المدونة

  • مِنَ النُّزْهَةِ إلَى الَّثورَةِ

    خطوات صغيرة ومسيرات كبيرة

    النزهات شائعة والرحلة سيراً على الأقدام تسمح باسترجاع الآثار البشرية التي محتها السيارات. فحيث الطريق المفروشة بالإسفلت تدفع إلى التسابق، يفضل الجوالون الدروب الترابية والقادوميات وهي محاور للتضامن. ويحدث أن يكون السير على الأقدام سياسياً، فنسير لكي نعبّر عن اعتراضنا. السير هو التجانس مع الآخر في إيقاعه والتجول بحرية إعادة اكتشاف للذات أولاً بأول.
    (المزيد…)

  • زَمَنٌ وَأنيميَا

    كم هي قريبة مني تلك المجنونة العجوز التي كانت تجري وراء الزمن، تلك التي كانت تريد الإمساك بقطعة من الزمن.

    *
    ثمة علاقة بين فقرنا الدموي وغربتنا في الديمومة: إنّ عدد اللحظات الخاوية موافقٌ لعدد كرياتنا البيضاء. أليس ذلك مرتبطا بكون حالات وعينا ناشئة عن تفسخ ألوان رغباتنا؟
    (المزيد…)

  • مَنفى / طباق – إلى إدوارد سعيد – محمود درويش

    مَنفى / طباق – إلى إدوارد سعيد – محمود درويش

    نيويورك/ نوفمبر/ الشارعُ الْخَامس/
    الشمسُ صَحنٌ من المعدنِ المتطايرِ/
    قلتُ لنفسي الغريبةَ في الظلِّ:
    هل هذه بَابلُ، أم سدوم؟

    هناكَ، على بابِ هاويةٍ كهربائيةٍ
    بعلوِّ السماء، التقيتُ بإدواردَ
    قبلَ ثلاثينَ عاماً،
    وَكانَ الزَّمانُ أقلَّ جموحاً منَ الآن
    قالَ كِلانَا:
    إذا كانَ مَاضيكَ تجربةً
    فاجعلِ الغَدَ مَعنىً وَرُؤيا!
    لنذهبْ،
    لنذهبْ إلى غَدِنَا واثقين
    بصدقِ الخيالِ، ومُعجزةِ العشبِ /

    لا أتذكَّرُ أنّا ذهبنا إلى السينما
    في المساء. ولكنْ سمعت هنوداً
    قُدَامَى يُنادُونَنِي:
    لا تَثِقْ بالحصانِ ولا بالْحَدَاثَةِ /

    لا، لا ضَحيَّة تسألُ جَلاَّدَها:
    هل أنا أنت؟ لو كان سيفيَ
    أكبرَ من وَردَتِي، هل ستسألُ
    إن كُنتُ أفعلُ مِثلَكْ؟
    سؤالٌ كهذا يُثيرُ فُضولَ الرِّوَائِيِّ
    فِي مَكتبٍ مِنْ زُجَاجٍ يُطِلُّ على
    زنبقٍ في الحديقةِ… حيثُ تكونُ
    يدُ الفَرَضِيَّةِ بيضَاءَ مثلَ ضَميرِ
    الرِّوَائِيِّ حينَ يُصَفِّي الحسابَ
    مَعَ النَّزعَةِ الْبَشَرِيَّةِ: لا غَدَ
    فِي الأمس، فَلنتقدَّمْ إذاً !

    قَد يَكُونُ التَّقَدُّمُ جسرَ الرُّجوعِ
    إلى الْبَرْبَرِيَّة… /

    نيويورك. إدوارد يَصحُو عَلى كَسَلِ
    الْفَجرِ. يَعزِفُ لَحنَاً لموتسارت. يَركُضُ
    فِي مَلعَبِ التنسِ الْجَامِعِيِّ. يُفَكِّرُ في
    هِجرَةِ الطيرِ عَبرَ الْحُدُود وفوقَ الْحَوَاجِزْ.
    يَقرأ “نيويورك تايمز”. يَكتُبُ تَعلِيقَهُ
    الْمُتَوتِّرَ. يَلعنُ مُستَشرِقَاً يُرشدُ الجنرالَ
    إلى نُقطَةِ الضعفِ في قَلبِ شَرقِيّة.
    يستحمُّ. ويَختَارُ بدلَتَهُ بَأناقَةِ دِيكٍ.
    وَيشربُ قَهوتَهُ بالْحَليبِ. ويصرُخُ
    بالفجرِ: هَيَّا، ولا تَتَلَكَّأ /

    عَلى الريحِ يَمشي. وفي الريحِ
    يعرفُ مَن هُوَ. لا سقفَ للريحِ.
    لا بيتَ للريحِ. والريحُ بوصلةٌ
    لشَمالِ الغريب.

    يقولُ: أنا من هُناكَ. أنا من هُنا
    ولستُ هُناكَ، ولستُ هنا
    لِيَ اسمانِ يلتقيانِ ويفترقانِ
    ولي لُغتانِ، نسيتُ بأيِّهما
    كُنتُ أحلمُ،
    لِي لُغةٌ إنجليزيةٌ للكتابةِ،
    طَيِّعَةُ المفردات،
    وَلي لُغةٌ من حِوارِ السماءِ معَ
    القدسِ، فِضيَّةُ النبرِ، لَكنها
    لا تُطيعُ مُخيلتي !

    والْهُوِيَّةُ؟ قلتُ
    فقالَ: دفاعٌ عن الذاتِ…
    إنَّ الْهُويَّةَ بنتُ الولادةِ، لكنها
    في النهايةِ إبداعُ صاحِبها، لا
    ورَاثةَ ماضٍ. أنا الْمُتَعَدِّدُ. في
    داخلي خَارِجي الْمُتجدِّدُ.. لكنني
    أنتمي لسؤالِ الضحيَّةِ. لو لم
    أكن من هُناكَ لَدَرَّبتُ قلبي
    على أن يُربي هناكَ غزال الكِنايَةِ.
    فاحملْ بلادكَ أنَّى ذهبتَ…
    وُكن نَرجسياً إذا لَزمَ الأمرُ /

    – مَنفىً هوَ العالمُ الخارجيُّ
    ومَنفىً هوَ العالمُ داخليُّ
    فمَنْ أنتَ بينهما؟
    – لا أُعَرِّفُ نفسي تماماً
    لئلاَّ أضيِّعها. وأنا ما أنا
    وأنا آخري في ثُنائيةٍ
    تتناغمُ بينَ الكلامِ وبينَ الإشارةْ.
    ولو كنتُ أكتبُ شعراً لقلتُ:

    أنا اثنانِ في واحدٍ
    كَجناحي سُنونوةٍ،
    إن تأخرَ فصلُ الربيعِ
    اكتفيتُ بحملِ البشارةْ

    يُحبُّ بلاداً، ويَرحلُ عنها
    ( هل المستحيلُ بعيدٌ؟)
    يُحبُّ الرحيلَ إلى أيِّ شئٍ
    ففي السفرِ الحرِّ بينَ الثقافاتِ
    قد يجدُ الباحثونَ عن الجوهرِ البشريِّ
    مقاعدَ كافيةً للجميع.
    هُنا هامشٌ يتقدَّمُ. أو مَركزٌ يتراجعُ
    لا الشرقُ شرقٌ تماماً
    ولا الغربُ غربٌ تماماً
    لأنَّ الهويَّةَ مفتوحةً للتعدُّدِ
    لا قلعةً أو خنادق /

    كانَ المجازُ ينامُ على ضفةِ النهرِ،
    لولا التَلَوُّثُ،
    لاحتضنَ الضفَّةَ الثانيةْ
    – هل كتبتَ الروايةَ؟
    – حاولتُ… حاولتُ أن أستعيدَ بها
    صورتي في مرايا النساءِ البعيدات،
    لكنهنَّ توغلنَ في ليلهِنَّ الحصين
    وقلنَ: لنا عالمٌ مُستقِلٌّ عن النصِّ
    لن يكتبَ الرجلُ المرأةَ اللغزَ والْحُلمَ
    لن تكتبَ المرأةُ الرجلَ الرمزَ والنجمَ
    لا حُبَّ يُشبهُ حباً
    ولا ليلَ يُشبهُ ليلاً
    دعونا نُعدِّدْ صفاتَ الرجالِ ونضحكْ!

    – وماذا فعلتَ؟
    – ضحكتُ على عبثي
    / المُفَكِّرُ يكبحُ سردَ الروائيِّ
    والفيلسوفُ يُشَرِّحُ وَردَ المُغَنِّي /

    يُحبُّ بلاداً ويرحلُ عنها:
    أنا ما أكونُ وما سأكونُ
    سأصنعُ نفسي بنفسي
    وأختارُ منفايَ
    منفايَ خلفيةُ المشهدِ الملحميِّ
    أدافعُ عن حاجةِ الشعراءِ
    إلى الغدِ والذكرياتِ معاً
    وأدافعُ عن شجرٍ ترتديهِ الطيورُ
    بلاداً ومنفى
    وعن قمرٍ لم يزلْ صالحاً لقصيدةِ حُبٍّ
    أدافعُ عن فكرةٍ كسرتها هشاشةُ أصحابها
    وأدافعُ عن بلدٍ خطفته الأساطيرُ /

    – هل تستطيعُ الرجوعَ إلى أيِّ شئٍ؟
    – أمامي يَجرُّ ورائي ويُسرعُ…
    لا وقتَ في ساعتي لأخطَّ سطوراً
    على الرملِ. لكنني أستطيعُ زيارةَ أمسِ،
    كما يفعلُ الغرباءُ،
    إذا استمعوا في المساءِ
    إلى الشاعرِ الرعويِّ:

    ( فتاةٌ على النبعِ تملأ جرَّتها
    بحليبِ السحابْ
    وتبكي وتضحكُ من نخلةٍ
    لسعت قلبها في مهبِّ الغيابْ
    هل الحبُّ ما يُوجعُ الماءَ
    أم مَرضٌ في الضبابْ.. ؟
    إلى آخرِ الأغنية )

    – إذن قد يُصيبكَ داءُ الحنين؟
    – حنينٌ إلى الغدِ.. أبعد أعلى
    وأبعد. حُلمي يقودُ خُطايَ. ورؤيايَ
    تُجلسُ حُلمي على ركبتيَّ كقطٍّ أليف.
    هوَ الواقعيُّ الخياليُّ وابن الإرداةِ:

    في وُسعنا
    أن نُغَيِّرَ
    حتميةَ الهاويةْ !

    – والحنينُ إلى أمسِ؟
    – عاطفةٌ لا تخصُّ المفكِّرَ إلا
    ليفهمَ توقَ الغريبِ إلى أدواتِ الغيابْ
    وأمَّا أنا فحنيني صَراعٌ على حاضرٍ
    يُمسكُ الغدَ من خصيتيه

    – ألم تتسلَّلْ إلى أمسِ، حينَ ذهبتَ
    إلى البيتِ، بيتكَ، في حارةِ الطالبيَّة؟
    – هَيَّأتُ نفسي لأن أتمدَّدَ في
    تختِ أمي، كما يفعلُ الطفلُ حينَ يخافُ
    أباه. وحاولتُ أن أستعيدَ ولادةَ
    نفسي، وأن أتتبَّعَ دربَ الحليبِ
    على سطحِ بيتي القديم، وحاولتُ أن
    أتحسَّسَ جلدَ الغيابِ ورائحةَ الصيفِ
    من ياسمينِ الحديقة. لكنَّ وحشَ الحقيقةِ
    أبعدني عن حنينٍ تلفَّتَ كاللصِ خلفي
    – وهل خفتَ؟ ماذا أخافكَ؟
    – لا أستطيعُ لقاءَ الخسارةِ وجهاً
    لوجه. وقفتُ على البابِ كالمتسوِّلِ.
    هل أطلبُ الإذنَ من غرباءَ ينامونَ فوقَ
    سريري أنا.. بزيارةِ نفسي لخمسِ دقائق؟
    هل أنحني باحترامٍ لسُكَّانِ حُلمي الطفوليِّ؟
    هل يسألونَ: من الزائرُ الأجنبيُّ
    الفضوليُّ؟ هل أستطيعُ الكلامَ عن
    السلمِ والحربِ بينَ الضحايا وبينَ ضحايا
    الضحايا، بلا جُملةٍ اعتراضيَّةٍ؟ هل
    يقولونَ لي: لا مكانَ لحُلمينِ في
    مَخْدَعٍ واحدٍ؟

    ( لا أنا، أو هُوَ
    ولكنه قارئٌ يتساءلُ عَمَّا
    يقولُ لنا الشعرُ في زمنِ الكَارِثَةْ )

    دمٌ،
    ودَمٌ،
    ودَمٌ
    في بلادك،

    في اسمي وفي اسمكَ، في زهرةِ
    اللوزِ، في قشرةِ الموزِ، في لبنِ
    الطفلِ، في الضوءِ والظلِّ، في
    حبَّةِ القمحِ، في عُلبةِ الملحِ /
    قَنَّاصةٌ بارعونَ يُصيبونَ أهدافهم
    بامتيازٍ
    دَماً،
    ودَماً،
    ودَماً..
    هذه الأرضُ أصغرُ من دمِ أبنائها
    الواقفينَ على عتباتِ القيامةِ مثلَ
    القرابين. هل هذه الأرضُ حقاً
    مُباركةٌ أم مُعَمَّدةٌ
    بدمٍ،
    ودَمٍ،
    ودَمٍ
    لا تُجفِّفه الصلواتُ ولا الرمل.
    لا عدلَ في صفحاتِ الكتابِ المقدسِ
    يكفي لكي يفرحَ الشهداءُ بحريةِ
    المشي فوقَ الغمام. دمٌ في النهارِ.
    دمٌ في الظلامِ. دمٌ في الكلامْ.

    يقول: القصيدةُ قد تستضيفُ الخسارة
    خيطاً من الضوءِ يلمعُ في قلبِ جيتارة.
    أو مسيحاً على فرسٍ مثخناً بالمجازِ
    الجميل. فليسَ الجماليُّ إلا حضورَ
    الحقيقيِّ في الشكل /

    في عالمٍ لا سماءَ له، تصبحُ الأرضُ
    هاويةً. والقصيدةُ إحدى هباتِ العزاءِ
    وإحدى صفاتِ الرياح، شماليةً أو جنوبيةً.
    لا تصف ما ترى الكاميرا من جُروحك.
    واصرخ لتسمعَ نفسكَ، واصرخ لتعلمَ
    أنكَ ما زلتَ حياً وحيَّا، وأنَّ الحياةَ
    على هذه الأرضُ ممكنةٌ. فاخترع أملاً
    للكلامِ، ابتكر جهةً أو سراباً
    يُطيلُ الرجاء،
    وغَنِّ، فإنَّ الجماليَّ حريةٌ /
    أقولُ: الحياةُ التي لا تُعَرَّفُ إلا
    بضدِّ الموتِ… ليست حياة

    يقولُ: سنحيا، ولو تركتنا الحياةُ
    إلى شأننا. فلنكن سادة الكلماتِ
    التي سوفَ تجعلُ قُرَّاءها خالدين –
    على حدِّ تعبيرِ صاحبكَ الفذ ريتسوس /

    وقالَ: إذا مِتُّ قبلكَ
    أوصيكَ بالمستحيلْ !
    سألتُ: هل المستحيلُ بعيدٌ؟
    فقالَ: على بُعدِ جيلْ
    سألتُ: وإن مِتُّ قبلكَ؟
    قالَ: أعزِّي جبالَ الجليلْ

    واكتب: ” ليسَ الجماليُّ إلا بلوغَ
    الملائمِ”. والآنَ، لا تنسَ:
    إن متُّ قبلكَ أوصيكَ بالمستحيلْ

    عندما زُرته في سدومَ الجديدةِ،
    في عامِ ألفينِ واثنين، كانَ
    يُقاومُ حربَ سدُومَ على أهلِ بابلَ
    والسرطانِ معاً،
    كانَ كالبطلِ الملحميِّ الأخيرِ
    يُدافعُ عن حقِّ طروادةٍ
    في اقتسامِ الرواية /

    نسرٌ يودِّعُ قمَّتَهُ عالياً
    عالياً،
    فالإقامةُ فوقَ الأولمب
    وفوقَ القِمَمْ
    قد تُثيرُ السَّأمْ

    وَدَاعَاً،
    وَدَاعاً لشعرِ الأَلَمْ!

    نص: محمود درويش، إلى روح إداورد سعيد

    من ديوان: كزهر اللوز أو أبعد

  • هَاجسُ الخشفِ الميت

    ثمة شيء تجنَّبت دائماً ذكره لك ، وإن أكن أظن أني لامسته في مناسبة أو مناسبتين . الشيء الذي أشير إليه هو تجربة طفلية باكرة عشتها في منزل أهلي قرب أوسلو . لا بد أني كنت في السابعة أو الثامنة حينها . لكن الواقعة وقعت قطعاً قبل عيد ميلادي الثامن ، لأن أسرتنا انتقلت ، قبله ، إلى إقامة في مدريد دامت أربعة أعوام . أذكر أني كنت أجري على درب في الغابة ، وجيوبي مليئة بحبات من البندق أردتُ أن أريها لأمي فور وصولي إلى البيت . فجأة لمحت خِشْفاً* صغيراً متمدداً على السجاد الخريفي الذي صنعته أوراق الأشجار المتساقطة على أرضية الغابة الرطبة . مابرحت تلك الأوراق محفورة في عقلي لأن بعضاً منها كان ، على ما أذكر ، متناثراً على الخشف المستلقي ذاته . ظننت الخشف نائماً ،وأعتقد – وإن أكن غير متأكد من ذلك الآن – أني تسللت نحو الحيوان إما لأمسِّد جسده أو لإزاحة تلك الأوراق الصفراء والحمراء عنه . لكن الخشف لم يكن نائماً ؛ كان ميتاً.
    (المزيد…)

  • جدارية محمود درويش

    جدارية محمود درويش

    هذا هُوَ اسمُكَ /

    قالتِ امرأةٌ،

    وغابتْ في المَمَرِّ اللولبيِّ…

    أرى السماءَ هُنَاكَ في مُتَناوَلِ الأَيدي.

    ويحملُني جناحُ حمامةٍ بيضاءَ صَوْبَ

    طُفُولَةٍ أَخرى. ولم أَحلُمْ بأني

    كنتُ أَحلُمُ. كُلُّ شيءٍ واقعيٌّ. كُنْتُ

    أَعلَمُ أَنني أُلْقي بنفسي جانباً…

    وأَطيرُ. سوف أكونُ ما سأَصيرُ في

    الفَلَك الأَخيرِ.

    وكُلُّ شيء أَبيضُ،

    البحرُ المُعَلَّقُ فوق سقف غمامةٍ

    بيضاءَ. والَّلا شيء أَبيضُ في

    سماء المُطْلَق البيضاءِ. كُنْتُ، ولم

    أَكُنْ. فأنا وحيدٌ في نواحي هذه

    الأَبديَّة البيضاء. جئتُ قُبَيْل ميعادي

    فلم يَظْهَرْ ملاكٌ واحدٌ ليقول لي :

    (( ماذا فعلتَ، هناك، في الدنيا ؟ ))

    ولم أَسمع هُتَافَ الطيِّبينَ، ولا

    أَنينَ الخاطئينَ، أَنا وحيدٌ في البياض،

    أَنا وحيدُ …

    لاشيء يُوجِعُني على باب القيامةِ.

    لا الزمانُ ولا العواطفُ. لا

    أُحِسُّ بخفَّةِ الأشياء أَو ثِقَلِ

    الهواجس. لم أَجد أَحداً لأسأل :

    أَين (( أَيْني )) الآن ؟ أَين مدينةُ

    الموتى، وأَين أَنا ؟ فلا عَدَمٌ

    هنا في اللا هنا … في اللازمان،

    ولا وُجُودُ

    وكأنني قد متُّ قبل الآن …

    أَعرفُ هذه الرؤيا، وأَعرفُ أَنني

    أَمضي إلى ما لَسْتُ أَعرفُ. رُبَّما

    ما زلتُ حيّاً في مكانٍ ما، وأَعرفُ

    ما أُريدُ …

    سأصيرُ يوماً ما أُريدُ

    سأَصيرُ يوماً فكرةً. لا سَيْفَ يحملُها

    إلى الأرضِ اليبابِ، ولا كتابَ …

    كأنَّها مَطَرٌ على جَبَلٍ تَصَدَّعَ من

    تَفَتُّح عُشْبَةٍ،

    لا القُوَّةُ انتصرتْ

    ولا العَدْلُ الشريدُ

    سأَصير يوماً ما أُريدُ

    سأصير يوماً طائراً، وأَسُلُّ من عَدَمي

    وجودي. كُلَّما احتَرقَ الجناحانِ

    اقتربتُ من الحقيقةِ، وانبعثتُ من

    الرمادِ. أَنا حوارُ الحالمين، عَزَفْتُ

    عن جَسَدي وعن نفسي لأُكْمِلَ

    رحلتي الأولى إلى المعنى، فأَحْرَقَني

    وغاب. أَنا الغيابُ. أَنا السماويُّ

    الطريدُ.

    سأَصير يوماً ما أُريدُ

    سأَصير يوماً كرمةً،

    فَلْيَعْتَصِرني الصيفُ منذ الآن،

    وليشربْ نبيذي العابرون على

    ثُرَيَّات المكان السُكَّريِّ !

    أَنا الرسالةُ والرسولُ

    أَنا العناوينُ الصغيرةُ والبريدُ

    سأَصير يوماً ما أُريدُ

    هذا هُوَ اسمُكَ /

    قالتِ امرأةٌ،

    وغابتْ في مَمَرِّ بياضها.

    هذا هُوَ اسمُكَ، فاحفظِ اسْمَكَ جَيِّداً !

    لا تختلفْ مَعَهُ على حَرْفٍ

    ولا تَعْبَأْ براياتِ القبائلِ،

    كُنْ صديقاً لاسمك الأُفُقِيِّ

    جَرِّبْهُ مع الأحياء والموتى

    ودَرِّبْهُ على النُطْق الصحيح برفقة الغرباء

    واكتُبْهُ على إحدى صُخُور الكهف،

    يااسمي : سوف تكبَرُ حين أَكبَرُ

    سوف تحمِلُني وأَحملُكَ

    الغريبُ أَخُ الغريب

    سنأخُذُ الأُنثى بحرف العِلَّة المنذور للنايات

    يا اسمي: أَين نحن الآن ؟

    قل : ما الآن، ما الغَدُ ؟

    ما الزمانُ وما المكانُ

    وما القديمُ وما الجديدُ ؟

    سنكون يوماً ما نريدُ

    لا الرحلةُ ابتدأتْ، ولا الدربُ انتهى

    لم يَبْلُغِ الحكماءُ غربتَهُمْ

    كما لم يَبْلُغ الغرباءُ حكمتَهمْ

    ولم نعرف من الأزهار غيرَ شقائقِ النعمانِ،

    فلنذهب إلى أَعلى الجداريات :

    أَرضُ قصيدتي خضراءُ، عاليةُ،

    كلامُ الله عند الفجر أَرضُ قصيدتي

    وأَنا البعيدُ

    أَنا البعيدُ

    في كُلِّ ريحٍ تَعْبَثُ امرأةٌ بشاعرها

    – خُذِ الجهةَ التي أَهديتني

    الجهةَ التي انكَسَرتْ،

    وهاتِ أُنوثتي،

    لم يَبْقَ لي إلاّ التَأمُّلُ في

    تجاعيد البُحَيْرَة. خُذْ غدي عنِّي

    وهاتِ الأمس، واتركنا معاً

    لا شيءَ، بعدَكَ، سوف يرحَلُ

    أَو يَعُودُ

    – وخُذي القصيدةَ إن أَردتِ

    فليس لي فيها سواكِ

    خُذي (( أَنا )) كِ. سأُكْملُ المنفى

    بما تركَتْ يداكِ من الرسائل لليمامِ.

    فأيُّنا منا (( أَنا )) لأكون آخرَها ؟

    ستسقطُ نجمةٌ بين الكتابة والكلامِ

    وتَنْشُرُ الذكرى خواطرها : وُلِدْنا

    في زمان السيف والمزمار بين

    التين والصُبَّار. كان الموتُ أَبطأَ.

    كان أَوْضَح. كان هُدْنَةَ عابرين

    على مَصَبِّ النهر. أَما الآن،

    فالزرُّ الإلكترونيُّ يعمل وَحْدَهُ. لا

    قاتلٌ يُصْغي إلى قتلى. ولا يتلو

    وصيَّتَهُ شهيدُ

    من أَيِّ ريح جئتِ ؟

    قولي ما اسمُ جُرْحِكِ أَعرفِ

    الطُرُقَ التي سنضيع فيها مَرّتيْنِ !

    وكُلُّ نَبْضٍ فيكِ يُوجعُني، ويُرْجِعُني

    إلى زَمَنٍ خرافيّ. ويوجعني دمي

    والملحُ يوجعني … ويوجعني الوريدُ

    في الجرّة المكسورةِ انتحبتْ نساءُ

    الساحل السوريّ من طول المسافةِ،

    واحترقْنَ بشمس آبَ. رأيتُهنَّ على

    طريق النبع قبل ولادتي. وسمعتُ

    صَوْتَ الماء في الفخّار يبكيهنّ :

    عُدْنَ إلى السحابة يرجعِ الزَمَنُ الرغيدُ

    قال الصدى :

    لاشيء يرجعُ غيرُ ماضي الأقوياء

    على مِسلاَّت المدى … [ ذهبيّةٌٌ آثارُهُمْ

    ذهبيّةٌٌ ] ورسائلِ الضعفاءِ للغَدِ،

    أَعْطِنا خُبْزَ الكفاف، وحاضراً أَقوى.

    فليس لنا التقمُّصُ والحُلُولُ ولا الخُلُودُ

    قال الصدى :

    وتعبتُ من أَملي العُضَال. تعبتُ

    من شَرَك الجماليّات : ماذا بعد

    بابلَ؟ كُلَّما اتَّضَحَ الطريقُ إلى

    السماء، وأَسْفَرَ المجهولُ عن هَدَفٍ

    نهائيّ تَفَشَّى النثرُ في الصلوات،

    وانكسر النشيدُ

    خضراءُ، أَرضُ قصيدتي خضراءُ عالية ٌ…

    تُطِلُّ عليَّ من بطحاء هاويتي …

    غريبٌ أَنتَ في معناك. يكفي أَن

    تكون هناك، وحدك، كي تصيرَ

    قبيلةً…

    غَنَّيْتُ كي أَزِنَ المدى المهدُورَ

    في وَجَع الحمامةِ،

    لا لأَشْرَحَ ما يقولُ اللهُ للإنسان،

    لَسْتُ أَنا النبيَّ لأَدَّعي وَحْياً

    وأُعْلِنَ أَنَّ هاويتي صُعُودُ

    وأَنا الغريب بكُلِّ ما أُوتيتُ من

    لُغَتي. ولو أخضعتُ عاطفتي بحرف

    الضاد، تخضعني بحرف الياء عاطفتي،

    وللكلمات وَهيَ بعيدةٌ أَرضٌ تُجاوِرُ

    كوكباً أَعلى. وللكلمات وَهيَ قريبةٌ

    منفى. ولا يكفي الكتابُ لكي أَقول :

    وجدتُ نفسي حاضراً مِلْءَ الغياب.

    وكُلَّما فَتَّشْتُ عن نفسي وجدتُ

    الآخرين. وكُلَّما فتَّشْتُ عَنْهُمْ لم

    أَجد فيهم سوى نَفسي الغريبةِ،

    هل أَنا الفَرْدُ الحُشُودُ ؟

    وأَنا الغريبُ. تَعِبْتُ من ” درب الحليب “

    إلى الحبيب. تعبتُ من صِفَتي.

    يَضيقُ الشَّكْلُ. يَتّسعُ الكلامُ. أُفيضُ

    عن حاجات مفردتي. وأَنْظُرُ نحو

    نفسي في المرايا :

    هل أَنا هُوَ ؟

    هل أُؤدِّي جَيِّداً دَوْرِي من الفصل

    الأخيرِ ؟

    وهل قرأتُ المسرحيَّةَ قبل هذا العرض،

    أَم فُرِضَتْ عليَّ ؟

    وهل أَنا هُوَ من يؤدِّي الدَّوْرَ

    أَمْ أَنَّ الضحيَّة غَيَّرتْ أَقوالها

    لتعيش ما بعد الحداثة، بعدما

    انْحَرَفَ المؤلّفُ عن سياق النصِّ

    وانصرَفَ المُمَثّلُ والشهودُ ؟

    وجلستُ خلف الباب أَنظُرُ :

    هل أَنا هُوَ ؟

    هذه لُغَتي. وهذا الصوت وَخْزُ دمي

    ولكن المؤلِّف آخَرٌ…

    أَنا لستُ مني إن أَتيتُ ولم أَصِلْ

    أَنا لستُ منِّي إن نَطَقْتُ ولم أَقُلْ

    أَنا مَنْ تَقُولُ له الحُروفُ الغامضاتُ :

    اكتُبْ تَكُنْ !

    واقرأْ تَجِدْ !

    وإذا أردْتَ القَوْلَ فافعلْ، يَتَّحِدْ

    ضدَّاكَ في المعنى …

    وباطِنُكَ الشفيفُ هُوَ القصيدُ

    بَحَّارَةٌ حولي، ولا ميناء

    أَفرغني الهباءُ من الإشارةِ والعبارةِ،

    لم أَجد وقتاً لأعرف أَين مَنْزِلَتي،

    الهُنَيْهةَ، بين مَنْزِلَتَيْنِ. لم أَسأل

    سؤالي، بعد، عن غَبَش التشابُهِ

    بين بابَيْنِ : الخروج أم الدخول …

    ولم أَجِدْ موتاً لأقْتَنِصَ الحياةَ.

    ولم أَجِدْ صوتاً لأَصرخَ : أَيُّها

    الزَمَنُ السريعُ ! خَطَفْتَني مما تقولُ

    لي الحروفُ الغامضاتُ :

    ألواقعيُّ هو الخياليُّ الأَكيدُ

    يا أيها الزَمَنُ الذي لم ينتظِرْ …

    لم يَنْتَظِرْ أَحداً تأخَّر عن ولادتِهِ،

    دَعِ الماضي جديداً، فَهْوَ ذكراكَ

    الوحيدةُ بيننا، أيَّامَ كنا أَصدقاءك،

    لا ضحايا مركباتك. واترُكِ الماضي

    كما هُوَ، لا يُقَادُ ولا يَقُودُ

    ورأيتُ ما يتذكَّرُ الموتى وما ينسون …

    هُمْ لا يكبرون ويقرأون الوَقْتَ في

    ساعات أيديهمْ. وَهُمْ لايشعرون

    بموتنا أَبداً ولا بحياتهِمْ. لا شيءَ

    ممَّا كُنْتُ أو سأكونُ. تنحلُّ الضمائرُ

    كُلُّها. ” هو ” في ” أنا ” في ” أَنت ”.

    لا كُلٌّ ولاجُزْءٌ. ولا حيٌّ يقول

    لميِّتٍ : كُنِّي !

    .. وتنحلُّ العناصرُ والمشاعرُ. لا

    أَرى جَسَدي هُنَاكَ، ولا أُحسُّ

    بعنفوان الموت، أَو بحياتيَ الأُولى.

    كأنِّي لَسْتُ منّي. مَنْ أَنا ؟ أَأَنا

    الفقيدُ أَم الوليدُ ؟

    الوقْتُ صِفْرٌ. لم أُفكِّر بالولادة

    حين طار الموتُ بي نحو السديم،

    فلم أكُن حَيّاً ولا مَيْتاً،

    ولا عَدَمٌ هناك، ولا وُجُودُ

    تقولُ مُمَرِّضتي : أَنتَ أَحسَنُ حالًا.

    وتحقُنُني بالمُخَدِّر : كُنْ هادئًا

    وجديراً بما سوف تحلُمُ

    عما قليل …

    رأيتُ طبيبي الفرنسيَّ

    يفتح زنزانتي

    ويضربني بالعصا

    يُعَاونُهُ اثنانِ من شُرْطة الضاحيةْ

    رأيتُ أَبي عائداً

    من الحجِّ، مُغمىً عليه

    مُصَاباً بضربة شمسٍ حجازيّة

    يقول لرفِّ ملائكةٍ حَوْلَهُ :

    أَطفئوني ! …

    رأيتُ شباباً مغاربةً

    يلعبون الكُرَةْ

    ويرمونني بالحجارة : عُدْ بالعبارةِ

    واترُكْ لنا أُمَّنا

    يا أَبانا الذي أخطَأَ المقبرةْ !

    رأيت ” ريني شار “

    يجلس مع ” هيدغر “

    على بُعْدِ مترين منِّي،

    رأيتهما يشربان النبيذَ

    ولا يبحثان عن الشعر …

    كان الحوار شُعَاعاً

    وكان غدٌ عابرٌ ينتظرْ

    رأيتُ رفاقي الثلاثَةَ ينتحبونَ

    وَهُمْ

    يَخيطونَ لي كَفَناً

    بخُيوطِ الذَّهَبْ

    رأيت المعريَّ يطرد نُقَّادَهُ

    من قصيدتِهِ :

    لستُ أَعمى

    لأُبْصِرَ ما تبصرونْ،

    فإنَّ البصيرةَ نورٌ يؤدِّي

    إلى عَدَمٍ …. أَو جُنُونْ

    رأيتُ بلاداً تعانقُني

    بأَيدٍ صَبَاحيّة : كُنْ

    جديراً برائحة الخبز. كُنْ

    لائقا ً بزهور الرصيفْ

    فما زال تَنُّورُ أُمِّكَ

    مشتعلاً،

    والتحيَّةُ ساخنةً كالرغيفْ !

    خضراءُ، أَرضُ قصيدتي خضراءُ. نهرٌ واحدٌ يكفي

    لأهمس للفراشة : آهِ، يا أُختي، ونَهْرٌ واحدٌ يكفي لإغواءِ

    الأساطير القديمة بالبقاء على جناح الصَّقْر، وَهْوَ يُبَدِّلُ

    الراياتِ والقممَ البعيدةَ، حيث أَنشأتِ الجيوشُ ممالِكَ

    النسيان لي. لاشَعْبَ أَصْغَرُ من قصيدته. ولكنَّ السلاحَ

    يُوَسِّعُ الكلمات للموتى وللأحياء فيها، والحُرُوفَ تُلَمِّعُ

    السيفَ المُعَلَّقَ في حزام الفجر، والصحراء تنقُصُ

    بالأغاني، أَو تزيدُ

    لاعُمْرَ يكفي كي أَشُدَّ نهايتي لبدايتي

    أَخَذَ الرُّعَاةُ حكايتي وتَوَغَّلُوا في العشب فوق مفاتن

    الأنقاض، وانتصروا على النسيان بالأَبواق والسَّجَع

    المشاع، وأَورثوني بُحَّةَ الذكرى على حَجَرِ الوداع، ولم

    يعودوا …

    رَعَويَّةٌ أَيَّامنا رَعَويَّةٌ بين القبيلة والمدينة، لم أَجد لَيْلاً

    خُصُوصِيّاً لهودجِكِ المُكَلَّلِ بالسراب، وقلتِ لي :

    ما حاجتي لاسمي بدونكَ ؟ نادني، فأنا خلقتُكَ

    عندما سَمَّيْتَني، وقتلتَني حين امتلكتَ الاسمَ …

    كيف قتلتَني ؟ وأَنا غريبةُ كُلِّ هذا الليل، أَدْخِلْني

    إلى غابات شهوتك، احتضنِّي واعْتَصِرْني،

    واسفُك العَسَلَ الزفافيَّ النقيَّ على قفير النحل.

    بعثرني بما ملكتْ يداك من الرياح ولُمَّني.

    فالليل يُسْلِمُ روحَهُ لك يا غريبُ، ولن تراني نجمةٌ

    إلاّ وتعرف أَنَّ عائلتي ستقتلني بماء اللازوردِ،

    فهاتِني ليكونَ لي – وأَنا أُحطِّمُ جَرَّتي بيديَّ –

    حاضِريَ السعيدُ

    – هل قُلْتَ لي شيئاً يُغَيِّر لي سبيلي ؟

    – لم أَقُلْ. كانت حياتي خارجي

    أَنا مَنْ يُحَدِّثُ نفسَهُ :

    وَقَعَتْ مُعَلَّقتي الأَخيرةُ عن نخيلي

    وأَنا المُسَافِرُ داخلي

    وأَنا المُحَاصَرُ بالثنائياتِ،

    لكنَّ الحياة جديرَةٌ بغموضها

    وبطائرِ الدوريِّ …

    لم أُولَدْ لأَعرفَ أَنني سأموتُ، بل لأُحبَّ محتوياتِ ظلِّ

    اللهِ

    يأخُذُني الجمالُ إلى الجميلِ

    وأُحبُّ حُبَّك، هكذا متحرراً من ذاتِهِ وصفاتِهِ

    وأِنا بديلي …

    أَنا من يُحَدِّثُ نَفْسَهُ :

    مِنْ أَصغر الأشياءِ تُولَدُ أكبرُ الأفكار

    والإيقاعُ لا يأتي من الكلمات،

    بل مِنْ وحدة الجَسَدَيْنِ

    في ليلٍ طويلٍ …

    أَنا مَنْ يحدِّثُ نَفْسَهُ

    ويروِّضُ الذكرى … أَأَنتِ أَنا ؟

    وثالثُنا يرفرف بيننا ” لا تَنْسَيَاني دائماً “

    يا مَوْتَنا ! خُذْنَا إليكَ على طريقتنا، فقد نتعلَّمُ الإشراق …

    لا شَمْسٌ ولا قَمَرٌ عليَّ

    تركتُ ظلِّي عالقاً بغصون عَوْسَجَةٍ

    فخفَّ بِيَ المكانُ

    وطار بي روحي الشَّرُودُ

    أَنا مَنْ يحدِّثُ نفسَهُ :

    يا بنتُ : ما فَعَلَتْ بكِ الأشواقُ ؟

    إن الريح تصقُلُنا وتحملنا كرائحة الخريفِ،

    نضجتِ يا امرأتي على عُكَّازَتيَّ،

    بوسعك الآن الذهابُ على ” طريق دمشق “

    واثقةً من الرؤيا. مَلاَكٌ حارسٌ

    وحمامتان ترفرفان على بقيَّة عمرنا، والأرضُ عيدُ …

    الأرضُ عيدُ الخاسرين [ ونحن منهُمْ ]نحن من أَثَرِ النشيد الملحميِّ على المكان، كريشةِ النَّسْرِ

    العجوز خيامُنا في الريح. كُنَّا طيِّبين وزاهدين بلا تعاليم

    المسيح. ولم نكُنْ أَقوى من الأعشابِ إلاّ في ختام

    الصَيْفِ،

    أَنتِ حقيقتي، وأَنا سؤالُكِ

    لم نَرِثْ شيئاً سوى اسْميْنَا

    وأَنتِ حديقتي، وأَنا ظلالُكِ

    عند مفترق النشيد الملحميِّ …

    ولم نشارك في تدابير الإلهات اللواتي كُنَّ يبدأن النشيد

    بسحرهنَّ وكيدهنَّ. وكُنَّ يَحْمِلْنَ المكانَ على قُرُون

    الوعل من زَمَنِ المكان إلى زمان آخرٍ …

    كنا طبيعيِّين لو كانت نجومُ سمائنا أَعلى قليلاً من

    حجارة بئرنا، والأَنبياءُ أَقلَّ إلحاحاً، فلم يسمع مدائحَنا

    الجُنُودُ …

    خضراءُ، أرضُ قصيدتي خضراءُ

    يحملُها الغنائيّون من زَمَنٍ إلى زَمَنٍ كما هِيَ في

    خُصُوبتها.

    ولي منها : تأمُّلُ نَرْجسٍ في ماء صُورَتِهِ

    ولي منها وُضُوحُ الظلِّ في المترادفات

    ودقَّةُ المعنى …

    ولي منها : التَّشَابُهُ في كلام الأَنبياءِ

    على سُطُوح الليلِ

    لي منها : حمارُ الحكمةِ المنسيُّ فوق التلِّ

    يسخَرُ من خُرافتها وواقعها …

    ولي منها : احتقانُ الرمز بالأضدادِ

    لا التجسيدُ يُرجِعُها من الذكرى

    ولا التجريدُ يرفَعُها إلى الإشراقة الكبرى

    ولي منها : ” أَنا ” الأُخرى

    تُدَوِّنُ في مُفَكِّرَة الغنائيِّين يوميَّاتها :

    (( إن كان هذا الحُلْمُ لا يكفي

    فلي سَهَرٌ بطوليٌّ على بوابة المنفى … ))

    ولي منها : صَدَى لُغتي على الجدران

    يكشِطُ مِلْحَهَا البحريَّ

    حين يخونني قَلْبٌ لَدُودُ …

    أَعلى من الأَغوار كانت حكمتي

    إذ قلتُ للشيطان : لا. لا تَمْتَحِنِّي !

    لا تَضَعْني في الثُّنَائيّات، واتركني

    كما أَنا زاهداً برواية العهد القديم

    وصاعداً نحو السماء، هُنَاكَ مملكتي

    خُذِ التاريخَ، يا ابنَ أَبي، خُذِ

    التاريخَ … واصنَعْ بالغرائز ما تريدُ

    وَلِيَ السكينةُ. حَبَّةُ القمح الصغيرةُ

    سوف تكفينا، أَنا وأَخي العَدُوّ،

    فساعتي لم تَأْتِ بَعْدُ. ولم يَحِنْ

    وقتُ الحصاد. عليَّ أَن أَلِجَ الغيابَ

    وأَن أُصدِّقَ أوَّلاً قلبي وأتبعَهُ إلى

    قانا الجليل. وساعتي لم تأتِ بَعْدُ.

    لَعَلَّ شيئاً فيَّ ينبُذُني. لعلِّي واحدٌ

    غيري. فلم تنضج كُرومُ التين حول

    ملابس الفتيات بَعْدُ. ولم تَلِدْني

    ريشةُ العنقاء. لا أَحَدٌ هنالك

    في انتظاري. جئْتُ قبل، وجئتُ

    بعد، فلم أَجد أحداً يُصَدِّق ما

    أرى. أنا مَنْ رأى. وأَنا البعيدُ

    أَنا البعيدُ

    مَنْ أَنتَ، يا أَنا ؟ في الطريقِ

    اثنانِ نَحْنُ، وفي القيامة واحدٌ.

    خُذْني إلى ضوء التلاشي كي أَرى

    صَيْرُورتي في صُورَتي الأُخرى. فَمَنْ

    سأكون بعدَكَ، يا أَنا ؟ جَسَدي

    ورائي أم أَمامَكَ ؟ مَنْ أَنا يا

    أَنت ؟ كَوِّنِّي كما كَوَّنْتُكَ، ادْهَنِّي

    بزيت اللوز، كَلِّلني بتاج الأرز.

    واحملني من الوادي إلى أَبديّةٍ

    بيضاءَ. عَلِّمني الحياةَ على طريقتِكَ،

    اختَبِرْني ذَرَّةً في العالم العُلْوِيِّ.

    ساعِدْني على ضَجَر الخلود، وكُنْ

    رحيماً حين تجرحني وتبزغ من

    شراييني الورودُ …

    لم تـأت سـاعـتُنا. فـلا رُسُـلٌ يَـقِـيـسُـونَ

    الزمانَ بقبضة العشب الأخير. هل استدار ؟ ولا ملائكةٌ

    يزورون المكانَ ليتركَ الشعراءُ ماضِيَهُمْ على الشَّفَق

    الجميل، ويفتحوا غَدَهُمْ بأيديهمْ.

    فغنِّي يا إلهتيَ الأثيرةَ، ياعناةُ،

    قصيدتي الأُولى عن التكوين ثانيةً …

    فقد يجدُ الرُّوَاةُ شهادةَ الميلاد

    للصفصاف في حَجَرٍ خريفيّ. وقد يجدُ

    الرعاةُ البئرَ في أَعماق أُغنية. وقد

    تأتي الحياةُ فجاءةً للعازفين عن

    المعاني من جناح فراشةٍ عَلِقَتْ

    بقافيةٍ، فغنِّي يا إلهتيَ الأَثيرةَ

    يا عناةُ، أَنا الطريدةُ والسهامُ،

    أَنا الكلامُ. أَنا المؤبِّنُ والمؤذِّنُ

    والشهيدُ

    ما قلتُ للطَّلَلِ : الوداع. فلم أَكُنْ

    ما كُنْتُ إلاّ مَرَّةً. ما كُنْتُ إلاّ

    مرَّةً تكفي لأَعرف كيف ينكسرُ الزمانُ

    كخيمة البدويِّ في ريح الشمال،

    وكيف يَنْفَطِرُ المكانُ ويرتدي الماضي

    نُثَارَ المعبد المهجور. يُشبهُني كثيراً

    كُلُّ ما حولي، ولم أُشْبِهْ هنا

    شيئاً. كأنَّ الأرض ضَيِّقَةٌ على

    المرضى الغنائيِّين، أَحفادِ الشياطين

    المساكين المجانين الذين إذا رأوا

    حُلْماً جميلاً لَقَّنُوا الببغاءَ شِعْر

    الحب، وانفتَحتْ أَمامَهُمُ الحُدُودُ …

    وأُريدُ أُن أُحيا …

    فلي عَمَلٌ على ظهر السفينة. لا

    لأُنقذ طائراً من جوعنا أَو من

    دُوَارِ البحر، بل لأُشاهِدَ الطُوفانَ

    عن كَثَبٍ : وماذا بعد ؟ ماذا

    يفعَلُ الناجونَ بالأرض العتيقة ؟

    هل يُعيدونَ الحكايةَ ؟ ما البدايةُ ؟

    ما النهايةُ ؟ لم يعد أَحَدٌ من

    الموتى ليخبرنا الحقيقة … /

    أَيُّها الموتُ انتظرني خارج الأرض،

    انتظرني في بلادِكَ، ريثما أُنهي

    حديثاً عابراً مَعَ ما تبقَّى من حياتي

    قرب خيمتكَ، انتظِرْني ريثما أُنهي

    قراءةَ طَرْفَةَ بنِ العَبْد. يُغْريني

    الوجوديّون باستنزاف كُلِّ هُنَيْهَةٍ

    حريةً، وعدالةً، ونبيذَ آلهةٍ … /

    فيا مَوْتُ ! انتظرني ريثما أُنهي

    تدابيرَ الجنازة في الربيع الهَشّ،

    حيث وُلدتُ، حيث سأمنع الخطباء

    من تكرار ما قالوا عن البلد الحزين

    وعن صُمُود التينِ والزيتونِ في وجه

    الزمان وجيشِهِ. سأقول : صُبُّوني

    بحرف النون، حيث تَعُبُّ روحي

    سورةُ الرحمن في القرآن. وامشوا

    صامتين معي على خطوات أَجدادي

    ووقع الناي في أَزلي. ولا

    تَضَعُوا على قبري البنفسجَ، فَهْوَ

    زَهْرُ المُحْبَطين يُذَكِّرُ الموتى بموت

    الحُبِّ قبل أَوانِهِ. وَضَعُوا على

    التابوتِ سَبْعَ سنابلٍ خضراءَ إنْ

    وُجِدَتْ، وبَعْضَ شقائقِ النُعْمانِ إنْ

    وُجِدَتْ. وإلاّ، فاتركوا وَرْدَ

    الكنائس للكنائس والعرائس /

    أَيُّها الموت انتظر ! حتى أُعِدَّ

    حقيبتي : فرشاةَ أسناني، وصابوني

    وماكنة الحلاقةِ، والكولونيا، والثيابَ.

    هل المناخُ هُنَاكَ مُعْتَدِلٌ ؟ وهل

    تتبدَّلُ الأحوالُ في الأبدية البيضاء،

    أم تبقى كما هِي في الخريف وفي

    الشتاء ؟ وهل كتابٌ واحدٌ يكفي

    لِتَسْلِيَتي مع اللاَّ وقتِ، أمْ أَحتاجُ

    مكتبةً ؟ وما لُغَةُ الحديث هناك،

    دارجةٌ لكُلِّ الناس أَم عربيّةٌ

    فُصْحى/

    .. ويا مَوْتُ انتظرْ، ياموتُ،

    حتى أستعيدَ صفاءَ ذِهْني في الربيع

    وصحّتي، لتكون صيَّاداً شريفاً لا

    يَصيدُ الظَّبْيَ قرب النبع. فلتكنِ العلاقةُ

    بيننا وُدّيَّةً وصريحةً : لَكَ أنَتَ

    مالَكَ من حياتي حين أَملأُها..

    ولي منك التأمُّلُ في الكواكب :

    لم يَمُتْ أَحَدٌ تماماً، تلك أَرواحٌ

    تغيِّر شَكْلَها ومُقَامَها /

    يا موت ! ياظلِّي الذي

    سيقودُني، يا ثالثَ الاثنين، يا

    لَوْنَ التردُّد في الزُمُرُّد والزَّبَرْجَدِ،

    يا دَمَ الطاووس، يا قَنَّاصَ قلب

    الذئب، يا مَرَض الخيال ! اجلسْ

    على الكرسيّ ! ضَعْ أَدواتِ صيدكَ

    تحت نافذتي. وعلِّقْ فوق باب البيت

    سلسلةَ المفاتيح الثقيلةَ ! لا تُحَدِّقْ

    يا قويُّ إلى شراييني لترصُدَ نُقْطَةَ

    الضعف الأَخيرةَ. أَنتَ أَقوى من

    نظام الطبّ. أَقوى من جهاز

    تَنَفُّسي. أَقوى من العَسَلِ القويّ،

    ولَسْتَ محتاجاً – لتقتلني – إلى مَرَضي.

    فكُنْ أَسْمَى من الحشرات. كُنْ مَنْ

    أَنتَ، شفَّافاً بريداً واضحاً للغيب.

    كن كالحُبِّ عاصفةً على شجر، ولا

    تجلس على العتبات كالشحَّاذ أو جابي

    الضرائبِ. لا تكن شُرطيّ سَيْرٍ في

    الشوارع. كن قويّاً، ناصعَ الفولاذ، واخلَعْ عنك أَقنعةَ

    الثعالب. كُنْ

    فروسياً، بهيًا، كامل الضربات. قُلْ

    ماشئْتَ : (( من معنى إلى معنى

    أَجيءُ. هِيَ الحياةُ سُيُولَةٌ، وأَنا

    أكثِّفُها، أُعرِّفُها بسُلْطاني وميزاني )).. /

    ويامَوْتُ انتظرْ، واجلس على

    الكرسيّ. خُذْ كأسَ النبيذ، ولا

    تفاوِضْني، فمثلُكَ لا يُفاوِضُ أَيَّ

    إنسانٍ، ومثلي لا يعارضُ خادمَ

    الغيبِ. استرح … فَلَرُبَّما أُنْهِكْتَ هذا

    اليوم من حرب النجوم. فمن أَنا

    لتزورني ؟ أَلَدَيْكَ وَقْتٌ لاختبار

    قصيدتي. لا. ليس هذا الشأنُ

    شأنَكَ. أَنت مسؤولٌ عن الطينيِّ في

    البشريِّ، لا عن فِعْلِهِ أو قَوْلِهِ /

    هَزَمَتْكَ يا موتُ الفنونُ جميعُها.

    هزمتك يا موتُ الأغاني في بلاد

    الرافدين. مِسَلَّةُ المصريّ، مقبرةُ الفراعنةِ،

    النقوشُ على حجارة معبدٍ هَزَمَتْكَ

    وانتصرتْ، وأِفْلَتَ من كمائنك

    الخُلُودُ …

    فاصنع بنا، واصنع بنفسك ما تريدُ

    وأَنا أُريدُ، أريدُ أَن أَحيا …

    فلي عَمَلٌ على جغرافيا البركان.

    من أَيام لوط إلى قيامة هيروشيما

    واليبابُ هو اليبابُ. كأنني أَحيا

    هنا أَبداً، وبي شَبَقٌ إلى ما لست

    أَعرف. قد يكون ” الآن ” أَبعَدَ.

    قد يكونُ الأمس أَقربَ. والغَدُ الماضي.

    ولكني أَشدُّ ” الآن ” من يَدِهِ ليعبُرَ

    قربيَ التاريخُ، لا الزَّمَنُ المُدَوَّرُ،

    مثل فوضى الماعز الجبليِّ. هل

    أنجو غداً من سرعة الوقت الإلكترونيّ،

    أَم أَنجو غداً من بُطْء قافلتي

    على الصحراء؟ لي عَمَلٌ لآخرتي

    كأني لن أَعيش غداً. ولي عَمَلٌ ليومٍ

    حاضرٍ أَبداً. لذا أُصغي، على مَهَلٍ

    على مَهَل، لصوت النمل في قلبي :

    أعينوني على جَلَدي. وأَسمع صَرْخَةَ

    الحَجَر الأسيرةَ : حَرِّروا جسدي. وأُبصرُ

    في الكمنجة هجرةَ الأشواق من بَلَدٍ

    تُرَابيّ إلى بَلَدٍ سماويّ. وأَقبضُ في

    يد الأُنثى على أَبَدِي الأليفِ : خُلِقتُ

    ثم عَشِقْتُ، ثم زهقت، ثم أَفقتُ

    في عُشْبٍ على قبري يدلُّ عليَّ من

    حينٍ إلى حينٍ. فما نَفْعُ الربيع

    السمح إن لم يُؤْنِس الموتى ويُكْمِلْ

    بعدهُمْ فَرَحَ الحياةِ ونَضْرةَ النسيان ؟

    تلك طريقةٌ في فكِّ لغز الشعرِ،

    شعري العاطفيّ على الأَقلِّ. وما

    المنامُ سوى طريقنا الوحيدة في الكلام /

    وأَيُّها الموتُ التَبِسْ واجلسْ

    على بلَّوْرِ أَيامي، كأنَّكَ واحدٌ من

    أَصدقائي الدائمين، كأنَّكَ المنفيُّ بين

    الكائنات. ووحدك المنفيُّ. لا تحيا

    حياتَكَ. ما حياتُكَ غير موتي. لا

    تعيش ولا تموت. وتخطف الأطفالَ

    من عَطَشِ الحليب إلى الحليب. ولم

    تكن طفلاً تهزُّ له الحساسينُ السريرَ،

    ولم يداعِبْكَ الملائكةُ الصغارُ ولا

    قُرونُ الأيِّل الساهي، كما فَعَلَتْ لنا

    نحن الضيوفَ على الفراشة. وحدك

    المنفيُّ، يا مسكين، لا امرأةٌ تَضُمُّك

    بين نهديها، ولا امرأةٌ تقاسِمُك

    الحنين إلى اقتصاد الليل باللفظ الإباحيِّ

    المرادفِ لاختلاط الأرض فينا بالسماءِ.

    ولم تَلِدْ وَلَداً يجيئك ضارعاً : أَبتي،

    أُحبُّكَ. وحدك المنفيُّ، يا مَلِكَ

    الملوك، ولا مديحَ لصولجانكَ. لا

    صُقُورَ على حصانك. لا لآلئَ حول

    تاجك. أَيُّها العاري من الرايات

    والبُوق المُقَدَّسِ ! كيف تمشي هكذا

    من دون حُرَّاسٍ وجَوْقَةِ منشدين،

    كَمِشْيَة اللصِّ الجبان. وأَنتَ مَنْ

    أَنتَ، المُعَظَّمُ، عاهلُ الموتى، القويُّ،

    وقائدُ الجيش الأَشوريِّ العنيدُ

    فاصنع بنا، واصنع بنفسك ما تريدُ

    وأَنا أُريدُ، أُريد أَن أَحيا، وأَن

    أَنساك …. أَن أَنسى علاقتنا الطويلة

    لا لشيءٍ، بل لأَقرأ ما تُدَوِّنُهُ

    السماواتُ البعيدةُ من رسائلَ. كُلَّما

    أَعددتُ نفسي لا نتظار قدومِكَ

    ازددتَ ابتعاداً. كلما قلتُ : ابتعدْ

    عني لأُكمل دَوْرَةَ الجَسَدَيْنِ، في جَسَدٍ

    يفيضُ، ظهرتَ ما بيني وبيني

    ساخراً : ” لا تَنْسَ مَوْعِدَنا … “

    – متى ؟ – في ذِرْوَة النسيان

    حين تُصَدِّقُ الدنيا وتعبُدُ خاشعاً

    خَشَبَ الهياكل والرسومَ على جدار الكهف،

    حيث تقول : ” آثاري أَنا وأَنا ابنُ نفسي ”. – أَين موعدُنا ؟

    أَتأذن لي بأن أَختار مقهىً عند

    باب البحر ؟ – لا …. لا تَقْتَرِبْ

    يا ابنَ الخطيئةِ، يا ابن آدمَ من

    حدود الله ! لم تُولَدْ لتسأل، بل

    لتعمل …. – كُن صديقاً طَيِّباً يا

    موت ! كُنْ معنىً ثقافياً لأُدرك

    كُنْهَ حكمتِكَ الخبيئةِ ! رُبَّما أَسْرَعْتَ

    في تعليم قابيلَ الرمايةَ. رُبَّما

    أَبطأتَ في تدريب أَيُّوبٍ على

    الصبر الطويل. وربما أَسْرَجْتَ لي

    فَرَسا ً لتقتُلَني على فَرَسي. كأني

    عندما أَتذكَّرُ النسيانَ تُنقِذُ حاضري

    لُغَتي. كأني حاضرٌ أَبداً. كأني

    طائر أَبداً. كأني مُذْ عرفتُكَ

    أَدمنتْ لُغَتي هَشَاشَتَها على عرباتك

    البيضاءِ، أَعلى من غيوم النوم،

    أَعلى عندما يتحرَّرُ الإحساس من عبء

    العناصر كُلّها. فأنا وأَنتَ على طريق

    الله صوفيَّانِ محكومان بالرؤيا ولا يَرَيَان /

    عُدْ يا مَوْتُ وحدَكَ سالماً،

    فأنا طليق ههنا في لا هنا

    أو لا هناك. وَعُدْ إلى منفاك

    وحدك. عُدْ إلى أدوات صيدك،

    وانتظرني عند باب البحر. هَيِّئ لي

    نبيذاً أَحمراً للاحتفال بعودتي لِعِيادَةِ

    الأرضِ المريضة. لا تكن فظّا ً غليظ

    القلب ! لن آتي لأَسخر منك، أَو

    أَمشي على ماء البُحَيْرَة في شمال

    الروح. لكنِّي – وقد أَغويتَني – أَهملتُ

    خاتمةَ القصيدةِ : لم أَزفَّ إلى أَبي

    أُمِّي على فَرَسي. تركتُ الباب مفتوحاً

    لأندلُسِ الغنائيِّين، واخترتُ الوقوفَ

    على سياج اللوز والرُمَّان، أَنفُضُ

    عن عباءة جدِّيَ العالي خُيُوطَ

    العنكبوت. وكان جَيْشٌ أَجنبيٌّ يعبر

    الطُرُقَ القديمةَ ذاتها، ويَقِيسُ أَبعادَ

    الزمان بآلة الحرب القديمة ذاتها … /

    يا موت، هل هذا هو التاريخُ،

    صِنْوُكَ أَو عَدُوُّك، صاعداً ما بين

    هاويتين ؟ قد تبني الحمامة عُشَّها

    وتبيضُ في خُوَذ الحديد. وربما ينمو

    نباتُ الشِّيحِ في عَجَلاتِ مَرْكَبَةٍ مُحَطَّمةٍ.

    فماذا يفعل التاريخُ، صنوُكَ أو عَدُوُّكَ،

    بالطبيعة عندما تتزوَّجُ الأرضَ السماءُ

    وتذرفُ المَطَرَ المُقَدَّسَ ؟ /

    أَيها الموت، انتظرني عند باب

    البحر في مقهى الرومانسيِّين. لم

    أَرجِعْ وقد طاشَتْ سهامُكَ مَرَّةً

    إلاّ لأُودِعَ داخلي في خارجي،

    وأُوزِّعَ القمح الذي امتلأتْ به رُوحي

    على الشحرور حطَّ على يديَّ وكاهلي،

    وأُودِّعَ الأرضَ التي تمتصُّني ملحاً، وتنثرني

    حشيشاً للحصان وللغزالة. فانتظرني

    ريثما أُنهي زيارتي القصيرة للمكان وللزمان،

    ولا تُصَدِّقْني أَعودُ ولا أَعودُ

    وأَقول : شكراً للحياة !

    ولم أكن حَيّاً ولا مَيْتاً

    ووحدك، كنتَ وحدك، يا وحيدُ !

    تقولُ مُمَرِّضتي : كُنْتَ تهذي

    كثيراً، وتصرخُ : يا قلبُ !

    يا قَلْبُ ! خُذْني

    إلى دَوْرَة الماءِ …/

    ما قيمةُ الروح إن كان جسمي

    مريضاً، ولا يستطيعُ القيامَ

    بواجبه الأوليِّ ؟

    فيا قلبُ، يا قلبُ أَرجعْ خُطَايَ

    إليَّ، لأَمشي إلى دورة الماء

    وحدي !

    نسيتُ ذراعيَّ، ساقيَّ، والركبتين

    وتُفَّاحةَ الجاذبيَّةْ

    نسيتُ وظيفةَ قلبي

    وبستانَ حوَّاءَ في أَوَّل الأبديَّةْ

    نسيتُ وظيفةَ عضوي الصغير

    نسيتُ التنفُّسَ من رئتيّ.

    نسيتُ الكلام

    أَخاف على لغتي

    فاتركوا كُلَّّ شيء على حالِهِ

    وأَعيدوا الحياة إلى لُغَتي !..

    تقول مُمَرِّضتي : كُنْتَ تهذي

    كثيراً، وتصرخ بي قائلا ً :

    لا أُريدُ الرجوعَ إلى أَحَدِ

    لا أُريدُ الرجوعَ إلى بلدِ

    بعد هذا الغياب ألطويل …

    أُريدُ الرجوعَ فَقَطْ

    إلى لغتي في أقاصي الهديل

    تقولُ مُمَرِّضتي :

    كُنْتَ تهذي طويلا ً، وتسألني :

    هل الموتُ ما تفعلين بي الآنَ

    أَم هُوَ مَوْتُ اللُغَةْ ؟

    خضراءُ، أَرضُ قصيدتي خضراءُ، عاليةٌ …

    على مَهَلٍ أُدوِّنُها، على مَهَلٍ، على

    وزن النوارس في كتاب الماءِ. أَكتُبُها

    وأُورِثُها لمنْ يتساءلون : لمنْ نُغَنِّي

    حين تنتشرُ المُلُوحَةُ في الندى ؟ …

    خضراءُ، أكتُبُها على نَثْرِ السنابل في

    كتاب الحقلِ، قَوَّسَها امتلاءٌ شاحبٌ

    فيها وفيَّ. وكُلَّما صادَقْتُ أَو

    آخَيْتُ سُنْبُلةً تَعَلَّمْتُ البقاءَ من

    الفَنَاء وضدَّه : (( أَنا حَبَّةُ القمح

    التي ماتت لكي تَخْضَرَّ ثانيةً. وفي

    موتي حياةٌ ما … ))

    كأني لا كأنّي

    لم يمت أَحَدٌ هناك نيابةً عني.

    فماذا يحفظُ الموتى من الكلمات غيرَ

    الشُّكْرِ : ” إنَّ الله يرحَمُنا ” …

    ويُؤْنِسُني تذكُّرُ ما نَسِيتُ مِنَ

    البلاغة : ” لم أَلِدْ وَلَدا ً ليحمل مَوْتَ

    والِدِهِ ” …

    وآثَرْتُ الزواجَ الحُرَّ بين المُفْرَدات ….

    سَتَعْثُرُ الأُنثى على الذَّّكَر المُلائِمِ

    في جُنُوح الشعر نحو النثر ….

    سوف تشُّبُّ أَعضائي على جُمَّيزَةٍ،

    ويصُبُّ قلبي ماءَهُ الأَرضيَّ في

    أَحَدِ الكواكب … مَنْ أَنا في الموت

    بعدي ؟ مَنْ أَنا في الموت قبلي

    قال طيفٌ هامشيٌّ : (( كان أوزيريسُ

    مثْلَكَ، كان مثلي. وابنُ مَرْيَمَ

    كان مثلَكَ، كان مثلي. بَيْدَ أَنَّ

    الجُرْحَ في الوقت المناسب يُوجِعُ

    العَدَمَ المريضَ، ويَرْفَعُ الموتَ المؤقَّّتَ

    فكرةً … )).

    من أَين تأتي الشاعريَّةُ ؟ من

    ذكاء القلب، أَمْ من فِطْرة الإحساس

    بالمجهول ؟ أَمْ من وردةٍ حمراءَ

    في الصحراء ؟ لا الشخصيُّ شخصيُّ

    ولا الكونيُّ كونيٌّ …

    كأني لا كأني …/

    كلما أَصغيتُ للقلب امتلأتُ

    بما يقول الغَيْبُ، وارتفعتْ بِيَ

    الأشجارُ. من حُلْم إلى حُلْمٍ

    أَطيرُ وليس لي هَدَفٌ أَخيرٌ.

    كُنْتُ أُولَدُ منذ آلاف السنين

    الشاعريَّةِ في ظلامٍ أَبيض الكتّان

    لم أَعرف تماماً مَنْ أَنا فينا ومن

    حُلْمي. أَنا حُلْمي

    كأني لا كأني …

    لم تَكُنْ لُغَتي تُودِّعُ نَبْرها الرعويَّ

    إلاّ في الرحيل إلى الشمال. كلابُنا

    هَدَأَتْ. وماعِزُنا توشَّح بالضباب على

    التلال. وشجَّ سَهْمٌ طائش وَجْهَ

    اليقين. تعبتُ من لغتي تقول ولا

    تقولُ على ظهور الخيل ماذا يصنعُ

    الماضي بأيَّامِ امرئ القيس المُوَزَّعِ

    بين قافيةٍ وقَيْصَرَ …/

    كُلَّما يَمَّمْتُ وجهي شَطْرَ آلهتي،

    هنالك، في بلاد الأرجوان أَضاءني

    قَمَرٌ تُطَوِّقُهُ عناةُ، عناةُ سيِّدَةُ

    الكِنايةِ في الحكايةِ. لم تكن تبكي على

    أَحَدِ، ولكنْ من مَفَاتِنِها بَكَتْ :

    هَلْ كُلُّ هذا السحرِ لي وحدي

    أَما من شاعرٍ عندي

    يُقَاسِمُني فَرَاغَ التَخْتِ في مجدي ؟

    ويقطفُ من سياج أُنوثتي

    ما فاض من وردي ؟

    أَما من شاعر يُغْوي

    حليبَ الليل في نهدي ؟

    أَنا الأولى

    أَنا الأخرى

    وحدِّي زاد عن حدِّي

    وبعدي تركُضُ الغِزلانُ في الكلمات

    لا قبلي … ولا بعدي /

    سأحلُمُ، لا لأُصْلِحَ مركباتِ الريحِ

    أَو عَطَباً أَصابَ الروحَ

    فالأسطورةُ اتَّخَذَتْ مكانَتَها / المكيدةَ

    في سياق الواقعيّ. وليس في وُسْعِ القصيدة

    أَن تُغَيِّرَ ماضياً يمضي ولا يمضي

    ولا أَنْ تُوقِفَ الزلزالَ

    لكني سأحلُمُ،

    رُبَّما اتسَعَتْ بلادٌ لي، كما أَنا

    واحداً من أَهل هذا البحر،

    كفَّ عن السؤال الصعب : (( مَنْ أَنا ؟ …

    هاهنا ؟ أَأَنا ابنُ أُمي ؟ ))

    لا تساوِرُني الشكوكُ ولا يحاصرني

    الرعاةُ أو الملوكُ. وحاضري كغدي معي.

    ومعي مُفَكِّرتي الصغيرةُ : كُلَّما حَكَّ

    السحابةَ طائرٌ دَوَّنتُ : فَكَّ الحُلْمُ

    أَجنحتي. أنا أَيضاً أطيرُ. فَكُلُّ

    حيّ طائرٌ. وأَنا أَنا، لا شيءَ

    آخَرَ /

    واحدٌ من أَهل هذا السهل …

    في عيد الشعير أَزورُ أطلالي

    البهيَّة مثل وَشْم في الهُوِيَّةِ.

    لا تبدِّدُها الرياحُ ولا تُؤبِّدُها … /

    وفي عيد الكروم أَعُبُّ كأساً

    من نبيذ الباعة المتجوِّلينَ … خفيفةٌ

    روحي، وجسمي مُثْقَلٌ بالذكريات وبالمكان /

    وفي الربيع، أكونُ خاطرةً لسائحةٍ

    ستكتُبُ في بطاقات البريد : (( على

    يسار المسرح المهجور سَوْسَنَةٌ وشَخْصٌ

    غامضٌ. وعلى اليمين مدينةٌ عصريَّةٌ )) /

    وأَنا أَنا، لا شيء آخَرَ …

    لَسْتُ من أَتباع روما الساهرينَ

    على دروب الملحِ. لكنِّي أسَدِّدُ نِسْبَةً

    مئويَّةً من ملح خبزي مُرْغَماً، وأَقول

    للتاريخ : زَيِّنْ شاحناتِكَ بالعبيد وبالملوك الصاغرينَ، ومُرَّ

    … لا أَحَدٌ يقول

    الآن : لا.

    وأَنا أَنا، لا شيء آخر

    واحدٌ من أَهل هذا الليل. أَحلُمُ

    بالصعود على حصاني فَوْقَ، فَوْقَ …

    لأَتبع اليُنْبُوعَ خلف التلِّ

    فاصمُدْ يا حصاني. لم نَعُدْ في الريح مُخْتَلِفَيْنِ

    أَنتَ فُتُوَّتي وأَنا خيالُكَ. فانتصِبْ

    أَلِفاً، وصُكَّ البرقَ. حُكَّ بحافر

    الشهوات أَوعيةَ الصَدَى. واصعَدْ،

    تَجَدَّدْ، وانتصبْ أَلفاً، توتَّرْ يا

    حصاني وانتصبْ ألفا ً، ولا تسقُطْ

    عن السفح الأَخير كرايةٍ مهجورةٍ في

    الأَبجديَّة. لم نَعُدْ في الريح مُخْتَلِفَيْنِ،

    أَنت تَعِلَّتي وأَنا مجازُكَ خارج الركب

    المُرَوَّضِ كالمصائرِ. فاندفِعْ واحفُرْ زماني

    في مكاني يا حصاني. فالمكانُ هُوَ

    الطريق، ولا طريقَ على الطريق سواكَ

    تنتعلُ الرياحَ. أَُضئْ نُجوماً في السراب !

    أَضئْ غيوماً في الغياب، وكُنْ أَخي

    ودليلَ برقي يا حصاني. لا تَمُتْ

    قبلي ولا بعدي عَلى السفح الأخير

    ولا معي. حَدِّقْ إلى سيَّارة الإسعافِ

    والموتى … لعلِّي لم أَزل حيّاً /

    سأَحلُمُ، لا لأُصْلِحَ أَيَّ معنىً خارجي.

    بل كي أُرمِّمَ داخلي المهجورَ من أَثر

    الجفاف العاطفيِّ. حفظتُ قلبي كُلَّهُ

    عن ظهر قلبٍ : لم يَعُدْ مُتَطفِّلاً

    ومُدَلّلاً. تَكْفيهِ حَبَّةُ ” أَسبرين ” لكي

    يلينَ ويستكينَ. كأنَّهُ جاري الغريبُ

    ولستُ طَوْعَ هوائِهِ ونسائِهِ. فالقلب

    يَصْدَأُ كالحديدِ، فلا يئنُّ ولا يَحِنُّ

    ولا يُجَنُّ بأوَّل المطر الإباحيِّ الحنينِ،

    ولا يرنُّ ّكعشب آبَ من الجفافِ.

    كأنَّ قلبي زاهدٌ، أَو زائدٌ

    عني كحرف ” الكاف ” في التشبيهِ

    حين يجفُّ ماءُ القلب تزدادُ الجمالياتُ

    تجريداً، وتدَّثرُ العواطف بالمعاطفِ،

    والبكارةُ بالمهارة /

    كُلَّما يَمَّمْتُ وجهي شَطْرَ أُولى

    الأغنيات رأيتُ آثارَ القطاة على

    الكلام. ولم أَكن ولداً سعيداً

    كي أَقولَ : الأمس أَجملُ دائماً.

    لكنَّ للذكرى يَدَيْنِ خفيفتين تُهَيِّجانِ

    الأرضَ بالحُمَّى. وللذكرى روائحُ زهرةٍ

    ليليَّةٍ تبكي وتُوقظُ في دَمِ المنفيِّ

    حاجتَهُ إلى الإنشاد : (( كُوني

    مُرْتَقى شَجَني أَجدْ زمني )) … ولستُ

    بحاجةٍ إلاّ لِخَفْقَةِ نَوْرَسِ لأتابعَ

    السُفُنَ القديمةَ. كم من الوقت

    انقضى منذ اكتشفنا التوأمين : الوقتَ

    والموتَ الطبيعيَّ المُرَادِفَ للحياة ؟

    ولم نزل نحيا كأنَّ الموتَ يُخطئنا،

    فنحن القادرين على التذكُّر قادرون

    على التحرُّر، سائرون على خُطى

    جلجامشَ الخضراءِ من زَمَنٍ إلى زَمَنٍ … /

    هباءٌ كاملُ التكوينِ …

    يكسرُني الغيابُ كجرَّةِ الماءِ الصغيرة.

    نام أَنكيدو ولم ينهض. جناحي نام

    مُلْتَفّاً بحَفْنَةِ ريشِهِ الطينيِّ. آلهتي

    جمادُ الريح في أَرض الخيال. ذِراعِيَ

    اليُمْنى عصا خشبيَّةٌ. والقَلْبُ مهجورٌ

    كبئرٍ جفَّ فيها الماءُ، فاتَّسَعَ الصدى

    الوحشيُّ : أنكيدو ! خيالي لم يَعُدْ

    يكفي لأُكملَ رحلتي. لا بُدَّ لي من

    قُوَّةٍ ليكون حُلْمي واقعيّاً. هاتِ

    أَسْلِحتي أُلَمِّعْها بمِلح الدمعِ. هاتِ

    الدمعَ، أنكيدو، ليبكي المَيْتُ فينا

    الحيَّ. ما أنا ؟ مَنْ ينامُ الآن

    أنكيدو ؟ أَنا أَم أَنت ؟ آلهتي

    كقبض الريحِ. فانهَضْ بي بكامل

    طيشك البشريِّ، واحلُمْ بالمساواةِ

    القليلةِ بين آلهة السماء وبيننا. نحن

    الذين نُعَمِّرُ الأرضَ الجميلةَ بين

    دجلةَ والفراتِ ونحفَظُ الأسماءَ. كيف

    مَلَلْتَني، يا صاحبي، وخَذَلْتَني، ما نفْعُ حكمتنا بدون

    فُتُوّةٍ … ما نفعُ حكمتنا ؟ على باب المتاهِ خذلتني،

    يا صاحبي، فقتلتَني، وعليَّ وحدي

    أَن أرى، وحدي، مصائرنا. ووحدي

    أَحملُ الدنيا على كتفيَّ ثوراً هائجاً.

    وحدي أَفتِّشُ شاردَ الخطوات عن

    أَبديتي. لا بُدَّ لي من حَلِّ هذا

    اللُغْزِ، أنكيدو، سأحملُ عنكَ

    عُمْرَكَ ما استطعتُ وما استطاعت

    قُوَّتي وإرادتي أَن تحملاكَ. فمن

    أَنا وحدي ؟ هَبَاءٌ كاملُ التكوينِ

    من حولي. ولكني سأُسْنِدُ ظلَّّك

    العاري على شجر النخيل. فأين ظلُّكَ ؟

    أَين ظلُّك بعدما انكسرَتْ جُذُوعُك؟

    قمَّةُ

    الإنسان

    هاويةٌ …

    ظلمتُكَ حينما قاومتُ فيكَ الوَحْشَ،

    بامرأةٍ سَقَتْكَ حليبَها، فأنِسْتَ …

    واستسلمتَ للبشريِّ. أَنكيدو، ترفَّقْ

    بي وعُدْ من حيث مُتَّ، لعلَّنا

    نجدُ الجوابَ، فمن أَنا وحدي ؟

    حياةُ الفرد ناقصةٌ، وينقُصُني

    السؤالُ، فمن سأسألُ عن عبور

    النهر ؟ فانهَضْ يا شقيقَ الملح

    واحملني. وأَنتَ تنامُ هل تدري

    بأنك نائمٌ ؟ فانهض.. كفى نوما ً!

    تحرَّكْ قبل أَن يتكاثَرَ الحكماءُ حولي

    كالثعالب : [ كُلُّ شيء باطلٌ، فاغنَمْ

    حياتَكَ مثلما هِيَ برهةً حُبْلَى بسائلها،

    دَمِ العُشْب المُقَطَّرِ. عِشْ ليومك لا

    لحلمك. كلُّ شيء زائلٌ. فاحذَرْ

    غداً وعشِ الحياةَ الآن في امرأةٍ

    تحبُّكَ. عِشْ لجسمِكَ لا لِوَهْمِكَ.

    وانتظرْ

    ولداً سيحمل عنك رُوحَكَ

    فالخلودُ هُوَ التَّنَاسُلُ في الوجود.

    وكُلُّ شيءٍ باطلٌ أو زائل، أو

    زائل أو باطلٌ ]

    مَنْ أَنا ؟

    أَنشيدُ الأناشيد

    أم حِكْمَةُ الجامعةْ ؟

    وكلانا أَنا …

    وأَنا شَاعرٌ

    ومَلِكْ

    وحكيمٌ على حافّة البئرِ

    لا غيمةٌ في يدي

    ولا أَحَدَ عَشَرَ كوكباً

    على معبدي

    ضاق بي جَسَدي

    ضاق بي أَبدي

    وغدي

    جالسٌ مثل تاج الغبار

    على مقعدي

    باطلٌ، باطلُ الأباطيل … باطلْ

    كُلُّ شيء على البسيطة زائلْ

    أَلرياحُ شماليَّةٌ

    والرياحُ جنوبيَّةٌ

    تُشْرِقُ الشمسُ من ذاتها

    تَغْرُبُ الشمسُ في ذاتها

    لا جديدَ، إذاً

    والزَمَنْ

    كان أَمسِ،

    سُدىً في سُدَى.

    ألهياكلُ عاليةٌ

    والسنابلُ عاليةٌ

    والسماءُ إذا انخفضت مَطَرتْ

    والبلادُ إذا ارتفعت أَقفرت

    كُلُّ شيء إذا زاد عن حَدِّهِ

    صار يوماً إلى ضدِّهِ.

    والحياةُ على الأرض ظلٌّ

    لما لا نرى ….

    باطلٌ، باطلُ الأباطيل … باطلْ

    كلُّ شيء على البسيطة زائلْ

    1400 مركبة

    و12,000 فرس

    تحمل اسمي المُذَهَّبَ من

    زَمَنٍ نحو آخر …

    عشتُ كما لم يَعِشْ شاعرٌ

    مَلكاً وحكيماً …

    هَرِمْتُ، سَئِمْتُ من المجدِ

    لا شيءَ ينقصني

    أَلهذا إذاً

    كلما ازداد علمي

    تعاظَمَ هَمِّي ؟

    فما أُورشليمُ وما العَرْشُ ؟

    لا شيءَ يبقى على حالِه

    للولادة وَقْتٌ

    وللموت وقتٌ

    وللصمت وَقْتٌ

    وللنُّطق وقْتٌ

    وللحرب وقْتٌ

    وللصُّلحِ وقْتٌ

    وللوقتِ وقْتٌ

    ولا شيءَ يبقى على حالِهِ …

    كُلُّ نَهْرٍ سيشربُهُ البحرُ

    والبحرُ ليس بملآنَ،

    لاشيءَ يبقى على حالِهِ

    كُلُّ حيّ يسيرُ إلى الموت

    والموتُ ليس بملآنَ،

    لا شيءَ يبقى سوى اسمي المُذَهَّبِ

    بعدي :

    (( سُلَيمانُ كانَ )) …

    فماذا سيفعل موتى بأسمائهم

    هل يُضيءُ الذَّهَبْ

    ظلمتي الشاسعةْ

    أَم نشيدُ الأناشيد

    والجامعةْ ؟

    باطلٌ، باطلُ الأباطيل … باطلْ

    كُلُّ شيء على البسيطة زائلْ /…

    مثلما سار المسيحُ على البُحَيْرَةِ،

    سرتُ في رؤيايَ. لكنِّي نزلتُ عن

    الصليب لأَنني أَخشى العُلُوَّ،ولا

    أُبَشِّرُ بالقيامةِ. لم أُغيِّرْ غَيْرَ

    إيقاعي لأَسمَعَ صوتَ قلبي واضحاً.

    للملحميِّين النُّسُورُ ولي أَنا : طوقُ

    الحمامةِ، نجمةٌ مهجورةٌ فوق السطوح،

    وشارعٌ مُتَعرِّجُ يُفْضي إلى ميناءِ

    عكا – ليس أكثرَ أَو أَقلَّ –

    أُريد أَن أُلقي تحيَّاتِ الصباح عليَّ

    حيث تركتُني ولداً سعيدا [ لم

    أَكُنْ ولداً سَعيدَ الحظِّ يومئذٍ،

    ولكنَّ المسافةَ، مثلَ حدَّادينَ ممتازينَ،

    تصنَعُ من حديدٍ تافهٍ قمراً]– أَتعرفني ؟

    سألتُ الظلَّ قرب السورِ،

    فانتبهتْ فتاةُ ترتدي ناراً،

    وقالت : هل تُكَلِّمني ؟

    فقلتُ : أُكَلِّمُ الشَبَحَ القرينَ

    فتمتمتْ : مجنونُ ليلى آخرٌ يتفقَُّّد

    الأطلالَ،

    وانصرفتْ إلى حانوتها في آخر السُوق

    القديمةِ…

    ههنا كُنَّا. وكانت نَخْلَتانِ تحمِّلان

    البحرَ بعضَ رسائلِ الشعراءِ …

    لم نكبر كثيراً يا أَنا. فالمنظرُ

    البحريُّ، والسُّورُ المُدَافِعُ عن خسارتنا،

    ورائحةُ البَخُور تقول : ما زلنا هنا،

    حتى لو انفصَلَ الزمانُ عن المكانِ.

    لعلَّنا لم نفترق أَبداً

    – أَتعرفني ؟

    بكى الوَلَدُ الذي ضيَّعتُهُ :

    (( لم نفترق. لكننا لن نلتقي أَبداً )) …

    وأَغْلَقَ موجتين صغيرتين على ذراعيه،

    وحلَّّق عالياً …

    فسألتُ : مَنْ منَّا المُهَاجِرُ ؟ /

    قلتُ للسّجَّان عند الشاطئ الغربيّ :

    – هل أَنت ابنُ سجّاني القديمِ ؟

    – نعم !

    – فأين أَبوك ؟

    قال : أَبي توفِّيَ من سنين.

    أُصيبَ بالإحباط من سَأَم الحراسة.

    ثم أَوْرَثَني مُهمَّتَهُ ومهنته، وأوصاني

    بان أَحمي المدينةَ من نشيدكَ …

    قُلْتُ : مُنْذُ متى تراقبني وتسجن

    فيَّ نفسَكَ ؟

    قال : منذ كتبتَ أُولى أُغنياتك

    قلت : لم تَكُ قد وُلِدْتَ

    فقال : لي زَمَنٌ ولي أَزليَّةٌ،

    وأُريد أن أَحيا على إيقاعِ أمريكا

    وحائطِ أُورشليمَ

    فقلتُ : كُنْ مَنْ أَنتَ. لكني ذهبتُ.

    ومَنْ تراه الآن ليس أنا، أنا شَبَحي

    فقال : كفى ! أَلسْتَ اسمَ الصدى

    الحجريِّ ؟ لم تذهَبْ ولم تَرْجِعْ إذاً.

    ما زلتَ داخلَ هذه الزنزانة الصفراءِ.

    فاتركني وشأني !

    قلتُ : هل ما زلتُ موجودا ً

    هنا ؟ أَأَنا طليقٌ أَو سجينٌ دون

    أن أدري. وهذا البحرُ خلف السور بحري ؟

    قال لي : أَنتَ السجينُ، سجينُ

    نفسِكَ والحنينِ. ومَنْ تراهُ الآن

    ليس أَنا. أَنا شَبَحي

    فقلتُ مُحَدِّثاً نفسي : أَنا حيٌّ

    وقلتُ : إذا التقى شَبَحانِ

    في الصحراء، هل يتقاسمانِ الرملَ،

    أَم يتنافسان على احتكار الليل ؟ /

    المقطع قبل الأخير

    كانت ساعَةُ الميناءِ تعمَلُ وحدها

    لم يكترثْ أَحَدٌ بليل الوقت، صَيَّادو

    ثمار البحر يرمون الشباك ويجدلون

    الموجَ. والعُشَّاقُ في الـ” ديسكو ”.

    وكان الحالمون يُرَبِّتُون القُبَّراتِ النائماتِ

    ويحلمون …

    وقلتُ : إن متُّ انتبهتُ …

    لديَّ ما يكفي من الماضي

    وينقُصُني غَدٌ …

    سأسيرُ في الدرب القديم على

    خُطَايَ، على هواءِ البحر. لا

    امرأةٌ تراني تحت شرفتها. ولم

    أملكْ من الذكرى سوى ما ينفَعُ

    السَّفَرَ الطويلَ. وكان في الأيام

    ما يكفي من الغد. كُنْتُ أصْغَرَ

    من فراشاتي ومن غَمَّازتينِ :

    خُذي النُّعَاسَ وخبِّئيني في

    الرواية والمساء العاطفيّ /

    وَخبِّئيني تحت إحدى النخلتين /

    وعلِّميني الشِعْرَ / قد أَتعلَّمُ

    التجوال في أنحاء ” هومير ” / قد

    أُضيفُ إلى الحكاية وَصْفَ

    عكا / أقدمِ المدنِ الجميلةِ،

    أَجملِ المدن القديمةِ / علبَةٌ

    حَجَريَّةٌ يتحرَّكُ الأحياءُ والأمواتُ

    في صلصالها كخليَّة النحل السجين

    ويُضْرِبُونَ عن الزهور ويسألون

    البحر عن باب الطوارئ كُلَّما

    اشتدَّ الحصارُ / وعلِّميني الشِعْرَ /

    قد تحتاجُ بنتٌ ما إلى أُغنية

    لبعيدها : (( خُذْني ولو قَسْراً

    إليكَ، وضَعْ منامي في

    يَدَيْكَ )). ويذهبان إلى الصدى

    مُتَعانِقَيْنِ / كأنَّني زوَّجتُ ظبياً

    شارداً لغزالةٍ / وفتحتُ أبوابَ

    الكنيسةِ للحمام … / وعَلِّميني

    الشِعْرَ / مَنْ غزلتْ قميصَ

    الصوف وانتظرتْ أمام الباب

    أَوْلَى بالحديث عن المدى، وبخَيْبَةِ

    الأَمَلِ : المُحاربُ لم يَعُدْ، أو

    لن يعود، فلستَ أَنتَ مَن

    انتظرتُ … /

    ومثلما سار المسيحُ على البحيرة …

    سرتُ في رؤيايَ. لكنِّي نزلتُ عن

    الصليب لأنني أَخشى العُلُوَّ ولا

    أُبشِّرُ بالقيامة. لم أُغيِّر غيرَ إيقاعي

    لأَسمع صوتَ قلبي واضحاً …

    للملحميِّين النُسُورُ ولي أَنا طَوْقُ

    الحمامة، نَجْمَةٌ مهجورةٌ فوق السطوح،

    وشارعٌ يُفضي إلى الميناء … /

    هذا البحرُ لي

    هذا الهواءُ الرَّطْبُ لي

    هذا الرصيفُ وما عَلَيْهِ

    من خُطَايَ وسائلي المنويِّ … لي

    ومحطَّةُ الباصِ القديمةُ لي. ولي

    شَبَحي وصاحبُهُ. وآنيةُ النحاس

    وآيةُ الكرسيّ، والمفتاحُ لي

    والبابُ والحُرَّاسُ والأجراسُ لي

    لِيَ حَذْوَةُ الفَرَسِ التي

    طارت عن الأسوار … لي

    ما كان لي. وقصاصَةُ الوَرَقِ التي

    انتُزِعَتْ من الإنجيل لي

    والملْحُ من أَثر الدموع على

    جدار البيت لي …

    واسمي، إن أخطأتُ لَفْظَ اسمي

    بخمسة أَحْرُفٍ أُفُقيّةِ التكوين لي :

    ميمُ / المُتَيَّمُ والمُيتَّمُ والمتمِّمُ ما مضى

    حاءُ / الحديقةُ والحبيبةُ، حيرتانِ وحسرتان

    ميمُ / المُغَامِرُ والمُعَدُّ المُسْتَعدُّ لموته

    الموعود منفيّاً، مريضَ المُشْتَهَى

    واو / الوداعُ، الوردةُ الوسطى،

    ولاءٌ للولادة أَينما وُجدَتْ، وَوَعْدُ الوالدين

    دال / الدليلُ، الدربُ، دمعةُ

    دارةٍ دَرَسَتْ، ودوريّ يُدَلِّلُني ويُدْميني /

    وهذا الاسمُ لي …

    ولأصدقائي، أينما كانوا، ولي

    جَسَدي المُؤَقَّتُ، حاضراً أم غائباً …

    مِتْرانِ من هذا التراب سيكفيان الآن …

    لي مِتْرٌ و75 سنتمتراً …

    والباقي لِزَهْرٍ فَوْضَويّ اللونِ،

    يشربني على مَهَلٍ، ولي

    ما كان لي : أَمسي، وما سيكون لي

    غَدِيَ البعيدُ، وعودة الروح الشريد

    كأنَّ شيئا ً لم يَكُنْ

    وكأنَّ شيئاً لم يكن

    جرحٌ طفيف في ذراع الحاضر العَبَثيِّ …

    والتاريخُ يسخر من ضحاياهُ

    ومن أَبطالِهِ …

    يُلْقي عليهمْ نظرةً ويمرُّ …

    هذا البحرُ لي

    هذا الهواءُ الرَّطْبُ لي

    واسمي –

    وإن أخطأتُ لفظ اسمي على التابوت –

    لي.

    أَما أَنا – وقد امتلأتُ

    بكُلِّ أَسباب الرحيل –

    فلستُ لي.

    أَنا لَستُ لي

    أَنا لَستُ لي …

    ــــــــــــــــــــ

    * كتب محمود درويش ديوان جدارية بعد صراع مع الموت، تمثل في عملية قلب مفتوح، كاد خلالها أن يغادر، لكنه عاد ليروي لنا ما الذي حدث في الممر اللولبي.

    مختارات أخرى مميزة:

    ملف خاص: لذكرى بسام حجار (في كلِّ قصيدةٍ قبر)

    حيث السحرة ينادون بعضهم بأسماء مستعارة – سيف الرحبي

    روضة الحاج – في موسم المد جزر جديد

  • مَعرَضُ الفَنِّ التَّشكِيليِّ

      إلى ” روبيرتو بلات “

    المكانُ واسع، أعلى الجدار نوافذ زجاجية، تبدو السماءُ زرقاء ثاتبة، سحابة بيضاءَ كثيفة تعبرُ وحدها الأزرق، تمرُّ ببطءٍ شديدٍ تتخطاه وتتركُ زجاج النافذة .

    المكانُ خالٍ من الكتب، لا توجدُ كلمةٌ مكتوبةٌ في جرائد، لا مفردات، وكلّ شئٍ في موضعه.
    تتوسطُ المكانَ منضدتان إحداهما أكثرُ انخفاضاً من الأخرى، تُغطيهما أنابيبُ تلوين فارغة، ملتوية، مُعظمها مقسومٌ من المنتصف ومحفورٌ بحدِّ سكين. (المزيد…)

  • رِسَالَةُ عَقلْ عَوِِيطْ إلَى الله

    يا ألله ،

    انظرني عيناً بعينٍ ولا تُشحْ وَجهَكَ عَنِّي. أنا عَينُ هَابيلَ الرَّائيةَ بَعدَمَا قَتَلَنِي شَقِيقِي قايين.
    لا تحدّياً أخاطبكَ إنما يأساً.
    (المزيد…)

  • قبرٌ من أجل نيويورك – أدونيس

    قبرٌ من أجل نيويورك – أدونيس

    -1-

    حتى الآن، تُرسم الأرض إجَّاصةً
    أعني ثدياً
    لكن، ليس بين الثدي والشاهدة إلا حِيلةٌ هندسية:
    نيويورك،
    حضارةٌ بأربعِ أرجل؛ كلّ جهةٍ قتلٌ وطريق إلى القتل،
    وفي المسافاتِ أنين الغرقى.

    نيويورك،
    امرأةٌ- تمثال امرأةٍ
    في يدٍ ترفع خِرقةً يسميها الحريةَ ورقٌ نسمّيه التاريخ
    وفي يدٍ تخنق طفلةً اسمها الأرض
    نيويورك،
    جسدٌ بلونِ الإِسفلت. حول خاصرتها زنّارٌ رطب، وجهها
    شبّاك مغلق…قلت: يفتحه و ولت ويتمان –” أقول كلمة
    السر الأصلية”- لكن لم يسمعها غير إله لم يعد في مكانه.
    السجناء، العبيد، البائسون، اللصوص، المرضى يتدفقون
    من حنجرته، ولا فتحة، لا طريق. وقلت جسر بروكلين!
    لكنه الجسر الذي يصل بين ويتمان ووول ستريت، بين
    الورقة- العشب والورقة- الدولار…

    نيويورك –هارلم،
    من الآتي في مقصلةِ حريرٍ، من الذاهب في قبرٍ بطولِ
    الهدسون؟ انفجرْ يا طقس الدمع، تلاحمي يا أشياء التعب.
    زرقةٌ، صفرةٌ، وردٌ، ياسمينٌ و الضوء يسنّ دبابيسه، وفي
    الوخز تولدُ الشمس. هل اشتعلتَ أيها الجرح المختبئ بين
    الفخذ والفخذ؟ هل جاءك طائر الموت وسمعت آخر
    الحشرجه؟ حبلٌ، والعنق يجدل الكآبة وفي الدوم سويداء
    الساعة…
    نيويورك- ماديسون- بارك افينيو- هارلم،
    كسلٌ يشبهُ العملِ، عملٌ يشبه الكسلِ. القلوب محشوةٌ
    إسفنْجاً والأيدي منفوخةٌ قصباً. ومن أكداسِ القذارة وأقنعة
    الامبايرستيت، يعلو التاريخ روائح تتدلّى صفائح صفائح:
    ليس البصر أعمى بل الرأس،
    ليس الكلام أجردَ بل اللسان.
    نيويورك –وول ستريت- الشارع 125- الشارع الخامس
    شبحٌ ميدوزيٌّ يرتفع بين الكتف والكتف. سوق العبيد من
    كل جنس. بشرٌ يحيون كالنبات في الحدائق الزجاجية.
    بائسون غير منظورين يتغلغلون كالغبار في نسيجِ الفضاء-
    ضحايا لولبية،
    الشمسُ مأتمٌ
    والنهارُ طبلٌ أسود.

    -2-
    هنا،
    في الجهةِ الطحلبيّة من صخرة العالم، لا يراني إلا زنجيّ
    يكاد أن يُقتل أو عصفورٌ يكاد أن يموت، فكّرت:
    نبتةٌ تسكن في أصيصٍ أحمر كانت تتحول وأنا أبتعدُ عن
    العبتة، وقرأتُ:
    عن فئرانٍ في بيروت وغيرها ترفل في حرير بيت أبيض، تتسلح
    بالورقِ وتفرض البشر،
    عن بقايا خنازير في بستان الأبجدية تدوس الشعر،
    ورأيت:
    أينما كنت-
    بتسبورغ( أنتيرناشينال بوتيري فورم)
    جون هوبكنز(واشنطن)، هارفارد
    (كامبردج، بوسطن)، آن آربر( ميشيغن،
    ديترويت)، نادي الصحافة الأجنبية،
    النادي العربي في مقز الأمم المتحدة
    (نيويورك)، برنستون، تمبل
    (فيلادلفيا)،
    رأيتُ
    الخريطةَ العربية فرساً تجرجر خطواتها والزمن يتهدّل كالخْرج
    نحو القبر أو نحو الظل الأكثر عتمة، نحو النار المنطفئة أو ن
    نحو نار تنطفئ؛ تكتشف كيماء البعد الآخر في كركوك
    الظهران وما تبقى من هذه القلاع في أفراسيا العربية. وهاهو
    العالم ينضج بين يدينا.هَهْ! نهّيئ الحرب الثالثة، ونقيم
    المكاتب الأولى والثانية والثالثة والرابعة لنـتأكد:

    1- في تلك الناحية حفلة جاز،
    2- في هذا البيت شخصٌ لا يملك غير الحبر،
    3- في هذه الشجرة عصفور يغني.
    ولنعلن:

    1- الفضاء يقاس بالقفص أو بالجدار،
    2- الزمن يُقاس بالحبل أو بالسوط،
    3- النظام يبني العالم وهو الذي يبدأ بقتل الأخ،
    4- القمر والشمس درهمان تحت كرسي السلطان،
    و رأيتُ
    أسماء عربية في سعة الأرض أكثر حنوّاً من العين، تُضيء
    لكن كما يضيء كوكبٌ مشرد” لا أسلاف له وفي خطواته
    جذوره…”

    هنا،
    في الجهة الطحلبية من صخرة العالم أعرف، أعترف. أّكر
    نبتةً أسميها الحياة أو بلاديَ، الموتَ أو بلاديَ- ريحاً تجمد
    كالملاءة وجهاً يقتل اللعب، عينا تطرد الضوء، وأبتكر
    ضدّك يا بلادي،
    أهبط في جحيمكِ وأصرخ:
    أقطّر لكِ إكسيراً سامّاً وأحييكِ،
    وأعترف: نيويورك، لكِ في بلادي الرّواق والسرير، الكرسي
    والرأس. وكل شيء للبيع: النهار و الليل، حجر مكّة وماء
    دجلة. وأعلن: مع ذلك تلهثين- تسابقين في فلسطين، وفي
    هانوي، في الشمال والجنوب، الشرق والغرب، أشخاصاً لا
    تاريخ لهم غير النار،
    أقول: منذ يوحنا المعمدان، يحمل كلٌّ منا رأسه المقطوعَ
    في صحنٍ وينتظر الولادة الثانية.

    -3-

    تفتّتي يا تماثيلَ الحرية، أيتها المسامير المغروسة في الصدور
    بحكمةٍ تقلّد حكمة الورد. الريح تهبّ ثانية من الشرق،
    تقتلع الخيام وناطحات السحاب، وثمة جناحان يكتبان:
    أبجديةٌ ثانية تطلعُ في تضاريس
    الغرب،
    والشمس ابنةُ شجرةٍ في بستان القدس.
    هكذا أضرم لهبي. أبدأ من جديدٍ، أشكّل وأحدّد:

    نيويورك،
    امرأةٌ من القشّ والسرير يتأرحجُ بين الفراغ والفراغ، وهاهو
    السقف يهترئ: كل كلمةٍ إشارةُ سقوطٍ، كل حركةٍ رفشٌ أو
    فأس. وفي اليمين واليسار أجسادٌ تحب أن تغير الحبَّ النظرَ
    السمع الشمّ اللمس والتغّير- تفتح الزمن كبّوابةٍ تكسرها
    وترتجلُ الساعات الباقية.

    الجنسَ الشعرَ الأخلاقَ العطشَ القولَ الصّمت وتنفي
    الأقفال. قلت: أغري بيروت،
    -” إبحث عن الفعل. ماتت الكلمة”، يقول آخرون.
    الكلمة ماتت لأن ألسنتكم تركت عادة الكلام إلى عادة
    الموْمأة.
    الكلمة؟ تريدون أن تكشفوا نارها؟ إذن، اكتبوا. أقول
    اكتبوا، ولا أٌول مَوْمِئوا، ولا أٌول انسخوا. اكتبوا – من
    المحيط إلى الخليج لا أٍمع لساناً، ولا أقرأ كلمة. أٍمع
    تصويتاً. لذلك لا ألمح من يلقي ناراً.
    الكلمة أخفّ شيءٍ وتحمل كل شيء. الفعل جهةٌ ولحظةٌ،
    والكلمة الجهات كلها الوقتُ كله. الكلمة – اليد، اليد-
    الحلم
    أكتشفكِ أيتها النار يا عاصمتي،
    أكتشفكِ أيها الشعر،
    وأغري بيروت. تلبسني وألبسها. نشرد كالشعاع ونسأل: من
    يقرأ، من يرى؟ الفانتوم لدايان والنفط يجري إلى مستقّره.
    صدق الله، ولم يخطئ ماو:” السلاحُ عامِلٌ مهمٌ جداً في
    الحرب، لكنه غير حاسم. الإنسانُ، لا السلاح، هو العامل
    الحاسم”، وليس هناك نصرٌ نهائيّ ولا هزيمة نهائية.

    ردّدتُ هذه الأمثال والحكم، كما يفعل العربي، في وول
    ستريت، حيث تصبّ أنهارُ الذهب من كل لونٍ آتيةً من
    الينابيع. ورأيت بينها الأنهار العربية تحمل ملايين الأشلاء
    ضحايا وتقْماتٍ إلى الوثن السيد. وبين الضحية والضحية
    يقهقه البحارة فيما يتدحرجون من كريزلر بيلدنغ، ليعودوا إلى
    الينابيع.
    هكذا أضرم لهبي،
    نسكن في الصخب الأسود لتمتلئ رئاتنا بهواء التاريخ،
    نطلع في العيون السوداء المسّيجة كالمقابر لنغلب الكسوف،
    نسافر في الرأس الأسود لنواكب الشمس الآتية.

    -4-
    نيويورك، أيتها المرأة الجالسة في قوس الريح،
    شكلاً أبعدَ من الذرَّة،
    نقطةً تهرول في فضاء الأرقام،
    فخذاً في السماء وفخذاً في الماء،
    قولي أين نجمُكِ ؟ المعركة آتيةٌ بين العش والأدمغة
    الألكترونية. العمر كله معلّق على جدارٍ، وها هو النزيف في
    الأعلى رأسٌ يجمع بين القطب والقطب، في الوسط آسيا
    وفي الأسفل قدمان لجسد غير منظور. أعرفك أيتها الجثّة
    السابحة في مِنسك الخشخاش، أعرفكِ يا لعبة الثدي
    والثّدي. أنظر إليكِ وأحلم بالثلج، أنظر إليكِ وأنتظر
    الخريف.
    ثلجكِ يحمل الليل، ليلك يحمل الناس خفافيش تموت. كلّ
    جدارٍ فيك مقبرة. كل نهارٍ حفارٌ أسود
    يحمل رغيفاً أسود صَحْناً أسود
    ويخطط بهما تاريخ البيت الأبيض:

    أ-
    ثمة كلابٌ تترابط كالقيد. ثمة قططٌ تلد خوذاً وسلاسل. وفي
    الأزّقة المتسللةِ على ظهور الجذران، يتناسل الحرس الأبيض كالفطر.

    ب-
    امرأةٌ تتقدم وراء كلبها المسرج كالحصان. للكلب خطوات
    الملك، وحوله تزحف المدينة جيشاً من الدمع. وحيث
    يتكدس الأطفال والشيوخ الذين يغطيهم الجلد الأسود، تنمو
    براءة الرصاص كالزرع، يضرب الهلعُ صدر المدينة.

    ج-
    هارلم- بدفورد ستويفنت: رملٌ من البشر يتكاثف بروجاً
    بروجاً. وجوه تنسج الأزمنة. النفايات ولائم الأطفال،
    الأطفال ولائم للجرذان… في العيد الدائم لثالوثٍ آخر:
    الجابي، الشرطي، القاضي- سلطة الفتك، سيف الإبادة.

    د-
    هارلم( الأٍسود يكره اليهودي)
    هارلم( الأسود لا يحب العربي حين يذكر تجارة الرقيق)،
    هارلم – برودواي( البشر يدخلون رخوياتٍ في أنابيق
    الكحول والمخدرات).

    برودواي –هارلم، مهرجان سلاسل وعصيّ، والشرطة
    جرثومة الزمن. طلقةٌ واحدة، عشر حمامات. العيون
    صناديق تتمّوج بثلج أحمر، والزمن عكاز يعرج. إلى التعب
    أيها الزنجيّ الشيخ، الزنجي الطفل. إلى التعب أيضًا
    وأيضًا.

    هارلم،
    لستُ آتياً من الخارج: أعرف حقدك، أعرف خبزه الطّيب
    ليس للمجاعة غير الرعد المفاجئ، ليس للسجون غير
    صاعقة العنف. ألمح نارك تتقدم تحت الإسفلت في خراطيمَ
    وأقنعة، في أكداسٍ من النفايات يحضنها عرش الهواء
    البارد، في خطوات منبوذةٍ تَنْتَعِل تاريخ الريح.

    هارلم،
    الزمن يُـحتضَر وأنتَ الساعة:
    أسمع دموعاً تهدر كالبراكين،
    ألمح أشداقاً تأكل البشر كما يأكل الخبز
    أنتَ الممحاة لتمحو وجه نيويورك،
    أنت العاصفُ لتأخذها كالورقة وترميها.

    نيويورك= I.B.M+ subway آتياً من الوحل والجريمة
    ذاهباً إلى الوحل والجريمة.
    نيويورك= ثقباً في الغلاف الأراضي ينبجس منه الجنون
    أنهاراً أنهاراً.
    هارلم، نيويورك تُحتضر وأنت الساعة.

    -5-

    بين هارلم ولنكولن سنـتر،
    أتقدم رقماً تائهاً في صحراء تغطيها أسنان فجرٍ أسود. لم يكن
    ثلج، لم تكن ريح. كنت كمن يتبع شبحاً ( ليس الوجه وجهاً
    بل جرح أو دمع، ليست القامة قامة بل وردة يابسة)،
    شبحاً- ( هل هو امرأة؟ رحلٌ؟ هل هو امرأة – رجل؟) يحمل
    في صدره أقواساً ويكمن للفضاء. مرّت غزالة ناداها
    الأرض. ظهر عصفور ناداه القمر. وعرفت أنه يركض ليشهد
    بعث الهندي الأحمر… في فلسطين و أخواتها،
    والفضاء شريط رصاص،
    والأرض شاشة قتلى.
    وشعرت أنني ذرةٌ تتموج في كتلةٍ تتموج نحو الأفق الأفق
    الأفق. وهبطت أوديةً تتطاول وتتوازى، وخطر لي أن أِك
    في استدارة الأرض…
    وفي البيت كانت يارا،
    يارا طرف أرضٍ ونينارُ طرفٌ آخر.
    وضعتُ نيويورك بين قوسين وسرت في مدينة موازية. قدماي
    تمتلئان بالشوارع، والسماء بحيرةٌ تسبح فيها أسماك العين
    والظنِّ وحيوانات الغيم. وكان الهدسون يرفرف غراباً يلبسُ
    جسد البلبل.وتقدّم نحوي الفجر طفلاً يتأوه ويشير إلى
    جراحه. وناديت الليل فلم يجب. حمل سريره واستسلم
    للرصيف. ثم رأيته يتغطى بريحٍ لم أجد أرقّ منها غير
    الجدران والأعمدة… صرخة، صرختان، ثلاث…
    وأجفلت نيويورك كضفدعٍ نصف جامد يقفز في حوض بلا
    ماء

    لنكولن،
    تلك هي نيويورك: تتكئ على عكاز الشيخوخة وتتنزه في
    حدائق الذاكرة، والأشياء كلها تميل إلى الزهر المصنوع.
    وفيما أنظر إليكَ. بين المرمر في واشنطن، و أرَى من يشبهك
    في هارلم، أفكر: متى حين ثورتك الآتية؟ ويعلو صوتي:
    حرِّروا لنكولن من بياض المرمر، من نيكسون، وكلاب
    الحراسة والصيد. اتركوا له أن يقرأ بعينٍ جديدة صاحب
    الزنج علي ابن محمد، وأن يقرأ الأفق الذي قرأه ماركس
    ولينين وماوتسي تونغ.
    والنِّفَّري، ذلك المجنون السماويّ الذي أَنْحلَ الأرض
    وسمح لها أن تسكن بين الكلمة والإشارة. وأن يقرأ ما كان
    يوّد أن يقرأه هوشي منه، عروةَ ابن الورد: ” أقسّم جسمي في
    جسومٍ كثيرةٍ…”، ولم يعرف عروة بغداد، وربما رفض أن
    يزور دمشق. بقي حيث الصحراء كتفٌ ثانية تشاركه حمل
    الموت. وترك لمن يحب المستقبل جزاءاً من الشمس منقوعاً
    في دم غزالةٍ كان يناديها: حبـيـبـتي! واتفـق
    مع الأفق ليكون بيته الأخير.

    لنكولن،
    تلك هي نيويورك: مرآة لا تعكس إلا واشنطن. وهـذه
    واشنطن: مرآةٌ تعكس وجهين- نيكوس وبكاءَ العالم.
    ادخلْ في رقصة البكاء، انهضْ لا يزال ثمة مكان، لا يزال
    دور… أعشق رقصة البكاء الذي يتحول إلى حمامةٍ تتحول
    إلى طوفان. ” الأرض للطوفان محتاجةٌ…”
    قلت البكاء وعنيت الغضب. عنيت كذلك الأسئلة: كيف
    أُقنع المعرّةَ بأبي العلاء؟ سهولَ الفرات بالفرات؟ كيف أبدلُ
    الخوذة بالسنبلة؟( لا بدّ من الجرأة لطرح أسئلة أخرى على
    النبي والمصحف)، أقول وألمح غيمةً تتقلد النار؛ أقول
    وألمح بشراً يسيلون كالدمع

    -6-
    نيويورك،
    أحصركِ بين الكلمة والكلمة، أقبضُ عليكِ، أدحرجكِ
    أكتبكِ و أمحوكِ. حارّة باردة، بين بين. مستيقظة، نائمة،
    بين بين. أجلس فوقكِ وأنتهد. أتقدّمك وأعلِّمك السير
    ورائي. سحقتكِ بعينيَّ، أنتِ المسحوقة بالرعب. حاولت
    أن آمر شوراعكِ: أستلقي بين فخذيَّ لأمنحكِ مدى آخره؛
    و أشياءكِ: أغتسلي لأعطيكِ أسماء جديدة.
    كنت لا أجد فرقاً بين جسدٍ برأٍ يحمل أغصاناً نسميه
    شجرة، وجسد برأسٍ يحمل خيوطاً رفيعة نسميه إنساناً.
    واختطلت عليَّ الحجرة والسيارة، وبدا الحذاء في
    الواجهات خوذةَ شرطي والرغيفُ صحيفة توتياء.
    مع ذلك، ليست نيويورك لغواً بل كلمة. لكن حين أكتب:
    دمشق، لا أكتب بل أقلّد لغواً. دال ميم شين قاف…
    لا تزال صوتاً، أعني شيئاً من الريح. خرجت مرةً من الحبر
    ولم تعدْ. الزمن واقف حارساً على العتبة يسأل: متى تعود،
    متى تدخل؟ كذلك بيروت القاهرة بغداد لغوٌ شاملٌ كهباء
    الشمس…
    شمس، شمسان، ثلاث، مئة…
    (استيقظ فلانَّ وفي عينه اطمئنانٌ يمتزج بالقلق. يترك
    زوجاته وأبناءه ويخرج حاملاً بندقيته.شمس، شمسان،
    ثلاث، مئة…هاهو كالخيط مهزوماً ينزوي تحت نفسه.
    يجلس في المقهى. المقهى يمتلئ بحجارةٍ ودُمىً نسميها
    رجالاً، بضفادعَ تتقيأ الكلام وتوسخ المقاعد. كيف يستطيع
    فلانٌ أن يثور وعقله مليءٌ بدمه، ودمه مليءٌ بالسلاسل؟)
    اسألك، أنت من تقول لي:
    أجهل العلم وأتخصّص بكيمياء العرب.

    -7-

    السيدة برونيج، يونانية في نيويورك. بيتها صفحة من كتاب
    المتوسط- الشرق. ميرين، نعمة الله، ايف بونّفوا… وأنـا
    كمن يضيع ويقول أشياء لا تقال. كانت القاهرة تتناثر بيننا
    ورداً يجهل الأزمنة، وكانت الإسكندرية تختلط بصوت
    كفافي وسيفيريس.” هذه أيقونة بيزنطية…”، قالت
    والزمن يلتصق على شفتيها عطراً أحمر. كان الوقت يحدودب
    والثلج يتكئ، (منتصف ليلة 6 نيسان 1971).
    ونهضت في الصباح صارخاً

    قبيل ساعة العودة: نيويورك !
    تمزجين الأطفال بالثلج وتصنعين كعكة العصر. صوتك إكسيدٌ
    سمٌّ مما بعد الكيمياء، واسمكِ الأرقُ والاختناق. سنـترال بارك
    تولم لضحاياها، وتحت الشجر أشباح جثث وخناجر. ليس للريح
    غير الأغصان العارية، ليس للمسافر إلا طريق مسدود.
    ونهضت في الصباح صارخاً: نيكسون، كم طفلاً قتلت اليوم؟
    – ” لا أهمية لهذه المسألة!” (كالي)
    – “صحيح أن هذه مشكلة. لكن ليس صحيحاً كذلك أن هذا
    ينقص عدد العدو ؟”(جنرال أميركي).
    كيف أعطي لقلب نيويورك حجماً آخر؟ هل القلب كذلك
    يوسّع حدوده؟
    نيويورك- جنرال موتورز الموت،
    ” سّنبدل الرجال بالنار!” (مكنمارا )- يجفّفون البحر الذي يسبح
    فيه الثوار، و “حيث يجعلون من الأرض صحراء، يسمون ذلك
    سلاماً!” ( تاسيت)”.
    ونهضت قبل الصباح، وأيقظت ويتمان.

    -8-
    و ولت ويتمان،
    ألمح رسائل إليك تتطاير في شوراع منهاتن. كل رسالةٍ عربةٌ ملأى
    بالقطط والكلاب. للقطط والكلاب القرن الواحد والعشرون،
    وللبشر الإبادة:
    هذا هو العصر الأميركي!
    ويتمان،
    لم أرك في منهاتن ورأيتُ كل شيء. القمر قشرةٌ تُقذف من
    النوافذ والشمس برتقالة كهربائية. وحين قفز من هارلم طريق
    أسود في استدارة قمرٍ يتوكأ على أهدابه، كان وراء الطريق شيء
    يتبعثر على مدى الإسفلت، ويغور كالزرع بعد أن يصل إلى
    غرينتش فيليج، ذلك الحي اللاتيني الآخر، أعني الكلمة التي
    تصل إليها بعد أن تأخذ كلمة حُبّ وتضع نقطة تحت الحاء. ( أذكر
    أنني كتبت ذلك في معظم فايسروي بلندت، ولم يكن معي غير
    الحبر. وكان الليل ينمو كزغب العصافير)

    ويتمان،
    ” الساعة تعلن الوقت” ( نيويورك – المرأة قمامة، والقمامة زمنٌ
    يتجه إلى الرماد).
    ” الساعة تعلن الوقت” ( نيويورك – النظام بافلوف، والناس كلاب
    التجارب… حيث الحرب الحرب الحرب!).” الساعة تعلن
    الوقت” ( الرسالة آتية من الشرق. طفل كتبها بشريانه. اقرأها:
    الدمية لم تعد حمامة. الدمية مدفع، رشاش، بندقية… جثثٌ في
    طرقات من الضوء تصل بين هانوي والقدس، بين القدس
    والنيل).

    ويتمان،
    ” الساعة تعلن الوقت” أنا
    ” أرى ما لم تره و أعرف ما لم تعرفه”،
    أتحرك في مساحة شاسعة من علبٍ تتجاوز
    كسراطين صفراء في محيطٍ من ملايين
    الجزر – الأشخاص؛ كل واحدة عمود
    بيدين وقدمين ورأس مكسور. وأنتَ
    ” أيها المجرم، المنفيّ، المهاجر”
    لم تعد إلا قبّعة تلبسها عصافير لا تعرفها سما أميركا!
    ويتمان، ليكن دورنُا الأن. أصنع من نظراتي سّلماً. أنسج خطواتي
    وسادةً، وسوف ننتظر. الإنسان يموت، لكنه أبقى من القبر.
    ليكن دورنا، الآن. أنتظر أن يجري الفولغا بين منهاتن وكوينز؛
    أنتظر أن يصبَّ هوانغ هو حيث يصب الهدسون. تستغرب؟ ألم
    يكن العاصي يصبّ في التيبر؟ ليكن دورنا الآن. أسمع رجّةً
    وقصفاً. وول ستريت وهارلم يلتقيا- يلتقي الورق والوعد
    الغبار والعصف. ليكن دورنا، الآن. المحار يبني أعشاشه في
    موج التاريخ. الشجرة تعرف اسمها. وثمة ثقوب في جلد
    العالم، شمسٌ تغيّر القناعة والنهاية وتنتحب في عينٍ سوداء.
    ليكن دورنا، الآن نقدر أن ندور أسرع من الدولاب، أن نحطِّم
    الذرة ونسبح في دماغ إلكتروني باهت أو متلألئ، فارغ أو مليء،
    وأن نتخذ من العصفور وطناً. ليكن دورنا، الآن. ثمة كتاب أحمر
    صغير يصعد. لا خشبة الجنون الحكيم، والمطر الذي يصحو لكي
    يرث الشمس. ليكن دورنا، الآن. نيويورك صخرة تتدحرج
    فوق جبين العالم. صوتها في ثيابكَ وثيابي، فحمها يصبغ
    أطرافك وأطرافي.. أستطيع أن أرى النهاية، ولكن كيف أقنع
    الزمن لكي يبقيني حتى أرى؟ ليكن دورنا، الآن. وليسبح الزمن
    في ماء هذه المعادلة:
    نيويورك+ نيويورك= القبر أو شيء يجيء من القبر،
    نيويورك+ نيويورك= الشمس.

    -9-

    في الثمانين أبدأ الثامنة عشرة. قلت هذا القول وأكرّر ولم تسمع
    بيروت.
    جثةٌ هذه التي توحِّد بين البشرة والثوب
    جثة هذه المستلقية كتاباً لا حبراً
    جثة هذه التي لا تسكن في صرف الجسد ونحوِه
    جثة هذه التي تقرأ الأرض حجراً لا نهراً
    ( نعم أحبّ الأمثال والحكمة، أحياناً
    إن لم تكن مُهيِّماً، تكن جثة!)
    أقول وأكرر،
    شعري شجرة وليس بين الغصن والغصن، الورقة والورقة إلاّ
    أمومةُ الجذع
    أقول أكرر
    شعري وردة الرياح. لا الريح. بل المهبّ، ولا الدورة بل المدار
    هكذا أبطل القاعدة، وأقيم لكل لحظة قاعدة. هكذا أقترب ولا
    أخرج. أخرج ولا أعود. و أتجه نحو أيلول والموج0
    هكذا، أحمل كوباً على كتفيَّ وأسأل في نيويورك: متى يصل
    كاسترو؟ وبين القاهرة ودمشق أنتظر على الطريق المؤدي…
    … التقى غيفارا بالحرية. تغلغل معها
    في فراش الزمن وناما. وحين
    استيقظ لم يجدها. ترك النوم
    و دخل في الحلم،
    في بيركلي، في بيروت وبقية الخلايا، حيث يتهيأ كل شيء ليصير كلَّ
    شيء.
    بين وجهٍ يميل إلى المار يجوانا تحمله شاشة الليل،
    و وجه يميل إلى الآي بي إم تحمله شمس باردة،
    أجريت لبنان نهراً من الغضبِ، وطلع جبران في ضفة وطلع
    أدونيس في الضفة الثانية.
    وخرجت نيويورك، كما أخرج من سرير:
    المرأة نجمة مطفأة والسرير ينكسر أشجاراً بلا فضاء، هواءً يعرج،
    صليباً لا يتذكر الشوك
    والآن،
    في عربة الماء الأول، عربة الصور التي تخرج أرسطو وديكارت
    أتوزع بين الأشرفية ومكتبة رأس بيروت، بين زهرة الإحسان
    وطبعة حايك وكمال، حيث تتحول الكتابة نخلة والنخلة إلى يمامة.
    حيث تـتـناسل ألف ليلة وليلة وتختفي بثينة وليلى
    حيث يسافر جميل بين الحجر والجحر، وما من يحظى بقيس.
    لكن،
    سلامٌ لوردةِ الظلام والرمل
    سلامٌ لبيروت.

  • التهام الأدب ومزايا عصيان الآباء

    التهام الأدب ومزايا عصيان الآباء

    أتمنى أن تكونَ هذه التأملات مرشداً للأطفالِ لكي يجرؤا على الدفاعِ عن أنفسهم أمامَ الكبار فيما يخصُّ تعلمَ الآداب والفنون. إنهم لا يملكونَ قاعدةً علميةً وإنما شعورية ـ عاطفية إن جاز هذا ـ ويعتمدونَ على مقدمةٍ غير مقبولة: إن وضعَ طفلٍ أمام مجموعةٍ من الألعاب سينتهي به الأمرُ إلى البقاءِ مع واحدةٍ منها فقط، التي تُعجِبُه أكثر. أعتقدُ أن هذا التفضيل ليسَ مصادفةً وإنما يكشفُ عن ميلٍ واستعدادٍ قد يَمُرَّانِ على أبويه المشغولين ومعلميه المرهقين. أعتقدُ أن الميلَ والاستعداد يوجَدَانِ معه منذ الميلاد، ومن المهم التعرفُ عليهما في الوقت المناسبِ، والانتباه لهما لمساعدته في اختيارِ مهنته. والأكثرُ من هذا أنني أعتقدُ أن بعضَ الأطفال في سنٍ معينة وفي ظروفٍ مُعينة؛ تكونُ لديهم إمكانات خَلْقِية تُمكنهم من النظرِ إلى ما وراءَ الواقعِ الذي يَقبلُهُ الكِبار. قد تكون بقايا قوةٍ تخمينية استهلكها الجنسُ البشري في فتراتٍ سابقة، أو مظاهرَ غير طبيعية من الحدسِ الكشفي لدى الفنانين خلالَ عزلةِ النمو والتي تختفي مثلَ الزائدة الدودية، عندما لم نعدْ نحتاجُها.

    أعتقدُ أن الطفلَ يولدُ كاتباً أو رساماً أو موسيقياً أو عالماً. يولدُ بالميلِ، وفي حالاتٍ كثيرة، بالهيئةِ الجسديةِ المناسبة للرقصِ مثلاً، أو بموهبةٍ في الصحافةِ المكتوبةِ التي تُعرفُ كجنسٍ أدبي، أو للسينما التي تُعرفُ كتوفيقٍ بين الخيالِ والفنِّ التشكيلي. أنا أفلاطوني في هذا الصَّدد: التعلمُ هو التذَكُّرُ. هذا يعني أنه عندما يصلُ طفلٌ إلى المدرسةِ الابتدائية، ربما يكونُ لديه ميلٌ طبيعي من قبل لإحدى تلكَ الوظائف، على الرغمِ من أنه لا يعرفها بعد. وربما لن يعرفها أبداً، لكن مَصيره سيكونُ أفضلَ إن ساعَدَه أحدٌ على اكتشافه. ليسَ بإجباره على أيِّ شيءٍ بأيِّ معنى من المعاني، وإنما أن يَخلقَ له أفضل الظروفِ ويشجعه على الاستمتاعِ بلعبته المفضلة. أعتقدُ وبجديةٍ شديدة، أنَّ فعلَ الإنسان لما يريدُ دائماً، وهذا فقط، هو الطريقةُ المثلى لحياةٍ طويلةٍ وسعيدة.

    ولكي أحققَ هذه الفكرة الجميلة، لا أملك أساساً سوى الخبرة الصعبة، والإصرار على تعلم مهنةِ الكتابةِ أمامَ وسطٍ مخالف، وليسَ على هامشِ التعليم الرسمي، وإنما ضده، انطلاقاً من شرطينِ لا غنى عنهما: استعدادٌ شديدُ التحديد، وميلٌ جارف. لا شيءَ يُسعدني أكثر من أن تكونَ لهذه المغامرة الفردية فائدة ما، ليسَ لمتعلمِ مهنةِ الكتابةِ فقط، وإنما لكلِّ المهن الفنية.

    ***
    قال الكاتب الفرنسي جورج برنانوس: “كلُّ ميلٍ هو دعوة”. (المعجم الحجة) الذي كان أول معجم تصدره الأكاديمية الملكية للغةِ الإسبانية في 1726 يُعرف الميل بأنه:” الوحي الذي يدعو به الله إلى حالةٍ معينةٍ من الكَمَال”. كانَ هذا إذن تعميماً منطلقاً من الدعواتِ الدينية. الاستعدادُ كما يُعرِّفه نفسُ المعجم: “المهارةُ والسلاسةُ في أداءِ شيءٍ مُعين”. بعدَ قرنينِ ونصف لازالَ معجمُ الأكاديمية الملكية يحتفظُ بنفس التعريفات بتصرفاتٍ طفيفة. وما لا يقولُه أن ميلاً غير خاطئ وعميق يُصبحُ نهماً وأبدياً ومقاوماً لأيِّ قوى مُضادة: القدرةُ الوحيدةُ للروحِ التي يُمكنها هزيمة الحب.
    ***
    الاستعداداتُ تجيء غالباً بمصاحبةِ مواصفاتها الجسدية. إنَّ سَماعَ أطفالٍ كثيرين نفسَ النوتةِ الموسيقية، يستطيعُ بعضهم تكرارها بدقةٍ وآخرون لا. مُعلمو الموسيقى يقولون إن الأوائلَ يمتلكونَ ما يُسمى بالسمعِ الأولي، المهمُ لكي يُصبحَ الإنسانُ موسيقياً. أنطونيو ساراساتي استطاعَ في الرابعةِ من عُمره أن يعزفَ بفيولين لُعبة، مقطوعةً لم يستطع أباه العازفُ الشهير أن يعزفها بفيولينته. رغمَ هذا يوجدُ دائماً خوفٌ من أن يقومَ الكبارُ بتدميرِ هذه المواهب لأنها، أو لأنَّ هذا ما يبدو لهم، بسيطةً، وينتهونَ إلى سجنِ أبنائهم في الواقعِ المحدودِ الذي سجنهم فيه آبائهم. صرامةُ الآباءِ مع أبنائهم الفنانين تكونُ دائماً نفس الصرامة التي يُعاملونَ بها أبناءهم الشواذ جنسياً.

    ***

    الميولُ والاستعداداتُ لا تعيشُ دائماً متجاورة. ومن هنا تأتي كارثةُ مطربينَ ذوي أصواتٍ رائعة لا يصلونَ لأيِّ شيء لانعدامِ التقييم، أو رسامينَ يُضحونَ بحياتهم كلها من أجلِ مهنةٍ خاطئة، أو كُـتَّابٍ خصبينَ ليسَ لديهم ما يقولونه. فقط عندما يجتمعُ هذان الشيئانِ توجَدُ إمكانيةٌ لحدوثِ شيء، لكن بفعلِ السحر: لا زالَ هناك التعلم، الدراسة، التكنيك وقدرةٌ على التفوق طوال الحياة.

    ***

    بالنسبةِ للقصاصين، توجدُ تجربة لا تفشلُ أبداً. إن طلبتَ من مجموعةِ أفرادٍ منهم من أعمارٍ مختلفة أن يحكوا قصةَ فيلم، ستكونُ النتائج كاشفة. البعضُ يُعبرونَ عن انطباعاتهم العاطفية والسياسية أو الفلسفية، لكنهم لا يعرفون كيفَ يحكون الحكاية كاملةً وبالترتيب. آخرون يحكونَ القصةَ بالتفصيل، كما يتذكرونها، واثقونَ أن هذا كافٍ لنقلِ الشعورِ الأصلي. الأوائل يُمكنُ أن يكون بهم مستقبلٌ لامعٌ في أيِّ مجالٍ إنساني، لكنهم لن يُصبحوا قصاصين. الآخرون لا زالَ ينقصهم الكثير لكي يصبحوا قصاصين ـ قاعدةٌ ثقافية تكنيكية، أسلوبٌ خاص، قدرة عقلية ـ لكن يمكنهم هذا.
    هذا يعني أن هناك من يعرفون كيف يحكون قصة منذ يبدءون في الكلام ومن لن يعرفون أبداً. بالنسبةِ للأطفال، تستحق هذه التجربة أن تؤخذَ بجدية.
    ***

    (الميل بدون موهبة – الموهبة بدون ميل)

    أُجريَ استفتاءٌ قبلَ هذه التأملات كشفَ عن عدمِ وجود أنظمةٍ قائمة في كولومبيا قادرة على الالتقاط المبكر للميولِ والاستعدادات، كنقطةِ انطلاقٍ لحياةٍ فنيةٍ من المهد إلى اللحد. الآباء غير مؤهلين لهذه المسؤولية الخطيرة، باكتشافِ هذا في الوقتِ المناسب، وعلى العكس إن كانوا مؤهلينَ لهذا فلكي يقفوا ضده. الناسُ الأقل ثقافة يفرضونَ على أبنائهم دراسةَ مجالٍ مضمون، والاحتفاظ بالفنِّ للتسليةِ في ساعاتِ الفراغ. لحسنِ حظِّ الإنسانية يُعطي الأطفال أهميةً قليلةً لكلامِ الآباء الخطير، وأهميةً أقل فيما يتعلقُ بالمستقبل.

    ***

    لهذا يقومُ من يملكونَ ميولاً خفيةً بأفعالٍ غامضةٍ لكي يُظهروها. يوجدُ من لا ينجحون في المدرسةِ لأنهم لا يحبونَ ما يدرسون، ومعَ هذا يُمكنهم التفوقُ فيما يُحبونَ إن ساعدهم أحد. ويمكنهم أيضاً أن يحصلوا على تقديراتٍ جيدة، ليسَ لأنهم يحبون ما يدرسون، وإنما لكي لا يُجبرهم آبائهم ومعلميهم على تركِ اللعبةِ المفضلةِ التي يحملونها سراً في القلب. ومعروفةٌ أيضاً مأساةُ من يُجبَرُونَ على الجلوسِ أمام البيانو في أوقاتِ اللهو، بدونِ ميلٍ أو استعداد، فقط لأنَّ آبائهم يفرضونَ هذا عليهم. مُعلمُ موسيقى جيد فضحَ عدمَ الرحمةِ في هذه الطريقة، وقالَ إنه يجبُ وجود بيانو في البيت، لكن ليسَ لكي يدرسه الأبناءُ قسراً، وإنما لكي يلعبوا به.
    نحنُ الآباء نريدُ دائماً أن يكونَ أبناؤنا أفضلُ منا، على الرغمِ من أننا دائماُ لا نعرفُ كيف.

    وحتى أبناءِ العائلات الفنيةِ يُعانون من هذا الهاجس في بعضِ الحالات، لأنَّ الآباء يريدونَ لأبنائهم أن يُصبحوا فنانين مثلهم، والأطفال لديهم ميل مختلفٌ تماماً. في حالاتٍ أخرى لأن الآباء كانَ حظهم سيئ في الفنِّ ويريدونَ حمايةَ أبنائهم (الذين يَميلونَ إلى الفنِّ بلا شك) من حظٍ مُشابه.

    ***

    ليسَ قليلاً الخطرُ على أبناءِ العائلات البعيدةِ عن الفنِّ، الذينَ يريدُ آبائهم إنجابَ ذريةٍ تستطيعُ أن تكونَ ما لم يستطيعوا هم. على الطرفِ المقابل يوجدُ الأطفالُ المعارضونَ الذين يتدربون على الآلةِ خِفيةً، وعندما يعرفُ الآباء يكون الأبناء قد أصبحوا نجوماً في أوركسترات شهيرة.

    يوجدُ معلمونَ وتلاميذ يتفقونَ على رفضِ الطرقِ الأكاديمية، لكن ليسَ لديهم معيارٌ مُشترك لما يُمكنُ أن يكونَ أفضل. الأغلبيةُ ترفضُ الطرقَ السائدة لطبيعتها الصلبة واهتمامها القليل بالإبداع، ويفضلونَ أن يكونوا تجريبيينَ مستقلين. وآخرونَ يعتبرون أن مصيرهم لم يتوقف كثيراً على ما تعلموا في المدرسةِ، بقدرِ ما توقفَ على الحيلةِ والعنادِ الذين كانوا يَسخرونَ بهما من عَقباتِ الآباءِ والمعلمين. عموماً، صراعُ البقاءِ وافتقادُ الحافزِ أجبرا الكثيرين على العزلةِ والجنون.

    ***

    معاييرُ التعليم شديدة التنوع. بعضها لا يُقبلُ سوى بالحريةِ الكاملة، وأخرى تحاولُ تقديسَ التجريبِ على إطلاقه. من يتحدثونَ عن اللانظام يعترفونَ بفائدته، لكنهم يعتقدونَ أنه يولدُ تلقائياً كثمرةٍ لحاجةٍ داخلية، ولهذا لا يجبُ الإجبارُ عليه. آخرونَ لا يُعولونَ كثيراً على التكوينِ الإنساني والأسس النظرية لفنونهم. وآخرونَ يقولون إنهم تجاوزوا النظرية. الأغلبية، بعدَ سنواتٍ من الجهد، يتمردُونَ على غيابِ النفوذِ وفقرِ الفنانين في مجتمعٍ يرفضُ الطابعَ الاحترافي للفن.

    ***

    ومعَ هذا، فإنَّ أشدَّ الأصواتِ حدةً في الاستفتاءِ كانت ضدَّ المدرسةِ كفضاءٍ يقصُّ فقرُ الروحِ الأجنحةَ فيه، وأنها صخرةٌ أمامَ تَعلُّمِ أيَّ شيء، والفنون خصوصاً. يعتقدونَ أنَّ هناكَ تبديداً للمواهبِ بالتكرارِ اللانهائي للمقولاتِ الأكاديمية الجامدة. بينما أمكَنَ لأفضلِ الموهوبينَ أن يُصبحوا عظماءَ ومبدعينَ لأنهم لم يكونوا مضطرينَ للذهابِ إلى قاعاتِ الدراسة.
    “التعليمُ يتمُّ من وراءِ ظهرِ الفن”. هكذا يُقالُ للمعلمينَ والتلاميذ المتفقين في الرأي. هؤلاء يُبهجهم الشعورُ بالعزلة. المعلمون يأسفونَ لهذا، لكنهم يقبلونَ أن يقولوه أيضاً. ربما كان أكثرُ عدلاً أن يُقالَ إنهم جميعاً على حق. لأنَّ المعلمينَ مثل التلاميذ، وفي النهايةِ المجتمع بأكمله، ضحايا نظام تعليمي شديد البعد عن واقع البلد.

    جابرييل جارثيا ماركيز /
    التهام الأدب ومزايا عصيان الأباء.
    ترجمة: عبدالسلام باشا

  • حَالَةُ حِصَارْ

    هنا، عند مُنْحَدَراتِ التلالِ، أمام الغروبِ وفُوَّهَة الوقت،
    قُرْبَ بساتينَ مقطوعةِ الظلِّ،
    نفعلُ ما يفعلُ السجناءُ،
    وما يفعلُ العاطلونَ عنِ العمَلْ:
    نُرَبِّي الأمَلْ.
    (المزيد…)

  • خِيَارَاتٌ أخرى، لِعُطَيلٍ آخَرْ

    دزديمونة، ومنديل عطيل
    ( نظرةٌ عن قرب )
    (المزيد…)

  • أصواتٌ لا تصل لباب المدينة – مروان الغفوري

    المكان الآن :
    – أفضت بنا الصحراء إلى باب المدينة العالي ، فذبلت قبائلنا خلف أعيننا !
    – لن تفتح المدينةُ أبوابَها ، لأن تحت أظافِرنا أثراً من الصحراء والقبيلة ..
    التوقيع : الفقراء.


    ( 1 )

    يشفّ فؤادي . أعني : يموتُ دمي .
    و يخضرّ جرحي . أعني : تقيلُ المناعةُ أبناءها ، فتجوعَ بلادي ..
    يجيشُ بعيني الترابُ ، و يهدِمني إن جرحتُ إرادتَه
    أقول له :
    خلقنا من الطينِ ، لكنني لم تجف – مثلكم – أضلعي .
    يقولُ :
    خلقنا من الطين ، لكنني لم أكُن كأبي ،
    و لم تأتِني النارُ مزدانةً بخيول النبي !

    ( 2 )

    ليت هذا الترابَ عريضاً كهذا الجدار
    ليتَه يقفُ الآن جنبي .
    إنّ بي عاشقاً للهواء ،
    سيحمِلني فوق كِتْفيه كيما أرى الأرض تغرقُ تحت قوائم سكّانها الخائفين .
    و أرى كيف يتركُ حرّاسُها للحدائقِ أظهرهم ..
    كيف ينجرحون أمام القصائدِ ،
    يشتعلون أمام الحديثِ الصبيّ !

    ( 3 )

    – ليتَ شعري ، يكون تلبّسها الجنّ ، عرسي !
    كيف تقرأُ أورادها ، و أنا والكتابُ هنا
    ( خلف هذا النهار نمنّي برودة أطرافِنا بعصير الجراد المدينيّ ،
    ندهنُ أشواقنا بالشعور الغبي ! )
    ليتَ شعري ، يكونُ تناقلها الدمعُ ، بيتي !
    هل سترفعُ أسقُفها ، و تفكّ زرائر أبوابها ليمر الشياطينُ بعدي ؟
    .. فيشعلني في المدينة ” ليتُ ” ..
    و ينهدّ في الجرحِ بيتُ !

    ( 4 )

    كأني احتلمتُ برائحةٍ في المدينةِ ، مرّت
    أمام الشبابيكِ ، بين الجنودِ ،
    و غامت ، كميلادِ أمي ، بصدري .
    كأنّي احتلمتُ بإمرأةٍ في الطريق إليّ ، تصلي
    لكي يكسر الجندُ أبصارَهم .
    كأني أنا ، رغم أني المدينةُ !
    أحملُ في جبّتي حدثاً بائتاً للسياسة ، ذنباً تناثر من أوجه الخلقِ ،
    حبّاً يخافُ القبيلة !
    كأني احتلمتُ ببيتي ، فخرّت عوامِدُه في فمي ،
    و ذابتْ مفاتِيحه في دمي !

    ( 5 )

    أحبّك ، سبحانَ من جاء بالنورِ منكِ ،و زان بفستان عينيكِ عقد النبوّة .
    أحبّك :
    لمّا تجُعْ رحلتي، بعدُ ، أخشى الطريق المليئة بالشعرِ ،
    أخشىالشفاهَ التي لا تدلّ عليك ،
    و لا تنتمي – مثلنا – لبلادي .
    أحبّكِ ،
    مدي ذراعيك : لا تدعي الليلَ يجتازُ نحو المدينةِ ،
    حتى تخبّئَ أبناءها ،
    و تلمّ مصابيحها في عيون العجائزِ ،
    مدّي ذراعيكِ : وانتظري أن تنام الجبالُ و أن ينزعَ اللهُ غلّ المساكين ،
    أخشى عليكِ
    إذا حدّثت عن هوانا الشبابيكُ أن لا نرى بين هذي البيوتِ
    بلادي .

    أحبّكِ ،
    عيشي لأجلي ، لأني لأجلِك أطعمتُ عيني لباب المدينة .
    أحبّكِ ،
    قومي لأجلي ، لأني لأجلك أوسعتُ اِسم المدينة .
    أحبّكِ ،
    قولي ، لأجلي : ” إني لأجلك أجّلتُ موت المدينة “.
    أحبّكِ ..
    نامي ، و لا تدعي ليلهم مسرجاً عند عينيكِ ،
    هم يسحبون دمي من وريدك ،
    يرتقبون هدوئي بصدرك .
    نامي ..
    و لا تسمحي بالزيارة ،
    قلبي هنا عند باب المدينة يبتاع أدعية لي و لك .
    أحبّك ، نامي
    لأن الذين يمرون حولَك لا يحتوون على اسمي .
    فكيف سينفكّ هذا المساءُ ، ويترك أوجههم .. و أنا عند باب المدينة
    أغفرُ ، باسمك ، لي .. و أصلّي .
    فنامي .. لكي يخجل الكونُ حين تنامين ، مني و منك .
    نامي ..
    أحبّك .

    ( أصوات ربما تصل إلى باب المدينة )

    ( 1 )

    – لماذا نموتُ هنا ، و المدينةُ خلف الجدارِ تكرّرُ فعلتها :
    – ترتخي لتذوبَ السنابلُ ، أو
    ترتخي ، ليعيش الجدار .
    – ( .. )

    – لماذا نعلّقُ أعيننا في الهواء ،
    و نتركها خلفنا حين نغفو ،
    و لا نتقصّى جراح الذين انتهوا ( عندما أكل الرملُ أوساخهم ) .
    و الذين أتوا كالنبيين ، و اختلفوا في المدار؟
    – ( … )

    – لماذا تجيشُ أصابِعُنا بالحديثِ ، إذا ما تقشّر وجهُ المدينةِ ليلاً ،
    و تخبو أماكننا حين نهمسُ :
    قلبُ المحبّ جديدٌ كأشعارِه
    _ ( … )

    – و لماذا تفجّرُ هذي المدينةُ عشّاقها ساعة الاحتضار ؟
    – ( ..)

    ( 2 )

    قيل : لا ينزعُ اللهُ حبّ القبيلةِ من ظهر شاعرها ،
    أو تموتُ أحاديثُ نسوتها في يديه .

    و قيلَ : يجوعُ القبيليُّ في البرّ حتى يرى الأرض واقفةً كالقبيلةِ،
    تُحصي فؤاده ؛
    و حتى تضلّ الرواحلُ .
    حتى تجوسَ البلادُ الغريبةُ في دمه ، و تذمَّ بلادَه .
    يجوعُ القبيليُّ في البحرِ ، لكنّه يتذكّرُ أن فتاة القبيلة أوسع من مائه
    و يكونُ الهوى الجبليُّ يمرّ به في السفينةِ ،
    يحملُ أسماء إخوته ( الطيبين ) و يقرأُ أشواقهم ، للترابِ ، عليه .

    و قيل :

    تنامُ المدينةُ مزدانةً بالخيانات ، تلقي الأسِرّةُ أسماعها للخيالِ النسائي ، تقذفُ بعضُ الشبابيكِ أسرارها للمساكين ( تحت النوافذِ منجدلين كما الموتِ ) .. يمدحُ سكّانها الكافيارَ أمام المنازلِ ( إذ ربّما يسمع الجائعون قصائدهم فتعود الطهاراتُ للبـَرّ) .. يختلط الضوءُ بالأشقياء المسنّينَ . تصحو المدينةُ ، أبناؤها لا يرون أصابعها، و بناتُ المدينةِ – مثلَ الزبيب المخمّرِ – يجرحنَ عبّادَها ، وتذوبَ المساجدُ في البردِ .. هذي المدينةُ جائعةٌ رغم ما قيل في شحمِ سكّانها. و القبيليّ لا ينكرُ البردَ ، أو يهتدي للخلودِ بآثامِ أنثى . نعم ، يشعلُ الحبّ جرحَ القبيليّ ، تسري إناثُ القصائد في دمِه و يرى الأنقياءُ ضفائرهنّ بهدبيه . نعم ، قد يبصرُ الغرباءُ بنات القبيلة يغسلن تحت السماءِ أباريقهنّ وسيقانهنّ ، و يجفلنَ (كالغرباء ) إذا ما شعرنَ بعينِ القصيدِ تعذّبُ أجسادهنّ السقيمات بالاشتهاء . نعم، قد يموتُ القبيلي حزناً على الدارِ، قد يغسلُ الليلَ بالشعرِ ، لكنّ عينَ القبيلةِ لا تفتحُ الظلّ للشعراء . نعم ، إنّ بنت القبيلةِ ما وِلدت لتكون المدينةَ ، ما عبرت قلب عاشقها لتكون حديثاً يمرّ ( كمثلِ القصائد ) .. بنتُ القبيلة مزدانة بالسماء تنامُ على نهدها ، بالمساء يجيءُ بها مسحةً في فم الغرباء .

    ( 3 )

    .. لا الحبيبُ حبيبٌ و لا الماءُ ماءَ بأشواقنا للخلود .
    لا الضبابُ بلادٌ مجهّزةٌ بالتمائمِ ، لا الخائفون رفاقُ الهوى المستحيل .
    في الفجيعة يحسُنُ أن نتلاشى ، وفي البردِ لا حبذّا أن نعُدّ أصابعنا ،
    .. في البلادِ الغريبةِ ، دوماً ، تمرّ الوجوه التي ( إن خبَتْ ) لا تعود .

    لا الجبالُ التي ذبُلت خلفنا وطنٌ خلفنا ،
    و الطريقُ الذي ضلّ منّا سيغتابُنا.
    فكيف سيعرفُ أبناؤنا لثغة الموتِ ،
    كيف ستدركُ زوجاتُنا أنّنا
    ( قبل أن تختفي درجاتُ المدينةِ )
    كنّا نفثنا قصائدنا في المكانِ ، و عشنا هنا لا ترانا الأكاذيبُ ،
    أو تتمزّقُ أوجُهنا من صراخ الجنود !
    المكانُ لنا ، و المدينةُ للخاطفين .
    و البلاد التي دُفِنت خلفنا ، ستعودُ لأشواق نسّاكها ،
    في المكان .. هنا . و تجوعُ الحدود .

    ( 4 )

    .. ليس موقفنا الآن أن نتخلّى عن الموتِ :
    ماذا إذا لم يكُن غيره من بمقدورِه أن يحنّ ،
    و من في أجندتِه أن يجنّدَ أرواحنا للمعابدِ ؟
    ماذا إذا لم يكُن غيرُه من يرانا بلا طمعٍ ،
    و يرى خلف أعيننا كيف تعتلُّ أشجارُنا ،
    و تجرّ القُرى ما تيسّرَ من جوعِ نسوانها للصلاة لنا :
    فلتكُن رحمةُ اللهِ بالغةً ، و ليكُن ظلّه خلف أسمائه مورِداً ، لا لنا !

    تجرّ القُرى ما تبقّى من الشمعِ للصالحين ،
    فنبصرُ ( و الموتُ يبصر من خلف أجفاننا ) كيف تنموا موائدُ أشواقِنا ،
    وتسيلُ الحياةُ كأقدامِ بنتِ النبيّ .
    يرى الموتُ عاشقةً توقِد الحبّ للجائعينَ ، و من لا يخاف من الموتِ ..
    ليس بمقدورِنا أن نعيشَ فرادَى ( كشعر المحبّينَ )
    نحتاجُ للخوفِ كي نتذكّر أبناءنا ، و نجوعَ إلى اللهِ .
    نحتاجُ للبغضِ كي نتذكّر ظلّ الجنودِ .
    و نحتاجُ للحبّ كيما تدلّ القلوبُ على النهرِ ،
    نحتاجُ للنهرِ كيما نرى في الضياء سماواتنا في الطريق إلى الله.

    ( 5 )

    تُرى سامحتني القبيلةُ ؟ هل نفضوا اسميَ من بين أبنائهم ؟
    .. في الطريق إلى اللهِ يأكُلنا الجائعون ..
    هم غجرٌ مطفأون ،ونحنُ [ هُنا ] غجرٌ مثلهم .
    عناويننا في المدينةِ مثل عناويننا بينهم .
    في الطريق إلى الله تسقطُ أخبارنا فجأةً ، ويرانا الذي لا يرى .
    وتجري دماءُ الترابِ بأسمائنا، فنعيدَ إلى الكونِ دورتهُ الأم..
    نغرقُ في الحُلم ، مثل القبيلةِ ، نرجعُ للحُلم ، مثل بناتِ القبيلةِ ،
    ينكسرُ الحلُم في حلمه الأم !

    ( أصواتٌ تصل إلى باب المدينة ..)

    ( 1 )

    عللّيني ، بذكرِ المحبّين ، أنتِ البلادُ لأخبارِهم
    وسمائي إذا غربوا ،
    ودعيني لهم حين يستكمِلون سواعدهم بدعائي
    ولا يسمعونَ شواهد أجدادهم تحت أرضي .

    ( 2 )

    حبيبةُ ، لا تجزعي ، إنّ بعضاً من الجائعينَ سيذكرُ ، في الموتِ ، أرضي
    و بعضاً سيأكل – من قسوة البردِ – عرضي ..
    كِلِيْهِم لأشواقِهم، وكِلينا لخوفِ الطريقِ .
    كم زرعنا به الشعرَ ، فانتشرت في العيونِ النميمةُ،
    وانكسَرَت عبرةٌ في المضيقْ .
    كم وقعت من دمانا دماءٌ على صدره ، فاشتكى من تهتّكنا
    عجبٌ ، يا حبيبةُ ، يشتاقُنا البلدُ الليلُ
    أعجبُ من شوقِه أن يرانا نفتّت أسماءنا فيقولُ :
    يضلون شوقَ المريدين ، بالشعرِ!
    يبصِرُنا نتكسّى من الواهِمين ولا يُستفز.
    عجبٌ ، يا حبيبةُ ، شأنُ الطريق إلى أمّنا في تعِز : –
    نجوّعُ أقدامنا ، قاصدين ، لينموا نخيلُ الطريق ..
    فهل قيل : مرّ الحجيجُ بهِ واستظلّوا !
    الطريقُ إلى أمّنا ناشفٌ كالذنوبِ الصغيرةِ ،
    والعائذونَ بهِ هدموا ظلّنا،
    وأقاموا بأحجارِه ذهباً للمُعِزْ !

    يقول : ” الطريقُ أنا “
    ( أتحدّى اليسوعَ – و قد قالها مرّة للمريدين من قَبلِ مَتّى – فأين الطريقُ ، وما لونه !؟)
    و هل يتوفّى الملائكةُ الأنبياءَ ، بهِ ، و يُقيتُ النبيّون زوجاتِهمُ من حديثِ الحوافرِ؟
    هاه؟
    الطريقُ أصابِعُ أحلامِهم .. و أصابعُ أحلامِنا لا حدودَ لأحلامِها
    فكيفَ سنبصِرُ قلب المدينةِ في الغيمِ ؟
    هذي المدينةُ لا تدخلُ الضوءَ طاهِرةً من بكاء المساكينِ ..
    يدخلها الضوءُ متّسخاً بالمساكين ، يعبُرُ في جوفها الجائعونَ المساكينُ ، يجهلُ أحلامَهم حرسُ البابِ .. هذي المدينةُ موقدةٌ بالمساكينِ ، ينتشِرُ الموتُ تحت نوافذها كالوباءِ ولا يتذكّرُ أسماء أجدادِنا ، غيْر أنّ ذبالاته تتذكّرُ ( بالفعلِ) أسماء أبنائهم في المدينةِ ..
    هاه ؟
    ألطريقُ أصابِعُنا أم دماماتُهم ؟

    ( 3 )

    برّدوني بأوصافِنا في القبيلةِ ..
    إنّ سماواتِنا لا ترد السلامَ إذا الموتُ عسعس ..
    وألقى شراكاً على كلّ وعدٍ ،
    و أرخى سدولاً على كل نهدٍ
    و أعرس ..
    فجيئي إلى اللهِ ، في الأرضِ منفى لأسمائه ، وله في السماواتِ شأنٌ ، يوزّعُه بين :
    نحلٍ، و منفىً ، و نورَسْ ..!
    فنزدادُ موتاً ، وأزدادُ جوعاً ، ويزدادُ شأنا !
    .. إلخ !

    ( من أشواق المدينة ، فيضٌ في الهامش ) !

    ( أغنية )

    هل يخدعُ إنسانٌ ربّه ؟
    هل يقتلُ ، من يغرقُ في البحر ، بلاداً تسكنُ قلبَه ؟
    هل يجرحُ نخلُ اللهِ الشعراءَ إذا فرّوا من حقد الناس، و خبّأ كلٌّ دربه ؟ ..
    إن أغمضتِ الآن ذراعيك و قلبي سترين :
    وشاحاً يتوضّأ في عينيكِ،
    دبيباً يكبرُ بين ضلوعك .

    ( لحن )

    – أحبّكَ ..
    – قوليها ، فأنا أحتاجُ إليك لئلا تدهسني الأرض .
    لأسمعَ أقدام ملائكة الله يجوسون خلال العشّاق .
    لأبصرَ قلبَك دون وشايات من أرض الميعادِ .
    أحتاجُ إليكِ لأمسح عينيك بأطراف الفجرِ،
    لأغسل ما يتبقّى فوق شفاهكِ من نومٍ بالتمر البلديّ ،
    لأشعرَ أنّي الآن أعيشَ لأجل الله كما شاء ،
    و أجلِ الحبِ كما كانت أسماءُ مدينتنا الأولى تخجلُ في بيروت ..
    أحتاج لأنْ أقرأ شيئاً في الليل عن القريةِ :
    كيف تنامُ و أنتِ تعودين بفجرٍ يخفي ضوءَ مساكنِه عن قلب الحارةِ
    كيف توزّعُ هذه الأرضُ سماءَ الله على الفقراء !

    هل أنت هنالكِ … (في العالم) … ما يكفي لأخاف من الحب ، و في الحب كثيرون يعيشون بلا عالم .
    أدركُ أنّ فؤادك يكبرُ ( … ) حتى يتمايل عند قصيدة شعري : –
    ( يتمايل كفتاةٍ تلعبُ في السطح و تعلم أن الجيران يرون أنوثتها تتساقط في الريحْ)
    ( يتعامدُ في النور كطفلٍ يكسرُ لعبة صاحبه والناسُ يرونَ به فألاً لا يحسُن أن نذكره للريحْ )
    ( يتجاهلُ فتنته كفقيرٍ يتكدّسُ في البرد لئلا تسقط عين امرأةٍ من شبّاك الجيران
    الجيران المشغولين به من أجل الريحْ ).
    أقدرُ ، يا أصغر من مرّت في قلبي شيئاً مختصراً من فرح الله ،
    سأقدِرُ ( لو شئتِ لما شئتُ ) سأفعلُ ، أن أدخُل في أكمام صلاتك ، أن أسكن تحت بلادك ،
    أن آكلَ بعض التمر المستوردِ تحت شفاهِك ،
    و أموتَ معاً !

    ( نبيذ )

    الشجر الأخضر لا يكبرُ حتى تتجرّد أنثاه عن البحر وتلبس لون الشاعر.
    أن تغرق في الليلِ بلا آخر ..
    أن تقسم أنّ الدفءَ العابر في شفتيها ورقٌ من دفتر شعر مرّ بها عن قصدٍ ،
    أن الشعر بعينيها يهلِكُ نفسه .
    الشجرُ الأخضر، يا أصغر من مرّت في قلبي ، نبتٌ لا يعرفُ وجه الخوفِ ، و يدرك أسماء مدينتا، أو يعرفُ نفسه .
    .. يتلاشى في أشواق الفقراء بلا آخر .

    ( حركة )

    الآن ، أرى عينيك . الآن سأفتح صدري لتمرّ الصحراء كما شاءت ، و يجوع الفقراء كما شاؤوا ، و تمري أنتِ . الآن ، سيعلو البحرُ أمامي ، و يذوبُ النخلُ ورائي ، و تجيئين :
    أنثى تكسرُ أجنحة القلب ، وتغسلُ أغنية الموتى بالحلف الناعم ، أنثى لا يأكلها الريحُ ولا تنكأ وجنتها الأشعار .. الآن سأقسمُ للغادين بأنّ بلادي لم تغرق في البحر ، وأنّ فتاتي تنمو مثلي مثلي مثلي ، رغم الجرح .

    أدري أن يديك الآن بصدرك ، أنّك تخشين بأن يسمع قلبُك طرقاتي في جوف الدارِ .
    تمتلكين الآن خياراً أبديّاً، أن يغمض قلبُك أصوات الشوق المنذورةَ فيه ، وأن يتمدد في الشرفة كي يتقصّى أبعد ما تخشاه مدينتنا في الليل .
    ماذا يخشى العالمُ في الليل سوى أقدام قصائدنا تنكأُ برْد الحيّ ، وتخجلُ حرّاس البنك !
    أتحسس ما شاء ليَ الله ُ، فأطعمُ آخر كلماتك في الهمس .. تقولين : أحبك ،
    و تغنين :
    – أيا ليلُ ..
    – أنا الليل .
    فانتفضي ، أعودَ الخيمةِ ..
    و … إلخ !

    مروان الغفوري ..
    مارس – 2006
    القاهرة ..

  • ثورة البظر – ماريو فارغاس يوسا

    ثورة البظر – ماريو فارغاس يوسا

    ترجمة: صالح علماني

    أفهم يا سيدتي أن البدائل النسائية التي تمثلينها قد أعلنت الحرب على الأعضاء الجنسية الذكرية وأن فلسفة حركتك تستند إلى القناعة بأن البَظْر متفوق معنوياً وجسدياً وثقافياً و إيروتيكاً على القضيب، وأن المبيضات أنبل طبيعة من الخصيات.

    أوافقك على أن أطروحتك يمكن الدفاع عنها. ولست أنوي أن أبدي أدنى معارضة لك. فتعاطفي مع الحركة النسائية عميق ، وإن كان يأتي في المرتبة التالية لحبي للحرية الشخصية وحقوق الإنسان ، وهي ضمن حدود لا بد لي من تحديدها حتى يكون هناك مغزى لما سأقوله فيما بعد . أبدأ بالتعميم ، وبما هو أكثر جلاء ، لأؤكد أنني مؤيد لإلغاء كل العقبات القانونية التي تحول دون وصول المرأة إلى المسؤوليات نفسها التي يصل إليها الذكر ، ومؤيد للمعركة الفكرية و الأخلاقية ضد الأحكام المسبقة التي يستند إليها انتقاص حقوق النساء ، وأسارع لأضيف أن من ضمنها ، بل ومن أكثرها أهمية برأيي ، بالنسبة للذكور أيضاً ، هو حق المتعة ، والذي يبرز منه . وأنا متأكد من ذلك . خلافنا الأول .

    ولكن الخلاف الأساسي، وأخشى أن يكون الخلاف الذي لا رجعة عنه، لأنه يفتح الهوة التي لا سبيل إلى ردمها فيما بين حضرتك وبيني أو بين قضيبي و مهبلك ، لكي نبقى ضمن حدود الحيادية العلمية . هذا الخلاف الأساسي ، يرتكز من وجهة نظري ، على أن الحركة النسائية هي مقولة مفهوم جماعي، بمعنى أنها مغالطة سفسطائية ، لأنها تسعى إلى أن تحيط في مفهوم نوعي متجانس، تشكيلةً جماعية فسيحة في الفرديات غير المتجانسة ، الاختلافات و التفاوتات فيها لا تقل أهمية ( بل هي أكثر أهمية بالتأكيد ) من القاسم المشترك البظري أو المَبيضي . و ما أعنيه ، دون أي قفزات بهلوانية مستهترة ، أن كون المرء مزوداً بقضيب أو ببظر ( وهي أجهزة ملتبسة الحدود ، مثلما سأثبتُ لكِ فيما بعد ) هو في رأيي أقل شأناً . في التفريق ما بين كائن وآخر من المواصفات الأخرى ( العيوب ، الفضائل ، النقائص ) الخاصة بكل فرد. وقد أدى تجاهل ذلك إلى تمكين الأيديولوجيات من خلق أشكال التعسف في المساواة تكون أسوأ عموماً من تلك المظالم التي تسعين إلى أن تثوري ضدها. وأخشى أن الحركة النسائية ، من النوع الذي تقودينه حضرتكِ ، ستواصل المضي في هذا الطريق في حال انتصار طروحتك ، وهو أمر ، من وجهة نظر تنطلق من ظروف المرأة ، لا يعني أي شيء آخر . باللغة العامية ” سوى استبدال المخاط باللعاب ” .

    هذه الأمور بالنسبة لي هي اعتبارات تنطلق من مبدأ أخلاقي وجمالي ، لستِ حضرتكِ معنية بمشاطرتي إياها. ولكن لحسن الحظ أن العلم يقف إلى جانبي أيضاً وستتأكدين من ذلك إذا ما ألقينا نظرة ، مثلاً ، على أعمال برفيسورة الوراثة والعلوم الطبية في جامعة بروان ، الدكتورة آن فاوستو – ستيرلينغ التي تصرخ منذ سنوات عديدة للبرهنة ، أمام حشود متبلدة بسبب التوافقات الاجتماعية والخرافات والعمى حيال الحقيقة ، بأن الأجناس البشرية لا تقتصر على الجنسين اللذان جعلونا نؤمن بأنهما الجنسان الوحيدان – مذكر ومؤنث- بل هناك على الأقل خمسة أجناس ، وربما أكثر ! ومع أنني أعترض لأسباب لغوية صوتية على الأسماء التي اختارتها الدكتور فاوستو – ستيرلينغ ( herms – merms – ferms ) للأجناس الثلاثة الوسيطة بين ما هو مذكر ومؤنث ، وقد أملتها عليها علوم البيولوجيا و الوراثة والجنس ، إلا أنني أحيي في أبحاثها وأبحاث العلماء مثلها بعض الحلفاء الأقوياء لمن هم مثل هذا الجبان الذي يكتب لك، يؤمنون بأن التقسيم المانوي للبشرية إلى رجال ونساء هو وهم جماعي ، وخثارة مؤامرة ضد الاستقلالية الفردية – و بالتالي ضد الحرية – ، و تزوير علمي متوج بفضل السعي التقليدي للدول و الأديان و الأنظمة التشريعية إلى الحفاظ على هذا النظام الثنائي ، ضد طبيعة تفنده كل لحظة .

    إن مخيلة التحرر الأقصى في الميثولوجيا الهيلينية كانت تعرف ذلك جيداً حين أذنت بهذه الصيغة التركيبية من هرمس و أفروديت ، المتمثلة في هيرما فروديت المراهق الذي ما أن أحب حورية حتى صهر جسده بها ، متحولاً منذ ذلك الوقت إلى رجل – امرأة أو امرأة – رجل ( كل واحدة من هاتين الصيغتين تمثل ، حسب قول الدكتورة فاوستو ستيرلينغ ، في فرد واحد لوناً مختلفاً من التآلف في الغدد الجنسية ، والهرمونات ، وتركيب الصبغيات ، فينشأ بناء على ذلك ، جنس مختلف عما نعرفه من الرجل والمرأة ، هو تلك التنافرات الصوتية herms – merms – ferms ) ومن المهم أن نعرف أن هذا ليس ميثولوجيا وإنما هو واقع فاقع ، ذلك أنه قبل و بعد هيرمافروديت الإغريقي ، ولدت مثل هالكائنات الوسيطة ( ليسوا ذكوراً ولا إناثاً في المفهوم الشائع للمصطلح ) المحكومة بسبب الغباء والجهل والتعصب والأحكام المسبقة بأن تعيش متنكرة ، أو – إذا ما اكتشف أمرها – بأن تتعرض إلى الحرق ، والشنق ، و التعزيم بإعتبرها من نسل الشيطان ، أو العصر الحديث – يجري ” تطبيعهم ” منذ المهد عن طريق الجراحة والمعالجة الجينية بعلم موضوع في خدمة هذه التسميات المُضلِّلة التي لا تتقبل إلا الذكر أو الأنثى وتلقى إلى خارج المألوف ، إلى جحيم الشذوذ ، والمسوخية ، والغرابة الجسدية ، هؤلاء الأبطال الرقيقين من غير الجنسين . كل تعاطفي معهم – المزودين بخصيات ومبيضات ، ببظر مثل القضيب أو بقضيب مثل البظر ، وبإحليل ومهبل ، وقد يفرزون أحياناً حيوانات منوية في الوقت الذي يحيضون فيه . ولعلمك ، فإن هذه الحالات النادرة ليست نادرة جداً ؛ فالكتور جون موني من جامعة جون هوبكنز ، يقدر عدد من هم من غير الجنسين بأربعة بالمئة من بني البشر ( احسبي وسترين أنهم ، وحدهم يملؤون قارة بكاملها ).

    وجود هذه الإنسانية الواسعة المقرة علمياً ( والتي علمتُ بأمرها من خلال قراءة هذه الأعمال التي هي بالنسبة إلي ، ذات أهمية إيروتيكية قبل أي شيء ) ، على هامش ما هو طبيعي ، ومن أجل حريتها والاعتراف بها وتقبلها أناضل أيضاً بطريقتي التافهة ( أعني ، من ركني المنعزل كمتلذذ فوضوي ، محب للفن ومتع الجسد ، مكبل من وراء صورة مدير شركة تأمين فظ ) لأصعق من يسعون مثل حضرتكِ إلى فصل الإنسانية عن حظائر راكدة حسب الجنس : القضبان هنا ، والبُظر في الجانب الآخر ، المهابل إلى اليمين والخصيات إلى اليسار . هذه الابتسار الجماعي لا يتوافق مع الحقيقة . ففيما يتعلق بالجنس أيضاً ، نمثل نحن البشر مروحة من التنوع ، من الأسر ، من الاستثناءات ، ومن الأصول و الألوان . ومن أجل إمساك الحقيقة الأخيرة غير القابلة للتحول لما هو بشري ، لا بد من التخلي عن القطع ، وعن الرؤية الرعاعية والانسحاب نحو ما هو فردي .

    و باختصار ، أقول لكِ إن كل حركة تسعى إلى تجاوز المعركة من أجل السيادة الفردية ( أو استعبادها إلى مستوى ثانوي ) ، مُقَدَّمة عليها مصالح جماعية – لطبقة أو عرق أو سلالة أو أمة أو جنس أو أثنية أو كنيسة أو مهنة . تبدو لي مؤامرة تريد فرض مزيد من اللجم على الحرية البشرية المهانة. هذه الحرية التي لا تصل إلى مغزاها الواسع إلا في مجال الفرد ، موطنها الدافئ وغير القابل للتجزئة الذي تجسدينه حضرتكِ ببظركِ المحارب وأجسده أنا بقضيبي المتخفي ( لدي غُلْفة على عضوي ، وكذلك ابني ألفونسو ، لأنني ضد الختان الديني لحديثي الولادة ، ولستُ ضد الختان لمن يختارونه وهم في سن الرشد – وأدين للأسباب نفسها عمليات بتر البظر والشفرتين العلويين التي يمارسها كثيرون من الإسلاميين الأفارقة ) ويتوجب علينا أن ندافع عنها ، خصوصاً في مزاعم من يريدون تذويبنا في هذه التجمعات المشوهة و المخصية التي يحكم بها المتعطشون إلى السلطة. وكل شيء يشير كما يبدو إلى أنك وأتباعكِ تشكلون جزءاً من هذا القطيع ، ومن واجبي أن أنقل إليك خصومتي وعدائي عبر هذه الرسالة التي لا أفكر في حملها إلى البريد .

    ولكي أستبعد قليلاً طابع الجديّة المأتمية الذي يطغى على رسالتي وأنهيها بابتسامة ، فأنني أتحمس لأن أشير إلى قضية إيمـّّا البرغماتية الثنائي الجنس ( هل يتوجب عليّ أن أقول ثنائية الجنس ؟ ) والتي يذكرها طبيب الأمراض التناسلية هوغ هـ. يونغ ( وكذلك جون هوبكنز ) التي عالجها / عالجه . لقد تربت إيـمّا على أنها طفلة ، على الرغم من امتلاكها بظراً بحجم القضيب ومهبلاً مضيافاً ، مما أتاح لها الاحتفال بتبادلات جنسية مع الرجال والنساء ، في عزوبيتها كانت تمارس علاقاتها مع الفتيات بصورة خاصة ، مؤدية دور الرجل . ثم تزوجت فيما بعد من ذكرٍ ومارست الحب كامرأة ، دون أن تتلذذ بهذا الدور مثلما كانت تتلذذ بدورها الآخر ؛ ولهذا كانت لها عشيقات من النساء تثقبهن ببظرها الذكري . وحين استشارت الدكتور يونغ عن حالتها ، أوضح لها أنه من السهل القيام بمداخلة جراحية وتحويلها إلى رجل وحسب ، لأن هذه هي حالتها كما يبدو . وكان رد إيـمّا الذي يساوي مكتبات مما قيل حول تقشف العالم البشري : ” سيكون عليكَ أن تستأصل مهبلي ، أليس كذلك يا دكتور ؟ لا أظن أن هذا الحل يناسبني ، لأن رحمي هو الذي يوفر لي الطعام . فإذا ما أجريت لي العملية ، سيكون علي أن أنفصل عن زوجي وأن أبحث عن عمل. ولهذا ، أُفضّل أن أبقى مثلما أنا ” . تورد هذه القصة الدكتورة آنا فاستو – ستيرلينغ في كتابها : خرافة الأجناس : نظريات بيولوجية حول المرأة والرجل ، وهو كتاب أنصحك بقراءته.
    وداعاً و”…. ” يا صديقتي.

  • ذاكرة الجسد – أحلام مستغانمي

    ذاكرة الجسد – أحلام مستغانمي

    إلى مالك حدَّاد .
    ابنُ قسنطينة الذي أقسمَ بعدَ استقلالِ الجزائرِ ألا يكتبَ بلغةٍ ليست لغته .
    فاغتالته الصفحةُ البيضاء .. وماتَ متأثراً بسلطانِ صمتهِ ليصبحَ شهيدَ اللغةِ العربيةِ ، وأولَ كاتبٍ قرَّرَ أن يموتَ صمتاً وقهراً وعشقاً لها .

    وإلى أبي .
    عساهُ يجدُ “هناكَ” من يُتقنُ العربيةَ، فيقرأَ له أخيراً هذا الكتاب ..كتابه .

    أحلام


    ما زلتُ أذكرُ قولكِ ذات يوم :
    “الحبُّ هوَ ما حدثَ بيننا . والأدبُ هوَ كل ما لم يحدث”.
    يُمكنني اليومَ، بعدما انتهى كل شئٍ أن أقول :
    هنيئاً للأدبِ على فجيعتنا إذن فما أكبرَ مساحة ما لم يحدث . إنها تصلحُ اليومَ لأكثر من كتاب .
    وهنيئاً للحبِّ أيضاً ..
    فما أجملَ الذي حدثَ بيننا ، ما أجملَ الذي لم يحدث ، ما أجملَ الذي لن يحدث .
    قبلَ اليوم، كنتُ أعتقدُ أننا لا يُمكنُ أن نكتبَ عن حياتنا إلاَّ عندما نُشفى منها.
    عندما يُمكنُ أن نلمسَ جراحنا القديمةَ بقلمٍ ، دونَ أن نتألمَ مرةً أخرى.
    عندما نقدرُ على النظرِ خلفنا دونَ حنين، دونَ جنون، ودونَ حقدٍٍ أيضاً.
    أيمكنُ هذا حقاً ؟
    نحنُ لا نُشفى من ذاكرتنا. ولهذا نحنُ نكتبُ، ولهذا نحنُ نرسمُ، ولهذا يموتُ بعضنا أيضاً .
    – أتريدُ قهوة؟
    يأتي صوتُ عتيقة غائباً، وكأنه يطرحُ السؤالَ على شخصٍ غيري. معتذراً دونَ اعتذار، عليَّ وجهٌ للحزنِ لم أخلعه منذُ ايام.
    يخذلني صوتي فجأةً. أجيبُ بإشارةٍ من رأسي فقط.
    فتنسحبُ لتعودَ بعد لحظات، بصينيِّةِ قهوةٍ نحاسيَّةٍ كبيرة عليها إبريق، وفناجين، وسكَّرية، ومرشٌّ لماءِ الزهر، وصحنٌ للحلويات.
    في مدنٍ أخرى تُقدمُ القهوةُ جاهزةً في فنجان، وُضعت جواره مسبقاً ملعقة وقطعة سكَّر.
    ولكن قسنطينة مدينةٌ تكرهُ الإيجازَ في كلِّ شئ.
    إنها تفردُ ما عندها دائماً. تماماً كا تلبسُ كلَّ ما تملك. وتقولُ كلَّ ما تعرف.
    ولهذا كانَ حتى الحزن وليمة في هذهِ المدينة.
    أجمعُ الأوراقَ المبعثرةَ أمامي، لأتركَ مكاناً لفنجانِ القهوة وكأنني أفسحُ مكاناً لكِ.
    بعضها مسوَّدات قديمة، وأخرى أوراقٌ بيضاءَ تنتظرُ منذُ أيامٍ بعضَ الكلمات فقط كي تدبَّ فيها الحياة، وتتحولَ من ورقٍ إلى أيام.
    كلماتٌ فقط، أجتازُ بها الصمتَ إلى الكلام، والذاكرةَ إلى النسيان، ولكن ..
    تركتُ السكَّرَ جانباً، وارتشفتُ قهوتي مرَّةً كما عودني حبُّكِ.
    فكرتُ في غرابةِ هذا الطعمِ العذب للقهوةِ المرَّة. ولحظتها فقط، شعرتُ أنني قادرٌ على الكتابةِ عنكِ فأشعلتُ سيجارةً عصبية، ورحتُ أطاردُ دخانَ الكلماتِ التي أحرقتني منذ سنوات، دونَ أن أطفئَ حرائقها مرة فوق صفحة.
    هل الورقُ مطفأةٌ للذاكرة ؟
    نتركُ فوقه كل مرةٍ رمادَ سيجارةِ الحنينِ الأخيرة، وبقايا الخيبةِ الأخيرة.
    من مِنَّا يُطفئُ أو يُشعلُ الأخر ؟
    لا أدري.. فقبلكِ لم أكتب شيئاً يستحقُّ الذكر .. معكِ فقط سابدأُ الكتابة.
    ولابدَّ أن أعثرَ أخيراً على الكلمات التي سأنكتبُ بها، فمن حقِّي أن أختارَ اليومَ كيفَ أنكتب. أنا الذي لم أختر تلكَ القصَّة.
    قصةً كانَ يُمكنُ ألا تكونَ قصتي، لو لم يضعكِ القدرُ كلَّ مرةٍ مصادفةً عندَ منعطفاتِ فصولها.
    من أينَ جاءَ هذا الارتباك ؟
    وكيفَ تطابقت مساحةُ الأوراقِ البيضاءِ المستطيلة، بتلكَ المساحةِ الشاسعةِ البياض للوحاتٍ لم تُرسم بعد.. وما زالت مُسندةً على جدارِ مرسمٍ كانَ مرسمي ؟
    وكيفَ غادرتني الحروفُ كما غادرتني قبلها الألوان.وتحولَ العالمُ إلى جهاز تلفزيون عتيق، يبثُّ الصورَ بالأسودِ والأبيض فقط؟
    ويعرضُ شريطاً قديماً للذاكرة، كما تُعرضُ أفلام السينما الصامتة.
    كنتُ أحسدهم دائماً، أولئك الرسامين الذين كانوا ينتقلون بين الرسم والكتابةِ دون جهد، وكأنهم ينتقلون من غرفةٍ إلى أخرى داخلهم. كأنهم ينتقلونَ بين امرأتينِ دونَ كلفة.
    كانَ لابدَّ ألا أكونَ رجلاً لامرأةٍ واحدة !

    ها هو ذا القلمُ إذن.. الأكثرُ بوحاً والأكثر جرحاً.
    ها هوَ ذا الذي لا يُتقن المراواغة، ولا يعرفُ كيف توضعُ الظلال على الأشياء. ولا كيفَ تُرش الألوانُ على الجرحِ المعروضِ للفرجة.
    وها هيَ الكلمات التي حُرمتُ منها، عاريةً كما أردتها، موجعةً كما أردتها، فلمَ رعشةُ الخوفِ تشلُّ يدي، وتمنعني من الكتابة؟
    تُراني أعي في هذهِ اللحظةِ فقط، أني استبدلتُ بفرشاتي سكيناً. وأن الكتابةَ إليكِ قاتلة.. كحبكِ.

    ارتشفتُ قهوتكِ الـمُرَّة بمتعةٍ مشبوهةٍ هذه المرَّة. شعرتُ أنني على وشكِ أن أعثرَ على جملةٍ أولى، أبدأ بها هذا الكتاب.
    جملةٍ قد تكونُ في تلقائيةِ كلماتِ رسالة.
    كأن أقول مثلاً :
    ” أكتبُ إليكِ من مدينةٍ ما زالت تشبهكِ، وأصبحتُ أشبهها. ما زالت الطيورُ تعبرُ هذه الجسور على عجل، وأنا أصبحتُ جسراً آخر معلقاً هنا.
    لا تحبي الجسورَ بعد اليوم.. “
    أو شيئاً آخر مثل:
    ” أمامَ فنجانِ قهوةٍ ذكرتكِ..
    كان لابدَّ أن تضعي ولو مرةً واحدة قطعةَ سُكَّر في قهوتي. لماذا كل هذه الصينية؛ أمن أجلِ قهوةٍ مُرَّة..؟ “.

    كانَ يُمكنُ أن أقول أي شئ. ففي النهايةِ، ليست الروايات سوى رسائل وبطاقات، نكتبها خارجَ المناسباتِ المعلنة، لنعلنَ نشرتنا النفسيةَ لمن يهمهم أمرنا.
    ولذا أجملها، تلكَ التي تبدأ بجملةٍ لم يتوقعها من عايشَ طقسنا ومناخنا. وربما كان يوماً سبباً في كل تقلباتنا الجوية.
    تتزاحمُ الجملُ في ذهني. كل تلك التي لم تتوقعيها. وتمطرُ الذاكرة فجأةً.
    فأبتلعُ قهوتي على عجل. وأُشرعُ نافذتي لأهربَ منكِ إلى السماء الخريفية، إلى الشجر والجسور والمارة.

    إلى مدينةٍ أصبحت مدينتي مرَّةَ أخرى. بعدما أخذت لي موعداً معها لسببٍ آخرَ هذه المرة.
    هذه قسنطينة. وها هوَ كل شئٍ أنتٍ.
    وها أنتِ تدخلين إليَّ، من النافذةِ نفسها التي سبقَ أن دخلتِ منها منذ سنوات. معَ صوتِ المآذنِ نفسه، وصوت الباعة، وخُطى النساء الملتحفاتِ بالسواد، والأغاني القادمة من مذياعٍ لا يتعب.
    ” يا التفاحة.. يا التفاحة.. خبِّريني.. وعلاش الناس والعة بيكِ ..”

    تستوقفني هذه الأغنيةُ بسذاجتها.
    تضعني وجهاً لوجهٍ مع الوطن. تُذكرني دونَ مجالٍ للشك بألأنني في مدينةٍ عربية. فتبدو السنوات التي قضيتها في باريس حلماًً خرافياً .
    هل التغزلُ بالفواكهِ ظاهرةٌ عربية؟ أم وحده التفاح الذي ما زالَ يحملُ نكهةَ خطيئتنا الأولى، شهيٌّ حدَّ التغني به، في أكثرِ من بلدٍ عربي.
    وماذا لو كنتِ تُفاحة؟
    لا، لم تكوني تفاحة.
    كنتِ المرأة التي أغرتني بأكلِ التفاحِ لا أكثر. كنتِ تُمارسينَ معي فطرياً لعبةَ حوَّاء. ولم يكن بإمكاني أن أتنكرَ لأكثر من رجل يسكنني، لأكونَ معكِ أن بالذات في حماقةِ آدم !
    – أهلاً سي خالد.. واش راك اليوم ؟
    يُسلمُ عليَّ جار، تسلَّقتْ نظراتهُ طوابقَ حُزني. وفاجأه وقوفي الصباحي، خلفَ شرفةٍ للذهول.
    أتابعُ في نظرةٍ غائبة، خطواته المتجهةَ نحوَ المسجدِ المجاور. وما يليها من خطواتٍ لمارةٍ آخرين، بعضها كسلى، وأخرى عجلى، متجهةً جميعها نحو المكان نفسه.
    الوطنُ كله ذاهب للصلاة.
    والمذياعُ يُمجدُ أكلَ التفاحة.
    وأكثر من جهاز هوائي على السطوح، يقفُ مقابلاً المآذن، يرصدُ القنوات الأجنبية، التي تقدمُ كلَّ ليلةٍ على شاشةِ تلفزيونك، أكثر من طريقةٍ عصريةٍ لأكل التفاح!

    أكتفي بابتلاعِ ريقي فقط.
    في الواقعِ لم أكن أحب الفواكه. ولا كانَ أمر التفاح يعنيني بالتحديد. كنتُ أحبكِ أنتِ. وما ذنبي إن جاءني حبكِ في شكلِ خطيئة؟!
    كيفَ أنتَ، يسألني جارٌ ويمضي للصلاة.
    فيجيبه لساني بكلماتٍ مقتضبة، ويمضي في السؤالِ عنكِ.
    كيفَ أنا؟
    أنا ما فعلتهِ بي سيدتي.. فكيفَ أنتِ؟
    يا امرأةً كساها حنيني جنوناً، وإذا بها تأخذ تدريجيا ملامحَ مدينةٍ وتضاريسَ وطن.
    وإذا بي أسكنها في غفلةٍ من الزمن، وكأنني أسكنُ غرفَ ذاكرتي المغلقة من سنين.
    كيفَ حالكِ؟
    يا شجرةَ توتٍ تلبسُ الحدادَ وراثياً كلَّ موسم.
    يا قسنطينةَ الأثواب. يا قسنطينةَ الحبِّ، والأفراحِ والأحزانِ والأحباب. أجيبي أينَ تكونين الآن؟
    ها هيَ قسنطينة. باردة الأطراف والأقدام. محمومة الشفاه، مجنونة الأطوار.
    ها هي ذي.. كم تشبهينها اليومَ أيضاً . لو تدرين!
    دعيني أغلقُ النافذة.
    كانَ مارسيل بانيول يقول:
    ” تعوَّد على اعتبار الأشياء العادية، أشياءَ يُمكن أن تحدثَ أيضاً “.
    أليسَ الموتُ في النهايةِ شيئاً عادياً، تماماً كالميلادِ، والحبِّ، والزواجِ، والمرضِ، والشيخوخةِ، والغربةِ والجنونِ، وأشياءَ أخرى؟
    فما أطول قائمة الأشياء العادية التي نتوقعها فوق العادة، حتى تحدث. والتي نعتقدُ أنها لا تحدثُ سوى للآخرين، وأن الحياةَ لسببٍ أو لآخر ستوفرُ علينا كثيراً منها، حتى نجدَ أنفسنا يوماً أمامها.
    عندما أبحثُ في حياتي اليوم، أجدُ أن لقائي بكِ هو الشئ الوحيد الخارق للعادةِ حقاً. الشئُ الوحيد الذي لم أكن لأتنبأ به، أو أتوقع عواقبه عليَّ. لأنني كنتُ أجهلُ وقتها أن الأشياء غير العادية، قد تجرُّ معها كثيراً من الأشياء العادية.
    ورغمَ ذلك، ما زلتُ أتساءل بعد كل هذه السنوات، أين أضع حبكِ اليوم؟
    أفي خانةِ الأشياء العادية التي قد تحدث لنا كأي وعكةٍ صحية أو زلةِ قدمٍ أو نوبةِ جنون؟
    أم أضعه حيث بدأ يوماً ؟
    كشئٍ خارقٍ للعادة، كهديةٍ من كوكبٍ لم يتوقع وجوده الفلكيون. أو زلزالٍ لم تتنبأ به أية أجهزةٍ لرصد الهزات الأرضية.
    أكنتِ زلةَ قدمٍ.. أم زلةَ قدر؟
    أقلبُ جريدةَ الصباح بحثاً عن أجوبةٍ مقنعةٍ لحدثٍ عادي، غيَّرَ مسارَ حياتي وجاءَ بي إلى هنا.
    أتصفحُ تعاستنا بعد كل هذه الأعوام، فيعلقُ الوطنُ حبراً أسوداً بيدي.
    هناكَ صحفٌ يجب أن تغسلَ يديك إن تصفحتها، وإن كان ليس للسببِ نفسه كل مرة. فهنالكَ واحدة تتركُ حبرها عليك، وأخرى أكثر تألقاً، تنقلُ عفونتها إليك.
    ألأنَّ الجرائد تُشبه أصحابها. تبدو لي جرائدنا وكأنها تستيقظُ كلَّ يومٍ مثلنا، بملامحَ متعبة، وبوجهٍ غير صباحي غسلته على عجل، ونزلت به إلى الشارع. هكذا دونَ أن تكلفَ نفسها مشقةَ تصفيفِ شعرها، أو وضعِ ربطةِ عنقٍ مناسبة.. أو إغرائنا بابتسامة.
    25/ أكتوبر/1988 .
    عناوين كُبرى. كثيرٌ من الحبرِ الأسود. كثيرٌ من الدم. وقليلٌ من الحياء.
    هنالكَ جرائد تبيعكَ نفس صور الصفحة الأولى، ببذلةٍ جديدةٍ كلَّ مرة.
    هنالكَ جرائد تبعيكَ نفس الأكاذيب بطريقةٍ أقل ذكاءً كلَّ مرة.
    وهنالك أخرى، تبيعكَ تذكرةً للهروب من الوطن.. لا غير.
    وما دام ذلك لم يعد ممكناً، فلأغلق الجريدةَ إذن، ولأذهب لغسلِ يدي.

    من منشورات دار الآداب. الطبعة الثانية عشرة 1999. النص المختار من صفحة 5 إلى صفحة 15 من الفصل الأول.
    أحلام مستغانمي. كاتبة جزائرية معاصرة. حائزة على جائزة نجيب محفوظ للإبداع الأدبي لعام 1998. أشهر ما كتبته ثلاثيتها: ذاكرة الجسد، فوضى الحواس، عابر سرير. ولها منشورات أخرى بالعربية والفرنسية.

  • ذِكْرَيَاتُ مُدخنٍ مُتقاعد

    في فترةٍ تكادُ تكونُ غير واقعية ، كانَ فيها جميعُ الناسِ شباناً ، غلبَ النومُ الناقدَ السينمائي المكسيكي اميليو غارسيا رييرا ، في غرفةٍ بأحدِ الفنادق ، وهوَ يدخنُ في سريره . أفلتَ السيجارةَ من فمهِ في اللحظةِ ذاتها التي أفلتَ الكتابَ من يده . وعندما استيقظَ كانَ يوشكُ أن يموتَ مختنقاً ، في غرفةٍ يملؤها الدخان ، وفوقَ فَرشةٍ مشتعلة . ولم يكن ممكناً اقناع مدير الفندق بأن ما جرى هوَ حادث عادي ، وأنه لابد لعقودِ التأمين من أن تأخذه بعين الاعتبار ، وتدفع التعويض ، مثلما هوَ الأمرُ بالنسبةِ للكؤوس التي تتكسر والسجاد الذي يهترئ عندَ ترك صنبور الحمام مفتوحاً ، وأنه ليسَ من العدلِ بالتالي ، محاولة إضافة ثمن الفَرشَةِ المحروقة إلى فاتورة حساب ناقد سينمائي ، ترفه البرجوازي الوحيد هو التدخين نائماً . ولم تكن ثمة وسيلة ، فقد قبضَ الفندق ثمنَ الفرشةِ بسعرِ فرشةٍ جديدة .
    (المزيد…)

  • مَن أعْظَمُ مِن مُحَمَّدْ؟

    لا أحدَ يستطيعُ أبداً أن يتطلعَ، عن قصدٍ أو عن غير قصد، إلى بلوغِ ما هو أسمى من ذلك الهدف، إنه هدفٌ يتعدَّى الطاقةَ البشرية، ألا وهو تقويضُ الخرافات التي تجعلُ حِجاباً بين الخالقِ والمخلوق، وإعادة صلة القرب المتبادل بين العبدِ وربه، ورد الاعتبار إلى النظرةِ العقلية لمقام الألوهية المقدس، وسطَ عالم فوضى الآلهة المشوهة التي اختلقتها أيدي ملةُ الإشراك.
    لا يُمكن لإنسانٍ أن يقدمَ على مشروعٍ يتعدى حدودَ قوى البشر بأضعفِ الوسائل، وهو لا يعتمدُ في تصورِ مشروعه وإنجازه إلا على نفسه ورجالٍ لا يتجاوز عددهم عددَ أصابع اليد الواحدة، يعيشون في منكب من الصحراء.
    (المزيد…)

  • يوم لن يعود بانورج يُضحكُ أحدًا – ميلان كونديرا

    يوم لن يعود بانورج يُضحكُ أحدًا – ميلان كونديرا

    ابتكارُ الفكاهة:

    السيدة غراند غوزييه الحامل، أفرطت في التهامِ كروش الدواب، فاضطروا إلى إعطائها مقبضاً للرحم، وقد كانَ فعالاً فانفكت المشيمة، واندسَّ الجنين غارغانتيا في أحدِ الأوردة، وصعدَ مع تيارِ الدم ثم خرجَ من أذنِ أمه.
    بدءاً من العباراتِ الأولى، يكشفُ الكتابُ أوراقه، فما يرويه هنا ليس جدياً: هذا يعني أنه لا يؤكدُ هنا حقائق (علمية أو ميثية)، فهوَ لا يلتزمُ بوصفِ الأحداث كما هي في الواقع.

    لأزمنة رابليه السعيدة: تطيرُ فراشة الرواية حاملةً على جسدها بقايا الخادرة التي كانتها. ينتمي بانتاغرويل أيضاً بمظهره العملاق إلى ماضي الحكايات الفانتازيه، بينما يصل بانورج من مستقبلِ الرواية الذي لم يزل مجهولاً آنذاك. هذه اللحظة الاستثنائية لولادةِ فنٍ جديد تُعطي كتاب رابليه غنىً خارقاً، فكلُّ شئٍ موجود فيه: المحتمل، والمستبعد، والمجاز، والهجاء، العمالقة والناس العاديين، والنوادر الطريفة، والتأملات، والأسفار الحقيقية والخيالية، والخصومات العلمية، واستطرادات البراعة اللفظية المحضة. يشعرُ روائي اليوم، وريث القرن التاسع عشر، بحنينٍ ممزوجٍ بالحسد لعالمِ الروائيين الأوائل المدهش، وللحريةِ الفَرِحَةِ التي لازمتهم.

    وكما يُسقطُ رابليه في الصفحاتِ الأولى من كتابه غارغانتيا على مسرحِ العالمِ من أذنِ أمه، كذلك في رواية آيات شيطانية، بعد انفجار طائرة في الجو، يَسقطُ بطلا سلمان رشدي وهما يثرثران، ويغنيان، ويتصرفان بطريقةٍ هزليةٍ وغير متوقعة، بينما ” من فوقهما ومن خلفهما ومن تحتهما في الفضاء” تطفو مقاعد بمساند قابلة للطي، وأقداح من الكرتون، ,كمامات أوكسجين، ومسافرين، أحدُ هذين البطلين، جبريل فاريشا، يسبحُ في” الهواء مرفرفاً ومتوثباً، ويتهاوى باسطاً ذراعيه وساقيه في شبهِ اللانهائية لشبهِ الفجرِ هذا”. والآخر، سالادين شامشا، ” كظلٍّ لِطَيفٍ يتهاوى، مرتدياً بدلةً رمادية مُزرَّرَة، وذراعاه ملتصقانِ بجسده، وعلى رأسهِ قبعةٌ مستديرة”.
    تبتدئ الرواية بهذا المشهد لأن رشدي يعرفُ كرابليه، أن التفاهم بين الروائي والقارئ يجب أن يتوطد منذ البداية، ولابدَّ أن يكون هذا التفاهم واضحاً: فما يُروى هنا ليس جِدِّياً حتى لو تعلقَ الأمرُ بأشياءَ مخيفة.
    التزاوج بين اللاجدِّ والخوف: هذا مشهد من الرباعية: يُصادفُ قارب بانتاغرويل في عرضِ البحرِ سفينةً تحملُ خرافاً، ,حينَ يرى أحدُ التجار بانورج يرتدي بنطالاً دونَ فتحة، ونظارتين معلقتين بقلنسوته، يحسبُ أن من حقهِ جذب الأنظار، ويصفه بالزوج المخدوع. وعلى الفور يثأر بانورج لنفسه. يشتري منه خروفاً ويقذفه في البحر، فتبدأ كل الخراف الأخرى المعتادة أن تتبع الخروف الأول في القفزِ إلى الماء. يطيرُ صواب التُّجار، فيمسكونَ بها من صوفها وقرونها، فتجرهم معها إلى البحر هم أيضاً. يُمسكُ بانورج مجدافاً في يده، لا لينقذهم، بل ليمنعهم من تسلق السفينة. يعظهم بفصاحة، مبرهناً لهم على شقاءِ هذا العالم، , وأن الخير والسعادة في العالم الآخر، ومؤكداً أن الموتى أسعدُ من الأحياء، ومع ذلكَ يُرغبهم بملاقاةِ أيِّ حوتٍ اقتداءً بيونس، إن كانَ لا يُزعجهم أن يظلوا أحياءً بين البشر. عندما ينتهي الغرق، يُبادرُ الأخ الصالح إلى تهنئة بانورج،ويلومه فقط لأنه دفع ثمن البضاعة، وبدَّدَ على هذا النحو النقود دون جدوى. فيقول له بانورج: ” بسم الله. لقد تسليتُ بأكثر من خمسين ألف فرنك”.

    المشهد غير واقعي ومستحيل، فهل له أي مغزى؟ وهل يفضح رابليه دناءة التجار الذين لابدَّ لعقابهم أن يَسُرَّنا؟ أم أنه يريد أن يُثيرنا ضدّ فظاظةِ بانورج؟ أم يسخر، في معاداةٍ قوية للأكليركية، من حماقةِ الكليشات الدينية التي يتفوه بها بانورج؟؟ هيا احزروا ! فكلُّ إجابةٍ هي فخٌّ للبلهاء.

    يقول أوكتافيوباز: ” لم يعرف هوميروس، ولا فيرجيل الفكاهة، ويبدو أن أريوست استشعرَ بها، لكن الفكاهةَ لم تتشكل إلا مع سيرفانتس. ويتابع باز: الفكاهة هي الابتكار العظيم للروح الحديثة”.
    فكرةٌ أساسية: ليست الفكاهة ممارسة عريقة للإنسان، إنها ابتكار مرتبط بولادةِ الرواية. ليست الفكاهة إذن الضحك والسخرية والهجاء، إنما نوع خاص من الهزل، يقولُ عنه باز: ( وهذا هو المدخل لفهم جوهر الفكاهة) . إنه ” يجعلُ كل ما يلمسه غامضاً”. أولئك الذين لا يسعهم أن يستمتعوا بالمشهد الذي يدعُ فيه بانورج تجار الخراف يغرقون وهوَ يمدحُ لهم في الوقتِ ذاته الحياةَ الآخرة، لن يفهموا شيئاً أبداً في فنِّ الرواية.

    المقاطعة التي يعلقُ فيها الحكمُ الأخلاقي:

    لو سألني أحدٌ عن السببِ الأكثر تواتراً لسوءِ الفهمِ بيني وبين قرائي؛ لما ترددت بالإجابة: الفكاهة. لم يكن قد مضى زمنٌ طويل بعد على وجودي في فرنسا حتى تخلصت تماماً من الضجر. وعندما رغبَ أستاذٌ شهير في الطب أن يراني لأنه أحبَّ رواية فالس الوداعات، شعرتُ بالغرور. برأيهِ، روايتي تنبؤية، حيثُ لامستْ مشكلةً مستقبلية هامة بشخصية الدكتور سكريتا الذي يعالجُ النساء العقيمات ظاهرياً في مدينةِ الحمة، وذلك عن طريق حقنهنَّ سراً بمنيه الخاص بواسطة محقنة خاصة. دعاني ذلك الأستاذ إلى حوارٍ حولَ التلقيح الاصطناعي. سحبَ من جيبهِ قصاصةَ ورقٍ وقرأَ لي مسودة مداخلته. – يجبُ أن يكون إعطاء المني مغفلاً ومجانياً( ونظر آنذاك في عيني ) ومُبَرَّراً بحبٍّ مضاعف ثلاث مرات: حبٌ لبويضة مجهولة ترغبُ أن تُنجز مهمتها، وحبُ المعطي لفرديته الخاصة التي ستمتدُّ بالهبة، وثالثاً حبٌ لزوجينِ يتألمانِ ظامئينِ. ثم حدَّقَ من جديدٍ في عيني، وبالرغمِ من احترامه الفائق، سمحَ لنفسه بانتقادي: -لم تُفلح في التعبيرِ بأسلوبٍ مُقنع بما فيه الكفاية عن الجمال الأخلاقي لهبةِ المني. فدافعتُ عن نفسي: -الروايةُ هزلية! وطبيبي فانتازي! ينبغي ألا نأخذ كل شئٍ على محملِ الجد! قال لي مرتاباً: – إذن، ينبغي ألا نأخذ رواياتك على محملِ الجد؟ ارتبكتُ، وفجأةً فهمتُ: لا شئَ أصعبُ من إفهامِ الفكاهة.
    في الرباعية، تهبُّ عاصفةٌ في البحر. الناس كلهم موجودون على السطح يحاولون إنقاذ السفينة. وحده بانورج، المشلول من الخوف، لا ينفكُّ يئنُّ، ينتشرُ نحيبه المخادع على مدى صفحات. وعندما تهدأ العاصفة، يستعيدُ شجاعته، ويوبخهم جميعاً على كسلهم. والطريف في الأمر: هذا الجبان والخامل والكذاب والمتصنع، ليس فقط أنه لا يُثيرُ فينا أية نقمة، بل إننا في تلك اللحظة من مباهاته نزداد حباً له. عند تلك الفقرات يغدو كتاب رابليه رواية، كلياً وجذرياً : أي مملكةً يعلقُ فيها الحكمُ الأخلاقي.
    لا يعني تعليقُ الحكم الأخلاقي لا أخلاقية الرواية. إنه أخلاقيتها. الأخلاقية التي تُعارضُ الممارسة الإنسانية الراسخة التي تحكمُ فوراً وباستمرار، وعلى الناس كلهم، بحكمٍ مُسبقٍ دون فهم. هذا الاستعداد المحموم للحكم هو، برأي حكمةِ الرواية، الحماقة الأكبر مقتاً والمرض الأشد إيذاءً. هذا لا يعني أن الروائي يُنكرُ بالمطلق شرعيةَ الحكم الأخلاقي، إنما يؤجله إلى ما وراء الرواية. هناك، إذا كانَ هذا يناسبكم، أدينوا بانورج على جُبنه، وأدينوا إيما بوفاري وأدينو راستينياك، هذا شأنكم. أما الروائي فلا علاقةَ له بذلك.

    إن خلقَ الحقل التخيُّلي الذي يعلقُ في الحكم الأخلاقي هو مأثرة إدراكٍ رفيع: هناكَ فقط يُمكن أن تتفتحَ شخصيات روائية، بمعرفةِ فردياتٍ لم تُصمم تبعاً لحقيقةٍ سابقةٍ للوجود، باعتبارها نماذجَ للخير أو للشر، أو باعتبارها تصورات لقوانين موضوعية تتجابه، إنما باعتبارها كائناتٍ مستقلة مؤسسة على أخلاقها الخاصة وقوانينها الخاصة. اعتادَ المجتمع الغربي أن يُقدمَ نفسه كمجتمعٍ لحقوق ِالإنسان، لكن قبل أن يستطيع الإنسان نيلَ حقوقه، كان لابدَّ أن يتكونَ كفرد، وأن يعتبر نفسه فلاناً وأن يُعتبرَ فلاناً، وما كانَ لهذا أن يحدثَ دونَ ممارسةٍ مديدةٍ للفنون الأوربية وفن الرواية خصوصاً الذي يُعلِّمُ القارئَ أن يندهشَ من الآخر، وأن يسعى إلى فهمِ حقائقَ تختلف عن حقائقه. بهذا المعنى أصاب سيوران بتسميةِ المجتمع الأوروبي” بمجتمع الرواية. وبكلامهِ عن الأوروبيين على أنهم” أبناءُ الرواية” .

    بئرُ الماضي:

    ما الفرد؟ وأين توجدُ هويته؟ جميعُ الروايات تسعى للإجابة عن هذين السؤالين. وفي الواقع، بماذا تتعين الأنا؟ هل بما يقوم به شخص وبأفعاله؟ ولكن الفعل يفرُّ من مؤلفه وينقلبُ ضدَّه دوماً تقريباً. هل تتعين بحياته الداخلية إذن، وبأفكاره ومشاعره المخبأة؟ لكن هل بمقدورِ إنسانٍ أن يفهمَ نفسه بنفسه؟ وهل يُمكن لتصوارته المخبأة أن تُستخدمَ مدخلاً لهويته؟ أم أن الإنسان متعينٌ برؤيته للعالمِ وأفكاره، وبرؤيته العالمية(1)؟
    هذه هي جمالية دستوفسكي: شخصياته متأصلة في أيديولوجيا الشخصية لدى تولستوي شيئاً راسخاً يُمكن للهويةِ الفردية أن تتأسس عليه: ” لم يكن ستيفان أركادييفيتش يختارُ مواقفه وآراءه، إنما المواقف والآراء تأتـيه من تلقاء ذاتها، حتى إنه لم يكن يختار شكلَ قبعاته أو معاطفه، إنما كان يشتري ما يشتريه الناس ( آنا كارنينا ). لكن إذا لم يكن التصور الشخصي أساسَ هوية الفرد ( وإذا لم تزد أهميته عن أهميةِ قبعة) فأين يوجدُ هذا الأساس؟

    بهذا البحث الدؤوب، أسهمَ تُومَاس مان إسهامه الفائقَ الأهمية: نحنُ نظنُّ أننا نؤثرُ ونفكر، بيدَ أن الآخر أو الآخرين هم الذين يفكرون ويؤثرون فينا: فالعادات السحيقة في القدم والأنماط الأولية التي أصبحت أساطيراً وعبرت من جيلٍ لآخر، لها قدرة فائقة على الإغواء، وتُوَجِّهنا عن بعدٍ ( كما يقول مان) من ” بئر الماضي”.

    مان: هل “أنا” الإنسان محصورة بدقة ومسجونة بإحكامٍ في حدودها الجسدية والمؤقتة؟ ألا تنتمي العناصر العديدة التي تتألف منها إلى عالمه الداخلي والخارجي؟ إن التمييز بين الروح عموماً والروح الفردية، لم يُفرض قديماً على النفوس بالقوةِ نفسها التي يُفرض بها اليوم. وأيضاً : ” نجدُ أنفسنا أمامَ ظاهرةٍ حاولنا نَعْـتَها بالمحاكاةِ أو بالدوام، وأمامَ تصورٍ للحياة بحسبهِ يرتكز دورُ كلِّ واحدٍ على بعثِ بعض الأشكال المعطاة، وبعض الترسيمات الأسطورية التي أسسها الأجداد، ويرتكزُ أيضاً على السماح لهم بتقمصها من جديد”.

    ليس الصراع بين يعقوب وأخيه عيسو سوى تكرار للنزاع القديم بين هابيل وأخيه قابيل، بين المحظوظ من الله والآخر، المهمل والحاسد. يجدُ هذا الصراع، ” هذه الترسمية الأسطورية التي وضعها الأجداد”، تحويره الجديد في مصير يوسف، ابن يعقوب، المنتمي إلى ذرية المحظوظين هو أيضاً. ولأنَّ شعور الإثم المغرق في القدم عند المحظوظين يحركُ يعقوب، فإنه يرسلُ ابنه للتصالح مع أخوته الحاسدين ( مبادرة مشؤومة: فهؤلاء سيرمونه في بئر.)

    وحتى الألم وهو رد فعل لا يُمكن ضبطه ظاهرياً، ليس سوى ” محاكاة ودوام” : عندما تعرضُ علينا الرواية تصرف يعقوب وكلامه وهو يرثي موت يوسف، يُعلِّق مان: ” لم تكن تلك طريقته المعتادة في الكلام قط، وكان سبق لنوح أن ألقى خطبةً بأسلوبٍ مماثل أو شبيهٍ عن الطوفان، وقد انتحلها يعقوب، وعبَّرَ يأسُه عن نفسه بعباراتٍ شائعة تقريباً، مع أنه يجبُّ ألا توضعَ عفويتها لهذا السبب موضع شك”. ملاحظة هامة: المحاكاة لا تعني انعدام الصدق، لأنَّ الفرد مجبرٌ أن يحاكي ما حدثَ سابقاً؛ ومهما كان إخلاصه، فهو ليسَ إلا تقمصاً، ومهما كانَ مُحقاً، فهوَ ليسَ إلا نتيجةَ إيماءاتٍ وإيعازاتٍ تنبعثُ من بئرِ الماضي.

    يومٌ لن يعودَ بانورج يُضحكُ أحداً:

    هذا ما يجعلني أعودُ مرةً أخيرةً إلى بانورج. ففي بانتا غرويل يقعُ في غرامِ سيدةٍ، ويريدُ أن ينالها بأي ثمن.في الكنيسةِ، أثناءَ القُدَّاس ( أليسَ هذا مُقدساً يُدنس ) يخاطبها بكلماتٍ فاجرةٍ مُذهلة ( التي يُمكن أن تكلفه اليوم في أمريكا مئة وثلاثة عشر عاماً من السجن بسبب التحرش الجنسي ) وعندما ترفضُ الاستماعَ، يتقدمُ منها بأن ينشرَ على ملابسها مُفرزاتِ كلبةٍ في طورِ السفاد.
    ولدى خروجها من الكنيسةِ تجري في إثرِها كلُّ كلابِ الضواحي ( ستمئة ألف وأربعةَ عشرَ كلباً كما يقول رابليه) وتَبُولُ عليها.
    أتذكرُ أعوامي العشرين، , وعنبرَ العُمال، والترجمةَ التشيكية لكتاب رابليه تحتَ سريري. اضطررتُ مراراً أن أقرأ للعمالِ المندهشينَ من هذا الكتابِ الضخم هذه القصةَ التي سُرعانَ ما حفظوها عن ظهرِ قلب. ومعَ أنهم أناسٌ يتمتعونَ بأخلاقٍ فلاحية، بل ومحافِظة، فلم يكن في ضحكهم أدنى إدانةٍ للتحرش الشفهي والبولي؛ لقد أحبوا بانورج حتى إنهم أطلقوا اسمه على أحدِ رفاقنا، آه لا، إنه ليسَ زير نساء، إنما هوَ شابٌ معروفٌ بسذاجته وعفته المُفرطة، وكانَ يخجلُ أن نراه عارياً أثناءَ الاستحمام. أسمعُ صيحاتهم كأنَّ ذلكَ حدثَ البارحة: ” بانورك ( هذا لفظنا التشيكي لهذا الاسم) هيا إلى الاستحمام، وإلا سنغسلكَ ببولِ الكلاب ! ” .

    ما زلتُ أسمعُ تلكَ الضحكةَ الجميلةَ التي كانت تسخرُ من حياءِ رفيق، لكنها في الوقتِ ذاته تُعبِّرُ حيالَ هذا الحياء عن حنانٍ يكادُ يكونُ مُدهشاً. لقد فتنتهم الكلماتُ الفاحشة التي وجهها بانورج للسيدةِ في الكنيسة، لكن سرَّهم بالمثلِ العقابُ الذي أوقعته به عفةُ السيدة، التي بدورها، وآنذاك بلغت متعتهم أوجها، عوقبت ببولِ الكلاب.
    مَع من تعاطفَ رفاقي القدامى؟ معَ الحياءِ أم معَ الوقاحةِ؟ معَ بانورج أم السيدة؟ أم معَ كلابٍ حظيت بامتيازٍ تُحسدُ عليه في أن تبولَ على حسناءَ جميلة؟
    الفكاهةُ: الوميضُ الإلهيُّ الذي يكشفُ عن العالمِ غموضَهُ الأخلاقي، وعن الإنسانِ في قصورهِ العميقِ في الحكمِ على الآخرين. الفكاهةُ: النشوةُ التي تُثيرها نسبيةُ الأشياء الإنسانية، المتعةُ الغريبةُ المتحدرةُ من اليقينِ بأنه لا يُوجدُ يقين.

    لكن الفكاهةُ كما يذكرُ أوكتافيو باز، هي: “الابتكارُ العظيمُ للروحِ الحديثة.” ليست موجودةً منذ الأزل، ولن تظلَّ إلى الأبدِ أيضاً.

    القلبُ مكروب. فأنا أفكرُ في يومٍ لن يعودَ فيه بانورج يُضحكُ أحداً.

    اقتباساً عن كتاب: الوصايا المغدورة. ميلان كونديرا
    ترجمة معن عاقل. الأوائل للنشر والتوزيع. سورية- دمشق.

  • لوسيان سفيز – هل أصبح الكتاب متجاوزا؟

    كل إنسان يعرف السؤال التقليدي: “إذا كان عليك أن تعيش في جزيرة نائية خالية، ما هو الكتاب الذي ستحمله معك؟” وهو سؤال يختزل ويبسط اليوم في: “ما هي الأشياء التي ستحملها معك إذا أردت أن تذهب إلى جزيرة خالية؟” والجواب سيكون هو “حاسوبي المحمول وهاتفي النقال”. وأين الكتاب؟! سيكون ثمة كتاب، ولكن أي كتاب؟ لن يكون بطبيعة الحال لزميل أو قريب، بل كتابا غير معروف من بين ملايين الكتب. وهذه نتيجة التجزئة المفرطة للفضاء العمومي.
    ***
    هل ما زال العدد ثلاثة يمارس سلطته السحرية على العقول المعاصرة؟ من الواجب أن نلاحظ أن التصنيفات العامة القاسية التي تقسم التاريخ إلى ثلاثة مراحل (وتكون الأخيرة أفضلها بطبيعة الحال) ما زالت تلقى حظوة لدى الأشخاص المتسرعين المتلهفين إلى إدخالهم في العهد الفردوسي الجديد. وهذه المراحل حسب هذه الترسيمة الجاهزة هي: ( مجتمع شفوي قديم لأنه بدون تقنية، إذن بدون تطور ولا تاريخ ولا مساواة)، متبوع بمجتمع الكتاب وهو في ذروة التطور العلمي والمساواة والحرية بفضل الطباعة، ثم مجتمع التواصل الإلكتروني.
    ***
    من البديهي بالنسبة لمن له ولو إلمام قليل بتاريخ الأفكار أو الحضارات أو علم الاجتماع أو الانثربولوجيا، أن مثل هذا التصور مضلل في محتواه، وفي الطريقة التي تسنده والمرتكزة على مسح الألواح العريضة، وتسجيل الابتكارات العلمية والتقنية وتطور العادات الاجتماعية والسياسية بدون نظام مع تأسيس علاقة السبب بالنتيجة فيما بينها. إن دور ووظيفة الكتاب والقراءة ومن ثم الكتابة لا يمكن مقاربتهما بمثل هذه الطريقة العامة المتسرعة، لأن أنواعا عديدة لتوصيل المعرفة تتعايش في كل تلك المراحل، بما فيها مرحلتنا. لذا يلزم ملاحظة الصلات التي تتأسس بين التقنيات الجديدة والتغيرات الملاحظة في المجتمع، صلات تمنع تأسيس سببية أحادية الجانب بين التقنية والمجتمع.
    ***
    تمر العلاقة بين الشفهي والمكتوب عبر مفهوم للقراءة غير ثابت المعنى. ففي اليونان القديمة كانت القراءة شفهية، وتتم بصوت عال (مع إبراز الحروف والمقاطع) أمام مستمعين، قبل أن تكون صامتة، أي فردية. ولحظة الانتقال من الصوت العالي الذي يستدعي نقدا ومناقشة في فضاء “عمومي” إلى القراءة الصامتة التي لا يمكن أن تصبح عمومية إلا بعد وقت متأخر لحظة دالة على تغير العادات، وعلى تعريف مصطلحات “عمومي” و”خصوصي” و”مجموعة” و”فرد”، وعلى طرق اكتساب المعرفة.
    ***
    إننا نميز في اليونان القديمة، نموذج ديمقراطيتنا، بين مواقف واضحة التباين، بين معرفة شفهية ومعرفة تتطلب الكتابة كأداة. فكثير من نصوص أفلاطون تمجد تفوق المعرفة اللامكتوبة (النص المكتوب أداة للذاكرة تسبب الكسل العقلي)، بالإضافة إلى أن القارئ يوجد في موقف التبعية إذ يخضع للمكتوب الذي يقرؤه حتى يصبح عبدا للكاتب. فالعلاقة بين القارئ والكاتب هي نفس العلاقة التي تربط التلميذ الخاضع بمعلمه. وتسميه اللغة الإغريقية دون مواربة “Katapugan” أي لوطي. فالكاتب يوجد بالنسبة للآخر في موقع قوة، في حين أن الكتابة بالنسبة له هي فعل استبدال، ونسخة رديئة للذاكرة. ومن هنا جاءت الصفة المستخفة التي نعت بها أفلاطون أرسطو: “إنه قراء”. هذه الصفة التي تبدي ثناء تبطن في الحقيقة تنقيصا من قيمة أرسطو سنكتشفه فيما بعد.
    ***
    إن الفضاء العمومي الذي تأسس إذن هو الفضاء الذي تواجهت فيه الحجج في مناقشة صادقة في موضوع خطاب شفهي أو نص مقروء بصوت عال (مثل فيدر وهي تنتهي من قراءة نص لزياس سيدها في حوار لأفلاطون يحمل اسمها). والمناقشة يمكن أن تكون شفهية أو مكتوبة إثر النقد الذي يوجهه الكتاب الفلاسفة لأسلافهم أو معاصريهم. وتدوينها في الحوارات (أفلاطون) واختفاؤها في الكوميديات (أرسطوفان) يبينان الصلة المركبة التي تنعقد بين الكتاب والكلمة والمناقشة النقدية.
    ***
    هكذا تتراءى أنماط القراءة متنوعة وملموسة في نفس الوقت، ومرتبطة بالوضع الاجتماعي والمهنة والنظام السياسي والديني. فإذا كان الكتاب اللاييكي باعثا على مناقشات عمومية، فإن الجهاز الديني يفرض على شراحه الخاضعين قراءة حرفية للكتاب. بالقراءة الصامتة أو الهامسة مع القراءة الحرفية ينغلق الفضاء العمومي، ولا يستجيب لمتطلبات فضاء المناقشات النقدية.
    ***
    في القرون الوسطى لم يكن مفسر النصوص المقدسة أو نصوص أرسطو “القارئ” يحيد قيد أنملة عن المسار المرسوم. ويلزم القيام بثورة ضد مثل هذه القراءة الخاضعة، والاستعانة بمفهوم التأويل لاسترداد الفضاء العمومي. ولدعم هذا التحرير للقارئ، موازاة مع حياة جديدة للنصوص، نستشهد فقط بسبينوزا: “ينبغي أن يستطيع كل واحد الحفاظ على حرية حكمه وقدرته على تأويل اعتقاده كما يفهمه”، “الحرية الفردية يمكن وينبغي أيضا أن تعطى للكل من طرف المجموعة”. بهذه الكيفية يرفض سبينوزا كل خضوع للنصوص واعتقاد بالخرافات والتنبؤات إلخ.
    ***
    إن التأويل قراءة نقدية، قراءة ثانية، بل كما أراده بارت إعادة كتابة. وبهذا الوضع يمكن أن يكون لا نهائيا. فكل نص يستدعي تأويلا يخضع لتأويل آخر بدوره. فللكتاب امتداد غير محدود تقريبا عبر مجموع القراء/المؤولين المختلفين كليا عن “katapugon”، لأن التأويل عنصر حاسم، حر وناقد في الفضاء العمومي. والمشكل لا يختزل في قدرات المؤول، لكن ينبغي أن يوجد دوما الفضاء العمومي، فضاء عصر الأنوار. والمسألة ليست بسيطة: إذا كان القارئ/المؤول موجودا دائما باعتباره عنصرا ديناميكيا، فإن الفضاء العمومي قد تغير وأصبح مجزأ إلى أقصى حد، بل منحلا.
    ***
    كل شيء هو تعليق دائما. فليس هناك نص أصلي مطلق يمكن أن يصبح الضامن الحاسم الحامل للحقيقة التي ينبغي أن يرفع عنها الحجاب. فالنبي موسى بعد كتابته للوصايا العشر بوحي من الله، استشاط غضبا من هارون ومن العجل الذهبي فرمى الألواح التي تتضمنها، وتكسرت إلى آلاف الأجزاء التي تعذر جمعها. فكان من المفروض إذن على موسى أن ينسخها في ألواح جديدة. وهي هذا النص الذي نتوفر عليه اليوم. والوصف الذي يقدمه عن ذلك العهد القديم مكتنز بالمعنى: لن نتمكن أبدا من معرفة الأصل بوجه آخر إلا بتجميع وبناء وتعليق.
    ***
    إذا كانت فكرة بزوغ مطلق شبه إلهي، فكرة الجدة الجذرية، تمثل جزءا من معتقدات القرن العشرين –الشيوعية أو الفاشية- فهي من الآن قد وصلت إلى منتهاها. فالأنبياء الوحيدون الذين تبقوا لنا هم التكنولوجيون الذين يحتفلون بكل جديد في ميدان الإعلام. في الستينيات كانت التلفزة هي التي غيرت وجه العالم، وفي السبعينات كان هو الفيزيوفون، وفي الثمانينيات كان هو الفيديو، أما في التسعينيات فعمت الأنترنت. فكل عقد يوسم بصيحات الخلاص هاته: السعادة تتحقق والمساواة والتناغم الاجتماعي والتوافق التام بين كل سكان المعمور. التقنية تؤدي دورها كاملا، وتسوي مباشرة المشاكل الاجتماعية كأي علاقات بين أفراد.
    ***
    إن للقارئ المؤول إرغامات أخرى. فهو يعرف كم يلزم من الوقت والمسافة والاحتياطات للتوصل إلى بعض الإثباتات مثلما يعرف العالم أن علمه كله جسر مؤقت بين علم الماضي الذي عرف كيف يتجاوزه، وعلم المستقبل الذي سيتجاوز علمه هو. كما أن القارئ/المؤول المعاصر يقرأ منفردا، يتأمل، وفي مكتبه عند الاقتضاء، في حانة، في شاطئ مهما تكن الضوضاء وحركات الآخرين وإزعاج الثرثرات. يكفي فقط أن يكون القارئ هادئا ومستعدا للقراءة. فكل شيء يرتبط بالثقافات أي بالعادات، فإذا كنا ننام في المترو بطوكيو، فإننا بفرنسا نقرأ فيه كما في صالون حلاقة أو في مقهى.
    ***
    للقراء المؤولين قراءة مختلفة بحسب كونهم يقرؤون فقط أو كونهم يكتبون أيضا. فالكاتب l’écrivain سينظر إلى ما يمكن أن يقوده من اللامبالاة إلى المعارضة وسيفحص الاستشهادات والمادة التي صنع منها الكتاب. وانطلاقا من قراءة متأنية لفهرسه و”الغلاف الرابع”، ومن فصل أو فصلين سيستخلص توجه الكتاب. والمؤول/الكاتب يقدر أن يقرأ فقرة تلو فقرة بانتباه وتركيز، والقلم في يده ليضع خطا تحت المقاطع المهمة أو ليعترض عليها ويناقشها. إن الاستعانة بالأدوات أثناء القراءة تخدم الكتابة النثرية الآنية. لكن هذه القراءة التي تمثل مزية التأني، تمثل كذلك سيئة البط ء. فالحضور القوي للآخر يمنعه من التفكير اعتمادا على ذاته. في حين أن قارئا آخر سيرفض أن يقرأ كتابا في حوزته ما لم ينته من كتابته. لكن لا يهم بالنسبة له لأنه يعرف أن كل شيء هو تعليق دوما، وأن تعليقه سيصبح حتما مختلفا عن النصوص السابقة. كما يعرف أن القراءة “عن قرب” أفضل من القراءة “ضمن” للانفلات بذلك من التيه الذي يجرف القارئ خارج الذات مثل تنويم مغناطيسي، وخارج ما يود فعله وما يتمسك به. ينبغي أن يبتعد البحث والتخيل عن التوثيق الاستقصائي الذي قد نغرق فيه، وعن القراءة “عن قرب” التي يمكن أن تصير صيدا بالشبكة. وفي هذا التشبيه لا نمجد الصدفة، لأننا نعرف خصوصية المكتبات ورفوفها. فنحن نتوجه إلى بعض المكتبات وليست أخرى، ونقصد بعض الرفوف دون أخرى، بهذه الكيفية نستطيع أن نفضل بروزا بالصدفة لكتاب جديد مناسب. الفرح، والترنح من الابتهاج: “هذا ما كنت أبحث عنه، ولم أجده منذ ستة أشهر!”. نفس الشيء في الإنترنت حيث نقدر أن نبحر تائهين. لكن ننتهي إلى أن نعرف الموقع المناسب ولا نستعمل سواه. إن القراءة المهنية ذرائعية، فهي تميل إلى إبعاد ما ليس مفيدا للكتابة الآتية، في حين أن القارئ النزيه سوف يتلقى بأريحية كل كتاب قمين بأن يحمل له معرفة جديدة، أو حساسية جديدة أو رؤية مغايرة للعالم.
    ***
    الأساس هو أن هؤلاء القراء يشاركون بمناقشات في الفضاء العمومي وإن اختلفت الصيغ، لكن أما زال هذا الفضاء كما هو في عصر الأنوار؟ (بإمكاننا أن نتساءل في ما إذا كان هذا الفضاء الموحد قد وجد يوما. لكن لنضع هذه الفرضية). الفضاء العمومي كما وصفه هابرماس مكان رمزي يفتح فيه العقل العام عبر المناقشة مسلكا بعيدا عن المصالح الخاصة أو المشاريع الحرفية، وليس بالصدفة إذا اهتم هابرماس مؤخرا بهذا العقل التبادلي الذي أطلق عليه “التواصل الفاعل”.
    ***
    وقد لحقت هذا العقل العام الموحد والموحد، والمتجسد في الدولة الهيجيلية، هزات متعددة. أولاها طبعا تمت بالمكافأة الممنوحة للنجاح بالنسبة إلى التفاهم، ثانيها لأن الفضاء العمومي قد تغير، أو على كل حال قد أبرز أجزاءه بشدة. ينبغي أن نسجل في المقام الأول تشظيه، حيث كان الفضاء العمومي يعني الولوج المتساوي إلى مصادر محدودة. قليل من الكتب، قليل من القطع المسرحية والأوبرات وفيما بعد قليل من الأفلام ذات قيمة، وقنوات تلفزيونية أقل. والمناقشة قد تبتدئ حول نفس الموضوعات. ففي ساحة المدرسة يكون التلاميذ قد شاهدوا نفس الفيلم في التلفزة فيتحدثون عنه. ويحدث نفس الشيء في قاعة الأساتذة وفي ورشة العمل. أما اليوم وبسبب كثرة القنوات وتضاعف الأقمار الاصطناعية والبث الرقمي والإنترنت لم يعد الناس يشاهدون نفس الفيلم ولا يتوفرون على نفس المعلومات.
    ***
    إن غزارة المعلومات تقتل المعلومة! هذا الحكم يسري على الكتاب أيضا. فالمكتبات مزدحمة بالأعمال المتباينة القيمة؛ فكيف نختار منها ونسمها؟ كان التلفزيون قديما يقدم برامج جيدة في عرض الكتب ونقدها، ومازال يقوم بذلك، لكن هذه البرامج يؤخر بثها. إن ما يقتل الكتاب ليس النقص ولكنها الوفرة. مزيد من المؤلفين، مزيد من الأعمال، وقليل من السحب. ويترتب عن هذا ارتفاع الأسعار وقلة القراء. إن الوفرة وتشظي أماكن المناقشة والنقد إلى ما لا نهاية هما الخطران اللذان يهددان الكتاب.
    ***
    بيد أن نظاما شموليا جديدا بدأ يتكون وينطلق. لا تخطر ببالي فتوى إيران ضد سلمان رشدي، وهي نتيجة شمولية قاسية، ولكن أفكر أيضا في آلان دولن وفي الشمولية الناعمة. والقصة معروفة: أراد صحافي أن ينشر سيرة عن هذا الممثل، فوضع ملخصا لهذه الغاية لدى الناشر كراسي. عندما أخبر دولن بذلك اطلع إلى الملخص، وطلب ألا ينشر الكتاب (الذي لم يكتب بعد). وقد نال الممثل ما يرضيه على التو، ثم رفضت دعواه من طرف المحكمة العليا بباريس. وهذه أول مرة يراد فيها منع نشر كتاب لم يكتب. إنه خرق كامل للحق العام الكلاسيكي، الذي يقابل بين الوقاية والعقاب في ميدان الحريات العامة. إن النظام الكلياني وقائي، حيث يقوم على مراقبة كل من لا يطيع الأوامر، ويعود إلى نموذج قانون المشبوهين الثوري الذي يقود إلى القضاء والحكم بالإعدام على كل شخص “متهم” باختلافه مع الثورة.
    ***
    أما النظام الليبرالي فهو بالعكس زجري، حيث يردع بعد ارتكاب الجنحة. وهذا ما يقوم به قاضي المستندات الذي يوقف النشر الجاري؛ وفي حالة الشك يحيل القضية إلى قاضي التحري الذي يحلل النص المجرم بدقة ووضوح. إن محاولة الفاعل شككت في هذا التوازن الدقيق للنظام. فالفضاء العمومي يعني تماما الحرية في إطار القانون الذي صقلته العقود ويكاد أن يحول اتجاهه اليوم.
    ***
    أخيرا لقد أسيء إلى مفهوم الفضاء العمومي نفسه. فإذا كان بطبيعته منفتحا أمام الجميع في كل نقاطه، فقد أصبح في الأنترنيت مكانا خاصا وخصوصيا، ما دام الدفع ضروريا للولوج إلى المواقع، وما دمنا نتحادث على شكل مواجهة افتراضية. والحال أن الفضاء العمومي على النقيض من ذلك فضاء تعرض فيه حقيقة المدينة أمام الشعب (الساحة العامة) أو أمام مجموع ممثليه (مجلس النواب). إن العام ليس هو الكوني، وعمومية الولوج إلى الأنترنيت الذي تلغيه التفاوتات الاجتماعية ليست هي الكونية.
    ***
    لكن إجمالا، هل تساعد الأنترنيت الكتاب؟ لا لأنها مكتوبة شفهية (مكتوبة بطريقة المحادثة)، ولأنها تساهم في تجزئة الفضاء العمومي إلى عشرات الملايين من الزمكانات العالمية، غير أنها تساعد الثقافة والانفتاح على الآخر بسرعة الاطلاع على النصوص (وضمنها الكتب) التي بدونها لن نتعرف عليها، أو سنتعرف عليها عن طريق المترجمين بعد مدة طويلة، لهذا نلوم التقنيات الجديدة (التلفزات المشفرة والمدخلة) أقل مما نلوم الخطابات التفاهمية التبريرية الخادعة التي ترافقها.

    لوسيان سفيز
    ترجمة: لحسن بوتكلاي.

  • مَا اعتَرَفَتْ بِهِ رُوزُورَا كَانَالِيس

    ما اعترفت به ‘روزورا كاناليس’
    الملقبة ب ‘مُحَطِّمةُ الأسرةِ’ إلي الأب ‘شازان’ *

    أقولُ لكَ الحقيقة أيها الأب : لقد كذبتُ عليكَ دائماً ، وأنتَ طيبٌ كالخبزِ ، أنتَ تعرفُ ضعفَ الخاطئينَ والخاطئات . أيها الأب ، فتياتٌ مسكيناتٌ ضائعاتٌ تائهاتٌ في غمارِ الشهوةِ والهوى والنفاقِ والكذبِ ، يتخبطنَ في الخطايا السبع الكبرى ، ولكنكَ لا تستطيعُ أن تتصورَ أيها الأب الماءَ المالحَ الذي يملأ قلبي بالْخِرَقِ العفنةِ النتنةِ . إنهُ سوءُ الطالعِ هو الذي دفعني لامتِهَانِ مهنةِ البِغَاء ، وهذهِ المهنةُ لها جوانبها الحسنةُ ؛ فمنهَا نأكلُ ونشربُ جيداً . وبينَ الرجالِ يوجدُ مِن كُلِّ الأجناس ثورةُ وجنونُ كبارِ المهووسينَ بالجنسِ ، والمنتكسينَ مِنْ مُمَارسةِ الفحشاءِ ، أولئكَ الذينَ يُضاجِعُونَنا دُون الشعورِ بأيةِ متعةٍ أو لذة . (المزيد…)

  • غابريل غارثيا ماركيز – أُبَّهةُ المَوت

    غابريل غارثيا ماركيز – أُبَّهةُ المَوت

    كثيراً ما قلتُ إنَّ قلبي لا يتحملُ مشاركتي في دفنِ أصدقائي . ولكنني في الثاني من شهرِ تشرين الثاني الماضي ، وهوَ يومُ جميعِ الموتى، أردتُ مرافقة زوجةِ شخصٍ عزيزٍ جداً لحضورِ مراسمِ إحراقِ جثته. كانَ الجسدُ قد أمضى تلكَ الليلةَ في النزلِ الجنائزي التابعِ لوكالةِ غايوسو لدفنِ الموتى، في جادةِ فيلكس كويفاس بمدينةِ مكسيكو. وكانت الوكالةُ المذكورةُ قد أنجزت جميعَ المعاملاتِ الخاصةِ بالإحراق والنقل الأخير إلى محرقةِ أجسادِ الموتى. كانَ الموعدُ المحددُ هوَ الساعةُ الحادية عشر صباحاً، وجميعنا كنا نظنُّ أن العمليةَ ستكونُ مجردَ أمر تقني، بلا طقوسٍ من أي نوع، ويُمكنُ لها أن تستغرقَ نحوَ ساعتين .

    عندما وصلنا إلى المكان ، أرونا جثثاً أخرى تنتظرُ الدور، وقالوا إن جثةَ صديقنا ستنتظرُ حتى الساعة الخامسة مساءً على الأقل. في صالةِ الانتظارِ الكئيبة والمثلجة، التي لا وجودَ فيها لوردةٍ واحدةٍ ولا لمقعدٍ بائسٍ واحد يمكنُ الجلوسُ عليه، كانت توجدُ مجموعة من التوابيت المستعملة مصفوفةً على الجدارِ بوضعِ عامودي، وكانت تلكَ التوابيت قد استخدمت ممن اتخذوا الاحتياطات وماتوا مبكرين، فقد باعتها وكالات الدفنُ واستُخدِمَت للسهرِ على الموتى ونقلهم، إنما كانَ واضحاً أن الأقرباء الذينَ دفعوا ثمنها ذهباً، لم يعودوا بحاجةٍ إليها، لذا كانَ هناكَ من سيتولى بيعها ثانيةً إلى موتى مستقبليين.

    قالَ لنا سائقُ العربةِ التي حملت جثمانَ صديقنا :
    ” لماذا لا ترجعوا غداً وتحاولوا أن تكونوا أوَّلَ من يصل ؟ “
    إنَّ هذا السؤال وحده ، الذي صاغهُ شخصٌ يعرفُ دونَ ريب خيراً منا مآسي البيروقراطية المأتمية ؛ جعلنا ندركُ نوعيةَ اليومِ الذي ينتظرنا .

    تولت الأمر آنا ماريا بيكانيناس ، وروت تلكَ التجربة للصحافةِ في رسالةٍ يجب ألا تمر مرورَ الكرام ، لأنها ليست إلا عينةً صغيرة من الخذلانِ الذي يجد فيه الأحياءُ أنفسهم أمامَ الوكالات الجنائزية ، بعدَ أن يكونوا قد دفعوا نفقاتِ الخدمةِ كاملة . ومنذُ بضعة شهور ، روى فيرناندو بينيتس لإحدى الصحفِ كذلكَ كيفَ عاملت وكالة غارسيو أسرةَ كاتبٍ لم تكن تملكُ المالَ لدفعِ تكاليفِ الجنازة ، وهيَ نفقات ربما تكونُ أكبر من كل ما تقاضاه الصديق الميت طوالَ حياته من حقوق التأليف. كما اهتمت مجلة ( الهيئة الوطنية للمستهلك ) ، وفي عدةِ مناسبات ، بأسعارِ الموت الباهظة في المكسيك ، لكن موعظتها ، مثلَ غيرها من المواعظِ ، حولَ موضوعاتٍ فانية ، ضاعت إلى الأبدِ في البرية . حتى لكأنَّ وكالات دفن الموتى في العالمِ بأسرهِ تتمتعُ بامتيازٍ خاصٍ يضعها بمنجى من أيةِ عقوبةٍ قد تُتخذُ ضد استغلالها .

    روت آنا ماريا بيكانيناس أن الموظفَ الوحيدَ الذي وجدته في محرقةِ الجثثِ قدَّمَ لها تفسيراً لدرجةِ أنه بدا أقرب إلى تفسيرِ خباز ، فقد قال لها : ” الفرنُ مشغول ، والفران في الداخل وهو لن ينتهي من ( التفرين ) قبلَ ثلاث ساعات ” . ولم تكن هناكَ أية معلومات أخرى . حينئذٍ اتصلت آنا ماريا بيكانيناس بوكالة غايوسو ، وهيَ تظنُّ أنها قد تحصلُ على مساعدةٍ خاصةٍ بعد أن دفعت للوكالةِ جميعَ التكاليفِ كاملة ، فأعلمها موظفٌ قالَ أن اسمه ريكاردو لوبيث ، بأنَّ مسؤوليةَ الوكالةِ تنتهي لحظة خروج الجثةِ من المبنى الجنائزي ، وأغلقَ الهاتف .

    عادت آنا ماريا بجسارتها الكتلانية إلى طلبِ الرقم ذاته ، فرد عليها عندئذٍ موظف آخر ، أوضحَ لها بصوتٍ له نبرةُ تجار الموت ذات التلاوين قائلاً إنه لا يستطعُ عملَ أي شئٍ لتعجيلِ الإحرق . وربما دونَ أن يدري ، اخترعَ مثلاً كئيباً حينَ قالَ لها : ” لسوءِ الحظ ، إن المحظوظ هوَ من يصلُ أولاً ” . ولم يكن ممكناً عملُ اي شئٍ بالفعل . أما الخدمةُ والمساعدةُ والتفهم المتعاقد عليه مع بائعي الموت ، الذينَ يصلُ بهم الأمر إلى الوعد بإدخال المتوفي إلى السماء بصحبةِ أبواقٍ ملائكية ، فقد ذهبت كلها أدراج الرياح .

    لقد كانت تلكَ مأساةٌ أخرى ، لكنها ربما كانتِ الأقل خطورة بينَ مل يحدث من مآسي في كل لحطظة في العالم ، بسببِ جشعِ وكالاتِ الدفن وفظاظةِ قلوبها الحجرية . ففي المكسيك ، حيثُ تجارة الموت هي إحدى أقسى التجارات وأكثرها ازدهاراً ، وحيثُ اعتادَ الاستغلالُ على غزو أكثرِ مناطقِ الأدب الخيالي نفوراً ، توقلُ نشرة دعائية لإحدى وكالاتِ الدفن : ” الخدمةُ كلها لا تكادُ تستغرقُ عشرَ دقائق أو خمسَ عشرة دقيقة في أقصى الحدود . وهيَ ليست بالأمرِ المحزن ، بل يمكنُ الذهاب إليها وكأن المرءَ ذاهب إلة نزهة. والمكان جميل ، فهوَ ليسَ مدفناً تقليدياً ، وإنما هوَ ضريحٌ حديث ، مفروشٌ بالسجاد ، ومزودٌ بالإنارةِ والتكييف ، وفيهِ ايضاً فتحاتٌ لتهويةِ السراديب ” .

    لقد قررت هيئة المستهلك أنه يوجدُ في المكسيك 195 وكالة دفن نظامية مسجلة ، و110 وكالات أخرى تعمل بطريقة شبه سرية . وهذهِ الأخيرة على وجه الخصوص محكومة بقوانين العرض والطلب الآنية ، وتدخل في منافسةٍ وتدافعٍ على الجثثِ مرعِبَينِ أمامَ أبوابِ المشافي وفي ممراتها . ولكن ، حتى في جنازاتِ الأثرياء ، فإن الوكلاء البياعين يفتقرونَ لأي قاعدةٍ محددةٍ لأسعارِ خدماتهم. إنهم يتصرفونَ في أغلبِ الأحيان بناءً على مظهرِ الزبون وحالتهِ في لحظةِ عقدِ الصفقة . وسعر التابوت هوَ الذي يُحدد نوعيةَ الخدمةِ كلها ، ولا يثمكنث الجمعُ بينَ تابوتٍ غالي الثمن وخدمةٍ متواضعة ، أو العكس . والموتُ في نهايةِ الأمرِ ليسَ إلا رحلةً مهما كانت أبدية ، والوكالاتُ لا تجدُ سبباً يمنعها من تنظيمِ خدماتِ الموت كما لو كانت رحلةً سياحية جميعُ الخدماتِ فيها مضمونة ، بما في ذلكَ احتمالات الحب العابر . إنها تجارة خرافية : ففي عامِ 1976 بلغت أرباح وكالات الدفن الشرعية وحدها في المسكيك 175 مليون بيزو .

    لقد جاءنا هذا المفهوم للدفن من الولايات المتحدة ، وهوَ أمر في منتهى البساطةِ هناك : فأبهةُ الموتِ هيَ ضرورةٌ أولية . والأمريكي المتوسط لا يتمتعُ في أيةِ لحظةٍ من حياتهِ بمستوى حياةٍ أرقى من مستوى موته ، ولا يكونُ في أيةِ لحظةٍ أجملَ مما يكونُ عليهِ وهوَ في التابوت : حتى أن أفرادَ أسرتهِ بالذات ، يُصابونَ بالذهولِ لمدى مناسبةِ التحنيطِ له ، ولمدى الرقةِ التي يبتسمُ بها ، ولمظهرِ التفهمِ والمحبةِ التي يبديها وهوَ يُسندُ رأسه إلى وسادةِ الموت ، وربما تألموا في سرهم لأنه لم يتم التوصل بعدُ إلى إمكانية تحنيطِ من هم قاسةُ المعشرِ وهم على قيدِ الحياة . لكنه وهمٌباهظُ الثمن ، تزدهرُ من وراءهِ تجارةً من أقسى التجاراتِ وأكثرها قذارةً في العالم . لقد قرأتُ منذُ سنواتٍ عديدةٍ حكايةً مرعبة ، في كتابٍ مذهل ، حولَ التجارةِ الجنائزية في الولايات المتحدة . فأرملةٌ من الطبقةِ المتوسطة ، أنفقت كل مدخراتها لتقدَّمَ لزوجها الميت جنازةً أكثرَ أبهة من إمكانياتها الواقعية . وكانَ كل شئٍ يبدو محكماً ، إلى أن اتصلَ بها أحدُ موظفي الوكالة تليفونياً ليقولَ لها إن الجثةَ أطول مما هوَ واردٌ في العقدِ ، وأنه عليها بالتالي أن تدفعَ مبلغاً إضافياً . لم يكن قد بقيَ في حوزةِ الأرملةِ سنتٌ واخد ، فقدمَ لها الموظفُ حينئذٍ بصوتهِ الرخيمِ ، الذي يُشبهُ أصواتَ جميعِ أبناءِ مهنتهِ قائلاً : ” في هذهِ الحالة ، أرجو منكِ أن تمنحينا تفويضاً لننشرَ قدمي الجثة ” . لكن الأرملة المسكينة وجدت كيفما اتفقَ المالَ الذي لم تكن تملكه ، كي تمنحها وكالةُ الدفنِ الرحمةَ وتدفنَ زوجها كاملاً .

    أبهةُ الموت / نصوص ضائعة / جابرييل غارثيا ماركيز
    ترجمة: صالح علماني.