شعر عربي معاصر

النصُّ والخَبَر – قاسم حداد

آتِيك ِ، آتِيكِ، لا أنْتِ فِي الشَّكِ ولا أَنَا فِي الغَفْلَةِ. أَمَضَّنِي السَّفَرُ وثَلْجُهْ، الصَمْتُ وجَحِيْمُهْ، أَمَضَّتْنِي القِفَارُ وسِيْرةُ الوَحْشِ.

ومَا عَلَيكِ إِلا أَنْ تَظُنِّي بِيَ الظُنُونَ ولا أَخْذِلُها، وتُطْلِقِي خَلْفِيَ الكُتُبَ لِكَي أَخْذِلَكِ.

آتِيكِ، فَلا مَفَرّ ولا خَلاص مِمِّا اخْتَرناهُ إلا اختِيارَهُ. آتِيكِ فَابْذُلِي الوَقْتَ، وبالِغِي فِي الحُبِّ لِنُصَابَ بالبَهْجَةِ، ويُصَابَ النَاسُ بِمَا يُرِيْدُونْ.

عَلَيكِ أَنْ تَبْذُلِي رَيْشَ كَتفكِ، لِكَي أَضَعَ عَلَيهِ رَأسِي وأَبْكِي لَكِ البُكَاءَ كُلَّهُ، إلى أَنْ تَحْتَرِقَ كَبِدِي، ويَتَصَاعَدَ مِنْها اللَّهبُ والشَوَاظُ وبُخَارُ اللَّهْفَةِ.

وعَلَيْكِ أَنْ تُصْغِي لِلأَخْطَاءِ المُلَفَّقَةِ كُلِّها. تُصْغِي إليْها بِلا اكْتِراثٍ. فَفِي كَتفكِ يَنْهالُ جَيْشٌ مِنَ الفُرْسَانِ المَهْزُومِينَ يَزْعُمُونَ انْتِصَاراتِهمْ.

عَلَيكِ بكَتفكِ الرَهِيفَةِ ورِيْشِها، عليك أَنّ تَحْتَمِلِي عُوَاءَ الذِئْبِ ونَحِيب الكَبِدِ المَفْدُوحِ. عَلَيْكِ دَيْنٌ لِي أُؤَدِّيهِ عَنْكِ، ولَكِ دَيْنٌ عِنْدِي تُؤَدِّيْنَهُ لِي. كِلانَا مَسْحُورٌ وكِلانَا لا فَكَاكَ لَهُ مِمَّا هُوَ فِيه.

عَلَيْكِ أَنْ تُؤْمِنِي بِي قَادِمَاً ذاتَ لَيْلٍ، فَازِعَ القَلْبِ مُحْتَقِنَ الأحْدَاقِ مَجْنُون الفُؤَادِ مَحْسُورَ الجَسَدِ، بَاحِثَاً عَنْ صَدْرٍ يَدّخِرُ الجنَّةَ لِي.
فَعَلَيكِ أَنْ تَشُقِّي لِيَ القَمِيْصَ عَلى آخِرِهِ كَي أَدْخُلَ أنَّى أَتَيْتُ وأخْرُج أنَّى ذَهَبْت.

عَلَيكِ أَنْ لا تَكُفِّي عَنِ السَهَرِ ولا تَأخُذُكِ سِنَةٌ مِنْ النَوم، ولا يَفُوتُكِ الحُلُمْ. وسَاعَةَ أَنْزلُ عَلَيكِ مِثْل مَلَكٍ يَحْملُ النَبَأَ، لا يُخَالِجُكِ شَكٌّ فِي شَخْصٍ لا يُشْرِكُ فِيكِ شَيئَاً ولا تَنَالُهُ المَظَنَّةُ ولا يَصْدُرُ عَنْ سِواكِ ولا يَذْهَبُ لِسِواكِ ولا يَقُولُ عَنْ سِواكِ ولَيْسَ لَهُ مَآلٌ غَيْرُكْ.

عَلَيكِ أَنْ تَجْعَلِي الخِبَاءَ بَهْوَ الكَونِ وسُرادِقَ المجَرّةِ وسَرِيْرَكِ السَديم. عَلَيكِ أَنْ تَجْعَلِي بَابَ الخِبَاءِ مَتْروكاً بَعْدِي، لِكَيْ تَدْخُلَ البَادِيةُ كُلُّها والحَضَرُ كُلُّهُ، فَيَنْظُرونَ إلَينا ونَحْنُ نَضَعُ أَعْضَاءَنا فِي القَتْلِ والقِتَالِ. تَحْتَّكُ وتَحْتَدِمُ وتَرْتطِمُ ويَتَطَايَرُ مِنْها النُورُ وتَنْدَفِقُ النِيرَانُ.

دَعِي لَهُمُ الخِبَاءَ فِي التَّرّْكِ لِكَي يَنْهَالُوا ويَنّْهَلُوا مِمَّا نَفْعَلُ ولا يَعُودُونَ يَشُّكُوْنَ فِي النَّصِّ والخَبَرْ.



من ديوان: مجنون ليلى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى