نهاية حتمية _ثلاث قصائد لشيماء المقدادي

( وجبة )

أنْ تَكونَ طَعامَ المَساءِ
على مائِدَةِ النِسْيانِ
بِشَمْعَةٍ باهِتَةِ الأشتِعالِ
وثَوْباً يَكْشِفُ ساقَ عِشْقِكَ لِنَميمَةِ الريح
ذاكَ خَطؤك ..
أنْ تَكونَ أصيصاً نُسِيَ على شُرْفَةِ الوَقتِ
ومَضَتْ عنهُ الحَبيباتُ ،
واحِدَةٌ تَجُرُّ الأُخْرى
ليَتْرُكْنَكَ في جُبِّ الهِجْرانِ
دونَ مَؤونَةٍ
ذاكَ جُرْمُكَ ..
أنْ تكونَ الدُخانَ الذي يَرْسُمُ فوضاهُ
بعدَ إحْراقِ قَلبَهُ
بِشَفَتَيْنِ تَسْحَبانِ نَفَساً من رِئَتَيْهِ
وتُخَلّفانُهُ طَيْفاً
يَتَسَكّعُ في أَزِقّةِ الأُمْنِياتِ الضَيّقَةِ
ذاكَ ذَنْبُكَ ..
أن تكونَ البَحرَ الذي سَرَقَتْ عابِرَةُ قَلبٍ
زُرْقَتَهُ
وأَغْرَتْ أسْماكَهُ ونباتاتِهِ ومَحارَهُ
باللّحاقِ بها
لِيَكونَ هَديرُ مَوْجِكَ أخْرَسَ ،
ذاكَ إثْمُكَ ..
أنتَ مَنْ خَضَعَ راضِياً بِثَقْبِ قَلبِهِ
كَعودِ قَصَبٍ ،
كُلّما شَهَقَتْ رِئَتاهُ ، أنيناً .. تَشَهّدَ .

( هي والليلُ )

وأنا أتَوارى خلفَ عمودِ نورٍ مائلٍ ..
أهربُ من أعيُنِهِما تراقبُ خَوْفي ..
كطفلةٍ أطفأوا ساعَةَ نَوْمِها قناديلَ خيالِها .
أراهما يتَعَرَّيان من جِلدِهِما
يُسقِطانِ عنهما كلماتِ القَصيدَةِ
حرفاً حرفا
يُبَعثِرانِها على حافّةِ الطريقِ المُقْفَلِ ..
ويلوكانِ قطعَةَ لحْمٍ تتبادلُها شفتاهُما
كقطعةِ لُبانٍ قديمةٍ .
أمدُّ إحدى ساقيّ لأهربَ من بينِ
مخالبِ قسوَتِها ..
وأنيابِ بشاعتِهِ ..
فأراني مُعَلَّقةً بين أسنانِهِما ..
يلوكان أحلامي متى شاءا
وكيف شاءا .
أُسنِدُ لعَمودِ النورِ المائلِ وَجَعي
وهو يمنحُ جَسَدَها للعابرين
والسُكارى
والمجانينَ
والعارفين اللهَ زيفا
والمقيمين الليلَ لهواً ..
يعبثون بها تحت سِتارِ العتمَةِ ..
تتحسَّسُها القِطَطُ والكلابُ
وبطونُ المساكين ..
يبحثون في كفّيْها عن بقايا خبزٍ
لا يلعنَهُم فيهِنَّ حَجَرٌ .
هو الليلُ يَرحلُ ويُخَلّفُها عارِيَةً
تَسْتُرُ جَسَدَها تحتَ أقدامِ المارة ..
وتَتَزَينُ لنهارٍ جديدٍ
كما يليقُ بمدينةٍ عريقة .

( نهايةٌ حتمية )

كانوا ثلاثةً
أُخوةٌ هبَطوا من رَحمِ اليُتْمِ
إلى خرابِ النفوس
إلى مخيّماتِ اللجوء .
كبيرُهُمُ يَسرقُ رغيفاً
وأوسَطُهُم يسرقُ دِثاراً
وصغيرُهُم ..
ذاكَ الذي وقَعَ عندَ قَدَمَيْ الأنسانيّةِ
في رِئَةِ الموْتِ
كانَ يسرُقُ ابتسامَةَ الشمسِ
ويلصِقُها بِوَجْهِ البَرْدِ .
باتوا اثنين ..
أحدُهُما يَسْرُقُ رغيفاً
والآخرُ يسرُقُ أمَلاً من الشمسِ
ينْثُرُهُ على شفاهِ الثلوج
قبلَ أنْ يقَعَ بين فكَّيْ ذئبٍ
يصرُخُ .. تكبير .
باتَ وحيداً ..
لمْ يَعُدْ يَسرُقُ رغيفاً أو دثاراً
أو يَقرُبُ لمُمْتلكاتِ الشمس
لكنّهُ باتَ يبتسِمُ للظلام
ويرقُصُ للوِحْدَةِ والجوعِ ..
ويَتَوَحَّش .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى