قلب تحت جُبَّة

مقدمة المترجم
ذكرَ جورج إيزامبارGeorges Izambard ، أستاذ رامبو في المدرسة الثّانويّة، أنّ هذا الأخير سلّمه نصّه هذه القصة القصيرة الساخرة في 18 تمّوز/يوليو 1870، أي في العام الأوّل من ممارساته الشعريّة الجادّة أو “النّاضجة”.
ولم يجرؤ لا إيزامبار ولا بَريشونPaterne Berrichon ، صهر الشّاعر، لا ولا حتّى ڤرلين Paul Verlaine على نشر هذه القصّة “الفاضحة”، فلم ترَ النور إلاّ في 1924، إذ نشرَها أندريه بريتونAndré Breton ولوي أراغونLouis Aragon مصوَّرةً بخطّ مؤلّفها. وشكّل هذا النصّ إحدى الحجج الأساسيّة للسورياليّين في سجالهم ضدّ پول كلوديل Paul Claudel الذي كان يقول بصدور رامبو في شعره عن كاثوليكيّة غير واعية.
وسوف يجد القارئ المتمعّن، بين هذه القصّة وقصائد رامبو المعاصرة لها، وحدة أو تقارباً في اللّغة وطبيعة السّخرية والاهتمامات الفكريّة.
وإلى السّخرية النافذة على مستوى السّطح، نلاحَظ، منذ هذه الفترة المبكّرة، ولع رامبو بالكتابة المرموزة (كتابة في شيفرة) والتعريض الكنائيّ.
فمراكمته لأسماء الآلات الموسيقيّة من قياثر وربابات وسواها، ولأسماء أعضاء الجسم البشريّ، ووصفه للأنف بخاصّة، وللحاجات الاستعماليّة (“الطّاسة” خصوصاً) والمأكولات (اللّحم القديد)، إلخ.، هذا كلّه يتيح له الإكثار من التلميح إلى الأْعضاء الذكريّة والأنثويّة.
والعنوان نفسه ينبغي قراءته قراءة رمزيّة، فلا يتعلّق الأمر بقلبِ تلميذٍ كهنوتيّ فحسب، بل بكيانٍ كامل يقبع في الحرمان معتقلاً في جبّة.
هكذا يستشفّ القارئ أنّ هذه القصة، إذا ما هي قرئت بعمق، إنّما تندرج في مراجعات رامبو النقديّة للخلفيّة الأدبيّة والذهنيّة السّائدة في شعر فترته وأدبها.
وهو لا يسلّط سخريته الرّهيبة على أجواء المدارس الدينيّة ومجمل العقليّة الدوغمائيّة فحسب، بل كذلك على الرّوح الرومنطيقيّة السائدة في زمنه.
روح يسخر من ميوعتها الشعريّة عبرَ القصائد الغزليّة المضحكة التي يعيرها لبطل القصّة، بلغتها البالغة الشّبه بلغة لامارتين Lamartine، وخصوصاً عبرَ عجز البطل عن الإمساك بإشارات محيطه المناوئ له، والسّاخر من رعونته، لا يفهمها هو إلاّ بعكس معناها كلّ مرّة.

قلـب تحـت جـبّـة

… آه يا تيموتينا لابينيت! اليومَ، وقد ألبسوني الرداءَ المقدّس، يطيبُ لي أن أتذكّر الهوى الفاترَ الآنَ والذي يرقد تحت الجبّة، هوايَ الذي كانَ، في العام الفائت، قد جعلَ قلبيَ الفتيَّ يخفق تحتَ معطفي، معطف التّلميذ في مدرسة الرّهبان!….
الأوّل من نوّار، ألف وثمانمائة و…………(1)
….. هوَذا الرّبيع. شتيلة كرْمة الأب فلان تُبرعِم في أصيصها المبطّن بالتّربة، وشجرة الحوش تعلوها هي أيضاً براعم صغيرة وناعمة أشبه ما تكون على أغصانها بقطراتٍ خُضر. أمس، وأنا خارجٌ من الدّرس، رأيتُ عندَ نافذةِ الطابق الثاني ما يشبه الفطْر الأنفيّ لرئيس الدّير .(2) حذاءا ج.، يبعثان رائحة كريهة نوعاً ما، ولقد لاحظتُ أنّ التّلامذة صاروا يكثرون من الخروج لـِ… في الحوش(3)، هم الذين كانوا يعيشون في قاعة الدّرس كمثْلِ الخلْد، محشورين، كلٌّ غائص في بطنه، تالعين بوجوههم المحمرّة صوبَ الموقد، نفَسهم ثقيل وحارّ كمثْلِ نفَس الأبقار! الآنَ صاروا يطيلون المكث في الهواء الطّلق، وعندما يؤوبون، فإنّهم يتهانفون (4) ويزرّرون بناطلهم بعناية، – كلاّ، أقصد ببالغ البطء- وبشيء من التفنّن، فكأنهّم يتلذّذون تلقائيّاً بهذه العمليّة التي ليست بحدّ ذاتها إلاّ شيئاً شديدَ الابتذال…

2 نوّار…
نزلَ رئيس الدّير أمس من حجرته، مغمض العينين، مُخفياً يديه، وجِلاً، مبترداً، وراح يجرجر على مدى بضع خطواتٍ خفيّه خفَّي الكاهن!…
هوَذا قلبي يواصل في صدري عزفه، وهوَذا صدري يواصل الخفق بإزاء مكتبيَ الوسِخ! آه! كم أمقت الآنَ العهد الذي كان التّلامذة فيه أشبه ما يكونون بِمِعاز صغيرة تنضح في ثيابها القذرة عرَقاً وتغفو في مناخ الدّرس المتعفّن، تحت ضوء الغاز، وسط حرارة الموقد الباهتة!… أمطّ ذراعيّ! أتنهّد، وأمدّ ساقيَّ… إنّني أحسّ في رأسي بأشياء، آه بأشياء!…

4 نوّار…
تصوّري، أمس، تجاوزتُ حدودَ احتمالي: فَنشرتُ كالملاك جبرائيل جناحَي قلبي. نفحة الفضاء المقدّس اجتاحتْ كياني! فأمسكتُ برَبابتي وجعلتُ أُنشِد:
ألا اقتربي
أنتِ يا مريمَ العظيمة!
أيّتها الأمّ العزيزة!
ليسوع العذب!
المسيح المقدّس!
آه أيّتها العذراء الحبلى
أيّتها الأمّ المقدّسة
حقّقي آمالنا!
آه لو علمتِ بالانثيالات السّريّة التي كانت تهزّ روحي وأنا أورّق هذه الوردة الشّعريّة! أخذتُ قيثارتي وكصاحب المزامير(5) جعلتُ صوتي البريء والصّافي يتعالى في آماد السماء!!! أيّها العليّ في أعلى أعاليك!
…………………………………

7 نوّار…
وا أسفاه! لقد طوى شِعري جناحيه، ولكنّني، كمثْل غاليله، سأقول تحتَ وطأة الإهانة والتّعذيب: “ومع ذلك فالأرض تدور، تتحرّك!” (اقرأوا: إنّهما [الجناحَين] يتحرّكان!). عن انعدام حيطةٍ أسقطتُ ورقة البوح السّابقة… فعثرَ عليها ج.، وهو أشرسُ الجانسيّين(6) طرّاً، وأكثر مأجوري رئيس الدّير تزمّتاً، وسلّمها إلى سيّده في السرّ. لكنّ هذا المسخ نفسه، لكي يجعلني أرزحُ تحتَ إهانة الملأ أجمعَ، أطلعَ جميعَ أصحابه على شِعري!
أمس، استدعاني رئيس الدّير. دخلتُ دارته، وها أنا ماثلٌ أمامه، واثقاً من دواخلي تماماً: كانت الشّعرة الصّهباء الوحيدة الباقية له تقشعرّ على جبهته الصّلعاء كمثْل برقٍ خاطفٍ. ومن شحمِ بدنه تنبثق عيناه، هادئتين مع ذلك وعامرتين بالسّلم. وأنفه، البالغ الشّبَه بمِدَقّة، تحرُّكه رعشته المعهودة: كان ينبس بـ “أوريموس”(7): فبلّل أقصى إبهامه وقلّب بضع صفحاتٍ من كتابٍ وأخرجَ ورقة صغيرة وسِخة ومطويّة…
يــااااااااااا مريم العظـيييييييييمة!
أيّـييييييتها الأمّ العزيـييييييزة!
ثمّ راح يحطّ من قَدر شِعري! ويبصق على وَردتي! وطفِقَ يقلّد سلوك بريدوازون(8) ويوسف ويتصنّع الحُمق ليلوّث هذا النّشيد البتوليّ ويُنجّسه. راح يتأتئ ويُطيل كلّ مقطع بتهانفٍ ممتلئ بحقد مركّز: وعندما بلغ البيت الخامس، “أيّتها العذراء الحبلى!”، توقّف، وتحاشى مقطعه الأخنّ(9) ، وانفجرَ: ” أيّتها العذراء الحبلى!، أيّتها العذراء الحبلى!”. كان يقول ذلك بوتيرة معيّنة، حانياً صدره الضّخم بارتعاش، وبنبرٍ مقرف حتّى أنّ جبيني كلّه تَغطّى بحُمرة الخجل، فجثوتُ على ركبتيّ رافعاً ذراعيَّ باتّجاه السّقف وأنا أهتف به: أبتاه!
……………………………………
“- ربابتك! قيثاااارتك! يا فتى! ربابَتك! دوافقك السّريّة الهازّة كيانك! أتمّنى لو أنّي أراها! أيّها المخلوق الشّابّ، إنّي لألمح في هذا الاعتراف الكافر شيئاً من الدنيويّة والاستسلام الخطير، ألمح انجرافاً!”
ثمّ صمتَ وجعلَ صدره يقشعرّ من أعلاه إلى أسفله، وقال لي بنبرٍ فيه وقار زائد:
– أأنتَ مؤمنٌ يا فتى؟
– أبتاه، لمَ هذا الكلام؟ أوَ تمزح شفتاك؟… أجل، أنا مؤمن بكلّ ما تقوله أمّي… الكنيسة المقدّسة.
– ولكن… العذراء الحبلى!… إنّه الحبَل، يا فتى، إنّه الحبَل….
– أبتاه! إنّني أؤمن بالحبَل (10)…
– أنت على حقّ! يا فتى! إنّه لَشيء…
… ثمّ صمت. وأضاف: “جاءني الفتى ج. بتقرير يلاحظ فيه عندكَ نوعاً من انفراج السّاقين يزداد وضوحاً يوماً بعد يومٍ أثناء جلوسك في الدّرس، وهو يؤكّد أنّه رآك تتمدّد بكاملك تحت المائدة كمثْل… شابّ يتخلّع في مشيته. هذه وقائع لا تحار عليها ردّاً… إقتربْ واجثُ قربي؛ أريد استنطاقك برقّة؛ أجبْ: أتُبالغ انفراج ساقيك في الدّرس؟”
ثمّ وضع يده على كتفي وعلى عنقي، وتوهّجت عيناه وراح يطالبني بالكلام على انفراج السّاقين هذا… تصوّري، أودّ أن أقول لكِ إنّ الأمر كان مقرفاً حقّاً، أنا الذي يعرف ما تعنيه تلك المَشاهد!… وهكذا فقد وشوا بي واغتابوا فؤادي وخفَري، – وما كان في مقدوري أن أحتجّ على كلّ ذلك، ما دامت التّقارير والرّسائل الغفل التي يكتبها التّلامذة بعضهم ضدّ البعض الآخر لرئيس الدّير مرخّصة، بل مطالَباً بها – وها أنا في هذه الحجرة، أخضعُ لمُداعباتِ ذلك البدين… آه يا لفظاعة الدّرس الرّهبانيّ!
…………………………….

10 نوّار…
أوّاه! زملائي شرّيرون وفاسقون بصورةٍ فظيعة! في الصفّ، كان جميع عديمي الإيمان هؤلاء عارفين بحكاية أبياتي، وأنّى التفتُّ قابلتُ وجه د. المصاب بالرّبو وهو يوشوش لي: “وقيثارتك؟ وقيثارتك؟ ودفتر يوميّاتك؟”، ثمّ يستأنف الأحمق ل. : “وربابتك؟ وقيثارك؟”، ثمّ يتهامس الثّلاثة أو الأربعة في جوقة: “يا مريم العظيمة… أيّتها الأمّ العزيزة!”…
أمّا أنا، فإنّني لَغبيٌّ أحمق: صحيح أنّني، يا يسوع، لا أضرب نفسي!، ولكنّني لا أشي بأحدٍ، لا ولا أكتب رسائلَ غفْلاً، ثمّ إنّني لديّ شِعريَ المقدّس وحيائي!

12 نوّار…
ألا تحزرُ لمَ أموت حبّاً؟
الزّهرةُ تقول لي: “مرحباً”، والطّائرُ يقول لي: “صباحَ الخير”:
مرحباً: إنّّه الرّبيعُ! ملاكُ الحنان!
ألا تحزرُ لمَ أغلي ثمَلاً؟
أنتَ يا ملاكَ جدّتي، ويا ملاكَ مَهدي،
ألا تحزرُ أنّني أتحوّلُ إلى طائر،
أنّ ربابتي تقشعرّ وجناحَيَّ يخفقان
كمثْل شحرور؟…
هذه الأبيات نظمتُها أمسِ، في أثناء الاستراحة. دخلتُ إلى المصلّى واعتكفتُ أمامَ أحد كراسي الاعتراف، وهناك قُيّض لشِعري أن يختلج في صدري ويحلّق، في مناخ من السّكون والحلم، صوب مدارات العشق. ولمّا كانوا يختطفون من جيوبي أدنى ورقةٍ، في النّهار واللّيل، فقد خِطْتُ هذه الأبيات في أسفلِ ردائي الأخير، هذا الذي يلامس جِلدي مباشرةً. هكذا، في أثناء الدّرس، أجرّ مقطوعة شِعري تحت الثّياب، لصقَ قلبي تماماً، وأضمّها طويلاً بَينا أحلَم…

15 نوّار…
تسارعتِ الأحداث منذ قمتُ باعترافي الأوّل، أحداثٌ باذخةٌ لا بدّ أنّها ستؤثّر على مجرى حياتي القادمة والحميمة تأثيراً رهيباً ولا شكّ!
يا تيموتينا لابينيت إنّني لأعبدك!
يا تيموتينا لابينيت إنّني أعبدك! أعبدك! دعيني أغنّي على عودي، كما كان صاحب المزامير المُلهَم يغنّي على سنطوره، كيف رأيتُكِ وكيف وثبَ قلبي إلى قلبك من أجلِ عشقٍ أبديّ!
كان الخميس هو يوم الفرصة: نخرج فيه لساعتين اثنتين، فخرجتُ: كانت أمّي قد قالتْ لي في رسالتها الأخيرة: “إذهبْ يا بنيّ لإمضاء نهار فرصتكَ بلا همومٍ في منزل السيّد سيزاران لابينيت، صديقٍ للمرحوم أبيك، فينبغي أن تتعرّف عليه يوماً ما قبل رَسامتك(11) ….”
… فتقدّمتُ إلى السيّد لابينيت(12) وعرّفتُه بنفسي، ولقد كان كثير التكرّم عليّ إذْ أحالني إلى مطبخه بدون أن ينبس ببنتِ شفةٍ: بقيتْ ابنته تيموتينا(13) وحيدةً معي، وأمسكتْ بخرقةٍ وراحت تمسح طاسة كبيرة مستديرة عصرتْها إلى قلبها، ثمّ قالت لي، فجأةً، بعدَ برهةٍ طويلةٍ من الصّمت: “وإذَنْ، يا سيّد ليونار؟”…
حتّى تلك اللّحظة، كان قد أربكَني أن أجدني وحيداً مع هذا المخلوق الفتيّ في ذلك المطبخ، فخفضتُ عينيّ وجعلتُ أردّد في قلبي اسم العذراء المقدّس: رفعتُ جبيني وأنا محمرّ الوجه، وأمام جَمال محدّثتي لم أقوَ إلاّ على النّطق بكلمة “آنستي” واهيةٍ جدّاً…
كم كنتِ جميلةً يا تيموتينا! لو كنتُ رسّاماً لخططتُ ملامحك المقدّسة في لوحةٍ أهبها هذا العنوان: “عذراء الطّاسة!”. لكنّي لستُ سوى شاعرٍ، ولا تقدر لغتي إلاّ على الاحتفاء بك احتفاءً يشوبه النقص…
كان الطبّاخ الأسود، الذي تتّقد الجمرات في ثقوبه كمثْلِ عيونٍ حمراء، يبعث من قدوره المحفوفة بخيوط نحيفة من الدّخان رائحة سماويّة لشوربة باللّهانة واللّوبياء. وأمامَه كنتِ أنتِ، يا عذراءَ الطّاسة، تمسحين طاستكِ متشمّمةً بأنفك الرّقيق رائحةَ الخضار وناظرةً إلى هرّك السّمين بعينيك الجميلتين الرّماديّتين! كانت خصل شعركِ السّبْط الألِق تلتصق بحياءٍ بجبينك الأصفر كالشّمس. ومن عينيك كان أخدودٌ مائلٌ إلى الزّرقة ينزل حتّى وسَط الخدّ، مثلما لدى القدّيسة تيريسا!(14) كان أنفك المفعم برائحة اللوبياء يرفع منخاريه الشائقين؛ وكان زغب خفيف يعلو شفتيك ويساهم بقدرٍ ليس بالهيّن بمدّ محيّاك بحيويّة فاتنة؛ وعلى حنككِ تلمع شامةٌ سمراء جميلة ترتجف فيها شُعَيراتٌ جميلةٌ ولعوب: وببالغ التعقّل كان شعركِ مشدوداً إلى قذالك بمَشابِكَ، بيد أنّ خصلة صغيرة كانت نافرة… وعبثاً رحتُ أبحث عن نهديك: ما كان لكِ نهدان: وإنّك لتزدرين هاتين الزّينَتين الدنيويّتين: إنّ قلبكِ هو نهداكِ!… وعندما استدرتِ لتوجيه ضربة من قدمكِ لهرّكِ المذهَّب الوبَر، أبصرتُ أنا لوحَي كتفيك الناتئين واللّذين يرفعان ثوبكِ، فهدهدني العشق بإزاء الانفتال السّاحر للقوسين البارزتين لوركيك!……
منذ تلك اللّحظة عبدتُكِ: ولم يكن ما عبدتُه هو شَعرك ولا لوحَا كتفيك، لا ولا الانفتال السّفليّ الخلفيّ: بل إنّ ما أحبّه في امرأة، في عذراء، هو التّواضع الطّهور، وما يجعلني أتواثب حبّاً إنّما هو الحياء والورع. هذا هو ما عبدتُ فيك أيّتها الرّاعية الفتاة!…
كنتُ أحاول التعبير لها عن هواي. ثمّ إنّ قلبي، آه قلبي كان يشي بي! لم أكن أجيب على تساؤلاتها إلاّ بكلام متقطّع. وبباعثٍ من اضطرابي قلتُ لها مراراً: “سيّدتي” بدل “آنستي”! ورويداً رويداً أحسستُ بالانقياد للنّبرة السّحريّة لصوتها؛ فقرّرتُ في خاتمة المطاف الاستسلامَ والبوحَ بكلّ شيء. وهنا طرحتْ عليّ لا أدري أيّ سؤال، فارتددتُ بكرسيّي إلى الوراء ووضعتُ يدي على قلبي، وأمسكتُ باليد الأخرى بمسبحةٍ كانتْ في جيبي وداعبتُ صليبها الأبيض، ثمّ، بعينٍ موجّهةٍ إلى تيموتينا والأخرى إلى السّماء، أجبتُ بحنانٍ وألمٍ، مثلما يفعل إيّلٌ أمامَ ظبية:
“- أجَل! أجَل! يا آنسة… تيموتينا!…”
رحماك يا ربّ! رحماك!(15) فجأةً سقطتْ في عيني المُحملقة بالسّقف بالتذاذٍ قطرةٌ من نقيع المِلح رشحَتْ من قطعةِ لحمٍ قديدٍ كانت معلّقةً فوقي. وما إن خفضتُ جبيني محْمرّاً من الخزي ومستيقظاً من سَورة عشقي حتى لاحظتُ في يدي اليسرى بدلَ المسبحة رضّاعة بنيّة اللّون كانت أمّي قد سلّمتنيها في العام الفائت لأهديَها لِصغير السيّدة فلانة! وهكذا، فمن العين التي كنتُ وجّهتها إلى السّقف كان يسيل نقيع الملح الحامز الطّعم. لكنْ من العين المتطلّعة إليك، يا تيموتينا، كانت تسيل دمعةٌ، دمعة حبّ، دمعة ألم!…..
………………………………….
بعد ذلك بساعة، عندما أعلنتْ لي تيموتينا عن وجبة خفيفة مكوّنة من اللوبياء وعجّة بشحم الخنزير، أجبتُ بصوت خفيض وأنا بالغ التأثّر بمفاتنها:
– قلبي هو الآنَ من الامتلاء، لو تلاحظين، بحيثُ يصيب معدتي بالعطل!
وجلستُ إلى المائدة. آه، إنّني أحس بذلك الآن أيضاً، لقد استجابَ قلبها إلى نداء قلبي: فطوالَ الوجبة لم تأكل تيموتينا شيئاً، بل كانت تكرّر:
– ألا تلاحظ رائحةً ما؟
وما كان أبوها ليفهمَ. لكنّ قلبي أدركَها: كانت تتحدّث عن وردة داود، وردة يسّى أبي داود، الوردة الصوفيّة المذكورة في الكتاب المقدّس؛ كانت تتحدّث عن الحبّ!
نهضتْ فجأةً وذهبتْ إلى أحد أركان المطبخ، وبعدما أرتْني زهرة وركيها المزدوجة، غطّستْ ذراعها في ركامِ جزم وأحذيةٍ نطّ منها هرّها السّمين. ألقت هذا كلّه في خزانة عتيقة فارغة، ثمّ عادتْ إلى مكانها واستنطقتِ الجوّ بشيء من القلق، ثمّ صعّرتْ جبينها فجأةً وهتفتْ:
– الرّائحة ما تزال!…
فأجاب أبوها بشيء من البلادة:
– نعم، ما تزال. (لم يكن في مقدوره أن يفهم، هو الجاهل العديم الإيمان!).
لاحظتُ جيّداً أنّ ذلك كلّه لم يكن في جسدي العذريّ إلاّ كناية عن الحركات الجوّانيّة لشغفي بها! كنت أعبدها وأستعذب ببالغ الحبّ العجّةَ المحمّصة، وكانت يداي تعزفان بالشوكة لحناً، وتحتَ الطّاولة كانت قدماي تقشعرّان في حذاءيَّ من الدّعة!…
لكنّ ما شكّل لي ومضة من النّور، وكان لي بمثابة عربون للحبّ الخالد وما يشبه ألماسة من الحنان آتية من لدن تيموتينا، هو تكرّمها المعبود عليَّ، أوانَ مغادرتي، بجوربين بيضاوين، تصحبهما ابتسامة وهذه الكلمات:
– أتريد هذا لقدمَيك يا سيّد ليونار؟
………………………………..

16 نوّار…
تيموتينا! إنّني لأعبدك، أنتِ وأباك، أنتِ وهرَّكِ:
تيموتينا:
يا طاسةَ العبادة،
أيّتها الوردة الصّوفيّة،
يا برجَ داود،
صلِّي من أجلنا
يا بوّابة السّماء،
أيّتها النّجمة البحريّة(16)
ألا صلّي من أجلنا!
17 نوّار…
ما يهمّني الآنَ من صخب العالم وصخب الدرس؟ وما يهمّني من أولئك الذين يحني الكسل والارتخاء ظهورهم إلى جانبي؟ هذا الصّباح، كانت جميع الجباه المثقلة بالنّعاس لاصقة بالرّحلات. وكان شخيرٌ أشبه ما يكون بنفخة الصّور في يوم الحساب، شخيرٌ خافتٌ وبطيءٌ، يتعالى من “جَتسمانيّة” الشّاسعة هذه(17) . أمّا أنا، فبِرواقيّةٍ وصفاءِ بصيرةٍ واستقامةٍ تساميتُ على جميعِ هؤلاء الموتى كما تفعل نخلة سامقة وسطَ الخرائب. ومزدرياً الرّوائحَ وضروبَ الصّخبِ الخرقاءَ حملتُ رأسي في يدي ورحتُ أصغي إلى قلبي وهو يخفق ممتلئاً بتيموتينا، فيما تغوص عيناي في لازورد السّماء الذي كان يُلمَح عبرَ لوح الزّجاج الأعلى في النّافذة!…
18 نوّار…
الشّكر للروح القُدس إذْ ألهمني هذه الأبيات السّاحرة. هذه الأبيات سأنقشها في قلبي، وعندما تتكرّم عليّ السّماء برؤية تيموتينا من جديد، فسأهبها إيّاها ردّاً على جوربَيها!…
لقد منحتُها “النّسيم” عنواناً:
في عزلته القطنيّة
يرقد النّسيمُ العذبُ النّفحات:
في عشّه الذي هو من صوفٍ وحرير
يرقد النّسيمُ الطَّروبُ الذِّقن!(18)
عندما في عزلته القطنيّة
يرفع النّسيم جُنحَيه،
عندما يهرعُ حيثما دعتْه الزَّهرة،
فإنّ نَفَسه يتضوّع عبِقاً!
آه يا عبيراً مُجوهَراً!
آه يا جوهرَ العشق!
عندما يُلمَس النّدى كم يتضوّع الأريج
على امتداد النّهار!
يا يسوعُ! يا يوسفُ! يا يسوعُ! ويا مريم!
إنّه كمثْل جناحِ كنْدور(19)
يُروِّح على هذا الذي يصلّي!
إنّّه يخترِقُنا ويُنيمنا!
………………………………
الخاتمة مفرطة الحميميّة والرّقّة: ولذا فسأحتفظ بها في خيمة روحي(20). في يوم الفرصة القادم، سأقرأ هذا على معبودتي الزّكيّة الرّائحة تيموتينا.
فلننتظرِ الآنَ خاشعين هادئين.
………………………………
تاريخ غير مقروء.
– لننتظرْ!…

16 حزيران!
– ربّاه، فلتتحققْ مشيئتك، لن أضعَ في طريقها عائقاً! أنتَ ولا ريب حرٌّ في أن تقصي عن عبدك حبّ تيموتينا، لكنْ، يا مولاي يسوع، أنت نفسُك أما أحببتَ؟ أوَ ما علّمكَ رمحُ المحبّة(21) أن تتواضعَ أمامَ آلام البؤساء! صلِّ من أجلي!
آه!، منذ زمن طويل وأنا أنتظر ساعتَي الفرصة هاتين في الخامس عشر من حزيران: كنتُ طوّعتُ نفسي بأن قلتُ لها: “ستكونين ذلك اليوم حرّة “. في الخامس عشر من حزيران ذاك مشطّتُ الشَّعر القليل الذي كان قد بقيَ لي، واستخدمتُ دهاناً ورديّاً عطِراً فصار شَعري ملتصقاً بجبهتي كما كانتْ عليه خصل شَعر تيموتينا، ودهنتُ حاجبيّ. وبعناية بالغة نفضتُ بالفرشاة الغبارَ من على ثيابي السود، وببراعةٍ صحّحتُ بعض النواقص المزعجة في هندامي، وتقدّمتُ إلى الجرَس المنتظَر بلهفة، جرس بيت السيّد سيزاران لابينيت. فوصلَ هذا الأخير بعد برهة انتظار طويلة، مغطيّاً أذنيه بقلنسوته بصورة وقحة نوعاً ما، وكانت خصلة من الشّعر متصلّبة ومدهونة بشدّة تُبقّع وجهه كمثْل ندْب، وإحدى يديه قابعة في جيب ردائه البيتيّ المحلّى برسوم أزهارٍ صفر، واليد الأخرى على المزلاج…
ألقى عليَّ تحيّة ناشفة، مقطّباً أنفه ومُلقياً نظرةً إلى حذاءيَّ بشرائطهما السّود، ومشى يتقدّمني، يداه في جيبيه، جاذباً إلى الأمام ثوبه المنزليّ كما يفعل الأب فلان بجبّته ومحرّكاً أمام نظراتي الجزء السّفليّ من جسمه.
تبعتُه.
اجتاز المطبخ، فدلفتُ وراءه إلى صالونه. آه، ذلك الصّالون! لقد ثبّتُه في ذاكرتي بدبابيس الذّكرى! كانت نجود الحائط مزدانة بأزهار بنيّة. وعلى المدخنة ساعة ذات رقّاص، كبيرة وسوداء ولها أعمدة. وكان ثمّة مزهريّتان زرقاوان فيهما أوراد. وعلى الجدران لوحة تصوّر معركة إنكرْمان(22) ، ورسمٌ بالقلم لصديقٍ لسيزاران ترى فيه طاحونة تنفخ رحاها على جدول صغير بَدا كمثْل بصقة، هو من نوع الرّسوم التي ينفّذها بالفحم جميع مَن يبدأون الرّسم. الشِّعر يظلّ عندي أفضل!…
كان في وسط الصّالون مائدة عليها سماط أخضر، ولم يكن قلبي ليرى حولها سوى تيموتينا، مع أنّ صديقاً للسيّد سيزاران، وهو قَنْدَلَفْت(23) سابق في إحدى الكنائس، كان حاضراً هناك مع امرأته السيّدة دو ريفلاندْويّ(24) ، ومع أنّ السيّد سيزاران نفسه جاء ليستند إلى المائدة بكوعيه فورَ دخولي إلى البيت.
أخذتُ كرسيّاً مُنَجَّداً وأنا أفكّر بأنّ شطراً منّي سيستند إلى نجادٍ قد تكون صنعتْه يدا تيموتينا، وحيّيتُ الجميع، وطرحتُ قبّعتي السّوداء أمامي على المائدة كمثّل متراسٍ وجعلتُ أصغي…
ما كنت أتكلّم، لكنّ قلبي كان يتكلّم! واصلَ السيّدان لعبَ الورق الذي كانا بدآه: لاحظتُ أنّّهما يتباريان في الغشّ، وتسبّب لي ذلك بمفاجأة أليمة. وما إن انتهى الشّوط حتّى جلس أولئك الأشخاص في حلقة حول المدخنة الفارغة. كنتُ أنا في أحد الأركان، شبه مخفيّ بالجثّة الضّخمة لصديق سيزاران الذي كان كرسيّه وحده يحجبني عن تيموتينا: وسُرِرتُ بقلّة الانتباه الذي كانوا يعيرونني إيّاه. فباختفائي وراء كرسي ذلك القندلفْت كان في مقدوري أن أطبع على محيّاي جميع حركات قلبي دونَ أن يلحظني أحدٌ: فامتثلتُ إلى استسلامٍ لذيذ. وتركتُ المحادثة تنْعقد وتسخن بين الأشخاص الثّلاثة. ذلك أنّ تيموتينا ما كانت تتحدّث إلاّ لماماً. كانت تلقي على تلميذها الرّهبانيّ نظرات حبّ، ولمّا كانت لا تجرؤ على النّظر إليه مواجهةً، فهي كانت تسلّط على حذاءيَّ المُلمّعَين جيّداً عينيها السّاطعتين!…
وراءَ القندلفْت السّمين، كنت أنا أمتثل إلى قلبي.
بدأتُ بالميل صوبَ تيموتينا، رافعاً عينيّ إلى السّماء. كانت ملتفتة. فعدّلتُ جلستي وخفضتُ رأسي إلى صدري وتنهّدتُ. لم تتحرّك هيَ. أحكمتُ أزرار ثيابي وحرّكتُ شفتيّ ورسمتُ علامة صليبٍ خفيفة. لم تلحظِ الفتاة شيئاً. آنئذٍ، ولمّا كان الحبّ يحمّسني ويستفزّني، زدتُ من ميلي في اتّجاهها، عاقداً يديّ كما في مناولة القربان، وأطلقتُ آهةً!… آهةً طويلةً ومتألّمةً: “رحماكَ يا ربّ!”. وبَينا أقوم بمَناولتي وأومئ وأُصلّي، سقطتُ من على كرسيّي محدثاً ضجّة خافتة، فالتفتَ القندلفْت هازئاً، أمّا تيموتينا فقالت لأبيها:
– عجباً، إنّه السيّد ليونار يسقط على الأرض!
فتهانفَ والدها هازئاً! رحماكَ يا ربّ!
أقامني القندلفْت المتقاعد وأنا أحمرّ خجلاً، وقد أوهَنني حبّي، وأجلسني الرّجل على كرسيّي المنجّد وأفسح لي في المجال. لكنّني خفضتُ عينيَّ وأحسستُ بالنّعاس! كان ذلك المحفل يزعجني ولا يخمّن الحبّ الذي كان يتعذّب هناك في الظّلام: كنت أريد النّوم! لكنّي سمعتُ المحادثة وهي تنْعقد بخصوصي.
ففتحتُ عينيّ بوهَن شديد…
كان كلّ من سيزاران والقندلفْت يدخّن لفافة تبغٍ نحيفة ويُبدي جميع ضروب اللطف المتكلّف، ممّا كان يجعلهما مضحكين بصورة مفزعة. وكانت السيّدة زوجة القندَلفْت، الجالسة على حافة كرسيّها، بصدرها المخسوف المحنيّ إلى الأمام، ووراءها جميع مويجات فستانها الأصفر الذي كان يلتهمها حتّى العنق ناشراً حولها كشكشه الأوحد، أقول كانت تورِّق وردةً بالتذاذ: كانت ابتسامة منفّرة تفْرج شفتيها بعض الشيء وتكشف في لثّتيها الضّامرتين عن ضرسَين سوداوين صفراوين كمثْلِ خزفِ مدفأةٍ عتيقة. أمّا أنتِ يا تيموتينا، فكم كنتِ جميلة بِياقتكِ البيضاء وعينيك الغاضيتَين وخُصَل شعرك السّبْط!
قال القندلفْت وهو يُطلق سحابة دخانٍ رماديّة:
– إنّه من فتيان المستقبل: حاضرُه يَشي بآتيه …
فقالت زوجته بصوتها الأخنّ، كاشفةً عن ضرسَيها الاثنين:
– أجلْ! إنّ السيّد ليونار سيُشرّف رداءَ الرّاهب!…
فاحمرّ وجهي، كما يليق بصبيّ مهذّب. ورأيتُ إلى الكراسي وهي تبتعد عنّي والقوم يتهامسون بشأني…
كانت تيموتينا ما تزال تحدج حذاءيَّ بنظراتها، والضّرسان الوسخان يُشعرانني بالتّهديد… والقندلفْت يتهانف ساخراً، وأنا ما زلت خافضاً رأسي!…
ففاجأتنا تيموتينا بالقول:
– لقد توفّي لامارتين(25) .
يا لتيموتينا العزيزة! إنّما من أجل عابِدك، شاعرك الفقير ليونار، أطلقتِ في المحادثة اسم لامارتين هذا. فرفعتُ جبيني، وخالطني الشّعور بأنّ فكرة الشِّعر وحدها ستُعيد لعديمي الإيمان هؤلاء عذريّتهم، وأحسستُ بجناحيَّ يخفقان وقلتُ وأنا أتوهّج، مسلطّاً عينيّ على تيموتينا:
– كان في تاجِ مؤلِّفِ “تأمّلات شعريّة”Méditations poétiques دُرَرٌ جميلة!
فقال القندلفْت:
– ماتَ بَجعُ الشّعر!(26)
فأجبتُ والحماسة تغمرني غمراً:
– نعم، ولكنّه كتبَ [بنفسه] مرثيّته.
فهتفتْ زوجته قائلة:
– السيّد ليونار شاعرٌ هو أيضاً! لقد أرتْني أمّه في العام الفائت بعض محاولاتِ ربّة إلهامه…
فازددتُ جرأة:
– سيّدتي، أنا لم آتِ لا بقيثارتي ولا بمعزفي!، ومع ذلك…
– لا عليك! قيثارتك تأتي بها في يوم آخر…
– مع ذلك، فإذا لم ينزعجْ هذا المحفل الماجد – وأخرجتُ في تلك الأثناء ورقة من جيبي-، فسأقرأ عليكم بعض الأبيات… إنّني أهديها للآنسة تيموتينا.
– أجَل، أجَل، يا فتى! حسنٌ هذا، أنشِدْ، أنشدْ، قفْ هناكَ في آخِر الصّالون….
رجعتُ بضعَ خطوات… كانت تيموتينا تتطلّع إلى حذاءيَّ… وزوجة القندلفْت تحاكي العذراء، والسيّدان أحدهما مائلٌ صوبَ الآخر… إحمرّ وجهي، وتنحنحتُ، وقلتُ وأنا أترنّم برقّة:
في عزلته القطنيّة
يرقد النّسيمُ العذب النّفحات:
في عشّه الذي هو من صوفٍ وحرير
يرقد النسيمُ الطَّروب الذّقن!
إنفجر المحفل كلّه ضحكاً: مالَ الرّجلان أحدهما نحوَ الآخر وهما يُطلقان تلميحاتٍ بذيئة. لكنّ ما كان مفزعاً خصوصاً هو مرأى زوجة القندلفْت وهي تتطلّع إلى السّماء في موقف صوفيّ مزعوم وتبتسم من بين ضرسَيها المنفّرين! أمّا تيموتينا، فكانت تكاد تفطس من الضّحك! أصابني ذلك بطعنة قاتلة. كانت تيموتينا تمسك بأضلاعها!… “- نسيمٌ رقيقٌ وسطَ القطن، ما أعذبَ هذا، ما أعذبه!…”، راح يقول أبوها سيزاران وهو يتشمّم… حسبتُ أنّني لاحظتُ أمراً ما… لكنّ عاصفة الضّحك تلك لم تدمْ إلاّ هنيهةً واحدةً: فحاول الجميع استعادة وقاره، الذي كان مع ذلك ينْخرق بين الفينة والفينة.
– واصلْ يا فتي، هذا حسَن، هذا حسَن!
عندما في عزلته القطنيّة
يرفع النّسيمُ جُنحَيه،
عندما يهرع حيثما دَعتْه الزَّهرة،
فإنّ نفَسه يتضوّع عبِقاً!
هذه المرّة، راحت تهزّ مُستمعيَّ موجة من الضّحك العاصف. نظرتْ تيموتينا إلى حذاءيَّ من جديد. وكنتُ أنا أحسّ بالجوّ ساخناً وقدماي تلتهبان بفعل نظرتها هي وتتصبّبان عرَقاً. فأنا كنتُ أقول في سرّي: هذان الجوربان اللذان أرتديهما منذ شهرٍ هما هديّة من حبّها، وهذه النّظرات التي تلقيها على قدميّ إنّما هي تصريح بالحبّ: إنّها تعبدني!
وها أنّ رائحة ما تنبثق من حذاءيَّ: ألا تبّاً، أدركتُ بواعثَ ضحكِ مستمعيَّ المرعب! أدركتُ أنّ تيموتينا، تيموتينا التّائهة في هذا المجتمع الشّرّير، لن تقدر أن تطلق لعشقها العنان أبداً! أدركتُ أنّ عليّ أنا أيضاً أن أزدرد في داخلي هذا الحبّ الأليم الذي تفتّح في قلبي ذات ظهيرة من نوّار، في مطبخ آل لابينيت، أمام التفتّلات الخلفيّة لعذراء الطّاسة!
دقّت الرّابعة في ساعة الصّالون ذات الرقّاص، فأزفَ وقتُ العودة. فأمسكتُ بقبّعتي هائماً، مشتعلاً بالحبّ ومجنوناً من الألم، ولذتُ بأذيال الهرب، وقلبتُ في طريقي كرسيّاً، واجتزتُ الممرّ وأنا أهمس: “إنّني أعبدُ تيموتينا”، وهربتُ إلى مدرستي مدرسة الرّهبان دونَ أن توقّف…
كانت أذيالُ ردائي الأسود تتطاير ورائي، في الرّيح، كمثْلِ طيورٍ مشؤومة!
……………………………..

30 حزيران…
من الآن فصاعداً، سأترك لربّة الإلهام السّماويّة أن تهدهد ألمي. ها أنذا، وقد صرتُ شهيداً للحبّ في سنّ الثّامنة عشرة، وجعلتُ أفكِّر في فجيعتي بشهيدٍ آخر للجنس الذي منه تأتي أفراحنا وسعادتنا، وبعدما خسرتُ هذه التي أُحبّ، ها أنذا أتهيّأ لمحبّة الإيمان! فليعصرْني المسيح والعذراء إزاء صدرَيهما: إنّني لأتبعهما: لستُ جديراً بحلّ شرائط حذاءَي يسوع. لكنْ ماذا عن ألمي! وعذابي! أنا أيضاً، في الثّامنة عشرة وسبعة أشهر، أحمل صليباً وتاجَ شوك! لكنْ لديّ في يدي، بدل القصَبة، قيثارة! هنا سيكون بلسمُ جراحي!
………………………………..
– بعد عامٍ من ذلك، في الأوّل من آب…
اليومَ ألبسوني الرّداء المقدّس. سأخدمُ اللّه. سيكون لي بيتُ قسٍّ وخادمة متواضعة في قرية مزدهرة. لديّ الإيمان. سأصنع خلاصي، وبلا تبذيرٍ سأعيش كخادمٍ للّه شديد الحنوّ على خادمته. ستُدفّئني أمّي، الكنيسة المقدّسة، في حضنها: تباركتْ هيَ، وتباركَ اللّه!
…… أمّا هذا العشق العزيز القاتل، الذي أحتضنُ في قلبي، فسأعرف كيف أتحمّله بإخلاص: بدونِ إحيائه تماماً، سأقدر أن أتذكّره بين الفينة والفينة: هذه الأشياء عذبة حقّاً! – ثمّ إنّني وُلدتُ للمحبّة وللإيمان! – ربّما، ذات يومٍ، وقد عدتُ إلى هذه المدينة، ستكون لي سعادةُ أنْ أتلقّى اعترافات عزيزتي تيموتينا؟… ثمّ إنّني أحتفظ منها بذكرى عذبة: فمنذ عامٍ كاملٍ، لم أنزعِ الجوربين اللذين أهدَتْنيهُما…
هذان الجوربان، يا إلهي!، سأحتفظ بهما على قدميَّ حتّى في قلب فردوسكَ المقدّسة.

الحواشي:
(1) جميع النقاط في هذا النصّ هي من وضع رامبو، إيحاءً بفراغات في دفتر يوميّات البطل ليونار. في الحواشي التّالية نفيد، من حيث الملعلومات التّاريخية، من حواشي جان-لوك ستينمتز Jean-Luc Steinmetz في نشرته للآثار الكاملة(منشورات فلاماريون Flammarion، باريس، 1989).
2يشبّه أنف رئيس الدّير بالفطْر، كما شبّه، في قصيدته “إقعاءات”، أنف الرّاهب ميلوتوس بـ “مدْخة لاحِمة” (المِدْخة حيوان من المجوّفات).
(3)وضعَ بدل الفعل نقاطاً ليوحي، على سبيل السّخرية، بحياء ليونار، “بطل” القصّة وراويتها، ومن الواضح أنّ الفتْية يخرجون هنا للتبوّل.
(4)يتغامزون ويضحكون ساخرين.
(5)النبيّ داود.
(6)الجانسنيوّن هم أتباع الرّاهب الهولنديّ كورنيليوس جانسن (باللاتينية جانسنيوس، 1585-1638)، شاع مذهبه في أوربا وكان هو وأتباعه يُعدّون هراطقة.
(7)فاتحة صلاة لاتينيّة، وتكملتها: “لِنُصلِّ من أجل اليهود الحانثين بالإيمان”.
(8)يقصد أنّ رئيس الدّير راح يُقلّد شاكلة بريدوازون في الكلام، وهذا الأخير من شخصيّات “زواج فيغارو” لبومارشيهBeaumarchais ؛ وهو في المسرحيّة محلّف عدليّ تمتام وشديد التكلّف. ولا يتّضح إلى مَن يلمّح رامبو عبرَ اسم “يوسف”، ولعلّه يقصد عضواً في جمعيّة “إخوة القدّيس يوسف” الرّهبانيّة وكان أفرادها، حسبَ ستينمتز، يُلقّبون بالبُلهاء.
(9)أي الذي يُلفَظ من الأنف كما في بعض أصوات الحروف الفرنسيّة.
(10)أي الحبَل بلا دنس. ويبدو رئيس الدّير وكأنّّه ينوي اتّهام ليونار بالطّعن به والكلام عن حبَل وكفى.
(11)الرَّسامة هي تخرّج تلميذ الإكليروس وبلوغه مرتبة الرّاهب.
(12)يرى جان-فرانسوا لورون Jean-François Laurent (نشرة آرليا Arléa لآثار رامبو الكاملة) في هذا الاسم:سيزاران لابينيت Césarin Labinette، تعريضاً بالإمبراطور نابليون الثالث، الذي طالما سمّاه رامبو باسم سلفه الرّومانيّ قيصر César، الذي نجد اسمه في بداية اسم سيزاران. وفي الاسم “لابينيت”، الذي لفّقه رامبو، نبرة بذاءة مقصودة.
(13)مع أنّه يكتب هذه الرّسالة إلى الفتاة، فهو يواصل في البداية الكلام عليها بصيغة الغائب عندما يشرع بسرد حكاية تعارفه عليها وهيامها بها، وهذه من علامات بلاهته التي يريد رامبو التّأكيد عليها.
(14) القدّيسة والمتصوّفة الإسبانيّة المشهورة ماريّا تيريسّا الأبيليّة، وقد حافظ رامبو على اسمها الإسبانيّ.
(15)عبارة شائعة في الصّلاة.
(16)النجمة البحريّة محارة بشكل نجمة. وتشكّل هي والعناصر الأخرى التي يتسلّى رامبو بمراكمتها رموزاً تشي بالشغف الجنسيّ غير الواعي عند ليونار. وقد وضع رامبو هذا “الابتهال” الموجز كلّه باللاتينيّة ليوحي بانهماك ليونار بلغة التّسابيح الدّينيّة وبإسقاطه الشّديد الدّلالة لمعجم التقوى على مناجياته الغراميّة. وفي أغلب “أبيات” المقطع يزجّ رامبو تعابير من الصّلوات لمريم العذراء.
(17)يروي “الإنجيل كما رواه متّى” (26، 36-46) أنّ المسيح كان مع تلاميذه في ضيعة تُدعى »جَتسمانيّة « ، ينتظر اعتقاله. إبتعد عنهم عنهم قليلأً ليصلّي، ثمّ، عندما رجع إليهم، وجدهم نائمين. فقال لبطرس: “أهكذا لم تقووا على السّهر معي ساعةً واحدة! إسهروا وصلّوا لئلاّ تقعوا في التّجربة”.
(18)في هذا الذّقن المُعار للنّسيم وفي بقيّة المجازات الخرقاء يدسّ رامبو سخرية واضحة من رومنطيقيّي فترته.
(19)نسر أمريكيّ كبير.
(20)تذكّر هذه الخيمة بمظلّة التوراة، حيث كان يوضع تابوت العهد وبقيّة الأشياء المقدّسة قبل بناء الهيكل. وقد استخدم رامبو المفردة نفسها التي تدلّ على المظلّة أو الخيمة المذكورة: « tabernacle ».
(21)تعبير صوفيّ يحْرفه رامبو عن سياقه تهكّماً.
(22)من معرك حرب القرم، وقعت في الخامس من تشرين الثّاني/نوفمبر 1854، وهُزمَتْ فيها روسيا أمام القوّات الإنجليزيّة والفرنسيّة.
(23)وظيفة القنْدلفت هي العناية بالكنيسة وتجهيزها بما تحتاجه من لوازم لأداء الشّعائر الدينيّة.
(24)في رنين هذا الاسم، كما في اسم شهرة الفتاة وأبيها (لابينيت)، شيء من البذاءة المقصودة.
(25)توفّي الشّاعر ألفونص لامارتين في 1869. وكان قد نشرَ في 1836 قصيدة سرديّة عنوانها “جوسلان” Jocelyn تتضمّن اعترافات قسّ في قرية ضحّى بغرام فتوّته على مذبح واجبه الدّينيّ. وأقصوصة رامبو هذه تدور على شاكلتها الخاصّة في عوالم مُشابهة.
(26)كان هذا هو لقب لامارتينLamartine ، ربّما بباعث من أشهر قصائده: البحيرة(Le Lac) .

آرتور رامبو
ترجمة كاظم جهاد
عن موقع الأوان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى