
“أيّتها الآلهة والنبوات والزعامات والمذاهب والعقائد والتعاليم… أيّتها الأشياء والكائنات-كلّ الأشياء والكائنات… ما أقلّ جمالك وأردأ حظوظك لولا الأكاذيب التي تهبك كلّ جمالك وكلّ حظوظك…”
–عبد الله القصيمي
“إنّ الحياة أمرٌ بائسٌ جدًّا، ولهذا قرّرت أن أقضيها في التأمّل فيها.”
-آرثر شوبنهاور
للمالينخولي السّعيد هوايات يُروّح بها عن نفسه مُنتظرًا ساعة خلاصه الأبديّ، ساعة انعتاقه من هذا العالم المجذوم، فصاحبُنا كائنٌ خاملٌ لا يُنجزُ شيئًا يستحقّ الذكر أو التخليد في سجلّات الإنسانيّة الحافلة، فلا تراهُ يُعلنُ حربًا إلّا على الرّيح، ولا يعِدُ بالإصلاحِ ولا يفكّر في مستقبل الأجيال القادمة ولا يأملُ في غدٍ أفضل ولا يُدخّنُ غليونًا فائحًا بعبق العدالة الاجتماعيّة ولا يزيّنُ رقبته بوشاح مُطرّز بالشِعر الأمميّ ولا يُغطّي رأسه بقبّعة مُبطّنة بالأفكار الخطيرة ولا يهرف بكلام مُهمٍّ أبدًا… إنّ هواية صاحبنا المفضّلة وتسليّته الأثيرة هي التلصّص على العالم من خلال ثقوبٍ افتعلها في جدران جُحرهِ الوجوديّ، لا غرض لهُ في ذلك سوى الاستمتاع بمشاهدة النيران التي تشبُّ كلّ حينٍ في مسرح العالم المنخور بالسّوس…
لا يُحبّذ المالينخولي السّعيد إشعال الشموع ولا يريد أن يحترق كي يُنير الطّريق، فهو لا يلعن الظّلام ولا يُعاديه، بل إنّ في نفس صاحبنا رغبة عارمةٌ في رؤية الظّلام مُخيّمًا في الأرجاء، ولكمْ يودّ أن يشهد ذلك اليوم الذي ستنطفئ فيه هذه النقطة الزّرقاء الباهتة –أمّنا الأرض- إلى الأبد، لتحلّ مكانها ظُلمةٌ باهرةٌ، وصمتٌ كونيٌّ جليلٌ يُمزّقهُ من حينٍ إلى آخر نجمٌ ثاقبٌ أو انفجار جرمٍ سماويّ. سوف يستمرّ الكون في الاشتغال بمنطقه الخاصّ غير عابئٍ بالسّخافات التي سطّرها الإنسان في سبيل فهمه وتأويله والسيطرة على قوانينه. لم يكتفِ الإنسان –ذلك الكائن الجُذاميّ، سوسة الأرض- بالنخر في هذا الكوكب المسكين، بل صار يبحث في إمكانات الحياة خارجه، علّه ينجح في تثبيت موطئ قدمٍ في كويكبٍ آخر كي ينتشر فيه كالورم الخبيث.
يُمضي المالينخولي السّعيد أيّامه الطّوال مُختلسًا النّظر إلى المهازل الكُبرى التي تُرتكبُ في حظيرة البشر، حيثُ يتصارع الجميع وسيقانهم غارقةٌ في المياه الآسنة، غير عابئين بنُتونة الجوّ وفساد الهواء، يتصارعون إلى أن ينتهي أمرهم غارقين في الوحل، فتتكدّس جثثهم المتعفّنة ليعتليها ورثتُهم ويُشيّدُوا من جماجم آبائهم صروحًا أخرى يعتلونها كي يُواصلوا من بعدهم مسيرةَ الخرابِ. لم يتّعظ النوع الإنساني من تاريخه البغيض، ذلك التّاريخ الذي اعتبره الحكيم إيميل سيوران ” لا شيء سوى تكرار للكوارث بانتظار الكارثة النهائيّة”، إنّ نظرةً أبوكاليبتيكيّة ثاقبة مثل هذه تُلخّص تاريخ العالم وتُعرّيه من جميع التأويلات المثاليّة التي ينسجها جراحوا تجميل الطّبيعة الإنسانيّة الفاسدة وصانعُوا الأقنعة البلاستيكية الباسمة.
ينظر المالينخولي السّعيد إلى المُتفائلين وصنّاع الأمل ضاحكًا مُتهكّمًا مُتعجّبًا من تلك القدرة الفريدة على تجاهل الفساد الأصلي المُستفحل في الطّبيعة الإنسانيّة، مُستغربًا من إصرارهم على الإصلاح والترميم والترميق والتزويق .يجعلون من الحياة قيمةً عُليا تستحقّ النضال والتّعب والكفاح والمعاناة، لقد قال صاحبنا في مناسبة سابقةٍ أنّ “الضّرر هائلٌ وجبرهُ صار محجوبًا عن الأفق” وقد تنبّه كاتب سفر الجامعة -المنسوب إلى سليمان ملك بني إسرائيل- إلى هذه الحقيقة الوجوديّة منذ آلاف السّنين فقال:”رأيتُ كلّ الأعمال التي عُملت تحت الشمس فإذا الكلُّ باطلٌ وقبضُ الريح، الأعوج لا يمكن أن يُقوَّم والنقص لا يمكن أن يُجبر”(سفر الجامعة، الأصحاح الأوّل).
ليست محاولات الإصلاح وازدهار سرديات الأمل سوى علامات انحطاط وقصور في استكناه الشرط الإنساني. إنّ أرقى ما يمكن أن يصل إليه عقلٌ بشريٌّ، هو ما وسمناه ب”إرادة الفناء”، تلك الإرادة التي تتحدّى “إرادة الحياة” المفروضة علينَا بيولوجيًا حتّى نُحافظ على بقاء النّوع، إنّ الثورة الوحيدة الممكنة في هذه الحالة هي الثورة على برمجتنا البيولوجيّة وتدمير خطط النظام الطّبيعي الأعمى والتخلّي عن أوهام الخلود الجيني ورفض تمرير المعاناة إلى جيل آخر، أمّا غير ذلك فهو ليس أكثر من مساهمة في استمرار تلك المهزلة /العاهة التي نُسمّيها “الحياة” .
إنّ فكرة الفناء الإراديّ والقول بأفضليّة العدم على الوجود والإقرار بعبثيّة الحضور الإنساني في الكون والخلوص إلى فساد الطّبيعة الإنسانيّة، هي قواعد وجوديّة أصيلة في محاولة فهم الشرط الإنساني، وقد حكمت هذه المقولات تمثُّلات العديد من الأنفس المالينخوليّة طيلة تاريخ الفكر، تلك الأنفس التي قالت لا في وجه حياة لا طائل منها ودعت إلى وقف المهزلة عبر رفض التّكاثر البشري والدعوة إلى مقاطعة الإنجاب، حتّى يتسنّى لنوعنا الفناء بأناقة دون حروبٍ نوويّة أو معارك ملحميّة مثل التي يروّج لها المنتمون إلى السرديّة التوحيديّة الإبراهيميّة(هرمجدون /الملحمة الكبرى /أبوكاليبس سفر رؤيا يوحنّا اللّاهوتي).



الضياع:
هنالك حيث صراخ الحواس وهياجه المفتعل، يصبح المنجاة لمشاعرنا المكبوتة المحتقنة.. وتمسي القراءة مخرجا لعبور مخاوف حدسنا المستبدل بتعقلنا المهجن بين ضرب من التقاليد المتأصلة الخجولة المتواضعة، ونوع من المعاصرة الجريئة المستبدة الوقحة، ويبات حُلم البكاء الصامت، حشرجة جارحة وعويلا عاريا مفضوحا، حيث يغرغر المرء، في سديم غرفته، كآبة وعي آني الظرف مزيف وملفق، مختنقا في رغوة اللاجدوى، مجدفا في مستنقع ظلمة متعفنة لذاكرة تجب ما قبلها وتغرقها في جيف نتانتها، وتصفق الباب دونها والعالم الخارجي المصاب بلوثة العقل الراهن.
خواطر: حينما نفقس بيض التنين.
الخصاء المستفحل:
لعله الثلج الدفين قد استقر بولائنا في خبايا فضاء أنثوي المفردات العاقرة وأقبية فحولة المعاني المخصية بعد أن حل ترحاله وأفرد متاع البرد وسيّج بالعاصفة الثلجية انتماءه القارس ، وهكذا تنسحب ، منزاحة مرتجفة متصقعة ما بيننا أناشيدنا الوطنية مفسحة لرطن لغوي شحيح وكسيح ، رطب وبارد، مقلم الأظافر لا يخدش خدا لسفيه ، ولا يحرك ساكنا لمن عاث فساداً فيه ، مقنَّعا بمساحيق أدب المجاملة المبيتة على أمل ، شامخا بكعب تملقه على أقزام الرعاع ، وقد عدل من إنحناءاته المزمنة بمشد أكاذيب انتصاراته المزعومة ، وجرائمه الدموية ، حيث يتربع كمؤشر لطموحاتنا ، ويحتل حلمنا في منامنا ويقظتنا ،ويخطط بتلويحاته غاياتنا وأهدافنا . لقد شق على نفسي أن أسمع هديل الحمائم حيث شرفتي المطلة على الأهرام، وهي الطليقة النواحة المتباكية، وأنا السجين بجروحي وهمومي ومهجري ونزوحي، كما شق عليك يا دمشق أن تهجري شباكك المشرف على قلب العالم وإيقاع نبضاته، حيث تعقد على سجائفه اليمامات الأموية عرسا لقدوم صباحك المشرق الزاهي، وحفلا ختاميا لتوديع مساؤك الحالم. تلك المشاعل البربرية المغولية المجوسية الهمجية الغازية ، سينطفئ بريقها عما قريب ،وسيعيث التمرد فسادا تحت ستر الظلمة المستحكمة حيث تنفجر اللكنة المحلية المحتقنة بحناجرها الملتهبة ، ويصبح هذا النهار أغزر حلما في اليقظة ، ثمة تستعيد الجدوى بعد سقم عافيتها ، ويستخف المهاجر قبل الرحيل ، بالحداد الوطني المزيف الكاذب ، فمن منا سوى دريهمات زهيدة من قروض مستوفاة الدفع أضعافاَ ، ورجع صدى لواقعة فقدت سمعها بأجراس ناقوس يدق مزمجرا بلا رحمة رابضا على بوابات المحجر الوظيفي ، وما بين الحيرة ، وقبل البيعة الكبرى ، تلف الحشمة سيكارة صراحتها وتنفث ألفاظا سريالية ممطوطة تغيب إثر تشكلها عن الوعي وتتماهي في الحجرة المغلقة بلا معنى ، سوى أنها تحمل ما قبل عقد قرانها الأول رغبة حبلى بتوأمين ،: فرغبة في هجرة ، يرافقها حماس صندل متيبس ، تحفز في ريعان نضارته للرحيل ، وقليلا من خراج الأرض تلقي بها في وجه حاجز نصف مغيب ونصفه احمق ساذج ، تخندق في حلق حرية معتقلة ، وتوأم للثورة المتمردة الحانقة الحارقة الحاقدة .
خواطر: حينما نفقس بيض التنين