‏
    خضمِّكِ باحثاً عني وعنكِ. وكلما أدركتُ ‏
    سراً منك قلتِ بقسوةٍ : ما أجهلَكْ! ‏

    قلْ للغياب: نقصْتَني ‏
    وأنا حضرتُ … لأكملَكْ!‏

    حينَ تطيل التأمُّلَ

    حينَ تطيلُ التأملَ في وردةٍ‏
    جرَحَتْ حائطاً، وتقول لنفسكَ:‏
    لي أملٌ في الشفاء من الرملِ /‏
    ‏ يخضرُّ قلبُكَ…‏

    حين ترافقُ أُنثى إلى السِّيرك ‏
    ذاتَ نهارٍ جميلٍ كأيقونةٍ … ‏
    وتحلُّ كضيفٍ على رقصةِ الخيلِ /‏
    ‏ يحمرُّ قلبُكَ…‏

    حين تعُدُّ النجومَ وتخطئُ بعد‏
    الثلاثةَ عشرَ، وتنعس كالطفلِ
    في زُرقة الليلِ /‏
    ‏ يبيضُّ قلبُكَ…‏

    حين تسيرُ ولا تجد الحلمَ‏
    يمشي أمامك كالظلّ / ‏
    ‏ يصفرُّ قلبُكَ…‏

    إن مشيت على شارعٍ

    إن مشيتَ علي شارعٍ لا يؤدِّي إلي هاوية ْ
    قلْ لمن يجمعون القمامةَ: شكراً!‏

    إن رجعتَ إلى البيت، حيّاً، كما ترجع القافية ْ
    بلا خللٍ، قل لنفسك: شكراً!‏

    إن توقَّعتَ شيئاً وخانك حدْسُك، فاذهبْ غداً‏
    لترى أين كنتَ وقلْ للفراشة: شكراً!‏

    إن صرختَ بكلِّ قواك، وردَّ عليك الصدى ‏
    ‏((من هناك؟)) فقل للهُويّة: شكراً!‏

    إن نظرتَ إلى وردةٍ دون أن توجعك ْ‏
    وفرحتَ بها، قل لقلبك: شكراً!‏

    إن نهضت صباحاً، ولم تجد الآخرين معكْ‏
    يفركون جفونكَ، قل للبصيرة: شكراً!‏

    إن تذكَّرتَ حرفاً من اسمكَ واسم بلادك َ‏
    كنْ ولداً طيباً!‏
    ليقول لك الربُّ: شكراً! ‏

    مقهىً، وأنت مع الجريدة

    مقهىً، وأنت مع الجريدةِ جالس ٌ
    لا، لستَ وحدك. نصفُ كأسكَ فارغٌ ‏
    والشمسُ تملأ نصفها الثاني …‏

    ومن خلف الزجاج ترى المشاة المسرعين ‏
    ولا تُرى [إحدى صفات الغيب تلك :‏
    ترى ولكن لا تُرى]‏
    كم أنت حرٌّ أيها المنسيُّ في المقهى!‏
    فلا أحدٌ يرى أثر الكمنجة فيك،
    لا أحدٌ يحملقُ في حضوركَ أو غيابكَ،
    أو يدقِّق في ضبابك إن نظرتَ
    إلى فتاة وانكسرت أمامها..‏
    كم أنت حرٌّ في إدارة شأنك الشخصي ِّ
    في هذا الزحام بلا رقيب ٍمنكَ أو ‏
    من قارئ! ‏
    فاصنع بنفسكَ ما تشاء، إخلع ْ
    قميصك أو حذاءك إن أردتَ، فأنت ‏
    منسيٌّ وحرٌّ في خيالك، ليس لاسمكَ ‏
    أو لوجهكَ ههنا عملٌ ضروريٌ. تكون ‏
    كما تكون … فلا صديقَ ولا عدو َّ‏
    يراقب هنا ذكرياتكَ /‏
    فالتمس ْعذرا ًَلمن تركتك في المقهى ‏
    لأنك لم تلاحظ قَصَّة الشَّعرِ الجديدةَ‏
    والفراشاتِ التي رقصت علي غمَّازتيها /‏
    والتمس عذراً لمن طلب اغتيالكَ، ‏
    ذات يومٍ، لا لشيءٍ… بل لأنك لم ‏
    تمتْ يوم ارتطمتَ بنجمة.. وكتبتَ ‏
    أولى الأغنيات بحبرها…‏

    مقهىً، وأنت مع الجريدة جالسٌ
    في الركن منسيّاً، فلا أحد يهين
    مزاجكَ الصافي،‏
    ولا أحدٌ يفكرُ باغتيالكْ‏
    كم انت منسيٌّ وحُرٌّ في خيالك!‏

    II

    هوَ

    هو، لا غيره‏

    هوَ، لا غيره، من ترجَّل عن نجمة ٍ
    لم تصبهُ بأيّ أذى.‏
    قال: أسطورتي لن تعيش طويلاً ‏
    ولا صورتي في مخيّلة الناس / ‏
    فلتمتحنِّي الحقيقة ُ
    قلت له: إن ظهرتَ انكسرتَ، فلا تنكسر ْ
    قال لي حُزْنُهُ النَّبٌَّويُّ: إلي أين أذهبُ؟ ‏
    قلت إلى نجمةٍ غير مرئية ٍ‏
    أو إلى الكهف/ ‏
    قال يحاصرني واقعٌ لا أجيد قراءته ‏
    قلت دوّن إذنْ، ذكرياتكَ عن نجمة بعُدتْ‏
    وغدٍ يتلكأ، واسألْ خيالك : هل ‏
    كان يعلم أنَّ طريقكَ هذا طويل؟ ‏
    فقال: ولكنني لا أجيدُ الكتابةَ يا صاحبي!‏
    فسألت: كذبت علينا إذاً؟ ‏
    فأجاب: على الحلم أن يرشد الحالمين ‏
    كما الوحيُ / ‏
    ثم تنهَّد: خذْ بيدي أيها المستحيل! ‏
    وغاب كما تتمنَّى الأساطير / ‏
    لمْ ينتصر ليموت، ولم ينكسرْ ليعيش ‏
    فخذْ بيدينا معاً، أيها المستحيل !‏

    لم ينتظر أحداً

    لم ينتظرأحداً،
    ولم يشعر بنقص في الوجودِ،
    أمامه نهرٌ رماديٌّ كمعطفه،‏
    ونورُ الشمس يملأ قلبهُ بالصحوِ‏
    والأشجارُ عاليةٌ /‏

    ولم يشعر بنقصٍ في المكانِ،
    المقعدُ الخشبيُّ، قهوتهُ، وكأس الماءِ
    والغرباءُ، والأشياءُ في المقهى‏
    كما هيَ،
    والجرائدُ ذاتها: أخبار أمسِ، وعالم ٌ
    يطفو على القتلى كعادتهِ /‏

    ولم يشعرْ بحاجتهِ إلى أملٍ ليؤنسهُ‏
    كأن يخضوضَ المجهولُ في الصحراءِ‏
    أو يشتاقَ ذئبٌ ما إلى جيتارةٍ،
    لم ينتظر شيئاً، ولا حتى مفاجأةً،
    فلن يقوى على التكرارِ… أعرفُ
    آخر المشوار منذ الخطوة الأولى -‏
    يقول لنفسه – لم أبتعدْ عن عالمٍ،‏
    لم أقتربْ من عالمٍ‏

    لم ينتظرْ أحداً.. ولم يشعرْ بنقصٍ
    في مشاعره. فما زال الخريفُ مضيفهُ الملكيَّ،
    يغريهِ بموسيقى تعيدُ إليه عصر النهضةِ ‏
    الذهبيَّ … والشِّعر المُقفى بالكواكبِ والمدى

    لم ينتظر أحداً أمامَ النَّهر /‏

    في اللا إنتظار أُصاهر الدوريَّ ‏
    في اللا إنتظار أكون نهراً – قال – ‏
    لا أقسو على نفسي، ولا
    أقسو على أحدٍ،
    وأنجو من سؤالٍ فادحٍ :‏

    ماذا تريد ‏
    ماذا تريد؟

    برتقاليّة

    برتقاليةً، تدخلُ الشمس في البحرِ / ‏
    والبرتقالةُ قنديلُ ماءٍ على شجرٍ باردٍ‏

    برتقاليةً، تلدُ الشَّمسُ طفلَ الغروبِ الإلهيَّ /‏
    والبرتقالةُ، إحدى وصيفاتها، تتأمَّل مجهولها

    برتقاليةً، تسكب ُالشَّمس سائلها في فم ِالبحرِ/‏
    والبرتقالة ُخائفة ٌمن فمٍ جائعٍ
    برتقاليةً، تدخل الشمسُ في دورة الأبديةِ/‏
    والبرتقالةُ تحظى بتمجيد قاتلها:‏

    ‏ تلك فاكهةٌ مثل حبة شمسٍ‏
    ‏ تقَشَّرُ باليد والفم، مبحوحةُ الطعمِ
    ‏ ثرثارة َالعطرِ سكرى بسائلها…‏
    ‏ لونها لا شبيه له غيرها،
    ‏ لونها صفة الشمس في نومها
    ‏ لونها طعمها: حامضٌ سكريٌّ،
    ‏ غنيٌّ بعافية ِالضوء والفيتامين ‏C‏..‏

    وليس على الشِّعر من حرجٍ إنْ‏
    تلعثم في سردهِ، وانتبهْ
    إلى خللٍ رائعٍ في الشَّبهْ!‏

    هنالك عُرْس

    هنالك عرسٌ علي بعدِ بيتين منا، ‏
    فلا تغلقوا البابَ… لا تحجبوا نزوةَ ‏
    الفرح الشاذِّ عنا. فإن ذبُلت وردة ٌ
    لا يحسُّ الربيع بواجبه في البكاء .‏
    وإن صمتَ العندليبُ المريضُ أعارَ الكناري َّ‏
    حصَّتهُ في الغناء. وإن وقعت نجمة ٌ
    لا تصابُ السماء بسوء…‏
    هنالك عرسٌ،
    فلا تغلقوا البابَ في وجهِ هذا الهواء ‏
    المضمَّخ بالزنجبيل وخوخ العروس التي ‏
    تنضجُ الآن [تبكي وتضحك كالماء. ‏
    لا جرحَ في الماء. لا أثرٌ لدم ٍ‏
    سال في الليل] ‏
    قيل: قويٌّ هو الحبُّ كالموت! ‏
    قلت: ولكن شهوتنا للحياة ،
    ولو خذلتنا البراهينُ، أقوى من ‏
    الحبّ والموتِ/ ‏
    فلنُنْهِ طقسَ جنازتنا كي نشارك َ‏
    جيراننا في الغناء ‏
    الحياة بديهيةٌ .. وحقيقيةٌ كالهباء!‏

    فراغ ٌفسيحْ

    فراغ ٌفسيح. نحاس. عصافيرُ حنطيَّةُ
    اللون. صفصافةٌ. كسلٌ. أفقٌ مهملٌ ‏
    كالحكايا الكبيرة. أرضٌ مجعَّدةُ الوجه.‏
    صيفٌ كثير التثاؤب كالكلب في ظل ِّ‏
    زيتونةٍ يابسٍ. عَرَقٌ في الحجارة.‏
    شمسٌ عمودية. لا حياةَ ولا موت‏
    حول المكان. جفافٌ كرائحة الضوء في ‏
    القمح. لا ماء في البئر والقلب.‏
    لا حُبَّ في عمل الحُبّ… كالواجب الوطنيّ
    هو الحُبُّ. صحراء غير سياحية، غيرَ
    مرئيَّةٍ خلف هذا الجفاف. جفافٌ
    كحرية السجناء بتنظيف أعلامهم من ‏
    برازُ الطيور، جفافٌ كحقّ النساء‏
    بطاعة أزواجهنَّ وهجر المضاجع. لا
    عشب أخضر، لا عشب أصفر. لا ‏
    لون في مرضِ الَّلون. كل ُّالجهات ِ‏
    رماديةٌ
    ‏ لا إنتظار إذاً
    ‏ للبرابرة القادمين إلينا
    ‏ غداة احتفالاتنا بالوطنْ! ‏

    III

    أنا

    ها هي الكلمات

    ها هي الكلماتُ ترفرفُ في البال /‏
    في البال أرضٌ سماويةُ الاسم تحملها الكلماتُ.‏
    ولا يحلم الميِّتون كثيراَ، وإن حلموا ‏
    لا يصدِّقُ أحلامهم ْأحدٌ…‏
    هاي هي الكلماتُ ترفرف في جسدي نحلةً‏
    نحلةً … لو كتبتُ على الأزرقِِ الأزرقَ‏
    اخضرّت الأغنياتُ وعادت إليّ الحياةُ.‏
    وبالكلمات وجدت الطريق إلى الاسم
    أقصرَ… لا يفرح الشعراء كثيراً، وإن
    فرحوا لن يصدِّقهم أحدٌ..‏
    قلت: ما زلت حياً لأني أرى الكلمات
    ترفرفُ في البال /‏
    في البال أغنيةٌ تتأرجح بين الحضور‏ِ
    وبين الغياب، ولا تفتح البابَ إلا
    لكي توصدَ الباب .. أغنيةٌ عن
    حياة ِالضباب، ولكنها لا تطيع ُسوى ما
    ‏ نسيتُ من الكلمات!‏

    لوصفِ زهر الَّلوز

    ولوصف ِزهر الَّلوز، لا موسوعةُ الأزهارِ
    تسعفني، ولا القاموسُ يسعفني…‏
    سيخطفني الكلامُ إلى أحابيلِ البلاغةِِ /‏
    والبلاغةُ تجرحُ المعنى وتمدح جرحهُ،
    كمذكَّرٍ يملي على الأنثى مشاعرَها / ‏
    فكيف يشعُّ زهر الَّلوز في لغتي أنا
    وأنا الصدى؟
    وهو الشَّفيفُ كضحكةٍ مائيةٍ نبتت‏
    على الأغصان من خَفَر الندى…‏
    وهو الخفيفُ كجملةٍ بيضاءَ موسيقيةٍ…‏
    وهو الضعيف كلمح خاطرةٍ
    تُطلُّ على أصابعنا‏
    ونكتبها سُدى…‏
    وهو الكثيف كبيتِ شعرٍ لا يدوَّنُ
    بالحروف / ‏

    لوصف زهر الَّلوز تلزمني زيارات ٌإلى
    اللاوعي تُرشدني إلى أسماءَ عاطفة ٍ
    معلقةٍ على الأشجار. ما اسمهْ؟ ‏
    ما اسم هذا الشيء في شعريِّة اللاشيء ؟ ‏
    يلزمني اختراقُ الجاذبيةِ والكلام،‏
    لكي أحِسَّ بخفَّة الكلمات حين تصير ‏
    طيفاً هامساً، فأكونها وتكونني‏
    شفّافَةً بيضاءَ / ‏
    لا وطنٌ ولا منفى هيَ الكلماتُ،
    بل ولعُ البياض بوصف زهر اللوز /‏
    لا ثلجٌ ولا قُطنٌ / فما هوَ في ‏
    تعاليهِ على الأشياء والأسماءِ
    لو نجح المؤلِّف في كتابة مقطعٍ
    في وصف زهر الَّلوز، لانحسر الضبابُ ‏
    عن التلال، وقال شعبٌ كاملٌ:‏
    هذا هُوَ / ‏
    هذا كلامُ نشيدنا الوطنّي!‏

    في البيت أجلس

    في البيت أجلس، لا حزيناً لا سعيداً ‏
    لا أنا، أو لا أحد ْ

    صحفٌ مبعثرةٌ. ووردُ المزهريةِ لا يذكرني‏
    بمن قطفتهُ لي. فاليوم عُطلتنا عَن الذكرى،
    وعطلة كلِّ شيء… إنه يوم الأحد ْ

    يوم نرتبُ فيه مطبخنا وغرفةَ نومنا،‏
    كلٌّ على حدةٍ. ونسمع نشرةَ الأخبار‏
    هادئةً، فلا حربٌ تشنُّ على بلد ْ‏

    ألامبراطورُ السَّعيدُ يُداعبُ اليومَ الكلابَ،
    ويشرب الشمبانيا في ملتقى نهدين من
    عاجٍ… ويسبحُ في الزبدْ‏

    ألامبراطور الوحيدُ اليوم في قيلولةٍ،
    مثلي ومثلك، لا يفكِّر بالقيامة .. فهيَ ‏
    مُلكُ يمينهِ، هي و الحقيقةُ والأبدْ!‏

    كسلٌ خفيفُ الوزن يطهو قهوتي ‏
    والهالُ يصهلُ في الهواء وفي الجسدْ‏

    وكأنني وحدي. أنا هو أو أنا الثاني ‏
    رآني واطمأنَّ َعلى نهاري وابتعدْ

    يوم ُالأحد ‏
    هو أول الأيام في التوراة، لكنَّ
    الزَّمان يغير العاداتِ: إذ يرتاح ‏
    ربُّ الحرب في يوم الأحدْ

    في البيت أجلس، لا سعيداً لا حزيناً
    بين بين. ولا أبالي إن علمْت بأنني ‏
    حقاً أنا … أو لا أحدْ!‏

    أحب ُّالخريف َوظلَّ المعاني ‏

    أحبُّ الخريفَ وظلِّ المعاني، ويعجبني‏
    في الخريف غموضٌ خفيفٌ شفيفُ المناديل،‏
    كالشعر غِبَّ ولادته إذ “يَزِغلِلُهُ”‏
    وهَجُ الَّليل أو عتمةُ الضوء. يحبو
    ولا يجد الاسم للشيء /‏

    يعجبني مطرٌ خَفِرٌ لا يبلِّل إلاَّ ‏
    البعيداتِ
    ‏[في مثل هذا الخريف تقاطعَ موكب عرسٍ‏
    لنا مع إحدى الجنازات، فاحتفل الحيُّ ‏
    بالميتِ والميتُ بالحيِّ]‏

    يعجبني أن أرى ملكاً ينحني لاستعادةِ
    لؤلؤة َالتَّاج من سمكٍ في البحيرة ِ/‏

    تعجبني في الخريف ِمشاعيةُ الَّلون، لا‏
    عرشَ للذهبِ المتواضع في ورقِ الشَّجر‏
    المتواضعِ، مثل المساواة في ظمأ الحبِّ / ‏

    يعجبني أنه هُدنة ٌبين جَيشينِ ينتظران‏
    المباراة ما بين شاعرتينِ تحبَّان فصل الخريف،‏
    وتختلفان على وجه الاستعارةْ

    ويعجبني في الخريف التواطؤْ بين‏
    الرُؤى والعبارةْ!‏

    وأما الرَّبيع ‏

    وأما الربيعُ، فما يكتب الشُّعراءُ السكارى
    إذ أفلحوا في التقاط الزمان ِالسَّريع
    بصنَّارة الكلمات… وعادوا إلى صحوهِم سالِمين.‏

    قليلٌ من البرد في جَمرَةِ الجُلنار
    يُخفِّف من لسعة النار في الاستعارة
    ‏[لو كنتُ أقربَ منكِ إليَّ ‏
    لقبَّلتُ نفسي]‏

    قليلٌ من اللون في زهرةِ اللوز يحمي
    السَّماوات من حجَّة الوثنيِّ الاخيرةِ‏
    ‏[مهما اختلفنا سندركُ أن السعادةَ‏
    ممكنة مثل هزَّة أرضٍ]‏

    قليلٌ من الرَّقص في مهرجان الزََّّواج الإباحيّ
    بين النباتات سوف ينشِّط دورتنا الدَّموية
    ‏[لاتعرف البذرةُ الموتَ
    مهما ابتعدنا]‏

    ولا تخجل الأبديةُ من أحدٍ ‏
    حينَ تمنحُ عانتَها للجميع
    هنا… في الرَّبيع السَّريع ‏

    كنت أحبّ الشتاء

    كنت في ما مضى أنحني للشِّتاء احتراماً ، ‏
    وأصغي إلى جسدي. مطرٌ مطر كرسالة
    حب تسيلُ إباحيَّةً من مُجون السماء.‏
    شتاءٌ. نداءٌ. صدى جائع لاحتضان النساء.‏
    هواءٌ يُرَى من بعيد على فرس تحمل
    الغيم… بيضاءَ بيضاءَ. كنت أُحبُّ
    الشتاء، وأمشي إلى موعدي فرحاً
    مرحاً في الفضاء المبلَّل بالماء. كانت
    فتاتي تنشِّفُ شعري القصير بشعر طويل
    ترعرعَ في القمح والكستناء. ولا تكتفي
    بالغناء: أنا والشتاء نحبُّكََ، فابقَ
    إذا معنا! وتدفىءُ صدري على
    شادنيْ ظبيةٍ ساخنيَن. وكنت أُحبُّ
    الشتاء، وأسمعه قطرة قطرة. ‏
    مطر، مطر كنداءٍ يُزفَُّ إلى العاشق:‏
    أُهطلْ على جسدي! … لم يكن في ‏
    الشتاء بكاء يدلُّ على آخر العمر.‏
    كان البدايةَ، كان الرجاءَ. فماذا
    سأفعل، والعمرُ يسقط كالشَّعر،
    ماذا سأفعل هذا الشتاء؟

    كما لو فرحتُ

    كما لو فرحتُ: رجعت. ضغطتُ على
    جرس الباب أكثرَ من مرةٍ، وانتظرتُ…‏
    لعّلي تأخرتُ. لا أحدٌ يفتح الباب، لا
    نأمةٌ في الممرِّ.‏
    تذكرتُ أن مفاتيح بيتي معي، فاعتذرتُ
    لنفسي: نسيتُك فادخلْ
    دخلنا … أنا الضيف في منزلي والمضيف.‏
    نظرتُ إلى كل محتويات الفراغ، فلم أرَ‏
    لي أثراً، ربما … ربما لم أكن ههنا. لم ‏
    أَجد شبهاً في المرايا. ففكرتُ: أين‏
    أنا، وصرخت لأوقظ نفسي من الهذيان،
    فلم أستطع… وانكسرتُ كصوتٍ تدحرجَ
    فوق البلاط. وقلت: لماذا رجعت إذاً؟
    واعتذرتُ لنفسي: نسيتُك فاخرجْ!‏
    فلم أستطعْ. ومشيت إلى غرفة ِالنَّوم،
    فاندفع الحلم نحوي وعانقني سائلاً:‏
    هل تغيرتَ؟ قلت تغيرتُ، فالموتُ ‏
    في البيت أفضلُ من دهسِ سيَّارةٍ‏
    في الطريق إلى ساحة خالية !‏

    فرحاً بشيء ما

    فرحاً بشيٍ ما خفيٍّ، كنتُ أحتضن‎
    الصباح بقُوّة الإنشاد، أمشي واثقاً‎
    بخطايَ،‎ ‎أمشي واثقاً برؤايَ. وَحيٌ ما‎
    يناديني: تعال! كأنَّه إيماءةٌ سحريةٌ،‎
    وكأنه‎ ‎حلمٌ ترَّجل كي يدربني على أسراره،‎
    فأكون سيِّدَ نجمتي في الليل‎… ‎معتمداً‎
    على لغتي. أنا حُلمي أنا. أنا أمُّ أمي‎
    في الرؤى، وأبو أبي، وابني‎ ‎أنا‎.
    فرحاً بشيٍ ما خفيٍّ، كان يحملني‎
    على آلاته الوتريةِ الإنشادُ‎. ‎يصقلني‎
    ويصقلني كماسِ أميرة ٍشرقية‎ٍ
    ما لم يُغَنَّ الآن‎
    في هذا الصباح‎
    فلن‎ ‎يُغَنّى‎
    أعطنا، يا حُبُّ، فيضكَ كُلَّه لنخوض‏‎
    حرب العاطفيّين الشريفة،‎ ‎فالمناخُ ملائمٌ،‎
    والشمس تشحذ في الصباح سلاحنا،‎
    يا حُبّ! لا هدفٌ لنا إلا‎ ‎الهزيمة في‎
    حروبك… فانتصر أنت انتصر، واسمع‎
    مديحك من ضحاياكَ: انتصر‎! ‎سَلِمَتْ‎
    يداكَ! وَعُدْ إلينا خاسرين… وسالماً‎!
    فرحاً بشيٍ ما خفيٍّ، كنت‎ ‎أمشي‎
    حالماً بقصيدةٍ زرقاء من سطرين، من‏‎
    سطرين… عن فرح خفيف‎ ‎الوزن،‎
    مرئيٍ وسرّيّ معاً‎
    مَنْ لا يحبَّ الآن،‎
    في هذا الصباح،‎
    فلن‎ ‎يُحبّ‎!‎

    لا أعرف الشخص الغريب

    لا أعرف الشَّخصَ الغريب ولا مآثرهُ…‏
    رأيتُ جنازةً فمشيت خلف النعش،‏
    مثل الآخرين مطأطىء الرأس احتراماً. لم
    أجد سبباً لأسأل: من هو الشخصُ الغريبُ؟
    وأين عاش، وكيف مات [فإن أسباب
    الوفاة كثيرةٌ من بينها وجع الحياة].‏
    سألتُ نفسي: هل يرانا أم يرى
    عدماً ويأسفُ للنهاية؟ كنت أعلم أنه‏
    لن يفتح النعشَ المُغطى بالبنفسج كي‏
    يُودعنا ويشكرنا ويهمسَ بالحقيقة‏
    ‏[ما الحقيقة؟]. ربما هو مثلنا في هذه
    الساعات يطوي ظلَّهُ. لكنه هوَ وحده‏
    الشخصُ الذي لم يبكِ في هذا الصباح،
    ولم يرَ الموت المحلقَ فوقنا كالصقر…‏
    ‏[فالأحياء هم أبناء عمِّ الموت، والموتى ‏
    نيام هادئون وهادئون وهادئون] ولم ‏
    أجد سبباً لأسأل: من هو الشَّخص
    الغريب وما اسمه؟ [لا برق
    يلمع في اسمه] والسائرون وراءه‏
    عشرون شخصاً ما عداي [أنا سواي]‏
    وتُهتُ في قلبي على باب الكنيسة:‏
    ربما هو كاتبٌ أو عاملٌ أو لاجئٌ
    أو سارقٌ، أو قاتلٌ… لا فرق،
    فالموتى سواسيةٌ أمام الموت.. لا يتكلمون
    وربما لا يحلمون…‏
    وقد تكون جنازةُ الشخص الغريب جنازتي
    لكنَّ أمراً ما إلهياً يؤجلها
    لأسباب عديدةْ
    من بينها: خطأ ٌكبيرٌ في القصيدةْ!‏

    IV

    هي

    الجميلاتُ هنَّ الجميلاتُ

    الجميلات هنَّ الجميلاتُ ‏

    ‏ [نقشُ الكمنجاتِ في الخاصرةْ]‏

    الجميلات هنَّ الضعيفاتُ ‏

    ‏ [عرشٌ طفيفٌ بلا ذاكرةْ]‏

    الجميلات هنَّ القوياتُ ‏

    ‏ [يأسٌ يضيء ولا يحترقْ] ‏

    الجميلات هنَّ الأميرات ُ

    ‏ [ربَّاتُ وحيٍِ قلقْ]‏

    الجميلات هنَّ القريباتُ ‏

    ‏ [جاراتُ قوس قزحْ] ‏

    الجميلات هنَّ البعيداتُ ‏

    ‏ [مثل أغاني الفرح] ‏

    الجميلات هنَّ الفقيراتُ ‏

    ‏ [كالوردِ في ساحةِ المعركةْ] ‏

    الجميلاتُ هنَّ الوحيداتُ

    ( ‎مثل الوصيفات في حضرة الملكةْ‎)

    الجميلات هنَّ الطويلاتُ ‏

    ‏ [خالاتِ نخل السماءْ] ‏

    الجميلات هنَّ القصيراتُ ‏

    ‏ [يُشرَبْنَ في كأس ماءْ] ‏

    الجميلات هنَّ الكبيراتُ ‏

    ‏ [مانجو مقشرةٌ ونبيذٌ معتقْ]‏

    الجميلات هنَّ الصغيراتُ ‏

    ‏ [وَعْدُ غدٍ وبراعمُ زنبقْ] ‏

    الجميلاتُ، كلّْ الجميلات، أنتِ

    ‏ إذا ما اجتمعنَ ليخترن َلي أنبلَ القاتلات !‏

    كمقهى صغير هو الحبّ

    كمقهى صغير على شارع الغرباء – ‏
    هو الحُبُّ… يفتح أبوابه للجميع.‏
    كمقهى يزيد وينقُصُ وفق المناخ:‏
    إذا هطل المطرُ ازداد رُوَّاده،
    وإذا اعتدل الجوُّ قلُّوا ومَلُّوا…‏
    أنا ههنا – يا غريبةُ – في الركن أجلس‏
    ‏[ما لون عينيكِ؟ ما اسمك؟ كيف
    أناديك حين تمرين بي، وأنا جالس ‏
    في انتظاركِ؟]‏
    مقهى صغيٌر هو الحبُّ. أطلب كأسَيْ
    نبيذٍ وأشرب نخبي ونخبك. أحمل
    قُبعتين وشمسيةً. إنها تمطر الآن.‏

    تمطر أكثر من أي يوم، ولا تدخلين.‏
    أقول لنفسي أخيراً: لعلَّ التي كنت
    انتظرُ انتظرتني.. أو انتظرت رجلاً
    آخرَ – انتظرتنا ولم تتعرف عليه / عليَّ،
    وكانت تقول: أنا ههنا في انتظارك.‏
    ‏[ما لون عينيكَ؟ أي نبيذٍ تحبُّ؟
    وما اسمُكَ؟ كيف أناديكَ حين
    تمرُّ أمامي]‏
    ‏ كمقهى صغيرٍ هو الحُبّ…‏

    يد تنشر الصحو ‏

    يدٌ تنشرُ الصَّحوَ أبيضَ، تسهرُ،
    تنهى وتأمرُ، تنأى وتدنو، وتقسو
    وتحنو. يدٌ تكسر اللازورد بإيماءةٍ،‏
    وترقِّص خيلاً على النَّهوند. يدٌ تتعالى.‏
    تثرثرُ حين يجفُّ الكلامُ. يدٌ تسكبُ‏
    البرق في قدح الشاي، تحلبُ ثديَ‏
    السحابة، تستدرج الناي ((أنت صدايَ)).‏
    يدٌ تتذكرُ ما سوف يحدث عما قليل.‏
    يدٌ تتلألأ في أنجمٍ خمسةٍ… تحرم
    الليلَ من حقه في النعاس. يد تعصرُ
    المفردات فترشح ماءً. يد تتحدث عن
    هجرة الطير منها إليها. يدٌ ترفع‏
    المعنويات في الكلمات، يدٌ تأمر‏
    الجيش بالنوم في الثكنات. يدٌ تتحرشُ
    بالموج في جسدي. يدها همسة ٌتلمسُ
    الأوجَ: خذني… هنا الآن … خذني !‏
    قال لها: ليتني كنت أصغر

    قال لها: ليتني كنتُ أصغرَ…‏
    قالت له: سوف أكبر ليلاً كرائحة ‏
    الياسمينة في الصيفِ
    ثم أضافت: وأنت ستصغر حين
    تنام، فكلَّ النيام صغارٌ، وأا أنا ‏
    فسأسهر حتى الصباح ليسودَّ ما تحت
    عينيَّ. خيطان من تعبٍ متقنٍ يكفيان‏
    لأبدوَ أكبرَ. أعصر ليمونةً فوق‏
    بطني لأخفي!طعم الحليب ورائحة القطنِ.‏
    أفرك نهديَّ بالملح والزنجبيل فينفر نهدايَ
    أكثر /‏
    قال لها: ليس في القلب متسعٌ
    للحديقة يا بنت… لا وقت في جسدي
    لغدٍ… فاكبري بهدوءٍ وبطءٍ
    فقالت له: لا نصيحةَ في الحب. خذني
    لأكبرَ! خذي لتصغرَ
    قال لها: عندما تكبرين غداً ستقولين:‏
    يا ليتني كُنتُ أصغرَ
    قالت له: شهوتي مثل فاكهةٍ لا
    تؤجَّلُ… لا وقت في جسدي لانتظار
    غدي!‏

    لا أنام لأحلم

    لا أنامُ لأحلم – قالت لهُ‏
    بل أنام لأنساكَ. ما أطيب النوم وحدي
    بلا صخبٍ في الحرير، ابتعدْ لأراكَ‏
    وحيداً هناك، تفكِّر بي حين أنساكَ / ‏
    لا شيئ يوجعني في غيابكَ
    لا الليل يخمش صدري ولا شفتاكَ …‏
    أنام على جسدي كاملاً كاملا
    لا شريك له،
    لا يداك تشقَّان ثوبي، ولا قدماكَ
    تدقّان قلبي كبندقةٍ عندما تغلق الباب / ‏
    لا شيء ينقصني في غيابك:‏
    نهدايَ لي. سُرَّتي. نَمَشي. شامتي،
    ويدايَ وساقايَ لي. كُلُّ ما فيَّ لي
    ولك الصُّورُ المشتهاةُ، فخذها
    لتؤنس منفاكَ، وارفع رؤاك كنخبٍ
    أخير. وقل إن أردت: هواكِ هلاك.‏

    وأمَّا أنا، فسأصغي إلى جسدي ‏
    بهدوء الطبيبة: لاشيء، لاشيء
    يُوجعني في الغياب سوى عُزلةِ الكون! ‏

    نسيَت غيمةً في السرير

    نسيَتْ غيمةٌ في السرير. على عجلٍ
    ودَّعتني وقالت: سأنساك. لكنها
    نسيتْ غيمة في السرير. فغطيتُها بالحرير ِ
    وقلتُ لها: لا تطيري ولا تتبعيها.‏
    ستأتي إليكِ.‏
    ‏[ وكانت عصافيرُ زرقاءُ، حمراءُ،
    صفراءُ ترتشف الماء من غيمةٍ ‏
    تتباطأ حين تطل على كتفيها ]‏
    ستُدركُ حين تعود إلى بيتها، دون‏
    حاشيةٍ من عصافيرَ، أنَّ المناخ تغيّر
    في ساحل الكتفين، وأن السحاب تبخر/‏
    عندئذٍ تتذكرُ ما نسيت: غيمةً في ‏
    سريري، فترجع كي تستعيد تقاليدها
    الملكية في غيمة …‏
    فشمَتُّ بها وابتسمتُ.‏
    وحين دخلتُ سريري لأرقد في
    الاستعارة بَلَّلني الماء

    هي / هو ‏

    هِيَ: هل عرفتَ الحبَّ يوماً؟‏
    هُوَ: عندما يأتي الشتاء يمسُّني
    شغفٌ بشيء غائب، أضفي عليه
    الاسمَ، أيَّ اسمٍ، أَنسى…‏

    هي: ماالذي تنساه؟ قُلْ!‏
    هو: رعشة الحُمَّى، وما أهذي به
    تحت الشراشف حين أشهق: دَثِّريني ‏
    دثِّريني!‏

    هي: ليس حُباً ما تقول
    هو: ليس حباً ما أَقول

    هي: هل شعرتَ برغبة في أن تعيش
    الموت في حضن إمرأةْ؟

    هو: كلما اكتمل الغيابُ حضرتُ…‏
    وانكسر البعيد، فعانق الموتُ الحياةَ
    وعانَقَتهُ… كعاشقين

    هي: ثم ماذا؟
    هو: ثم ماذا؟

    هي: واتحَّدتَ بها، فلم تعرف يديها‏
    من يديك وأنتما تتبخَّران كغيمةٍ زرقاءَ
    لا تَتَبيَّنان أأنتما جسدان… أم طيفان
    أم؟
    هو: من هي الأنثى – مجازُ الأرض‏
    فينا؟ مّن هو الذَّكرُ – السماء؟‏

    هي: هكذا ابتدأ أغاني الحبّ. أنت إذن
    عرفتَ الحب يوماً!‏
    هو: كلما اكتمل الحضورُ ودُجِّن المجهول…‏
    غبتُ

    هي: إنه فصل الشتاء، ورُبَّما
    أصبحتُ ماضيكَ المفضَّل في الشتاء
    هو: ربما… فإلى اللقاء
    هي: ربما.. فإلى اللقاء! ‏

    هي لا تحبك أنت

    هي لا تحبُّكَ أنت َ‏
    يعجبها مجازكَ ‏
    أنتَ شاعرها
    وهذا كلُّ ما في الأمرِ / ‏

    يعجبها اندفاعُ النهرِ في الإيقاعِ‏
    كن نهراً لتعجبها!‏
    ويعجبها جِماعُ البرق والأصوات‏
    قافيةً…‏
    تُسيلُ لعابَ نهديها‏
    على حرفٍ
    فكن ألفاً … لتعجبها!‏
    ويعجبها ارتفاع ُالشيء ‏
    من شيء إلى ضوء ‏
    ومن ضوءٍ إلى جرْسٍ
    ومن جرسٍ إلى حِسٍّ
    فكن إحدى عواطفها …لتعجبها
    ويعجبها صراع ُ مسائها مع صدرها:‏
    ‏[عذَّبتني يا حبُّ‏
    يا نهراً يصبُّ مجونهُ الوحشيِّ‏
    خارج غرفتي…‏
    يا حُبُّ! إن لم تُدمِني شبقاً
    قتلتك]‏
    كنْ ملاكاً، لا ليعجبها مجازك ‏
    بل لتقتلك انتقاماً من أنوثتها
    ومن شَرَك المجاز … لعلها ‏
    صارت تحبكَ أنتَ مذْ أدخلتها‏
    في اللازورد، وصرت أنت سواك
    في أعلى أعاليها هناك…‏
    هناك صار الأمر ملتبساً
    على الأبراج
    بين الحوت والعذراء… ‏

    لم تأتِ

    لم تأتِ. قلتُ: ولنْ .. إذاً
    سأعيد ترتيب المساء بما يليق بخيبتي
    وغيابها:‏
    أطفات نار شموعها،
    أشعلت نور الكهرباء،
    شربتُ كأس نبيذها وكسرتهُ،‏
    أبدلتُ موسيقى الكمنجات السريعة
    بالأغاني الفارسية.‏
    قلت: لن تأتي. سأنضو ربطةَ
    العنق الأنيقة [هكذا أرتاح أكثر]‏
    أرتدي بيجامة زرقاء. أمشي حافياً
    لو شئتُ. أجلس بارتخاء القرفصاءِ
    على أريكتها، فأنساها
    وأنسى كل أشياء الغياب / ‏
    أعدتُ ما أعددتُ من أدوات حفلتنا
    إلى أدراجها. وفتحتُ كلَّ نوافذي وستائري.‏
    لاسرَّ في جسدي أمام الليل إلاّ‏
    ما انتظرتُ وما خسرتُ…‏
    سخرتُ من هَوَسي بتنظيف الهواء لأجلها
    ‏[عطرته برذاذ ماء الورد والليمون]‏
    لن تأتي … سأنقل نبتة الأوركيدِ
    من جهة اليمين إلى اليسار لكي أعاقبها
    على نسيانها…‏
    غطيتُ مرآةَ الجدار بمعطفٍ كي لا أرى‏
    إشعاع صورتها … فأندم / ‏
    قلتُ: أنسى ما اقتبستُ لها
    من الغزل القديم، لأنها لا تستحقُّ
    قصيدةً حتى لو مسروقةً…‏
    ونسيتُها، وأكلتُ وجبتي السريعةَ واقفاً‏
    وقرأتُ فصلاً من كتاب مدرسيّ
    عن كواكبنا البعيدةْ
    وكتبتُ، كي أنسى إساءتها، قصيدة
    هذي القصيدةْ!‏

    وأنتِ معي

    وأنتِ معي، لا أقول: هنا الآن
    نحن معاً. بل أقول: أَنا، أنتِ،
    والأبديةُ نسبح في لا مكان
    هواءٌ وماءٌ. نفكُّ الرموز. نُسَمِّي،
    نُسَمِّى ،ولا نتكلم إلا لنعلم كم
    نحن نحن… وننسى الزمانْ
    ولا أتذكرُ في أيِّ أرضٍ وُلدتِ،‏
    ولا أتذكر من أيّ أرض بُعثتُ.‏
    هواءٌ وماء، ونحن على نجمة طائرانْ.‏
    وأنتِ معي يَعرَق الصمتُ، يغرورقُ
    الصحوُ بالغيم، والماءُ يبكي ويبكي الهواء،
    على نفسه كلما اتَّحد الجسدانْ
    ولا حُبَّ في الحبِّ،
    لكنه شَبَقُ الروح للطيرانْ

    الآن بعدك

    الآن بعدَكِ… عند قافيةٍ مناسبةٍ
    ومنفى، تُصلح الأشجارُ وقفتها وتضحك.‏
    إنه صيف الخريف… كعطلةٍ في غير
    موعدها، كثقبٍ في الزمان، وكانقطاعٍ
    في نشيدِ
    صيف الخريف تلفتُ الأيام صوبَ حديقةٍ
    خضراءَ لم تنضج فواكهها، وصوبَ حكايةٍ
    لم تكتمل: ما زال فينا نورسان يُحلقان
    من البعيد إلى البعيدِ
    ألشمسُ تضحكُ في الشوارع، والنساءُ
    النازلات من الأَسِرَّة، ضاحكاتٍ ضاحكاتٍ،
    يغتسلن بشمسهنَّ الداخلية، عارياتٍ عارياتٍ.‏
    إنه صيف الخريف يجيء من وقتٍ إضافيٍّ
    جديد.‏
    صيف الخريف يشدُّني ويشدُّكِ: انتظرا!‏
    لعلَّ نهايةً أُخرى وأجملَ في انتظاركما أمام
    محطة المترو. لعلَّ بدايةً دخلت إلى
    المقهى ولم تخرج وراءكما. لعل خطابَ
    حبّ ما تأخرَ في البريد.‏
    آلآن، بعدك… عند قافيةٍ ملائمةٍ‏
    ومنفى… تصلحُ الأشجارُ وفقتها وتضحك.‏
    أشتهيك وأَشتهيك وأنت تغتسلين،
    عن بعدٍ، بشمسك. إنه صيف الخريف
    كعطلة في غير موعدها. سنعلم أَنه
    فصلٌ يدافع عن ضرورته، وعن حُبّ
    خرافيّ… سعيدِ
    الشمسُ تضحكُ من حماقتنا وتضحكُ،
    لن أعود ولن تعودي!‏

    منفى

    ‏ (1)‏

    نهار الثلاثاء والجوُّ صافٍ

    نهار الثلاثاء والجوُّ صافٍ، أسيرُ‏
    على شارعٍجانبيّ مغطّى بسقف من
    الكستناء… أسير خفيفاً خفيفاً كأني
    تبخرتُ من جسدي، وكأني على موعد
    مع إحدى القصائد. أنظر في ساعتي
    شارداً. أتصفحُ أوراق غيم بعيد
    تدوِّنُ فيه السماءُ خواطر عليا، أقلِّبُ
    أحوال قلبي على شجر الجوز: خالٍ
    من الكهرباء ككوخ صغير على شاطئ
    البحر. أسرَعَ، أبطأَ، أسرعَ أمشي.‏
    أُحدق في اللافتات على الجانبين…‏
    ولا أحفظ الكلمات. أدندن لحناً
    بطيئا ًكما يفعل العاطلون عن العمل:‏
    ‏”النهر كالمهر يجري إلى حتفه / البحرِ
    والطيرُ تختطف الحبَّ من كتف النهر”.‏
    أهجس، أهمس في السر: عِشْ
    غدك الآن! مهما حييتَ فلن تبلغ
    الغدَ… لا أرض للغد، واحلمْ
    ببطء، فمهما حلمت ستدرك أنَّ
    الفراشة لم تحترق لتضيئك /‏

    أمشي خفيفاً خفيفاً. وأنظر حولي
    لعلي أرى شبهاً بين أوصاف نفسي
    وصفصاف هذا الفضاء فلا أتبيّن
    شيئا يشير إليََّ

    ‏[ إذا لم يغنِّ الكناريُّ
    يا صاحبي لكَ… فاعلمْ
    بأنك سجان نفسك،إن
    لم يغنّ الكناريُّ]‏

    لا أرض ضيقة ًكأصيص الورود
    كأرضك أنتَ… ولا أرضَ واسعةً‏
    كالكتاب كأرضك أنتَ.. ورؤياك
    منفاك في عالم لا هوية للظلّ
    فيه، ولا جاذبية / ‏

    تمشي كأنك غيرك /‏

    لو أستطيع الحديث إلى أحد في
    الطريق لقلتُ: خصوصيتي هي ما
    لا يدلُّ عليَّ، وما لا يسمى
    من الموت حلماً، ولا شيء أكثر / ‏
    لو أستطيع الحديث إلى امرأة
    في الطريق لقلتُ: خصوصيتي لا
    تثير انتباهاً: تكلُّسُ بعض الشرايين
    في القدمين، ولا شيء أكثر، فامشي
    الهوينى معي مثل مشي السحابة
    ‏”لا هي ريثٌ… ولا عجل” …‏

    لو أستطيع الحديث إلى شبح الموت ‏
    خلف سياج الأضاليا لقلتُ: ولدنا
    معا توأمين، أخي أنت يا قاتلي،
    يا مهندس دربي على هذه الأرض…‏
    أمي وأمكَ، فارمِ سلاحكَ / ‏

    لو أستطيع الحديث إلى الحبِّ، بعد
    الغداء، لقلت له: حين كنا
    فتيَّين كنا لهاثَ يدين على زغب‏
    المفردات،وإغماءة المفردات على
    ركبتين.وكنتَ قليل الصفات،كثيرَ
    الحراك، وأوضحَ: فالوجه وجهُ
    ملاكٍ يجيء من النوم، والجسم
    كبشٌ بقوة حمى. وكنت تُسمَّى ‏
    كما أنت “حباً” فيُغمى علينا
    ويُغمى على الليل /‏

    أمشي خفيفاً، فأكبر عشرَ دقائقَ،
    عشرين، ستين… أمشي وتنقص
    قيَّ الحياةُ على مهلها كسعالٍ خفيف.‏
    أفكر: ماذا لو أني تباطأتُ، ماذا ‏
    لو أني توقفتُ؟ هل أوقف الوقت؟
    هل أربكك الموت؟ أسخر من فكرتي،
    ثم أسأل نفسي: إلى أين تمشين
    أيتها المطمئنة مثل النعامة؟ امشي
    كأن الحياة تعدِّل نقصانها بعد حين.‏
    ولا أتلفت خلفي، فلن أستطيع
    الرجوع إلى أي شيء، ولا أستطيع
    التماهي

    ولو أستطيع الحديث إلى الربِّ قلت:‏
    إلهي إلهي! لماذا تخليتَ عني؟
    ولست سوى ظلِّ ظلك في الأرض،‏
    كيف تخلَّيتَ عني، وأوقعتني في‏
    فخاخ السؤال: لماذا خلقت البعوض
    إلهي إلهي؟
    وأمشي بلا موعدٍ، خالياً من
    وعود غدي. أتذكرُ أني نسيتُ،‏
    وأنسى كما أتذكرُ:‏

    أنسى غراباً على غصن زيتونةٍ
    أتذكر يقعةَ زيتٍ على الثوبِ‏

    أنسى نداء الغزال إلى زوجهِ
    أتذكر خط النمال على الرملِ

    أنسى حنيني إلى نجمةٍ وقعتْ من يدي‏
    أتذكرُ فروَ الثعالبِ‏

    أنسى الطريق القديم إلى بيتنا
    أتذكرُ عاطفةً تشبه المندرينةَ‏

    أنسى الكلامً الذي قلتهُ‏
    أتذكر ما لم أقل بعد

    أنسى رواياتِ جدي وسيفاً على حائطٍ‏
    أتذكر خوفي من النومِ

    أنسى شفاه الفتاة التي امتلأت عنباً
    أتذكرُ رائحةَ الخسِّ بين الأصابعِ‏

    أنسى البيوت التي دونت سيرتي
    أتذكر رقمَ الهويةِ‏
    أنسى حوادث كبرى وهزة َأرض مدمرةً
    أتذكر تبغ أبي في الخزانة
    أنسى دروب الرحيل إلى عدم ناقصٍ
    أتذكر ضوء الكواكب في أطلس البدو
    أنسى أزيز الرصاص على قرية أقفرت
    أتذكر صوت الجداجد في الحرش
    أنسى كما أتذكر، أو أتذكر أني نسيت
    ‏[ ولكنني ‏
    أتذكر
    هذا النهار،
    نهار الثلاثاء
    والجو صافٍ ]‏
    وأمشي على شارع لا يؤدي إلى
    هدف . ربما أرشدتني خطايَ إلى‏
    مقعد شاغر في الحديقة، أو
    أرشدتني إلى فكرة عن ضياع الحقيقة
    بين الجماليّّ والواقعيّ. سأجلس وحدي
    كأني على موعد مع إحدى نساء
    الخيال. تخيلتُ أني انتظرت طويلاً،
    وأني ضجرت من الانتظار، وأني انفجرت:‏
    لماذا تأخرتِ؟ تكذب: كان الزحامُ
    شديداً على الجسر. فاهدأْ. سأهدأُ
    حين تداعب شعري. سأشعر أنَّ
    الحديقة غرفتنا والظلال ستائرُ
    ‏[ إن لم يغن الكناريُّ
    يا صاحبي لك… فاعلم
    بأنك أفرطتَ في النوم‏
    إن لم يغن الكناريُّ ]‏
    وتسأل: ماذا تقول؟
    أقول لها: لم يغن الكناريُّ لي ‏
    هل تذكرتني يا غريبةُ؟ هل أشبه
    الشاعر الرعويَّ القديمَ الذي توَّجتهُ
    النجوم مليكاً على الليل، ثم تنازل‏
    عن عرشه حين أرسلته راعياً
    للغيوم؟ تقول: وهل يشبه اليومُ أمسِ،‏
    كأنك أنتَ…‏
    ‏[ هناك، على المقعد الخشبي المقابلِ
    بنتٌ يُفتٍّتُها الانتظار
    وتبكي،
    وتشرب كأس عصير…‏
    تُلمّع بلّور قلبي الصغير
    وتحمل عني عواطف هذا النهار ]‏
    وأسألها: كيف جئتِ؟
    تقول: أتيت مصادفةً. كنت أمشي
    على شارع لا يؤدي إلى هدفٍ.‏
    قلت: أمشي كأني على موعد…‏
    ربما أرشدتني خطايَ إلى مقعد شاغر‏
    في الحديقة، أو أرشدتني إلى فكرة ‏
    عن ضياع الحقيقة بين الخياليِّ والواقعيّ.‏
    وهل أنت تذكرني يا غريب؟
    وهل أشبه امرأةَ الأمس، تلك الصغيرةَ،
    ذات الضفيرةِ، والأغنيات القصيرةِ
    عن حبنا بعد نوم طويل
    أقول: كأنكِ أنتِ..‏
    ‏[ هناك فتىً يدخل الآن ‏
    باب الحديقة،
    يحمل خمساً وعشرين زنبقةً
    للفتاة التي انتظرته
    ويحمل عني فتوة هذا النهار ]‏
    صغير هو القلب… قلبي
    كبير هو الحب… حبي
    يسافر في الريح، يهبط
    يفرط رمانةً، ثم يسقطُ
    في تيه عينين لوزيتين
    ويصعد من فجر غمَّازتين
    وينسى طريق الرجوع إلى بيته واسمه
    صغير هو القلب… قلبي
    كبير هو الحب /..‏
    هل كان الذي كنتهُ – هو؟‏
    أم كان ذاك الذي لم أكنه –أنا؟
    تقول: لماذا تحكُّ الغيومُ أعالي الشجرْ؟
    أقول: لتلتصق الساقُ بالساق‏
    تحت رذاذ المطرْ
    تقول: لماذا تحملق بي قطة خائفةْ؟
    أقول: لكي توقفني العاصفةْ
    تقول: لماذا يحنُّ الغريب إلى أمسه
    أقول: ليعتمد الشعر فيه على نفسهِ
    تقول: لماذا تصير السماء رمادية اللون
    عند العشية؟
    أقول: لأنك لم تسكبي الماء في المزهريةْ
    تقول: لماذا تبالغ في السخريةْ؟
    أقول: لكي تأكل الأغنيةْ
    قليلا من الخبز ما بين حين وحين
    تقول: لماذا نحب، فنمشي على طرقٍ خاليةْ؟
    أقول: لنقهر الموت كثيرا بموت أقلّ
    وننجو من الهاويةْ
    تقول: لماذا حلمتُ بأني رأيت سنونوةً في يدي؟‏
    أقول: لأنك في حاجةٍ لأحدْ‏
    تقول: لماذا تذكرني بغد لا أراه
    معك؟
    أقول: لأنك إحدى صفات الأبدْ
    تقول: ستمضي إلى نفق الليل وحدك
    بعدي
    أقول: سأمضي إلى نفق الليل بعدك
    وحدي

    ‏.. وأمشي ثقيلاً ثقيلاً، كأني على موعد
    مع إحدى الخسارات. أمشي وبي شاعر
    يستعد لراحته الأبدية في ليل لندن.‏
    يا صاحبي في الطريق إلى الشام! لم نبلغ
    الشام بعد، تمهّل تمهّل، ولا تجعل
    الياسمينة ثكلى، ولا تمتحني، بمرثية:‏
    كيف أحمل عبء القصيدة
    عنك وعني؟
    قصيدة ُمن لا يحبونَ وصفَ الضباب‏
    قصيدتهُ
    معطفُ الغيم فوق الكنيسةِ‏
    معطفه
    سرّ قلبين يلتجئان إلى بردى‏
    سرّهُ
    نخلة السومرية، أم الأناشيد
    نخلته
    ومفاتيحُ قرطبةٍ في جنوب الضباب‏
    مفاتيحه
    لايذيلُ أشعاره باسمه‏
    فالفتاة الصغيرة تعرفهُ
    إن أحستْ بوخز الدبابيس‏
    والملح في دمها.‏
    هو، مثلي، يطارده قلبُهُ
    وأنا، مثله، لا أُذيل باسمي الوصية
    فالريح تعرف عنوان أهلي الجديد
    على سفح هاوية في جنوب البعيد
    وداعاً، صديقي، وداعاً وسّلم على الشام/‏
    لستُ فتياً لأحمل نفسي
    على الكلمات، ولست فتياً
    لأكمل هذي القصيدةَ / ‏

    أمشي مع الضاد في الليل – ‏
    تلك خصوصيتي اللغويةُ – أمشي‏
    مع الليل في الضاد كهلاً يحثّ
    حصاناً عجوزاً على الطيران إلى برج
    إيفل. يا لغتي ساعديني على الاقتباس
    لأحتضن الكون. في داخلي شُرفةٌ لا‏
    يمرّ ُبها أحدٌ للتحية. في خارجي عالم
    لا يردُّ التحية. يا لغتي! هل أكون
    أنا ما تكونين؟ أم أنت – يا لغتي – ‏
    ما أكون؟ ويا لغتي دربيني على
    الاندماج الزفافيّ بين حروف الهجاء‏
    وأعضاء جسمي – أكن سيداًلا صدى.‏
    دثّريني بصوفك يا لغتي، ساعديني
    على الاختلاف لكي أبلغ الائتلاف. لديني
    ألدك. أنا ابنك حينا، وحينا أبوك
    وأمك. إن كنتِ كنتُ، وإن كنتُ
    كنتِ. وسمّي الزمان الجديد بأسمائه
    الأجنبية يا لغتي، واستضيفي الغريب
    البعيد ونثرَ الحياة البسيط لينضج
    شعري. فمن – إن نطقتُ بما ليس ‏
    شعراً – سيفهمني؟ من يكلمني‏
    عن حنينٍ خفيِّ إلى زمن ضائع إن
    نطقتُ بما ليس شعراً؟ ومن – إن‏
    نطقت بما ليس شعراً – سيعرف‏
    أرض الغريب؟
    سجا الليل، واكتمل الليل، فاستيقَظَت
    زهرةٌ للتنفس عند سياج الحديقة.‏
    قلتُ: سأشهد أني ما زلت حياً،
    ولو من بعيد. وأني حلمت بأن الذي
    كان يحلم، مثلي، أنا لا سواي…‏
    وكان نهاري، نهار الثلاثاء رحباً طويلاً،
    وليل وجيزاً كفصلٍ قصيرٍ أُضيف
    إلى المسرحية بعد نزول الستارة. لكنني ‏
    لن أُسيء إلى أحد…‏
    إن أضفتُ: وكان نهاراً جميلاً،
    كقصةِ حبٍّ حقيقيةٍ في قطار سريع
    ‏[إذا لم يغنّ الكناري
    يا صاحبي،
    لا تلمْ غير نفسك.‏
    إن لم يغنِّ الكناريُّ‏
    يا صاحبي لكَ
    غنِّ له أنت … غَنِّ له]‏

    VI‏ منفى

    (2)‏

    ضباب كثيف علي الجسر ‏
    قال لي صاحبي، والضبابُ كثيفٌ‏
    علي الجسر:‏
    هل يُعْرَف الشيء من ضدِّهِ؟
    قلت: في الفجر يتَّضحُ الأمرُ‏
    قال: وليس هنالك وقتٌ أَشدّ‏
    التباسا ًمن الفجر،
    فاترك خيالك للنهر/‏
    في زرقة الفجر يعْدَم في
    باحة السجن، أو قرب حرش الصنوبر
    شابٌ تفاءل بالنصر/‏
    في زرقة الفجر ترسم رائحة الخبز
    خارطة للحياة ربيعيَّةَ الصيف/‏
    في زرقة الفجر يستيقظ الحالمون
    خفافاً ويمشون في ماء أَحلامهم‏
    مرحين
    ‏-إلى أَين يأخذنا الفجرُ، والفجر
    جِسْرٌ، إلي أَين يأخذنا؟
    قال لي صاحبي: لا أريد مكاناً
    لأدفَنَ فيه. أريد مكانا لأحيا،
    وأَلعنَه إن أردتُ.‏
    فقلت له -والمكان يمرّ كإيماءة
    بيننا: ما المكان؟
    فقال: عثور الحواسِّ على موطئ‏
    للبديهة،
    ثم تنهد:‏
    ‏ يا شارعاً ضيقاً كان يحملني‏
    ‏ في المساء الفسيح إلي بيتها
    ‏ في ضواحي السكينةْ
    ‏ أَما زلت تحفظ قلبيَ
    ‏ عن ظهر قلب،
    ‏ وتنسي دخان المدينة؟
    قلت له: لا تراهن علي الواقعيّ
    فلن تجد الشيء حياً كصورته في‏
    انتظارك….‏
    إنَّ الزمان يدجِّن حتى الجبال
    فتصبح أَعلى،وتصبح أوطأ مما عرفت.‏
    إلى أين يأخذنا الجسرُ؟
    قال: وهل كان هذا الطريقُ
    طويلا ًإلى الجسرِ؟
    قلت: وهل كان هذا الضبابُ
    كثيفاً علي دَرَج الفجرِ؟‏
    كم سنة ًكنْتَ تشبهني؟
    قال: كم سَنَة كنْتَ أَنتَ أَنا؟
    قلت: لا أَتذكَّرُ
    قال: ولا أتذكر أني تذكرت
    غير الطريق
    وغنَّي:‏
    ‎]‎على الجسر،في بلد آخرٍ
    يعلن الساكسفونُ انتهاءََ الشتاء‏
    على الجسر يعترف الغرباء
    بأخطائهم، عندما لايشاركهم
    أَحَدٌ في الغناء‏‎[‎
    وقلت له: منذ كم سنة نَسْتَحِثُّ
    الحمامة: طيري إلي سدرة المنتهي،
    تحت شباكنا، ياحمامة طيري طيري
    فقال: كأني نسيت شعوري
    وقال: وعما قليل نقلٌِد أَصواتنا
    حين كنا صغيرين. نلثغ بالسين واللام.‏
    نغفو كزوجي يمام علي كرمة ترتدي
    البيت. عما قليل تطلُّ علينا الحياة‏
    بديهيَّة. فالجبال علي حالها، خلف
    صورتها في مخيلتي. والسماء ُالقديمةُ
    صافية اللون والذهن، إن لم
    يَخنّي الخيال، تظلّ علي حالها
    مثل صورتها في مخيّلتي، والهواء
    الشهيّ النقيّ البهيّ يظل ُّعلى
    حاله في انتظاري.. يظلّ علي حاله.‏
    قلت: ياصاحبي، أَفرَغتني الطريقُ
    الطويلة من جسدي. لا أحس بصلصاله.‏
    لا أحسّ بأحواله. كلما سرت طرت.‏
    خطايَ رؤاي. وأَما ((أنا))ي ،فقد
    لَوَّحَتْ من بعيد:‏
    ‏((إذا كان دربك هذا
    طويلاً
    فلي عَمَلّ في الأساطير))‏
    أَيدٍ إلهيَّة دَرَّبتنا علي حفر أسمائنا‏
    في فهارس صفصافة. لم نكنِ واضحين
    ولاغامضين. ولكنَّ أسلوبنا في
    عبور الشوارع من زمنِ نحو آخرَ
    كان يثير التساؤل: مَنْ هؤلاءِ
    الذين إذا شاهدوا نخلة وقفوا
    صامتين، وخرٌوا علي ظلٌها ساجدين؟
    ومن هؤلاء الذين إذا ضحكوا أزعجوا ‏
    الآخرين؟
    علي الجسر، في بلد آخر، قال لي
    يعْرَف الغرباء من النَّظَر المتقطٌِع في الماء،
    أو يعْرَفون من الانطواء وتأتأة المشي.‏
    فابن البلاد يسير إلي هدف واضحِ
    مستقيمَ الخطي. والغريب يدور علي
    نفسه حائرا
    قال لي: كلّ جسري لقاء… علي
    الجسر أدخل في خارجي، وأسلم
    قلبي إلي نَحْلَة أو سنونوَّة
    قلت: ليس تماما. علي الجسر أمشي
    إلي داخلي، وأروٌِض نفسي علي
    الانتباه إلي أمرها. كلّ جسري فصام،
    فلا أنت أنت كما كنت قبل قليل،
    ولا الكائنات هي الذكريات
    أنا اثنان في واحد
    أم أنا
    واحد يتشظي إلي اثنين
    ياجسْر يا جسر
    أيٌ الشَّتِيتَيْنِ منا أَنا؟
    مشينا علي الجسر عشرين عاما
    مشينا علي الجسر عشرين مترا
    ذهابا إيابا،
    وقلت: ولم يبقَ إلا القليل
    وقال: ولم يبقَ إلا القليل
    وقلنا معا، وعلي حدة، حالمين:‏
    سأمشي خفيفا، خطَايَ علي الريحِ
    قوس تدغدغ أرضَ الكمان
    سأسمع نبض دمي في الحصي
    وعروق المكان

    سأسند رأسي إلي جذع خَرّوبة،
    هي أمٌي، ولو أنْكَرَتْني
    سأغفو قليلا، ويحملني طائران صغيران
    أعلي وأعلي… إلي نجمة شرٌدَتْني
    سأوقظ روحي علي وَجَع سابق
    قادم، كالرسالة، من شرفة الذاكرةْ
    سأهتف: مازلت حيٌا، لأنيَ‏
    أَشعر بالسهم يخترق الخاصرةْ
    سأنظر نحو اليمين، إلي جهة الياسمين
    هناك تعلَّمْت أول أغاني الجسدْ
    سأنظر نحو اليسار، إلي جهة البحر
    حيث تعلَّمت صَيْدَ الزَّبَدْ
    سأكذب مثل المراهق: هذا الحليب
    علي بنطلوني ثمَاَلة حلْمِ تحرَّش بي… وانتهي
    سأنكر أني أقلٌِد قيلولة الشاعر
    الجاهليٌِ الطويلةَ بين عيون المها
    سأشرب من حَنَفيَّة ماء الحديقة حفنةَ
    ماء. وأَعطش كالماء شوقا إلي نفسِهِ
    سأسأل أوٌل عابر درب: أَشاهدتَ
    شخصا علي هيئة الطيف، مثلي، يفتٌِش
    عن أَمسِه؟
    سأحمل بيتي علي كتفيَّ… وأَمشي
    كما تفعل السلحفاة البطيئةْ
    سأصطاد نسرا بمكنسة، ثم أسأل:‏
    أَين الخطيئة؟
    سأبحث في الميثولوجيا وفي الأركيولوجيا
    وفي كل جيم عن اسمي القديم
    ستنحاز إحدي إِلهات كَنْعَانَ لي، ثمَّ
    تحلف بالبرق: هذا هو ابني اليتيم
    سأثني علي امرأة أنجبتْ طفلة
    في الأنابيب. لكنها لاتمتّ إليها بأيٌِ شَبَهْ
    سأبكي علي رجل مات حين انتَبهْ‏

    سأخذ سطر المَعَرٌيٌِ ثم أعدٌِله:‏
    جَسَدي خرقَة من تراب، فيا خائطَ
    الكون خِطْني!‏
    سأكتب: يا خالقَ الموت، دعني
    قليلا… وشأني!‏

    سأوقظ موتايَ: نحن سواسية أيها
    النائمون، أما زلتم مثلنا تحلمون
    بيوم القيامةْ؟
    سأجمع ما بعثرته الرياح من الغَزَل
    القرْطبيٌِ، وأكمل طَوْقَ الحمامةْ

    سأختار من ذكرياتي الحميماتِ
    وَصْفَ الملائم: رائحة الشرشف المتجعٌد
    بعد الجِماع كرائحة العشب بعد المطرْ
    سأشهد كيف سيخضرّ وجه الحجرْ

    سيلسعني وَرْد آذارَ، حيث ولدت
    لأوٌل مَرٌةْ
    ستحمل بي زهرة الجلَّنار، وأولَد منها
    لآخر مَرَّةْ!‏

    سأَنأي عن الأمس، حين أعيد
    له إرثه: الذاكرةْ
    سأدنو من الغد حين أطارد قبَّرة

    ماكرةْ
    سأعلم أَني تأخَّرْت عن موعدي

    وسأعرف أنَّ غدي
    مَرَّ، مَرَّ السحابةِ، منذ قليل،
    ولم ينتظرني
    سأعلم أن السماء ستمطر بعد قليل
    عليَّ
    وأنٌي
    أَسير علي الجسر

    هل نطأ الآن أرض الحكاية؟ قد
    لاتكون كما نتخيَّل ‘لا هي سَمْن
    ولا عَسَل’ والسماء رمادَّية اللون.‏
    والفجر مازال أزرقَ ملتبسا. ما

    هو الزمن الآن؟ جسر يطول
    ويقصر.. فجر يطول ويمكر. ما
    الزمن الآن؟

    تغفو البلاد القديمة خلف قلاع
    سياحيٌة. والزمان يهاجر في نجمة
    أَحرقت فارسا عاطفيا. فيا أيها
    النائمون علي إبر الذكريات! أَلا
    تشعرون بصوت الزلازل في حافر الظبي؟

    قلت له: هل أَصابتك حمَّي؟
    فتابع كابوسه: أَيها النائمون! ألا
    تسمعون هسيس القيامة في حبة
    الرمل؟
    قلت له: هل تكلمني؟ أم تكلٌِم
    نفسك؟
    قال: وصلت إلي آخر الحلم…‏
    شاهدت نفسي عجوزا هناك،
    وشاهدت قلبي يطارد كلبي هناك
    وينبح… شاهدت غرفةَ نومي
    تقَهْقِه: هل أَنتَ حيٌ؟ تعال
    لأحمل عنك الهواء وعكازك الخشبيَّ
    المرصَّع بالصدف المغربيٌِ!! فكيف
    أعيد البداية، ياصاحبي، من أَنا؟
    من أنا دون حلْم ورفقة أنثي؟

    فقلت: نزور فتات الحياة، الحياة
    كما هي، ولنتدرَّبْ علي حبٌ أشياء
    كانت لنا، وعلي حبٌ أشياء ليست
    لنا… ولنا إن نظرنا إليها معا من
    علي كسقوط الثلوج علي جَبَلي
    قد تكون الجبال علي حالها
    والحقول علي حالها
    والحياة بديهية ومشاعا،
    فهل ندخل الآن أرض الحكاية يا
    صاحبي؟
    قال لي: لا أريد مكانا لأدفن فيه
    أريد مكانا لأحيا، وألعنه لو أردت…‏

    وحملق في الجسر: هذا هو الباب.‏
    باب الحقيقة لانستطيع الدخول ولا
    نستطيع الخروج
    ولايعْرَف الشيء من شدٌِهِ
    أَلممرات مغْلَقَة
    والسماء رماديَّة الوجه ضدٌَهِ

    ويد الفجر ترفع سروال جنديٌةِ
    عاليا عاليا…‏

    وبقينا علي الجسر عشرين عاما
    أكلنا الطعام المعلٌب عشرين عاما
    لبسنا ثياب الفصول،
    استمعنا إلي الأغنيات الجديدة،
    جَيٌِدةِ الصنع،
    من ثكنات الجنود
    تزوَّج أولادنا بأميرات منفي
    وغيَّرن أسماءهم،
    وتركنا مصائرنا لهواة الخسائر
    في السينما.‏
    وقرأنا علي الرمل آثارنا
    لم نكن غامضين ولا واضحين

    كصورة فجر كثيرِ التثاؤبِ

    قلت: أمازال يجرحك الجرح، يا
    صاحبي؟
    قال لي: لا أحسّ بشيء
    فقد حوَّلت فكرتي جسدي دفترا للبراهين،
    لا شيء يثبت أَني أنا
    غَيْر موت صريح علي الجسر،
    أَرنو إلي وردة في البعيد
    فيشتعل الجمر
    أرنو إلي مسقط الرأس، خلف البعيد
    فيتسع القبر

    قلت: تمهل ولاتَمتِ الآن. إنَّ الحياةَ
    علي الجسر ممكنة. والمجاز فسيح المدي
    هاهنا بَرْزَخ بين دنيا وآخرةِ
    بين منفى وأرض مجاورة…‏
    قال لي، والصقور تحلق من فوقنا:‏
    خذِ اسمي رفيقا وحدٌِثٌه عني
    وعش أنت حتي يعود بك الجسر
    حيٌا غدا
    لاتقل: إنه مات، أو عاش
    قرب الحياة سدي!‏
    قل: أطلَّ علي نفسه من علي
    ورأي نفسه ترتديِ شجرا، واكتفي
    بالتحيَّة:‏

    إن كان هذا الطريق طويلا
    فلي عَمَل في الأساطير

    كنت وحيدا علي الجسر، في ذلك ‏
    اليوم، بعد اعتكاف المسيح علي
    جبل في ضواحي أريحا.. وقبل القيامة.‏
    أمشي ولا أستطيع الدخول ولا أستطيع
    الخروج… أدور كزهرة عبَّاد شمسِ.‏
    وفي الليل يوقظني صوت حارسة الليل
    حين تغنٌي لصاحبها:‏

    لاتَعِدْني بشيء
    ولاتهدِني
    وردة من أريحا!‏
    VIIمنفى (3) ‏
    كوشم يد ‏
    في معلقة الشاعر الجاهليّ

    أنا هوَ، يمشي أمامي وأتبعهُ
    لا أقول له: ههنا، ههنا
    كان شيء بسيط لنا:‏
    حجرٌ أخضرٌ. شجرٌ. شارعٌ.‏
    قمرٌ يافعٌ. واقعٌ لم يعد واقعاً.‏
    هو يمشي أمامي
    وأمشي على ظله تابعاً…‏
    كلما أسرعَ ارتفعَ الظلُّ فوقَ التلال‏
    وغطّى صنوبرةً في الجنوب ‏
    وصفصافةً في الشمال،‏
    ألم نفترق؟ قلتُ، قال: بلى.‏
    لك مني رجوعُ الخيال إلى الواقعيّ‏
    ولي منك تفاحة الجاذبيةِ
    قلت: إلى أين تأخذني؟
    قال: صوب البداية، حيث ولدتَ
    هنا، أنت واسمك /‏

    لو كان لي أن أعيد البداية لاخترتُ
    ‏ لاسمي حروفاً أقلَّ‏
    حروفاً أخفَّ على أذن الأجنبية /‏

    آذار شهر العواصف والشبق العاطفيّ.‏
    يطلُّ الربيع كخاطرة ٍفي مسامرة اثنين
    بين شتاء طويل وصيف طويل. ولا
    أتذكر إلا المجاز، فما كدتُ أولدُ
    حتى انتبهتُ إلى شبه واضح بين‏
    عرفِ الحصان وبين ضفائر أمي‏
    ‏- دع الاستعارة، وامشِ الهوينى‏
    على زغب الأرض – قال، فإن الغروب‏
    يعيد الغريب إلى بئره، مثل أغنية
    لا تُغنّى، وإن الغروب يهيِّجُ فينا‏
    حنيناً إلى شغف غامض‏
    ‏- ربما … ربما. كل شيء يؤوَّلُ عند‏
    الغروب. وقد توقظ الذكريات نداء ‏
    شبيهاً بإيماءة الموت عند الغروب،‏
    وإيقاع أغنية لا تغنّى إلى أحد

    ‏[ على شجر السرو
    شرق العواطف،
    غيمٌ مُذَهَّب ‏
    وفي القلب سمراء كالكستناء
    وشفافة الظل كالماء تُشربْ
    تعال لنلعب
    تعالي لنذهب
    إلى أي كوكب ]‏

    أنا هو، يمشي عليَّ، وأسأله:‏
    هل تذكرتَ شيئاً هنا؟‏
    خَفِّف الوطء عند التذكُّر،
    فالأرض حبلى بنا.‏
    قال: إني رأيتُ هنا قمراً ساطعاً‏
    ناصح الحزن كالبرتقالة في الليل،
    يرشدنا في البراري إلى طرق التيه…‏
    لولاه، لم تلتقِ الأمهات بأطفالهنَّ
    ولولاه، لم يقرأ السائرون على ‏
    الليل أسماءهم فجاة: “لاجئين”‏
    ضيوفاً على الريح / ‏

    كان جناحي صغيراً على الريح عامئذٍ…‏
    كنتُ أحسب أن المكان يعرَّفُ
    بالأمهات ورائحة المريميَّة. لا أحدٌ
    قال لي إن هذا المكان يسمّى بلاداً،
    وإن وراء البلاد حدوداً، وأن وراء
    الحدود مكاناً يسمَّى شتاتاً ومنفى‏
    لنا. لم أكن بعدُ في حاجة للهويّة.‏
    لكنهم… هؤلاء الذين يجيئوننا فوق
    دبابة ينقلون المكان على الشاحنات
    إلى جهة خاطفةْ

    المكان هو العاطفةْ

    تلك آثارنا، مثل وشمِ يدٍ في ‏
    معلقة الشاعر الجاهليّ، تمر بنا ‏
    ونمرُّ بها – قال من كنتهُ يوم لم ‏
    أعرف المفرداتِ لأعرف أسماء أشجارنا…‏
    وأسمي الطيورَ التي تتجمع فيَّ بأسمائها.‏
    لم أكن أحفظ الكلمات لأحمي المكان
    من الانتقال إلى اسمٍ غريب يسيِّجه ‏
    الأكاليبتوس. واللافتات تقول لنا:‏
    لم تكونوا هنا.‏

    تهدأ العاصفة ‏
    والمكان هو العاطفة
    تلك آثارنا – قال من كنتهُ
    ههنا يلتقي زمنان ويفترقان، فمن
    انت في حضرة “الآن” ؟
    قلتُ: أنا أنت لولا دخانُ المصانعِ
    قال: ومن أنت في حضرة الأمس؟
    قلتُ: أنا نحن لولا تطفُّلُ فعلِ
    المضارعِ
    قال: ومن أنت في حضرة الغد؟
    قلت: قصيدة حب ستكتبها حين
    تختار، أنت بنفسك أسطورة الحبِّ /

    ‏[ حنظية ٌكأغاني الحصاد القديمة
    سمراءُ من لسعة الليل
    بيضاءُ من فرط ما ضحك الماءُ
    حين اقتربتِ من النبع…
    عيناكِ لوزيتان
    وجرحان من عسلٍ شفتاك
    وساقاك برجان من مرمر
    ويداك على كتفي طائران
    ولي منك روح ترفرف
    ‏ حول المكان‏‎[‎‏

    ‏- دع الاستعارة، وامش معي. هل
    ترى أثراً للفراشة في الضوء؟
    قلتُ: أراك هناك أراك تمرُّ
    كخاطرةٍ من خواطر أسلافنا
    قال لي: هكذا تستعيد الفراشة ُ
    أشغالها الشاعريةَ: أغنيةً لا
    يدوِّنها الفلكيون إلا دليلا على ‏
    صحة الأبديَّة /

    أَمشي الهوينى على نفسي ويتبعني
    ظلِّي وأتبعه، لا شيء يرجعني
    لا شيء يرجعهُ
    كأنني واحدٌ مني يودِّعني
    مستعجلاً غدهُ: لا تنتظر أحداً
    لا تنتظرني، ولكن لا أودِّعهُ

    كأنهُ الشعرُ: فوق التلِّ تخدعني
    سحابةٌ غزلت حولي هُويتها
    وأورثتني مداراً لا أضيِّعهُ


    للمكان روائحه،
    للغروب تباريحه،
    للغزالة صيادها،
    للسلاحف درع الدفاع عن النفس،
    للنمل مملكةٌ،
    للطيور مواعيدُ،
    للخيل أسماؤها،
    للسنابل عيدٌ،
    وأمَّا النشيد، نشيد الختام السعيد
    فليس له شاعرٌ /

    في الهزيع الأخير من العمر نُصغي
    إلى أي صوت بدون اكتراث،
    ويوقظنا وجعٌ في المفاصل من نومنا،
    أو بعوضٌ يطنُّ كأستاذ فلسفةٍ…
    في الهزيع الأخير، نحسُّ بآلام
    ساقين مقطوعتين، كأن الشعور
    تأخر. لم ننتبه حين كنا صغاراً
    إلى جرحنا الداخليِّ، فقد كان
    كالرسم بالزيت ناراً تؤجِّج ألوان
    أعلامنا، وتهيّجُ ثور أناشيدنا.
    في الهزيع الأخير من العمر لا
    يبزغ الفجر إلا لأنَّ ملائكة ًطيبين
    يؤدُّون واجبهم صاغرين…

    أنا هو، حوذيُّ نفسي
    ولا خيل تصهل في لغتي

    قال نمشي ولو في الهزيع الأخير
    من العمر، نمشي ولو خذلتنا الدروب.
    نطير، كما يفعل المتصوف، في الكلمات…
    نطير إلى أيِّ أين!

    على تلة بارتفاع يدين سماويتين صعدنا.
    مشينا على إبر الشَّوك والسنديان،
    التحفنا بصوف النبات اليتيم، اتحدنا
    بمعجم أسمائنا. هل تحس بوخز الحصى
    وبمكر القطا؟ قال لي: لا أحسُّ
    ‏ بشيء، كأن الشعور رفاهيةٌ. وكأني
    هنا صفة من صفات الغياب الكثيرة.
    ليست حياتي معي… تركتني كما تترك
    المرأةُ الرجل- الشبحَ، انتظرتني
    وملَّت من الانتظار، ودلَّت سواي
    على كنزها الأنثويِّ /

    اذا كان لابدَّ من القمر
    فليكن كاملاً كاملاً
    لا كقرن ٍمن الموز/

    قلت :ستحتاج وقتاً لتعرف نفسك
    فاجلس ْعلى برزخ بين بين،
    فلا كيف كيف ولا أين أ ين
    على صخرتين سماويتين انتظرنا الغروب
    الغزاله… عند الغروب يحسّ الغريب
    بحاجته لعناق الغريب ،وعند الغروب
    يحس الغريبان ان هنالك ، بينهما،
    ثالثاً يتدخل في ما يقولان أو لا
    يقولان…

    قولا وداعاً لما كان
    قولا وداعاً لما سيكون
    وداعاً لقافيه النون
    في اسم المثنّى
    وفي بلد الأرجوان!

    أقول له:من هو؟
    يقول صدى من بعيد: هو الواقعيُّ
    هنا. صوتُ أقدارنا هو . سائقُ
    جرافةٍ عدَّلت عفويهَ هذا المكان،
    وقصَّت جدائلَ زيتوننا لتناسب قصَّة
    شعر الجنود ،وتفتح شِعباً لبغلِ
    نبي قديم .هو الواقعيُّ مروِّضُ
    أسطورة .ثالث الجالسين على صخرتين
    سماويتين، ولكنه لا يرانا كما نحن:
    شيخاً تأبط طفلا ً،وطفلاً تورط
    في حكمة الشيخ /

    قلنا:سلام على الإنسِ والجنّ
    من حولنا
    قال:؛لا افهم الاستعارة
    قلنا:لماذا تغلغلت في ما نقول
    وفي ما نحس؟
    فقال :طريقة ظلكما في ارتداء الحصى
    والقطا أفزعتني
    سألناه: ممَّ تخاف؟
    فقال: من الظلّ… للظل رائحة الثوم
    حيناً ورائحةُ الدم حيناً
    سألناه: من أين جئت؟
    فقال :من اللامكان، فكلُّ مكان
    بعيد عن الله أو أرضه هو منفى.
    ومن أنتما؟
    فقلنا له: نحن أحفاد روح المكان.
    ولدنا هنا.. وهنا سوف نحيا إذا
    بقى الربُّ حياً.. وكلُّ مكانٍ بعيدٍ
    عن الله أو أرضه هو منفى
    فقال: طريقة ظلكما في ارتداء المكان
    تثير الشكوك
    سألناه :فيم تشكّ؟
    فقال:بظلٍّ ينازع ظلاً
    فقلنا له: ألانَّ المسافة ما بين أمس
    وحاضرنا لم تزل خصبهً لثلاثيهِ الوقت؟
    قال: قتلكما أمس
    قلنا عفا الموت عنا
    فصاح: أنا حارس الأبديه
    قولا: وداعاً لما سيكون
    وما كان
    قولا وداعاً لرائحة الثوم
    والدم في ظل هذا المكان

    ألشيء معنىً هنا ، والشيء يصنعني
    ذاتا ًتعيد الى المعنى ملامحه
    فكيف أولد من شىء … وأصنعهُ
    أمتدُّ في الشجر العالي فيرفعني
    إلى السماء ،وأعلو طائراً حذراً
    لا شىء يخدعه ،لا شيء يصرعهُ

    في كلِّ شيء أرى روحي ويوجعني
    ما لا أحسّ به،او لا يحسُّ
    بروحي حين توجعهُ

    أنا وأنا لا نصدِّق هذا الطريق الترابيَّ ،
    لكننا سائران على أثر النمل ‏‎]‎‏ إن القيافة خارطة الحدس‎[‎‏ لا الشمس
    غابت تماماً،ولا القمر البرتقاليُّ ضاء

    أنا وأنا لا نصدق أنَّ البدايه
    تنتظر العائدين إليها ،كأم على
    ‏ درج البيت. لكننا سائران ولو
    خذلتنا السماء
    أنا وأنا لا نصدِّق ان الحكايه
    عادت بنا شاهدين على ما فعلنا:
    نسيتك مثل قميصي المبقَّع بالتوت
    حين ركضت ألى غابه وندمت..
    وأمَّا أنا فنسيتك حين احتفظت
    بريشهِ عنقاء َلي… وندمت

    ‏-ألا نتصالحُ؟ قلتُ
    فقال تريَّث . هناك على بعد مترين
    مدرستي ،فتعال نخلِّص حروف الهجاء
    من العنكبوت ،ونترك له أحرف العله
    الباكيات!
    تذكرتها:حائطان قديمان من دون
    ‏ سقف كحرفين من لغة شوَّهتها الرمالُ
    وهزة أرض ٍسدوميهٌ. بقرات ٌسمانٌ
    تنام على الأبجديه . كلبٌ يحرُّك ذيل
    الرضا والفكاهة .ليلٌ صغيرٌ يرتب
    أشياءه لنشاط الثعالب/
    قال:الحياه تواصل روتينها بعدنا.
    يا لها ! يالها من إباحيه ٍلا تفكر إلا
    ‏ بإشباع شهوتها
    قلت:هل نتصالح كي نتقاسم هذا
    الغياب. فنحن هنا وحدنا في القصيدة؟
    قال: تريَّث. هناك على حافه التلِّ،
    من جهة الشرق، مقبرهُ الأهل. فلنمضِ
    قبل هبوط الظلام على المتين
    سلامٌ على النائمين
    سلامٌ على الحالمين
    ببستان فردوسهم آمنين
    سلام على الصاعدين خفافاً
    على سلَّم الله/

    في حضره الموت لا نتشبَّث إلا
    بصحَّة أسمائنا…

    عبثٌ ماجنٌ. لم نجد حجراً واحداً
    يحمل اسم الضحيه ،لا اسمي ولا
    اسمك/
    ‏-من مات منا،سألت أنا أم
    أنا؟
    قال:لا أعرف الآن
    قلت:ألا نتصالح؟
    قال:تريث!
    فقلت :أتلك هي العودة المشتهاة؟
    فقال:وملهاة إحدى إلهاتنا العابثات،
    فهل أعجبتك الزياره؟
    فقلت:أتلك نهايه منفاك
    قال:وتلك بدايه منفاك
    قلت: وما الفرق؟
    قال: دهاءُ البلاغةِ
    قلت :البلاغة ليست ضروريه للخسارةِ
    قال : بلى ،فالبلاغة تقنع أرمله ً
    بالزواج من السائح الاجنبيِّ، وتحمي
    ورود الحديقة من عبثِ الريح
    قلت :ألا نتصالح ُ؟
    قال:إذا وقَّع الحيُّ والميت، في
    جسد واحد،هدنهً
    قلت:هذا أنا الميت والحيّ
    قال:نسيتك ،من أنت؟
    قلت:أنا نسخة عن” أنا ” ك التي انتبهت لكلام
    الفراشه لي: يا أخي في الهشاشه…
    قال :ولكنها احترقت
    قلت:لا تحترق مثلها

    والتفتُّ إليه،فلم أره ،فصرخت
    بكلِّ قواي:انتظرني! وخذ كل شيء
    سوى الاسم /
    لم ينتظرني ،وطار .. وأدركني الليل
    فاستدرجت صرختي شبحاً عابرًا
    قلت :من أنت؟
    قال:السلام عليك،قلت :عليك السلام
    فمن أنت؟

    قال :أنا سائح أجنبي أحب أساطيركم
    وأحب الزواج بأرملةٍ من بنات عناة!

    VIIIمنفى (4)‏
    طباق
    ‎]‎إلى إدوارد سعيد‎[‎
    نيويورك/ نوفمبر/ الشارعُ الْخَامسُ/‏
    الشمسُ صَحنٌ من المعدنِ المتطايرِ/‏
    قلتُ لنفسي الغريبةَ في الظلِّ:‏
    هل هذه بَابلُ، أم سدوم؟

    هناكَ، على بابِ هاويةٍ كهربائيةٍ‏
    بعلوِّ السماء، التقيتُ بإدواردَ
    قبلَ ثلاثينَ عاماً،
    وَكانَ الزَّمانُ أقلَّ جموحاً منَ الآن
    قالَ كِلانَا:‏
    إذا كانَ مَاضيكَ تجربةً
    فاجعلِ الغَدَ مَعنىً وَرُؤيا!‏
    لنذهبْ،
    لنذهبْ إلى غَدِنَا واثقين
    بصدقِ الخيالِ، ومُعجزةِ العشبِ /‏

    لا أتذكَّرُ أنّا ذهبنا إلى السينما‏
    في المساء. ولكنْ سمعتُ هنوداً‏
    قُدَامَى يُنادُونَنِي:‏
    لا تَثِقْ بالحصانِ ولا بالْحَدَاثَةِ /‏

    لا، لا ضَحيَّة تسألُ جَلاَّدَها:‏
    هل أنا أنت؟ لو كان سيفيَ
    أكبرَ من وَردَتِي، هل ستسألُ
    إن كُنتُ أفعلُ مِثلَكْ؟
    سؤالٌ كهذا يُثيرُ فُضولَ الرِّوَائِيِّ
    فِي مَكتبٍ مِنْ زُجَاجٍ يُطِلُّ على
    زنبقٍ في الحديقةِ… حيثُ تكونُ
    يدُ الفَرَضِيَّةِ بيضَاءَ مثلَ ضَميرِ
    الرِّوَائِيِّ حينَ يُصَفِّي الحسابَ
    مَعَ النَّزعَةِ الْبَشَرِيَّةِ: لا غَدَ
    فِي الأمس، فَلنتقدَّمْ إذاً !‏

    قَد يَكُونُ التَّقَدُّمُ جسرُ الرُّجوعِ
    إلى الْبَرْبَرِيَّة… /‏

    نيويورك. إدوارد يَصحُو عَلى كَسَلِ
    الْفَجرِ. يَعزِفُ لَحنَاً لموتسارت. يَركُضُ
    فِي مَلعَبِ التنسِ الْجَامِعِيِّ. يُفَكِّرُ في
    هِجرَةِ الطيرِ عَبرَ الْحُدُود وفوقَ الْحَوَاجِزْ.‏
    يَقرأ “نيويورك تايمز”. يَكتُبُ تَعلِيقَهُ
    الْمُتَوتِّرَ. يَلعنُ مُستَشرِقَاً يُرشدُ الجنرالَ
    إلى نُقطَةِ الضعفِ في قَلبِ شَرقِيّة.‏
    يستحمُّ. ويَختَارُ بدلَتَهُ بَأناقَةِ دِيكٍ.‏
    وَيشربُ قَهوتَهُ بالْحَليبِ. ويصرُخُ
    بالفجرِ: هَيَّا، ولا تَتَلَكَّأ /‏

    عَلى الريحِ يَمشي. وفي الريحِ
    يعرفُ مَن هُوَ. لا سقفَ للريحِ.‏
    لا بيتَ للريحِ. والريحُ بوصلةٌ
    لشَمالِ الغريب.‏

    يقولُ: أنا من هُناكَ. أنا من هُنا
    ولستُ هُناكَ، ولستُ هنا
    لِيَ اسمانِ يلتقيانِ ويفترقانِ
    ولي لُغتانِ، نسيتُ بأيِّهما
    كُنتُ أحلمُ،
    لِي لُغةٌ إنجليزيةٌ للكتابةِ،
    طَيِّعَةُ المفردات،
    وَلي لُغةٌ من حِوارِ السماءِ معَ
    القدسِ، فِضيَّةُ النبرِ، لَكنها
    لا تُطيعُ مُخيلتي !‏

    والْهُوِيَّةُ؟ قلتُ
    فقالَ: دفاعٌ عن الذاتِ…‏
    إنَّ الْهُويَّةَ بنتُ الولادةِ، لكنها
    في النهايةِ إبداعُ صاحِبها، لا
    ورَاثةَ ماضٍ. أنا الْمُتَعَدِّدُ. في
    داخلي خَارِجي الْمُتجدِّدُ.. لكنني
    أنتمي لسؤالِ الضحيَّةِ. لو لم
    أكن من هُناكَ لَدَرَّبتُ قلبي
    على أن يُربي هناكَ غزال الكِنايَةِ.‏
    فاحملْ بلادكَ أنَّى ذهبتَ…‏
    وُكن نَرجسياً إذا لَزمَ الأمرُ /‏

    ‏- مَنفىً هوَ العالمُ الخارجيُّ‏
    ومَنفىً هوَ العالمُ داخليُّ
    فمَنْ أنتَ بينهما؟
    ‏- لا أُعَرِّفُ نفسي تماماً
    لئلاَّ أضيِّعها. وأنا ما أنا
    وأنا آخري في ثُنائيةٍ
    تتناغمُ بينَ الكلامِ وبينَ الإشارةْ.‏
    ولو كنتُ أكتبُ شعراً لقلتُ:‏

    أنا اثنانِ في واحدٍ
    كَجناحي سُنونوةٍ،
    إن تأخرَ فصلُ الربيعِ
    اكتفيتُ بحملِ البشارةْ

    يُحبُّ بلاداً، ويَرحلُ عنها
    ‏( هل المستحيلُ بعيدٌ؟)‏
    يُحبُّ الرحيلَ إلى أيِّ شئٍ
    ففي السفرِ الحرِّ بينَ الثقافاتِ
    قد يجدُ الباحثونَ عن الجوهرِ البشريِّ
    مقاعدَ كافيةً للجميع.‏
    هُنا هامشٌ يتقدَّمُ. أو مَركزٌ يتراجعُ
    لا الشرقُ شرقٌ تماماً
    ولا الغربُ غربٌ تماماً
    لأنَّ الهويَّةَ مفتوحةً للتعدُّدِ
    لا قلعةً أو خنادق /‏

    كانَ المجازُ ينامُ على ضفةِ النهرِ،
    لولا التَلَوُّثُ،
    لاحتضنَ الضفَّةَ الثانيةْ
    ‏- هل كتبتَ الروايةَ؟‏
    ‏- حاولتُ… حاولتُ أن أستعيدَ بها
    صورتي في مرايا النساءِ البعيدات،
    لكنهنَّ توغلنَ في ليلهِنَّ الحصين
    وقلنَ: لنا عالمٌ مُستقِلٌّ عن النصِّ
    لن يكتبَ الرجلُ المرأةَ اللغزَ والْحُلمَ
    لن تكتبَ المرأةُ الرجلَ الرمزَ والنجمَ
    لا حُبَّ يُشبهُ حباً
    ولا ليلَ يُشبهُ ليلاً
    دعونا نُعدِّدْ صفاتَ الرجالِ ونضحكْ!‏

    ‏- وماذا فعلتَ؟‏
    ‏- ضحكتُ على عبثي‏
    ‏/ المُفَكِّرُ يكبحُ سردَ الروائيِّ
    والفيلسوفُ يُشَرِّحُ وَردَ المُغَنِّي /‏

    يُحبُّ بلاداً ويرحلُ عنها:‏
    أنا ما أكونُ وما سأكونُ
    سأصنعُ نفسي بنفسي
    وأختارُ منفايَ
    منفايَ خلفيةُ المشهدِ الملحميِّ
    أدافعُ عن حاجةِ الشعراءِ
    إلى الغدِ والذكرياتِ معاً
    وأدافعُ عن شجرٍ ترتديهِ الطيورُ
    بلاداً ومنفى
    وعن قمرٍ لم يزلْ صالحاً لقصيدةِ حُبٍّ
    أدافعُ عن فكرةٍ كسرتها هشاشةُ أصحابها‏
    وأدافعُ عن بلدٍ خطفته الأساطيرُ /‏

    ‏- هل تستطيعُ الرجوعَ إلى أيِّ شئٍ؟‏
    ‏- أمامي يَجرُّ ورائي ويُسرعُ…‏
    لا وقتَ في ساعتي لأخطَّ سطوراً
    على الرملِ. لكنني أستطيعُ زيارةَ أمسِ،
    كما يفعلُ الغرباءُ،
    إذا استمعوا في المساءِ
    إلى الشاعرِ الرعويِّ:‏

    ‏( فتاةٌ على النبعِ تملأ جرَّتها
    بحليبِ السحابْ
    وتبكي وتضحكُ من نخلةٍ
    لسعت قلبها في مهبِّ الغيابْ
    هل الحبُّ ما يُوجعُ الماءَ
    أم مَرضٌ في الضبابْ.. ؟
    إلى آخرِ الأغنية )‏

    ‏- إذن قد يُصيبكَ داءُ الحنين؟‏
    ‏- حنينٌ إلى الغدِ.. أبعد أعلى
    وأبعد. حُلمي يقودُ خُطايَ. ورؤيايَ
    تُجلسُ حُلمي على ركبتيَّ كقطٍّ أليف.‏
    هوَ الواقعيُّ الخياليُّ وابن الإرداةِ:‏

    في وُسعنا
    أن نُغَيِّرَ
    حتميةَ الهاويةْ !‏

    ‏- والحنينُ إلى أمسِ؟‏
    ‏- عاطفةٌ لا تخصُّ المفكِّرَ إلا‏
    ليفهمَ توقَ الغريبِ إلى أدواتِ الغيابْ
    وأمَّا أنا فحنيني صَراعٌ على حاضرٍ
    يُمسكُ الغدَ من خصيتيه

    ‏- ألم تتسلَّلْ إلى أمسِ، حينَ ذهبتَ‏
    إلى البيتِ، بيتكَ، في حارةِ الطالبيَّة؟
    ‏- هَيَّأتُ نفسي لأن أتمدَّدَ في‏
    تختِ أمي، كما يفعلُ الطفلُ حينَ يخافُ
    أباه. وحاولتُ أن أستعيدَ ولادةَ
    نفسي، وأن أتتبَّعَ دربَ الحليبِ
    على سطحِ بيتي القديم، وحاولتُ أن‏
    أتحسَّسَ جلدَ الغيابِ ورائحةَ الصيفِ
    من ياسمينِ الحديقة. لكنَّ وحشَ الحقيقةِ
    أبعدني عن حنينٍ تلفَّتَ كاللصِ خلفي
    ‏- وهل خفتَ؟ ماذا أخافكَ؟‏
    ‏- لا أستطيعُ لقاءَ الخسارةِ وجهاً‏
    لوجه. وقفتُ على البابِ كالمتسوِّلِ.‏
    هل أطلبُ الإذنَ من غرباءَ ينامونَ فوقَ
    سريري أنا.. بزيارةِ نفسي لخمسِ دقائق؟
    هل أنحني باحترامٍ لسُكَّانِ حُلمي الطفوليِّ؟
    هل يسألونَ: من الزائرُ الأجنبيُّ
    الفضوليُّ؟ هل أستطيعُ الكلامَ عن
    السلمِ والحربِ بينَ الضحايا وبينَ ضحايا
    الضحايا، بلا جُملةٍ اعتراضيَّةٍ؟ هل
    يقولونَ لي: لا مكانَ لحُلمينِ في‏
    مَخْدَعٍ واحدٍ؟

    ‏( لا أنا، أو هُوَ
    ولكنه قارئٌ يتساءلُ عَمَّا
    يقولُ لنا الشعرُ في زمنِ الكَارِثَةْ )‏

    دمٌ،
    ودَمٌ،
    ودَمٌ
    في بلادك،

    في اسمي وفي اسمكَ، في زهرةِ
    اللوزِ، في قشرةِ الموزِ، في لبنِ
    الطفلِ، في الضوءِ والظلِّ، في
    حبَّةِ القمحِ، في عُلبةِ الملحِ /‏
    قَنَّاصةٌ بارعونَ يُصيبونَ أهدافهم
    بامتيازٍ
    دَماً،
    ودَماً،
    ودَماً..‏
    هذه الأرضُ أصغرُ من دمِ أبنائها
    الواقفينَ على عتباتِ القيامةِ مثلَ
    القرابين. هل هذه الأرضُ حقاً
    مُباركةٌ أم مُعَمَّدةٌ
    بدمٍ،
    ودَمٍ،
    ودَمٍ
    لا تُجفِّفه الصلواتُ ولا الرمل.‏
    لا عدلَ في صفحاتِ الكتابِ المقدسِ
    يكفي لكي يفرحَ الشهداءُ بحريةِ
    المشي فوقَ الغمام. دمٌ في النهارِ.‏
    دمٌ في الظلامِ. دمٌ في الكلامْ.‏

    يقول: القصيدةُ قد تستضيفُ الخسارة
    خيطاً من الضوءِ يلمعُ في قلبِ جيتارة.‏
    أو مسيحاً على فرسٍ مثخناً بالمجازِ
    الجميل. فليسَ الجماليُّ إلا حضورَ‏
    الحقيقيِّ في الشكل /‏

    في عالمٍ لا سماءَ له، تصبحُ الأرضُ
    هاويةً. والقصيدةُ إحدى هباتِ العزاءِ
    وإحدى صفاتِ الرياح، شماليةً أو جنوبيةً.‏
    لا تصف ما ترى الكاميرا من جُروحك.‏
    واصرخ لتسمعَ نفسكَ، واصرخ لتعلمَ
    أنكَ ما زلتَ حياً وحيَّا، وأنَّ الحياةَ
    على هذه الأرضُ ممكنةٌ. فاخترع أملاً
    للكلامِ، ابتكر جهةً أو سراباً
    يُطيلُ الرجاء،
    وغَنِّ، فإنَّ الجماليَّ حريةٌ /‏
    أقولُ: الحياةُ التي لا تُعَرَّفُ إلا
    بضدِّ الموتِ… ليست حياة

    يقولُ: سنحيا، ولو تركتنا الحياةُ
    إلى شأننا. فلنكن سادة الكلماتِ
    التي سوفَ تجعلُ قُرَّاءها خالدين –‏
    على حدِّ تعبيرِ صاحبكَ الفذ ريتسوس /‏

    وقالَ: إذا مِتُّ قبلكَ
    أوصيكَ بالمستحيلْ !‏
    سألتُ: هل المستحيلُ بعيدٌ؟
    فقالَ: على بُعدِ جيلْ
    سألتُ: وإن مِتُّ قبلكَ؟
    قالَ: أعزِّي جبالَ الجليلْ

    واكتب: ” ليسَ الجماليُّ إلا بلوغَ
    الملائمِ”. والآنَ، لا تنسَ:‏
    إن متُّ قبلكَ أوصيكَ بالمستحيلْ

    عندما زُرته في سدومَ الجديدةِ،
    في عامِ ألفينِ واثنين، كانَ
    يُقاومُ حربَ سدُومَ على أهلِ بابلَ
    والسرطانِ معاً،
    كانَ كالبطلِ الملحميِّ الأخيرِ
    يُدافعُ عن حقِّ طروادةٍ
    في اقتسامِ الرواية /‏

    نسرٌ يودِّعُ قمَّتَهُ عالياً
    عالياً،
    فالإقامةُ فوقَ الأولمب
    وفوقَ القِمَمْ
    قد تُثيرُ السَّأمْ

    وَدَاعَاً،
    وَدَاعاً لشعرِ الأَلَمْ!‏