على شفا ارتجال
أشعر أنّني فقدتُ أضلعي؛ ذلك السور الذي كان حارس قلبٍ آيلٍ للتداعي، حتى انكسر هو الآخر، ولم يبقَ بين القلب والعالم إلّا هشاشته. وأشعر برئتيَّ كأنَّ في جوفي جذوة مستعرة، تملؤهما بالدخان؛ أتنفسُ احتراقي بدلًا من الصفاء.
أحترق ولا أحد يشعر؛ لا أحد يرى النار وهي تتَّقد في أعمق مواضعي، ولا يسمع احتكاكها بأضلعي. حتى حرارة جلدي غدت ضحيَّة ذلك الزمهرير؛ نارٌ في الداخل، وبردٌ يشي بي من الخارج.
كلُّ ما فيَّ يتداعى إلى الداخل؛ القلب، والرئتان، وما تبقَّى منِّي. أبحث عن موضعٍ أستند إليه، فلا ألفي إلّا أضلعي المكسورة، وصدرًا ضاق حتى عن نَفَسه.
ولم أعد أعرف:
أأنا التي احترقت،
أم أنَّني صرت رمادًا يتذكَّر سطوة النار؟
أشعر أنَّني فقدتُ أحدَ أضلعي؛ وفي البدء، بقيَ الآخر وحيدًا، كناسكٍ في عتمة الجسد، يحرس فراغًا لم يعد له ما يصونه. أؤدِّي مهامي اليوميَّة على شفا ارتجال، إذ يغتالني الوهن من الداخل، ويستنزفني افتقادك كذنب، لا أملك له اسمًا أضعه في فم أحد.
أفتقدك، ولا المفزع لي كي أبوح بهذا؛ فكيف يُقال إنَّ المرء يفتقد نيزكًا سقط في جوفه، ثمَّ مضى يفتك بما بقي من أعضائه، بانهيارٍ يتداعى فيه الجسد على مهل؟
أشعر أنَّني فقدت إحدى ذراعيَّ؛ حتى غدا تصافحي مع الآخرين عبثًا ساخرًا، إذ تفتقد يدي ما كانت تعرفه عن يدك. كانت يدانا تلتقيان بما يتجاوز الوصل؛ كأنَّهما تستردَّان في ذلك العناق شيئًا لا تسعه الكفوف ولا تسمِّيه اللغات. ولو خضعتُ للغلو لقلتُ إنَّه تقادسُ الالتقاءِ الإلهيّ؛ لحظةٌ تلتقي فيها السماء وغيومها أخيرًا بالأرض، فتُحيي محاصيلها، لكنَّها لا تبلغ هذا الجلال إلّا بعد إعصارٍ ساحق.
صارَ ضلعيَ الناسكُ يهوي فيتنحَّب، مَكروبًا بأسى خسارةِ ضلعه المجاور؛ لقد تجاورت أضلعي زمانًا، حتى استبدَّت بها ألفة الترادف. وفي المنتهى، تهاوى الآخر فقيدًا، فعرفتُ أخيرًا فاجعة انتحار الأضلع؛ أن تحمي جسدًا فتلك جباية الوجود، أمّا أن تلبثَ في عتمته مبتورًا ممّا يكملك، فهذا هو الاندثارُ الكامل. أنا وأنت، لم نكن إلّا سليليَ ذاك الانتحار الإلهيِّ؛ ضلعان آثرا الفناء تعانقًا لحظيًَّا في أتون الصاعقة، على أن يحييا بقية الخلود يتبادلان الصدى؛ هاويةٌ، في تضادٍ مع هاوية.
الهجرُ الذي ينتهِك اللغة
كيف لي أن أقتلِعكَ من دمي، وأنتَ لم تترك لي صورةً يُمكنني محوُها، بل أودعتَ في لغتي حاسةً منك؟ كيف أستعملُ الكلماتِ التي أستفرغتَها في فمي دون أن أستحضرَ صوتَك في مخارجها، وأستدعيَ طيفك من بين حروفها؟
كنتَ تنفذُ إلى الأشياءِ من أسمائها؛ فتكسو اللفظةَ معنى لم يكن لها قَبلك، وتتركُ في العبارةِ نبرةً يتعذّرُ عليّ انتزاعُها منك. حتى غدت بعضُ الكلماتِ، بعدَك، عصيّةً على الاستعمال؛ إذ كلما استعملتُها، شعرتُ أنني أستلُّ من لسانك ما يحرمُ عليّ مسّه.
هل كان عليّ، لكي أتحرّرَ من قبضةِ فمِك، أن أستأنفَ تعلّمَ اللغةِ من مبدئها؟ إنّني في قاعِ أميّةِ صوتي، أستبدلُ المفرداتِ التي استوطنتَها، وأَنحتُ للأشياءِ أسماءً لم تمسّها ذاكرتُك؛ لأنجرفَ في هاويةِ الظنِّ، فأعرفَ أنّ الانعتاقَ منك لا يكونُ إلا باقتلاعِ القاموسِ الذي تسكنُه.
لقد بات غيابُكَ في هيكلِ اللغةِ نفسِه؛ في المفردةِ التي لا أستطيعُ التلفّظَ بها دون أن تنفتحَ في داخلي جهةٌ كانت تؤدّي إليك، وفي العبارةِ التي فقدت براءتَها منذ أن مررتَ بها، وفي تلك الألفاظِ التي كنتُ أظنّها محايدة، فإذا بها بعدَك مشبعةٌ بك، حتى ليستحيلُ فصلُ معناها عنك.
ولعلّ أفدحَ ما يخلقه الهجرانُ ألّا يكتفي بهدمِ الدلالة فحسب، بل أن يشوّهَ نظامَ الأشياءِ من حولِه؛ فتستحيلُ اللغةُ التي كانت تسعُ العالمَ إلى أطلالٍ من المعاني، كلُّ لفظةٍ فيها تُفضي إلى غائب، وكلُّ معنىً يستبطنُ ظِلّاً لا سبيلَ إلى استئصالِه.
حتى باتَ نطقي نزيفًا؛ وما تبقّى منّا إلا لغةٌ يتيمة، يتعذّرُ على الوصلِ تبنّيها.










