التصنيفات
منشورات إبداعية

أحمد عرفات – الليلة المضيئة


كان الليل قد حل, شعرت براحة حين أدركت أني هنا وحدي, لا يحيطني سوى الرمل, أنا, وضوء القمر الكامل- أخذت أفكاري تتراقص من حول ظلي, تدور أفكاري المزعجة حول ظلي ما نتج عنه قوة طرد مركزي أخذ يأثر مع جاذبية الأرض على مزاجي- مد وجزر يجتاج رأسي- مزاجي الذي أخذ يحدث فيه إرتفاع وقتي تدرجي تارة و إنخفاض وقتي تدرجي في منسوبه تارة أخرى.
قررت البيات في العري, قررت أيضا أن أشعل النار لأستفز سكون الصحراء المصطنع- رأسي المصطنع, بحثت عن أي شي يمكن أن أشعل منه- بحثت لكن لم أجد شيئا…
لن أترك جسدي إلى الظلام, لذا قررت دون خيار البقاء مستيقظا حتى الصباح…
لا أعرف الصمت، أو علّ لا أقدر على ما سبق- نسمة هواء خفيفة دافئة- بل كريهة تحمل معها حرارة ذاكرة شمس النهار تطلب مني بخسّة و خبث أن أعود بوعيي للواقع، أعني لها أو لسكون الصحراء، كلاهما مقتول, يطلب واقع الوجود مني أن أحملق في الموت, لن أحملق في الموت أكثر- أكره الجثث- في الحال تثير غثياني
أردت تجاهل الموت المقنّع بسكون الرمال و هدوء نسمات رياح الصحراء لا أكثر
على ما أعتقد شعرَت السماء بقلق صمتي لذا أرسلت قمرها ليجتاح وحدتي… كان القمر كاملا, لا يعكر صَحْوه سواي- لذا خلعت عني جسدي و تناقضي ملقيا بهما على الرمال و بلا تردد قفزَت روحي نحو القمر الساكن- من أكون في اللحظة؟
طيف يطفو في الفضاء- ذرّة رمل تسبح مع نجمة- على أي حال, من أكون؟- أفلا أكون نجمة من فضاء العدم؟

في البدايات- في فراغ العدم, بعد بلايين السنين, و البلايين من محاولات التمركز والإخفاقات- بعد الإخفاقات انمسخ النجم مذنبا- وبعدها, بعد فقدان الذاكرة عقب الصدمة- قَتَل الوجود فكرة أن يكون أصل المذنب نجما- في الفضاء اصطدم المذنب بحقيقة ابتلعت كامل المجرة- مركز الوجود ذرات قلقة بلا هدف- سخرية أن تكون أناك نتاج تجمع أغبرة و صخور عشوائية قيّدتها غازات تائهة لم تجد لها سبيل عاداي- عبر ثغرات العدم خرج المذنب- يعبر من فكرة إلى فكرة- فكرة كانت تتغذى على خوف المذنب- وكعرَض جانبي للزمن, للقسوة- أو لحرارة الغضب انمسخ المذنب في فضاء الإحباط إلى وحش بلا نواة بلا قلب- والسبب إشعاع ورياح شمسية تمارس حق القوة فوقي بلا سبب, بلا ذاكرة عنهما لازلت أحمل رأسي القبيح وذيلي المكتسب- على شاكلة هالة أدور حول فكرة البداية, حول حقيقة الشمس المحرقة, حول حقيقة أني لم أفعل سوى ما فرضته كيمياء الوجود لخلقي, لو لم أقترب من الشمس, لو لم تقترب الشمس مني لكنت ذرات تبتلع الفضاء بسكون متجلّد- مِن ألم الإشعاع اكتسبت رأسا- رأسي أجوف بلا ذاكرة- حقيقة التشوّه بفعل الذاكرة مؤلم: ذرة في الفارغ تحاول أن تنطق- تتكلم على شاكلة ذرة تتألم؟!- مذنّب مثير للشفقة, من يهتم؟ احتضار مذنّب لم يقاوم- قاومت حتى انفجر خوفي أفكارا- فكرة تختبئ في الرأس, وآخرى تبحث عن ذاك الرأس, وأنا كذرّة بلا أمل, أبحث عن ضوء أضاعه صخب السماء, أتحسس صوت خنقه صمتي- من هنا أستقل الموت لأبلغ حلمي.

سقطت إلى الواقع وفي صدري نجمة- من هنا الواقع- يشير رأسي لواقعه, وقلبي يتفحص نجمة سرقها من واقع نجومي, في القلب نجمة تشهد وجودي- تستعيد ذكرى مرتبكة بثقة- تجتاح عيني بضوء نهار في عتمة ليل- تحرر سماءي السوداء في زرقة مائعة عائمة- تشنق عدما غايته وجودي- تنبض الأمل من الألم- تنبض ذكرى سعيدة وأنا بلا ذكريات في حاضر محطم مضطرب- تصرخ النقيض خلف قضبان صدري- تفعل بتناقض فان كوخ* الهادئ من خلف قضبان المصحة.

في السماء… كانت النجوم تتسلل عبر السوّاد, نجم تلو نجم- ترقص في مجموعات, تتلامس نجمة وأخرى- ونجم قلق من قبلة سرقها شهاب تفتت بفعل الذاكرة, نجمة ترتقب و نجمة يأست من طول الإنتظار- في السماء قلق معلن في أشكال و معاني مختلفه- معانٍ بدت لي مبهمه بعض الشئ، مثَل فكرة تتشابك مع فكرة, تحاول أن تقترب من حقيقة- أو أن تخلق معنى- ما المعنى؟- وأنا لا أكون- وأنا كما أنا- علّ الحقيقة بلا معنى!- لا, الحقيقة أني في الحال لم أعد أحتمل ما أعانيه من وحدة, من يدري قد لا يحتمل فكري سوى الوحدة!… هذا ما كان- هكذا إرتد مشهد السماء- ثقلا فوق قلبي

و الآن, تبعا لما سبق- سبقا لما يُتْبَع رحت أتساءل عن حقيقة العزلة- صمتي- عيناي الكسلة اللتي لا تبصر عادا السكون- أتأمل مأساتي و حزني على شاكلة سؤال- هل أنا من سأل- يسأل ذلك؟! أعني من قرر البقاء وحيداً؟، أم فكري الأناني- ذاك ما يخلق بيني وبين كل من يحاول أن يقترب مني تباعد حاد كأقطاب مغناطيسية متنافرة وقحة!

بكل حقيقة- هل أنا صاحب القطب المشابه للجميع؟ أعني هل كتب على فكري أن يلتمس فكر الجميع، أن يتسلق كافة الإحتمالات البشرية؟ أن يعي بشكل مفرط لدرجة
التنافر؟
اقتربت كثيرا- وابتعدت أكثر- حاولت من جديد, إقتراب آخر و الناتج تكرر-
بعيدا عن الأنا, بعيدا عن الوحدة, عن شياطين الصمت و السكون- قريبا للفكرة, للآخر, للوعي المشترك بيني وبين الآخر- قريبا مما سبق, لم ألتمس من العالم عادى التكرار, في أعين الآخر, في صوته, في كلماته, لحنه, أو على ريشته- تكرار ممل لنفس القيم على شاكلة قد تثير فضولي قليلا- حتى ينتهي فضولي أقل و أقل مما يجب- كيف يتكرر فكري و منطقي و جنوني و شذوذي و عاطفتي و نقيض كل ما سبق بين صفحات الكون؟! أفلا يكون الفكر البشري متنافر لوجود الشبه وإن كان خفيا في نقطة ما- في أو خلف هذا العالم؟

تنتهي عاطفة الوحدة- تبدأ حقيقة العزلة من منطق الوعي الكلي- ومن هنا… أعود برأس يتشابه مع الكل, بإضافة عنصر الملل- أو فقدان الأمل…

في هذا المكان, فوق حبة رمل, أسفل رمال الكون ضاع شعوري بالغربة- للحق, لم أعد أشعر أن مثلي يستحيل الوجود- أن رأسي لم ولن يتكرر مرتين، على الأقل في هذا الوقت وهذا القرن- أشعر أني مستنسخ، نسخه عن وجود شخص ما، نسخه كربونيه لعينه لشخص مثلي تافه لعين- قد أكون أقل فظاعة عن بعض الغرباء أمثالي، أكثر طموحا بالحقيقة- أقل اشمئزازاً من العدم- أكثر جنونا، أقل ثباتا، اكثر او اقل تحسسا- أكثر أو أقل جرأة في خوض المغامرات الجنسية و الروحانية- الخ… لا يهم، في اللحظة أقر أننا جميعا نتشارك أبعاد الوجود (الجنون) بنسبية لا أكثر، و أن غريب بين غرباء يعني لا شيء سوى نفي الغرابة- في هذا الزمن آسفا فقد إنسان ما بعد الحداثة كل القيم بعد أن… لحظة, كيف و متى حُكم على التجربة الذات- داخلية بالنفي؟!- وبعد أن نفيت كل القيم عُمّدت النفس البشرية من روح العدم- صدقا, أُدرك (مع صعوبة الإعتراف) أن اليأس من البشر تأصّل في البشر- أفلا يكون الكائن البشري حيوانا مملاً من تجارب كررت- تكرر نفسها على مدى التاريخ؟! سؤال سهل- والإجابة هي التأكيد مع اعتبار الفصل الأخير لكل حضارة نزلت من على المسرح أو أخرى لا تزال تؤدي دورها (على نفس المسرح) فارق إنتاجي لا أكثر، لكن تبقى الفصول هي نفسها- تتكرر- قد تحاول حضارة ما أن تخرج عن النص، أو حتى الإنمساخ (واقع القرن الحادي والعشرين) لكن كل الطرق تؤدي الى نهاية لا أكثر- و ما بعد, بداية ستتكرر من جديد.

يقول غوته**: الذي لا يعرف ان يتعلم دروس الثلاثة الاف سنة الأخيرة يبقى في العتمة..
أقول علّ غوته كان مُخدرًا بكيمياء عاطفته الرومانسية- والسبب إما حالة من خمول خلاياه التشاؤمية أو حالة من الانقسام الميتوزي لخلاياه التفاؤلية؛ على كل حال لم يبتعد الكاتب عن رؤياه الشخصية- كان من المنطق أن يفرض غوته على رأسه رؤية العالم منذ بدايته حتى نهايته كواقع خارج عنه، واقع لا بد له من الوقوع وان تمددت أطرافه ليشملنا- غوته! أفق!, نحن نتجه بهدوء أو بسرعة- نتجه بنسبية نحو العتمة، سنبقى هناك حتى ننتهي كأنقاض، حوافر، أو آثار كأي حضارة أخرى، لا أقل ولا أكثر- سنكرر نفس التجارب سنَظلِم و نُظلَم- نجهل من جديد، حتى تفقد السماء كل أمل في الإنسان (من الممكن أن تكون قد فعلت منذ زمن!)- حتى تتشقق السماء, حتى تبتلع ذاتها فتنتهي- حتى تتفجر الجبال غضبا فتعود ذرات متنافرة تأبى أن تجتمع من جديد- مثلي, سيحل يوما ييأس فيه الوجود من كل موجود، حينها ستحل النهاية- سيتوقف الكون ومن فيه عن التكرار

رغم كأبة الكون وأنا- لم أهتم- فأنا هنا لم أعد أبحث عن إجابات، حقيقةً, خفت أن تهاجمني الصحراء مكراً فتجذبني لأحزانها! ربي وحدك تدري أني ذائبٌ مع حزني- لقد امتلأت- فاض قلبي العاجز بالقهر, لا, لست أنا من سأل, ولا أنت من أعطى معنا للحزن، لم أعد ندا لاحزانك إلهي- لم أعد, أعلم في قرارة قلبي.

لا، فالليل يحاكيك و تلك غيمة وحيده جاءت أيضا لأجلك وحدك- فقط- و القمر, انظر كيف يضيء من أجلك- أخذت أواسي نفسي, هكذا, بتفاهة الخوف أردع قلقي, حتى أخذت النجوم تتثاءب مع دخول ضوء الصباح.

أخيراً اختفى القمر- خجلا, لن تخرج الشمس علانا حتى تكتمل زينتها- غادر الكل, و لم يبقى سوى نجمه واحده- وحيده, رحت كالأحمق ابتسم لها- أجهل سبب إبتسامتي المريبة, هل كانت إبتسامة صفراء تعكس حقدي لها بعد أن كادتني مساءًا حول رفاقها؟، أم كانت إبتسامة مواسة (ومعاتبه في نفس الوقت) بعد أن عادت وحيدة تاركه خلفها كامل المجرة.

يا نجمة- تنكشف أسبابك لي, وحدي أعلم لما طلبتي الوحدة، صدقيني أعلم, على كل حال لا تكترثي لي, فأنا أبتسم فخراً بك ولك، فخراً لمعنًا غير واهٍ في نظري ولا ببساطة ما تظهري… التضحية من أجل الحقيقة! في هذا الوقت المضطرب! تجربة التملّص من الكون في آخر لحظة من الليل مع بداية النهار تجربة مفزعة- فأي حقيقة يا نجمة قصدتي؟- عذرا فالمقصد واضح لي, لقد خرجتي عن قوانين المجرَه لتعي المجرَه- وأنا, خرجت عن المنطق بحثا عن المنطق! أعي سر وجودك نجمتي الحزينه.
أردت أن أكمل حديثي مع النجمة, لكن آسفا أختفت خلال حديثي الفارغ- كما أني شعرت بغرابة الموقف, حينها قررت المضي قدما…

تفاعل