شكراً لك على رسالتك الفاتنة وعلى قصائدك وقصصك. إن الرسالة تعبر عن ثقة في النفس يؤسفني أني سأحبطها. وحتى لو لم اكن أعاني من إجهاد في العينين ورازحاً تحت أكوام الرسائل لخيبت املك، ذلك أن ما طلبته مني شيء لا أملكه لأعطيه.
(المزيد…)
المدونة
رِسَالَةٌ إِلَى شَاعِرٍ شَاب
الْبِنْتُ/ الصَّرخَةُ – محمود درويش
على شاطئ البحر بنتٌ، وللبنت أهلٌ
وللأهل بيتٌ. وللبيت نافذتانِ وبابْ…
وفي البحر بارجةٌ تتسَلَّى بِصَيْدِ المُشَاةِ
على شاطئ البحر: أربعةٌ، خمسةٌ، سبعةٌ
يسقطون على الرمل. والبنتُ تنجو قليلاً
لأنَّ يداً من ضبابْ
يداً ما إلهيَّةً أسْعَفَتْها. فنادتْ: أبي
يا أبي! قُمْ لنرجع، فالبحر ليس لأمثالنا!
لم يُجِبْها أَبوها المُسَجَّى على ظلِّهِ
في مهبِّ الغِيابْ
دَمٌ في النخيل، دَمٌ في السحابْ
يطير بها الصوتُ أعلى وأَبعدَ من
شاطئ البحر. تصرخ في ليل بَرّية،
لا صدى للصدى.
فتصير هي الصَرْخَةَ الأبديَّةَ في خَبَرٍ
عاجل لم يعد خبراً عاجلاً عندما
عادت الطائرات لتقصف بيتاً بنافذتين وبابْ!.البنت: هي هُدى التي فقدت أسرتها على رمال شاطئ غزة.
الرَّجُلُ الَّذِي لاَ خِصَالَ لَهُ
مما لا ينجم عنه ظاهريا أي شيء ، انخفاض بارومتري غطى المحيط الأطلسي ثم اتجه شرقا نحو منطقة ذات ضغط عال تخيم فوق روسيا، من دون أن يظهر ميلا في اجتيازها نحو الشمال. كانت خطوط درجات تساوي الحرارة والخطوط الموصلة فيما بينها تعمل على أفضل وجه. وحرارة الجو مقاربة نوعا ما لمتوسط الحرارة السنوية، مثلما لمتوسط أبرد الشهور وأحرها وللتذبذب الشهري غير المنتظم للطقس. شروق الشمس وغروبها، القمر، مراحل القمر والزهرة وحلقات زحل وظاهرات مهمة كثيرة أخرى، كلها تطابقت مع التنبؤات المدونة عنها في كتب الفلك السنوية. وكان بخار الماء قد بلغ أقصى توتره في الهواء، فيما انخفضت الرطوبة الى أدنى حد لها. بكلمة واحدة تشخص ما هو واقع بدقة تامة، حتى إن بدت عتيقة بعض الشيء: كان ذلك يوما جميلا في شهر آب من العام 1913.
(المزيد…)النُّصُوصُ الْـ 15
روبنسن كروسو :
لو لم يغادر روبنسن كروسو قط أعلى، أو على الأصح، أبرزّ نقطة في جزيرته، رغبة في السلوان، أو بدافع فقدان الثقة بالنفس، أو الخوف، أو الجهل، أو التوق، للقي للتو حتفّه. لكنْ، لأنه شرع في استكشاف الجزيرة كلها، دون أن يعير أدني اهتمام للسفن العابرة ولتلسكوباتها الكليلة، فقد تمكن من الحفاظ علي حياته حتى عثر عليه في نهاية الأمر، رغم كل شيء. وتحكمت في كل ذلك سلسلة سببية كانت، بالطبع، حتمية من الناحية المنطقية.
(المزيد…)مِن فرويد إلى أينَشتَاين
فيينا، أيلول 1932
عزيزي البروفسور أينشتاين،
حينما سمعت أنك تنوي توجيه دعوة إليَّ لتبادُلِ وجهات النظر حول موضوعٍ يثير اهتمامك ويستحق، على ما يبدو، اهتمامَ سواك، فقد وافقتُ على الفور. لقد توقعتُ أن تختار مشكلة تقع عند حدود ما يمكن معرفته مؤخرًا، مشكلة يمكن لكلٍّ منَّا، – أنت عالم الفيزياء وأنا الطبيب النفساني، – إنْ كانت له زاويةُ رؤية خاصة بها، أن يلتقي مع الآخر عندها، وعلى الأرضية نفسها، بعد أن نكون قد جئنا من اتجاهين مختلفين. لكنك فاجأتَني بطرح سؤال عما يمكن فعله لحماية الجنس البشري من الحرب ولعنتها.
أنا وأشياءُ أنثَى – هيلدا إسماعيل
مرة أخرى ينتصف الليل ..وأنا لازلت أفكر كيف سأضطر للكتابة عني ..ماذا سأكتب في سيرة مسافتها قليلة .. خائفة من أن يجعلني هذا أصغر في عينيَّ ..لأن ثيابي لا تكلِّفُني الكثير .. بينما يُكلّفني أكثر البحث عن أجنحة على شَاكلتي .. خائفة من أن أُسْأَلُ عن عمْرِي
كَمْ يبلُغ من مدن ..
بينما أبلغُ بضْعًا و عشرين قصيدةً في ديوانٍ لم (ينثرْ) بعد ..وسأحاولُ في ( يوليو) القادم ..أن أستلَّ شمعةً وقلماً من أعياد لأكتبَ على جدرانِ منزلنا ( ستَّة عشر ) خطا ً متقاطعاً..هي يوم ميلادي الذي قد يفكُّ رموزهُ أحدُ المهتمين .
ولدت أنا في هذا (السرطان) ..(برجٌ )أموميٌّ حتى النخاع .. مضمخٌ بألم ..سادرٌ في أنوثة ..وحتى لو اتكأ (السرطان) على حجري.. مرضًا لقمت بـ تدليله …وتدليله .. حتى الموووت .
أمضيتُ عمري في مقعدٍ ..وقاطرةٍ واحدة كانت تقودني إلى الخلف .. خمسُ سَنواتٍ مني ليْسَتْ محْسُوبة..نحن عادةً لا نَقْيْسُ ضَرَبات السَعادة ..ولا ركلاَّت الترجيح ..هزائمي وحدَها تأتي بعد الفرح مباشرة ..بينما كان قلبي خاويًا ..ولكنّه يَشْتَعل بالضجيج ..حين بدأتُ الكتابة .. بدأتها بـ(ميلاد) ..هذا الاسم الافتراضي الذي اخترتهُ على ساحة (الإنترنت) التي كانت شاهداً على مخاضي على أرض واقعٍ يولد أطفالها بأسماء لم يختاروها.
“ميلاد” ..غرقتْ في نقطة حبر يَسْكنها الصدق ..العفوية ..أجهز عليها الآخرون لأنهم كانوا يدركون أن قمة الغرق تعني أن شخصاً ما يجب أن يبقى حيّا …يتعلق بـ ( أقواس ) النجاة.. يطفو على سطح الأوراق من أجل أن يقول أننا ( ذكورًا وإناثا ) نجيد الكتابة ..ولهذا لم يمشِ في جنازتي أحد حتى الآن..“ميلاد” .. هي ابنتي التي لم تولد .. لم أحملها تسعة أشهر..والتي أتشهى لقاءها كلما نُوديتُ بها .. والتي استطاعت في ثلاثِ سنوات أن تقول ما لم تقله “هيلدا” في أكثر من عشرين عاماً .. بينما استطاعتِ الأخيرة وحدها أن تحصِدَ النجاحَ ..البكاءَ .. القصيدة .. أعلمُ مدى الازدواجية التي تسبب بها (الاسمان) ..لكنني أحببت (ميلاد ) لأنها جاءت في زمن تولد فيه كل الأشياء إما ورمًا خبيثًا .. أو موتًا ..ولهذا كنت أعْصِبُ عيني جيدًا حتى نهاية الحزن ..وحتى اختصرت بها ..و بالنشر من خلال ( الشبكة ) سنينًا من الإهمال ..وقرونًا من الترقب والانتظار .. ووفرت دموعي ..ولون شَعري قبل أن يصبح (رماديًا) ..وقمت باستغلال سنواتي الأجمل في كتابة ما كنت سأكتبه بعد أعوامٍ عديدة من لحظة دخولي من البوابة التقليدية للنشر في الصفحات الثقافية ..
لا أجد نصًا مما كتبتُ يشبهني حتى الآن ..ربما لأنني (أنثى موااااربة)..تفتح أدراجها..أبوابها ..قلبها دون أن يتمكن أحدهم من التسلل إليها ..أو ربما لأنني أمارس حقي الشرعي في الكائنات.. الحبّ.. الكًره .. وأفعلُ كلّ هذا من وراء حجابٍ شديد الشفافية..عارٍ تماماً كطفلٍ لايسدل عليه ستائره .. لا يُشْعِر من يعيش معه بالغربة ..ولا يُشْعره أيضًا بالالتصاق .. أعتقد بأنني لو كنت شيئًا آخر غير (أنثى) ..لما ابتعدتُ كثيرًا عن “هيلدا” التي اعتادتْ أن توضع في أماكن لا تناسبها ..أكبر منها حجمًا ..أشرسُ ..وأكثرُ حدّة .. ورغم هذا كانت تنجح ..تجتازُ الهاوية ..تحبَلُ بأوجاعٍِ ليستْ لها .. بشرط أن يكون هذا المكان حميمًا ..ودافئًا .. أصبحتْ تشتاقني الكلمات كلَّما مررت بها ..تكتبني القصائد كلما ألقيت عليها الصباح .. وقد يعني هذا أنني متصالحة معي .. مؤمنة بأن ( كلّ مكان لا يؤنَّث ..لا يمكن أن يَعُولَ عليه ) ..
لا أملكُ حقّ (الاختيار) في وطني .. ولهذا نصوصي تختارني ..تَنْمو مَعي.. وتتكَاثر ..ولهذا أيضًا أجد نفسي مرسومة بقلم رصاصٍ مدبّبُ الرأس ..له ممحَاةٌ سحرية يمكنها أن تمحو أجزاءٍ اعتدت عليها بين يوم وليلة ..ويمكنه في نفس اللحظة أن يرسم أجزاء أخرى أضيفها إلى قناعاتي.. لا تخلو كتاباتي من الألم لأنني نسيتُ كيف يفرحُ الآخرون ..أرتاحُ كثيرًا لهذا النوع من الكتابة فهو يذكرني بأنني إنسانة .. أدوخ .. أبكي .. أتقلّب .. أتجّمر .. أحترق .. وأمووووت .. ومن أرادَ أن يقرأني عليه أن يمارسَ معي كلّ هذه الطقوس ..يُمْسك قلبه تارة ..بطنه تارة أخرى ..يغْمِضُ عينيه .. يَمْسَح جبينه ..يهذي .. يتوجّع ..و( يموت) بي.. وإلا فلا حاجة له بما أهتم به ..وسأظلُّ أرشف دمَ القصائدَ حتى آخر قطرة .. فهذا زمنٌ صَلْصَالي ..عليك أن تعيدَ فيه صياغة الأحزان ..الخيانات ..ومساءاتٍ قد تبدو لهم عارًا ..وتصبح لدينا فضيلة .
أحيانًا يصبح هاجسي أن أقفَ كالنسرِ وحيدة ..أتشبَّثُ بالريح ..أُهَاجم .. أَطير.. وأسْترْجِعُ الزمَنْ .. أحيانًا يأخذ الجنونُ لديّ شَكْلاً آخرَ لحضُوري حين تصبح هذه المدينةُ قاسيةٌ كالفقرِ مثلا .. فكيف تسمح بأن تَعْصِر أربعة أطفالٍ في كرسيٍّ (متحركٍ) واحد .. بينما يَعْصرُ جيْبَهُ رجلٌ تتقَطَّر من ثيابهِ النقود ..الخمر ..النساء !.. قد تكون الكتابة هوايتي (الأخيرة) ..لكن العمل مع فئة ذوي الاحتياجات الخاصة هي عشقي (الأوَّل) ..موهبتي ..طفولتي ..عفويتي التي أتلوّن بها .
ليس من منطق كل فتاة بـ(أبيها) ..!! ..لكن تدهشني إنسانيته ..يده الممتلئة خيرًا ..و التي تبدو كبتلات زهورٍ بيضاء تنمو على سطح المقابر .. تدهشني تسابيح (أمي) الصغيرة ..صلواتٌ لا تفارق شفتيها .. ويدهشني (أصدقائي) حين يغيب أحدهم ويظهر فجأة حين أتقطّر برودة ..واحتياج .
تدهشني (جدتي) ..تلك بالمناسبة امرأة بحجم السماء … بتُّ أخاف أن أفقدها .. فأفقد معها كيف تبدو الحياة بدون الطيبين .. وكلما لا أجدها بجواري ..أعلمُ أنها كانت تخلع ثياب الحزنِ ..لحزنٍ آخر … وكأنها قادمةً للتوِّ من مراسم (العزاء) الموازي لأول الحيّ ..فحين تغلق بقَّالة (عمّ سليمان) أبوابها ..لا أحدَ يبقى هناكَ لآخر الدموع سِواها .. لا أحدَ يَنْفُثُ بـ (يس) . .و يختمُ القرآن من صدره قبل أن يبدأ موسم الدفن سواها ..وحين تعود..! أتوسل إليها في كل مرة بأن : “بربك ..لا تسيري خلف آثار النعش ..لا تتبعي صلاة الجنائز التي يقيمونها بالجوار .. بربك ..بربك ..لا تحفظي الطريق إلى المقابر “يخترقني منذ سنوات طويلة قلبٌ كبير ..يشير إليّ بأصابع بنكهةِ البندق ..يشْرَبُ معي القهوة ..والشعر كثيرًا.. وعندما يلقاني ناعسة .. يمارسُ الصمت ..ويذاكرُ درسَ الغفوة جيدًا.. يُصْغي إلى أنفاسي ..يَرْفلُ غطائي .. يبحثُ عن مكان آمنٍ بين ذراعيّ ..وحين أستيقظُ ..أجدَه يتوسَّدُ قدميَّ .. ياااااالله ..أقسمُ أن ما من رجل غيره يتعلق بأقدام أنثى نائمة كما يفعل هو !!
أعتقد بأن سيرتي ستشبه يومًا “أوجيني” .. تلك الفتاة الأسبانية التي تزوجتْ نابليون ..كانت ذكية ..عصبية جدًا ..سريعة الملل ..علّمت نساءَ القصر أن يتكلّمْن بسرعة ..حتى أصبحت الموضة أن تقول المرأة كلامًا مُبْهًا وعلى الرجل أن يفهمه ..كما استطاعت أن تتخلَّص من كل الأربطة التي تشدّ الصدر ..الخصر ..الأرداف.. لأنها أيقنَتْ بأن فستان المرأة يجب أن يكون كستارة المسرح .. يعلو ..ويهبط كثيرًا ..وبسهولة كلّ يوم .. المـُحزن لها .. و ( المتوَّقعُ لي ) ..أن ” أوجيني” هذه أصيبت بشيء من جنون في آخر أيامها ..حتى اضْطَر رجالُ الدين إلى أن يغلقوا عليها الأبوابَ ..ولكنها كانت تصرخ : ( لا أريد أن أموتَ هكذا .. ضَعُوني على ظهر حصانٍ يحترق ) .
قد أكونُ موْلعة جدًا بالأشياء الصغيرة ..كأقدام الأطفال ..التحف ..الكرستالات ..القطط ..الأرانب .. ولكني أفقد ولعي شيئًا فشيئا كلما تضخمت هذه الأشياء أمامي ..كلما انتقلت إلى غيري ..أو أصبحت على مرأى من الجميع . لا أجيدُ تقليب صفحات الجرائد خوفاً من أن أكون عرضةً للضحكِ حين أقوم بالبحث عن “دبَّاسة” لتثبت الصفحات من جانبها الأيمن.. ولا أعرف لماذا لم يستجيبوا لطلب طفولتي إلى الآن في أن تكون الصحف أقصر (طولاً.). و أوهن (عرضاً ) ..وأكثر تصفيفاً على أناملٍ لا تحمل نكهة الحبر الملون على الكتب ..ولا مذاق المجلات .
أفُكّر جدّيًا بأن أكتبَ كتابًا عن (فن المواااء).. لأنني أجيده تمامًا كما أجيدُ لعبة الحديث بالكلمات.. وما أكثر من يظنُّ أنه يمووووووءَ بينما لا يُتقنُ في داخله غير ( العواء )..ومن يُعاشِر الذئاب يتعلم كيف يَعْوي .. أمَّا ( المواء ) فلا مُعلّم له حتى القططَ أنفسها .. ممممم م م م ..في أغلب الظنِّ ليس كلّ من يعوي قادر على أن يموووء كأنثى وحيدة
حين أعشقُ شيئًا ..أشعرُ بألمٍ سَاديّ في صدْري .. أتلذّذ به.. وكأن قلبي (يَعُضّـني) ..يُنَبّهني بأن أضع ما أراه في قائمة من أحبّ ..أصَفِفَه كمَا يتمنَّى ..أتْلو عليه سيرة الإخلاص ..وحين أكره شيئًا ..أفقدُ الإحساس به ..وكأنني ولدْتُ ..منذُ ولدْت.. بلا قلْب هل رأيتمْ كيفَ أجمع الشيء ..ومتناقضاته في جسدٍ واحد !!!!
قد لا أكون مختلفة .. لكن الفرق بيني و بين سواي أنني لا أنسبُ لحرفي سبباً أو حباً ..فأنا أجيدُ تَقْبِيْل (نفسي ) ..كما أحبُّ أن أُحيط ذاتي بذراعي ..و (أحتويني ) . وقد لا أكون جميلة أيضًا .. لكن كلّ مافيّ ( مُبْتسِم)..دافيء … والأهم أنه يُتقنُ الحضُور ..
أكثر من مرة فكَّرتُ بأن أجري عملية تجميلية أطَبِّق فيها شفاهي التي لا تكف عن توزيع الابتسامات بالتسَاوي على أرجاء الآخرين .. فأنا متهمة بـ(أسناني) التي تُكشّر عن بياضها حتى نحو الأشخاص الذي لا يعتبرون ما أفعله جزءًا من (صَدَقة) …وإنما قد تعني لديهم تعبيرًا مهذبًا.. عن رغبة غير مهذبة .
أعترف هنا بقسوة ..بأنني أنظر إلى نفسي كثيراً في (المرآة) .. لا يعيبني أنني أفعل ما تفعله الإناث دائمًا.. فالمرآة حنونة كما الأمهات لا يُهمها إن كنتُ قبيحة ..أو جميلةً ..فهي لن تتوارى عن تقبيلي ..وإن كنتُ ملطَّخة بالجراح .. وحدها كما الكتابة قادرة على استقبالي في كل الأوقات ..و أصعبها ..
وحدها ستحفظ سرِّي .. تضاريسَ وجْهي ..لنْ تُفشِي لقائي بمن أحبُّ بعد دقائق من نظرتي الأخيرة عليها وأنا أضع آخر قطراتِ العطرِ قبلَ أنْ أتْرُكها إليه ..
وحدها كما الكتابة أستطيع أن أقف أمامها برداءٍ لا يُعَلِّقني من الأكتاف دون أن يَنْزَلقَ على خصري ..
وحدها كما الكتابة تعرِّيني ..ولا تخجل مني ..
نعم أُحبُّـني ..وأُحبّ مرْآتي ..!! ..وبما أنها سيرتي الذاتية ..فلم يكنْ من المتفقِ عليه أن ألتقي (بي) دون أن ألقي عليَّ السلام :
( .. موااااء الخير يا ” أنا “.. صباح الميلاد يا ” أنتم ” ..)_______________
*هيلدا إسماعيل – شاعرة سعودية
ثمَّة أبدًا جدار – لؤي حمزة عباس
منذ أول أشكال الجدران، وقد اهتدت إليها مخاوف الإنسان ليحدّ من سعة العالم من حوله، يوم كانت السعة مثاراً لما لا ينتهي من الظنون، والجدار يقترح نوعاً من العلاقة مع العالم يكون بمقدوره التعبير عن المتناقضات عبر ممارسة جدل لم ينقطع، وهو يمثل صورة أولى لإحلال التنظيم الإنساني، بحسب قول هنري برغسون، محل قوانين الطبيعة..
قبل أن يغمض الإنسان عينيه ويفتحهما وقد قامت حوله ملايين الجدران، تُجرّد، في فعل متصل، قوانينَ الطبيعة، وتسعى لإقامة عالمها الآمن داخل صرامتها وقسوة أفعالها… جدران لا تحدد نوعيتها غير حاجات الإنسان المتجددة في كل زمان، تعالج المكان، وتُطوّعه لتؤآخيه وتحد من أهواله، فيقف الجدار حجاباً بين الذات والأخر حيث تصنع الذات، في مربع جدرانها، عالمها وينصت الفرد إلى طبائع فرديته وقت يعزلها عن العالم. سيبدو الصمت من أول جدران الإنسان وأكثرها قدماً، لحظة ينقطع عما حوله لينصت لصوته الخاص، يستمع ولا يقول، مثلما ستبدو الظلمة جداراً تقيمه كائنات الليل لتفصل العالم عن مياه النهار بأمواجها الغامرة.. الجدار، في هذا الجانب من الصورة، غيب، غروب، غربة، فهل يكون، من جانبها الآخر، علناً لفكرة، وامتداداً لخطوة، واقتراح وطن؟. ليس من المصادفة ان يكون للجدار وجهان، وجه للعالم وآخر للفرد في صمته وعزلته وانقطاعه، كأنه لا ينفصل، إذ يَفصل، عن مهمته الأساسية: إقصاء العام عن الخاص، وعزل الذات عن الموضوع، إنه يوثق هذه العلاقة، ويقف شاهداً عليها، فلا ينأى الفرد عن العالم بغير أن يجسد صلته معه ولو عبر جدار.. من هنا كان للجدار وجهان: وجه تحياه وتمارس وجودك على مساحته صوراً وخرائط وأرقاماً وذكريات، وآخر مرآة للعالم وحقل تحرثه الفصول.. في الوقت الذي تقرأ حياتك على الوجه الداخلي لجدار بيتك يُشاع الوجه الخارجي فتحتك به أيدٍ غريبة، وتلوثه رياح، وتأوي إليه حيوانات الليل والنهار، انه يوحد بين كائني الخوف، الإنسان والحيوان، لحظة يفصل بينهما وهو يمتد ويؤي، ويُكتم الوجه الداخلي، مقفلاً على أسراره، مانحاً إنسانه بانكتامه ما يستطيع من حرية.. تبني جداراً لتنام، تأوي إلى ذاتك، تتعرى، تحس بكيانك العضوي مثل سحلية في جحر…ستوحد الجدران، بذلك، العالم وتحرس طبيعته، فلا تبدو الحرية، عندئذ، إلا إنشاء لعالم ينهض مواجهاً عالماً أشد سعة وامتداداً، وأكثر مفاجأةً ووحشيةً، إنها مواجهة يصوغها فعل تنظيم قديم في حوار عوالم، ومواجهة رؤى، لا جدار بلا حرية تظلله، وتترصد وجوده إلا جدار السجن حيث تنأى الحرية، وتُزال النوافذ، وتُغيّب القيم الذاتية، يصبح الإنسان مُستلَباً بلا جدار من حميمية يستند إليه. وتندفع الجدران في لجاجة هندسية لتقيم معابد، وتؤسس مدناً، وتنشئ أنفاقاً وسراديب.. تخطو مع الإنسان، تدرج على مدارج حضارته، تقيمها وتقام بها، تحاكيها وتحكي عنها، تحدها وتفتحها، متحدثة عن ذلك بالحك، والخدش، والحرف، والحز، والنتوء، بالنقر، والزخرف، والرسم، والشطب، والتلوين، بأفعال الطبيعة وأفعال البدن، بأعين الصُلب المفتوحة وآذانه المتنصتة، فيملك الجدار، عندئذ، فتنة ما ينشئ وما يُقيم، فيُقدَّس جدار المعبد، ويُحَنّ إلى جدار البيت، ويُهاب ويُخشَى جدار مظلم في سجن، إنها جميعاً تنفتح، بما تؤسس وما تقيم، على ماضٍ ملتفٍ، وحاضر صادم، وقادم لا يبين، وفي دفق الزمان يقول الجدار كلمته، ويتنصت أعماراً لأصدائها، ومثلما تغدو الآلة بعضاً من جسد الإنسان، يتشكل الجدار بعضاً منه إذ يُجبَل على نحو آخر من صلصال الحنين، وطين الذكرى. سيغدو لكلمة بول ايلوار ( بين المدينة والإنسان لم يكن يوجد حتى سمك جدار) معنى آخر يتماها فيه الجدار ويشف ليقيم نظاماً من العلاقات، فلا مدينة بلا جدار، ولا جدار بين الإنسان ومدينته.. يغيب الجدار في ظل الفكرة هذا لتنهض علاقة طرفها الأول وميدانها حياة الإنسان وتجاربه، وطرفها الثاني وميدانها حياة المدينة وهي تقترب شيئاً فشيئاً من الإنسان، تتماها معه لتغدو في الأخير إنساناً من أبواب ونوافذ وطيور وطرقات.. تؤسس الجدران المدينة كما تبني حلماً من ضوء ثم تطلقها في فلاة العاطفة تركض مثل غزال، كلما ثقلت موازين جدرانها خفت خطواتها وتقافزت من أعلى جدار إلى أعلى جدار.. إنها مؤن العذوبة تُشاغل حياتنا، وتخفف عن كياناتنا الطينية ما يركد من عناء السنين، سننصت لانطوان سانت اكزوبري وهو يهمس في أرض البشر (إن أعجب ما في منزل ليس في أنه يؤويك أو يدفئك، أو في أنك تملك منه الجدران، ولكن في هذا الذي يضعه فينا، هوناً ما، من مؤن العذوبة).
تغيب المدينة، في آخر الحلم، ويغيب الجدار، وتظل الذكرى وحدها بئراً للتفاصيل الدقيقة، وهي تطرز، على مهل، أعمارنا. تتوجه للحديث عن الجدار فإذا بك تستمع إلى صوتك، وقد تشبّع بنبرة رثاء قديم، ربما لما يجمع الجدار من رباط بأنفسنا، وهو الرباط الذي يختلف على نحو كلي مع ما نجده من شعور تلتقطه قصيدة لـ كافافي وتعبر عنه، إن قدراً من الحزن يراودنا إلى زمن بعد انتهاء قراءة القصيدة ووقوعها في البياض، ثمة جدران عالية تحيط بنا كأنما يُنتبَه إليها فجأة، إنها القدر الذي يزرعنا هنا ويبعدنا عن الهناك، عزلة قاطعة ينجزها بناؤون غير مرئيين، فلا يظل لدينا غير أن نفكر فيما تبقى من أعمارنا وقد كبلتها الجدران:
(وما دامت لدي أشياء كثيرة أقوم بها في الخارج،
فلمَ لم أحاذر حين أخذوا يبنون حولي الجدران؟).ذلك الشعور الذي يتكثف ليضعنا، من جديد، بمواجهة أنفسنا، وقد ارتفعت من حولنا جدران شاهقة مثل مرايا تتكشف على مياه فضتها دواخلنا، نحن المعزولين بجدران ذواتنا عن العالم، من هنا نلتقط معنى تضيفه القصيدة لفكرة الجدار: لا يتشكل الوجه الخارجي للجدار وحده مرآة للعالم، الوجه الداخلي أيضا يشكّل مرآته لمكاشفة الفرد وكشف دخيلته. هل يكون الجدار، بذلك، مرآة صامتة، أو مترقبة على نحو أدق؟ وهل يخطو من فكرة المكاشفة، وهو يؤدي دوره في وظائف حبس أبدية، إلى فكرة المتاهة؟ فلا متاهة من دون جدار، حتى لو لم يكن من جدار، فثمة، أبداً، جدار، في قلب الفكرة وهي تنقلنا من هوة إلى هوة، ومن قبو إلى قبو، ومن طريق موحش إلى طريق، المتاهة واحدة في بحر أو صحراء أو داخل قلعة أو بين دفتي كتاب، إنها تقيم، على نحو متشابه، رعبها الغامض الذي يفجّر فتنةً غريبةً في أعماقنا أكثر مما يعزلنا عما حولنا، وهي تعيد ترتيب صلتنا بالعالم ليبدد كل ما هو مألوف أخلاقياً في العمارة ويسن سلوكاً من صمت مطبق.. حيث تغيب النافذة يحضر الصمت، يقوم جدار كونكريتي ذو طبقات، يعزل ما يحدث خلفه عن حياة الناس ولمس أنظارهم، قبل أن يلتف التفافته العظيمة ليفصل العامة عن العالم، ليدور الناس دورتهم الأبدية، بإرادة جدار صامت، في فلك السلطة ومقدساتها… إن جدراناً متشابهة لا تنشئ وطناً، إنها لا تنشئ غرفة حتى، في شعرية العمارة يكتب الدكتور أسعد الأسدي (إن الغرفة تنشأ بجدران متمايزة عن بعضها، ففي أحدها نافذة وفي الآخر باب، وثالث يظلل الفناء وآخر يشكل أرضية الغرفة، كذلك البيت ينشأ بغرف غير متشابهة تختلف مع بعضها بسبب تداخلاتها المعمارية والإنشائية، وهذه التداخلات انعكاس لضرورات خفية غير ظاهرة).. فهل تعي أنظمة من جدران مسلحة معنى الضرورات الخفية للاختلاف، وهل تفكر بالاختلافات والتمايزات وهي تصنع بائتلافها وطناً، وهل تنصت، في أعماق هوسها بسلطان العمارة، لقوة حقائقها؟. كلما ارتفع جدار وتضخم تكشّف ما وراءه من سر وأُبيح ما يُغيّب من ألغاز، للجدار، وحده، أن يمنحنا فكرة عما خلفه، يفضح في الوقت الذي يُشيَّد بحرص ليخفي ويخبئ مواصلاً لعبة تناقضاته.. يقتضي ذلك وجود أنواع من الجدران تكفي لمتوالية ألغاز السلطة ودوائر أسرارها، وتقيم، بصرامة كونكريتية، متاهاتها.. جدران تحيط عالم الخوف وتسوّر ممالكه… ستسهم نقاط الحراسة المحصنة وقد رُفعت فوق كل ركن بأن تمنح الجدران، بقصدية عمرانية مسرفة، شكل القلاع الأسطورية والحصون لعلها تفلح في مطابقة نسختي الواقع والخيال، حيث يُخلي الواقع الساحات الفسيحة بجانب الجدران كما يُخلي دواخلها لصالح الخيال، وربما كان ذلك واحداً من أهدافٍ تحققها السلطة وهي تُنجز هيمنتها بما تبني وتخبئ خلف أسوارها وإن بقيت بناياتها، بعد زوالها، كما بقي الكثير من قصور الرئاسة العراقية، خالياً يصفر فيه الهواء.. ثمة، أبداً، سلطة تُحصّنها جدران حصينة، وتحرسها سرايا مسلحة لا دور لها غير أن تملأ المشاهد الشاغرة لسلطتها.
ستُسجَن الجدران، بهذا المعنى، في غيب بطولةٍ قامعة، وتتهاوى على الرغم من صلابتها وسرايا حراساتها، في لحظة، مثل قلاع من ورق.
عن المساحات الفسيحة التي أرعبت الإنسان لحظة وضع قدمه على الأرض فقام في ذهنه أول الجدران…
عن جدران دواخلنا نعود فنتحدث…
عن جدار يقيم بيتاً، وينشئ مدينة، ويقترح متاهة..
عن أناس يقيمون، خلف جدار، وآخرين يمرون من أمامه بلا ظل ولا ذكرى..
من يفكر بجدران الحوادث والحروب؟ حيث تُهزّ جدران فتتخلى عن مواثيق ألفتها فيقتل جدار الصف طلابه، وجدار المنزل عائلته، ويُبقي، كأنما بانتقاء عاقل، واحداً من طلاب الصف، واحداً من أفراد الأسرة، ليتذكر نقض المواثيق من دون أن يحكي أو يُشير.. سيلتقط مارسيل ايميه آخر الخيط فيحدثنا في قصته (عابر الجدران) عن رجل يملك بفعل حبّة نادرة أن يعبر الجدران ماراً دونما حاجز من مكان إلى مكان، تشهد المدينة بعبوره حوادث غريبة حتى يُشك بأمره ويُلقَى القبض عليه، لكن الحوادث تستمر والسرقات تتوالى على الرغم من وجوده في السجن، يُحيّر الأمر المدينة ويبلبل مسؤولي الأمن فيها، حتى تنقطع الحوادث فجأة وتكف السرقات، فقد خاض صاحبنا آخر مغامرات عبوره ناسياً أن يبتلع حبته، نعلم ذلك، نحن القراء، قبل أن يكتشفه هو متحسساً ضمور قواه وصعوبة حركته بعد أن يدخل أحد الجدران.. سيظل بطل مارسيل ايميه في غيب جدار ما، خلفي أو خلفك، يتنصت في عمق حسرته إلى ما يتسلل للدواخل المعتمة من أصوات…
*عن مجلة ألواح
**عن لؤي حمزة عباس:
أديب وقاص عراقي، يعمل أستاذ الأدب الحديث في كلية الآداب بجامعة البصرة. أنجز أولى أعماله القصصية في تسعينيات القرن العشرين، واستطاع أن يحقق حضورًا مميزًا في المشهدين الأدبي والثقافي في العراق والوطن العربي.
لماذا لن يختفي الله أبداً؟ – كوليت مرشليان
نشرت مجلة “علم وحياة” الفرنسية تحقيقاً حمل عنوان “لماذا لن يختفي الله أبداً؟” وضع على أثر النتائج التي توصل إليها فريق من الباحثين في علم “دراسة عمل الخلايا والأنسجة العصبية” الذين أكدوا بعد تجارب وأبحاث ودراسات امتدت على فترة خمسة أعوام متواصلة أن “الانسان مبرمج على الإيمان” أو بكلام آخر أن الإنسان يحتوي بطبيعة تكوينه البشري على جزئية أو ذرة في الدماغ تلعب دوراً أساسياً في قدرة الفرد على الايمان.
وليس هذا الامر هو الاكتشاف الوحيد، إذ ثمة تأكيدات علمية الآن تثبت أن الايمان قادر على محاربة القلق واليأس والحزن لدى الانسان وبالتالي يخلص العلماء إلى نتيجة أن المؤمن يعيش حياة أطول من حياة غير المؤمن، وان الشعور الديني أمر ملازم للطبيعة البشرية ما يؤكد إلى ان الأديان لن تزول عن الأرض ومن الكون ما دام الانسان في الوجود. وبهذا يمكن ان نشير اليوم إلى “جزئية الايمان” المثبتة علمياً والموجودة إلى جانب جزئيات اخرى تؤلف الدماغ البشري.
وهذه النتيجة المثبتة والأكيدة اليوم تفتح الأبواب أمام دراسات اخرى لم تكن في الحسبان، إذ لطالما كان السؤال المطروح عبر كل العصور: وهل نؤمن بالله؟ وكانت صورة الله هي ركيزة السؤال.
بينما اليوم يتركز اهتمام العلماء على الجزء الأول من السؤال وهو الايمان بشكل خاص، ذاك الشعور النابع من الانسان والذي يفيض عالماً روحانياً قائماً بحد ذاته. فما هو الايمان؟ ما الذي يجعل الانسان يتخلى عن سائر أمور الدنيا ليتعلق بأفكار غامضة وغير ملموسة؟ وعند هذا الحد، توصل العلماء إلى نتيجة ان ايماننا بالله ليس فقط مرتبطاً بعالم آخر هو في السماء انما هو مرتبط ايضاً بدماغنا. لأن الدراسات أبرزت نقاطاً مهمة مفادها ان التغييرات الكيميائية التي تحصل في أعصاب الدماغ لحظة الايمان القصوى التي نسميها في الأديان لحظة النشوة الروحانية أو الانخطاف لدى القديسين هي لحظة “كيميائية” أساساً تجعل الانسان يأخذ الشرارة لينطلق في تفكيره أو عالمه الروحاني. ومن هنا ايضاً لا يمكن ان تكون التركيبة الكيميائية والعصبية متوازية لدى كل البشر، بل هي ضئيلة لدى أحدهم ومتوسطة أو قوية جداً لدى انسان آخر. لذا نصادف في الحياة “المؤمن” و”غير المؤمن” حسب التعريف الديني. ولذا، صارت اللحظات القصوى للايمان التي وصفها القديسون وبشكل خاص القديسة تريزيا افيلا أو ما وصفه العديد من المتصوفين عند الاسلام أو الرهبان المتعبدين لدى البوذيين، هي بالتحديد الأحاسيس التي تنتاب الانسان لدى شعوره بالايمان.
تقول القديسة تريزيا في وصف لحالها لدى احساسها بالايمان القوي وهي دونت ذلك في كتابات لها منتصف القرن السادس عشر: “الشعور يشبه إلى حدّ ما حالة فقدان الوعي حين يبدأ التنفس بالتناقص شيئاً فشيئاً كذلك حين تتلاشى كل قوى الجسد.
عبثاً أحاول التكلم من دون فائدة، فأجد نفسي غير قادرة على التفوه بأي كلمة وإذا استطعت تحريك فمي للكلام فلا يمكن لي ان اتلفظ الكلمة. لأن كل قوتي الخارجية توقفت واخذت مكانها قوتي الداخلية. وكأنه حال شيئين مقسومين وفجأة اتحدا وتلاحما”.
هذا الكلام قال شيئاً مشابهاً له كل من كبار الصوفيين في الاسلام وأشهر الكهنة لدى البوذيين في وصفهم للاتحاد مع الله في لحظات الايمان القصوى.
كل هذا الشرح الجديد للايمان الذي قام به فريق من العلماء لا يتنافى مع الايمان بحد ذاته ويحدد العالم اندرو نيوبورغ مدير قسم الطب النووي في جامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأميركية الفكرة بالكلام التالي: “من دون شك ان تعريف الله المتّفق عليه في جميع الأديان من منطلق تحديده في إطار صفات عديدة تحاول التقرب من صورته النهائية ليست تعريفنا بل وفي بحثنا الجديد نحدد صورة الله في إطار وحدته المتكاملة والمترفعة والمبهمة والتي هي بالتأكيد في جوهر الكون”.
لا زالت هذه الأبحاث في نتائجها الأولية ومن المتوقع ان تشهد تطورات في الأيام المقبلة ولكن حتى الآن يشرح العلماء الأمر بالتالي: ثمة مادة تدعى سيروتونين موجودة في الدماغ وهي مسؤولة عن نقل أو ايصال كل معلومة من خلية عصبية إلى اخرى، وهي مسؤولة عن نقل مشاعر الجوع والعطش والنعاس.
ولدى دراسة بعض العلماء لحالة تفاعل السيروتونين في الدماغ في حال تعاطي المخدرات للتوصل إلى نتيجة أفضل تساعد المدمنين على التوقف عن تناولها تبيّن لهم ان السيروتونين تزداد بقوة وقادرة على إعطاء احساس كما الحاصل في حال التخدير وتترك نتائج على الجسد أو تسجل نتائج شبيهة بتلك التي يشعر بها الانسان حين يتناول المخدر من هلوسات وضياع وحالات اتحاد مع الأشياء المحيطة به، أي ان المخدر الدخيل إلى الجسم البشري يترك آثاراً في الدماغ شبيهة بتلك التي تحدث حين نحفز مادة السيروتونين وحين تتكاثر مادة السيروتونين تصير حال الانسان شبيهة بحال الانخطاف أو الاتحاد الروحي مع الله. في هذه المرحلة، بدأت مرحلة الاحصائيات عبر مراقبة حال مئات الأفراد الذين بدأ التركيز على تخطيط هذه المادة في دماغهم في الأيام العادية وفي لحظات الصلاة والايمان وصارت تتكشف حقيقة ان رغبة الايمان تنطلق من مادة السيروتونين الموجودة في الدماغ وكلما زاد الاتحاد الروحي في الصلاة كبر حجم المادة أو العكس. وتبين ايضاً ان الانسان غير المؤمن بشكل واضح هو انسان يفتقد إلى مادة السيروتونين والمؤمن بشكل كبير أو الذي يصل إلى لحظات الاتحاد الروحي مع الله لديه نسبة عالية من المادة في دماغه. كل هذا الاكتشاف لا يتعارض مع الدين على الأرض أو مع ايمان الانسان، لانه لا يدرس فكرة الدين أو لا يتعارض مع قبول فكرة الاديان بل على عكس ذلك فهو يشرح موقف الانسان من الأديان أو أكثر من ذلك حاجته الملحة اليها.مِنَ النُّزْهَةِ إلَى الَّثورَةِ
خطوات صغيرة ومسيرات كبيرة
النزهات شائعة والرحلة سيراً على الأقدام تسمح باسترجاع الآثار البشرية التي محتها السيارات. فحيث الطريق المفروشة بالإسفلت تدفع إلى التسابق، يفضل الجوالون الدروب الترابية والقادوميات وهي محاور للتضامن. ويحدث أن يكون السير على الأقدام سياسياً، فنسير لكي نعبّر عن اعتراضنا. السير هو التجانس مع الآخر في إيقاعه والتجول بحرية إعادة اكتشاف للذات أولاً بأول.
(المزيد…)زَمَنٌ وَأنيميَا
كم هي قريبة مني تلك المجنونة العجوز التي كانت تجري وراء الزمن، تلك التي كانت تريد الإمساك بقطعة من الزمن.
*
ثمة علاقة بين فقرنا الدموي وغربتنا في الديمومة: إنّ عدد اللحظات الخاوية موافقٌ لعدد كرياتنا البيضاء. أليس ذلك مرتبطا بكون حالات وعينا ناشئة عن تفسخ ألوان رغباتنا؟
(المزيد…)
مَنفى / طباق – إلى إدوارد سعيد – محمود درويش
نيويورك/ نوفمبر/ الشارعُ الْخَامس/
الشمسُ صَحنٌ من المعدنِ المتطايرِ/
قلتُ لنفسي الغريبةَ في الظلِّ:
هل هذه بَابلُ، أم سدوم؟
هناكَ، على بابِ هاويةٍ كهربائيةٍ
بعلوِّ السماء، التقيتُ بإدواردَ
قبلَ ثلاثينَ عاماً،
وَكانَ الزَّمانُ أقلَّ جموحاً منَ الآن
قالَ كِلانَا:
إذا كانَ مَاضيكَ تجربةً
فاجعلِ الغَدَ مَعنىً وَرُؤيا!
لنذهبْ،
لنذهبْ إلى غَدِنَا واثقين
بصدقِ الخيالِ، ومُعجزةِ العشبِ /لا أتذكَّرُ أنّا ذهبنا إلى السينما
في المساء. ولكنْ سمعت هنوداً
قُدَامَى يُنادُونَنِي:
لا تَثِقْ بالحصانِ ولا بالْحَدَاثَةِ /لا، لا ضَحيَّة تسألُ جَلاَّدَها:
هل أنا أنت؟ لو كان سيفيَ
أكبرَ من وَردَتِي، هل ستسألُ
إن كُنتُ أفعلُ مِثلَكْ؟
سؤالٌ كهذا يُثيرُ فُضولَ الرِّوَائِيِّ
فِي مَكتبٍ مِنْ زُجَاجٍ يُطِلُّ على
زنبقٍ في الحديقةِ… حيثُ تكونُ
يدُ الفَرَضِيَّةِ بيضَاءَ مثلَ ضَميرِ
الرِّوَائِيِّ حينَ يُصَفِّي الحسابَ
مَعَ النَّزعَةِ الْبَشَرِيَّةِ: لا غَدَ
فِي الأمس، فَلنتقدَّمْ إذاً !قَد يَكُونُ التَّقَدُّمُ جسرَ الرُّجوعِ
إلى الْبَرْبَرِيَّة… /نيويورك. إدوارد يَصحُو عَلى كَسَلِ
الْفَجرِ. يَعزِفُ لَحنَاً لموتسارت. يَركُضُ
فِي مَلعَبِ التنسِ الْجَامِعِيِّ. يُفَكِّرُ في
هِجرَةِ الطيرِ عَبرَ الْحُدُود وفوقَ الْحَوَاجِزْ.
يَقرأ “نيويورك تايمز”. يَكتُبُ تَعلِيقَهُ
الْمُتَوتِّرَ. يَلعنُ مُستَشرِقَاً يُرشدُ الجنرالَ
إلى نُقطَةِ الضعفِ في قَلبِ شَرقِيّة.
يستحمُّ. ويَختَارُ بدلَتَهُ بَأناقَةِ دِيكٍ.
وَيشربُ قَهوتَهُ بالْحَليبِ. ويصرُخُ
بالفجرِ: هَيَّا، ولا تَتَلَكَّأ /عَلى الريحِ يَمشي. وفي الريحِ
يعرفُ مَن هُوَ. لا سقفَ للريحِ.
لا بيتَ للريحِ. والريحُ بوصلةٌ
لشَمالِ الغريب.يقولُ: أنا من هُناكَ. أنا من هُنا
ولستُ هُناكَ، ولستُ هنا
لِيَ اسمانِ يلتقيانِ ويفترقانِ
ولي لُغتانِ، نسيتُ بأيِّهما
كُنتُ أحلمُ،
لِي لُغةٌ إنجليزيةٌ للكتابةِ،
طَيِّعَةُ المفردات،
وَلي لُغةٌ من حِوارِ السماءِ معَ
القدسِ، فِضيَّةُ النبرِ، لَكنها
لا تُطيعُ مُخيلتي !والْهُوِيَّةُ؟ قلتُ
فقالَ: دفاعٌ عن الذاتِ…
إنَّ الْهُويَّةَ بنتُ الولادةِ، لكنها
في النهايةِ إبداعُ صاحِبها، لا
ورَاثةَ ماضٍ. أنا الْمُتَعَدِّدُ. في
داخلي خَارِجي الْمُتجدِّدُ.. لكنني
أنتمي لسؤالِ الضحيَّةِ. لو لم
أكن من هُناكَ لَدَرَّبتُ قلبي
على أن يُربي هناكَ غزال الكِنايَةِ.
فاحملْ بلادكَ أنَّى ذهبتَ…
وُكن نَرجسياً إذا لَزمَ الأمرُ /– مَنفىً هوَ العالمُ الخارجيُّ
ومَنفىً هوَ العالمُ داخليُّ
فمَنْ أنتَ بينهما؟
– لا أُعَرِّفُ نفسي تماماً
لئلاَّ أضيِّعها. وأنا ما أنا
وأنا آخري في ثُنائيةٍ
تتناغمُ بينَ الكلامِ وبينَ الإشارةْ.
ولو كنتُ أكتبُ شعراً لقلتُ:أنا اثنانِ في واحدٍ
كَجناحي سُنونوةٍ،
إن تأخرَ فصلُ الربيعِ
اكتفيتُ بحملِ البشارةْيُحبُّ بلاداً، ويَرحلُ عنها
( هل المستحيلُ بعيدٌ؟)
يُحبُّ الرحيلَ إلى أيِّ شئٍ
ففي السفرِ الحرِّ بينَ الثقافاتِ
قد يجدُ الباحثونَ عن الجوهرِ البشريِّ
مقاعدَ كافيةً للجميع.
هُنا هامشٌ يتقدَّمُ. أو مَركزٌ يتراجعُ
لا الشرقُ شرقٌ تماماً
ولا الغربُ غربٌ تماماً
لأنَّ الهويَّةَ مفتوحةً للتعدُّدِ
لا قلعةً أو خنادق /كانَ المجازُ ينامُ على ضفةِ النهرِ،
لولا التَلَوُّثُ،
لاحتضنَ الضفَّةَ الثانيةْ
– هل كتبتَ الروايةَ؟
– حاولتُ… حاولتُ أن أستعيدَ بها
صورتي في مرايا النساءِ البعيدات،
لكنهنَّ توغلنَ في ليلهِنَّ الحصين
وقلنَ: لنا عالمٌ مُستقِلٌّ عن النصِّ
لن يكتبَ الرجلُ المرأةَ اللغزَ والْحُلمَ
لن تكتبَ المرأةُ الرجلَ الرمزَ والنجمَ
لا حُبَّ يُشبهُ حباً
ولا ليلَ يُشبهُ ليلاً
دعونا نُعدِّدْ صفاتَ الرجالِ ونضحكْ!– وماذا فعلتَ؟
– ضحكتُ على عبثي
/ المُفَكِّرُ يكبحُ سردَ الروائيِّ
والفيلسوفُ يُشَرِّحُ وَردَ المُغَنِّي /يُحبُّ بلاداً ويرحلُ عنها:
أنا ما أكونُ وما سأكونُ
سأصنعُ نفسي بنفسي
وأختارُ منفايَ
منفايَ خلفيةُ المشهدِ الملحميِّ
أدافعُ عن حاجةِ الشعراءِ
إلى الغدِ والذكرياتِ معاً
وأدافعُ عن شجرٍ ترتديهِ الطيورُ
بلاداً ومنفى
وعن قمرٍ لم يزلْ صالحاً لقصيدةِ حُبٍّ
أدافعُ عن فكرةٍ كسرتها هشاشةُ أصحابها
وأدافعُ عن بلدٍ خطفته الأساطيرُ /– هل تستطيعُ الرجوعَ إلى أيِّ شئٍ؟
– أمامي يَجرُّ ورائي ويُسرعُ…
لا وقتَ في ساعتي لأخطَّ سطوراً
على الرملِ. لكنني أستطيعُ زيارةَ أمسِ،
كما يفعلُ الغرباءُ،
إذا استمعوا في المساءِ
إلى الشاعرِ الرعويِّ:( فتاةٌ على النبعِ تملأ جرَّتها
بحليبِ السحابْ
وتبكي وتضحكُ من نخلةٍ
لسعت قلبها في مهبِّ الغيابْ
هل الحبُّ ما يُوجعُ الماءَ
أم مَرضٌ في الضبابْ.. ؟
إلى آخرِ الأغنية )– إذن قد يُصيبكَ داءُ الحنين؟
– حنينٌ إلى الغدِ.. أبعد أعلى
وأبعد. حُلمي يقودُ خُطايَ. ورؤيايَ
تُجلسُ حُلمي على ركبتيَّ كقطٍّ أليف.
هوَ الواقعيُّ الخياليُّ وابن الإرداةِ:في وُسعنا
أن نُغَيِّرَ
حتميةَ الهاويةْ !– والحنينُ إلى أمسِ؟
– عاطفةٌ لا تخصُّ المفكِّرَ إلا
ليفهمَ توقَ الغريبِ إلى أدواتِ الغيابْ
وأمَّا أنا فحنيني صَراعٌ على حاضرٍ
يُمسكُ الغدَ من خصيتيه– ألم تتسلَّلْ إلى أمسِ، حينَ ذهبتَ
إلى البيتِ، بيتكَ، في حارةِ الطالبيَّة؟
– هَيَّأتُ نفسي لأن أتمدَّدَ في
تختِ أمي، كما يفعلُ الطفلُ حينَ يخافُ
أباه. وحاولتُ أن أستعيدَ ولادةَ
نفسي، وأن أتتبَّعَ دربَ الحليبِ
على سطحِ بيتي القديم، وحاولتُ أن
أتحسَّسَ جلدَ الغيابِ ورائحةَ الصيفِ
من ياسمينِ الحديقة. لكنَّ وحشَ الحقيقةِ
أبعدني عن حنينٍ تلفَّتَ كاللصِ خلفي
– وهل خفتَ؟ ماذا أخافكَ؟
– لا أستطيعُ لقاءَ الخسارةِ وجهاً
لوجه. وقفتُ على البابِ كالمتسوِّلِ.
هل أطلبُ الإذنَ من غرباءَ ينامونَ فوقَ
سريري أنا.. بزيارةِ نفسي لخمسِ دقائق؟
هل أنحني باحترامٍ لسُكَّانِ حُلمي الطفوليِّ؟
هل يسألونَ: من الزائرُ الأجنبيُّ
الفضوليُّ؟ هل أستطيعُ الكلامَ عن
السلمِ والحربِ بينَ الضحايا وبينَ ضحايا
الضحايا، بلا جُملةٍ اعتراضيَّةٍ؟ هل
يقولونَ لي: لا مكانَ لحُلمينِ في
مَخْدَعٍ واحدٍ؟( لا أنا، أو هُوَ
ولكنه قارئٌ يتساءلُ عَمَّا
يقولُ لنا الشعرُ في زمنِ الكَارِثَةْ )دمٌ،
ودَمٌ،
ودَمٌ
في بلادك،في اسمي وفي اسمكَ، في زهرةِ
اللوزِ، في قشرةِ الموزِ، في لبنِ
الطفلِ، في الضوءِ والظلِّ، في
حبَّةِ القمحِ، في عُلبةِ الملحِ /
قَنَّاصةٌ بارعونَ يُصيبونَ أهدافهم
بامتيازٍ
دَماً،
ودَماً،
ودَماً..
هذه الأرضُ أصغرُ من دمِ أبنائها
الواقفينَ على عتباتِ القيامةِ مثلَ
القرابين. هل هذه الأرضُ حقاً
مُباركةٌ أم مُعَمَّدةٌ
بدمٍ،
ودَمٍ،
ودَمٍ
لا تُجفِّفه الصلواتُ ولا الرمل.
لا عدلَ في صفحاتِ الكتابِ المقدسِ
يكفي لكي يفرحَ الشهداءُ بحريةِ
المشي فوقَ الغمام. دمٌ في النهارِ.
دمٌ في الظلامِ. دمٌ في الكلامْ.يقول: القصيدةُ قد تستضيفُ الخسارة
خيطاً من الضوءِ يلمعُ في قلبِ جيتارة.
أو مسيحاً على فرسٍ مثخناً بالمجازِ
الجميل. فليسَ الجماليُّ إلا حضورَ
الحقيقيِّ في الشكل /في عالمٍ لا سماءَ له، تصبحُ الأرضُ
هاويةً. والقصيدةُ إحدى هباتِ العزاءِ
وإحدى صفاتِ الرياح، شماليةً أو جنوبيةً.
لا تصف ما ترى الكاميرا من جُروحك.
واصرخ لتسمعَ نفسكَ، واصرخ لتعلمَ
أنكَ ما زلتَ حياً وحيَّا، وأنَّ الحياةَ
على هذه الأرضُ ممكنةٌ. فاخترع أملاً
للكلامِ، ابتكر جهةً أو سراباً
يُطيلُ الرجاء،
وغَنِّ، فإنَّ الجماليَّ حريةٌ /
أقولُ: الحياةُ التي لا تُعَرَّفُ إلا
بضدِّ الموتِ… ليست حياةيقولُ: سنحيا، ولو تركتنا الحياةُ
إلى شأننا. فلنكن سادة الكلماتِ
التي سوفَ تجعلُ قُرَّاءها خالدين –
على حدِّ تعبيرِ صاحبكَ الفذ ريتسوس /وقالَ: إذا مِتُّ قبلكَ
أوصيكَ بالمستحيلْ !
سألتُ: هل المستحيلُ بعيدٌ؟
فقالَ: على بُعدِ جيلْ
سألتُ: وإن مِتُّ قبلكَ؟
قالَ: أعزِّي جبالَ الجليلْواكتب: ” ليسَ الجماليُّ إلا بلوغَ
الملائمِ”. والآنَ، لا تنسَ:
إن متُّ قبلكَ أوصيكَ بالمستحيلْعندما زُرته في سدومَ الجديدةِ،
في عامِ ألفينِ واثنين، كانَ
يُقاومُ حربَ سدُومَ على أهلِ بابلَ
والسرطانِ معاً،
كانَ كالبطلِ الملحميِّ الأخيرِ
يُدافعُ عن حقِّ طروادةٍ
في اقتسامِ الرواية /نسرٌ يودِّعُ قمَّتَهُ عالياً
عالياً،
فالإقامةُ فوقَ الأولمب
وفوقَ القِمَمْ
قد تُثيرُ السَّأمْوَدَاعَاً،
وَدَاعاً لشعرِ الأَلَمْ!نص: محمود درويش، إلى روح إداورد سعيد
من ديوان: كزهر اللوز أو أبعد
هَاجسُ الخشفِ الميت
ثمة شيء تجنَّبت دائماً ذكره لك ، وإن أكن أظن أني لامسته في مناسبة أو مناسبتين . الشيء الذي أشير إليه هو تجربة طفلية باكرة عشتها في منزل أهلي قرب أوسلو . لا بد أني كنت في السابعة أو الثامنة حينها . لكن الواقعة وقعت قطعاً قبل عيد ميلادي الثامن ، لأن أسرتنا انتقلت ، قبله ، إلى إقامة في مدريد دامت أربعة أعوام . أذكر أني كنت أجري على درب في الغابة ، وجيوبي مليئة بحبات من البندق أردتُ أن أريها لأمي فور وصولي إلى البيت . فجأة لمحت خِشْفاً* صغيراً متمدداً على السجاد الخريفي الذي صنعته أوراق الأشجار المتساقطة على أرضية الغابة الرطبة . مابرحت تلك الأوراق محفورة في عقلي لأن بعضاً منها كان ، على ما أذكر ، متناثراً على الخشف المستلقي ذاته . ظننت الخشف نائماً ،وأعتقد – وإن أكن غير متأكد من ذلك الآن – أني تسللت نحو الحيوان إما لأمسِّد جسده أو لإزاحة تلك الأوراق الصفراء والحمراء عنه . لكن الخشف لم يكن نائماً ؛ كان ميتاً.
(المزيد…)
جدارية محمود درويش
هذا هُوَ اسمُكَ /
قالتِ امرأةٌ،
وغابتْ في المَمَرِّ اللولبيِّ…
أرى السماءَ هُنَاكَ في مُتَناوَلِ الأَيدي.
ويحملُني جناحُ حمامةٍ بيضاءَ صَوْبَ
طُفُولَةٍ أَخرى. ولم أَحلُمْ بأني
كنتُ أَحلُمُ. كُلُّ شيءٍ واقعيٌّ. كُنْتُ
أَعلَمُ أَنني أُلْقي بنفسي جانباً…
وأَطيرُ. سوف أكونُ ما سأَصيرُ في
الفَلَك الأَخيرِ.
وكُلُّ شيء أَبيضُ،
البحرُ المُعَلَّقُ فوق سقف غمامةٍ
بيضاءَ. والَّلا شيء أَبيضُ في
سماء المُطْلَق البيضاءِ. كُنْتُ، ولم
أَكُنْ. فأنا وحيدٌ في نواحي هذه
الأَبديَّة البيضاء. جئتُ قُبَيْل ميعادي
فلم يَظْهَرْ ملاكٌ واحدٌ ليقول لي :
(( ماذا فعلتَ، هناك، في الدنيا ؟ ))
ولم أَسمع هُتَافَ الطيِّبينَ، ولا
أَنينَ الخاطئينَ، أَنا وحيدٌ في البياض،
أَنا وحيدُ …
لاشيء يُوجِعُني على باب القيامةِ.
لا الزمانُ ولا العواطفُ. لا
أُحِسُّ بخفَّةِ الأشياء أَو ثِقَلِ
الهواجس. لم أَجد أَحداً لأسأل :
أَين (( أَيْني )) الآن ؟ أَين مدينةُ
الموتى، وأَين أَنا ؟ فلا عَدَمٌ
هنا في اللا هنا … في اللازمان،
ولا وُجُودُ
وكأنني قد متُّ قبل الآن …
أَعرفُ هذه الرؤيا، وأَعرفُ أَنني
أَمضي إلى ما لَسْتُ أَعرفُ. رُبَّما
ما زلتُ حيّاً في مكانٍ ما، وأَعرفُ
ما أُريدُ …
سأصيرُ يوماً ما أُريدُ
سأَصيرُ يوماً فكرةً. لا سَيْفَ يحملُها
إلى الأرضِ اليبابِ، ولا كتابَ …
كأنَّها مَطَرٌ على جَبَلٍ تَصَدَّعَ من
تَفَتُّح عُشْبَةٍ،
لا القُوَّةُ انتصرتْ
ولا العَدْلُ الشريدُ
سأَصير يوماً ما أُريدُ
سأصير يوماً طائراً، وأَسُلُّ من عَدَمي
وجودي. كُلَّما احتَرقَ الجناحانِ
اقتربتُ من الحقيقةِ، وانبعثتُ من
الرمادِ. أَنا حوارُ الحالمين، عَزَفْتُ
عن جَسَدي وعن نفسي لأُكْمِلَ
رحلتي الأولى إلى المعنى، فأَحْرَقَني
وغاب. أَنا الغيابُ. أَنا السماويُّ
الطريدُ.
سأَصير يوماً ما أُريدُ
سأَصير يوماً كرمةً،
فَلْيَعْتَصِرني الصيفُ منذ الآن،
وليشربْ نبيذي العابرون على
ثُرَيَّات المكان السُكَّريِّ !
أَنا الرسالةُ والرسولُ
أَنا العناوينُ الصغيرةُ والبريدُ
سأَصير يوماً ما أُريدُ
هذا هُوَ اسمُكَ /
قالتِ امرأةٌ،
وغابتْ في مَمَرِّ بياضها.
هذا هُوَ اسمُكَ، فاحفظِ اسْمَكَ جَيِّداً !
لا تختلفْ مَعَهُ على حَرْفٍ
ولا تَعْبَأْ براياتِ القبائلِ،
كُنْ صديقاً لاسمك الأُفُقِيِّ
جَرِّبْهُ مع الأحياء والموتى
ودَرِّبْهُ على النُطْق الصحيح برفقة الغرباء
واكتُبْهُ على إحدى صُخُور الكهف،
يااسمي : سوف تكبَرُ حين أَكبَرُ
سوف تحمِلُني وأَحملُكَ
الغريبُ أَخُ الغريب
سنأخُذُ الأُنثى بحرف العِلَّة المنذور للنايات
يا اسمي: أَين نحن الآن ؟
قل : ما الآن، ما الغَدُ ؟
ما الزمانُ وما المكانُ
وما القديمُ وما الجديدُ ؟
سنكون يوماً ما نريدُ
لا الرحلةُ ابتدأتْ، ولا الدربُ انتهى
لم يَبْلُغِ الحكماءُ غربتَهُمْ
كما لم يَبْلُغ الغرباءُ حكمتَهمْ
ولم نعرف من الأزهار غيرَ شقائقِ النعمانِ،
فلنذهب إلى أَعلى الجداريات :
أَرضُ قصيدتي خضراءُ، عاليةُ،
كلامُ الله عند الفجر أَرضُ قصيدتي
وأَنا البعيدُ
أَنا البعيدُ
في كُلِّ ريحٍ تَعْبَثُ امرأةٌ بشاعرها
– خُذِ الجهةَ التي أَهديتني
الجهةَ التي انكَسَرتْ،
وهاتِ أُنوثتي،
لم يَبْقَ لي إلاّ التَأمُّلُ في
تجاعيد البُحَيْرَة. خُذْ غدي عنِّي
وهاتِ الأمس، واتركنا معاً
لا شيءَ، بعدَكَ، سوف يرحَلُ
أَو يَعُودُ
– وخُذي القصيدةَ إن أَردتِ
فليس لي فيها سواكِ
خُذي (( أَنا )) كِ. سأُكْملُ المنفى
بما تركَتْ يداكِ من الرسائل لليمامِ.
فأيُّنا منا (( أَنا )) لأكون آخرَها ؟
ستسقطُ نجمةٌ بين الكتابة والكلامِ
وتَنْشُرُ الذكرى خواطرها : وُلِدْنا
في زمان السيف والمزمار بين
التين والصُبَّار. كان الموتُ أَبطأَ.
كان أَوْضَح. كان هُدْنَةَ عابرين
على مَصَبِّ النهر. أَما الآن،
فالزرُّ الإلكترونيُّ يعمل وَحْدَهُ. لا
قاتلٌ يُصْغي إلى قتلى. ولا يتلو
وصيَّتَهُ شهيدُ
من أَيِّ ريح جئتِ ؟
قولي ما اسمُ جُرْحِكِ أَعرفِ
الطُرُقَ التي سنضيع فيها مَرّتيْنِ !
وكُلُّ نَبْضٍ فيكِ يُوجعُني، ويُرْجِعُني
إلى زَمَنٍ خرافيّ. ويوجعني دمي
والملحُ يوجعني … ويوجعني الوريدُ
في الجرّة المكسورةِ انتحبتْ نساءُ
الساحل السوريّ من طول المسافةِ،
واحترقْنَ بشمس آبَ. رأيتُهنَّ على
طريق النبع قبل ولادتي. وسمعتُ
صَوْتَ الماء في الفخّار يبكيهنّ :
عُدْنَ إلى السحابة يرجعِ الزَمَنُ الرغيدُ
قال الصدى :
لاشيء يرجعُ غيرُ ماضي الأقوياء
على مِسلاَّت المدى … [ ذهبيّةٌٌ آثارُهُمْ
ذهبيّةٌٌ ] ورسائلِ الضعفاءِ للغَدِ،
أَعْطِنا خُبْزَ الكفاف، وحاضراً أَقوى.
فليس لنا التقمُّصُ والحُلُولُ ولا الخُلُودُ
قال الصدى :
وتعبتُ من أَملي العُضَال. تعبتُ
من شَرَك الجماليّات : ماذا بعد
بابلَ؟ كُلَّما اتَّضَحَ الطريقُ إلى
السماء، وأَسْفَرَ المجهولُ عن هَدَفٍ
نهائيّ تَفَشَّى النثرُ في الصلوات،
وانكسر النشيدُ
خضراءُ، أَرضُ قصيدتي خضراءُ عالية ٌ…
تُطِلُّ عليَّ من بطحاء هاويتي …
غريبٌ أَنتَ في معناك. يكفي أَن
تكون هناك، وحدك، كي تصيرَ
قبيلةً…
غَنَّيْتُ كي أَزِنَ المدى المهدُورَ
في وَجَع الحمامةِ،
لا لأَشْرَحَ ما يقولُ اللهُ للإنسان،
لَسْتُ أَنا النبيَّ لأَدَّعي وَحْياً
وأُعْلِنَ أَنَّ هاويتي صُعُودُ
وأَنا الغريب بكُلِّ ما أُوتيتُ من
لُغَتي. ولو أخضعتُ عاطفتي بحرف
الضاد، تخضعني بحرف الياء عاطفتي،
وللكلمات وَهيَ بعيدةٌ أَرضٌ تُجاوِرُ
كوكباً أَعلى. وللكلمات وَهيَ قريبةٌ
منفى. ولا يكفي الكتابُ لكي أَقول :
وجدتُ نفسي حاضراً مِلْءَ الغياب.
وكُلَّما فَتَّشْتُ عن نفسي وجدتُ
الآخرين. وكُلَّما فتَّشْتُ عَنْهُمْ لم
أَجد فيهم سوى نَفسي الغريبةِ،
هل أَنا الفَرْدُ الحُشُودُ ؟
وأَنا الغريبُ. تَعِبْتُ من ” درب الحليب “
إلى الحبيب. تعبتُ من صِفَتي.
يَضيقُ الشَّكْلُ. يَتّسعُ الكلامُ. أُفيضُ
عن حاجات مفردتي. وأَنْظُرُ نحو
نفسي في المرايا :
هل أَنا هُوَ ؟
هل أُؤدِّي جَيِّداً دَوْرِي من الفصل
الأخيرِ ؟
وهل قرأتُ المسرحيَّةَ قبل هذا العرض،
أَم فُرِضَتْ عليَّ ؟
وهل أَنا هُوَ من يؤدِّي الدَّوْرَ
أَمْ أَنَّ الضحيَّة غَيَّرتْ أَقوالها
لتعيش ما بعد الحداثة، بعدما
انْحَرَفَ المؤلّفُ عن سياق النصِّ
وانصرَفَ المُمَثّلُ والشهودُ ؟
وجلستُ خلف الباب أَنظُرُ :
هل أَنا هُوَ ؟
هذه لُغَتي. وهذا الصوت وَخْزُ دمي
ولكن المؤلِّف آخَرٌ…
أَنا لستُ مني إن أَتيتُ ولم أَصِلْ
أَنا لستُ منِّي إن نَطَقْتُ ولم أَقُلْ
أَنا مَنْ تَقُولُ له الحُروفُ الغامضاتُ :
اكتُبْ تَكُنْ !
واقرأْ تَجِدْ !
وإذا أردْتَ القَوْلَ فافعلْ، يَتَّحِدْ
ضدَّاكَ في المعنى …
وباطِنُكَ الشفيفُ هُوَ القصيدُ
بَحَّارَةٌ حولي، ولا ميناء
أَفرغني الهباءُ من الإشارةِ والعبارةِ،
لم أَجد وقتاً لأعرف أَين مَنْزِلَتي،
الهُنَيْهةَ، بين مَنْزِلَتَيْنِ. لم أَسأل
سؤالي، بعد، عن غَبَش التشابُهِ
بين بابَيْنِ : الخروج أم الدخول …
ولم أَجِدْ موتاً لأقْتَنِصَ الحياةَ.
ولم أَجِدْ صوتاً لأَصرخَ : أَيُّها
الزَمَنُ السريعُ ! خَطَفْتَني مما تقولُ
لي الحروفُ الغامضاتُ :
ألواقعيُّ هو الخياليُّ الأَكيدُ
يا أيها الزَمَنُ الذي لم ينتظِرْ …
لم يَنْتَظِرْ أَحداً تأخَّر عن ولادتِهِ،
دَعِ الماضي جديداً، فَهْوَ ذكراكَ
الوحيدةُ بيننا، أيَّامَ كنا أَصدقاءك،
لا ضحايا مركباتك. واترُكِ الماضي
كما هُوَ، لا يُقَادُ ولا يَقُودُ
ورأيتُ ما يتذكَّرُ الموتى وما ينسون …
هُمْ لا يكبرون ويقرأون الوَقْتَ في
ساعات أيديهمْ. وَهُمْ لايشعرون
بموتنا أَبداً ولا بحياتهِمْ. لا شيءَ
ممَّا كُنْتُ أو سأكونُ. تنحلُّ الضمائرُ
كُلُّها. ” هو ” في ” أنا ” في ” أَنت ”.
لا كُلٌّ ولاجُزْءٌ. ولا حيٌّ يقول
لميِّتٍ : كُنِّي !
.. وتنحلُّ العناصرُ والمشاعرُ. لا
أَرى جَسَدي هُنَاكَ، ولا أُحسُّ
بعنفوان الموت، أَو بحياتيَ الأُولى.
كأنِّي لَسْتُ منّي. مَنْ أَنا ؟ أَأَنا
الفقيدُ أَم الوليدُ ؟
الوقْتُ صِفْرٌ. لم أُفكِّر بالولادة
حين طار الموتُ بي نحو السديم،
فلم أكُن حَيّاً ولا مَيْتاً،
ولا عَدَمٌ هناك، ولا وُجُودُ
تقولُ مُمَرِّضتي : أَنتَ أَحسَنُ حالًا.
وتحقُنُني بالمُخَدِّر : كُنْ هادئًا
وجديراً بما سوف تحلُمُ
عما قليل …
رأيتُ طبيبي الفرنسيَّ
يفتح زنزانتي
ويضربني بالعصا
يُعَاونُهُ اثنانِ من شُرْطة الضاحيةْ
رأيتُ أَبي عائداً
من الحجِّ، مُغمىً عليه
مُصَاباً بضربة شمسٍ حجازيّة
يقول لرفِّ ملائكةٍ حَوْلَهُ :
أَطفئوني ! …
رأيتُ شباباً مغاربةً
يلعبون الكُرَةْ
ويرمونني بالحجارة : عُدْ بالعبارةِ
واترُكْ لنا أُمَّنا
يا أَبانا الذي أخطَأَ المقبرةْ !
رأيت ” ريني شار “
يجلس مع ” هيدغر “
على بُعْدِ مترين منِّي،
رأيتهما يشربان النبيذَ
ولا يبحثان عن الشعر …
كان الحوار شُعَاعاً
وكان غدٌ عابرٌ ينتظرْ
رأيتُ رفاقي الثلاثَةَ ينتحبونَ
وَهُمْ
يَخيطونَ لي كَفَناً
بخُيوطِ الذَّهَبْ
رأيت المعريَّ يطرد نُقَّادَهُ
من قصيدتِهِ :
لستُ أَعمى
لأُبْصِرَ ما تبصرونْ،
فإنَّ البصيرةَ نورٌ يؤدِّي
إلى عَدَمٍ …. أَو جُنُونْ
رأيتُ بلاداً تعانقُني
بأَيدٍ صَبَاحيّة : كُنْ
جديراً برائحة الخبز. كُنْ
لائقا ً بزهور الرصيفْ
فما زال تَنُّورُ أُمِّكَ
مشتعلاً،
والتحيَّةُ ساخنةً كالرغيفْ !
خضراءُ، أَرضُ قصيدتي خضراءُ. نهرٌ واحدٌ يكفي
لأهمس للفراشة : آهِ، يا أُختي، ونَهْرٌ واحدٌ يكفي لإغواءِ
الأساطير القديمة بالبقاء على جناح الصَّقْر، وَهْوَ يُبَدِّلُ
الراياتِ والقممَ البعيدةَ، حيث أَنشأتِ الجيوشُ ممالِكَ
النسيان لي. لاشَعْبَ أَصْغَرُ من قصيدته. ولكنَّ السلاحَ
يُوَسِّعُ الكلمات للموتى وللأحياء فيها، والحُرُوفَ تُلَمِّعُ
السيفَ المُعَلَّقَ في حزام الفجر، والصحراء تنقُصُ
بالأغاني، أَو تزيدُ
لاعُمْرَ يكفي كي أَشُدَّ نهايتي لبدايتي
أَخَذَ الرُّعَاةُ حكايتي وتَوَغَّلُوا في العشب فوق مفاتن
الأنقاض، وانتصروا على النسيان بالأَبواق والسَّجَع
المشاع، وأَورثوني بُحَّةَ الذكرى على حَجَرِ الوداع، ولم
يعودوا …
رَعَويَّةٌ أَيَّامنا رَعَويَّةٌ بين القبيلة والمدينة، لم أَجد لَيْلاً
خُصُوصِيّاً لهودجِكِ المُكَلَّلِ بالسراب، وقلتِ لي :
ما حاجتي لاسمي بدونكَ ؟ نادني، فأنا خلقتُكَ
عندما سَمَّيْتَني، وقتلتَني حين امتلكتَ الاسمَ …
كيف قتلتَني ؟ وأَنا غريبةُ كُلِّ هذا الليل، أَدْخِلْني
إلى غابات شهوتك، احتضنِّي واعْتَصِرْني،
واسفُك العَسَلَ الزفافيَّ النقيَّ على قفير النحل.
بعثرني بما ملكتْ يداك من الرياح ولُمَّني.
فالليل يُسْلِمُ روحَهُ لك يا غريبُ، ولن تراني نجمةٌ
إلاّ وتعرف أَنَّ عائلتي ستقتلني بماء اللازوردِ،
فهاتِني ليكونَ لي – وأَنا أُحطِّمُ جَرَّتي بيديَّ –
حاضِريَ السعيدُ
– هل قُلْتَ لي شيئاً يُغَيِّر لي سبيلي ؟
– لم أَقُلْ. كانت حياتي خارجي
أَنا مَنْ يُحَدِّثُ نفسَهُ :
وَقَعَتْ مُعَلَّقتي الأَخيرةُ عن نخيلي
وأَنا المُسَافِرُ داخلي
وأَنا المُحَاصَرُ بالثنائياتِ،
لكنَّ الحياة جديرَةٌ بغموضها
وبطائرِ الدوريِّ …
لم أُولَدْ لأَعرفَ أَنني سأموتُ، بل لأُحبَّ محتوياتِ ظلِّ
اللهِ
يأخُذُني الجمالُ إلى الجميلِ
وأُحبُّ حُبَّك، هكذا متحرراً من ذاتِهِ وصفاتِهِ
وأِنا بديلي …
أَنا من يُحَدِّثُ نَفْسَهُ :
مِنْ أَصغر الأشياءِ تُولَدُ أكبرُ الأفكار
والإيقاعُ لا يأتي من الكلمات،
بل مِنْ وحدة الجَسَدَيْنِ
في ليلٍ طويلٍ …
أَنا مَنْ يحدِّثُ نَفْسَهُ
ويروِّضُ الذكرى … أَأَنتِ أَنا ؟
وثالثُنا يرفرف بيننا ” لا تَنْسَيَاني دائماً “
يا مَوْتَنا ! خُذْنَا إليكَ على طريقتنا، فقد نتعلَّمُ الإشراق …
لا شَمْسٌ ولا قَمَرٌ عليَّ
تركتُ ظلِّي عالقاً بغصون عَوْسَجَةٍ
فخفَّ بِيَ المكانُ
وطار بي روحي الشَّرُودُ
أَنا مَنْ يحدِّثُ نفسَهُ :
يا بنتُ : ما فَعَلَتْ بكِ الأشواقُ ؟
إن الريح تصقُلُنا وتحملنا كرائحة الخريفِ،
نضجتِ يا امرأتي على عُكَّازَتيَّ،
بوسعك الآن الذهابُ على ” طريق دمشق “
واثقةً من الرؤيا. مَلاَكٌ حارسٌ
وحمامتان ترفرفان على بقيَّة عمرنا، والأرضُ عيدُ …
الأرضُ عيدُ الخاسرين [ ونحن منهُمْ ]نحن من أَثَرِ النشيد الملحميِّ على المكان، كريشةِ النَّسْرِ
العجوز خيامُنا في الريح. كُنَّا طيِّبين وزاهدين بلا تعاليم
المسيح. ولم نكُنْ أَقوى من الأعشابِ إلاّ في ختام
الصَيْفِ،
أَنتِ حقيقتي، وأَنا سؤالُكِ
لم نَرِثْ شيئاً سوى اسْميْنَا
وأَنتِ حديقتي، وأَنا ظلالُكِ
عند مفترق النشيد الملحميِّ …
ولم نشارك في تدابير الإلهات اللواتي كُنَّ يبدأن النشيد
بسحرهنَّ وكيدهنَّ. وكُنَّ يَحْمِلْنَ المكانَ على قُرُون
الوعل من زَمَنِ المكان إلى زمان آخرٍ …
كنا طبيعيِّين لو كانت نجومُ سمائنا أَعلى قليلاً من
حجارة بئرنا، والأَنبياءُ أَقلَّ إلحاحاً، فلم يسمع مدائحَنا
الجُنُودُ …
خضراءُ، أرضُ قصيدتي خضراءُ
يحملُها الغنائيّون من زَمَنٍ إلى زَمَنٍ كما هِيَ في
خُصُوبتها.
ولي منها : تأمُّلُ نَرْجسٍ في ماء صُورَتِهِ
ولي منها وُضُوحُ الظلِّ في المترادفات
ودقَّةُ المعنى …
ولي منها : التَّشَابُهُ في كلام الأَنبياءِ
على سُطُوح الليلِ
لي منها : حمارُ الحكمةِ المنسيُّ فوق التلِّ
يسخَرُ من خُرافتها وواقعها …
ولي منها : احتقانُ الرمز بالأضدادِ
لا التجسيدُ يُرجِعُها من الذكرى
ولا التجريدُ يرفَعُها إلى الإشراقة الكبرى
ولي منها : ” أَنا ” الأُخرى
تُدَوِّنُ في مُفَكِّرَة الغنائيِّين يوميَّاتها :
(( إن كان هذا الحُلْمُ لا يكفي
فلي سَهَرٌ بطوليٌّ على بوابة المنفى … ))
ولي منها : صَدَى لُغتي على الجدران
يكشِطُ مِلْحَهَا البحريَّ
حين يخونني قَلْبٌ لَدُودُ …
أَعلى من الأَغوار كانت حكمتي
إذ قلتُ للشيطان : لا. لا تَمْتَحِنِّي !
لا تَضَعْني في الثُّنَائيّات، واتركني
كما أَنا زاهداً برواية العهد القديم
وصاعداً نحو السماء، هُنَاكَ مملكتي
خُذِ التاريخَ، يا ابنَ أَبي، خُذِ
التاريخَ … واصنَعْ بالغرائز ما تريدُ
وَلِيَ السكينةُ. حَبَّةُ القمح الصغيرةُ
سوف تكفينا، أَنا وأَخي العَدُوّ،
فساعتي لم تَأْتِ بَعْدُ. ولم يَحِنْ
وقتُ الحصاد. عليَّ أَن أَلِجَ الغيابَ
وأَن أُصدِّقَ أوَّلاً قلبي وأتبعَهُ إلى
قانا الجليل. وساعتي لم تأتِ بَعْدُ.
لَعَلَّ شيئاً فيَّ ينبُذُني. لعلِّي واحدٌ
غيري. فلم تنضج كُرومُ التين حول
ملابس الفتيات بَعْدُ. ولم تَلِدْني
ريشةُ العنقاء. لا أَحَدٌ هنالك
في انتظاري. جئْتُ قبل، وجئتُ
بعد، فلم أَجد أحداً يُصَدِّق ما
أرى. أنا مَنْ رأى. وأَنا البعيدُ
أَنا البعيدُ
مَنْ أَنتَ، يا أَنا ؟ في الطريقِ
اثنانِ نَحْنُ، وفي القيامة واحدٌ.
خُذْني إلى ضوء التلاشي كي أَرى
صَيْرُورتي في صُورَتي الأُخرى. فَمَنْ
سأكون بعدَكَ، يا أَنا ؟ جَسَدي
ورائي أم أَمامَكَ ؟ مَنْ أَنا يا
أَنت ؟ كَوِّنِّي كما كَوَّنْتُكَ، ادْهَنِّي
بزيت اللوز، كَلِّلني بتاج الأرز.
واحملني من الوادي إلى أَبديّةٍ
بيضاءَ. عَلِّمني الحياةَ على طريقتِكَ،
اختَبِرْني ذَرَّةً في العالم العُلْوِيِّ.
ساعِدْني على ضَجَر الخلود، وكُنْ
رحيماً حين تجرحني وتبزغ من
شراييني الورودُ …
لم تـأت سـاعـتُنا. فـلا رُسُـلٌ يَـقِـيـسُـونَ
الزمانَ بقبضة العشب الأخير. هل استدار ؟ ولا ملائكةٌ
يزورون المكانَ ليتركَ الشعراءُ ماضِيَهُمْ على الشَّفَق
الجميل، ويفتحوا غَدَهُمْ بأيديهمْ.
فغنِّي يا إلهتيَ الأثيرةَ، ياعناةُ،
قصيدتي الأُولى عن التكوين ثانيةً …
فقد يجدُ الرُّوَاةُ شهادةَ الميلاد
للصفصاف في حَجَرٍ خريفيّ. وقد يجدُ
الرعاةُ البئرَ في أَعماق أُغنية. وقد
تأتي الحياةُ فجاءةً للعازفين عن
المعاني من جناح فراشةٍ عَلِقَتْ
بقافيةٍ، فغنِّي يا إلهتيَ الأَثيرةَ
يا عناةُ، أَنا الطريدةُ والسهامُ،
أَنا الكلامُ. أَنا المؤبِّنُ والمؤذِّنُ
والشهيدُ
ما قلتُ للطَّلَلِ : الوداع. فلم أَكُنْ
ما كُنْتُ إلاّ مَرَّةً. ما كُنْتُ إلاّ
مرَّةً تكفي لأَعرف كيف ينكسرُ الزمانُ
كخيمة البدويِّ في ريح الشمال،
وكيف يَنْفَطِرُ المكانُ ويرتدي الماضي
نُثَارَ المعبد المهجور. يُشبهُني كثيراً
كُلُّ ما حولي، ولم أُشْبِهْ هنا
شيئاً. كأنَّ الأرض ضَيِّقَةٌ على
المرضى الغنائيِّين، أَحفادِ الشياطين
المساكين المجانين الذين إذا رأوا
حُلْماً جميلاً لَقَّنُوا الببغاءَ شِعْر
الحب، وانفتَحتْ أَمامَهُمُ الحُدُودُ …
وأُريدُ أُن أُحيا …
فلي عَمَلٌ على ظهر السفينة. لا
لأُنقذ طائراً من جوعنا أَو من
دُوَارِ البحر، بل لأُشاهِدَ الطُوفانَ
عن كَثَبٍ : وماذا بعد ؟ ماذا
يفعَلُ الناجونَ بالأرض العتيقة ؟
هل يُعيدونَ الحكايةَ ؟ ما البدايةُ ؟
ما النهايةُ ؟ لم يعد أَحَدٌ من
الموتى ليخبرنا الحقيقة … /
أَيُّها الموتُ انتظرني خارج الأرض،
انتظرني في بلادِكَ، ريثما أُنهي
حديثاً عابراً مَعَ ما تبقَّى من حياتي
قرب خيمتكَ، انتظِرْني ريثما أُنهي
قراءةَ طَرْفَةَ بنِ العَبْد. يُغْريني
الوجوديّون باستنزاف كُلِّ هُنَيْهَةٍ
حريةً، وعدالةً، ونبيذَ آلهةٍ … /
فيا مَوْتُ ! انتظرني ريثما أُنهي
تدابيرَ الجنازة في الربيع الهَشّ،
حيث وُلدتُ، حيث سأمنع الخطباء
من تكرار ما قالوا عن البلد الحزين
وعن صُمُود التينِ والزيتونِ في وجه
الزمان وجيشِهِ. سأقول : صُبُّوني
بحرف النون، حيث تَعُبُّ روحي
سورةُ الرحمن في القرآن. وامشوا
صامتين معي على خطوات أَجدادي
ووقع الناي في أَزلي. ولا
تَضَعُوا على قبري البنفسجَ، فَهْوَ
زَهْرُ المُحْبَطين يُذَكِّرُ الموتى بموت
الحُبِّ قبل أَوانِهِ. وَضَعُوا على
التابوتِ سَبْعَ سنابلٍ خضراءَ إنْ
وُجِدَتْ، وبَعْضَ شقائقِ النُعْمانِ إنْ
وُجِدَتْ. وإلاّ، فاتركوا وَرْدَ
الكنائس للكنائس والعرائس /
أَيُّها الموت انتظر ! حتى أُعِدَّ
حقيبتي : فرشاةَ أسناني، وصابوني
وماكنة الحلاقةِ، والكولونيا، والثيابَ.
هل المناخُ هُنَاكَ مُعْتَدِلٌ ؟ وهل
تتبدَّلُ الأحوالُ في الأبدية البيضاء،
أم تبقى كما هِي في الخريف وفي
الشتاء ؟ وهل كتابٌ واحدٌ يكفي
لِتَسْلِيَتي مع اللاَّ وقتِ، أمْ أَحتاجُ
مكتبةً ؟ وما لُغَةُ الحديث هناك،
دارجةٌ لكُلِّ الناس أَم عربيّةٌ
فُصْحى/
.. ويا مَوْتُ انتظرْ، ياموتُ،
حتى أستعيدَ صفاءَ ذِهْني في الربيع
وصحّتي، لتكون صيَّاداً شريفاً لا
يَصيدُ الظَّبْيَ قرب النبع. فلتكنِ العلاقةُ
بيننا وُدّيَّةً وصريحةً : لَكَ أنَتَ
مالَكَ من حياتي حين أَملأُها..
ولي منك التأمُّلُ في الكواكب :
لم يَمُتْ أَحَدٌ تماماً، تلك أَرواحٌ
تغيِّر شَكْلَها ومُقَامَها /
يا موت ! ياظلِّي الذي
سيقودُني، يا ثالثَ الاثنين، يا
لَوْنَ التردُّد في الزُمُرُّد والزَّبَرْجَدِ،
يا دَمَ الطاووس، يا قَنَّاصَ قلب
الذئب، يا مَرَض الخيال ! اجلسْ
على الكرسيّ ! ضَعْ أَدواتِ صيدكَ
تحت نافذتي. وعلِّقْ فوق باب البيت
سلسلةَ المفاتيح الثقيلةَ ! لا تُحَدِّقْ
يا قويُّ إلى شراييني لترصُدَ نُقْطَةَ
الضعف الأَخيرةَ. أَنتَ أَقوى من
نظام الطبّ. أَقوى من جهاز
تَنَفُّسي. أَقوى من العَسَلِ القويّ،
ولَسْتَ محتاجاً – لتقتلني – إلى مَرَضي.
فكُنْ أَسْمَى من الحشرات. كُنْ مَنْ
أَنتَ، شفَّافاً بريداً واضحاً للغيب.
كن كالحُبِّ عاصفةً على شجر، ولا
تجلس على العتبات كالشحَّاذ أو جابي
الضرائبِ. لا تكن شُرطيّ سَيْرٍ في
الشوارع. كن قويّاً، ناصعَ الفولاذ، واخلَعْ عنك أَقنعةَ
الثعالب. كُنْ
فروسياً، بهيًا، كامل الضربات. قُلْ
ماشئْتَ : (( من معنى إلى معنى
أَجيءُ. هِيَ الحياةُ سُيُولَةٌ، وأَنا
أكثِّفُها، أُعرِّفُها بسُلْطاني وميزاني )).. /
ويامَوْتُ انتظرْ، واجلس على
الكرسيّ. خُذْ كأسَ النبيذ، ولا
تفاوِضْني، فمثلُكَ لا يُفاوِضُ أَيَّ
إنسانٍ، ومثلي لا يعارضُ خادمَ
الغيبِ. استرح … فَلَرُبَّما أُنْهِكْتَ هذا
اليوم من حرب النجوم. فمن أَنا
لتزورني ؟ أَلَدَيْكَ وَقْتٌ لاختبار
قصيدتي. لا. ليس هذا الشأنُ
شأنَكَ. أَنت مسؤولٌ عن الطينيِّ في
البشريِّ، لا عن فِعْلِهِ أو قَوْلِهِ /
هَزَمَتْكَ يا موتُ الفنونُ جميعُها.
هزمتك يا موتُ الأغاني في بلاد
الرافدين. مِسَلَّةُ المصريّ، مقبرةُ الفراعنةِ،
النقوشُ على حجارة معبدٍ هَزَمَتْكَ
وانتصرتْ، وأِفْلَتَ من كمائنك
الخُلُودُ …
فاصنع بنا، واصنع بنفسك ما تريدُ
وأَنا أُريدُ، أريدُ أَن أَحيا …
فلي عَمَلٌ على جغرافيا البركان.
من أَيام لوط إلى قيامة هيروشيما
واليبابُ هو اليبابُ. كأنني أَحيا
هنا أَبداً، وبي شَبَقٌ إلى ما لست
أَعرف. قد يكون ” الآن ” أَبعَدَ.
قد يكونُ الأمس أَقربَ. والغَدُ الماضي.
ولكني أَشدُّ ” الآن ” من يَدِهِ ليعبُرَ
قربيَ التاريخُ، لا الزَّمَنُ المُدَوَّرُ،
مثل فوضى الماعز الجبليِّ. هل
أنجو غداً من سرعة الوقت الإلكترونيّ،
أَم أَنجو غداً من بُطْء قافلتي
على الصحراء؟ لي عَمَلٌ لآخرتي
كأني لن أَعيش غداً. ولي عَمَلٌ ليومٍ
حاضرٍ أَبداً. لذا أُصغي، على مَهَلٍ
على مَهَل، لصوت النمل في قلبي :
أعينوني على جَلَدي. وأَسمع صَرْخَةَ
الحَجَر الأسيرةَ : حَرِّروا جسدي. وأُبصرُ
في الكمنجة هجرةَ الأشواق من بَلَدٍ
تُرَابيّ إلى بَلَدٍ سماويّ. وأَقبضُ في
يد الأُنثى على أَبَدِي الأليفِ : خُلِقتُ
ثم عَشِقْتُ، ثم زهقت، ثم أَفقتُ
في عُشْبٍ على قبري يدلُّ عليَّ من
حينٍ إلى حينٍ. فما نَفْعُ الربيع
السمح إن لم يُؤْنِس الموتى ويُكْمِلْ
بعدهُمْ فَرَحَ الحياةِ ونَضْرةَ النسيان ؟
تلك طريقةٌ في فكِّ لغز الشعرِ،
شعري العاطفيّ على الأَقلِّ. وما
المنامُ سوى طريقنا الوحيدة في الكلام /
وأَيُّها الموتُ التَبِسْ واجلسْ
على بلَّوْرِ أَيامي، كأنَّكَ واحدٌ من
أَصدقائي الدائمين، كأنَّكَ المنفيُّ بين
الكائنات. ووحدك المنفيُّ. لا تحيا
حياتَكَ. ما حياتُكَ غير موتي. لا
تعيش ولا تموت. وتخطف الأطفالَ
من عَطَشِ الحليب إلى الحليب. ولم
تكن طفلاً تهزُّ له الحساسينُ السريرَ،
ولم يداعِبْكَ الملائكةُ الصغارُ ولا
قُرونُ الأيِّل الساهي، كما فَعَلَتْ لنا
نحن الضيوفَ على الفراشة. وحدك
المنفيُّ، يا مسكين، لا امرأةٌ تَضُمُّك
بين نهديها، ولا امرأةٌ تقاسِمُك
الحنين إلى اقتصاد الليل باللفظ الإباحيِّ
المرادفِ لاختلاط الأرض فينا بالسماءِ.
ولم تَلِدْ وَلَداً يجيئك ضارعاً : أَبتي،
أُحبُّكَ. وحدك المنفيُّ، يا مَلِكَ
الملوك، ولا مديحَ لصولجانكَ. لا
صُقُورَ على حصانك. لا لآلئَ حول
تاجك. أَيُّها العاري من الرايات
والبُوق المُقَدَّسِ ! كيف تمشي هكذا
من دون حُرَّاسٍ وجَوْقَةِ منشدين،
كَمِشْيَة اللصِّ الجبان. وأَنتَ مَنْ
أَنتَ، المُعَظَّمُ، عاهلُ الموتى، القويُّ،
وقائدُ الجيش الأَشوريِّ العنيدُ
فاصنع بنا، واصنع بنفسك ما تريدُ
وأَنا أُريدُ، أُريد أَن أَحيا، وأَن
أَنساك …. أَن أَنسى علاقتنا الطويلة
لا لشيءٍ، بل لأَقرأ ما تُدَوِّنُهُ
السماواتُ البعيدةُ من رسائلَ. كُلَّما
أَعددتُ نفسي لا نتظار قدومِكَ
ازددتَ ابتعاداً. كلما قلتُ : ابتعدْ
عني لأُكمل دَوْرَةَ الجَسَدَيْنِ، في جَسَدٍ
يفيضُ، ظهرتَ ما بيني وبيني
ساخراً : ” لا تَنْسَ مَوْعِدَنا … “
– متى ؟ – في ذِرْوَة النسيان
حين تُصَدِّقُ الدنيا وتعبُدُ خاشعاً
خَشَبَ الهياكل والرسومَ على جدار الكهف،
حيث تقول : ” آثاري أَنا وأَنا ابنُ نفسي ”. – أَين موعدُنا ؟
أَتأذن لي بأن أَختار مقهىً عند
باب البحر ؟ – لا …. لا تَقْتَرِبْ
يا ابنَ الخطيئةِ، يا ابن آدمَ من
حدود الله ! لم تُولَدْ لتسأل، بل
لتعمل …. – كُن صديقاً طَيِّباً يا
موت ! كُنْ معنىً ثقافياً لأُدرك
كُنْهَ حكمتِكَ الخبيئةِ ! رُبَّما أَسْرَعْتَ
في تعليم قابيلَ الرمايةَ. رُبَّما
أَبطأتَ في تدريب أَيُّوبٍ على
الصبر الطويل. وربما أَسْرَجْتَ لي
فَرَسا ً لتقتُلَني على فَرَسي. كأني
عندما أَتذكَّرُ النسيانَ تُنقِذُ حاضري
لُغَتي. كأني حاضرٌ أَبداً. كأني
طائر أَبداً. كأني مُذْ عرفتُكَ
أَدمنتْ لُغَتي هَشَاشَتَها على عرباتك
البيضاءِ، أَعلى من غيوم النوم،
أَعلى عندما يتحرَّرُ الإحساس من عبء
العناصر كُلّها. فأنا وأَنتَ على طريق
الله صوفيَّانِ محكومان بالرؤيا ولا يَرَيَان /
عُدْ يا مَوْتُ وحدَكَ سالماً،
فأنا طليق ههنا في لا هنا
أو لا هناك. وَعُدْ إلى منفاك
وحدك. عُدْ إلى أدوات صيدك،
وانتظرني عند باب البحر. هَيِّئ لي
نبيذاً أَحمراً للاحتفال بعودتي لِعِيادَةِ
الأرضِ المريضة. لا تكن فظّا ً غليظ
القلب ! لن آتي لأَسخر منك، أَو
أَمشي على ماء البُحَيْرَة في شمال
الروح. لكنِّي – وقد أَغويتَني – أَهملتُ
خاتمةَ القصيدةِ : لم أَزفَّ إلى أَبي
أُمِّي على فَرَسي. تركتُ الباب مفتوحاً
لأندلُسِ الغنائيِّين، واخترتُ الوقوفَ
على سياج اللوز والرُمَّان، أَنفُضُ
عن عباءة جدِّيَ العالي خُيُوطَ
العنكبوت. وكان جَيْشٌ أَجنبيٌّ يعبر
الطُرُقَ القديمةَ ذاتها، ويَقِيسُ أَبعادَ
الزمان بآلة الحرب القديمة ذاتها … /
يا موت، هل هذا هو التاريخُ،
صِنْوُكَ أَو عَدُوُّك، صاعداً ما بين
هاويتين ؟ قد تبني الحمامة عُشَّها
وتبيضُ في خُوَذ الحديد. وربما ينمو
نباتُ الشِّيحِ في عَجَلاتِ مَرْكَبَةٍ مُحَطَّمةٍ.
فماذا يفعل التاريخُ، صنوُكَ أو عَدُوُّكَ،
بالطبيعة عندما تتزوَّجُ الأرضَ السماءُ
وتذرفُ المَطَرَ المُقَدَّسَ ؟ /
أَيها الموت، انتظرني عند باب
البحر في مقهى الرومانسيِّين. لم
أَرجِعْ وقد طاشَتْ سهامُكَ مَرَّةً
إلاّ لأُودِعَ داخلي في خارجي،
وأُوزِّعَ القمح الذي امتلأتْ به رُوحي
على الشحرور حطَّ على يديَّ وكاهلي،
وأُودِّعَ الأرضَ التي تمتصُّني ملحاً، وتنثرني
حشيشاً للحصان وللغزالة. فانتظرني
ريثما أُنهي زيارتي القصيرة للمكان وللزمان،
ولا تُصَدِّقْني أَعودُ ولا أَعودُ
وأَقول : شكراً للحياة !
ولم أكن حَيّاً ولا مَيْتاً
ووحدك، كنتَ وحدك، يا وحيدُ !
تقولُ مُمَرِّضتي : كُنْتَ تهذي
كثيراً، وتصرخُ : يا قلبُ !
يا قَلْبُ ! خُذْني
إلى دَوْرَة الماءِ …/
ما قيمةُ الروح إن كان جسمي
مريضاً، ولا يستطيعُ القيامَ
بواجبه الأوليِّ ؟
فيا قلبُ، يا قلبُ أَرجعْ خُطَايَ
إليَّ، لأَمشي إلى دورة الماء
وحدي !
نسيتُ ذراعيَّ، ساقيَّ، والركبتين
وتُفَّاحةَ الجاذبيَّةْ
نسيتُ وظيفةَ قلبي
وبستانَ حوَّاءَ في أَوَّل الأبديَّةْ
نسيتُ وظيفةَ عضوي الصغير
نسيتُ التنفُّسَ من رئتيّ.
نسيتُ الكلام
أَخاف على لغتي
فاتركوا كُلَّّ شيء على حالِهِ
وأَعيدوا الحياة إلى لُغَتي !..
تقول مُمَرِّضتي : كُنْتَ تهذي
كثيراً، وتصرخ بي قائلا ً :
لا أُريدُ الرجوعَ إلى أَحَدِ
لا أُريدُ الرجوعَ إلى بلدِ
بعد هذا الغياب ألطويل …
أُريدُ الرجوعَ فَقَطْ
إلى لغتي في أقاصي الهديل
تقولُ مُمَرِّضتي :
كُنْتَ تهذي طويلا ً، وتسألني :
هل الموتُ ما تفعلين بي الآنَ
أَم هُوَ مَوْتُ اللُغَةْ ؟
خضراءُ، أَرضُ قصيدتي خضراءُ، عاليةٌ …
على مَهَلٍ أُدوِّنُها، على مَهَلٍ، على
وزن النوارس في كتاب الماءِ. أَكتُبُها
وأُورِثُها لمنْ يتساءلون : لمنْ نُغَنِّي
حين تنتشرُ المُلُوحَةُ في الندى ؟ …
خضراءُ، أكتُبُها على نَثْرِ السنابل في
كتاب الحقلِ، قَوَّسَها امتلاءٌ شاحبٌ
فيها وفيَّ. وكُلَّما صادَقْتُ أَو
آخَيْتُ سُنْبُلةً تَعَلَّمْتُ البقاءَ من
الفَنَاء وضدَّه : (( أَنا حَبَّةُ القمح
التي ماتت لكي تَخْضَرَّ ثانيةً. وفي
موتي حياةٌ ما … ))
كأني لا كأنّي
لم يمت أَحَدٌ هناك نيابةً عني.
فماذا يحفظُ الموتى من الكلمات غيرَ
الشُّكْرِ : ” إنَّ الله يرحَمُنا ” …
ويُؤْنِسُني تذكُّرُ ما نَسِيتُ مِنَ
البلاغة : ” لم أَلِدْ وَلَدا ً ليحمل مَوْتَ
والِدِهِ ” …
وآثَرْتُ الزواجَ الحُرَّ بين المُفْرَدات ….
سَتَعْثُرُ الأُنثى على الذَّّكَر المُلائِمِ
في جُنُوح الشعر نحو النثر ….
سوف تشُّبُّ أَعضائي على جُمَّيزَةٍ،
ويصُبُّ قلبي ماءَهُ الأَرضيَّ في
أَحَدِ الكواكب … مَنْ أَنا في الموت
بعدي ؟ مَنْ أَنا في الموت قبلي
قال طيفٌ هامشيٌّ : (( كان أوزيريسُ
مثْلَكَ، كان مثلي. وابنُ مَرْيَمَ
كان مثلَكَ، كان مثلي. بَيْدَ أَنَّ
الجُرْحَ في الوقت المناسب يُوجِعُ
العَدَمَ المريضَ، ويَرْفَعُ الموتَ المؤقَّّتَ
فكرةً … )).
من أَين تأتي الشاعريَّةُ ؟ من
ذكاء القلب، أَمْ من فِطْرة الإحساس
بالمجهول ؟ أَمْ من وردةٍ حمراءَ
في الصحراء ؟ لا الشخصيُّ شخصيُّ
ولا الكونيُّ كونيٌّ …
كأني لا كأني …/
كلما أَصغيتُ للقلب امتلأتُ
بما يقول الغَيْبُ، وارتفعتْ بِيَ
الأشجارُ. من حُلْم إلى حُلْمٍ
أَطيرُ وليس لي هَدَفٌ أَخيرٌ.
كُنْتُ أُولَدُ منذ آلاف السنين
الشاعريَّةِ في ظلامٍ أَبيض الكتّان
لم أَعرف تماماً مَنْ أَنا فينا ومن
حُلْمي. أَنا حُلْمي
كأني لا كأني …
لم تَكُنْ لُغَتي تُودِّعُ نَبْرها الرعويَّ
إلاّ في الرحيل إلى الشمال. كلابُنا
هَدَأَتْ. وماعِزُنا توشَّح بالضباب على
التلال. وشجَّ سَهْمٌ طائش وَجْهَ
اليقين. تعبتُ من لغتي تقول ولا
تقولُ على ظهور الخيل ماذا يصنعُ
الماضي بأيَّامِ امرئ القيس المُوَزَّعِ
بين قافيةٍ وقَيْصَرَ …/
كُلَّما يَمَّمْتُ وجهي شَطْرَ آلهتي،
هنالك، في بلاد الأرجوان أَضاءني
قَمَرٌ تُطَوِّقُهُ عناةُ، عناةُ سيِّدَةُ
الكِنايةِ في الحكايةِ. لم تكن تبكي على
أَحَدِ، ولكنْ من مَفَاتِنِها بَكَتْ :
هَلْ كُلُّ هذا السحرِ لي وحدي
أَما من شاعرٍ عندي
يُقَاسِمُني فَرَاغَ التَخْتِ في مجدي ؟
ويقطفُ من سياج أُنوثتي
ما فاض من وردي ؟
أَما من شاعر يُغْوي
حليبَ الليل في نهدي ؟
أَنا الأولى
أَنا الأخرى
وحدِّي زاد عن حدِّي
وبعدي تركُضُ الغِزلانُ في الكلمات
لا قبلي … ولا بعدي /
سأحلُمُ، لا لأُصْلِحَ مركباتِ الريحِ
أَو عَطَباً أَصابَ الروحَ
فالأسطورةُ اتَّخَذَتْ مكانَتَها / المكيدةَ
في سياق الواقعيّ. وليس في وُسْعِ القصيدة
أَن تُغَيِّرَ ماضياً يمضي ولا يمضي
ولا أَنْ تُوقِفَ الزلزالَ
لكني سأحلُمُ،
رُبَّما اتسَعَتْ بلادٌ لي، كما أَنا
واحداً من أَهل هذا البحر،
كفَّ عن السؤال الصعب : (( مَنْ أَنا ؟ …
هاهنا ؟ أَأَنا ابنُ أُمي ؟ ))
لا تساوِرُني الشكوكُ ولا يحاصرني
الرعاةُ أو الملوكُ. وحاضري كغدي معي.
ومعي مُفَكِّرتي الصغيرةُ : كُلَّما حَكَّ
السحابةَ طائرٌ دَوَّنتُ : فَكَّ الحُلْمُ
أَجنحتي. أنا أَيضاً أطيرُ. فَكُلُّ
حيّ طائرٌ. وأَنا أَنا، لا شيءَ
آخَرَ /
واحدٌ من أَهل هذا السهل …
في عيد الشعير أَزورُ أطلالي
البهيَّة مثل وَشْم في الهُوِيَّةِ.
لا تبدِّدُها الرياحُ ولا تُؤبِّدُها … /
وفي عيد الكروم أَعُبُّ كأساً
من نبيذ الباعة المتجوِّلينَ … خفيفةٌ
روحي، وجسمي مُثْقَلٌ بالذكريات وبالمكان /
وفي الربيع، أكونُ خاطرةً لسائحةٍ
ستكتُبُ في بطاقات البريد : (( على
يسار المسرح المهجور سَوْسَنَةٌ وشَخْصٌ
غامضٌ. وعلى اليمين مدينةٌ عصريَّةٌ )) /
وأَنا أَنا، لا شيء آخَرَ …
لَسْتُ من أَتباع روما الساهرينَ
على دروب الملحِ. لكنِّي أسَدِّدُ نِسْبَةً
مئويَّةً من ملح خبزي مُرْغَماً، وأَقول
للتاريخ : زَيِّنْ شاحناتِكَ بالعبيد وبالملوك الصاغرينَ، ومُرَّ
… لا أَحَدٌ يقول
الآن : لا.
وأَنا أَنا، لا شيء آخر
واحدٌ من أَهل هذا الليل. أَحلُمُ
بالصعود على حصاني فَوْقَ، فَوْقَ …
لأَتبع اليُنْبُوعَ خلف التلِّ
فاصمُدْ يا حصاني. لم نَعُدْ في الريح مُخْتَلِفَيْنِ
…
أَنتَ فُتُوَّتي وأَنا خيالُكَ. فانتصِبْ
أَلِفاً، وصُكَّ البرقَ. حُكَّ بحافر
الشهوات أَوعيةَ الصَدَى. واصعَدْ،
تَجَدَّدْ، وانتصبْ أَلفاً، توتَّرْ يا
حصاني وانتصبْ ألفا ً، ولا تسقُطْ
عن السفح الأَخير كرايةٍ مهجورةٍ في
الأَبجديَّة. لم نَعُدْ في الريح مُخْتَلِفَيْنِ،
أَنت تَعِلَّتي وأَنا مجازُكَ خارج الركب
المُرَوَّضِ كالمصائرِ. فاندفِعْ واحفُرْ زماني
في مكاني يا حصاني. فالمكانُ هُوَ
الطريق، ولا طريقَ على الطريق سواكَ
تنتعلُ الرياحَ. أَُضئْ نُجوماً في السراب !
أَضئْ غيوماً في الغياب، وكُنْ أَخي
ودليلَ برقي يا حصاني. لا تَمُتْ
قبلي ولا بعدي عَلى السفح الأخير
ولا معي. حَدِّقْ إلى سيَّارة الإسعافِ
والموتى … لعلِّي لم أَزل حيّاً /
سأَحلُمُ، لا لأُصْلِحَ أَيَّ معنىً خارجي.
بل كي أُرمِّمَ داخلي المهجورَ من أَثر
الجفاف العاطفيِّ. حفظتُ قلبي كُلَّهُ
عن ظهر قلبٍ : لم يَعُدْ مُتَطفِّلاً
ومُدَلّلاً. تَكْفيهِ حَبَّةُ ” أَسبرين ” لكي
يلينَ ويستكينَ. كأنَّهُ جاري الغريبُ
ولستُ طَوْعَ هوائِهِ ونسائِهِ. فالقلب
يَصْدَأُ كالحديدِ، فلا يئنُّ ولا يَحِنُّ
ولا يُجَنُّ بأوَّل المطر الإباحيِّ الحنينِ،
ولا يرنُّ ّكعشب آبَ من الجفافِ.
كأنَّ قلبي زاهدٌ، أَو زائدٌ
عني كحرف ” الكاف ” في التشبيهِ
حين يجفُّ ماءُ القلب تزدادُ الجمالياتُ
تجريداً، وتدَّثرُ العواطف بالمعاطفِ،
والبكارةُ بالمهارة /
كُلَّما يَمَّمْتُ وجهي شَطْرَ أُولى
الأغنيات رأيتُ آثارَ القطاة على
الكلام. ولم أَكن ولداً سعيداً
كي أَقولَ : الأمس أَجملُ دائماً.
لكنَّ للذكرى يَدَيْنِ خفيفتين تُهَيِّجانِ
الأرضَ بالحُمَّى. وللذكرى روائحُ زهرةٍ
ليليَّةٍ تبكي وتُوقظُ في دَمِ المنفيِّ
حاجتَهُ إلى الإنشاد : (( كُوني
مُرْتَقى شَجَني أَجدْ زمني )) … ولستُ
بحاجةٍ إلاّ لِخَفْقَةِ نَوْرَسِ لأتابعَ
السُفُنَ القديمةَ. كم من الوقت
انقضى منذ اكتشفنا التوأمين : الوقتَ
والموتَ الطبيعيَّ المُرَادِفَ للحياة ؟
ولم نزل نحيا كأنَّ الموتَ يُخطئنا،
فنحن القادرين على التذكُّر قادرون
على التحرُّر، سائرون على خُطى
جلجامشَ الخضراءِ من زَمَنٍ إلى زَمَنٍ … /
هباءٌ كاملُ التكوينِ …
يكسرُني الغيابُ كجرَّةِ الماءِ الصغيرة.
نام أَنكيدو ولم ينهض. جناحي نام
مُلْتَفّاً بحَفْنَةِ ريشِهِ الطينيِّ. آلهتي
جمادُ الريح في أَرض الخيال. ذِراعِيَ
اليُمْنى عصا خشبيَّةٌ. والقَلْبُ مهجورٌ
كبئرٍ جفَّ فيها الماءُ، فاتَّسَعَ الصدى
الوحشيُّ : أنكيدو ! خيالي لم يَعُدْ
يكفي لأُكملَ رحلتي. لا بُدَّ لي من
قُوَّةٍ ليكون حُلْمي واقعيّاً. هاتِ
أَسْلِحتي أُلَمِّعْها بمِلح الدمعِ. هاتِ
الدمعَ، أنكيدو، ليبكي المَيْتُ فينا
الحيَّ. ما أنا ؟ مَنْ ينامُ الآن
أنكيدو ؟ أَنا أَم أَنت ؟ آلهتي
كقبض الريحِ. فانهَضْ بي بكامل
طيشك البشريِّ، واحلُمْ بالمساواةِ
القليلةِ بين آلهة السماء وبيننا. نحن
الذين نُعَمِّرُ الأرضَ الجميلةَ بين
دجلةَ والفراتِ ونحفَظُ الأسماءَ. كيف
مَلَلْتَني، يا صاحبي، وخَذَلْتَني، ما نفْعُ حكمتنا بدون
فُتُوّةٍ … ما نفعُ حكمتنا ؟ على باب المتاهِ خذلتني،
يا صاحبي، فقتلتَني، وعليَّ وحدي
أَن أرى، وحدي، مصائرنا. ووحدي
أَحملُ الدنيا على كتفيَّ ثوراً هائجاً.
وحدي أَفتِّشُ شاردَ الخطوات عن
أَبديتي. لا بُدَّ لي من حَلِّ هذا
اللُغْزِ، أنكيدو، سأحملُ عنكَ
عُمْرَكَ ما استطعتُ وما استطاعت
قُوَّتي وإرادتي أَن تحملاكَ. فمن
أَنا وحدي ؟ هَبَاءٌ كاملُ التكوينِ
من حولي. ولكني سأُسْنِدُ ظلَّّك
العاري على شجر النخيل. فأين ظلُّكَ ؟
أَين ظلُّك بعدما انكسرَتْ جُذُوعُك؟
قمَّةُ
الإنسان
هاويةٌ …
ظلمتُكَ حينما قاومتُ فيكَ الوَحْشَ،
بامرأةٍ سَقَتْكَ حليبَها، فأنِسْتَ …
واستسلمتَ للبشريِّ. أَنكيدو، ترفَّقْ
بي وعُدْ من حيث مُتَّ، لعلَّنا
نجدُ الجوابَ، فمن أَنا وحدي ؟
حياةُ الفرد ناقصةٌ، وينقُصُني
السؤالُ، فمن سأسألُ عن عبور
النهر ؟ فانهَضْ يا شقيقَ الملح
واحملني. وأَنتَ تنامُ هل تدري
بأنك نائمٌ ؟ فانهض.. كفى نوما ً!
تحرَّكْ قبل أَن يتكاثَرَ الحكماءُ حولي
كالثعالب : [ كُلُّ شيء باطلٌ، فاغنَمْ
حياتَكَ مثلما هِيَ برهةً حُبْلَى بسائلها،
دَمِ العُشْب المُقَطَّرِ. عِشْ ليومك لا
لحلمك. كلُّ شيء زائلٌ. فاحذَرْ
غداً وعشِ الحياةَ الآن في امرأةٍ
تحبُّكَ. عِشْ لجسمِكَ لا لِوَهْمِكَ.
وانتظرْ
ولداً سيحمل عنك رُوحَكَ
فالخلودُ هُوَ التَّنَاسُلُ في الوجود.
وكُلُّ شيءٍ باطلٌ أو زائل، أو
زائل أو باطلٌ ]
مَنْ أَنا ؟
أَنشيدُ الأناشيد
أم حِكْمَةُ الجامعةْ ؟
وكلانا أَنا …
وأَنا شَاعرٌ
ومَلِكْ
وحكيمٌ على حافّة البئرِ
لا غيمةٌ في يدي
ولا أَحَدَ عَشَرَ كوكباً
على معبدي
ضاق بي جَسَدي
ضاق بي أَبدي
وغدي
جالسٌ مثل تاج الغبار
على مقعدي
باطلٌ، باطلُ الأباطيل … باطلْ
كُلُّ شيء على البسيطة زائلْ
أَلرياحُ شماليَّةٌ
والرياحُ جنوبيَّةٌ
تُشْرِقُ الشمسُ من ذاتها
تَغْرُبُ الشمسُ في ذاتها
لا جديدَ، إذاً
والزَمَنْ
كان أَمسِ،
سُدىً في سُدَى.
ألهياكلُ عاليةٌ
والسنابلُ عاليةٌ
والسماءُ إذا انخفضت مَطَرتْ
والبلادُ إذا ارتفعت أَقفرت
كُلُّ شيء إذا زاد عن حَدِّهِ
صار يوماً إلى ضدِّهِ.
والحياةُ على الأرض ظلٌّ
لما لا نرى ….
باطلٌ، باطلُ الأباطيل … باطلْ
كلُّ شيء على البسيطة زائلْ
1400 مركبة
و12,000 فرس
تحمل اسمي المُذَهَّبَ من
زَمَنٍ نحو آخر …
عشتُ كما لم يَعِشْ شاعرٌ
مَلكاً وحكيماً …
هَرِمْتُ، سَئِمْتُ من المجدِ
لا شيءَ ينقصني
أَلهذا إذاً
كلما ازداد علمي
تعاظَمَ هَمِّي ؟
فما أُورشليمُ وما العَرْشُ ؟
لا شيءَ يبقى على حالِه
للولادة وَقْتٌ
وللموت وقتٌ
وللصمت وَقْتٌ
وللنُّطق وقْتٌ
وللحرب وقْتٌ
وللصُّلحِ وقْتٌ
وللوقتِ وقْتٌ
ولا شيءَ يبقى على حالِهِ …
كُلُّ نَهْرٍ سيشربُهُ البحرُ
والبحرُ ليس بملآنَ،
لاشيءَ يبقى على حالِهِ
كُلُّ حيّ يسيرُ إلى الموت
والموتُ ليس بملآنَ،
لا شيءَ يبقى سوى اسمي المُذَهَّبِ
بعدي :
(( سُلَيمانُ كانَ )) …
فماذا سيفعل موتى بأسمائهم
هل يُضيءُ الذَّهَبْ
ظلمتي الشاسعةْ
أَم نشيدُ الأناشيد
والجامعةْ ؟
باطلٌ، باطلُ الأباطيل … باطلْ
كُلُّ شيء على البسيطة زائلْ /…
مثلما سار المسيحُ على البُحَيْرَةِ،
سرتُ في رؤيايَ. لكنِّي نزلتُ عن
الصليب لأَنني أَخشى العُلُوَّ،ولا
أُبَشِّرُ بالقيامةِ. لم أُغيِّرْ غَيْرَ
إيقاعي لأَسمَعَ صوتَ قلبي واضحاً.
للملحميِّين النُّسُورُ ولي أَنا : طوقُ
الحمامةِ، نجمةٌ مهجورةٌ فوق السطوح،
وشارعٌ مُتَعرِّجُ يُفْضي إلى ميناءِ
عكا – ليس أكثرَ أَو أَقلَّ –
أُريد أَن أُلقي تحيَّاتِ الصباح عليَّ
حيث تركتُني ولداً سعيدا [ لم
أَكُنْ ولداً سَعيدَ الحظِّ يومئذٍ،
ولكنَّ المسافةَ، مثلَ حدَّادينَ ممتازينَ،
تصنَعُ من حديدٍ تافهٍ قمراً]– أَتعرفني ؟
سألتُ الظلَّ قرب السورِ،
فانتبهتْ فتاةُ ترتدي ناراً،
وقالت : هل تُكَلِّمني ؟
فقلتُ : أُكَلِّمُ الشَبَحَ القرينَ
فتمتمتْ : مجنونُ ليلى آخرٌ يتفقَُّّد
الأطلالَ،
وانصرفتْ إلى حانوتها في آخر السُوق
القديمةِ…
ههنا كُنَّا. وكانت نَخْلَتانِ تحمِّلان
البحرَ بعضَ رسائلِ الشعراءِ …
لم نكبر كثيراً يا أَنا. فالمنظرُ
البحريُّ، والسُّورُ المُدَافِعُ عن خسارتنا،
ورائحةُ البَخُور تقول : ما زلنا هنا،
حتى لو انفصَلَ الزمانُ عن المكانِ.
لعلَّنا لم نفترق أَبداً
– أَتعرفني ؟
بكى الوَلَدُ الذي ضيَّعتُهُ :
(( لم نفترق. لكننا لن نلتقي أَبداً )) …
وأَغْلَقَ موجتين صغيرتين على ذراعيه،
وحلَّّق عالياً …
فسألتُ : مَنْ منَّا المُهَاجِرُ ؟ /
قلتُ للسّجَّان عند الشاطئ الغربيّ :
– هل أَنت ابنُ سجّاني القديمِ ؟
– نعم !
– فأين أَبوك ؟
قال : أَبي توفِّيَ من سنين.
أُصيبَ بالإحباط من سَأَم الحراسة.
ثم أَوْرَثَني مُهمَّتَهُ ومهنته، وأوصاني
بان أَحمي المدينةَ من نشيدكَ …
قُلْتُ : مُنْذُ متى تراقبني وتسجن
فيَّ نفسَكَ ؟
قال : منذ كتبتَ أُولى أُغنياتك
قلت : لم تَكُ قد وُلِدْتَ
فقال : لي زَمَنٌ ولي أَزليَّةٌ،
وأُريد أن أَحيا على إيقاعِ أمريكا
وحائطِ أُورشليمَ
فقلتُ : كُنْ مَنْ أَنتَ. لكني ذهبتُ.
ومَنْ تراه الآن ليس أنا، أنا شَبَحي
فقال : كفى ! أَلسْتَ اسمَ الصدى
الحجريِّ ؟ لم تذهَبْ ولم تَرْجِعْ إذاً.
ما زلتَ داخلَ هذه الزنزانة الصفراءِ.
فاتركني وشأني !
قلتُ : هل ما زلتُ موجودا ً
هنا ؟ أَأَنا طليقٌ أَو سجينٌ دون
أن أدري. وهذا البحرُ خلف السور بحري ؟
قال لي : أَنتَ السجينُ، سجينُ
نفسِكَ والحنينِ. ومَنْ تراهُ الآن
ليس أَنا. أَنا شَبَحي
فقلتُ مُحَدِّثاً نفسي : أَنا حيٌّ
وقلتُ : إذا التقى شَبَحانِ
في الصحراء، هل يتقاسمانِ الرملَ،
أَم يتنافسان على احتكار الليل ؟ /
المقطع قبل الأخير
كانت ساعَةُ الميناءِ تعمَلُ وحدها
لم يكترثْ أَحَدٌ بليل الوقت، صَيَّادو
ثمار البحر يرمون الشباك ويجدلون
الموجَ. والعُشَّاقُ في الـ” ديسكو ”.
وكان الحالمون يُرَبِّتُون القُبَّراتِ النائماتِ
ويحلمون …
وقلتُ : إن متُّ انتبهتُ …
لديَّ ما يكفي من الماضي
وينقُصُني غَدٌ …
سأسيرُ في الدرب القديم على
خُطَايَ، على هواءِ البحر. لا
امرأةٌ تراني تحت شرفتها. ولم
أملكْ من الذكرى سوى ما ينفَعُ
السَّفَرَ الطويلَ. وكان في الأيام
ما يكفي من الغد. كُنْتُ أصْغَرَ
من فراشاتي ومن غَمَّازتينِ :
خُذي النُّعَاسَ وخبِّئيني في
الرواية والمساء العاطفيّ /
وَخبِّئيني تحت إحدى النخلتين /
وعلِّميني الشِعْرَ / قد أَتعلَّمُ
التجوال في أنحاء ” هومير ” / قد
أُضيفُ إلى الحكاية وَصْفَ
عكا / أقدمِ المدنِ الجميلةِ،
أَجملِ المدن القديمةِ / علبَةٌ
حَجَريَّةٌ يتحرَّكُ الأحياءُ والأمواتُ
في صلصالها كخليَّة النحل السجين
ويُضْرِبُونَ عن الزهور ويسألون
البحر عن باب الطوارئ كُلَّما
اشتدَّ الحصارُ / وعلِّميني الشِعْرَ /
قد تحتاجُ بنتٌ ما إلى أُغنية
لبعيدها : (( خُذْني ولو قَسْراً
إليكَ، وضَعْ منامي في
يَدَيْكَ )). ويذهبان إلى الصدى
مُتَعانِقَيْنِ / كأنَّني زوَّجتُ ظبياً
شارداً لغزالةٍ / وفتحتُ أبوابَ
الكنيسةِ للحمام … / وعَلِّميني
الشِعْرَ / مَنْ غزلتْ قميصَ
الصوف وانتظرتْ أمام الباب
أَوْلَى بالحديث عن المدى، وبخَيْبَةِ
الأَمَلِ : المُحاربُ لم يَعُدْ، أو
لن يعود، فلستَ أَنتَ مَن
انتظرتُ … /
ومثلما سار المسيحُ على البحيرة …
سرتُ في رؤيايَ. لكنِّي نزلتُ عن
الصليب لأنني أَخشى العُلُوَّ ولا
أُبشِّرُ بالقيامة. لم أُغيِّر غيرَ إيقاعي
لأَسمع صوتَ قلبي واضحاً …
للملحميِّين النُسُورُ ولي أَنا طَوْقُ
الحمامة، نَجْمَةٌ مهجورةٌ فوق السطوح،
وشارعٌ يُفضي إلى الميناء … /
هذا البحرُ لي
هذا الهواءُ الرَّطْبُ لي
هذا الرصيفُ وما عَلَيْهِ
من خُطَايَ وسائلي المنويِّ … لي
ومحطَّةُ الباصِ القديمةُ لي. ولي
شَبَحي وصاحبُهُ. وآنيةُ النحاس
وآيةُ الكرسيّ، والمفتاحُ لي
والبابُ والحُرَّاسُ والأجراسُ لي
لِيَ حَذْوَةُ الفَرَسِ التي
طارت عن الأسوار … لي
ما كان لي. وقصاصَةُ الوَرَقِ التي
انتُزِعَتْ من الإنجيل لي
والملْحُ من أَثر الدموع على
جدار البيت لي …
واسمي، إن أخطأتُ لَفْظَ اسمي
بخمسة أَحْرُفٍ أُفُقيّةِ التكوين لي :
ميمُ / المُتَيَّمُ والمُيتَّمُ والمتمِّمُ ما مضى
حاءُ / الحديقةُ والحبيبةُ، حيرتانِ وحسرتان
ميمُ / المُغَامِرُ والمُعَدُّ المُسْتَعدُّ لموته
الموعود منفيّاً، مريضَ المُشْتَهَى
واو / الوداعُ، الوردةُ الوسطى،
ولاءٌ للولادة أَينما وُجدَتْ، وَوَعْدُ الوالدين
دال / الدليلُ، الدربُ، دمعةُ
دارةٍ دَرَسَتْ، ودوريّ يُدَلِّلُني ويُدْميني /
وهذا الاسمُ لي …
ولأصدقائي، أينما كانوا، ولي
جَسَدي المُؤَقَّتُ، حاضراً أم غائباً …
مِتْرانِ من هذا التراب سيكفيان الآن …
لي مِتْرٌ و75 سنتمتراً …
والباقي لِزَهْرٍ فَوْضَويّ اللونِ،
يشربني على مَهَلٍ، ولي
ما كان لي : أَمسي، وما سيكون لي
غَدِيَ البعيدُ، وعودة الروح الشريد
كأنَّ شيئا ً لم يَكُنْ
وكأنَّ شيئاً لم يكن
جرحٌ طفيف في ذراع الحاضر العَبَثيِّ …
والتاريخُ يسخر من ضحاياهُ
ومن أَبطالِهِ …
يُلْقي عليهمْ نظرةً ويمرُّ …
هذا البحرُ لي
هذا الهواءُ الرَّطْبُ لي
واسمي –
وإن أخطأتُ لفظ اسمي على التابوت –
لي.
أَما أَنا – وقد امتلأتُ
بكُلِّ أَسباب الرحيل –
فلستُ لي.
أَنا لَستُ لي
أَنا لَستُ لي …
ــــــــــــــــــــ
* كتب محمود درويش ديوان جدارية بعد صراع مع الموت، تمثل في عملية قلب مفتوح، كاد خلالها أن يغادر، لكنه عاد ليروي لنا ما الذي حدث في الممر اللولبي.
مختارات أخرى مميزة:
ملف خاص: لذكرى بسام حجار (في كلِّ قصيدةٍ قبر)
مَعرَضُ الفَنِّ التَّشكِيليِّ
- إلى ” روبيرتو بلات “
المكانُ واسع، أعلى الجدار نوافذ زجاجية، تبدو السماءُ زرقاء ثاتبة، سحابة بيضاءَ كثيفة تعبرُ وحدها الأزرق، تمرُّ ببطءٍ شديدٍ تتخطاه وتتركُ زجاج النافذة .
المكانُ خالٍ من الكتب، لا توجدُ كلمةٌ مكتوبةٌ في جرائد، لا مفردات، وكلّ شئٍ في موضعه.
تتوسطُ المكانَ منضدتان إحداهما أكثرُ انخفاضاً من الأخرى، تُغطيهما أنابيبُ تلوين فارغة، ملتوية، مُعظمها مقسومٌ من المنتصف ومحفورٌ بحدِّ سكين. (المزيد…)رِسَالَةُ عَقلْ عَوِِيطْ إلَى الله
يا ألله ،
انظرني عيناً بعينٍ ولا تُشحْ وَجهَكَ عَنِّي. أنا عَينُ هَابيلَ الرَّائيةَ بَعدَمَا قَتَلَنِي شَقِيقِي قايين.
لا تحدّياً أخاطبكَ إنما يأساً.
(المزيد…)
قبرٌ من أجل نيويورك – أدونيس
-1-
حتى الآن، تُرسم الأرض إجَّاصةً
أعني ثدياً
لكن، ليس بين الثدي والشاهدة إلا حِيلةٌ هندسية:
نيويورك،
حضارةٌ بأربعِ أرجل؛ كلّ جهةٍ قتلٌ وطريق إلى القتل،
وفي المسافاتِ أنين الغرقى.
نيويورك،
امرأةٌ- تمثال امرأةٍ
في يدٍ ترفع خِرقةً يسميها الحريةَ ورقٌ نسمّيه التاريخ
وفي يدٍ تخنق طفلةً اسمها الأرض
نيويورك،
جسدٌ بلونِ الإِسفلت. حول خاصرتها زنّارٌ رطب، وجهها
شبّاك مغلق…قلت: يفتحه و ولت ويتمان –” أقول كلمة
السر الأصلية”- لكن لم يسمعها غير إله لم يعد في مكانه.
السجناء، العبيد، البائسون، اللصوص، المرضى يتدفقون
من حنجرته، ولا فتحة، لا طريق. وقلت جسر بروكلين!
لكنه الجسر الذي يصل بين ويتمان ووول ستريت، بين
الورقة- العشب والورقة- الدولار…نيويورك –هارلم،
من الآتي في مقصلةِ حريرٍ، من الذاهب في قبرٍ بطولِ
الهدسون؟ انفجرْ يا طقس الدمع، تلاحمي يا أشياء التعب.
زرقةٌ، صفرةٌ، وردٌ، ياسمينٌ و الضوء يسنّ دبابيسه، وفي
الوخز تولدُ الشمس. هل اشتعلتَ أيها الجرح المختبئ بين
الفخذ والفخذ؟ هل جاءك طائر الموت وسمعت آخر
الحشرجه؟ حبلٌ، والعنق يجدل الكآبة وفي الدوم سويداء
الساعة…
نيويورك- ماديسون- بارك افينيو- هارلم،
كسلٌ يشبهُ العملِ، عملٌ يشبه الكسلِ. القلوب محشوةٌ
إسفنْجاً والأيدي منفوخةٌ قصباً. ومن أكداسِ القذارة وأقنعة
الامبايرستيت، يعلو التاريخ روائح تتدلّى صفائح صفائح:
ليس البصر أعمى بل الرأس،
ليس الكلام أجردَ بل اللسان.
نيويورك –وول ستريت- الشارع 125- الشارع الخامس
شبحٌ ميدوزيٌّ يرتفع بين الكتف والكتف. سوق العبيد من
كل جنس. بشرٌ يحيون كالنبات في الحدائق الزجاجية.
بائسون غير منظورين يتغلغلون كالغبار في نسيجِ الفضاء-
ضحايا لولبية،
الشمسُ مأتمٌ
والنهارُ طبلٌ أسود.-2-
هنا،
في الجهةِ الطحلبيّة من صخرة العالم، لا يراني إلا زنجيّ
يكاد أن يُقتل أو عصفورٌ يكاد أن يموت، فكّرت:
نبتةٌ تسكن في أصيصٍ أحمر كانت تتحول وأنا أبتعدُ عن
العبتة، وقرأتُ:
عن فئرانٍ في بيروت وغيرها ترفل في حرير بيت أبيض، تتسلح
بالورقِ وتفرض البشر،
عن بقايا خنازير في بستان الأبجدية تدوس الشعر،
ورأيت:
أينما كنت-
بتسبورغ( أنتيرناشينال بوتيري فورم)
جون هوبكنز(واشنطن)، هارفارد
(كامبردج، بوسطن)، آن آربر( ميشيغن،
ديترويت)، نادي الصحافة الأجنبية،
النادي العربي في مقز الأمم المتحدة
(نيويورك)، برنستون، تمبل
(فيلادلفيا)،
رأيتُ
الخريطةَ العربية فرساً تجرجر خطواتها والزمن يتهدّل كالخْرج
نحو القبر أو نحو الظل الأكثر عتمة، نحو النار المنطفئة أو ن
نحو نار تنطفئ؛ تكتشف كيماء البعد الآخر في كركوك
الظهران وما تبقى من هذه القلاع في أفراسيا العربية. وهاهو
العالم ينضج بين يدينا.هَهْ! نهّيئ الحرب الثالثة، ونقيم
المكاتب الأولى والثانية والثالثة والرابعة لنـتأكد:1- في تلك الناحية حفلة جاز،
2- في هذا البيت شخصٌ لا يملك غير الحبر،
3- في هذه الشجرة عصفور يغني.
ولنعلن:1- الفضاء يقاس بالقفص أو بالجدار،
2- الزمن يُقاس بالحبل أو بالسوط،
3- النظام يبني العالم وهو الذي يبدأ بقتل الأخ،
4- القمر والشمس درهمان تحت كرسي السلطان،
و رأيتُ
أسماء عربية في سعة الأرض أكثر حنوّاً من العين، تُضيء
لكن كما يضيء كوكبٌ مشرد” لا أسلاف له وفي خطواته
جذوره…”هنا،
في الجهة الطحلبية من صخرة العالم أعرف، أعترف. أّكر
نبتةً أسميها الحياة أو بلاديَ، الموتَ أو بلاديَ- ريحاً تجمد
كالملاءة وجهاً يقتل اللعب، عينا تطرد الضوء، وأبتكر
ضدّك يا بلادي،
أهبط في جحيمكِ وأصرخ:
أقطّر لكِ إكسيراً سامّاً وأحييكِ،
وأعترف: نيويورك، لكِ في بلادي الرّواق والسرير، الكرسي
والرأس. وكل شيء للبيع: النهار و الليل، حجر مكّة وماء
دجلة. وأعلن: مع ذلك تلهثين- تسابقين في فلسطين، وفي
هانوي، في الشمال والجنوب، الشرق والغرب، أشخاصاً لا
تاريخ لهم غير النار،
أقول: منذ يوحنا المعمدان، يحمل كلٌّ منا رأسه المقطوعَ
في صحنٍ وينتظر الولادة الثانية.-3-
تفتّتي يا تماثيلَ الحرية، أيتها المسامير المغروسة في الصدور
بحكمةٍ تقلّد حكمة الورد. الريح تهبّ ثانية من الشرق،
تقتلع الخيام وناطحات السحاب، وثمة جناحان يكتبان:
أبجديةٌ ثانية تطلعُ في تضاريس
الغرب،
والشمس ابنةُ شجرةٍ في بستان القدس.
هكذا أضرم لهبي. أبدأ من جديدٍ، أشكّل وأحدّد:نيويورك،
امرأةٌ من القشّ والسرير يتأرحجُ بين الفراغ والفراغ، وهاهو
السقف يهترئ: كل كلمةٍ إشارةُ سقوطٍ، كل حركةٍ رفشٌ أو
فأس. وفي اليمين واليسار أجسادٌ تحب أن تغير الحبَّ النظرَ
السمع الشمّ اللمس والتغّير- تفتح الزمن كبّوابةٍ تكسرها
وترتجلُ الساعات الباقية.الجنسَ الشعرَ الأخلاقَ العطشَ القولَ الصّمت وتنفي
الأقفال. قلت: أغري بيروت،
-” إبحث عن الفعل. ماتت الكلمة”، يقول آخرون.
الكلمة ماتت لأن ألسنتكم تركت عادة الكلام إلى عادة
الموْمأة.
الكلمة؟ تريدون أن تكشفوا نارها؟ إذن، اكتبوا. أقول
اكتبوا، ولا أٌول مَوْمِئوا، ولا أٌول انسخوا. اكتبوا – من
المحيط إلى الخليج لا أٍمع لساناً، ولا أقرأ كلمة. أٍمع
تصويتاً. لذلك لا ألمح من يلقي ناراً.
الكلمة أخفّ شيءٍ وتحمل كل شيء. الفعل جهةٌ ولحظةٌ،
والكلمة الجهات كلها الوقتُ كله. الكلمة – اليد، اليد-
الحلم
أكتشفكِ أيتها النار يا عاصمتي،
أكتشفكِ أيها الشعر،
وأغري بيروت. تلبسني وألبسها. نشرد كالشعاع ونسأل: من
يقرأ، من يرى؟ الفانتوم لدايان والنفط يجري إلى مستقّره.
صدق الله، ولم يخطئ ماو:” السلاحُ عامِلٌ مهمٌ جداً في
الحرب، لكنه غير حاسم. الإنسانُ، لا السلاح، هو العامل
الحاسم”، وليس هناك نصرٌ نهائيّ ولا هزيمة نهائية.ردّدتُ هذه الأمثال والحكم، كما يفعل العربي، في وول
ستريت، حيث تصبّ أنهارُ الذهب من كل لونٍ آتيةً من
الينابيع. ورأيت بينها الأنهار العربية تحمل ملايين الأشلاء
ضحايا وتقْماتٍ إلى الوثن السيد. وبين الضحية والضحية
يقهقه البحارة فيما يتدحرجون من كريزلر بيلدنغ، ليعودوا إلى
الينابيع.
هكذا أضرم لهبي،
نسكن في الصخب الأسود لتمتلئ رئاتنا بهواء التاريخ،
نطلع في العيون السوداء المسّيجة كالمقابر لنغلب الكسوف،
نسافر في الرأس الأسود لنواكب الشمس الآتية.-4-
نيويورك، أيتها المرأة الجالسة في قوس الريح،
شكلاً أبعدَ من الذرَّة،
نقطةً تهرول في فضاء الأرقام،
فخذاً في السماء وفخذاً في الماء،
قولي أين نجمُكِ ؟ المعركة آتيةٌ بين العش والأدمغة
الألكترونية. العمر كله معلّق على جدارٍ، وها هو النزيف في
الأعلى رأسٌ يجمع بين القطب والقطب، في الوسط آسيا
وفي الأسفل قدمان لجسد غير منظور. أعرفك أيتها الجثّة
السابحة في مِنسك الخشخاش، أعرفكِ يا لعبة الثدي
والثّدي. أنظر إليكِ وأحلم بالثلج، أنظر إليكِ وأنتظر
الخريف.
ثلجكِ يحمل الليل، ليلك يحمل الناس خفافيش تموت. كلّ
جدارٍ فيك مقبرة. كل نهارٍ حفارٌ أسود
يحمل رغيفاً أسود صَحْناً أسود
ويخطط بهما تاريخ البيت الأبيض:أ-
ثمة كلابٌ تترابط كالقيد. ثمة قططٌ تلد خوذاً وسلاسل. وفي
الأزّقة المتسللةِ على ظهور الجذران، يتناسل الحرس الأبيض كالفطر.ب-
امرأةٌ تتقدم وراء كلبها المسرج كالحصان. للكلب خطوات
الملك، وحوله تزحف المدينة جيشاً من الدمع. وحيث
يتكدس الأطفال والشيوخ الذين يغطيهم الجلد الأسود، تنمو
براءة الرصاص كالزرع، يضرب الهلعُ صدر المدينة.ج-
هارلم- بدفورد ستويفنت: رملٌ من البشر يتكاثف بروجاً
بروجاً. وجوه تنسج الأزمنة. النفايات ولائم الأطفال،
الأطفال ولائم للجرذان… في العيد الدائم لثالوثٍ آخر:
الجابي، الشرطي، القاضي- سلطة الفتك، سيف الإبادة.د-
هارلم( الأٍسود يكره اليهودي)
هارلم( الأسود لا يحب العربي حين يذكر تجارة الرقيق)،
هارلم – برودواي( البشر يدخلون رخوياتٍ في أنابيق
الكحول والمخدرات).برودواي –هارلم، مهرجان سلاسل وعصيّ، والشرطة
جرثومة الزمن. طلقةٌ واحدة، عشر حمامات. العيون
صناديق تتمّوج بثلج أحمر، والزمن عكاز يعرج. إلى التعب
أيها الزنجيّ الشيخ، الزنجي الطفل. إلى التعب أيضًا
وأيضًا.هارلم،
لستُ آتياً من الخارج: أعرف حقدك، أعرف خبزه الطّيب
ليس للمجاعة غير الرعد المفاجئ، ليس للسجون غير
صاعقة العنف. ألمح نارك تتقدم تحت الإسفلت في خراطيمَ
وأقنعة، في أكداسٍ من النفايات يحضنها عرش الهواء
البارد، في خطوات منبوذةٍ تَنْتَعِل تاريخ الريح.هارلم،
الزمن يُـحتضَر وأنتَ الساعة:
أسمع دموعاً تهدر كالبراكين،
ألمح أشداقاً تأكل البشر كما يأكل الخبز
أنتَ الممحاة لتمحو وجه نيويورك،
أنت العاصفُ لتأخذها كالورقة وترميها.نيويورك= I.B.M+ subway آتياً من الوحل والجريمة
ذاهباً إلى الوحل والجريمة.
نيويورك= ثقباً في الغلاف الأراضي ينبجس منه الجنون
أنهاراً أنهاراً.
هارلم، نيويورك تُحتضر وأنت الساعة.-5-
بين هارلم ولنكولن سنـتر،
أتقدم رقماً تائهاً في صحراء تغطيها أسنان فجرٍ أسود. لم يكن
ثلج، لم تكن ريح. كنت كمن يتبع شبحاً ( ليس الوجه وجهاً
بل جرح أو دمع، ليست القامة قامة بل وردة يابسة)،
شبحاً- ( هل هو امرأة؟ رحلٌ؟ هل هو امرأة – رجل؟) يحمل
في صدره أقواساً ويكمن للفضاء. مرّت غزالة ناداها
الأرض. ظهر عصفور ناداه القمر. وعرفت أنه يركض ليشهد
بعث الهندي الأحمر… في فلسطين و أخواتها،
والفضاء شريط رصاص،
والأرض شاشة قتلى.
وشعرت أنني ذرةٌ تتموج في كتلةٍ تتموج نحو الأفق الأفق
الأفق. وهبطت أوديةً تتطاول وتتوازى، وخطر لي أن أِك
في استدارة الأرض…
وفي البيت كانت يارا،
يارا طرف أرضٍ ونينارُ طرفٌ آخر.
وضعتُ نيويورك بين قوسين وسرت في مدينة موازية. قدماي
تمتلئان بالشوارع، والسماء بحيرةٌ تسبح فيها أسماك العين
والظنِّ وحيوانات الغيم. وكان الهدسون يرفرف غراباً يلبسُ
جسد البلبل.وتقدّم نحوي الفجر طفلاً يتأوه ويشير إلى
جراحه. وناديت الليل فلم يجب. حمل سريره واستسلم
للرصيف. ثم رأيته يتغطى بريحٍ لم أجد أرقّ منها غير
الجدران والأعمدة… صرخة، صرختان، ثلاث…
وأجفلت نيويورك كضفدعٍ نصف جامد يقفز في حوض بلا
ماءلنكولن،
تلك هي نيويورك: تتكئ على عكاز الشيخوخة وتتنزه في
حدائق الذاكرة، والأشياء كلها تميل إلى الزهر المصنوع.
وفيما أنظر إليكَ. بين المرمر في واشنطن، و أرَى من يشبهك
في هارلم، أفكر: متى حين ثورتك الآتية؟ ويعلو صوتي:
حرِّروا لنكولن من بياض المرمر، من نيكسون، وكلاب
الحراسة والصيد. اتركوا له أن يقرأ بعينٍ جديدة صاحب
الزنج علي ابن محمد، وأن يقرأ الأفق الذي قرأه ماركس
ولينين وماوتسي تونغ.
والنِّفَّري، ذلك المجنون السماويّ الذي أَنْحلَ الأرض
وسمح لها أن تسكن بين الكلمة والإشارة. وأن يقرأ ما كان
يوّد أن يقرأه هوشي منه، عروةَ ابن الورد: ” أقسّم جسمي في
جسومٍ كثيرةٍ…”، ولم يعرف عروة بغداد، وربما رفض أن
يزور دمشق. بقي حيث الصحراء كتفٌ ثانية تشاركه حمل
الموت. وترك لمن يحب المستقبل جزاءاً من الشمس منقوعاً
في دم غزالةٍ كان يناديها: حبـيـبـتي! واتفـق
مع الأفق ليكون بيته الأخير.لنكولن،
تلك هي نيويورك: مرآة لا تعكس إلا واشنطن. وهـذه
واشنطن: مرآةٌ تعكس وجهين- نيكوس وبكاءَ العالم.
ادخلْ في رقصة البكاء، انهضْ لا يزال ثمة مكان، لا يزال
دور… أعشق رقصة البكاء الذي يتحول إلى حمامةٍ تتحول
إلى طوفان. ” الأرض للطوفان محتاجةٌ…”
قلت البكاء وعنيت الغضب. عنيت كذلك الأسئلة: كيف
أُقنع المعرّةَ بأبي العلاء؟ سهولَ الفرات بالفرات؟ كيف أبدلُ
الخوذة بالسنبلة؟( لا بدّ من الجرأة لطرح أسئلة أخرى على
النبي والمصحف)، أقول وألمح غيمةً تتقلد النار؛ أقول
وألمح بشراً يسيلون كالدمع-6-
نيويورك،
أحصركِ بين الكلمة والكلمة، أقبضُ عليكِ، أدحرجكِ
أكتبكِ و أمحوكِ. حارّة باردة، بين بين. مستيقظة، نائمة،
بين بين. أجلس فوقكِ وأنتهد. أتقدّمك وأعلِّمك السير
ورائي. سحقتكِ بعينيَّ، أنتِ المسحوقة بالرعب. حاولت
أن آمر شوراعكِ: أستلقي بين فخذيَّ لأمنحكِ مدى آخره؛
و أشياءكِ: أغتسلي لأعطيكِ أسماء جديدة.
كنت لا أجد فرقاً بين جسدٍ برأٍ يحمل أغصاناً نسميه
شجرة، وجسد برأسٍ يحمل خيوطاً رفيعة نسميه إنساناً.
واختطلت عليَّ الحجرة والسيارة، وبدا الحذاء في
الواجهات خوذةَ شرطي والرغيفُ صحيفة توتياء.
مع ذلك، ليست نيويورك لغواً بل كلمة. لكن حين أكتب:
دمشق، لا أكتب بل أقلّد لغواً. دال ميم شين قاف…
لا تزال صوتاً، أعني شيئاً من الريح. خرجت مرةً من الحبر
ولم تعدْ. الزمن واقف حارساً على العتبة يسأل: متى تعود،
متى تدخل؟ كذلك بيروت القاهرة بغداد لغوٌ شاملٌ كهباء
الشمس…
شمس، شمسان، ثلاث، مئة…
(استيقظ فلانَّ وفي عينه اطمئنانٌ يمتزج بالقلق. يترك
زوجاته وأبناءه ويخرج حاملاً بندقيته.شمس، شمسان،
ثلاث، مئة…هاهو كالخيط مهزوماً ينزوي تحت نفسه.
يجلس في المقهى. المقهى يمتلئ بحجارةٍ ودُمىً نسميها
رجالاً، بضفادعَ تتقيأ الكلام وتوسخ المقاعد. كيف يستطيع
فلانٌ أن يثور وعقله مليءٌ بدمه، ودمه مليءٌ بالسلاسل؟)
اسألك، أنت من تقول لي:
أجهل العلم وأتخصّص بكيمياء العرب.-7-
السيدة برونيج، يونانية في نيويورك. بيتها صفحة من كتاب
المتوسط- الشرق. ميرين، نعمة الله، ايف بونّفوا… وأنـا
كمن يضيع ويقول أشياء لا تقال. كانت القاهرة تتناثر بيننا
ورداً يجهل الأزمنة، وكانت الإسكندرية تختلط بصوت
كفافي وسيفيريس.” هذه أيقونة بيزنطية…”، قالت
والزمن يلتصق على شفتيها عطراً أحمر. كان الوقت يحدودب
والثلج يتكئ، (منتصف ليلة 6 نيسان 1971).
ونهضت في الصباح صارخاًقبيل ساعة العودة: نيويورك !
تمزجين الأطفال بالثلج وتصنعين كعكة العصر. صوتك إكسيدٌ
سمٌّ مما بعد الكيمياء، واسمكِ الأرقُ والاختناق. سنـترال بارك
تولم لضحاياها، وتحت الشجر أشباح جثث وخناجر. ليس للريح
غير الأغصان العارية، ليس للمسافر إلا طريق مسدود.
ونهضت في الصباح صارخاً: نيكسون، كم طفلاً قتلت اليوم؟
– ” لا أهمية لهذه المسألة!” (كالي)
– “صحيح أن هذه مشكلة. لكن ليس صحيحاً كذلك أن هذا
ينقص عدد العدو ؟”(جنرال أميركي).
كيف أعطي لقلب نيويورك حجماً آخر؟ هل القلب كذلك
يوسّع حدوده؟
نيويورك- جنرال موتورز الموت،
” سّنبدل الرجال بالنار!” (مكنمارا )- يجفّفون البحر الذي يسبح
فيه الثوار، و “حيث يجعلون من الأرض صحراء، يسمون ذلك
سلاماً!” ( تاسيت)”.
ونهضت قبل الصباح، وأيقظت ويتمان.-8-
و ولت ويتمان،
ألمح رسائل إليك تتطاير في شوراع منهاتن. كل رسالةٍ عربةٌ ملأى
بالقطط والكلاب. للقطط والكلاب القرن الواحد والعشرون،
وللبشر الإبادة:
هذا هو العصر الأميركي!
ويتمان،
لم أرك في منهاتن ورأيتُ كل شيء. القمر قشرةٌ تُقذف من
النوافذ والشمس برتقالة كهربائية. وحين قفز من هارلم طريق
أسود في استدارة قمرٍ يتوكأ على أهدابه، كان وراء الطريق شيء
يتبعثر على مدى الإسفلت، ويغور كالزرع بعد أن يصل إلى
غرينتش فيليج، ذلك الحي اللاتيني الآخر، أعني الكلمة التي
تصل إليها بعد أن تأخذ كلمة حُبّ وتضع نقطة تحت الحاء. ( أذكر
أنني كتبت ذلك في معظم فايسروي بلندت، ولم يكن معي غير
الحبر. وكان الليل ينمو كزغب العصافير)ويتمان،
” الساعة تعلن الوقت” ( نيويورك – المرأة قمامة، والقمامة زمنٌ
يتجه إلى الرماد).
” الساعة تعلن الوقت” ( نيويورك – النظام بافلوف، والناس كلاب
التجارب… حيث الحرب الحرب الحرب!).” الساعة تعلن
الوقت” ( الرسالة آتية من الشرق. طفل كتبها بشريانه. اقرأها:
الدمية لم تعد حمامة. الدمية مدفع، رشاش، بندقية… جثثٌ في
طرقات من الضوء تصل بين هانوي والقدس، بين القدس
والنيل).ويتمان،
” الساعة تعلن الوقت” أنا
” أرى ما لم تره و أعرف ما لم تعرفه”،
أتحرك في مساحة شاسعة من علبٍ تتجاوز
كسراطين صفراء في محيطٍ من ملايين
الجزر – الأشخاص؛ كل واحدة عمود
بيدين وقدمين ورأس مكسور. وأنتَ
” أيها المجرم، المنفيّ، المهاجر”
لم تعد إلا قبّعة تلبسها عصافير لا تعرفها سما أميركا!
ويتمان، ليكن دورنُا الأن. أصنع من نظراتي سّلماً. أنسج خطواتي
وسادةً، وسوف ننتظر. الإنسان يموت، لكنه أبقى من القبر.
ليكن دورنا، الآن. أنتظر أن يجري الفولغا بين منهاتن وكوينز؛
أنتظر أن يصبَّ هوانغ هو حيث يصب الهدسون. تستغرب؟ ألم
يكن العاصي يصبّ في التيبر؟ ليكن دورنا الآن. أسمع رجّةً
وقصفاً. وول ستريت وهارلم يلتقيا- يلتقي الورق والوعد
الغبار والعصف. ليكن دورنا، الآن. المحار يبني أعشاشه في
موج التاريخ. الشجرة تعرف اسمها. وثمة ثقوب في جلد
العالم، شمسٌ تغيّر القناعة والنهاية وتنتحب في عينٍ سوداء.
ليكن دورنا، الآن نقدر أن ندور أسرع من الدولاب، أن نحطِّم
الذرة ونسبح في دماغ إلكتروني باهت أو متلألئ، فارغ أو مليء،
وأن نتخذ من العصفور وطناً. ليكن دورنا، الآن. ثمة كتاب أحمر
صغير يصعد. لا خشبة الجنون الحكيم، والمطر الذي يصحو لكي
يرث الشمس. ليكن دورنا، الآن. نيويورك صخرة تتدحرج
فوق جبين العالم. صوتها في ثيابكَ وثيابي، فحمها يصبغ
أطرافك وأطرافي.. أستطيع أن أرى النهاية، ولكن كيف أقنع
الزمن لكي يبقيني حتى أرى؟ ليكن دورنا، الآن. وليسبح الزمن
في ماء هذه المعادلة:
نيويورك+ نيويورك= القبر أو شيء يجيء من القبر،
نيويورك+ نيويورك= الشمس.-9-
في الثمانين أبدأ الثامنة عشرة. قلت هذا القول وأكرّر ولم تسمع
بيروت.
جثةٌ هذه التي توحِّد بين البشرة والثوب
جثة هذه المستلقية كتاباً لا حبراً
جثة هذه التي لا تسكن في صرف الجسد ونحوِه
جثة هذه التي تقرأ الأرض حجراً لا نهراً
( نعم أحبّ الأمثال والحكمة، أحياناً
إن لم تكن مُهيِّماً، تكن جثة!)
أقول وأكرر،
شعري شجرة وليس بين الغصن والغصن، الورقة والورقة إلاّ
أمومةُ الجذع
أقول أكرر
شعري وردة الرياح. لا الريح. بل المهبّ، ولا الدورة بل المدار
هكذا أبطل القاعدة، وأقيم لكل لحظة قاعدة. هكذا أقترب ولا
أخرج. أخرج ولا أعود. و أتجه نحو أيلول والموج0
هكذا، أحمل كوباً على كتفيَّ وأسأل في نيويورك: متى يصل
كاسترو؟ وبين القاهرة ودمشق أنتظر على الطريق المؤدي…
… التقى غيفارا بالحرية. تغلغل معها
في فراش الزمن وناما. وحين
استيقظ لم يجدها. ترك النوم
و دخل في الحلم،
في بيركلي، في بيروت وبقية الخلايا، حيث يتهيأ كل شيء ليصير كلَّ
شيء.
بين وجهٍ يميل إلى المار يجوانا تحمله شاشة الليل،
و وجه يميل إلى الآي بي إم تحمله شمس باردة،
أجريت لبنان نهراً من الغضبِ، وطلع جبران في ضفة وطلع
أدونيس في الضفة الثانية.
وخرجت نيويورك، كما أخرج من سرير:
المرأة نجمة مطفأة والسرير ينكسر أشجاراً بلا فضاء، هواءً يعرج،
صليباً لا يتذكر الشوك
والآن،
في عربة الماء الأول، عربة الصور التي تخرج أرسطو وديكارت
أتوزع بين الأشرفية ومكتبة رأس بيروت، بين زهرة الإحسان
وطبعة حايك وكمال، حيث تتحول الكتابة نخلة والنخلة إلى يمامة.
حيث تـتـناسل ألف ليلة وليلة وتختفي بثينة وليلى
حيث يسافر جميل بين الحجر والجحر، وما من يحظى بقيس.
لكن،
سلامٌ لوردةِ الظلام والرمل
سلامٌ لبيروت.
التهام الأدب ومزايا عصيان الآباء
أتمنى أن تكونَ هذه التأملات مرشداً للأطفالِ لكي يجرؤا على الدفاعِ عن أنفسهم أمامَ الكبار فيما يخصُّ تعلمَ الآداب والفنون. إنهم لا يملكونَ قاعدةً علميةً وإنما شعورية ـ عاطفية إن جاز هذا ـ ويعتمدونَ على مقدمةٍ غير مقبولة: إن وضعَ طفلٍ أمام مجموعةٍ من الألعاب سينتهي به الأمرُ إلى البقاءِ مع واحدةٍ منها فقط، التي تُعجِبُه أكثر. أعتقدُ أن هذا التفضيل ليسَ مصادفةً وإنما يكشفُ عن ميلٍ واستعدادٍ قد يَمُرَّانِ على أبويه المشغولين ومعلميه المرهقين. أعتقدُ أن الميلَ والاستعداد يوجَدَانِ معه منذ الميلاد، ومن المهم التعرفُ عليهما في الوقت المناسبِ، والانتباه لهما لمساعدته في اختيارِ مهنته. والأكثرُ من هذا أنني أعتقدُ أن بعضَ الأطفال في سنٍ معينة وفي ظروفٍ مُعينة؛ تكونُ لديهم إمكانات خَلْقِية تُمكنهم من النظرِ إلى ما وراءَ الواقعِ الذي يَقبلُهُ الكِبار. قد تكون بقايا قوةٍ تخمينية استهلكها الجنسُ البشري في فتراتٍ سابقة، أو مظاهرَ غير طبيعية من الحدسِ الكشفي لدى الفنانين خلالَ عزلةِ النمو والتي تختفي مثلَ الزائدة الدودية، عندما لم نعدْ نحتاجُها.
أعتقدُ أن الطفلَ يولدُ كاتباً أو رساماً أو موسيقياً أو عالماً. يولدُ بالميلِ، وفي حالاتٍ كثيرة، بالهيئةِ الجسديةِ المناسبة للرقصِ مثلاً، أو بموهبةٍ في الصحافةِ المكتوبةِ التي تُعرفُ كجنسٍ أدبي، أو للسينما التي تُعرفُ كتوفيقٍ بين الخيالِ والفنِّ التشكيلي. أنا أفلاطوني في هذا الصَّدد: التعلمُ هو التذَكُّرُ. هذا يعني أنه عندما يصلُ طفلٌ إلى المدرسةِ الابتدائية، ربما يكونُ لديه ميلٌ طبيعي من قبل لإحدى تلكَ الوظائف، على الرغمِ من أنه لا يعرفها بعد. وربما لن يعرفها أبداً، لكن مَصيره سيكونُ أفضلَ إن ساعَدَه أحدٌ على اكتشافه. ليسَ بإجباره على أيِّ شيءٍ بأيِّ معنى من المعاني، وإنما أن يَخلقَ له أفضل الظروفِ ويشجعه على الاستمتاعِ بلعبته المفضلة. أعتقدُ وبجديةٍ شديدة، أنَّ فعلَ الإنسان لما يريدُ دائماً، وهذا فقط، هو الطريقةُ المثلى لحياةٍ طويلةٍ وسعيدة.
ولكي أحققَ هذه الفكرة الجميلة، لا أملك أساساً سوى الخبرة الصعبة، والإصرار على تعلم مهنةِ الكتابةِ أمامَ وسطٍ مخالف، وليسَ على هامشِ التعليم الرسمي، وإنما ضده، انطلاقاً من شرطينِ لا غنى عنهما: استعدادٌ شديدُ التحديد، وميلٌ جارف. لا شيءَ يُسعدني أكثر من أن تكونَ لهذه المغامرة الفردية فائدة ما، ليسَ لمتعلمِ مهنةِ الكتابةِ فقط، وإنما لكلِّ المهن الفنية.
***
قال الكاتب الفرنسي جورج برنانوس: “كلُّ ميلٍ هو دعوة”. (المعجم الحجة) الذي كان أول معجم تصدره الأكاديمية الملكية للغةِ الإسبانية في 1726 يُعرف الميل بأنه:” الوحي الذي يدعو به الله إلى حالةٍ معينةٍ من الكَمَال”. كانَ هذا إذن تعميماً منطلقاً من الدعواتِ الدينية. الاستعدادُ كما يُعرِّفه نفسُ المعجم: “المهارةُ والسلاسةُ في أداءِ شيءٍ مُعين”. بعدَ قرنينِ ونصف لازالَ معجمُ الأكاديمية الملكية يحتفظُ بنفس التعريفات بتصرفاتٍ طفيفة. وما لا يقولُه أن ميلاً غير خاطئ وعميق يُصبحُ نهماً وأبدياً ومقاوماً لأيِّ قوى مُضادة: القدرةُ الوحيدةُ للروحِ التي يُمكنها هزيمة الحب.
***
الاستعداداتُ تجيء غالباً بمصاحبةِ مواصفاتها الجسدية. إنَّ سَماعَ أطفالٍ كثيرين نفسَ النوتةِ الموسيقية، يستطيعُ بعضهم تكرارها بدقةٍ وآخرون لا. مُعلمو الموسيقى يقولون إن الأوائلَ يمتلكونَ ما يُسمى بالسمعِ الأولي، المهمُ لكي يُصبحَ الإنسانُ موسيقياً. أنطونيو ساراساتي استطاعَ في الرابعةِ من عُمره أن يعزفَ بفيولين لُعبة، مقطوعةً لم يستطع أباه العازفُ الشهير أن يعزفها بفيولينته. رغمَ هذا يوجدُ دائماً خوفٌ من أن يقومَ الكبارُ بتدميرِ هذه المواهب لأنها، أو لأنَّ هذا ما يبدو لهم، بسيطةً، وينتهونَ إلى سجنِ أبنائهم في الواقعِ المحدودِ الذي سجنهم فيه آبائهم. صرامةُ الآباءِ مع أبنائهم الفنانين تكونُ دائماً نفس الصرامة التي يُعاملونَ بها أبناءهم الشواذ جنسياً.***
الميولُ والاستعداداتُ لا تعيشُ دائماً متجاورة. ومن هنا تأتي كارثةُ مطربينَ ذوي أصواتٍ رائعة لا يصلونَ لأيِّ شيء لانعدامِ التقييم، أو رسامينَ يُضحونَ بحياتهم كلها من أجلِ مهنةٍ خاطئة، أو كُـتَّابٍ خصبينَ ليسَ لديهم ما يقولونه. فقط عندما يجتمعُ هذان الشيئانِ توجَدُ إمكانيةٌ لحدوثِ شيء، لكن بفعلِ السحر: لا زالَ هناك التعلم، الدراسة، التكنيك وقدرةٌ على التفوق طوال الحياة.
***
بالنسبةِ للقصاصين، توجدُ تجربة لا تفشلُ أبداً. إن طلبتَ من مجموعةِ أفرادٍ منهم من أعمارٍ مختلفة أن يحكوا قصةَ فيلم، ستكونُ النتائج كاشفة. البعضُ يُعبرونَ عن انطباعاتهم العاطفية والسياسية أو الفلسفية، لكنهم لا يعرفون كيفَ يحكون الحكاية كاملةً وبالترتيب. آخرون يحكونَ القصةَ بالتفصيل، كما يتذكرونها، واثقونَ أن هذا كافٍ لنقلِ الشعورِ الأصلي. الأوائل يُمكنُ أن يكون بهم مستقبلٌ لامعٌ في أيِّ مجالٍ إنساني، لكنهم لن يُصبحوا قصاصين. الآخرون لا زالَ ينقصهم الكثير لكي يصبحوا قصاصين ـ قاعدةٌ ثقافية تكنيكية، أسلوبٌ خاص، قدرة عقلية ـ لكن يمكنهم هذا.
هذا يعني أن هناك من يعرفون كيف يحكون قصة منذ يبدءون في الكلام ومن لن يعرفون أبداً. بالنسبةِ للأطفال، تستحق هذه التجربة أن تؤخذَ بجدية.
***(الميل بدون موهبة – الموهبة بدون ميل)
أُجريَ استفتاءٌ قبلَ هذه التأملات كشفَ عن عدمِ وجود أنظمةٍ قائمة في كولومبيا قادرة على الالتقاط المبكر للميولِ والاستعدادات، كنقطةِ انطلاقٍ لحياةٍ فنيةٍ من المهد إلى اللحد. الآباء غير مؤهلين لهذه المسؤولية الخطيرة، باكتشافِ هذا في الوقتِ المناسب، وعلى العكس إن كانوا مؤهلينَ لهذا فلكي يقفوا ضده. الناسُ الأقل ثقافة يفرضونَ على أبنائهم دراسةَ مجالٍ مضمون، والاحتفاظ بالفنِّ للتسليةِ في ساعاتِ الفراغ. لحسنِ حظِّ الإنسانية يُعطي الأطفال أهميةً قليلةً لكلامِ الآباء الخطير، وأهميةً أقل فيما يتعلقُ بالمستقبل.
***
لهذا يقومُ من يملكونَ ميولاً خفيةً بأفعالٍ غامضةٍ لكي يُظهروها. يوجدُ من لا ينجحون في المدرسةِ لأنهم لا يحبونَ ما يدرسون، ومعَ هذا يُمكنهم التفوقُ فيما يُحبونَ إن ساعدهم أحد. ويمكنهم أيضاً أن يحصلوا على تقديراتٍ جيدة، ليسَ لأنهم يحبون ما يدرسون، وإنما لكي لا يُجبرهم آبائهم ومعلميهم على تركِ اللعبةِ المفضلةِ التي يحملونها سراً في القلب. ومعروفةٌ أيضاً مأساةُ من يُجبَرُونَ على الجلوسِ أمام البيانو في أوقاتِ اللهو، بدونِ ميلٍ أو استعداد، فقط لأنَّ آبائهم يفرضونَ هذا عليهم. مُعلمُ موسيقى جيد فضحَ عدمَ الرحمةِ في هذه الطريقة، وقالَ إنه يجبُ وجود بيانو في البيت، لكن ليسَ لكي يدرسه الأبناءُ قسراً، وإنما لكي يلعبوا به.
نحنُ الآباء نريدُ دائماً أن يكونَ أبناؤنا أفضلُ منا، على الرغمِ من أننا دائماُ لا نعرفُ كيف.وحتى أبناءِ العائلات الفنيةِ يُعانون من هذا الهاجس في بعضِ الحالات، لأنَّ الآباء يريدونَ لأبنائهم أن يُصبحوا فنانين مثلهم، والأطفال لديهم ميل مختلفٌ تماماً. في حالاتٍ أخرى لأن الآباء كانَ حظهم سيئ في الفنِّ ويريدونَ حمايةَ أبنائهم (الذين يَميلونَ إلى الفنِّ بلا شك) من حظٍ مُشابه.
***
ليسَ قليلاً الخطرُ على أبناءِ العائلات البعيدةِ عن الفنِّ، الذينَ يريدُ آبائهم إنجابَ ذريةٍ تستطيعُ أن تكونَ ما لم يستطيعوا هم. على الطرفِ المقابل يوجدُ الأطفالُ المعارضونَ الذين يتدربون على الآلةِ خِفيةً، وعندما يعرفُ الآباء يكون الأبناء قد أصبحوا نجوماً في أوركسترات شهيرة.
يوجدُ معلمونَ وتلاميذ يتفقونَ على رفضِ الطرقِ الأكاديمية، لكن ليسَ لديهم معيارٌ مُشترك لما يُمكنُ أن يكونَ أفضل. الأغلبيةُ ترفضُ الطرقَ السائدة لطبيعتها الصلبة واهتمامها القليل بالإبداع، ويفضلونَ أن يكونوا تجريبيينَ مستقلين. وآخرونَ يعتبرون أن مصيرهم لم يتوقف كثيراً على ما تعلموا في المدرسةِ، بقدرِ ما توقفَ على الحيلةِ والعنادِ الذين كانوا يَسخرونَ بهما من عَقباتِ الآباءِ والمعلمين. عموماً، صراعُ البقاءِ وافتقادُ الحافزِ أجبرا الكثيرين على العزلةِ والجنون.
***
معاييرُ التعليم شديدة التنوع. بعضها لا يُقبلُ سوى بالحريةِ الكاملة، وأخرى تحاولُ تقديسَ التجريبِ على إطلاقه. من يتحدثونَ عن اللانظام يعترفونَ بفائدته، لكنهم يعتقدونَ أنه يولدُ تلقائياً كثمرةٍ لحاجةٍ داخلية، ولهذا لا يجبُ الإجبارُ عليه. آخرونَ لا يُعولونَ كثيراً على التكوينِ الإنساني والأسس النظرية لفنونهم. وآخرونَ يقولون إنهم تجاوزوا النظرية. الأغلبية، بعدَ سنواتٍ من الجهد، يتمردُونَ على غيابِ النفوذِ وفقرِ الفنانين في مجتمعٍ يرفضُ الطابعَ الاحترافي للفن.
***
ومعَ هذا، فإنَّ أشدَّ الأصواتِ حدةً في الاستفتاءِ كانت ضدَّ المدرسةِ كفضاءٍ يقصُّ فقرُ الروحِ الأجنحةَ فيه، وأنها صخرةٌ أمامَ تَعلُّمِ أيَّ شيء، والفنون خصوصاً. يعتقدونَ أنَّ هناكَ تبديداً للمواهبِ بالتكرارِ اللانهائي للمقولاتِ الأكاديمية الجامدة. بينما أمكَنَ لأفضلِ الموهوبينَ أن يُصبحوا عظماءَ ومبدعينَ لأنهم لم يكونوا مضطرينَ للذهابِ إلى قاعاتِ الدراسة.
“التعليمُ يتمُّ من وراءِ ظهرِ الفن”. هكذا يُقالُ للمعلمينَ والتلاميذ المتفقين في الرأي. هؤلاء يُبهجهم الشعورُ بالعزلة. المعلمون يأسفونَ لهذا، لكنهم يقبلونَ أن يقولوه أيضاً. ربما كان أكثرُ عدلاً أن يُقالَ إنهم جميعاً على حق. لأنَّ المعلمينَ مثل التلاميذ، وفي النهايةِ المجتمع بأكمله، ضحايا نظام تعليمي شديد البعد عن واقع البلد.جابرييل جارثيا ماركيز /
التهام الأدب ومزايا عصيان الأباء.
ترجمة: عبدالسلام باشاحَالَةُ حِصَارْ
هنا، عند مُنْحَدَراتِ التلالِ، أمام الغروبِ وفُوَّهَة الوقت،
قُرْبَ بساتينَ مقطوعةِ الظلِّ،
نفعلُ ما يفعلُ السجناءُ،
وما يفعلُ العاطلونَ عنِ العمَلْ:
نُرَبِّي الأمَلْ.
(المزيد…)أصواتٌ لا تصل لباب المدينة – مروان الغفوري
المكان الآن :
– أفضت بنا الصحراء إلى باب المدينة العالي ، فذبلت قبائلنا خلف أعيننا !
– لن تفتح المدينةُ أبوابَها ، لأن تحت أظافِرنا أثراً من الصحراء والقبيلة ..
التوقيع : الفقراء.
( 1 )يشفّ فؤادي . أعني : يموتُ دمي .
و يخضرّ جرحي . أعني : تقيلُ المناعةُ أبناءها ، فتجوعَ بلادي ..
يجيشُ بعيني الترابُ ، و يهدِمني إن جرحتُ إرادتَه
أقول له :
خلقنا من الطينِ ، لكنني لم تجف – مثلكم – أضلعي .
يقولُ :
خلقنا من الطين ، لكنني لم أكُن كأبي ،
و لم تأتِني النارُ مزدانةً بخيول النبي !( 2 )
ليت هذا الترابَ عريضاً كهذا الجدار
ليتَه يقفُ الآن جنبي .
إنّ بي عاشقاً للهواء ،
سيحمِلني فوق كِتْفيه كيما أرى الأرض تغرقُ تحت قوائم سكّانها الخائفين .
و أرى كيف يتركُ حرّاسُها للحدائقِ أظهرهم ..
كيف ينجرحون أمام القصائدِ ،
يشتعلون أمام الحديثِ الصبيّ !( 3 )
– ليتَ شعري ، يكون تلبّسها الجنّ ، عرسي !
كيف تقرأُ أورادها ، و أنا والكتابُ هنا
( خلف هذا النهار نمنّي برودة أطرافِنا بعصير الجراد المدينيّ ،
ندهنُ أشواقنا بالشعور الغبي ! )
ليتَ شعري ، يكونُ تناقلها الدمعُ ، بيتي !
هل سترفعُ أسقُفها ، و تفكّ زرائر أبوابها ليمر الشياطينُ بعدي ؟
.. فيشعلني في المدينة ” ليتُ ” ..
و ينهدّ في الجرحِ بيتُ !( 4 )
كأني احتلمتُ برائحةٍ في المدينةِ ، مرّت
أمام الشبابيكِ ، بين الجنودِ ،
و غامت ، كميلادِ أمي ، بصدري .
كأنّي احتلمتُ بإمرأةٍ في الطريق إليّ ، تصلي
لكي يكسر الجندُ أبصارَهم .
كأني أنا ، رغم أني المدينةُ !
أحملُ في جبّتي حدثاً بائتاً للسياسة ، ذنباً تناثر من أوجه الخلقِ ،
حبّاً يخافُ القبيلة !
كأني احتلمتُ ببيتي ، فخرّت عوامِدُه في فمي ،
و ذابتْ مفاتِيحه في دمي !( 5 )
أحبّك ، سبحانَ من جاء بالنورِ منكِ ،و زان بفستان عينيكِ عقد النبوّة .
أحبّك :
لمّا تجُعْ رحلتي، بعدُ ، أخشى الطريق المليئة بالشعرِ ،
أخشىالشفاهَ التي لا تدلّ عليك ،
و لا تنتمي – مثلنا – لبلادي .
أحبّكِ ،
مدي ذراعيك : لا تدعي الليلَ يجتازُ نحو المدينةِ ،
حتى تخبّئَ أبناءها ،
و تلمّ مصابيحها في عيون العجائزِ ،
مدّي ذراعيكِ : وانتظري أن تنام الجبالُ و أن ينزعَ اللهُ غلّ المساكين ،
أخشى عليكِ
إذا حدّثت عن هوانا الشبابيكُ أن لا نرى بين هذي البيوتِ
بلادي .أحبّكِ ،
عيشي لأجلي ، لأني لأجلِك أطعمتُ عيني لباب المدينة .
أحبّكِ ،
قومي لأجلي ، لأني لأجلك أوسعتُ اِسم المدينة .
أحبّكِ ،
قولي ، لأجلي : ” إني لأجلك أجّلتُ موت المدينة “.
أحبّكِ ..
نامي ، و لا تدعي ليلهم مسرجاً عند عينيكِ ،
هم يسحبون دمي من وريدك ،
يرتقبون هدوئي بصدرك .
نامي ..
و لا تسمحي بالزيارة ،
قلبي هنا عند باب المدينة يبتاع أدعية لي و لك .
أحبّك ، نامي
لأن الذين يمرون حولَك لا يحتوون على اسمي .
فكيف سينفكّ هذا المساءُ ، ويترك أوجههم .. و أنا عند باب المدينة
أغفرُ ، باسمك ، لي .. و أصلّي .
فنامي .. لكي يخجل الكونُ حين تنامين ، مني و منك .
نامي ..
أحبّك .( أصوات ربما تصل إلى باب المدينة )
( 1 )
– لماذا نموتُ هنا ، و المدينةُ خلف الجدارِ تكرّرُ فعلتها :
– ترتخي لتذوبَ السنابلُ ، أو
ترتخي ، ليعيش الجدار .
– ( .. )– لماذا نعلّقُ أعيننا في الهواء ،
و نتركها خلفنا حين نغفو ،
و لا نتقصّى جراح الذين انتهوا ( عندما أكل الرملُ أوساخهم ) .
و الذين أتوا كالنبيين ، و اختلفوا في المدار؟
– ( … )– لماذا تجيشُ أصابِعُنا بالحديثِ ، إذا ما تقشّر وجهُ المدينةِ ليلاً ،
و تخبو أماكننا حين نهمسُ :
قلبُ المحبّ جديدٌ كأشعارِه
_ ( … )– و لماذا تفجّرُ هذي المدينةُ عشّاقها ساعة الاحتضار ؟
– ( ..)( 2 )
قيل : لا ينزعُ اللهُ حبّ القبيلةِ من ظهر شاعرها ،
أو تموتُ أحاديثُ نسوتها في يديه .و قيلَ : يجوعُ القبيليُّ في البرّ حتى يرى الأرض واقفةً كالقبيلةِ،
تُحصي فؤاده ؛
و حتى تضلّ الرواحلُ .
حتى تجوسَ البلادُ الغريبةُ في دمه ، و تذمَّ بلادَه .
يجوعُ القبيليُّ في البحرِ ، لكنّه يتذكّرُ أن فتاة القبيلة أوسع من مائه
و يكونُ الهوى الجبليُّ يمرّ به في السفينةِ ،
يحملُ أسماء إخوته ( الطيبين ) و يقرأُ أشواقهم ، للترابِ ، عليه .و قيل :
تنامُ المدينةُ مزدانةً بالخيانات ، تلقي الأسِرّةُ أسماعها للخيالِ النسائي ، تقذفُ بعضُ الشبابيكِ أسرارها للمساكين ( تحت النوافذِ منجدلين كما الموتِ ) .. يمدحُ سكّانها الكافيارَ أمام المنازلِ ( إذ ربّما يسمع الجائعون قصائدهم فتعود الطهاراتُ للبـَرّ) .. يختلط الضوءُ بالأشقياء المسنّينَ . تصحو المدينةُ ، أبناؤها لا يرون أصابعها، و بناتُ المدينةِ – مثلَ الزبيب المخمّرِ – يجرحنَ عبّادَها ، وتذوبَ المساجدُ في البردِ .. هذي المدينةُ جائعةٌ رغم ما قيل في شحمِ سكّانها. و القبيليّ لا ينكرُ البردَ ، أو يهتدي للخلودِ بآثامِ أنثى . نعم ، يشعلُ الحبّ جرحَ القبيليّ ، تسري إناثُ القصائد في دمِه و يرى الأنقياءُ ضفائرهنّ بهدبيه . نعم ، قد يبصرُ الغرباءُ بنات القبيلة يغسلن تحت السماءِ أباريقهنّ وسيقانهنّ ، و يجفلنَ (كالغرباء ) إذا ما شعرنَ بعينِ القصيدِ تعذّبُ أجسادهنّ السقيمات بالاشتهاء . نعم، قد يموتُ القبيلي حزناً على الدارِ، قد يغسلُ الليلَ بالشعرِ ، لكنّ عينَ القبيلةِ لا تفتحُ الظلّ للشعراء . نعم ، إنّ بنت القبيلةِ ما وِلدت لتكون المدينةَ ، ما عبرت قلب عاشقها لتكون حديثاً يمرّ ( كمثلِ القصائد ) .. بنتُ القبيلة مزدانة بالسماء تنامُ على نهدها ، بالمساء يجيءُ بها مسحةً في فم الغرباء .
( 3 )
.. لا الحبيبُ حبيبٌ و لا الماءُ ماءَ بأشواقنا للخلود .
لا الضبابُ بلادٌ مجهّزةٌ بالتمائمِ ، لا الخائفون رفاقُ الهوى المستحيل .
في الفجيعة يحسُنُ أن نتلاشى ، وفي البردِ لا حبذّا أن نعُدّ أصابعنا ،
.. في البلادِ الغريبةِ ، دوماً ، تمرّ الوجوه التي ( إن خبَتْ ) لا تعود .لا الجبالُ التي ذبُلت خلفنا وطنٌ خلفنا ،
و الطريقُ الذي ضلّ منّا سيغتابُنا.
فكيف سيعرفُ أبناؤنا لثغة الموتِ ،
كيف ستدركُ زوجاتُنا أنّنا
( قبل أن تختفي درجاتُ المدينةِ )
كنّا نفثنا قصائدنا في المكانِ ، و عشنا هنا لا ترانا الأكاذيبُ ،
أو تتمزّقُ أوجُهنا من صراخ الجنود !
المكانُ لنا ، و المدينةُ للخاطفين .
و البلاد التي دُفِنت خلفنا ، ستعودُ لأشواق نسّاكها ،
في المكان .. هنا . و تجوعُ الحدود .( 4 )
.. ليس موقفنا الآن أن نتخلّى عن الموتِ :
ماذا إذا لم يكُن غيره من بمقدورِه أن يحنّ ،
و من في أجندتِه أن يجنّدَ أرواحنا للمعابدِ ؟
ماذا إذا لم يكُن غيرُه من يرانا بلا طمعٍ ،
و يرى خلف أعيننا كيف تعتلُّ أشجارُنا ،
و تجرّ القُرى ما تيسّرَ من جوعِ نسوانها للصلاة لنا :
فلتكُن رحمةُ اللهِ بالغةً ، و ليكُن ظلّه خلف أسمائه مورِداً ، لا لنا !تجرّ القُرى ما تبقّى من الشمعِ للصالحين ،
فنبصرُ ( و الموتُ يبصر من خلف أجفاننا ) كيف تنموا موائدُ أشواقِنا ،
وتسيلُ الحياةُ كأقدامِ بنتِ النبيّ .
يرى الموتُ عاشقةً توقِد الحبّ للجائعينَ ، و من لا يخاف من الموتِ ..
ليس بمقدورِنا أن نعيشَ فرادَى ( كشعر المحبّينَ )
نحتاجُ للخوفِ كي نتذكّر أبناءنا ، و نجوعَ إلى اللهِ .
نحتاجُ للبغضِ كي نتذكّر ظلّ الجنودِ .
و نحتاجُ للحبّ كيما تدلّ القلوبُ على النهرِ ،
نحتاجُ للنهرِ كيما نرى في الضياء سماواتنا في الطريق إلى الله.( 5 )
تُرى سامحتني القبيلةُ ؟ هل نفضوا اسميَ من بين أبنائهم ؟
.. في الطريق إلى اللهِ يأكُلنا الجائعون ..
هم غجرٌ مطفأون ،ونحنُ [ هُنا ] غجرٌ مثلهم .
عناويننا في المدينةِ مثل عناويننا بينهم .
في الطريق إلى الله تسقطُ أخبارنا فجأةً ، ويرانا الذي لا يرى .
وتجري دماءُ الترابِ بأسمائنا، فنعيدَ إلى الكونِ دورتهُ الأم..
نغرقُ في الحُلم ، مثل القبيلةِ ، نرجعُ للحُلم ، مثل بناتِ القبيلةِ ،
ينكسرُ الحلُم في حلمه الأم !( أصواتٌ تصل إلى باب المدينة ..)
( 1 )
عللّيني ، بذكرِ المحبّين ، أنتِ البلادُ لأخبارِهم
وسمائي إذا غربوا ،
ودعيني لهم حين يستكمِلون سواعدهم بدعائي
ولا يسمعونَ شواهد أجدادهم تحت أرضي .( 2 )
حبيبةُ ، لا تجزعي ، إنّ بعضاً من الجائعينَ سيذكرُ ، في الموتِ ، أرضي
و بعضاً سيأكل – من قسوة البردِ – عرضي ..
كِلِيْهِم لأشواقِهم، وكِلينا لخوفِ الطريقِ .
كم زرعنا به الشعرَ ، فانتشرت في العيونِ النميمةُ،
وانكسَرَت عبرةٌ في المضيقْ .
كم وقعت من دمانا دماءٌ على صدره ، فاشتكى من تهتّكنا
عجبٌ ، يا حبيبةُ ، يشتاقُنا البلدُ الليلُ
أعجبُ من شوقِه أن يرانا نفتّت أسماءنا فيقولُ :
يضلون شوقَ المريدين ، بالشعرِ!
يبصِرُنا نتكسّى من الواهِمين ولا يُستفز.
عجبٌ ، يا حبيبةُ ، شأنُ الطريق إلى أمّنا في تعِز : –
نجوّعُ أقدامنا ، قاصدين ، لينموا نخيلُ الطريق ..
فهل قيل : مرّ الحجيجُ بهِ واستظلّوا !
الطريقُ إلى أمّنا ناشفٌ كالذنوبِ الصغيرةِ ،
والعائذونَ بهِ هدموا ظلّنا،
وأقاموا بأحجارِه ذهباً للمُعِزْ !يقول : ” الطريقُ أنا “
( أتحدّى اليسوعَ – و قد قالها مرّة للمريدين من قَبلِ مَتّى – فأين الطريقُ ، وما لونه !؟)
و هل يتوفّى الملائكةُ الأنبياءَ ، بهِ ، و يُقيتُ النبيّون زوجاتِهمُ من حديثِ الحوافرِ؟
هاه؟
الطريقُ أصابِعُ أحلامِهم .. و أصابعُ أحلامِنا لا حدودَ لأحلامِها
فكيفَ سنبصِرُ قلب المدينةِ في الغيمِ ؟
هذي المدينةُ لا تدخلُ الضوءَ طاهِرةً من بكاء المساكينِ ..
يدخلها الضوءُ متّسخاً بالمساكين ، يعبُرُ في جوفها الجائعونَ المساكينُ ، يجهلُ أحلامَهم حرسُ البابِ .. هذي المدينةُ موقدةٌ بالمساكينِ ، ينتشِرُ الموتُ تحت نوافذها كالوباءِ ولا يتذكّرُ أسماء أجدادِنا ، غيْر أنّ ذبالاته تتذكّرُ ( بالفعلِ) أسماء أبنائهم في المدينةِ ..
هاه ؟
ألطريقُ أصابِعُنا أم دماماتُهم ؟( 3 )
برّدوني بأوصافِنا في القبيلةِ ..
إنّ سماواتِنا لا ترد السلامَ إذا الموتُ عسعس ..
وألقى شراكاً على كلّ وعدٍ ،
و أرخى سدولاً على كل نهدٍ
و أعرس ..
فجيئي إلى اللهِ ، في الأرضِ منفى لأسمائه ، وله في السماواتِ شأنٌ ، يوزّعُه بين :
نحلٍ، و منفىً ، و نورَسْ ..!
فنزدادُ موتاً ، وأزدادُ جوعاً ، ويزدادُ شأنا !
.. إلخ !( من أشواق المدينة ، فيضٌ في الهامش ) !
( أغنية )
هل يخدعُ إنسانٌ ربّه ؟
هل يقتلُ ، من يغرقُ في البحر ، بلاداً تسكنُ قلبَه ؟
هل يجرحُ نخلُ اللهِ الشعراءَ إذا فرّوا من حقد الناس، و خبّأ كلٌّ دربه ؟ ..
إن أغمضتِ الآن ذراعيك و قلبي سترين :
وشاحاً يتوضّأ في عينيكِ،
دبيباً يكبرُ بين ضلوعك .( لحن )
– أحبّكَ ..
– قوليها ، فأنا أحتاجُ إليك لئلا تدهسني الأرض .
لأسمعَ أقدام ملائكة الله يجوسون خلال العشّاق .
لأبصرَ قلبَك دون وشايات من أرض الميعادِ .
أحتاجُ إليكِ لأمسح عينيك بأطراف الفجرِ،
لأغسل ما يتبقّى فوق شفاهكِ من نومٍ بالتمر البلديّ ،
لأشعرَ أنّي الآن أعيشَ لأجل الله كما شاء ،
و أجلِ الحبِ كما كانت أسماءُ مدينتنا الأولى تخجلُ في بيروت ..
أحتاج لأنْ أقرأ شيئاً في الليل عن القريةِ :
كيف تنامُ و أنتِ تعودين بفجرٍ يخفي ضوءَ مساكنِه عن قلب الحارةِ
كيف توزّعُ هذه الأرضُ سماءَ الله على الفقراء !هل أنت هنالكِ … (في العالم) … ما يكفي لأخاف من الحب ، و في الحب كثيرون يعيشون بلا عالم .
أدركُ أنّ فؤادك يكبرُ ( … ) حتى يتمايل عند قصيدة شعري : –
( يتمايل كفتاةٍ تلعبُ في السطح و تعلم أن الجيران يرون أنوثتها تتساقط في الريحْ)
( يتعامدُ في النور كطفلٍ يكسرُ لعبة صاحبه والناسُ يرونَ به فألاً لا يحسُن أن نذكره للريحْ )
( يتجاهلُ فتنته كفقيرٍ يتكدّسُ في البرد لئلا تسقط عين امرأةٍ من شبّاك الجيران
الجيران المشغولين به من أجل الريحْ ).
أقدرُ ، يا أصغر من مرّت في قلبي شيئاً مختصراً من فرح الله ،
سأقدِرُ ( لو شئتِ لما شئتُ ) سأفعلُ ، أن أدخُل في أكمام صلاتك ، أن أسكن تحت بلادك ،
أن آكلَ بعض التمر المستوردِ تحت شفاهِك ،
و أموتَ معاً !( نبيذ )
الشجر الأخضر لا يكبرُ حتى تتجرّد أنثاه عن البحر وتلبس لون الشاعر.
أن تغرق في الليلِ بلا آخر ..
أن تقسم أنّ الدفءَ العابر في شفتيها ورقٌ من دفتر شعر مرّ بها عن قصدٍ ،
أن الشعر بعينيها يهلِكُ نفسه .
الشجرُ الأخضر، يا أصغر من مرّت في قلبي ، نبتٌ لا يعرفُ وجه الخوفِ ، و يدرك أسماء مدينتا، أو يعرفُ نفسه .
.. يتلاشى في أشواق الفقراء بلا آخر .( حركة )
الآن ، أرى عينيك . الآن سأفتح صدري لتمرّ الصحراء كما شاءت ، و يجوع الفقراء كما شاؤوا ، و تمري أنتِ . الآن ، سيعلو البحرُ أمامي ، و يذوبُ النخلُ ورائي ، و تجيئين :
أنثى تكسرُ أجنحة القلب ، وتغسلُ أغنية الموتى بالحلف الناعم ، أنثى لا يأكلها الريحُ ولا تنكأ وجنتها الأشعار .. الآن سأقسمُ للغادين بأنّ بلادي لم تغرق في البحر ، وأنّ فتاتي تنمو مثلي مثلي مثلي ، رغم الجرح .أدري أن يديك الآن بصدرك ، أنّك تخشين بأن يسمع قلبُك طرقاتي في جوف الدارِ .
تمتلكين الآن خياراً أبديّاً، أن يغمض قلبُك أصوات الشوق المنذورةَ فيه ، وأن يتمدد في الشرفة كي يتقصّى أبعد ما تخشاه مدينتنا في الليل .
ماذا يخشى العالمُ في الليل سوى أقدام قصائدنا تنكأُ برْد الحيّ ، وتخجلُ حرّاس البنك !
أتحسس ما شاء ليَ الله ُ، فأطعمُ آخر كلماتك في الهمس .. تقولين : أحبك ،
و تغنين :
– أيا ليلُ ..
– أنا الليل .
فانتفضي ، أعودَ الخيمةِ ..
و … إلخ !مروان الغفوري ..
مارس – 2006
القاهرة ..




