قصائد للشاعر الليبي عمر الكدي

أسامة فتحي

(1)

أيتها الحرب أيتها المجنونة

تبدأين بالوعيد وتنتهين بالندم

لكنك سرعان ما تنسين

وتنتظرين شرارة الحقد والغضب

أيتها الحرب أيتها المسعورة

منذ أن قتل قابيلُ هابيل

جئنا جميعا من صلب قاتل

قتله قبل أن توجد في الدنيا مقابر

حتى أنه تعلم الدفن من غراب

(2)

أعتزلت الخيول الحروبَ

ولم تعد حوافرها تغبر في المعارك

ولم يعد صهيلها يعلو على صليل السيوف

ولم يعد يلمع في أحداقها بريق الدروع والخوذات

صارت تجر العربات في الشوارع الفقيرة المزدحمة

أو تتبختر في اسطبلات الأثرياء

لم يعد يراهنون عليها في المعارك

وإنما في ميادين السباق

استراح الحمام الزاجل من الطيران بين الجبهات

منذ أن صار حبيسًا في الأقفاص

استراحت السيوف في أغمادها

وأصبحت تظهر لامعة في الاستعراضات

وفي مراسم استقبال الملوك والرؤساء

لكن البنادق والمدافع صنعت بلا أغماد

(3)

أيتها الحربُ أيتها الشعثاء

في وجودك نشتاق للسلام

وفي غيابك نسعى إليك دون كلل

الاستبداد والحروب والغباء تشعل الحروب

وثمة حروب أشعلتها كلمةُ حمقاء

من أشعل حرب داعس والغبراء؟

سوى فرسين ورهان

ومن أشعل حرب البسوس؟

سوى ناقتها العجفاء

هل كان باي الجزائر سيحرق منشته لو عرف النتيجة؟

والحرب جوعى مثل نار تستزيد من الحطب

والحرب عطشى مثل صحراء من الملح

والحرب تبدأ بشرار ثم تضطرم

والحرب تذكي الثارات القديمة

وتعيدها نارًا من عدم

والحرب شرار تائه

يبحث عن كومة قش

والحرب تبدأ بصرخة

وتنتهي بالألم

(4)

لا تضع الحرب أوزارها بنفسها

مثلما لا تنطفيء النارُ في الغابات

تضع أوزارها حين تهطل أمطار السلام

ولا رياح تهب من البحر

ولا سحاب في السماء

في زمن الحروب لا معنى للربيع

ولا معنى للشتاء

صيف بلا ثمار وبحر بلا سمك

ربيع بلا زهور وغروب بلا شفق

أفق بلا رجاء ونفق يفضي إلى نفق

في زمن الحروب لا يسمع هديلُ الحمام

تغير الطيور المهاجرة طريقها

ولا يعود في الربيع القطا والحجل

يحترق القمح والشعير في الحقول

ويدير عباد الشمس ظهره للشمس

تنكس الزهور رؤوسها

وقبل أن تمطر تضرب الأرض صواعق الغضب

تختفي ملاعب الأطفال في الحدائق

وتتكاثر وتعشب المقابر

حتى الصحراء تخفي سرابها من شدة اليأس

(5)

في زمن الحروب تتكاثر المليشيات مثل الطحالب

مليشيات مع الشريعة وأخرى مع الدستور

مليشيات شوارع ومليشيات قبائل

مليشيات يقودها جنرالات

وأخرى يقودها أصحاب سوابق

مليشيات تحتل المطارات

وأخرى تحتل مقرات الوزارات

مليشيات تحارب الخمر والمخدارات وأخرى تروجها

مليشيات رجالها ملتحون وأخرى حليقون

جميعها أطلقت على نفسها أسماء الشهداء

وشنقت أمنياتهم أمنية أمنية

جميعها لها سجون وتحلب ما تبقى من الدولة

جميعها تمارس النهب والسطو والخطف

وجميعها تدعي أنها تمثل الثورة

في النهار يمارسون ورعاً صارما

وفي الليل عندما يسكرون يطلقون النار في الهواء

(6)

ستقفون في طوابير الخبز والوقود والمصارف

ستتعلمون العيش دون كهرباء

وستتعودون على هدير المولدات في المنازل

سيختفي حليب الأطفال والأدوية

وستغلق المستشفيات أبوابها

وتصبح المدارس ملجأ للنازحين

وسيلعب الأطفال في الشوارع بالأسلحة

سيمتطون الدبابات المحطمة

وسيميزون بسهولة بين أنواع القذائف

ستصلون على الميتين أكثر مما تصلون للخالق

ولن تصلوا على الجبهات إلا صلاة الخوف

ستذهبون إلى الانتخابات وستنتخبون أسوأكم

فاسدون ومرتشون.. قبليون وجهويون

لا يخافون إلا من قادة الكتائب

ستصبحون شعبا من النازحين

تعيشون انتظارا مملاً ويائساً قانطاً

سيأتي الإرهابيون من كل صوب وحدب

وتصبحون غرباء في بلادكم

(7)

لا تذهب إلى الحرب منتقما

فالانتقام داء وليس دواء

تذكر أن الحرب نوع من الحوار

لا تطلق النار أولاً

ولابأس من طلقات في الهواء

هدفك أن يستسلم الخصم

بأقل قدر من الدماء

وعندما يستسلم عامله باحترام

وتذكر أنه ليس غازيا

وإنما شريكك في الوطن

فاوضه بهدؤ وقدم التنازلات

أفرج عن أسراه

قبل أن يفرج عن أسراك

اجعله يتحرر من أوهامه

وأن يرى ما لم يكن يراه

هكذا تصبح الحربُ طريقاً إلى السلام

اقتسم معه كل شيء

الماء والهواء والكلأ

الأتراح والأفراح والفداء

تذكر أن من يبدأ الحرب يهزم

ومن يتمهل ينتصر

وأفضلكم من يتجنبها ليسعى إلى السلام

(8)

يسقط الطاغية فيظهر آلاف الطغاة

يسعون نحو كرسي شاغر فوق هرم من الجماجم

يتسلقون الجثث والشعارات

هاربون من السجون وعائدون من أفغانستان

جلادون سابقون وسقط متاع

أعراب وانكشاريون يعتقدون أن البلاد لهم غنيمة

تقاسموا العاصمة وتمددوا في الصحراء

تناسخوا الطاغية واحتفضوا بجيناته الفاسدة

متخصصون في إطلاق القذائف العمياء

نهارهم سلب ونهب

وليلهم سكر وعربدة

سلفيون جهاديون بسراويل قصيرة ولحى شعثاء

لم يتركوا ضريحاً إلا هدموه

مفتيهم لا يمل من التحريض على القتال

إذا أبصر يبصر بعين واحدة

وببصيرة عمياء

يصدر الفتوى وضدها

ويريد أن يجلب نجد إلى تاجوراء

(9)

أيها المعلمُ ويا أيها الطالبُ

أيها المزارعُ ويا أيها السائقُ

أيها الحرفيُ ويا أيها المحاسبُ

وأنت أيها الموظفُ

لم تعد يداك طليقتين

مذ حملت هذه البندقية

ستحتضنها حتى عندما تنام

ستحمي أصحاب الشركات

ورجال الأعمال والأثرياء

سيدفع لك الأوغادُ والأحزابُ

وأثرياء الحروب وتجارها

وستتغير الولاءات دون أن تدري

سيصبح الأعداء حلفاء

والأصدقاء أعداء

ستشعر من حين إلى حين بالتعب

وتشتاق إلى حياتك السابقة

إلا أن الادمان على القتل ليس له دواء

حتى وإن كنت ثائرا

ستنتهي مجرد بندقية للايجار

أو بطلقة طائشة تبخر كل هذه الأوهام

وأنت تسقط مضرجا ستشعر بالندم

قبل أن تلفظ آخر نفس ..

________________________________

زر الذهاب إلى الأعلى
0:00
0:00