شعر عربي معاصر

على الغائب ألا يعود – عبدالله حمدان الناصر

على الغائب ألا يعود

على الغائب أن يتقن دوره:

عليه دوماً ألا يعود.

على الغائبين كلهم

 أن يحبوا الغياب

و لهم أن يَصِفوا على سبيل تصفية الصدر من بلغم الورد:

هلالَ آخر الشهر

والحصانَ الصقيل الذي بلا أحدٍ يعود من الحرب

لهم أن يَرْثوا أسماك الزينة في إجازة الصيف

والقططَ في إعلانات تبني القطط

لهم أن يكتبوا في الصحف

عن الجرائد التي لا يمسها بشرٌ

وتنتظر دون جدوى في مداخل البنايات

لهم أن يكتبوا عن حسرة القصائد التي لم يستطيعوا تخليصها من نفسها

في أقراص الـ Floppy disks

على الغائبين أن يحبوا الغياب

أما ما بعدهُ

 فعليهم أن يدعوه ليهتم بنفسه

فالغائبون لا يعودون (إلا فراشاتٍ أو زجاجات بحر فارغة)

لا يعودون إلا فراشاتٍ في سبتمبر

بعد أن نكون انتقلنا إلى القطب

وصرنا نستخدم نيراناً

لا تفهمها الفراشات

ووقت يعودون فراشاتٍ بأجنحة أربعة

نكون قد أصبحنا بلا أجنحة

ولا نتذكر شيئاً عن بلاد الأسلاف

أو رحيق العائلة

وقت تعود لنا الفراشات

يصبحُ من غير الممكن

مقاسمتها القهوة والكتاب

أو مساعدتنا في إطلاق النار على الكمنجات

والبكاء معاً على وترٍ نافقٍ

والتلذذ بنهبِ سيجارٍ سيءِ الصنع

فالفراشاتُ تتقنُ ترف الضوء

ولا تحسن السيجار

ووقت تعود الفراشات

لا تعود هي الفراشات

فهي تعود لأن الشتاء ثقيل

تعود لأنها لم ترث من أبويها سوى معرفة الطريق للبيت

لا تعود الفراشات لأنها تفقد الحب

بل لأنها تحسن البيت

ويستحيل بسبب ذلك أن تشاركنا أريكةً

أو مقعد طائرة في المحيط

أو سجادةً في العِشاء الأخير

الغائبون يحبهم الله

ولا يكسرهم أحدٌ

ما داموا يفهمون جيداً أن مهمتهم هي ألا يخسروا الغياب!

الغائبون ليسوا المسيح

ولا يجب أن يتوهم غائبٌ أنه مسيح الذين أحبوه

فالغائب حين يعود للشرفة الأولى

يكون الله تماماً قد غيّر المنظر

والناس يملكون صمتاً قوياً

يمكنه كسر الذين فجأة يعودون

الناس ليس لديهم وقتٌ فائضٌ للذين يعودون

لأجل ذاك

لأجل ذاك الفراغ الحنون

لأجل القوارب الطيبة المربوطة في الربع الخالي من الليل

على الغائب ألا يفسد الأمر

على الغائبِ

ألا يعود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى