المدونة

  • وجهك شاطئ – من رواية الضوء الأزرق – حسين البرغوثي

    ليلتها، تسكَّعتُ طويلاً في الغابة، وعاودتني رؤيا النسر: سماء زرقاء أنا تحتها نسر رماديٌّ يحلق عالياً، ويطير مائلاً، بسرعة فائقةٍ، ويرى كلَّ جُغرافيا ذاكرتي، جُغرافيا سأعيدُ صياغتها كلَّها، ورآني النسر هنا، في ممَّرات الغابة، وحدَّقنا في بعضنا قليلاً، وبدا وكأنَّه يتأمَّلني، ثم واصلَ طيرانه، نحو ما لم أكنه بعد: فنَّاناً في إعادة تصميم نفسي.

    كنتُ أيامها أقرأ، للمرة العاشرة ، ربما ، كتاب «رأس المال» لماركس. وذهبتُ إلى بيت «بري» ليلاً، ولاحظ الكتاب معي فقال، وكنَّا قاعدين، في الصالون ، «يا رجل! الحياة ليست تركيباً منطقياً ألمانيَّاً. أقسم بالله سأكتبُ يوماً ما كتاباً عما تفعله الطوائف بالعقول».
    -«هل قرأت ماركس؟»
    -«نعم»
    – «ما رأيك فيه؟»
    – «ليس فيه يا رجل ، فالمعرفة لا شخصية»
    – «حسناً.. فيما كتبه؟»
    – «كتب ألغازاً يا رجل! درستها لأربع سنوات»
    -«هل فككت ألغازه؟»
    – «تعلمت منه شيئاً: ألا أفقد «حسي» العادي بالأشياء وبالعوالم الغريبة التي تسري روحي فيها، هذا نافع، أعني لا تفقد يا حسين حسّك العادي بالدنيا».

    – «وما هذه العوالم الغريبة التي تسري فيها؟ أي ، أين أنتَ الآن؟»
    – «لا جدوى مما لا حدس عندكَ بوجودهِ»
    – «أعني كيف يبدو لك عالمي؟»
    – «لا أعرفُ عنكَ شيئاً. فعمقُ البحر لا يعرف شيئاً عن شواطئهِ. وجهُكَ شاطئ».

    هزَّتني جملة «وجهك شاطئ». تخيَّلتني في مكانه، في «عمق البحر»، وأنظر نحو الشاطئ: وجهي. وصعقتني فكرة أُخرى: كانت تبدأُ مُطاردة البحرِ لي في حُلمي في بيروت، وأنا طفل صغير جالس على حجرٍ في رمال الشاطئ عارياً، وملابسي بيدي، وأُحدِّقُ في البحر مذهولاً وخائفاً. كنتُ أرى البحر بعيني الطفل دائماً ، ولا مرَّة جرَّبتُ فيها أن أرى الطفل بعيون البحر. كنتُ أرى البحر «رائعاً»، وأرى زرقته ، موجه، انفصام شخصيته، رماله، استداراته، وأراه يُطاردني، ولكن، لم أر أبدأ كيف «كان البحر يراني». و«وجهك شاطئ» جعلتني أرى الطفل بعين البحر.

    تخيَّلتني بحراً: في أقاصي ضبابٍ أزرق واسع فيه قوارب ضائعة، وموج يترامى مثل خيول من الزبد، بروعة يترامى، وفي كلِّ الجهات، ولكن الصياغة كلَّها حمقاء: كيف يقنع بحر بهذه العظمة والقوة نفسه بمطاردةِ طفل يحلمُ، أصغر من دمية بنت حمراء على شاطئه، منكمشٍ، عارٍ، وملابسه بيديه الصغيرتين ويخشى الموت غرقاً، كيف تقنع نفسها قوة الكون العظمى بمطاردتهِ؟

    بدأتُ أدخل في شبه غيبوبة، كمن نوَّم نفسه مغناطيسياً. وقلت: «بري.. لسنين، كان البحر يُطاردني، وكان وجهي شاطئاً».

    قال: «اسبر نواياه».

    إنَّني أسبرها: فأنا الآن أُحدِّقُ في نَفسي بعينِ البحر. اختفى جسدي الفيزيائي وصار البحرُ لي جَسداً، وأسري فيه روحاً في مدى. لستُ سمكة في البحر الآن، أنا البحر، «بري»!

    قال: «اسبر نواياه!». وفجأة، بدأتُ أرتفع، الزُرقة تنتفخ وترتفع، رويداً رويداً، وتغضب، ويعلو مَوجي في العمق، ويأتي من بطني، وأغواري، وكأني بطن أنثى حملت بقطيع أفاعٍ، وشرور، وينهار في الموج، لينتفخ البطن أكثر، وترتفع الزُّرقة: قد بدأ الفيضان وبيروت دمية!

    قال: «اسبر نواياه، حسين، اسبر نواياه».
    كلُّ هذا الغضب المكبوح، الفيضان، الرغبة في تدمير الدنيا، الجنون ، أنا وسطي لم يزل أزرق مشمساً، واسعاً، كلُّ هذا السطح، أنا تحت، سطحي من الشرور ما يجعل أمي تتمنى لو لم تكن قد ولدتني، أفتعرف ما معنى المنفى، «بري»، أفتعرف ما معنى المنفى؟ هذا الطفل الهش الصغير، الدمية الحمراء، في بطنه بحر! وفيضانات مكبوحة!
    قال: «اسبر نوايا الطفل، حسين، اسبر نواياه!».

    يغريه البحر أن يلتقي بنفسه، بغضبه الذي سنَّته عليه الآلهة والشياطين والقرون الماضية، كيف يقنع بحر نفسه بمطاردة طفل يا «بري»؟ وإلى أي مدى كان يحتاج الأمان ، إلهي! كم كان يلزم من القوة كي ينهش الناس قلبه ، كي يخلقوا بحراً كاملاً من الغضب في بطن طفل؟ لقد اغتصبوني حتى وصلوا قلبي يا «بري»، أنت من قلت لي عنك: اغتصبوني حتى وصلوا قلبي، وأنا أخوك!.

    كنتُ أبكي وأبكي ، ولم أعد أذكر بعد هذه اللحظة ماذا حدث. كنتُ أخرج من نوبة بكاء لأخرى. قال: «دموعكَ آخر شكلٍ للفيضانات: الآن البحر يرشح منكَ على هيئة دمع».
    ونهض وأخذ يغني ويصفق ويهتف وهو يدورُ حولي: «تعارف طفل الجبل الذي فيك والبحر الذي في ، وصرتما واحداً ، واتسعتَ، فطوبى لمن يتسعون».

    وأدركتُ أنَّ خوفي من أن تَنفصم شخصيتي وتقوم شخصيتي الثانية باقتراف جريمة لا تعرف عنها شخصيتي الأُولى، ليس إلا حدساً بالبحر الذي في بطني، والموج الذي ذابت فيه كالملح كلُّ غرائز التدمير التي خلقها الله أو عبيده فيَّ وأنا طفل، «شخصيتي الأخرى» هي هذا البحر نفسه. كنت أخشى الفصام لأنَّني كنتُ منفصماً أصلاً! كان البحر يطاردني لأنَّه أعمق وأصدق وأوسع شكلٍ عرفه غضبي، ونواياه تدمير العالم كلِّه.

    طفل الجبل على شاطئ البحر شمعة صغيرة مضيئة في الليل يا «بري»: إنَّها حاجة البحر للأمان . والبحر رغبة الشمعة في تحويل الكون إلى حطب وبدء الحريق الأعظم. والنتيجة طفل فيه هوج البحر وبحر فيه قلق الطفل. بدأتُ أَرَى الجنون، ويحلّ لمن يرى عمقاً كهذا أن يعيد صياغة نفسه.
    والغضب أبيض
    ولها وردتها
    تلكَ السيدة
    فلنعطها الكون!.
    كنتُ بئراً، ويحق لها، تلك البئر، أن تصبح الآن سُلّمًا.
    ولنعطها الكون.

    وسألتُ «بري» وأنا لم أزل أفيض كالبحر: «ما هو الجنون؟»
    «ألا تدرك نواياك من حيث إنها نوايا».
    قلت: «لم أفهم. كان يطاردني بحر بيروت في حلمي ، لسنين يا رجل، دعني أفهم هذا».
    – «عقلـي سكّين من الذهب صارت حافية وأنا أحاول أن أجعلك ترى نفسكّ».
    – «ولكنك تتكلم ألغازاً! ماذا أن أدرك نواياي من حيث إنهَّا يعني نوایا؟»
    -«يعني أن غضبك على الدنيا، غرائز التدمير فيكَ، خوفكَ من الموت غرقاً، حاجتك َللأمان، ليست إلا نوايا قلبكَ. ولكن عقلكَ لا يعرف ولا يفهم هذه النوايا ، هذا الذي تسميه «عقلك» لا يفقه شيئاً. قلبك عصر نفسه مثل ثمرة كبيرة ومُرَّة ، كلُّ مرارته في الدنيا عصرها في البحر، وذابت فيه كالملح، صار مذاق البحر مُرَّاً جداً. وهذا هو الفيضان: يحاول قلبكَ أن يأتي إليكَ، ويذيقكَ ثمرته السوداء، يريدكَ أن تشعر به، ويلاحقك ليعطيك البحر، ليقول لك: هذا المذاق المالح وهذه المرارة هي شعوري بالحياة ، وخلاصة عمرك!»

    -«وما الجنون؟»

    -«قلبك يأتي إليك متنكراً في هيئة بحر، فتعتقد أنَّ قلبك هو بحر بيروت. هناك بحران: بحر بيروت وبحر قلبك. الأول حقيقي، والثاني بحر نواياك. وأنت تجهل الفرق بين البحرين، وهذا جهل بنواياك من حيث إنهَّا نوايا، جنون يا رجل!»
    -«وما الضمانة ضد الجنون؟».

    أطرقَ طويلاً، وهو يلفّ لفافة تبغ ويبصق الفتات، وحل أثقل صمتٍ في حياتي، ثم قال: «الضمانة ضد الجنون ألا تنَوي أبداً».


    *نص: حسين البرغوثي
    *من رواية: الضوء الأزرق



  • “أحسُّ أنّي خسرتُ عمري كلَّه”: رسالة فروغ فرخزاد إلى القاص إبراهيم كلستاني – ترجمة: ناطق عزيز وأحمد عبد الحسين

    “أحسُّ أنّي خسرتُ عمري كلَّه”: رسالة فروغ فرخزاد إلى القاص إبراهيم كلستاني – ترجمة: ناطق عزيز وأحمد عبد الحسين

    رسالة الشاعرة الفارسية (فروغ فرخزاد) إلى صديقها القاص (إبراهيم كلستاني):


    أحسُّ أني خسرتُ عُمري كلَّه، كان عليَّ أن أعرف أقلّ بكثيرٍ من خبرة السبعة والعشرين عاماً، لعلّ السبب يَكمُن في أنَّ حياتي لم تكن مُضيئة، فالحبُّ، وزواجي المُضحك في السادسة عشرة زلزلا أركان حياتي. على الدوام لم يَكُن لي مرشد، لم يربّني أحدٌ فكرياً وروحياً. كلُّ ما لدي هو مني، وكلُّ ما لم أحصل عليه كان بمقدوري امتلاكه؛ لولا انحرافي وعدم معرفتي لنفسي. عراقيل الحياة مَنعتني من الوصول.. أريد أن‏ أُبدأ…‏
    سيئاتي لم تكن لسوءٍ في صميمي، لكن بسبب إحساسي اللامتناهي بعمِل الخَير…‏


    أشعرُ تحت جِلدي بانقباضٍ وغَثَيان.. أريدُ تَمزيق كلَّ شيءٍ.. أُريد أن أتقوقعَ في ذَاتي ما أمكنني. أريدُ الانطواء في أعماق الأرض، فهناك حُبّي، هُناك عندما تخضر البذور وتتواشج الجذور يَلتقي التفسّخ والانبعاث، وجود ما قبل الولادة وما بعد الولادة، كأنَّما جَسدي شكلٌ مؤقتٌ سرعان ما سيزول. أريدُ الوصول إلى‏ الأصل، أرغب في تعليق قلبي على الأغصان مثل‏ فاكهةٍ طازجةٍ…‏
    سعيتُ دائماً لأكون بوابة موصدة لئلا يَطّلع أحدٌ على حياتي الباطنيَّة الموحشة، لئلا يعرف أحد حياتي… سعيت إلى أن أكون آدمية.. ولكن كان في داخلي على الدوام كائنٌ حيٌ..‏
    قد ندحرج إحساسنا بأقدامنا.. لكننا لا نستطيع أن نرفضه أبداً.‏
    لا أعرف الوصول.. لكني أعتقد أن هناك هدفاً ولابدّ، هدفٌ ينسابُ من وجودي كلّه إليه، آهٍ.. لو أموت وأُبعث ثانيةً لأرى الدنيا شكلاً آخر.‏
    العالم ليس ظلماً بكليّتهِ، والناس، الناس المتعبون ينسون أنفسهم دائماً فلا يسيج أحدٌ منهم بيته.‏
    الإدمان على عادات الحياة المُضحكة، والإذعان للمحدوديَّة والعوائق، كلّها أعمال مخالفة للطبيعة.‏
    إن حرماناتي، وإن تكنْ قد منحتني الحزن، فهي على العكس من ذلك أيضاً أعطتني هذه الميزة:‏ لقد أنجتني من فخاخ التهتّك المخادع في العلاقات المُحتملة. فالحرمانات تقرّب العلاقة إلى مركز الاضطرابات والتحوُّلات الأصلية.‏
    لا أريد أن أشبع، أريد الوصول إلى فضيلة الشبع.‏

    ****‏

    سيئاتي…؟ أية سيئات لي سوى خجلي وعجز حسناتي عن الإفصاح، سوى أنين حسناتي الأسيرة في هذه الدنيا المليئة بالجدران على مدِّ البصر، جدار تلو جدار، التقشف بالشمس، وقحط الفرص، والخوف والاختناق والاحتقار…‏
    بالأمس، في الغرفة اللصيقة بغرفتي (في الفندق) انتحرت امرأة، قُبيل الصبح انفجر صوت صراخ ظننته عواء كلب، خرجتُ لأستمع، الآخرون خرجوا أيضاً…. وأخيراً كسروا الباب.. كانت المرأة قد أصبحت رمادية، كانت قبيحة قصيرة، فقيرة، ترقد على سريرها فاقدة وعيها.‏
    يبدو أنها قد ضُربت أولاً، وقام ضاربوها بسحبها من الطابق الرابع إلى الطابق الأول. كانت قبل انتحارها ميتة تقريباً، والآن ماتت تماماً. من حقيبتها المفتوحة وسط الغرفة ومن بين ثيابها تبرز أشياء مضحكة، وعجيبة: حمالات صدر لا عدد لها، ألبسة داخلية قذرة، جوارب ممزقة، أوراق ملونة ودمى ملفوفة بالأوراق الملونة، كتب قصصية للأطفال، أقراص مختلفة، صورة المسيح وعين اصطناعية.‏
    لا أعرف، لقد جاء هذا الموت بلا شفقة. تمنيت أن أذهب وراءها إلى المستشفى. لكني أمام كل الناس الذين تعاملوا مع جسدها الرمادي بهذا القدر من الفظاظة، لم أتجرأ على إظهار رأفتي ومواساتي نحوها…‏


    سعيدة أنا، لأنَّ شعري صار أبيض، وجبيني تغضّن، وانعقدت بين حاجبي تجعيدتان كبيرتان رَسَختا على بشرتي. سعادتي أنّي لم أعد حالمة. قريباً سأبلغ الثانية والثلاثين، صحيح أن الـ(32) عاماً هي حياتي التي تركتها خلفي وأتممتها. لكن ما يشفع لي أنني وجدت فيها نفسي.‏
    فمي مُضطرب، وقلبي منقبض. تعبت من كوني متفرّجة. ما إن أعود إلى البيت وأتوحد مع نفسي أحس أني قضيت يومي كله بالتشرد والضياع بين أشياء ليست مني، أشياء زائلة.


    *نص: فروغ فرخزاد
    *ترجمة: ناطق عزيز وأحمد عبد الحسين

  • الصمتُ والموت: صمتُ الهَزيمة – ديفد لوبروتون – ترجمة: فريد الزاهي


    “الموتُ يحُيطنا مسبقاً بصمتٍ لا نهايةَ له. كما لو كُنَّا جزيرةً مُحاطةً بالماء. لكن، فيه بالضبط يُوجد مستحيل القول. لا تهم الكلمات التي لا تفتق ذلك الصَّمت. ما الجدوى من الحديثِ عن “لحظة قبر” حين يكون كلُّ كلامٍ لا شيء .. لأنَّه لا يبلغ ما وراءَ الكلمات؟”

    – جورج باطاي، قبر لويس الرابع عشر




    الموتُ هو الانبثاق الفُجائيِّ لِصمتٍ ساحقٍ وغيرِ محتملٍ. فَفي الوقتِ الذي يتمكنُ فيهِ الموتُ من الإنسانِ يُصيبُهُ بالصمتِ والرغبةِ في تحريكِ الجُثَّةِ لاستعادة الكلام وحركات الحياة، والصرخةُ اليائسةُ للشاهد عَلى الوَفاة، ونَفيهِ القَصير لأن يَكُون المَوت قَد حَل، تَكشف الاضطراب المتولّد عن الغزوِ البارد للصمت، حينها يقَدِّم الموت نفسه بِاِعتباره ذلِك الخرَس الألِيم. تخنقُ الدَهشة مَن يحضر لَحظة العُبور هذه وَتنْذرهُ لِعَجزٍ جِذريّ لِلُّغة. فَالموتُ وَهوَ يُحطمُ العلاقةَ بالعالمِ يَصدرُ عن المقدسِ، وبالأخصِّ اللحظةُ الهاربةُ للعُبور نَحو العالم الآخر؛ أَي ذلك الإِحساس بالمُطلق الذي يَنتزع المَرء مِن الحَياة العادية ويُواجه المَرء بِلُغز شَرطه البَشري وَبِحَدس نِهايتِهِ الشَخصية.


    عند قرب الموت يُصابُ الكلامُ بِالاختناقِ، ويتبددُ في الصمتِ أو ينشرخُ في الصرخةِ. فَفي استحالةِ اللقاءِ بِالآخرِ المطلقِ وإمكانِ لَمسِهِ، يَتفككُ الكلامُ وَيَستدعي بِالأحرى الخرس. الموتُ نهايةُ كلامٍ كان عنفوانُهُ يَتمثلُ في الوجهِ المهتمِّ لِلآخر الذي صار اليَوم غائباً. فَإِزاء التَحطيم النِهائي لِلمعنى، يعْمَل عبُور الحدُود علَى إعْدام اللغَة ويُعِيد الإنْسان إلَى عرْيه وَعَجْزه النهائي عن فهْمِ دلالة وجُوده. تَتَفَكك الشاشة الهشَّة للكَلمات أَمام المُستَحيل على القَولِ، وفي تَأجُّج ألمٍ يخنُقُ الحَلقَ كما لو كانَ ذلكَ للإِفْصاح عن تفاهَة الكلامِ. يبينُ الموْت أَن وراءَ الصمْت الذي يعقد أَحيانًا لسانَ الحياةِ يمتدُّ صَمت آخر، أَشد عُمقاً يشمَلُ مَعنى حضورِ الإنْسان نفسهِ في العالمِ.


    فَفي التخومِ الرمزيةِ التي تمكّنُ من تَملّكِ دلالاتِ الأشياءِ، وَفي عتبةِ خطِّ العتمةِ، يَكونُ الفردُ متروكاً لِحالِهِ، من غيرِ معالمَ منيرةٍ، تَنهشُهُ الحيرةُ أو الخوفُ. وَإزاءَ جثمانِ الميتِ المكفَّنِ في ما لا يُسمى، نَراهُ موزعاً بينَ العالمِ المعقولِ لِلحَياة الجارية وَبَين العالم العِصيّ عَلى القَول الذي صار يَنْتمي إِليهِ الآخر، قَريباً مِن ما يُجاوز الفِكر، بَين عالميْن، إذ يَعيشُ حالُ تعليقٍ حيثُ يَغيبُ القلبُ وَتَنبثقُ العواطفُ. العودةُ لِلطابع العادي لِلوضْعياتِ الاجتماعية بتَرك الغرفة الَّتي تُسَجَّى فيه جُثَّة الآخَر تكُون مثقلة الاختلاء بالذات، وبِغِلاف من الصمت يجعَل الكلِمات عصَيَّة علَى النطق، حتَّى لقَول الأشياء الأوَّلية، كطَلَب تذكِرة حافلة أو قول عنوان لسائق التاكسي أو تحية صدِيق. فالأسَى الَّذي يحِسُّه المرء عند موت شخص يستَدعي لحَظات الصمت نفسها والكلِمات ذاتها، المستعملة سلَفًا، لكِنها تكُون أولى وحارقة لأُولئك الَّذين يسِيرونَ في هذا الدرب المتَّبع حيث يكُون كلُّ شخصٍ وحِيدًا.


    يَسكنُ الصمتُ الموتَ كما لوْ كانَ مصدرَ غذائِهِ، وَهوَ يَبدو كما لو أنَّهُ يَرمي فيهِ بِبعضِ جذورِهِ. في الديناميةِ الجماعيةِ التي تُؤلفُ بينَ المشاركِينَ لِعدةِ أيامٍ من غيرِ أيِّ ترتيباتٍ غير أنْ يَكونُوا هناكَ وَيُفكرُوا في دلالةِ حضورِهمْ المشتركِ، فَإنَّ لحظاتِ الصمتِ الطويلةَ التي تَتولدُ من غرابةِ الموقفِ غالباً ما تَقطعُها الشهقاتُ أو لحظاتُ التأثرِ حينَ يَربطُ أحد المعزِّينَ بينَ هذا الانطواءِ على الذاتِ وَذكرى فِراقِ شخصٍ قريبٍ. وَالصمتُ الرهيبُ الذي يَشلُّ أعضاءَ مجموعةٍ ما يَستدعي صورَ الحدادِ وَيُنعشُ عواطفَ تَكونُ مخزونَةً إلى هذا الحدِّ أو ذاكَ.

    الضّنى يُلزم بالصمتِ، ويؤدي إلى الانسحاب من الأنشطة العاديَّة للحياة، بدءاً من اللغةِ التي يستعملها الفرد بتحفّظٍ أو يَصدّها بقوةٍ. لا يعودُ الألمُ يتداخل مع الكلمات القابلة لقوله. إنَّه يُلزمُ اللغة بالعجز بحيث لا يَتبقَّى للمرءِ غير أن يَصمُت، وهو أمرٌ يكون بالغ التعبير.


    إنَّ لحظةَ الموتِ -حسب نيهر- هيَ الصمتُ الذي يَنهشُ الحياةَ. فَمدةُ الموتِ هيَ الصمتُ الذي يبعد عن الحياةِ بِشكلٍ لا نهائيٍّ. لا أحدَ استطاعَ أنْ يَنتزعَ شيئاً من الموتِ غيرِ الصمتِ. وَلا أحدَ استطاعَ أن يَلحقَ الموتَ، لأنَّهُ يَنغمسُ في صمتِهِ كما لوْ كانَ رمالاً متحركةً. ثمةَ في الموتِ اقتلاعٌ من الحضورِ يُثيرُ ذهولَ من كانَ شاهداً عليْهِ.

    صمتٌ خفيفٌ يُخفي الألمَ وَيَضع بِاستمرارٍ حجاباً معَ الغيرِ، أحياناً خلالَ حياةٍ بِكاملِها. فَالفردُ المفجوعُ يَمنحُ حينَها الانطباعَ بِالرتابةِ وهوَ يُحسُّ نفسَهُ دوماً في محيطِ الأسى، مهموماً دوماً بِغيابِ الآخرِ من غيرِ أن يُسميَهُ أَبداً، وحيداً معَ ألمٍ يَستعصي على القولِ. تُشدّدُ “آني دوبيري” على ضرورةِ إبكاءِ الأطفالِ إذا ما أصيبُوا بِفقدانِ أحدِ أفرادِ عائلتِهم. فَتَملُّك الحدث معَ الألم الذي يَنجمُ عنهُ أو الصراخ الذي يُطلق، يمنح الحريةَ لِلعاطفة، وَيُؤَكّد التمرّد أَمام الأَحداث. إِنَّهُ يَجعل المَرء يَتَفادى تَحنيط الحِداد الذي يُؤَدي إِلى عَيش المَرء فِي ظِلِّ ذاتهِ. وَما كَتبتُهُ “آن دوبيري” بِهذا الصَدد يَنْطبق عَلى كُلِّ شَخصٍ يَعِيش الحِداد عَلى قَريبٍ لَه: “الأسى المقفولُ لا يَجفُّ بِذاتِهِ، إنَّهُ يَكبرُ وَيَتسمَّمُ وَيَتغذَّى من الصمتِ، ومن صمتٍ يُسمّمُ من غيرِ أن يُحسّ بهِ أحدٌ”. لذا فإنَّ فضاءً لِلكَلام مَع المَفجوع بِالموت فِي مُناخِ الثِّقة أَمرٌ يُحَرِّر الأَلمَ بِالاِقتلاعِ مِن الصَّمت.



    *نص: ديفد لوبروتون
    *ترجمة: فريد الزاهي
    *مقتطفات من كتاب: الصمت لغة المعنى والوجود ، فصل الصمت والموت.

  • مرتقى الأنفاس – أمجد ناصر

    مرتقى الأنفاس – أمجد ناصر

    ليست رماحُ الجبابرةِ ولا مُدى الأقزامِ
    بل
    يدُكِ
    بل
    أصابعُ يدِكِ
    لا
    بل
    أنفاسُكِ
    تشقُّ الهواءَ الخالد أثلاماً وتتركُها لبذار الألم
    المنقولةِ بالثَّنية واللِّسان أسمعُها تحت دُخنة
    الخشخاش تستدرجُ أوثان حياتي باسطةً أكفَّها في الوصيد،
    ارتقيتُ مدارِجها رافعاً حيرتي رايةَ من سلَّم أمرَهُ للهبوب

    ليس السيفُ
    ولا حجرُ الماسِ
    بل
    الأنفاسُ
    بل ما هو أوهى
    استرقني من علوِّ يقظتي
    واسترقني أنا المسنودُ ببأسِ سُلالتي والتعاويذِ
    لي الليلُ متروكاً كلُّهُ
    السُّهادُ على رسلهِ
    الهواءُ مطعوناً بالأنين

    وقعتُ كما يقعُ السَّادرُ مَرَحاً في خفَّتهِ
    لا نَسبي يُرجعني اليومَ إلى منزلتي بين الأهلينَ
    ولا ارتدَّت عيناي بدَرَكٍ من هاويةٍ تسحبني
    إليها الأجراس.

    الأنفاسُ
    أرخَتْ
    نقابها
    الهَوى
    القاسي
    اجتَباني
    الأمارة
    لوَّحتْ
    بنذيرها.

    في يقظةِ الأسيرِ لمصائرِ الليل الحارسِ
    سمعتُ وقعَ خطىً
    تردُّدَ أنفاسٍ
    حفيفَ ثيابٍ
    مَسَّني طائفٌ من رياشٍ فلمحتُ طيفَكِ
    يهرقُ نوراً على الطرف المُظلم ويعدُ بسهرٍ
    يبسطُ آلاءه على من تصطفيه التباريحُ من بين لاهين، تخفَّفْتُ من متاع المكين على الأرض وقلتُ
    إنِّي أنا الأخفُّ من العُرجونِ أقتفي دون مِنَّةٍ ما تركه مُرورُكِ حافيةً على الأعشاب،
    لا بخائنة العين، ولكن بكدحِ الفؤادِ أضربُ في مناكِبها مُعرضاً عمَّا يرفعهُ القائفون
    إلى منزلة الأثر

    على رابية الحسرةِ
    تبرَّأتُ من النجمِ الذي لمولدي
    ومن مهارتي بين الأقران.
    وَسَطَ العابرين بأكتافٍ كبيرةٍ
    كنتُ ذا القامةِ المائلةِ

    تحت البروقِ جنحتُ إلى السفوحِ
    تتلقى صامتةً عظات الذُّرى

    وسمعتُ تحت وقر السَّماء
    تفلُّق الشيء في عزِّ هجرانه

    صادفتُ تلالاً تولدُ من سهو
    الرواسي

    وأرواحاً تهيمُ مختومةً بحدود الهاجرة،

    مررتُ بعوسجٍ
    يتفشَّى في الشعاب على غير هدًى
    فقلتُ له يا أخي
    وبما حملتني عليه قواي شاطرتُ تُراباً
    يحتضنُ بذرةَ السُّمِ وبذرةَ الترياق
    جاء جمعٌ، رفعَ الغبارُ بيني وبينهم حجاباً
    فقفلوا عائدين بأسلاب الهباء،
    وآويتُ إلى جبلٍ علّني أقبسُ مما تراءى.


    (ما كذبَ الفؤادُ ما رأى)

    ولا العينُ التي ضَرَبتُ عنها صفحاً
    وتركتُها ترعى صورَ الفانينَ
    ولا اليدُ التي عادت إليَّ بنبأ الرُّكبةِ
    ولا رائحةُ الهالِ التي لازمتني
    وحيثما مررتُ فضحتْ سرَّاً
    أنا
    أجهلُ
    جاهليه
    ولا أنفاسي التي جسَّمتكِ
    وتدرَّجتْ، صُعُداً، من أخمص القدمِ إلى التُّرقُوةِ
    وكادتْ بعدما شارفتْ جنَّتَّكِ أن تهجرني.

    ولا كذبت قطرةٌ من دمِ الأقحوانة
    سالتْ
    فصنعتْ
    شفقاً
    لا
    يريمُ.

    .. ولكن
    ما بالُ هذه الكاسُ
    وتلكَ الدُّخنةُ
    لا تأخذان بيدِ السُّهادِ
    ما بالُني
    لا أغيبُ
    ولا أصحو.
    وكأنَّني ما رأيتُ
    وما لمستُ
    وما تنفستُ ما تَرَكتْهُ أنفاسُكِ
    على يديَّ.

    ليست نجمةُ المجوسِ
    ولا نارُ بني أهلي هذي التي تُضيءُ
    وتختطفُ
    إنَّما
    طيفُكِ
    عابرٌ
    بين قمَّتين
    أو لعلَّها أنفاسُكِ
    تستدرجُ وعوداً لا تموتُ ولا تحيا
    أو ربما حَسرتي
    ترمي شُواظاً في صميم الليل
    وتجسُّ قرارَ الهاوية.

    أخفُّ من أملٍ على جبل القنوط
    الرِّيشةُ التي تحرَّرت من ورطةِ
    الجناح
    أثقلُ مني في كفَّة الرِّيح.
    فيا لنفسي
    أمَّارةٌ بالألم
    ويا لفمي عطشانُ على حافَّة النبع
    ويا ليديَّ
    ادعتا وصلاً
    وعادتا خاويتين.

    مُتوَّجٌ بخفَّتي
    عرشي على الهواء
    مسنودٌ بحُرقة الأنفاس.

    خِفَّتي ما أبقت لي أثراً على الأرض
    ولا رَفَعتْني إليكِ
    آه خفَّتي
    ارفعيني
    أو ذريني بكتفٍ مائلةٍ
    أصدُّ غباراً يهبُّ على خُطى طفولتي
    بين الرُّمان.

    آه خِفَّتي
    وصلَ الغريبُ
    بلا بارحةٍ أو غدٍ
    وصلَ
    الغريبُ
    على
    آخر
    نَفَسٍ.


    نص: أمجد ناصر
    من ديوان: مرتقى الأنفاس

  • جغرافية الغياب، ريناد الرشيدي

    جغرافية الغياب، ريناد الرشيدي


    على شفا ارتجال

    أشعر أنّني فقدتُ أضلعي؛ ذلك السور الذي كان حارس قلبٍ آيلٍ للتداعي، حتى انكسر هو الآخر، ولم يبقَ بين القلب والعالم إلّا هشاشته. وأشعر برئتيَّ كأنَّ في جوفي جذوة مستعرة، تملؤهما بالدخان؛ أتنفسُ احتراقي بدلًا من الصفاء.

    أحترق ولا أحد يشعر؛ لا أحد يرى النار وهي تتَّقد في أعمق مواضعي، ولا يسمع احتكاكها بأضلعي. حتى حرارة جلدي غدت ضحيَّة ذلك الزمهرير؛ نارٌ في الداخل، وبردٌ يشي بي من الخارج.

    كلُّ ما فيَّ يتداعى إلى الداخل؛ القلب، والرئتان، وما تبقَّى منِّي. أبحث عن موضعٍ أستند إليه، فلا ألفي إلّا أضلعي المكسورة، وصدرًا ضاق حتى عن نَفَسه.

    ولم أعد أعرف:

    أأنا التي احترقت،

    أم أنَّني صرت رمادًا يتذكَّر سطوة النار؟

    أشعر أنَّني فقدتُ أحدَ أضلعي؛ وفي البدء، بقيَ الآخر وحيدًا، كناسكٍ في عتمة الجسد، يحرس فراغًا لم يعد له ما يصونه. أؤدِّي مهامي اليوميَّة على شفا ارتجال، إذ يغتالني الوهن من الداخل، ويستنزفني افتقادك كذنب، لا أملك له اسمًا أضعه في فم أحد.

    أفتقدك، ولا المفزع لي كي أبوح بهذا؛ فكيف يُقال إنَّ المرء يفتقد نيزكًا سقط في جوفه، ثمَّ مضى يفتك بما بقي من أعضائه، بانهيارٍ يتداعى فيه الجسد على مهل؟

    أشعر أنَّني فقدت إحدى ذراعيَّ؛ حتى غدا تصافحي مع الآخرين عبثًا ساخرًا، إذ تفتقد يدي ما كانت تعرفه عن يدك. كانت يدانا تلتقيان بما يتجاوز الوصل؛ كأنَّهما تستردَّان في ذلك العناق شيئًا لا تسعه الكفوف ولا تسمِّيه اللغات. ولو خضعتُ للغلو لقلتُ إنَّه تقادسُ الالتقاءِ الإلهيّ؛ لحظةٌ تلتقي فيها السماء وغيومها أخيرًا بالأرض، فتُحيي محاصيلها، لكنَّها لا تبلغ هذا الجلال إلّا بعد إعصارٍ ساحق.

    صارَ ضلعيَ الناسكُ يهوي فيتنحَّب، مَكروبًا بأسى خسارةِ ضلعه المجاور؛ لقد تجاورت أضلعي زمانًا، حتى استبدَّت بها ألفة الترادف. وفي المنتهى، تهاوى الآخر فقيدًا، فعرفتُ أخيرًا فاجعة انتحار الأضلع؛ أن تحمي جسدًا فتلك جباية الوجود، أمّا أن تلبثَ في عتمته مبتورًا ممّا يكملك، فهذا هو الاندثارُ الكامل. أنا وأنت، لم نكن إلّا سليليَ ذاك الانتحار الإلهيِّ؛ ضلعان آثرا الفناء تعانقًا لحظيًَّا في أتون الصاعقة، على أن يحييا بقية الخلود يتبادلان الصدى؛ هاويةٌ، في تضادٍ مع هاوية.


    الهجرُ الذي ينتهِك اللغة

    كيف لي أن أقتلِعكَ من دمي، وأنتَ لم تترك لي صورةً يُمكنني محوُها، بل أودعتَ في لغتي حاسةً منك؟ كيف أستعملُ الكلماتِ التي أستفرغتَها في فمي دون أن أستحضرَ صوتَك في مخارجها، وأستدعيَ طيفك من بين حروفها؟

    كنتَ تنفذُ إلى الأشياءِ من أسمائها؛ فتكسو اللفظةَ معنى لم يكن لها قَبلك، وتتركُ في العبارةِ نبرةً يتعذّرُ عليّ انتزاعُها منك. حتى غدت بعضُ الكلماتِ، بعدَك، عصيّةً على الاستعمال؛ إذ كلما استعملتُها، شعرتُ أنني أستلُّ من لسانك ما يحرمُ عليّ مسّه.

    هل كان عليّ، لكي أتحرّرَ من قبضةِ فمِك، أن أستأنفَ تعلّمَ اللغةِ من مبدئها؟ إنّني في قاعِ أميّةِ صوتي، أستبدلُ المفرداتِ التي استوطنتَها، وأَنحتُ للأشياءِ أسماءً لم تمسّها ذاكرتُك؛ لأنجرفَ في هاويةِ الظنِّ، فأعرفَ أنّ الانعتاقَ منك لا يكونُ إلا باقتلاعِ القاموسِ الذي تسكنُه.

    لقد بات غيابُكَ في هيكلِ اللغةِ نفسِه؛ في المفردةِ التي لا أستطيعُ التلفّظَ بها دون أن تنفتحَ في داخلي جهةٌ كانت تؤدّي إليك، وفي العبارةِ التي فقدت براءتَها منذ أن مررتَ بها، وفي تلك الألفاظِ التي كنتُ أظنّها محايدة، فإذا بها بعدَك مشبعةٌ بك، حتى ليستحيلُ فصلُ معناها عنك.

    ولعلّ أفدحَ ما يخلقه الهجرانُ ألّا يكتفي بهدمِ الدلالة فحسب، بل أن يشوّهَ نظامَ الأشياءِ من حولِه؛ فتستحيلُ اللغةُ التي كانت تسعُ العالمَ إلى أطلالٍ من المعاني، كلُّ لفظةٍ فيها تُفضي إلى غائب، وكلُّ معنىً يستبطنُ ظِلّاً لا سبيلَ إلى استئصالِه.

    حتى باتَ نطقي نزيفًا؛ وما تبقّى منّا إلا لغةٌ يتيمة، يتعذّرُ على الوصلِ تبنّيها.

  • عملي أن أنظر إلى المغيب – صالحة خليفة

    عملي أن أنظر إلى المغيب – صالحة خليفة

    عندما تُشارف الشمس في غرفتي على المغيب، تكسو الجدران البيضاء من حولي بُقعٌ بلون الغُروب. لا أعرف إلا أن أسمّيها هكذا، فليس لهذا اللون من وصفٍ أشدّ حُزناً ودقّةً إلا نفسه. حتى الخزانات، والأرفف والطاولات، وكل قطع الأثاث… لا ينسى العبور من فوقها جميعاً ذلك الشعاع الوهّاج… لأنها كلها بيضاء. وحين أنظرُ لجسدي الأبيض في المرآة، أُذهَل إذ أجدني قد استحلتُ بأكملي إلى لون الغُروب… أُبصرني حمراء، قانية، أكاد أنصهرُ في جلدي، وعيني عينُ امرأةٍ حامية، غضبى متوعّدة، كأنني إحدى أهوال آخر يومٍ في الوجود… 

    حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ

    هكذا أسمع في خيالي الشعري تفسير آية الكهف هذه كل جُمعة، رغم مُحاولات معلمة القرآن المستمرة لتصحيح مسار أفكاري. وفجأة أبدأ بالصراخ، كل الأشياء من حولي تصرخ، مجدداً بألوان الغُروب، ثم أرى السقف يصطبغ بلون الدماء المُتخثرة، كأن حدود غرفتي الصغيرة في أبوظبي باتت، ولا أدري كيف، إطار لوحة إدوارد مونش الشهيرة في عاصمة أخرى من شمال الأرض. وخارج البيت بعيداً عن الأفق، تكون السماء في هذا الوقت مطليةً بأقسى درجات الرمادي… لا صافية ولا مظلمة، تتماهى فيها الأشياء بلا فواصل أو مسميات، فيغرق العالم كاملاً في كآبة غير المحسوم، غير المفهوم، غير المُبرر… حتى أنا لا أعود أعرف أصل الشيء الذي يقبض على صدري لحظتها، فأصرخ. ولا يقول لي أحد في بيتنا شيئاً، لأنهم يعتادون صراخي، ولأنهم، جميعاً مثلي، يصرخون.

    إنها لعنةٌ كُتبت على بيتنا منذ قرون، أن يُرعبنا وقتُ المغيب، فنصرخ. وألا نخرج أبداً أبداً. فحين تهبط الشمس، وتكون الدنيا مائعةً بين النهار والليل، تنسلّ من أوكارها مخلوقات غير بني البشر، يُسمّون أحدها القرين، تعكسُ لكل امرئ الجانب المخفي من نفسه، فيصير وجه السماء مشهداً للّايقين الذي يغلّف المَحيا، وينتشر في الأرض الضباب، ويضيق صدر المرء بغير حول منه ولا قوة. ولهذا نمكث في غرفنا لألا نرى منظر السماء الرهيب وقتها، ولألا نواجه في الرماديّ الأسئلة التي لا نريد مواجهتها. في النهار، يكشفُ الضوء، وفي الليل، تستر العتمة، أما المَغيب… إنه وقتٌ مشؤوم تنعدم فيه الإجابات، وكل أسباب الحياة، وإنني لا ألوم أسلافي الذين سكنوا الصحراء على اختراع تلك الكائنات، فإن لم يُسقِط جدي الأعظم مجهوله الداخلي على جانٍّ غير مرئي يُطابقه في المظهر، لماتَ من حقيقة نفسه. 

    لكني، بعكس آبائي وأجدادي، اخترتُ ذات يوم أن أتجلّد وأكسر هذه اللعنة. قررتُ أن عملي من الآن وصاعداً سيكون النظر إلى السماء عند الغروب. وهكذا توقفت عن الصراخ، وفتحتُ باب غرفتي، وأعلنت أمام الجميع أنني اليوم سأخرج من البيت وقت المغيب! لم يصدقني أحد؛ يستحيل في عُرفنا أن يخرج إنسانٌ بكامل قواه العقلية من البيت وقت المغيب، لاسيما إن كانت امرأة. لكنني خرجت، ولم يُصبني شيء، ولم يؤذني قرين. وعرفتُ أن طفولتي كذبة. ومطوّلاً مشيتُ في شارعنا الرمادي وعَيني موجهةٌ إلى الأمام، دون أن أغيب عن نفسي، ودون أن ألتفتَ أبداً إلى الخلف… فقد يتراءى لي، رغم كل شيء، كائنٌ لا أعرفه، في هيئة شخصٍ أعرفه، غربَ عن نفسه فاستغربَ وغاب.

  • مأتمٌ لا جثمان له – ريناد الرشيدي

    مأتمٌ لا جثمان له – ريناد الرشيدي

    ما أضيقَ الأضلاع حين تجثمُ عليها عاطفةٌ ليسَ في الجسد موضعٌ لدفنها.

    تضيقُ حتى يغدو الصدرُ ضريحًا، ويغدو الجسد مأتمًا لا يُشيَّع منه أحد؛ لتُدرك أنّ نعيَ الفقيد لم يكن إلا نعيَك.

    أستفرغُ ذاتي في الأشياء، ثمّ تغتالني لغة عجز تسميّة خرابٌ يخلّفه فقدُها. أودعُ في مكانٍ واحد جهاتُ العالم كلّها، وأعلّق على وجهٍ واحد مفاتيحَ بيتي بأسره؛ فإذا به يُوصَد أبوابه في وجهي، فأغدو طريدة، لا يبقى لي خارجَه سوى جنازةٍ داجية لما كان مِحرابي.

    تتوسّل عيناي العَمى، كلّما أبصرتا المسافات التي تُضيّقها بينك وبين ذاتك، ثمّ تستطيل بها بيني وبينك؛ كأنّك تستردّ منّي ما أودعتُه فيك، وتستردّ منّي، معه، الطريقَ إليك.

    أكان حريًّا بك أن تترك لي تباريحَ عجزنا عن استبانة الهيئة التي كان يمكن لهذه المسافات أن تتشكّل عليها، لو أنّها لم تنتهِ بنا إلى هذا التباعد؟ كان في وسع تلك المسافات أن تستحيل أرضًا ندفن فيها بذورنا، وننتظر تحت ترابها ثمارًا لم تُمهلها يداك، اللتان أمعنتا في قتلي، أن ترى النور.

    استحالت هذه المسافات ضريحي، وأنت عاجزٌ، حتى، عن تسمية القبر الذي دفنتني فيه.

    أيّ مأتمٍ هذا الذي لا جثمان له؟

    ما عادَ لي إلا أن أرثي ما استودعتُه في غير موضعه؛ قلبًا استفرغ خفقهً في ما لم يصن خفقه، ورجاءاتٍ معلّقةٍ عند عتبة التكوّن، لم تبلغ من الوجود إلا شفا حفرةٍ ثمّ هَوَت، ووجهاتٍ انتظرت اعترافي بها حتى أكلَّ الانتظارُ أعمارها، وبقيت عند تخوم احتمالي، كقبورٍ لشيءٍ لم يُولد، فلم يجد موتُه اسمًا يُكتب على شاهده.

    أُفرِط في إيثار ما تهواه روحي، حتى أُودعه من سريرتي ما لا أستطيع استرداده؛ أمنحه موضعًا فيّ لا يبلغه سواه، ثمّ إذا غاب، لم يكن الغياب واقعًا عليه وحده، بل انفرطت معه الجهات التي كانت تستمدّ أنفاسها من مقامه.

    ما لم يمت فيّ تمامًا، ظلّ يتعفّن في موضعٍ لا تطاله يدُ الدفن؛ لا حياةً تستردّه، ولا موتًا يُريحني منه. أشياءُ عالقةٌ في البرزخ بين أن تُوارى وأن تبقى، أمرّ بها في داخلي كما يمرّ المشيّع بقبرٍ يعرف أنّ تحت ترابه شيئًا من روحه.

    والآن، في داخلي مأتمٌ لا ينقضي، لا أعرف للميّت فيه اسمًا ولا للقبر موضعًا؛ كلّما هممتُ بمواراته، ردّته أضلعي إليّ، فأعود إلى ما ظننته مدفونًا، فإذا بي أنا التي أتداعى تحته، وأنا التي أضيع في التراب الذي حسبتُ أنّني جئتُ لأهيله عليه.

    وما بيننا الآن، مقبرةٌ عَراءُ من الشواهد.

  • ربيعٌ تنهشه دببةٌ سوداء – ماجد الفهمي

    ربيعٌ تنهشه دببةٌ سوداء – ماجد الفهمي

    شجرةٌ خضراء
    تنهش جلدَها الضواري،
    والدببةُ السوداء
    تقفُ للريح
    وتُسلّم جسدَها.

    يفوحُ دمُها بالزعفران،
    وتودّع بيدها عصفورًا يتيمًا،
    وتردّد:

    لن أموت،
    طالما كنتُ صفحةً
    على قصائدك.

    سأولدُ من جديد،
    من عثِّ الحنطة،
    وأكبرُ لأصنع الشمس
    برقصةٍ تُسكر المجرّات.

    هذا دمها الأخضرُ، هنا

    خذي أيتها السناجب
    كسرةَ القمح،
    ونادي في الميتم
    ونعشِ التوابيت:

    أمي لن تموت،
    أمي لن تموت.

    هذا دمُها الأخضر،
    هنا…

    وهذا وجهُ طفولتِها،
    سينخرُ الفصول
    من قلب الأرض،
    ليحضنَ الربيعَ مجددًا.

    ويعودُ الضفدعُ
    لمشاغبة الفراشات،
    وتركضُ الخزامى
    إلى تلال المروج،

    وتعودُ الأنهارُ تتدفّق
    من نحركِ
    إلى الوادي السحيق.

    يا وجهًا يمتطي صهوةَ الفجر
    ليبشّرَ بولادة النور،

    مدّي يدكِ
    ليهبَّ النسيم،

    واقتلعي حجرًا
    سحق زهرةً.

    ما زال برعمٌ صغير
    ينادي باسمك:

    ماريا..
    ماريا…
    ماريا….

  • أين أذهب حين أمتلئ ولا أفيض؟ – ريناد الرشيدي

    أين أذهب حين أمتلئ ولا أفيض؟ – ريناد الرشيدي

    مراثي الضوءِ الأخير

    في انتظار الغروب، أتلفّتُ كل غَبطي من الأعين التي تستطيع مواجهة الشمس دون أن تنطفئ. احتراقي من أجل الشروق بات توديعًا مستمرًا لكلّ ما خُلق منّي وحرثتُه تحت الشمس، لكلّ ما ساهم في ضياع ضيائي.
    الغروب لا يَعِدُني بشيء، يمدّني بالألوان الكافية لأتأمل الظلام على غياهبه، وأمتلئ أمامه بإجلالٍ أعمق للضوء. تحت هدوء الغروب، أرى كل ما ضاع مني بين خيوط النهار: الأهدابُ الخفية التي تُطرّزُ السماء، الدقائق التي تبدو بلا وزن. كل ما كادَ يكون مُعذَّبًا يلتمس أخيرًا السكون؛ لا أنا التي ألاحق سربًا من النور، ولا أنا التي أتعذّب تحت غيابه.
    تبدأ الألوان بالتمدّد، تتلاشى واحدةً تلو الأخرى، تاركةً فراغًا واضحًا، صافيًا، ما عاد جائعًا. كأنّ العالم كله يتنفس في لحظةٍ واحدة قبل أن تبتلعَهُ أحلكُ سماء. خشونةُ الأرض التي تحتَقدها قدمي لم تعد تسحبني: أطأ ليلًا جديدًا، ولا أحتضر.
    امتلأتُ برؤيةِ الغروب، لا أَعِدُ أحداً بشيء، ولا أعذّبهم في ظلامي.


    سيرةُ العراءِ الأول

    إلى أين يمتدّ هذا الاحتيالُ الآدميّ القاحِل حين تضيقُ به الجهاتُ كلُّها؟ أكانَ لزامًا علينا أن نُتمَّ هذا الخرابَ بأيدينا، وأن نخلّف وراءنا ما هو أفدحُ من الجثث، كي نستبين عُقمَ حيلتنا، ونعلمَ أنّه لا شيء يتعقّب دماءَنا سوى هذا الإنسانيّ الملتاثُ فينا؟

    ننحدر ونوجد بعبء هذه الدماء؛ نُخلقُ من أضلاعِ الآخر، ثم نمضي في اقتلاعِ ما خُلقنا منه. نهبطُ من فردوسنا متورّطين في جحيمِ الخطيئةِ الأولى، ونقضي أعمارنا نطاردُ كلَّ ما يتشبّه بالدمِ في أرضٍ لم تكن يومًا سوى منفىً طويلٍ لآثامنا.

    كيف لنا أن نتبارك، وأن تُغمر أرواحُنا المدانة بشيءٍ من النعمة، فيما لا يستطيع أحدٌ أن يهبَ سلامًا لآخر دون أن يسلبه إيّاه في موضعٍ آخر؟ حتّى الطمأنينة لا تولد إلّا مشوبةً بالخيانة، والنجاة لا تحدث إلّا على هيئة خسارةٍ مؤجّلة.

    نحمل معرفةً تسلخنا كلّما أوغلنا في الاحتفاظ بها، نصغي إلى موسيقى لا تُسمَع بقدر ما تنفذ فينا وتُنزِفنا، نستظلّ تحت شجرةٍ نرفع الفأسَ إليها، ونحوّل القمح إلى خبزٍ كي نُورّث فقرَنا لغيرنا، لنطوّق أرواحهم في جوعٍ لا ينقَضي. تتفجّر أوعية اللغة بالكلمات، فقط لكي نحبّ، ثمّ يختنق هذا الحبّ بأميّة اللغة عن احتواء ما استدعته بنفسها.

    لا شيء يسقي هذا القفرَ المستوطنَ في أرواحنا، لا شيء يردّنا إلى منزلةِ ما نفقده قبل أن نبلغَه؛ فالإنسان، منذ خطوته الأولى في الوجود، يُلقى عاريًا في اتّساعٍ لا يؤويه، ويظلّ مذ وُجد يجوب ذلك العراءَ الأوّل دون أن يدرك أنّه ما كان يفرّ منه؛ يزيح بنيةَ الوجود كلّها فقط ليصل إليه، يتركُ خلفه ما يشبهه ويتقدّمه ما يفقده، يخسر قدمًا تنقادُ إلى قبرها، ويدًا تُمعن في لطم نفسها، ثمّ يمضي كمن لا يعلم أنّه كلّما أوغل في التباعد ازداد انطواءً على ذاته، وكلّما توهّم الفكاك ازداد انطباقًا على قيده. فناءُنا مقيمٌ في عروقنا، يستعصي علينا، ولا بابَ خارجنا يؤدّي إلينا.


  • بين أن نكون معًا وأن نندثر معًا  – ريناد الرشيدي

    بين أن نكون معًا وأن نندثر معًا – ريناد الرشيدي

    كيف يعودُ الجسد إلى نفسه بعد أن أعتاد مجاورتك كقدر؟ 

    أتوقُ إلى اليوم الذي ننامُ فيه جنبًا لجنب، جلدًا لجلد، عظمًا لعظم؛ في اكتمالٍ يذيبُ الحدود بين “أنا” و”أنت” دون أن يُفنيها. ذلك الالتحام الكيانيّ والماديّ الذي ينفي المسافة، يجعل المسافة نفسها شكلًا آخر من القرب. إنّ ما يجعلني أفلحُ في جلدي وأرتدي قناع السكون؛ تلك الومضات التي تسلخني فجأة: فوضانا حين تُدمَج في منزلٍ واحد، ونظامٌ لا يظلّ نظامًا، يتدرّج إلى طبقاتٍ من التداخل، يخترق فيه كلٌّ منّا ترتيب الآخر، فيصير إمّا أبسط مما كان، أو أعقد، ولكن على نحوٍ لا يخلو من نشوةٍ تتوارى.

    تنهالُ عليَّ تفاصيلُنا الصغيرةُ وقد تخلَّت عن عزلة عاداتها؛ الأشياءُ نفسها تعلّمت الانصياع لهذا التعايش: أكوابُ القهوة التي لا تستقرُّ في موضع، الكتبُ المفتوحةُ على منتصف فكرة، الملابس التي لا تُطوى كما ينبغي ولا تُترك كما يجب، كلها تنزاح عن منطقها الأول لتستقرَّ في منطقٍ آخر. لا يقوم على النظام بقدر ما يقوم على تواطؤ وجوديّ صامت بين شيئين قرّرا أن يوجدا معًا، فحسب.

    يا مَن يجعلني أقلّ تعريفًا.. في هذا الامتداد الذي لا يعود يُعرَّفُ كبيت؛ لا يَفرضُ أحدُنا على الآخر شكله، بل نتسرّب إلى عادات بعضنا كما يتبادل الجسدُ نَفَسَه مع ما حوله؛ حتى يغدو الاضطراب شكلًا من الانسجام، وكأن الطين يتشكّل بين كفّين مألوفتين لا تُخضعانه لهيئةٍ مسبقة، يعيدان خلقه معًا على نحوٍ لا يُملى، فتتخلّى الفوضى عن غرابتها، وتستحيل هيئةً مشتركة للأشياء حين تتنازل عن حدودها. كلّ ما كان منفصلًا يكتشف أنه لم يكن سوى احتمالٍ مؤجّل لهذا التداخل.

    هناك، لا يعود ثَمَّ “أنا” و”أنت” كما اعتادت اللغة؛ لا يعود سوى فضاءٍ واحد يتّسع لنبضين، يتعلّمان كيف يجاورُ أحدهما الآخر دون أن يبتلعه، وكيف يختلفان دون أن يتشظّيا.

    عزيزي، في هذا القرب لا يعودُ الجسد موضع سكينة، وينقلب إلى نزعةٍ لا تهدأ نحو محو المسافة ذاتها. أعلمُ أنّني لا أطلبك حضورًا يُحتمل، أطلبك حقيقةً تبتلعني حتى آخر حدّ يتشبّه بالرمق، كلانا لا يتجه إلى الآخر بقدر ما يتجه إلى إسقاط الفاصل بينه وبينه، وتفكّيك التعريف، وإرباك فكرة الاستقلال حين تُختبر داخل تماسٍّ يزعزع وهم الثبات. أريدُ أنهيارًا يتقدّم بهدوء ليفقد أسمه أمام الهاوية، كالامتصاص؛ ينزلقُ أحدنا في الآخر كأنمّا الانقياد كان سابقًا للفعل. الحدود تُعاد كتابتها من الداخل ولا تُصان، حتى تنحلّ من داخلها. إنّني لا أطلب قربٌ جسديّ يُقاس، أبحث عن هيئةٍ يتعطل فيها معنى الفصل، لا أكتفي بمجاورتك، أخرج من المجاورة نفسها؛ حتى يغدو التمايز بيننا وهمٌ يتلاشى منذ لحظة تشكّله، مُلغيًا لحظة اكتماله.


    ما يفتكُ بي ليس احتجابك، إنّها الكيفيّة التي تحتجب بها؛ تقهقرٌ وئيد إلى الباطن، ترجِمُني بانغلاقٌ مُحكم لا يتركُ لي ثغرة أعبر منها إليك.

    أنا التي تُريدُك كلَّك / وأنتَ الذي يهربُ من نفسه

    أضناني هذا الودّ الذي يردّني إلى عتباتك كلّما انكفأتَ إلى متاهتك، أنازعُ عنك هاويةً ألفتَ التردّي فيها حتى استأنستَ قعرها. ماذا عليّ أن أصنع بكلّ هذا التدفّق الذي يفيضُ منك وإليك، إذا كنتَ عند أوّل وطأةٍ للوجود تُحكم إيصادك عليّ قبل أن تُحكمه على العالم؟

    كنتُ أحسبُ المحبّة هيئةً من التواطؤ الوجوديّ ضدّ الفناء، وأنّ الأثقال حين تتقاسمها روحان تفقد بعض سطوتها. غير أنّك، كلّما تصدّعتَ، آثرتَ التوحّد بانكسارك؛ هشاشتك عصيّةٌ على المشاهدة، وكأنّني طارئةٌ على خرابك، رغم أنّني أقمتُ فيه حتى ألفتُ تضاريسه أكثر ممّا ألفتُ نفسي.

    ما يفتكُ بي ليس احتجابك، إنّها الكيفيّة التي تحتجب بها؛ تقهقرٌ وئيد إلى الباطن، ترجِمُني بانغلاقٌ مُحكم لا يتركُ لي ثغرة أعبر منها إليك. ألا تراني؟ أقف عند تخومك، ألوذ بك كجمرةٍ أخشى انطفاءها أكثر ممّا أخشى احتراق يدي، فيما تتركني منفردةً بإشفاقي عليك، فيصبح انهيارك امتيازًا لا يُتاح لي أن أشاركه. تُقصيني حين أمدّ يدي إليك، وتدفعني خارجك كلّما تراءى لي أنّي بلغتُ أقرب طبقاتك. ما بالَ قربك صارَ لا يحتمل حضوري إلا بوصفٍ مؤقّت؟ أراكَ تنزعني منك حين يتهيأ قلبي أنّه صار منك؛ فأعودُ إليك غريبةً عنك، كأنني لم ألمس يومًا هذا الاقتراب.لم أبتغي منك اكتمالًا معصومًا من التصدّع، ولا تماسكًا يتعالى على هشاشة البشر. أنا لم أبتغي منك صلابةً خارقة بخلاصٍ مُكتمل؛ جلّ ما أردتُه ألّا تنفيني كلّما فاضت بك عتماتك الداخليّة. أردتُ أن أكون المرفأ الذي تنحدر إليه عند تهشّمك، لم تَكن غايتي الساميّة أن أمضي كالأثر الذي يسقط من ذاكرتك ساعة تَشتبك بداخلك الحروب.

    ورغم ذلك، ورغمك؛ أعود إليك في كلّ مرة، يدفعني دورانٌ مرهق حول عزلتك. وأُدرك بوجع أنّني أحبك على نحوٍ يجعلني أرى تشقّقاتك أسبق من قسوتك، ويمدّ يدي إليك حتى في اللحظة التي تنأى فيها داخل نفسك أبعد مما تنأى عنّي.


  • مخالبٌ على جُمَّار نخل – ماجد الفهمي

    مخالبٌ على جُمَّار نخل – ماجد الفهمي

    إلى روح الشجرة: م.غ

    عليك أن تصعد للنجوم
    جسدٌ فوق جسد
    وتُقلم أظافر العتمة

    رجفة البِركة
    ارتعاب سمكة
    وسنّارةً تسحب
    زنبقةً القمر

    استنجدت شجرة
    بثعبان
    ليعلم عصفورًا
    معنى العقوق

    وذئبٌ يغرز مخلبيه
    على جُمّار نخلٍ
    صاح لأمٍ
    لم تسمعه

    أي بومةٍ تردد شعوذة ً
    عند امتداد الليل
    احرقوا حقل الياسمين

    أي نهرٍ جف رحيقهُ
    اصلبوا ملكة النحلِ
    على عش الدبابير

    ينفثُ الظلامُ
    من رئتَيَّ حراشف
    حجرٍ
    تسكب عطرًا أسود

    والجرادُ
    يقرعُ كنائسَ الندى
    لجنازةِ ورقةٍ
    تحملُها الريحُ

    اعتراف الغربان
    كان ثدي البحر
    بطعمِ الحنين

    وظل وجهكِ
    وحلاً
    تعبره الذاكرة
    نحو ضفة الجلد

    لِمَ تَشتهيكِ
    براثنُ العِهنِ
    أيتها المروجُ الصفراءُ؟
    كانتْ طفولةُ
    الخريفِ عذراءَ

    يدُ التُراب
    تُمسك فأسًا
    يُمشِّط جِيد
    الاشجار

    بينما المنجل
    يخيط خاصرة
    الأرض

    وعناكبٌ الهجعةِ
    تنسج خيوطًا
    على السماء
    لتصطاد حلمًا

    جيشُ الظِباء
    يستعد لمعركة الخنافس
    برُمحِ السنديان
    وبنادق العرعر

    نبؤة الضباب
    توحي للدخان
    أن يُهدهد المسيح
    فوق غِلالة شرنقة

    أين كنتِ
    أيتها الدودة
    عندما كانت
    الروئ لحمًا

    على سريرِ الغِشاوة
    يرقدُ النور
    مصابًا بالعمى

    قلعة دومين
    يلبسُ السَّرخس جسدها
    وحشًا يزأرُ بالغياب
    سقنقور مُرقّط
    يُحاكمة النمل

    ضِفاف الأورينوكو
    تجلس وتبكي
    لأجل فراشةٍ
    اغوتها الدعسوقة

    يا إيزيس
    أعيدي لنا أشلاء العُشب
    ودم الربيع.

  • هايكو الحرب: ” الناس يهربون إلى الملاجئ .. الطيور إلى السماء” – (مختارات)

    هايكو الحرب: ” الناس يهربون إلى الملاجئ .. الطيور إلى السماء” – (مختارات)

    مختارات عالمية:

    صفارة إنذار
    الناس يهربون إلى الملاجئ
    الطيور إلى السماءْ
    ـج. كات

    باحثًا عن
    قصائد مناهضة للحرب
    أعثرُ على طفلين يلعبان
    ـ ناعومي، كندا

    إنهم يسيرونَ إلى الحرب
    بأعينِ الموتى…
    لا يَرَوْن، لا يَرَوْن
    -رون روس، تسمانيا

    يدٌ بتراء
    تحاولُ عبثًا
    أن تمسحَ الدموع
    – سيلفا ميزيريت، سلوفينيا

    طفلٌ لاجئ
    يُعَلِّمُ الطيرانَ لطيرٍ صغير
    سَقَطَ من عُشِّه
    – ندى سابادي، كرواتيا

    في أكياسٍ سوداءَ
    هواتفُ نقَّالةٌ
    تَرِنُّ بِلا انقطاعْ
    – ماركوس سولزبرغ ، سويسرا

    حزنُ طيرٍ ،
    لديهِ جناحانِ،
    لكنْ: ما مِن سماءٍ ليطيرَ.
    – سودخو ألتانشولون، منغوليا

    مختارات عربية

    ـ صباح القصير – المغرب

    بحر دموي-
    بلسان الموت
    تكمل الصواريخ أحاديثها

    السماء بعد القصف-
    حمراء حمراء
    حقول الأقحوان

    رغم القصف-
    صواريخ العدو
    لا تفزع أسراب الحمام

    ردهة الإنعاش-
    أحلام من دم
    مرصوفة جثامين الزهور

    صواريخ-
    نحو السماء أولا
    عيون الأطفال

    أعلى التلة-
    يشارك الغمام
    تكفين الموتى

    صوب العدو-
    يغادر الجثامين
    صوت الموت

    تهجير قسري-
    لن تفرغ أعشاشها
    أسراب السنونو

  • أغنية الحصان الخائف – نور الدين كويحيا

    أغنية الحصان الخائف – نور الدين كويحيا

    وأريدُ الركض

    لكن هذه القوائم الوحيدة

    لا تستطيع اللحاق بحشد الراكضين.

    وأريد تلك النَّفحة من الهواءِ الحرِّ

    لكنهما رئتاي حجران صقلهما الهواءُ الجارح،

    وأخاف

    آهٍ..

    كم أخاف

    من تلك الأشياء التي تخبّئ في جوفها عواءً

    واضحة في البدء حدَّ الابتهاج

    لكنها حين تستقر في قاعك – تنفجرُ!

    أريد حقلاً واسعاً وقطعاناً من الصهيل،

    لكن هذه الحقول امتدادُ السّكاكينِ

    يحرسها ذئبٌ ويدفن فيها القتيل 

    قتلاهُ.

    أريد أنا الحصانُ الذي جرح صهيله 

    أنا المنحورُ ركضه على عتبةٍ

    أن أصير حرًّا 

    لكنه القدر هو المُلام

    إذ جاء بي في ساعة فجرٍ

    أودعني اسطبلاً

    وها أنا أحمل التعب إلى تعبٍ

    أحملني،

    ثقيلٌ أنا.. 

    بأقدامٍ بُتر فيهما العدو.

    يا حشدَ الرَّاكضين،

    قطفوا قدمايا بمنجلٍ وقالوا: نصطادُ رحيلك في مكوثك.

    قطعوا هذا اللِّسان وقالوا: لك صوتٌ أعسرٌ يكسر إيماننا.

    أردت الهروب، قالوا: يذبحك حقل السّكاكين

    يصطادك غرابٌ مخلص لعشّه في أعيننا.

    إلى أين؟

    هذا التبن إبرٌ،

    هذه العتمة شعرُ امرأة أسدل على الفراغ

    حين قُتلت.

    إلى أين؟

    الباب أمنيةُ البيت القديمة

    كي لا يغادر داخله،

    النوافذ صوت البيت

    حين يرغب في الخلاص من شجنه.

    وأنا، أنا حصانٌ..

    في إسطبل

    ينتظرُ موته.


    *نورالدين كويحيا شاعر من المغرب

  • حزنٌ آليّ: روبوت رثائيّ (مختارات) – إميل سيوران – ترجمة: آدم فتحي

    حزنٌ آليّ: روبوت رثائيّ (مختارات) – إميل سيوران – ترجمة: آدم فتحي

    أن تكون موضوعيًّا يعني أن تُعامِلَ الآخر كما يُعامَلُ الشيء، كما تُعامَلُ الجثّة، أن تتصرّف تجاهه وكأنّكَ دافِنُ مَوْتَى.

    *

    الوعيُ أكثرُ بكثير من شوكة، إنّه الخنجر في اللحم.

    *

    إحساسنا باللا عزاء مهما كان نوعه، إحساسٌ عابر، لكنّ القاع الذي ينبثق منه باقٍ دائمًا ولا تأثير لشيء عليه. إنّه مُحصّن وغير قابل للتغيير. إنّه محتومُنا.

    *

    هل تملك الحقّ في الغضب على شخص ينعتك بـ «الوحش»؟ الوحش وحيدٌ أصلاً. والوحدة حتى في سوء السمعة لا تخلو من بعض الحسنات، إنّها انتخاب من نوع خاص، لكنّها انتخاب لا جدال فيه.

    *

    عدوّان، أي الإنسانُ نفسُه مقسوماً.

    *

    ليس من تأمّل حقيقيّ دون ميل إلى الاجترار.

    *

    تسديدُ ضرباتٍ لا واحدة منها تُصيب المرمى، الهجومُ على الجميع دون أن يشعر بذلك أحد، إطلاقُ سهام لا يتلقّى سُمَّها سوانا.

    *

    ترياقُ الضجر هو الخوف. يجب أن يكون الدواء أقوى من الداء.

    *

    ليتني أستطيع الارتقاء إلى مستوى ذلك الذي تمنيتُ أن أكون! إلّا أنّ قوّة مجهولة ومتنامية مع السنوات تسحبني إلى الأسفل. حتى للصعود إلى مستواي، عليّ أن أستخدم من الخِدَع ما لا أستطيع التفكير فيه دون أن يندى له جبيني.

    *

    لعلي عشتُ حياتي كلّها دون أن يفارقني الإحساس بأنني أُبعِدتُ عن مكاني الحقيقيّ. لو لم يكن لعبارة «المنفى الميتافيزيقي» أي معنى، لكان وجودي وحده كافيًا كي يمنحها معنى.

    *

    حزنٌ آليّ: روبوت رثائيّ

    *

    التفكير في الذين يوشكون على الموت، الذين يعرفون أنّ الزمن أُلغي بالنسبة إليهم، باستثناء الزمن الذي تجري فيه فكرة نهايتهم. التوجه إلى هذا الزمن. الكتابة للمُصارعين.

    *

    الطريقة الوحيدة التي تتيح للمرء حماية عزلته تتمثل في أن يجرح الجميع، بادئاً بالذين يحبّهم.

    *من كتاب: مثالب الولادة .

  •  “مَنْ يُضاهيكِ وأنتِ في الأوجِ والأقاصي”  – قاسم حداد

     “مَنْ يُضاهيكِ وأنتِ في الأوجِ والأقاصي” – قاسم حداد

    1

    مَنَحْتُكِ ما خَصَّني به اللهُ من حريقٍ ومن بهجةٍ
    منحتُكِ الحلمَ وقَرينَه
    فَمِنْ أينَ أتيتِ تجدينَ أبناءَكِ في التَرْكِ
    تجدينَهم بأطرافٍ حاسرةٍ
    وأحداقٍ ذاهلةْ
    مَفْؤودِينَ
    ولَهُمْ في كل جنازةٍ نحيبٌ
    وفي كل مرثيةٍ شهقةُ الثواكلِ

    منحتكِ كلَّ هذا اليأس
    لأنَّ اللهَ خَصَّنِي بهِ
    وخَصَّ به الشخصَ المفقودَ في مكانه.

    2

    سيدةُ الجنةِ الوشيكةِ
    تُشعلينَ الجحيمَ في أعضائي
    فلا ينطفئُ الحبُ
    ولا يهدأ غبارُ الطلعِ في أسمائي
    لكلمتكِ الوحيدة مكانةُ الُحلمِ في النومْ

    مكانُكِ في المقامِ الأعلى
    مكانُكِ في الشاهقِ من الروحِ
    مكانكِ في التاجِ و التجربةِ

    وللشعوبِِ في يقظةِ القلبِ شغفٌ بكِ
    مَنْ يُضاهِيكِ و أنتِ هنا
    مَنْ يُضاهِيكِ وأنتِ هناكْ
    في الأوجِ ،
    في الأوجِ والأقاصي.

    3

    بالغتُ لكِ في الحبِّ
    وضَعْتُ لكَ البهارَ والبَخُورِ والبلورْ
    رأيتُ نيرانَكِ
    في الباقي من العينين والدمع.
    صَليتُ لئلا تنالَكِ الآلهةُ
    تَضَرَّعْتُ الطيرَ والريحَ
    وأيقظتُ الولعَ في الطبيعةِ
    لكي يأخذَ منكِ الغضبُ
    يأخذَ منك الظنُّ
    وتأخذَ الذرائعْ.

    4

    طارَ بي قلبٌ إليكِ
    مجنونَ التآويلِ،
    مغدوراً، مباغَتاً
    وليستْ له آيةٌ في الكتابِ
    ولا يذكرُهُ الأنبياءُ بالحكمةِ

    طارَ بي،
    وله ريشٌ أخفُّ من الريحِ
    وأكثرُ كثافةًَ من المعرفةْ .

    5

    طارتْ بي نارُكِ المجنونةُ
    طارَت جنةٌ
    وبشّرتْ بكِ الأرضَ
    لتشبَّ شعوبٌ
    توشكُ أن تستيقظَ
    ويوشكُ أنْ ينهضَ بها الكونُ
    فتكبو .

    6

    أطفالُ شعبِكِ يزخرفونَ مدنَ الناسِ بأسمالِهم
    وبأسمائِهم يَقِيسُونَ الدَّمعَ
    بأجرامٍ باردةٍ،
    ويَطالُونَ المُعجِزَ بالأحداقِ المذعورةِ.

    7

    لجسدكِ في الجسدِ حركةُ الماءِ وبهجةُ الفِضة
    لجسدي في الجسدِ اختلاجُ التَهدُجِ وشغفُ العِفة

    يتبادلان شكلَ الخمرِ و القدحِ
    ينتخبانِ الحربَ و الترنحْ.

    8

    الحبُ، جسدي مطحوناً بحوضكِ الصَقيلِ
    الحبُ، جَسدُكِ معجوناً بعاصفة الطلعِ
    في بَرْقِ الروحِ والأقاصي
    حيثُ الصُعودِِ،
    الصعودُ و التلاشي.

    الحبُ مسافةُ النارِ
    بينَ الدقِيقِ و الخُبزْ
    حيثُ الخَلقُ هو الجسدُ وبَعْدُه.

    9

    سألتُ عنكِ الأوْجَ
    سألتُ مُلُوكاً يَحرِسُونَ لَكِ الحُدودَ
    يُؤدُونَ الطاعةَ لِريشَةِ تاجِكِ في الغَيمْ
    وَضَعتُ لكِ النجمةَ في التجاعيدِ
    وَسَمَّيتَكِ المأدبَةَ و قَطِيفَةَ العُرْسِ
    سَمَّيْتُ لكَ السَفينَةَ و المَوجِ
    وأخبرتُ الريحَ بأسمائِكِ .

    10

    تعالي
    أدْعَكُ لَكِ حَبة العشقِ الزرقاءِ
    المتأرجحةِ في شرفةٍ بين السماء و القلب

    تعالي
    أدْعَكُ لك القندَ المكنون.

    11

    شكراً لعينينِ تفتتحانِ السماءَ
    راقَتْ لتأويلِها زِرْقَةٌ مُشتَهاةٌ
    شكراً لأنِّ السماءَ ستحنو على آخرِ الأنبياءِ
    نبيٌّ وعيناهُ مأخوذتانِ بعينين زرقاوين
    وقلبينِ يبتكرانِ الغناءْ.

    12

    هاتي الوردةَ هاتيها
    ينتخبُها آلهةٌ يَلْهِونَ
    يصوغونَكِ في صورةِ اللهِ
    و يبعثونكِ في هيئةِ النبيَّ
    هاتي

    13

    صدفةٌ أنْ تستعيري
    نجمةَ النسرينِ من قلبي
    لتنساني يداكِ على سريرِ الماءِ.

    صدفةً بالغتُ في النسيانِ
    كي أعطيكِ تذكاراً
    من المستقبلِ المأخوذِ
    كي أبكي
    قبيلَ تبادلِ الأسماءْ.

    14

    بيني وبينكِ جنةُ الفردوسِ
    فانهالي قليلاً قبل أن نبكي
    نؤثثُ ليلنا الثاني بما يبقى من النسيانِ
    نفتحُ للجحيمِ فراشةً مشبوقةً
    ونؤجِجُ الرؤيا لكي نهتاجَ
    في الباقي من الخمرِ القديمِ
    من المرايا وهي تبتكرُ الكلامَ
    لتنتخبْ أقداحَنا
    وتهزُّنا في هودجِ الفرسانِ

    يا بَينِي وبينكِ وردةُ الدنيا
    وقلبُ العاشقين
    وشهوةُ النصِّ الجميلِ
    الفتانِ لكي نقولَ عذابَنا
    فارتاحي قليلاً
    قبلَ أنْ نبكي على أخطائِنا
    هاتي تآويلَ الزراعةِ و الصناعةِ
    واسعفيني ،
    جنةُ الفردوسِ أتيةٌ مَعِكْ

    هاتي خُذيني
    قبلَ أنْ ينتابنَي ندمُ المغامرِ بعدَ أنْ ينجو
    مِنَ الحبِّ الوشيكِ
    وينتهي في النومْ
    هاتي،
    كلما أرخيتُ أسمائي على مدنِ هََوَتْ
    وتوَهَمتْ مستقبلَ المفقودِ

    لو بيني وبينكِ جنةٌ أخرى
    تقمصْتُ انتظاراً واحتميتُ بما تبقْى
    وانتهتْ بي جنةُ الفردوسِ
    في مستقبلٍ يمضي بلا عنوانْ

    هاتي،
    ربما بيني وبينك مستحيلٌ
    والفراشة وحدَها في ملتقى النهرينِ
    والقَندُ الزجاجيُّ المذابُ
    وشهوةُ الأقداحِ تنتخبُ العذابَ

    هاتي ،
    هنا أقداحُنا معبوبةٌ حتى الثمالة.

  • “الموتُ حصاةٌ صغيرةٌ من الجبل الذي وُلدنا فيه” (مختارات)  – لوسيل كليفتن – ترجمة محمد السعيد

    “الموتُ حصاةٌ صغيرةٌ من الجبل الذي وُلدنا فيه” (مختارات) – لوسيل كليفتن – ترجمة محمد السعيد

    حرب البافلو

    قَضَتْ الحربُ
    كلٌّ عادَ ديارهُ
    لا أحدَ مَيِّت
    الكلُّ يموت

    تهويدةُ الطفل الفقيد

    الوقتُ الذي أسقطتُ ما يكادُ أن يكونَ جسدَكَ
    أسقطتُهُ ليجتمع بالمياهِ تحت المدينةِ
    ويتراكضَ مع المجاري شطرَ البحر
    ماذا كنتُ أعرفُ عن المياه الجاريةِ
    ماذا كنتُ أعرفُ عن الغَمْرِ
    أو الغرق
    لكنتَ ستولد شتاءً
    في عامٍ قُطِعَ فيه الغاز
    وبلا سيارة كنا سنمشي مِشيةً قَفراء
    فوقَ تلِّ جينسي إلى قلبِ رياح كندا
    لأراكَ تنزلقُ كثلجةٍ في أيدٍ غريبةٍ
    لكنتَ ستهوي عارياً كثلجٍ في شتاء
    إن كنتُ هنا لأمكنني أن أخبركَ بهذا
    وأشياء أخرى
    إن كنتُ أبداً أقلَّ من جبلٍ
    لأخواتكَ وإخوتكَ الأكيدين
    فلتسِلِ الأنهارُ على رأسي
    فليراني البحرُ فالِقَةً
    بِحارٍ فليدعُني الرجال السود غريبةً
    دائماً في سبيلكَ يا مَنْ لم يُسَمَّى أبداً

    إحياءُ لعازر

    الموتى سينهضون من جديد
    من يقولُ
    أنَّ الرمادَ رمادٌ
    لا تنظرْ صوبَ الشجر
    تشمَّم المطر
    تذكَّر أفريقيا
    كلُّ شيءٍ يمضي
    يمكن أن يجيء
    أن يقوم
    حتى الموتى سينهضون من جديد

    عظمٌ جديد

    سنرتدي
    عظماً جديداً ثانيةً
    سنتركُ
    هذه الأيام الممطرة،
    ونندلِعُ من
    فمٍ آخر
    إلى شمسٍ وأيام عسل.
    يطنُّ العالم حولنا كالنحل،
    ما أحلامنا في عظمٍ جديد.
    يظنُّ الآخرون أنهم يعرفون
    طولَ الحياة
    حماةُ الحياة.
    نحن العارفون

    تَفْهَمُنِي

    كلُّها الدماءُ التي تتكسَّرُ،
    دماءٌ وتتكسَّرُ. الشيءُ
    ينزلُ من صندوقه زاعِقاً
    إلى النور. كلاهما يزعقان،
    الحيوان والقفص. قُضبانُها بليلةٌ، ومفتوحة
    وفارغة وشكَّلَت نفسها مجدداً
    من لحمٍ ومن قواميسَ،
    إنها دائماً تُفرِغُ
    دائماً هو الجرحُ نفسه الدمُ نفسه
    يتكسَّرُ.

    اليوم الأخير

    سنجدُ أنفسنا محاطينَ
    بلحمنا كلُّهم الآن
    يلبسون عيونَ المَظَنَّة
    ولسوف يؤنّبوننا
    بتلك العيون
    في لغةٍ أكثرَ يقيناً
    من الكلام
    يسألون لِمَ
    سمحنا لهذا أن يحدث يسألونَ
    لِمَ بحقِّ الله
    فعلنا ذلك لأنفسنا
    ولسوف نجيب
    بأصواتنا الواهنة
    لأننا
    لأننا
    لأننا

    اللغة الأم: إننا نموت

    لا قصورَ بنا
    أنْ نألمَ هكذا،
    أنْ نُمَزَّقَ.
    الموتُ حصاةٌ صغيرة
    من الجبل الذي وُلدنا فيه.
    نضعها في جيوبنا
    ونحملها معنا
    حتى تعيننا أن نلقى يومًا البيت.

    البشرية: حفر دَرَكٍ إلى الجحيم

    هل حفرتُ عميقًا بما يكفي؟
    استنفدتُ الأرضَ،
    الحديقةَ الغنَّاء،
    المرأةَ،
    نفسي.
    حتى الظلامَ، استنفدتُهُ الآن.
    أَمَا فَرَغْتَ مني بعد؟

    *كتاب (أشعر بحديقة في فمي) للشاعرة لوسيل كليفتن – ترجمة محمد السعيد – دار خطوط وظلال.

  • لكني ممكورٌ بي – أحمد عبدالحسين

    لكني ممكورٌ بي – أحمد عبدالحسين

    كلما استجمعتُ رعبَ قلبي وقلت بالحاضر الدافق أجلوه، بالينبوع الذي وُلد اللحظةَ معي، رأيتُ أني جئت من قبلُ أو من بعد وأن لا وقت لي يصلح أن أسميه الآن.
    فالآن فواتُ أوان.

    وإذ تهيأتُ وتعبأتُ وقامت قيامتي ألقي في روعي أني من الأمس، من الديمومة التي غُسلت حتى صارت مزقاً. من القديم أتيت، وفي القديم باشرت زمناً كنت أظنه الآن فإذا هو منقلبُ الوقت ويأس الحاضر من نفسه، وعجزه عن أن يكون.

    أنا في فوات الأوان.

    أو لأقل أنا في بهتان الأبد، صدقت ما لم يعدني به أحد، صدقت أن سيأتي الوقت وأجيء معه، ويصحّ لي حينها أن أقول أنا دون أن يهجرني حاضر أو يمكر بي أوان.

    لكني ممكورٌ بي.
    أليس ممكوراً به من يتداوله طائرا تلفٍ وكلٌّ يدعي انه الوقت وكلّ يخبط بأجنحته في ساعتي، ساعة المغيب، ساعة مللت من اللعب وأردتُ العودة الى بيت أمي، أرقق رعب قلبي بمائها المهيمن، بالينبوع الفرات الذي ولدتُ أنا وإياه في رحم واحد.

    لكني مكذوب علي.ّ
    أليس مكذوباً عليه من يصمت بين يديْ صديق يحدثه عن القرآن، ثم يلتفت فإذا الكلام قديم والصديق انتهبته سيوف هواء بعيد، وقرآنه مفتوح من الأمس على سورة محرّفة أولها الآن وآخرها فات الأوان.

    مهجور الحاضر أنا
    أرمل اللحظة
    يتيم الأزمنة كلها.
    لي كربلاء، وكربلائي لا تنقضي بسهم مثلث ونار تأكل الخيام.
    كربلائي ـ الوقت، ماضية في حضورها وتتشبه بالمستحيل

    إنها كمثل ياقوتة اليأس تجدد نفسها في كل آن.

    في كلّ آنٍ فواتُ أوان.

    *عنوان القصيدة: كربلاء الوقت.

  • “لا تُرجعي وجهي إليَّ”  (مختارات) – وديع سعادة

    “لا تُرجعي وجهي إليَّ” (مختارات) – وديع سعادة

    مرحلة ثالثة

    نتسلّق ضحكاتنا

    لأنّ صراخنا شاهقُ جدًا.

    I

    لم يَعُدْ في دمي غيرُ الكلمات واللون الأحمر

    البسْ قناعَ الرحمة و اطردْني

    يشتاق صمتي غيرَ لهاثك.

    ماذا جئتَ تفعل ماذا جئتَ تقول ماذا جئتَ تقطف

    يا زارع اليباس كي يكلّم الفراغَ كالأبله؟

    حديقتي أصغرُ من جنين

    ليس فيها غيرُ ورقةِ السهو

    نبتتْ في غيابك.

    II

    أنتم قميص المجاعة.

    دلقتم محابر وجوهكم على أوّل النهار فاسودَّ عمرُنا القصير. غرقتْ أقدامُنا في الأسْوَدِ وصارت صالحةً للكتابة.  بها وقّعنا على الطرقات أحصنة جديدة.

    أوقفوا نسلَ الاحلام. ما عاد العالم يسع.

    أسمعُ ضجيجًا هائلاً، قرقعةَ عظام، الأحلام ترفس نفسها، تنهق، تفترس، تروث.

    أوقِفوا نسلَ الأحلام. كَثُرَ الروث وانبرتْ زهرةُ الأزمنة.

    على صدر كلٍّ منكم زهرة الزمان. أحار كيف أسمّيكم.

    III

    سيّدتي في الفضاء الكئيب

    لا تُرجعي وجهي إليَّ

    لا تتدفّقي نحوي كالأنهار

    لا تندلقي كالبراميل

    الحرّيةُ نصفُ اشمئزازي

    والرهينة نصفي الآخر

    وكلُّ أولادي الموت.

    IV

    يا قاطعَ الطرق يا شرسًا يا مجنونًا يا حُبّي

    دعْ ممرًّا لرحيلي

    دعني بعيدًا مع ورق الشجر أستلقي

    على حجر يمكنني أن أقعد

    مع صرصار أستطيع أن أغنّي

    لنملة أقرأُ قصائدي

    في مِزَق ثوبي ثلاثُ ابتسامات من الفجر وثغرٌ كاملٌ للغروب

    على رؤوس أصابعي قطيعٌ غريب

    لا يعود من البراري.

    V

    أخرجُ إلى تسكّعي قاطعًا حدائق الوجوه

    رائحةُ الصمتِ برتقالة

    وشيخوخة الوعي قطارٌ سريع.

    أيَّهُ لقاءُ الحزن أيَّهُ لقاءُ الحلمِ يا قطرات الطريق؟

    VI

    مرَّ الوردُ ابني الحبيب ورجع و قال:

    خلّصني يا أزرقَ الأرض

    يا أبيضَ الفراشة

    المكان يؤنّث نفْسَه.

    VII

    اشتبكي معي يا حشائش الأيّام الأولى في رقصة الأيّام الأخيرة

    في كلا عنقينا أشعَّةٌ مترمِّدة.

    VIII

    تقفُ في آخر صفّ المسافرين إلى النهار

    وتُريدُ أن ترى نفسكَ العاشقَ الوحيد

    اعترفْ أنَّ القطار انكسر

    وأنّكَ وحيدٌ على الرصيف

    شوقُك الحمّى برودةٌ كئيبة

    وأسنانُكَ حين تبتسم لا تضيء

    حتى فمَك.

    IX

    الأبراج المبلّلة بالضوء تطفو على كتفي

    إنّه شروق سخيف

    بدايةُ أوّل يوم في مصنع العالم

    وجهي يقتله ظلُّه

    على الشرفة.

    X

    قولوا أيَّ شيء للعصافير في شجرة التفاح كي ترحل

    خبزٌ في أشواقها

    يأسر خطواتي.

    XI

    إلى جاد وسيمون وغادة، وأنتَ

    ما اسمكَ؟ لا أعرف

    لكن ألم أرَ وجهكَ تحت شتاء آذار يذوب كحبّة سكّر وأنتَ تسرع؟

    ومرَّةً قعدنا؟

    كان الزغبُ ينبت في وجوهنا.

    قالت أمّنا تطيرون غدًا. زقزقنا.

    وها على الثلج نقعد نتأمّل أقدامنا الصغيرة.

    ما هذا الواقع من فم السماء كأنه لنا؟

    قالوا جاء يزيحُ الصخرَ يفتحُ الباب. انخفِضوا انخفضنا.

    سمعنا ارتطامَ جسده. رأينا تفتُّحَ جراحه.

    وقلتُ: لن أمسّ جرحك أبدًا لئلا يُقفل نبعُ الرغبة.

    وضع جاد عينه في الماء صارت سمكة. سيمون عينُه في الفضاء غيمة. وعينُ غادة قطنٌ ينفشه الحزن.

    كنّا التقينا. دخل البوّابُ أعلنَ انتهاءَ الزيارة.

    كيف تصيرين هكذا مطرًا أحمر ينزل عليَّ في الشوارع؟

    أمّي غزلتْ لي كنزةً بيضاء عملتْ لها جيوبًا للزبيب وعبّأتْها.

    لبستُها وخطرتُ أمامكِ.

    أبي مرّةً زار المدينة. ضيّفوه برتقالةً حملها إليَّ من بيروت في جيبه. اقتسمناها وركضنا في البساتين.

    أبحثُ عن زبيبةٍ، حبّةِ قمحٍ، بذرةِ برتقالٍ أضعُها في منقادكِ وأنت في العش لا أجد.

    كيف يصير أهل القرى من دون قمح هكذا؟

    جاء الشتاء يمزج البرد بالذكرى

    وها نحن لا نريد غيرَ غطاء.

  • “كتفاكَ تربةٌ لصلاتي” (مختارات) – فروغ فرخزاد  – ت: مريم العطار

    “كتفاكَ تربةٌ لصلاتي” (مختارات) – فروغ فرخزاد – ت: مريم العطار

    بلّورة الحلم

    نحنُ متّكئان على بعضنا بلطفٍ

    وفي روحينا طراوةُ عشقِ القمرِ

    رأسانا كغصنين متدليّين بانطفاءٍ

    منحنيين على محرابِ العشقِ

    أنا كموجةٍ بيضاءَ قربَك

    على جدائلي زهرةُ مريمَ البيضاءُ

    وكلُّ حينٍ يقطرُ مِنْ رموشي الرفيعةِ

    على ورقةِ يديكَ الخضراءِ ندىً أبيضُ

    كأنَّ ملائكةَ الربِّ قربنا

    بأيديهم الصغيرةِ يعزفونَ لَنا

    بينَ عطرِ العودِ وأنينِ بخورٍ ودخانٍ وغيمٍ

    كانوا يلوّنونَ من نقائِهِمْ هذا المحرابَ

    جبينُكَ العالي بينَ ضوءِ الشموعِ

    كانَ هادئاً كبحرٍ مشعٍّ بالأنوارِ

    وحلمٌ مضيءٌ جاثمٌ تحتَ جفونكَ

    هو تلكَ الأغصانُ الفضيّةُ

    كنتُ ظمأى لصوتِك الذي كانَ يقرأ الشعرَ قربَ مَسامعي

    وأنا كالأطفالِ مأخوذةٌ

    بأساطيرَ قديمةٍ تفيضُ بالأسرارِ

    فجأةً.. سماءُ عينيكَ..

    فتحتْ جناحاً بلورياً مِنْ ألوانِ قوسِ قزحَ

    في صدرِ قلبٍ مضيءٍ بدأ ينبضُ

    كالشعلةِ في نارٍ للحيظةِ كنتُ أحترقُ

    قلتُ انطفئي.. نعم.. وكموجةِ ريحٍ صباحيّةٍ

    مرتجفةٌ.. متلهفةٌ.. ذهبتُ إليك

    في صدري لا يوجدُ شيءٌ..

    سوى أنني أتمنّاك.

    أغنية للجمال

    كتفاك..

    كالصخورِ المغرورةِ والقويّةِ

    أمواجُ ضفائري تجذبُ كتفيكَ كشلالٍ من النورِ

    وكحصارِ قلعةٍ عظيمةٍ

    كرقصةِ أوراقِ صفصافةٍ في الريحِ

    كتفاك..

    أبراجٌ حديديّةٌ

    صورةٌ جميلةٌ منَ الدمِ والحياةِ

    لونُها بلونِ جمرٍ نحاسيٍّ

    في رتابةِ معبدِ الشهوةِ

    نائمةٌ قربَ جسدِك

    أثرُ قبلاتي على كتفيكَ..

    كأثرِ لدغةِ ثعبان ناريّةٍ

    كتفاك..

    تحتَ لهيبِ الشمسِ

    كقممِ الجبالِ تضيءُ

    بحبّاتِ عرقِكَ المضيئةِ

    كتفاك..

    قبلتي الممتلئةُ بالرجاء

    كتفاك..

    تربةٌ لصلاتي.

    الصوت

    هناكَ فوقَ قمّةِ الجبلِ

    قدمايَ متعبتانِ فرطَ الركضِ

    قلتُ لنفسي في هذه القمّةِ..

    سيسمعُ صوتي الربُّ بالتأكيدِ

    بتأملِ عينيَّ ركضتُ نحو سحابةٍ سوداءَ

    ومِنَ القلبِ صرختُ.. يا ربُّ

    أنا أحبُّهُ.. أحبُّهُ

    صوتي ذهبَ إلى أعماقِ الظلامِ

    وحلمُ النجومِ المشؤومِ تلاشى

    بغبارٍ وسرعةٍ ضَربَ بابَ السماءِ الذهبيَّ

    الملائكةُ بألفِ يدٍ صغيرةٍ

    فتحوا الأقفالَ الثقيلةَ

    ومِنْ صوتي العاصفِ

    فرّوا بينَ الغيومِ

    الأعمدةُ كالثعابينِ الملتفّةِ

    الأشجارُ بضبابٍ أخضرَ تطوفُ

    صوتي غسلَ جسدَهُ

    ومِنْ غبارِ الطريقِ ماءُ الكوثرِ

    الربُّ كانَ في حلمِهِ

    وتحتَ جفنيهِ الحالمَيْنِ

    صوتي ذهبَ إليهِ مرتعشاً وحزيناً

    بينَ ستائرِ غفوتِهِ

    لكنَّ تلكَ الجفونِ الفضيّةِ

    – يا للحسرةِ – إلى الفجرِ كانتْ منطبقةً

    خفيفٌ كخياشيمِ أسماكِ الشاطئِ

    جالسةٌ على عينيهِ

    الصوتُ مئةَ مرّةٍ بيأسٍ قامَ إليهِ

    حتى يتمرّدَ ويرجعَ إلى ذاتهِ

    الصوتُ كانَ يريدُ بقبضةِ غضبٍ

    تمزيقَ حريرِ نومِهِ

    الصوتُ كانَ يصرخُ مِنْ شدّةِ ألمِ رأسِهِ

    متى يتبعثرُ هذا النومُ الذهبيُّ؟

    أنا هُنا ظمأى إلى جرعةٍ مِنَ المحبّةِ

    أنتَ هُنا جالسٌ على عرشِ الربوبيّةِ

    كمْ مرّةً يستطيعُ أنْ يحلّقَ مجدداً؟

    هذا الصوتُ المُتعبُ والمتوجّعُ

    وحينَ يأتي الصبحُ مجدداً

    ما زالتْ هذه النظرةُ المتفائلةُ تأتي مرّةً أخرى

    لكنَّ الصوتَ كانَ فارغاً مِنَ الأصواتِ

    وهُنا الطريقُ إلى السماءِ مسدودٌ

    ولا تزالُ عيني متأملةً

    يا ربُّ.. هلْ تسمعُ هذه الأصواتَ؟

    أنا أحبُّهُ وأحبُّهُ.

  • حاجبان  – عبدالله حمدان الناصر

    حاجبان – عبدالله حمدان الناصر

    كلَّ صباحٍ، وقبل أن نستيقظ،

    يستيقظ الحاجبان.

    ثم في المساء،

    يسبقان الجسد إلى النوم،

    يمشطان مسالك الحدس،

     ويربطان الحصان الضرير

    بسياج الصمت،

    ويتخلصان قبلنا

    من الضوء والليل.

    *

    لأن هناك طفلاً يتعذب

     في الحاجبين،

     وجرحاً أبيض لا يندمل

    في المسافة بينهما.

    *

     حاجبان تعودا على استباق الأشياء،

    وانوجدا قبل انوجاد الكلام،

    قمرين من ظلام

    يحرسان سماء الوجه،

     وينسحبان حين يغمر الكلامُ كلَّ شيء.

    *

     حاجبان هما الفاصلُ

     في كتاب القلق،

    والتعويذةُ التي تمنع

     صفحةَ الوجه من الانهيار.

    هما الشرطُ الصامتُ للنظر،

    والشقُّ الذي يجعل الضوء

     قابلاً للنفاذ.

    *

    حاجبان من وجلٍ عميق،

     ليسا قوساً للزينة، بل للبقاء،

    وموجاتهما لم تُخلَق للكلام،

     بل للبطء.

    *

    هما الحيوان الغامض،

    الذي يشعر بالهزة مبكراً

    قبل البصر والسمع،

    والملاكان الأسودان

     اللذان يمنعان العيون

    من الهيام على وجهها

    في الأرض.

    *

     أحاول أن ألمسهما

    كما يلمس الشاعرُ

    حرفاً متردداً،

    أو كما يلمس الليلُ

    حافةَ قمرٍ ناقص.

    لكن الحاجبين ينفران،

    فهما ليسا للمس،

    بل للتأويل.

    *

    يظلان هناك،

    تحت الناصية،

     مثل حاجزين من حُلُم،

    وجسرين من غضب،

    يحملان ما لا يقوله الجسد،

     ويعلّقان التعب

     على مقربةٍ من العينين،

    كي يبقى البكاء

     فكرةً لا دمعة.

    *

    وحين ينخفضان،

    كجناحين مُرهقين،

    أعرف أن المعنى

    قد بدأ يخبو،

     وأن الوجود،

    كعادته،

    قد قال كلَّ شيء.

  • جسدُ المدينة – محمد الشريف

    جسدُ المدينة – محمد الشريف

    ما الآن

    لا شيءَ

    إلا كبوةُ الضباب. 

    الرميمُ

    والذكرى

    يسندون الاستفهامَ

    شفيرَ الدهشة. 

    ما الآن

    أسقطُ

    بعدما آخيتُ 

    أفقَ الرموز

    وعلوّ ضُلوعي

    تنفّسْتُ المدينةَ –

    حَرْفَ رَعْشةٍ. 

    آخيت أفق الرموز

    تحدجُ وهدة الطير

    تمزق حدوة السكون

    من شفا الشهوة. 

    لكن أيتها المدنُ

    أينكِ

    في قلبي

    تَحطمين. 

    وأرى نزيفي

    ينامُ  على 

    خدِّ

    الأشلاء. 

    الموجُ أيقظني

    فأينَكِ

    وقلبي الجريحُ

    يندملُ بأفْقِكْ. 

    لكن أيتها المدنُ المدنُ

    ضبابٌ فوق الخطى يتحدَّبُ

    أظلال الورى للحتفِ سلمُ. 

    الأفقُ أطارده

    أشعلُ الغرامَ

    أنفخ أوداجه

    يحتقنُ حِمَمًا

    وبي يتفجرُ. 

    فما دِينُكِ أيتها المآذنُ

    أتسمعين: 

    اغتصابًا

    وسربَ مشانق

    وجفلةَ نومْ. 

    سيلٌ

    يغذي شهوته

    بقذائفَ من التشفي

    ويتبولُ. 

    وهديرٌ

    يرتمي بالعظامِ

    شتاتْ. 

    وكما ترين

    لغةٌ في المآتم

    تُعرى. 

    أينك يا مدنُ – 

    حين أشتهي نوماً

    في مسافات

    العاصفة. 

    فما

    الورد المسفوح

    جسدٌ

    يتألق الشوكَ

    وعنانَ الذكرى

    يقتلعُ الأمن

    والشوراع الهابطة. 

    والأنا

    التهشمُ

    دمٌ

    شفقةً

    يتبجحُ. 

    لا تقولوا

    للرحمة ذكرى

    للراحة

    تنهداتِ

    الرّمْلِ

    وهي عليلةُ

    الحمى. 

    تزيح

    مسامَ الرحيلِ

    أمواجاً

    وتحُثّها

    ضلوعاً منهكةً. 

    أفَوقَ المشاهد ؟

    الاختناقُ 

    سال بالوجلْ

    وجراحُ العتمةِ

    تُشّرِعُ الكلماتِ

     فيّ

    نشيجاً. 

    أوّاه أيتها المدنُ المدنُ

    الأحشاءُ باليةٌ

    والوطنُ

    في كل جفوةٍ 

    عميمُ كدماتٍ

    يُحتَقَنْ. 

    أبكي ناياً شريداً : 

    يطوفُ : 

    بحةُ المدينة جريحة

    امتهنها كبوةَ الرعشات

    تكدر سكرتي

    شهيقاً. 

    وتطفو 

    جفونُ الذّكرى

    محتقنةٌ : 

    بذُرى الغياب. 

    وبها

    ينزفُ

    برقٌ

    فاضَ

     نِداءات. 

    تَخَتَّمتُ

    طوفانَه

    والهذيانُ

    أنا

    أتدلى

    من الشظايا

    لعاباً

    أو لغةً متحجرة. 

    والعرى

    سلّ غفوةَ الموت  

    لا تجمعوا البحر دماً

    لا تكتبوا الدينَ

    دمعاً

    ولا الانفجارَ

    ولا أنا. 

    لا تذكروا جثتي

     قبراً

    مزقوا وجهيّ الناتيءّ

    ألفَ قصيدةٍ

    تخبِطُهُ عشواءْ. 

    أيها الشحاذون

    أيها السحرةُ

    لا تقربوني

    فالرأس لكم

    والجسد سيكون 

    للسماء. 

    أيها القتلةُ

    كيف تغرقونه : 

    لحدًا أو ساحةً

     أو جرفاً

     أو انحناء. 

    فقد سالت الشمس

    بوهنِ التضلع

    فارتموا بهراوةٍ

    تُنْشِدُهُ أشلاءْ. 

    أواه

    بددي العريّ

    عن روحي

    شَدّةً

    غُنَةً

    وفناءْ. 

    ضعوني رخامَ

    لائمةٍ

    انثروا

    خطى النسيان

    ودرباً نأى. 

    أرحميني أيتها 

    السماء

    كنت جائعاً

    جسدي التيهٌ

    ويغمُرني

    ماءْ. 

    بل بكيتُ سيفي 

    الذي استلني منه

    الخوفُ

    أبكي جُبْني

    جبينيّ

    وهو يقطبُ 

    وأنا الظامىء

    في المدينة الغريقة. 

    ما الآن

    أستبيحُ 

    اسميّ

    كما الطفولةُ

    وهي تقتلُ

    استبحْتُها

    صمتاً وقطْرَةَ

    عَبْرَةٍ. 

    لا تبكي

    إخوتك

    فهمُ

    رهن التصهين

    ماذا يفيدُ

    البكاء. 

    للذكرى رجيعٌ

    أتعفّفُه

    سفينة القتل

    تعبُرنا

    والفضاءُ موتٌ

    يتعرّى

    حتّى الشّرفة. 

    ما التنهدُ

    في البرق

    لواعجي

    فوقَ القبر

     تُهَلّ مدامِعي

    يجفلني الندى

    على

    أضحياتِ الدهرِ

    وتَتَعثّرُ خطوة.

    كيف يكون 

    الانحدارُ

    ورقابُنا

    مشنوقة. 

    ماذا بعد

    الاختناق 

    يا رِئتَنا

    المحروقة؟

    ————-

    محمد الشريف،  يناير ٢٠٢٦. 

  • تتلعثمُ بينَ أنَّةٍ وأنَّةٍ – محمد الشريف

    تتلعثمُ بينَ أنَّةٍ وأنَّةٍ – محمد الشريف

    شرودُ الحنين ، ينقضُّ، ارتقى كأسَّ أيامِنا، انتشى

    بخصْرٍ. 

     خريفُنا الذي يتبصرُ

     الصّمْتَ ، سجّى الشّوقَ : جفونَ المسافات ،  وبخريف الخُطى  ، بين سواعد اللّهفةِ 

      تنقضُ على شغافِنا 

      أحلامُ الغيومْ. 

    أهٍ أيتها النجوم. 

    على حانة الحالمينَ ، صحوّ أنا

    وأرى جسدي  ، متاهةً للحلم ،

    ، إنه .. يتصاعد ، يقفزُ  ،  يكبو 

    وضبابْ

    وبين غلالتين  : 

     ،  تغشى ، تنامى ، 

    فتلاشى :  ذرىً

     في ضبابْ. 

    ومضةٌ

    وانطفاء 

    ومضةٌ

    بين شهقتينِ

    تتأملُ سديمَ النهودْ

    وتُسَبّلُ

    أفقَ الهيام . 

    قبلاتٌ في فوهة السّنينَ ، تهطلُ ، مطُرها اللازورديّ

    حفيفاً 

    يتسلق نهمي ، ويوقد الجنونَ : 

    صار نهرَ الغنّةِ ، مجبول الفيض ، مجبول العطفات ، يتعثرُ  

    والخواصرُ

    كأسٌ  تكسّ ..ر ْ

    وفي فضاءِ الآه. 

    المنحنياتُ

    شاخصةٌ

    وأنفٌ 

    في خنْدَقِ اشتهاءٍ

    وجلبةِ أصداء. 

      أشتاقُ

    لمتاهةِ أهدابك ، تزرعين جسديّ بريقاً ، ومدىً من الألوان ، والدهشةُ ، تسترسل

     الحواجبَ  ، تهز أحداجَ

    المنحنيات ،   أنّتِ العائمةُ ، ألا ترينَ

    الأفقَ ، عميماً ، أنا الهائمُ ،  ألا ترين

    في الدّمْعِ ، غريقاً 

    أتحنّنُ ، بما خبئته العيونُ ، يهتز حوضيّ ، 

    الريح ناعسةٌ ،  الشمعاتُ

    تُغوي 

    شرفةَ النهمِ 

    : علوّ الغصاتْ. 

    تكدُّ الأفقَ

    سواعدَ الرضاب. 

    أمدُ لساني ، لأرى ، وأنا ، سليلُ الذهول ، لذةَ 

    الغريق ، من اشتداد البتلات ، أرى ، وهي

    مؤججةٌ بسكريّ: 

    تت .. لعّ..ثّمُ ، بين أنةٍ ، وأنةٍ ، نوبةُ اختلاجات ، أُطوقُ الصبرَ ، ينهدُ ، وتتسلقني ندوبٌ … ووردُ. 

    سحنةُ الدهشة  ، أنا ، بين شعرَيكِ ، تطفو ، ويتدلى الموجُ

     ، يتدلى 

    والصدى … والبحرُ

    الموجُ ، بسمات النسيم  ، الذي بين شعرّيْكِ

    يتوهجُ 

    الموجُ ..

    والدربُ الذي سنامُه راكعاً ، خرّ بهِ نهمي

    دَهْرُ

    الموجُ …. والصدى 

    وقلبيّ الوثّابُ ،

     ، وهيّ بينَ يديّ

    كأنه ينطقُ  : 

    هيَّ ليْ، بين يديْ

    فخذي قلبيَّ

    من عاصفةٍ 

    ……..

    أفقَ 

    منام. 

    محمد الشريف. 

    يناير ٢٠٢٦

  • لغةٌ تتكسرُ على أضلاعِ الجسد – محمد الشريف

    لغةٌ تتكسرُ على أضلاعِ الجسد – محمد الشريف

    في تلالِ المعاني

    خبّأها

    نسيمُ الرميم.

    ساوم

    وهدةَ الضباب،

    ضلوعَ التشقّق

    في انسياب

    ليلٍ

    مترنّح.

    انبثق

    الوجع

    تقبّضات،

    تشنق

    غِبطةَ التألّق.

    ألم يكن الوعيُ

    ملامةَ الشقاء

    حين

    جلس

    على أضلاع الجسد؟

    دمٌ

    من جريحته.

    جبهةُ الوادي

    تتخضّب

    بالشمس.

    النهاوندُ

    يُتلى،

    صعودُه

    يصطدم

    بماء

    يتقاطر.

    والتلالُ

    ترتجّ.

    المعاني

    واحدة،

    والخبء

    قائم

    في التعيّنات.

    حدّجها

    المغيب،

    سالبًا

    تحديقَ الخائف

    في كل

    التواءات

    التقيّد.

    أجراحٌ

    على البشرة،

    خدشت

    الجسد

    بأقلام

    المخالب.

    ضبابٌ

    يرسو

    حرقةً

    على

    فوهة

    الترقّب.

    بردٌ

    انتحر

    الوجعَ

    بي.

    طيوفٌ

    تحصد

    الصدى،

    مسفوعًا.

    إمّا

    تنحدر

    مصاعدُ الرؤية،

    وتتعرّى

    كدخانٍ

    أو

    تنقضّ

    في صرخاتٍ

    بعد

    ومضة.

    المعاني

    في ولادتها

    جاءت

    بنسيم

    التراكب،

    كما

    غزا

    الورق

    غُنّةَ

    الوقت.

    معتبيًا

    ظهرها،

    ترسّلًا

    يركل

    جوانبها،

    يخضّ

    جسدها.

    يترقرق

    نسيمُ

    شَعرها،

    وهي

    تمضي

    في رماح

    العتمة

    التي

    لطّخت

    الضوء

    بشراهةٍ.

    تتمطّى

    من شفتيه،

    تُساوم

    التشنّج

    صرخةً

    في

    ولادتها.

    عاريًا،

    يعومُ

    في بداهات

    الألم.

    يتقطّع،

    يعلوه

    الموجُ

    الغرقُ.

    قشّةٌ

    مهترئةُ،

    الأمل

    يتكسّر.

    ثم

    ينفجر

    الوطء

    إلى الأعلى:

    صورةً،

    صوت،

    أنّةً،

    مسافةً

    بين نحرين،

    أوداجًا

    ممزّقةً،

    أخاديد.

    على رصيفٍ

    تخبط

    الجمجمةُ

    معناها،

    حين

    تهادت

    الراسيات

    أفكارُ

    المعنى.

    غمامةٌ

    منّا

    تقول:

    حزّ

    الرعشة.

    أرخى

    الموت

    ضغطه،

    وشهقت

    اللحظة.

    في تغضّن

    اللواعج

    تتكامن

    آهُ

    الرميم. 

    رصاصاتٌ

    تجرح

    الأفق

    إلى

    مكمن

    العدم.

    أناي

    في المعاني

    مُهراقةٌ.

    يتضبّع

    فجيعةً،

    تحوّراتُ

    سكاكين

    إربًا

    إربًا

    بالقهر

    تمزّق،

    وتُرنّحُ

    الصرخة.

    أيا

    غيرَ

    الصمت

    في تلال

    المعاني،

    صيرورةُ

    الترنّم

    تمحو

    الوجود

    جسده.

    تهادت

    التراتيل،

    مواكبُ

    الترامِي

    تغزو

    رفيف

    اللغة.

    التلفّظ

    يتمطّى

    مرتعشًا.

    نامي

    أيتها

    الورود

    فوق

    تضاريس

    الشوق،

    كسرًا

    كسرًا.

    مرّ

    الدرب.

    السماء

    عارية.

    الأفق

    أعرج.

    السحب

    مندلقة.

    وتلالُ

    المعنى

    تتغيّب.

    كم

    تكسّر

    زجاجُ

    الريح

    حين

    نأى

    الوقوف.

    حزنًا

    تتفلى

    المعاني،

    جزًّا

    فوق

    الحشد

    حين

    غطّى

    الأفق.

    المعيشُ

    يتزمّن،

    حدوساً

    خلفيةً

    تنعى

    لاوعي

    اللغة.

    تتحسّس

    الشقوق

    بغضّ

    الرمشة.

    الوهدات

    تتنفّس

    منام

    المعنى.

    هي

    اللغة:

    أكـداس

    من

    الجثث.

    لا

    غرقَ

    هنا

    إلّا

    برصاص،

    ولا

    نجاة

    إلّا

    بتضلّع

    والتفاف.

    يرتجع

    الهذيان،

    تتخندق

    التنزّقات،

    أنينًا

    في

    النسيم.

    هنا،

    في أناي

    أخيرًا،

    تعرّفتُها.

    لا

    غيريةَ

    على

    ظلال

    الغير.

    أنا

    المتعارك.

    يحتدم

    الجنون،

    يعرّيني

    واللغة.

    نص: محمد الشريف

  • ثلاثُ حيوات – سارة راسل – ترجمة ريهام عزيز الدين

    ثلاثُ حيوات – سارة راسل – ترجمة ريهام عزيز الدين


    لو أن لي ثلاث حيواتٍ، سأقبلُ الزواج منك في اثنتين.

    -وماذا عن الثالثة؟

    ربما سأقضيها جالسةً في المقهى، 

    بمفردي، أكتبُ سيرتي، أو روايةً، وربما هذه القصيدة.

    لا أطفال، 

    فقط شقة صغيرة لها نافذة تُطلُّ على النهر، 

    وممتلئة بالكُتب، الكثير من الكُتب، وفائض من الوقت لقراءة كل تلك الكتب من حولي.

    سيكون لي أصدقاء تعلو ضحكاتُنا سويًا، 

    وكذلك رجلٌ سأمنحه متسعًا في تلك الحياة في عطلة نهاية الأسبوع فقط، 

    سيكون من الجيد أن يتذكر جلدي لبعضِ الوقتِ لمسته.

     سأفقدُ كيلواتٍ عدة في تلك الحياة، 

    سأتناولُ طعامًا صحيًّا، 

    وسأمارس اليوجا.

    سأذهبُ إلى أفلامٍ تُشعُّ فنًا يوقظُ روحي، 

    وسأتجولُ في المزارعِ والأسواقِ الصغيرة.

    سأتناولُ كؤوسًا من المارتيني، 

    وسأرقصُ في تنورتي المنفوشةِ

    مرتديةً مجوهراتٍ ضخمةً لاتُخطئها العين

     في تلك الحياة سأتساءل

    أحيانًا

    متى سيعثرُ أحدُنا على الآخر؟

    __________

    نص: سارة راسل

    ترجمة: ريهام عزيز الدين