من رواية “عراقي في باريس” صموئيل شمعون

Share on facebook
مشاركة
Share on twitter
تغريدة
Share on whatsapp
واتس

كانت رائحةُُ الجصِّ لا تزالُ تنبَعِثُ من الجُدران، رُغمَ مُضيّ شهرَينِ على ترميمِ البيتِ من آثَارِ الحرِيق. و كانت أُمي تغسِلُ رُوبن القابع في الطشت ، و لما فرَكَت جسَدَهُ بخشُونةٍ أبدى تذمُرهُ ” خجا خجا يمِّي خلابَخْ هاوِنْ ” *۱ فرَدَّت أمي غاضِبة ” ماذا أفعل يا مريم العذراءْ ، رُغمَ المصائِب التي تُلاحِقُنا فإنَّ أولادَ الأخرسِ الأطرش باتوا ينزعجون حتى من النظافة ” . ثمَّ راحت تنظُرُ ، بمزيجٍ من الحُزنِ و اليأس ، إلى الصور المُعلقة أمامها على الحائِط : صورةُ مريمُ العذراء و هي تحمِلُ الطفلُ النبي. صورةُ مار كوركيس ممتطيًا فرسهُ و رمحهُ الطويل مغروس في جسَدِ التنين. صورةٌ مُؤطرة بعنايةٍ لمار شمعون ، هذه الصورة التي لفتت انتباهي منذُ الصغر ، و ذاتَ يومٍ سألتُ شميران التي كانت ترقُص و تغني ” من يكُونُ هذا الرجُل ، يا أختِي ؟ ” فأجابتني دُونَ أن تنقطعَ عن رَقصِها و غِنائِها ” إنهُ الله ” . و مُذاك صرتُ كلما أسمعُ كلمة ” الله ” ترتَسِمُ أمامِي صورة الرجل الذِي يرتدِي ثيابًا سوداء ، و يدَهُ اليُمنى مُتكئةٌ على دكةٍ من المرمر ، و ابتِسامتهُ الكنسية شاردةٌ بينَ ثنايا ذقنهُ السوداء . ثمّ التفتت أمي إليَّ و كُنتُ ألاعِبُ أخِي الجديد ، جون ، و قالت:
” أنتَ ، ضع أخاكَ في فِراشِهِ و املأ الفريموس بالنفطِ و أنفخهُ بقوة “.
” نعم أمي ” أجبتُ و أنا أداعِبُ الطفل الذي ولَّدتهُ سكينة في مساءٍ ممطر منذُ ثلاثة أسابيع ، مساءئِذ هرع قرياقوس و جلبَ قنينتينِ من العَرَقْ ، فيما أعدّت شميران و فاطمة كمياتٌ كبيرةٌ من السمك المقليِّ بالزيت و الكارِي الهندِي . في تلكَ السهرة ، تساءَلَت أمي بما تُسمِّي المولود النائِم في سلةِ القَشّ ، إلى جِوارها. بعدَ صمتٍ طويل نظرت أمي إلى أبي : بلَّلت سبابتها اليُمنى بِلِسانِها ، ثمّ ضغطت بِسبابتها على جبينِ الرضِيع ( ماذا نُسمِّيه ؟ ) ، فأجاب أبي بأن هزَّ كَتِفيه مُبتسِمًا بِشيءٍ من الحياء ( لا أدري ) . جرعَ قرياقُوس كأسًا كبيرةً من العَرَق و قال ، و عينيهِ صارَتا حمراوَينِ تمامًا :
” جُـون ” .
” جُـون ؟ ” تساءَلَت أمي بصَوتٍ واهن .

” أجل ، جون ، باسمِ الرَّجُلِ الذي بكَيته كثيرًا منذُ ثلاثِ سنوات ، و في مثل هذا الوقت بالضبط . هل نسيتِ جون كينيدِي يا أختي كرجية ؟ ” .
” أوه ، كيفَ أنسَى جُون كينيدِي ؟ ” قالت أمي ثمَّ ألقَت نظرة نحوَ الرضيع و أكملَت ” أجل ، جون ، إنهُ حقًا اسمٌ جميل. شكرًا يا أخي قرياقُوس ” .
على أنّ قرياقوس قال لي بعدها بيوم، و كنا جالسَين في غرفةِ السينما ” أرأيتَ كيف ضحكتُ على أُمِّكَ و أسمَيتُ أخاكَ الصغِير باسمِ صدِيقنا جون فورد . فقُلتُ له ” و لكننا نُحِب جون كينيدي أيضًا ” . ” طبعًا ، طبعًا ” قال قرياقوس و أضاف ” و لكن يجب أن لا تنسى جويي ، نحنُ سينمائيُون و جون فُورد أقربُ إلينا من جون كينيدِي “.

وضعتُ جون في فِراشِه ، و رُحتُ أملأُ الفريموس و أنفُخَهُ ، فعادَت أمي تصرُخ ( أصبحت عصبيةً منذُ الحريق ) . ” انزع ثيابَكَ و حضِّر نَفسَك ” . خافيًا أعضائِي بِيَدِي ، شرّعتُ أزيحُ ثيابِي ببُطء و أنا أنظُرُ إلى العذراءِ و النبي الصغير ، اللذين كانا ينظُرانِ إليّ.

” يام، الله يخليك لنُحول الطشت إلى الغرفةِ الأخرى ” .

سحَبَتنِي من يدي نحوَ الطشت مُبتَسِمَة كأنها فَهِمَت مغزى كلامِي . صبَّت الماءَ على رأسِي و راحت تدعك جسَدِي و تقول ” عندما تكبُرُون أتمنى أن تعرِفُوا العيب. و لكن يا حسرَة ، من يَضمَن لِي أنكُم ستكونونَ إلى جانبِي في ذلكَ الوَقتْ . كلكم تُريدونَ السفر. أنت ، قِرياقُوس أدخل في رأسِكَ هوليوود . شمشون يريدُ السفر إلى أستراليا بعد أن ينهي الجندية . تيدي إلى ديترويت كما فعلَت ابنة يوشيا . و حتى روبن الصغير صارَ يتحدث عن الطيران. أما أبوكم فحدثوا و لا حرَج. آخ ، لو أنهُ عرف الطريق ، لكان منذُ زمنٍ بعيد قد ألقى بي في الشارع و التحقَ بالإنكليز ” .

” لكن قرياقوس ، قال لي إنّ أبي رفَضَ الذهاب مع الإنكليز ” قلتُ بِلهجَةٍ مُدافِعَة .

” قُم و قِف على قَدَمَيك ، رائِحةُ الجيفة طالعةٌ من أجسادِكُم و مع ذلك تهرُبُونَ من الاستحمام ” . قالت أمي و أضافَتْ ” قرياقوس مسكِينْ ، يقُولُ ما يريد ، لو أنّ أباكَ فقط شمَّ رغبة الانكليز بأخذه ، لذَهَبَ إلى ” انكلاند ” على قَدَمَيه. لقد ضَحِكوا عليهِ بعُلبَةِ سجائر لا تُساوِي شيئًا . . اللهُ أعلم رُبما يأخذها البقالُ شاكر الهندي مُقابل كيلوين ِ من التفاحْ ” .
” أنا لا أُحِبُّ التفاح ، يامْ “
” إنهُ مِثال ، ابني . التفاحُ و البَصَلُ و فِضَّةُ الإنكليز لها نفسُ القِيمَة ” .
” من زمان ، كانَ هُناكَ دبّ آشوري يعِيشُ في حبل ِقريب من إحدى قُرى نينوى . و في شهر تشرين الأول تصعدُ الفلاحات إلى المُرتفعات المحيطة بالجبل لقطفِ الجَوز . كان الدُبّ يُراقبُهُنَّ كُلَّ يوم ، و بمرُورِ الأيام أعجَبَتهُ فلاحة آشورية اسمها نازيه ، سمراء ، طويلة مثل شعرها الأحمَرْ ، عيناها خضراوان و شفتاها وَردِيَّتان . كانت حقًا جميلة ، و قد ظلَّ الدب ليالٍ طويلة مُفكِّرًا بِجمالِ نازيه . كان يشعُرُ بالفَرَحِ كُلّما رآها تقطِفُ الجَوزْ ، تمشِي بينَ الأشجارِ و تُغنِّي . كانَ يخفِي نفسَهُ و يَستَمِع إلى صوتها العّذبْ :

سوفَ أنتَظِرُكَ يا حبيبي ،
لا تُصَدِّق ما بقُولُون ،
أنا لَك .
إنني أنتَظِرُكْ .

ذاتَ يومٍ لاحظَ الدُب أنَّ نازيه لم تعُد تخرُج مع بقيةِ الفلاحاتِ رُغمَ أنَّ كُرات الجوزِ ما زالت تملأ الأشجار . ظلّ ينتظر و ينتظر حتى سَمِعَ ذاتَ مساءٍ أصواتَ طُبُولٍ و مزامِير ، فخَرَجَ من مغارَتِهِ و ألقى نظرةً نحْوَ الوادِي ، فرأى مئات الفوانيس مُشتعلة في أرجاءِ القريَة ، و الناسُ يرقُصُونَ و يَشرَبُونَ الخَمرَ و هُم فَرِحُون . في البِدء اعتَقَدَ الدب المِسكين أنّ القرويين يحتفِلُونَ بـ ” عِيدِ الصليب ” ، لكنه ، و بعدَ تفكِير تذكَّرَ أنهُ شارَكَ هؤلاْ القرويين و هو في الجَبَل ، احتفالاتهم بعِيدِ الصليب الذي يُوافق يوم ۱٤ أيلول من كل عام حتى أنهُ أفرط في الشُرب و لم يذهب إلى الصيد في اليومِ التالِي ، بل ظلَّ يُردد أغنيَةَ نازيه المُفضَّلة :

سوفَ أنتَظِرُكَ يا حبيبي ،
لا تُصَدِّق ما بقُولُون ،
أنا لَك .
إنني أنتَظِرُكْ .

لقَد حَزنَ الدب أيما حُزن عندما علم أن الناس إنما كانت تحتفل بزواجِ نازيه من أويقم ابن طبيبِ القرية . ارتدى الدب أجمل ثيابه و وضعَ ربطة عُنُقٍ حمراء ، مشّطَ شعرَهُ إلى الوراء تامًا كما يفعَلُ قرياقوس و نزلَ إلى القرية . مشى بينَ الناس ، شرب كأسًا واحدةً من النبيذ الأحمر ، ثُمَّ دخَل خلسةً إلى غرفة نازيه التي كانت تُمشط شعرها الأحمر الطويل ، وضعها في سجادة كبيرةٍ و حمَلها إلى الجَبَل .

عاشت نازيه مع الدب أكثر من سنة ، حتى أنجبَت لهُ طفلةً صغيرةً ، نصفُها العُلوِيُّ يُشبِهُ نازيه ، و النصفُ السُفلي يُشبِهُ الدُبّ . كان الدب كلما خرَجَ إلى الصيد يضَعُ صخرةً كبيرةً على بابِ المغارة ، و لكنهُ بعدَ فترةٍ أصبَحَ أكثر حنانًا ، فقَرَّرَ أن يترُكَ بابَ المغارة مفتوحًا.

ذاتَ غروب عاد من الصيد و هو يغني و يُصفر فرحًا حاملاً على كتِفَيهِ غزالتَين / ما إن اقتَرَبَ من مغارَتِهِ حتى سَمِعَ بُكاءَ طِفلَتِهِ فحدسَ أنَّ نازيه قد فرَّت نَحْوَ القَريَة . حمَلَ الطفلة الباكية و راحَ يبكِي هو أيضًا . ظلَّ الدُبّ ينظُرُ صوبَ الوادِي و يصرُخُ بأعلى صوته :

نازيه ططا واق واق ، نازيه ططا واق واق ، نازيه ططا واق واق *۲

” و ماذا فعلَ الدب بعدَ ذلك ، يام ؟ ” سألَ رُوبن .

” ما زالَ يصرُخُ و يبكِي حتى الآن . خلاص نامـُوا ، الساعة تُقارب مُنتصف الليل ، ناموا بِسُرعة ” .

لكن أمي نامت قبلنا ، و بعد خمس دقائق أخذ شخيرها يتعالى ، يتقطع تارة و يأخذ منحى أوبراليًا تارة أخرى . لقد كانت موسيقا الأمان بالنسبة لنا . حينما كنا نستيقظ من كوابيسنا ، و نسمع شخير أمي الأوبرالِي ، كنا نعرف أن الدنيا بخير ، فنعود إلى نومنا .

كنا ننتظر إلى عيني أمنا المصوبتين نحو السقف ، و نصغِي إلى الأنغام الخارجة من فمها المفتوح . و رويدًا رويدًا ، تتعبُ أهدابنا و تنسَدِل ، تقطعُ عنـّا ضوء الفانوس و أنين أمي ، و نضِيع ، كُلٌّ في متاهاتِ أحلامه .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*۱ خجا خجا يمي ، خلابخ هاون : ” قليلاً قليلاً يا أمي ، فدوى لك. ” .
*۲ نازيه ططا واق واق : نازيه الطفل يُوقوق ( أي يبكِي ) .

Share on facebook
مشاركة
Share on twitter
تغريدة
Share on whatsapp
واتس

شراؤك لأحد إصداراتنا الصوتية، يُمكِّننا من تطوير الإنتاج. يهدف إصدار جسر نحو أدب العالم لتسجيل أكثر من 10 ساعات من مختارات الأدب العالمي، وإصدار التحولات: أنطولوجيا الشعر العربي المعاصر أكثر من 15 ساعة من الإبداع العربي الغني والفريد. يمكنك الحصول على نسختك الآن بسعر رمزي، ولك التحديثات القادمة تلقائيًا، وللأبد، والمزيد من الإصدارات ستظهر تباعًا.