افتحي الأيام لأختفي وراءها – عقل العويط

ولأعترفْ
كان يمنعني عنكِ كلُّ هربٍ يركض فيّ
وكان يمنعني عنكِ خوفي على المعنى
وكم كان يضنيني أن أغيبَ مثلَ شمسٍ وراء غيمة
ومثلَ قمرٍ في نهار
لكني عرفتُ سذاجةَ هجرتي
وعرفتُ أن غيابي احتجابُ العودة الى الرحم
لأني منتظرُكِ وغائبُكِ ولأني أغدر بهربي
فكم هائلٌ ما تفعلين
ثم كم وكم عندما أهرب لأن كلَّ عثورٍ مانعٌ عن الكل
فأكون في استيلائكِ عليّ وفي نزولكِ على هروب جسدي.

ولأعترفْ
أجدكِ عندما تصلين الى صحراء نفسي
وصحراءُ نفسي لا شجرةَ فيها سواي
تجدينني ولا تستطيعين البقاء طويلاً لأني صحراءُ الله
وعندما أتوب الى هربي فلكي لا تصبحَ الأرضُ ضيّقةً
ولا المتاهةُ ميناءَ خلاصٍ جزئيّ
ثم أجدكِ عندما يعييني البحثُ عن سماءٍ مفتوحة
وعندما أعثر عليكِ فإنما تحت سقفِ الشعر
وإذا أمطرتْ أقول ها هي تمطر في كلّ الأمكنة
لأني أحبّ البقاء ولا أعود قادراً على الهرب
وكلما رأيتُ نفسي عائداً الى بيتِ جسدي أعثر عليكِ كأنما على بيتي الضائع
من هجراني أعود وهذا لسببِكِ الأشدّ جمالاً من حياتي
ومثل هذا يجعلني خالصاً من الوقت ومن المكان
ويمنحني اسمي حرّاً ومكبّلاً ثم حرّاً منه
فأخاطبكِ بصوتي وبغيرِهِ ثم أقتل صوتَ غيري
وأنزل عليكِ
وأخاطبكِ
لأنكِ تريقين نبيذَ ضجري فيظلّ خيالُنا مرتوياً
لكني أخاطبكِ وعيناي تفتشان عن شقيقٍ ضائع
وأخاطبكِ لأني مقتضَبٌ كشمسٍ لا تشرق طويلاً
كحياةٍ في قطبٍ تغمره الظلمة
وها هو جسدي يعبرني ولا يضعني.

أذهب الى مسائكِ ومعي جمرُ الاعتذار
أجعلكِ وسيطاً بين قلبي ولفظي لتدمليهما باحمرارِ الوجنتين
أنجز الوقتَ
وأحوك الليل دثاراً لضحكتِكِ الكارجة
أسترق النظرَ إليكِ من غيرةِ عينيّ
كي أختلسكِ من جسدِكِ
كي أنهبَ كلّ ما أستطيع ولا أعلن
كي أراكِ مرةً وحيدةً بكمالِ الرؤية
كي لا تعرفي أني ضعيفُكِ
كي تعرفي كم أنا ضعيفُكِ
كي لا أعرفَ أني أحببتُكِ
كي أعرفَ أني أحببتُكِ
كي لا أفقدَ حباً لا ينازعني أحدٌ عليه
كي أكونَ أعينَ كلِّ الذين يحبّونكِ
كي يتوافدَ أحبّتُكِ من قلبي فأوزّعهم على منازلِكِ السبعة
آنيةً لباقاتِ الخزامى
كي أهيّئَ الحطبَ لتشعلي الطريقَ أمام أفكارِكِ
كي أرتّبَ بيتي لموسيقى عشّاقِكِ ولجنونِ الآخرين في جسدِكِ
كي أرسمَ قمرَ العشّاقِ على العتمة
ليكونَ نافذةً على كلِّ خيال
كي أسعفَ الذين يحبّونكِ بحبّي
كي إذا بلغوا ميناءَ كِ يصلوا بمراكبي الكثيرة
كي في عتمةِ يديكِ
أصيرَ قناعَ مَن يدلّكون أحزانَ روحِكِ بالشعر ولعنةَ جسدِكِ بالجنس
كي تباركَني لعنةُ الماضي وتُغويني لعنةُ خلْق الحاضر
كي أُعدَّ طعامَ الصداقة لتنشغلي بالوليمة بدلَ السَّفَرِ في الهاوية
كي أسكبَ نبيذَكِ الأبيض على رخامِ الوقت
كي أرتضي أن أكونَ فُتاتاً لانتقامِ الجوع بعد عودتِكِ من كلِّ حبٍّ وخيبة
كي أجعلَ عينيكِ مرآةً للنظر إليّ كلّما غامتْ روحي تحت عشاءِ الرؤيا
كي أناديكِ مغسولةً بالطيب وملطّفةً بسعيرِ عطرِكِ الملائكي
وكي تكوني بديلي وغائبي
كي غداً وبعد غدٍ وأمس لا يعرف أحدٌ كيف أحبّكِ وكم
وحيداً وبلا منافسة
كي مسترقاً ومتسلّلاً أكونَ الرواقَ المفضي الى لحظةِ اندلاعِ خيالِكِ
وكي أكونَ نازعَ الليل عن وجهِكِ الى أن يسكرَ مني الحاضرون
كي، متقطّراً من النبع، يحصدَني الصيف ولا يبقى عليَّ ماءٌ في الشمس
كي أكونَ نظراتي فلا يشاركني أحدٌ متعةَ الفوز بكِ
وكي أكونَ مرارةَ أن تحملَكِ نظراتي الى البيت وأعودَ خالياً من عينيّ.

أقول هذا هو الحب
أعلّق يديَّ على خشبة لأوافيكِ في الصحراء والليالي
يُهلكني أنكِ تعدّين المائدةَ للآخرين
يُرهبني تهديدُكِ ولا أريد سواه
بقوةِ الأعداء ينهب كسلُكِ خزائني وأزعم أنها هداياي
يسلس الجنون قيادي ولا أعرف أن أليّن أحصنتَكِ
تقولين هذا هو الحبّ
وتقولين إنكِ خفيفة ثم تجتاحين حياتي
لا تتحمّلين انتظامَ الحياة
يجرحكِ خيالُ الكلام وحتى نظرةٌ تريد أن تصلّي
فماذا أصرخ ومَن أستنجد!

أوسِّط بيننا ملائكةَ الرأفة ليرفعوا للطريقِ ضفتين من الزنبق
أتداوى بصبرِ الأعشاب على العذاب
أكابد كي لا تنزلَ من وجهي تعابيرُهُ
أقتتل في دواخلي لأوحّدَ جموعي
وأصدّ بهاتين يديَّ جموعَ ليلِكِ
أجانِبكِ وطأةً تقتلني ثم أنتحب عليكِ
أضعكِ في صيفِ الفردوس تخبلينني في الجحيم
أرفعكِ الى غيمِ الموسيقى ترمينني في أخضر الصمت
أكلّل غيمَكِ بالمطر تخرّبين برديَ بالشمس
أحبّكِ تصيرين منتصفَ قمرٍ في آخرِ البحر
طعاماً لدلالِ الخيال
فماذا أصرخ ومَن أستنجد!

هكذا يبدأ اعتذاري
أنظر إليكِ بعينَيْ ذئب كي أتركَ لنفسي أن تراكِ
عن كلِّ مرةٍ ممكنة
عن كلِّ مرةٍ مستحيلة
عن كلِّ حياتي السابقة
عن الحياةِ المقبلة
عن الأفراحِ والأوجاع وعن الموتى والأحياء
عن اللصوصِ والملائكة وسارقي التفّاح
عن أولئك الذين يأكلونكِ بوحشةِ أجسامِهم ويشربونكِ بعطشِ الصحارى في أعينِهِم
عن نفسي كلما كثر عددُ الذين يلتهمونكِ
عن كلِّ الأجيال
عن الذين يحبّونكِ نيابةً عني
عن الذين يحبّونكِ نيابةً عن أنفسهم
عن الذين يتركون على الأبواب دموعاً ومشاعرَ انتقامٍ لأجلكِ
عن الذين يغارونكِ ولا يغارونكِ
عن الذين يكرهون أن يقاسمَهم أحدٌ نظرةً اليكِ
عن الذين سيحبّونكِ كلما غادرتِ
عن الذين يتوجّعون كلما عدتِ
عن الدوارِ الذي يسلبني براعتي في الوصف
عن التماسُكِ الذي يغريني بمفاتنِ البعاد وكبرياء المغادرة
عن اللفظِ الأقلّ بلاغةً من حبي والنظرةِ الأقلّ نفاذاً من الماءِ في الصخر
عن كلِّ مرةٍ تقفينها أمام مراياكِ وتمحوكِ مراياكِ بشراهةٍ ضاحكة
عن كلِّ مرةٍ تكونين امرأةً أخرى
عن كلِّ مرةٍ تكونين لإخوتي وأعدائي
عن كلِّ مرةٍ تكونين لي
عن كلِّ مرةٍ تكونين لي ولإخوتي وأعدائي
عن طفلةٍ على غرارِكِ تولد سبعَ مرات وأموتها سبعَ مرات
عن السبعِ النساء اللواتي يُقمنَ فيكِ
عن سجونِكِ السبعة وتزعمين أنها أمكنةٌ للفرار
عن يومِ الأحد حين أيضاً لا يستريح الله من خَلقِه
وعن عددِكِ الصالحِ لأيام الأسبوع ولا عددَ لكِ
عن الرجالِ الذين تحبّينهم
عن الرجالِ الذين لا تحبّينهم
عن كلِّ رجلٍ آخر تحبّينه وتكرهينه
عن كلِّ نظرةٍ تشتهي أن تكرجَ عليكِ
عن كلِّ يدٍ لا تملك أن تلامسَ خيالَكِ
عن خيبتي عندما أعود الى البيت ولا أرى ضحكتَكِ على قلبي
عن غيرتي كلما رأيتُ ضحكتَكِ وليمةً في أعينِ الآخرين
عن كلِّ رغبةٍ لا أستحقها
عن كلِّ رغبةٍ تستحقين أن تملكيها ولا تملكينها
عن كلِّ سكوتٍ لم تعرفي أنه لأجلِكِ
عن كلِّ ثرثرةٍ زائدة
عن كلِّ أحزانِ يديّ وعن كلِّ خوفٍ وارتباكٍ لا يراعيان وداعتي
عن كلِّ ذهابٍ لي عنكِ وإيابٍ إليكِ
عن كلِّ حكمةٍ أسديها وعن كلِّ جنونٍ أحاكَم عليه
عن ادّعائي وتواضعي
عن غريزتي كلما عرفتُ أنكِ ستسلبينني مناعةً باقية
عن ذكائي كلما دعوتُكِ الى العشاء
عن سعادتي كلما أحببتُ خسراني
عن جهلي ومعرفتي المسبقين
عن كلِّ عاصفةٍ لم تكسر شوكةَ أغصاني
عن كلِّ عاصفةٍ كسرتْني وأغصاني
عن كلِّ هاويةٍ رمتْني إليكِ
عن كلِّ هاويةٍ رمتني إليكِ ولم أهوِ
عن رعبي بأن رجلاً آخر يقيم فيكِ
عن رعبي بأن رجالاً آخرين
بأني لستُ لصّهم وأمينَهم
وبأن امّحائي غير تام لأكونَ جنودَهم وأعداءَهم معكِ
فماذا أصرخ ومَن أستنجد!

هكذا تبدأين اعتذاري
تنظرين إليّ بعينَي ذئبٍ يتأهّب للفريسة
كي تتركي لنفسكِ أن ترَيني عن كلّ مرةٍ ممكنة
عن كلّ مرةٍ تقيمين في مكانٍ محدّد
عن كلّ مرةٍ لستِ في أمكنةٍ عديدة
عن كلّ مرةٍ تأوين الى جسدِكِ كسائر النساء
وتتعرّىن كخيالِكِ
عن كلّ مرةٍ أنكِ
وأنكِ
وأنكِ نائمةٌ في بحيرةِ حناني
وأنكِ حرّةٌ مني
وأنكِ حرّةٌ فحسب
وأنكِ مَن أراها ومَن لا
وأنكِ تمنحين الآخرين أن يرَوا فيَّ أسماءَكِ
وأنكِ تصيبين أهدافَكِ بلا قوس
وأنكِ تعرفين خوفي أن أنظرَ إليكِ
وأنكِ تعرفين مشقةَ أن لا أنظرَ إليكِ
وأنكِ تجهلين مشقةَ أن أنظرَ إليكِ
وأنكِ كلُّ شاردةٍ وشاردٍ منكِ ومنّي
وأنكِ صفاءُ جلوسي تحت الليل الى أن يأتي الملاكُ حاملاً البشرى
وأنكِ سقفُ الغيم وغريزةُ الرملِ المتحرّكِ تحت وقوفي
وأنكِ ملاكُ كلِّ ضحكةٍ ونومٍ لي
وأنكِ شيطانةُ زهرةِ الفيروز
وأني لن أسترقَ النظرَ إليكِ يوماً
وأني سأنظر إليكِ مثلما أنظر الى أيِّ امرأة
وأني سأصافحكِ
وأني سأخاطبكِ بكلامٍ وقور ومشاعرَ أخوية
وأني سأجاملكِ مثلما أجامل حياتي
وأني سأتعايش معكِ مثلما أتعايش مع موتي
وأني عاقلٌ لأصحّحَ لكِ الأخطاء وأسندَكِ في المشقات
وأني مدركٌ أنكِ تبدعين شيئاً هائلاً غيرَ جمالِكِ فيَّ
وأني سأكون مع امرأةٍ أخرى
وأني سأكون معكِ ولن أكونَ معي
وأن أحداً سيعرف
وأن أحداً لن يعرفَ
وأني بابُ بيتِكِ وفنجانُ القهوة
وأني صالحٌ للقفز من الباب الى الشبّاك ومن الشبّاك الى الخيال ومن الخيال الى الهاوية
وأني ضالعٌ في حنكةِ مراياكِ
وأني جناحُكِ المتمرّدُ عليكِ كلما وقعْتِ في الحكمة
وأني أفرادُكِ الضائعون إليكِ في التجربة
وأني الأزرقُ من خوفي والأحمرُ من غبطتي والأبيضُ من اغتسالي بطيبكِ
وأني كلُّ الألوان لكِ
وأني مدينٌ لكِ بالأوجاع كلما تحرّك أنينُ الجبال في الأعالي
وبالنظراتِ حين تقول للقتلى أن يتجمّعوا في رأسي
وأني مجنونُكِ كلما لممتُ لكِ ضحكةً
وأني لم يتسنّ لي أن أبيحَ نفسي لنزولي الى ليلِكِ
وأن نفسي باتت لكِ مباحةً بلا إرادةٍ منّي
وأني مباحُكِ وممنوعُكِ قبل أن أخافَكِ وأهربَكِ
وأني الملاكُ الساقطُ من سقفِ غيمةٍ على سطحِ هاوية
وأني ملاكُ وجهِكِ وشيطانُ دعوتِكِ
وأني شعبُكِ وصحراءُ عبورِكِ الى اليمّ
وأني جسدُكِ الذي يسند ترابَ الحديقة من الانزلاق
وأني بيتا دموعِكِ ومعطفُ شتائِكِ الأخفّ من الهواء
وأني سأهرب في رأسي حيث أستطيع أن أحتمي من هلاكيَ المعلَنِ فيكِ
وأني لن أجدَ حمايةً لنفسي منكِ
وأني سأهرب فلا أرى نظراتي كي لا أراكِ
وأني هاربٌ مذ رأيتُكِ الى مجاهلَ أكتشف بذهولٍ أنكِ فيها وأني مغبوطٌ لأني ذاهبٌ الى أمكنةٍ سأجدكِ ولن أجدَكِ فيها
الى أمكنةٍ تحرقني بعذابِ غموضها
وأني إذا استرقتُ النظر ولم أجدكِ سأراكِ بتمامِ قلبي
وأني إذا رأيتكِ فبأعينِ جميعِ مَن سيحبّونكِ وسيكرهونكِ
وأني إذا أتممتُ الرؤيةَ سأفوز بعماءٍ عظيم
وأني هالكٌ ولستُ صالحاً لأكونَ ميناءَ عودتكِ من بحارِ أسمائِكِ الكثيرة
وأني صالحٌ لكلّ هذا
وأني ساهرُكِ
وأن موتي ليس أصعبَ من انتظاري
وانتظاري تحت قوسِ القزح ليس أجملَ من حبّي وأنتِ تتريّضين في عريِكِ الحرّ إنعاماً للقلب وتلييناً لأحوالِهِ
وأن حبَّكِ الناضجَ في أتونِ الوحدة سيكون سميري
أنا المقيمُ في عتمةِ الباطنِ الى أن ينموَ البحر في أحدِ الأيام
وأني جارُكِ في الخيال وتوأمُكِ في الليل وجديدُكِ في الرجال
وأني العددُ الذي لا يُحصى لأني لستُ في مكان
وأني مدمعاكِ كلما تساقط البللُ الغامض ولم تجدي أرضاً لزرعِكِ سوى فراغِ البئر
وأني كاتمُ وجوهِكِ وأهوالِكِ وكاتبُكِ كلما أقمْتِ في ريفِ جروحي وكلما ارتحلْتِ
وأني صباحُكِ في الفرج وظهيرتُكِ في النوم ومساؤكِ في الضيق ونصفُ ليلِكِ في الرغبة
وأني غائبُكِ وحاضرُكِ بسبب القناعِ وأصلِ الوجه
وأني أُتمّ مشورةَ القلب ومبالغةَ الخيال وسَفَرَ الوهم
وأني الأسرعُ بين الطيور لأقعَ الأسرعَ من الغيم
وأني المتهوّرُ كلما أبعدتُ بصري عن مرمى القنص لأرى بالغريزة مخبأَ الطريدة وفرارَها
وأني المقيمُ بسبب العاصفة تحت سقفِ الغيومِ الكثيفة
ولا يدُكِ تضع حداً لجمالِ ما أنا فيه
ولا جنونُكِ يقول كلمةً ليهدأ روعُ القمر
ولا وحدتُكِ تقول لي تعالَ.

عقل العويط

‫2 تعليقات

  1. قلت لك مراراً محمد: هذا الجسد يحتاج إلى نبضك أبداً…
    حمداً لله على السلامة. .اختيار رائع بل بهي…
    شكراً محمد…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى