ما أضيقَ الأضلاع حين تجثمُ عليها عاطفةٌ ليسَ في الجسد موضعٌ لدفنها.
تضيقُ حتى يغدو الصدرُ ضريحًا، ويغدو الجسد مأتمًا لا يُشيَّع منه أحد؛ لتُدرك أنّ نعيَ الفقيد لم يكن إلا نعيَك.
أستفرغُ ذاتي في الأشياء، ثمّ تغتالني لغة عجز تسميّة خرابٌ يخلّفه فقدُها. أودعُ في مكانٍ واحد جهاتُ العالم كلّها، وأعلّق على وجهٍ واحد مفاتيحَ بيتي بأسره؛ فإذا به يُوصَد أبوابه في وجهي، فأغدو طريدة، لا يبقى لي خارجَه سوى جنازةٍ داجية لما كان مِحرابي.
تتوسّل عيناي العَمى، كلّما أبصرتا المسافات التي تُضيّقها بينك وبين ذاتك، ثمّ تستطيل بها بيني وبينك؛ كأنّك تستردّ منّي ما أودعتُه فيك، وتستردّ منّي، معه، الطريقَ إليك.
أكان حريًّا بك أن تترك لي تباريحَ عجزنا عن استبانة الهيئة التي كان يمكن لهذه المسافات أن تتشكّل عليها، لو أنّها لم تنتهِ بنا إلى هذا التباعد؟ كان في وسع تلك المسافات أن تستحيل أرضًا ندفن فيها بذورنا، وننتظر تحت ترابها ثمارًا لم تُمهلها يداك، اللتان أمعنتا في قتلي، أن ترى النور.
استحالت هذه المسافات ضريحي، وأنت عاجزٌ، حتى، عن تسمية القبر الذي دفنتني فيه.
أيّ مأتمٍ هذا الذي لا جثمان له؟
ما عادَ لي إلا أن أرثي ما استودعتُه في غير موضعه؛ قلبًا استفرغ خفقهً في ما لم يصن خفقه، ورجاءاتٍ معلّقةٍ عند عتبة التكوّن، لم تبلغ من الوجود إلا شفا حفرةٍ ثمّ هَوَت، ووجهاتٍ انتظرت اعترافي بها حتى أكلَّ الانتظارُ أعمارها، وبقيت عند تخوم احتمالي، كقبورٍ لشيءٍ لم يُولد، فلم يجد موتُه اسمًا يُكتب على شاهده.
أُفرِط في إيثار ما تهواه روحي، حتى أُودعه من سريرتي ما لا أستطيع استرداده؛ أمنحه موضعًا فيّ لا يبلغه سواه، ثمّ إذا غاب، لم يكن الغياب واقعًا عليه وحده، بل انفرطت معه الجهات التي كانت تستمدّ أنفاسها من مقامه.
ما لم يمت فيّ تمامًا، ظلّ يتعفّن في موضعٍ لا تطاله يدُ الدفن؛ لا حياةً تستردّه، ولا موتًا يُريحني منه. أشياءُ عالقةٌ في البرزخ بين أن تُوارى وأن تبقى، أمرّ بها في داخلي كما يمرّ المشيّع بقبرٍ يعرف أنّ تحت ترابه شيئًا من روحه.
والآن، في داخلي مأتمٌ لا ينقضي، لا أعرف للميّت فيه اسمًا ولا للقبر موضعًا؛ كلّما هممتُ بمواراته، ردّته أضلعي إليّ، فأعود إلى ما ظننته مدفونًا، فإذا بي أنا التي أتداعى تحته، وأنا التي أضيع في التراب الذي حسبتُ أنّني جئتُ لأهيله عليه.
وما بيننا الآن، مقبرةٌ عَراءُ من الشواهد.
ريناد الرشيدي، كاتبة سعودية شابة، من مواليد 2003، بدأت الكتابة في عمرٍ مبكر، وشاركت في مسابقة للكتابة على مستوى مدينتها. تدرس علم النفس الإكلينيكي، ولديها اهتما…



