رسول حمزاتوف: من الشعر الداغستاني

الشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف

رسول حمزاتوفيتش حمزاتوف (8 سبتمبر 1923 – 3 نوفمبر 2003) أحد أعظم شعراء داغستان والاتحاد السوفيتي، ومن أبرز الأصوات الشعرية في الأدب الروسي المعاصر. وُلد في قرية تسادا الآفارية الجبلية في شمال شرق القوقاز، ونشأ في بيئة غنية بالتقاليد الشفهية والشعر الغنائي الذي ورثه عن والده، الشاعر الشعبي الشهير حمزة تساداسا، الذي كان بمثابة معلمه الأول في فن كتابة الشعر.

كتب حمزاتوف قصيدته الأولى وهو في الحادية عشرة من عمره، وكانت عن مجموعة من صبية القرية الذين ركضوا نحو السهل حيث حطت طائرة لأول مرة في منطقتهم — مشهد يجسد ذلك الانبهار الطفولي بالتقنية الحديثة التي تقتحم حياة الجبال الهادئة. هذا المزج بين البساطة الجبلية والحداثة سيظل سمة مميزة في شعره طوال حياته.

حياته ومسيرته

تخرج حمزاتوف من الكلية التربوية عام 1939، وعمل مدرسًا ومساعد مخرج في المسرح وصحفيًا ومذيعًا إذاعيًا. بين عامي 1945 و1950 درس في معهد مكسيم غوركي للأدب في موسكو، حيث صقل موهبته الشعرية وبدأ ينشر أعماله باللغتين الآفارية والروسية. قضى معظم حياته في العاصمة الداغستانية محج قلعة، لكنه كان يرتحل كثيرًا داخل الاتحاد السوفيتي وخارجه، ممثلًا الأدب السوفيتي متعدد القوميات.

كان والده قد أسماه “رسول” تيمنًا بالنبي محمد ﷺ، وظل حمزاتوف طوال حياته معتزًا بهويته الإسلامية والقوقازية، وهو ما انعكس في شعره الذي يمزج بين الروح الصوفية الشرقية والتقاليد الجبلية والوجدان الإنساني المعاصر.

القصيدة المختارة: بين الصواريخ والنجوم

في هذه المقطوعة القصيرة، يرسم حمزاتوف مشهدًا كونيًا تتقاطع فيه الصواريخ التي تخترق الفضاء مع حنين إنساني عميق:

الصواريخ مضت تطوي الرحاب الشاسعات
ومرارًا وصلت للأنجم النائيات، النائيات
ليتني يا أيها الناس لكم، كنت وصلت
أنتم سامقة في كل وقت، كل وقت

في هذه الأبيات المكثفة، يقارن الشاعر بين قدرة الإنسان التقنية على بلوغ النجوم البعيدة، وعجزه عن الوصول الحقيقي إلى البشر. الصواريخ “تطوي الرحاب الشاسعات” وتصل “للأنجم النائيات” — إنجاز علمي هائل يعكس ذروة التقدم البشري في عصر الفضاء. لكن الشاعر يعترف بحسرته: “ليتني يا أيها الناس لكم، كنت وصلت”. إنه يشتاق إلى اتصال إنساني حقيقي، إلى دفء القرب من الناس، أكثر مما يدهشه بلوغ النجوم.

هذه الثنائية بين العظمة التقنية والوحدة الوجودية هي جوهر الرؤية الشعرية عند حمزاتوف. فالإنسان الذي استطاع غزو الفضاء لم يستطع بعد أن يغزو وحدته. والوصول إلى القلوب يظل أصعب من الوصول إلى النجوم.

أسلوبه وموضوعاته

تميز شعر حمزاتوف بلغة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد، متجذرة في التربة القوقازية ومنفتحة على الآفاق الإنسانية الواسعة. كتب بلغته الأم الآفارية، وتُرجمت قصائده إلى الروسية على يد كبار المترجمين مثل نعوم غريبنيف وياكوف كوزلوفسكي، مما جعله مقروءًا على نطاق واسع في جميع أنحاء الاتحاد السوفيتي. من أبرز موضوعاته:

  • حب الوطن: داغستان وجبال القوقاز حاضرة دائمًا في شعره، بقراها وتقاليدها وطبيعتها القاسية والجميلة
  • الأمومة: قصيدته الشهيرة “اعتني بالأمهات” من أعمق ما كتب في الأدب الروسي عن الأم
  • الصداقة بين الشعوب: كان مدافعًا عن التعددية الثقافية في الاتحاد السوفيتي
  • الحب والموت: بتلك الروح الفلسفية الشرقية التي ترى في الحب خلاصًا وفي الموت عودة

أعماله الخالدة

من أشهر قصائده “اللقالق” (Журавли)، التي تحولت إلى أغنية شهيرة لحنها يان فرنكل وغناها مارك بيرنيس، وأصبحت من أيقونات الثقافة السوفيتية — أغنية عن الجنود الذين سقطوا في الحرب العالمية الثانية وتحولوا إلى طيور لقالق بيضاء. كما كتب “داغستان بلدي” الذي أصبح أشبه بالسيرة الذاتية الروحية لوطنه. وفي عام 2016، أصبحت قصيدته “القَسَم” النشيد الوطني الرسمي لجمهورية داغستان.

الجوائز والتكريم

حصل حمزاتوف على أرفع الأوسمة السوفيتية والروسية والدولية، منها: جائزة ستالين (1952)، وجائزة لينين (1963) عن كتابه “النجم العالي”، وجائزة الدولة السوفيتية (1980) عن قصيدة “اعتني بالأمهات”. نال وسام لينين أربع مرات، ووسام ثورة أكتوبر، ووسام الراية الحمراء للعمل أربع مرات. كما حصل على لقب “بطل العمل الاشتراكي” (1974)، و“شاعر شعب داغستان”، ووسام القديس أندراوس (2003) الذي يُعد أرفع وسام في روسيا الاتحادية. دوليًا، نال جائزة جواهر لال نهرو، وجائزة الفردوسي، وجائزة كريستو بوتيف، وجائزة “لوتس” للكتاب في آسيا وأفريقيا، وجائزة “أفضل شاعر في القرن العشرين”.

إرثه

توفي رسول حمزاتوف في موسكو في 3 نوفمبر 2003 عن عمر يناهز الثمانين عامًا، ودُفن في المقبرة الإسلامية القديمة في تاركي إلى جوار قبر زوجته. في عام 2013، أُزيح الستار عن نصب تذكاري له في جادة ياوزسكي وسط موسكو، تخليدًا لشاعر جعل من جبال داغستان صوتًا يسمعه العالم. ترك حمزاتوف وراءه إرثًا شعريًا ضخمًا يضم عشرات الدواوين، وما زال يُقرأ ويُدرس ويُغنى في روسيا وداغستان والعالم العربي، حيث تُرجمت مختارات من شعره إلى العربية. إنه شاعر الجبال الذي تحدث بلسان البشر جميعًا.

المصادر

  • ويكيبيديا العربية: رسول حمزاتوف
  • ويكيبيديا الإنجليزية: Rasul Gamzatov
  • الموقع الرسمي: gamzatov.ru
بطاقة النص
رسول حمزاتوف: من الشعر الداغستاني
كتابة

شاعر داغستاني آفاري، من أعظم شعراء الاتحاد السوفيتي. اشتهر بقصيدة اللقالق. حائز على جائزتي لينين وستالين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى