المدونة

  • فيديريكو غارثيا لوركا – استشارة

    فيديريكو غارثيا لوركا – استشارة

    يازهرةَ الأحزانِ الزرقاء

    سندانَ الفراشات!

    هل رغدٌ عيشكِ في وحلِ

    الساعات؟

    .

    (آه .. يا شاعري الطفل

    حطم ساعتك!)

    .

    يانجمةً باهرةَ الزرقة

    سندانَ الفجر.

    أرغدٌ حياتكِ في رغوةِ

    الظل؟

    .

    (آه .. ياشاعري الطفل

    حطم ساعتك!)

    .

    ياقلبي الأزرق

    يامصباحَ غرفةِ نومي

    هل تخفقُ حقاً

    دونَ دمي العاشقِ للحنْ؟

    .

    (آه .. ياشاعري الطفل

    حطم ساعتك!)

    .

    إني أفهمكم كلكم .. إني أستودع نفسي

    مهملاً – داخل مجموعةِ الأدراج

    كي تأتي حشرةُ الوقت.

    لعابها المعدني

    لن يُسمعَ في هدأةِ

    غرفةَ نومي.

    يجب أن أخلدَ للنوم راضياً

    مثلما تنامون

    زهرةََ الأحزان .. النجوم

    ففي النهاية .. سوف تطيرُ

    الفراشة مع تيارِ

    الساعات

    بينما الوردةُ

    تخرج برعمها من صدري.

    *

    ترجمة / عدي الحربش

  • فيديريكو غارثيا لوركا – نشيدُ فارس

    فيديريكو غارثيا لوركا – نشيدُ فارس

    قرطبة.

    بعيدٌ أنا.. ووحيد.

    .

    مهرٌ أسود .. قمٌر كبير

    والزيتون يملأ جرابي

    رغمَ أني أعرف الدروب

    لن أصلَ أبداً إلى قرطبة.

    .

    عبرَ الطريق .. عبرَ الرياح

    مهرٌ أسود .. قمرٌ أحمر.

    الموت يحدق فيني

    من فوق أبراجِ قرطبة.

    .

    آهِ ! ماأطول الطريق!

    آهِ ! يامهري الشجاع!

    آه! ذلك الموت يجب أن ينتظرني

    قبلَ أن أصل إلى قرطبة.

    .

    قرطبة.

    بعيدٌ أنا .. ووحيد.

    *

    ترجمة / عدي الحربش

  • فيديريكو غارثيا لوركا – الحمامِ الأسود

    فيديريكو غارثيا لوركا – الحمامِ الأسود

    من خلالِ غصونِ الغار

    رأيت حمامتين داكنتين

    الأولى .. الشمس

    والأخرى .. القمر

    قلت لهما: يا جاراتاي

    أين هو قبري؟

    في ذيلي، قالت الشمس

    في جوفي، قال القمر

    وأنا الذي كنت أمشي

    والأرض حزامٌ لي

    رأيت حينها نسرين من الرخام

    وبنتاً عارية

    أحدهما كان الآخر

    والبنت كانت لا أحد

    قلت لهما: أيّها النسرين

    أين هو قبري؟

    في ذيلي، قالت الشمس

    في جوفي، قال القمر

    من خلالِ غصونِ الغار

    رأيت حمامتين عاريتين

    إحداهما كانت الأخرى

    وكلتاهما .. لا أحد.

    *

    ترجمة / عدي الحربش

  • فيديريكو غارثيا لوركا – شجرة البرتقال المجدبة

    فيديريكو غارثيا لوركا – شجرة البرتقال المجدبة

    أيّها الحطاب.

    اقطع ظلي

    خلصني من العذاب

    من رؤيةِ نفسي دونَ ثمر.

    .

    لماذا وُلِدتُ بين المرايا؟

    اليومُ يدورُ من حولي

    والليلُ يصنعُ نسخاً مني

    في كل النجمات.

    .

    أريد العيشَ دون رؤية نفسي

    وسوف أحلم بأن النملَ

    وأن الشوك

    صارا أغصاني وطيوري

    .

    أيّها الحطاب.

    اقطع ظلي

    خلصني من العذاب

    من رؤيةِ نفسي دونَ ثمر.

    *

    ترجمة / عدي الحربش

  • حنين الصايغ – لو تأتي إشارة واحدة

    حنين الصايغ – لو تأتي إشارة واحدة

    كل يوم…
    أقرر ألا أنام في رحم إسمنتي بعد اليوم
    يا لضيق هذه الغرف…
    أحلم بالنهر دائما
    لو ترسل لي الغابة إشارة واحدة
    كي أفتح الباب وأجري
    بثوب النوم الرقيق الى هناك…
    لو يمزق البرد صدري
    لو أجري حتى تتخلص ساقي من عقدة الجريان
    ويمتزج دمي بتراب الارض الرطب
    ولكني أخاف من الكوابيس حين تفلت من سلاسلها العريضة وتنقض على رأسي الصغير

    النهر قبّلني مرة وترك لي مجراه… وذهب
    فهمت أن نبتة في مكان ما تنتحب
    وتُقلق النهر
    مددت جسدي في المجرى وكأنه كفن
    يا لعظمة الخالق و التكوين!
    كيف لا نموت من كثرة الوجع؟!
    أنا لم أنده النهر كي ينسكب فوقي
    من أنا لازعج النهر بنداءاتي؟؟
    قد يعود قريبا قلتُ ….
    وأعتذر له عن موتي في غيابه
    قد يبتسم ويغسل جرحي
    أو يحزن
    وأتوسل إليه أن يسامحني!

    ملمس الطحالب ذكرني بالكنزة الصوفية
    التي أحاكتها لي أمي
    بكمين طويلين جدا
    كاحتمالين يتدليان على جانبي جسدي الهزيل
    ظننت أن لا حاجة لي بطولهما
    ولكن ككل الاحتمالات
    كان الكمان يسعفاني في تجفيف دموعي
    و أنفي…
    وكنت أحيانا أحشو بهما فمي كي لا أصرخ
    أليست هذه وظيفة الاحتمالات؟؟
    كم بعيدة أصبحت كنزة الصوف
    كم أنا بحاجة لقص هاذين الكمين
    لأحرر دموعي
    وأصرخ للنهر كي يأتي
    وينام الى جانبي
    في مجراه.

  • إسماعيل هموني – امرأة من رخام المطر

    إسماعيل هموني – امرأة من رخام المطر

    هل شربت من كأسك أم مازلت أقود إلى الماء كأسي ؟

    جرعة ؛جرعة كنت أبلل عطشي ؛ أمد سيري في صحراء وجداني ؛ ولا أتعب من

    الترحال ؛ أدس خبيئتي في روائح قادتني إليك .عرفتني الآرام وانحت لي ؛ وخلفي

    دست في وجيبي شوقي المحاذي إليك ؛ وما انسكب نهري سوى تاريخ ؛ تاريخ

    الأرض الذي غفوت على كاحله حتى أرى في حلمي أنك من طيوب الماء .

    سأشرب من فتنتك هيامي ؛ وإن خامرني السؤال عن معناك في وجودي ؛

    سأشرب من تشابه بيننا في نياط القلب ؛ وأسافرإليك ؛ أحمل أندلسي ؛ ووجها

    مليحا لأمي ؛ أطير ؛ أعبر المدائن حاملا دثار النور لقلبك المجيد.

    كل صباح يفارقني يأتي ؛كسرب نور ؛ يطالعني من أنباء الغيب ؛ أن عمر الكلام

    أوسع من شرفات الوقت القديم ؛ وأن الأرض تدور ؛من صفوها ؛ على أحجاري.

    بعض ما كان يهرب مني لا أجده سوى وشم يديك على لون اللثلج ؛ فأفرح إذ

    يسابقني الدفء مني إليك ؛ فألبس حنيني إلى الصبوات .

    لا شيء يشغلني عنك مادمت يدي التي تعبر وجداني ؛ وتلتقط شغفي بين ألحان

    الماء ؛وتهديك موعدا مبللا بالاعطاش . أعرف أن أصابعي تلامس زهو أنفاسي ؛

    وأراها تسطر صعود الأفياء من رئة النهر لتغسل على إثرك الأرض.

    كان النداء صدى الأزل في عينيك ؛ يهز ثمراته من نخيلي ؛ وأسمع دبيبه في

    كلماتي ؛ به أشعل للآتي يقظته على حواف المجاز؛ وأحرق بخورا طاول عطره

    زند الفرح في لذائد الاشتهاء .

    حين جئت من بعيد أرتق جرحي بطعم كلماتك ؛ أوسعت لي اللغات ظلالها ؛

    ومشيت ؛هامسا ؛ للجرح أن يدها شفاء ؛ ولم يخامرني ؛هذه المرة ؛ سؤال .

    أليس يكفي أن أرى الغناء معدن النور ؛ وأن الرقص للفراشات يقين يضئ

    أسوار الريح من أركان العتمات ؟

    على أي ؛

    أنا هنا أدافع عن كيان الغناء ورحابة اللغة في أنفاس الله ؛ طائعا مطيعا جدائل

    الكلام من يقين عتقته في جراري امرأة من رخام المطر ..

  • وداد سيفو – حالة غريبة

    تلازمني حالة غريبة
    كلّ يوم أفتح عيني بصعوبة بالغة وكأن ثمّة من قام بقتلي في الليل
    أرفع الستارة متلهّفة لرؤية مايدلّ على أنّي ما زلت على قيد الحياة
    أبدأ يوماً جديداً
    وفي كلّ يوم أبدأ نهاري بعبارة سأكون سعيدة اليوم
    ثمة موت في مكان ما من قلبي
    أصبحت على يقين من ذلك
    في زاوية ما ثمة خيمة عزاء لاتريد أن تغلق
    منذ خمسة أعوام كنت طفلة
    خمسة أعوام فقط
    ليس ذلك بالكثير لأتحول لكهل
    يديرون وجهه كلّ صباح باتجاه القبلة
    ويحتضر..
    انعدمت الأصوات التي تخرج مني،
    أحيا بصمت خارج عن المألوف لامرأة،
    أفتعل الكثير من الأحداث لأضحك
    لكني لا أستطيع
    ثمّة خدَرٌ في فمي
    الجميع يعلمون أن شيئا ما تغيّر بي
    جميعهم يبوحون بذلك أيضاً
    لا أحد يتكلّم عن ملامح وجهي
    لكن هناك ما تغيّر
    كأن تمسك عصفوراً صغيراً
    وتنتشل رأسه حفاظاً عليه من أن يصطدم بحائط
    هكذا أنا
    مسلوبة الرأس
    لا جديد يستحق عناء القول
    لكنني أحاول الكتابة عن موتي
    ربّما
    أعود إلى الحياة يوماً
    ربّما!

  • ماجدة الظاهري – كعسل في علبة القبل

    بَيْنَ القبلةِ وَالقبلةِ أرْسُمُ عِطْرَكَ أجْنِحَةً مِنْ نور.
    يَصيرُ الكَلامُ مُضيئاً،
    والمَجازُ أوْسَعَ مِنْ تَأويلِ المُوسيقى لِرَقْصِ الدَراويش.
    عَلى أهْدابِ الوَقْتِ حَطَّ بِنا الكلامُ، 
    كُلُّ الأشْياءِ تَتَماهى مَعَنا،
    تَفُكُّ أزْرارَ الفَصْلِ والوَصْلِ،
    حَتّى لا تَقَعَ في مَوْجِ شِراكِهِ قَصْبَةُ صَيّادٍ، 
    أغْواهُ الماءُ بِرِحْلةٍ أُخْرى إلى أعالي الوِصال.
    عَلى مَوْقِدِ الحُلْمِ يَحُطُّ بِنا الكَلامُ، 
    نَنْفُخُ في جَمْرِهِ، مِنْ أنْفاسِنا 
    حَتَّى يَتَّقِدَ، في مَدى الوَصْلِ والفَصْلِ، سَريرُ الصَمْتِ 
    تَصيرُ الثَرْثَرَةُ مُجْدِيَةً وَهْيَ تَضْفُرُ أوْجاعَ الليْلِ
    وَتَتْرُكُ عَمْداً بَعْضَ خُصْلاتِهِ
    مُلقاةً عَلى أهْدابِ وَقْتٍ يَتَأهَّبُ أنْ يُبَعْثِرَ الضُوءَ
    لِتَلينَ الكَلماتُ 
    أكْثَرَ 
    وَتُطِلَّ مِنْ بين حُروفِها مَجازاتٌ 
    كَثيرَةٌ 
    لا تَحُدُّها شَهَواتٌ
    نَجُرُّ المَعاني 
    كُلَّها إلى غاباتٍ 
    تَعْرِفُ عَدَدَ العَصافيرِ التي تُغادِرُها كُلُّ صَباحٍ 
    وَتَحْشُرُ زَقْزَقَةَ الراحِلةِ إلى الأبَدِ في صَفيرِ الريح.
    عَلى اٌسْمٍ آخَرَ للحَياةِ يَحُطُّ بِنا الكَلامُ 
    نُحاوِلُ عَدَّ قَطَراتِ الماءِ التي 
    سَتَنْسَكِبُ عَلى أيّامٍ مَعْدوداتٍ
    نُشيدُ بِها جِسْراً 
    تَتَمَشَّى عَليْهِ الحِكاياتُ 
    في انْسِجامٍ حيناً
    وَحيناً تُرْكُضُ مُنْبَهِرَةً 
    بِالمَسافةِ
    بَيْنَ الخُطْوَةِ
    والخُطْوَةِ
    كُلُّ الخُطُواتِ تَعَرَّفَتْ 
    عَلى رائِحَتِنا 
    في طينِ المَسيرِ إلى مَكانٍ ما
    وَكُلَّما غَمَرَها الشَذى لانَتْ صُخورٌ كَثيرَةٌ 
    لِتَنْبُتَ في شُقوقِها حِكايَةٌ
    لا تَفْسيرٍ لها في سِياقِ الكَلامِ
    تَفيضُ عَلى رُخامِها قُبْلَةٌ مُبَلَّلةٌ بِوَعْدِ أمْطارٍ كَثيرَةٍ
    تَقيسُ بِها طُولَ خُيُوطِ المُوسِيقى التي تَلُفُّنا.
    عَلى تَعاليمِ الليْلِ يَحُطُّ بِنا الكَلامُ 
    يَفْرُكُ صُوّانَهُ كَثيراً فَتَنْدَلِعُ حَرائِقُ اللُغَةِ الحَرامِ 
    تَأْكُلُ أطْرافَ العَتْمَةِ لِنَرى مَلامِحَنا واضِحَةً 
    أراكَ وَتَراني 
    في دَمْعٍ يَكادُ يَلوحُ مِنْ بَرْقِ الأَماني
    يَقْتاتُ مِنْ رَعْدِ الحَنينِ حُبّاً كَثيراً
    يُوَزِّعُ ما فاضَ عَنْ حاجَتِهِ 
    خَرَزاً 
    لِقَلائِدِ العاشِقينَ
    تَراني وَأراكَ 
    في حُزْمَةِ ضُوءٍ 
    يَتَسَلَّلُ مِنْ مَحارَةٍ
    تَمْنَحُ الصَباحَ ابْتِسامَةً بِلوْنِ العَسَلِ 
    هِيَ البَيْتُ الحُلوُ لِأحْلامِ جَسَدَيْنا 
    هِيَ السِرُّ يَنْكَشِفُ فَيَتْبَعُهُ مَنْ يَراهُ
    هِيَ اٌنْبِهارُ العَسَلِ بِطَعْمِهِ في عُلبَةِ القُبَلِ
    أراكَ وَتَراني 
    في فُخَّارِ الروحِ
    يُعانِدُ يَدَ الخَزّافِ في تَرْتيبِ وُعودِ الرَبِّ في الأيَّامِ السَبْعَةِ
    يُضيفُ لها بَريقاً 
    يُسَمِّيهِ يَوْماً آخَرَ 
    في عُمُرٍ آخَرَ 
    مِنْ حَياةٍ 
    أُخْرى.

  • الحزن متوازي الأضلاع – أحمد أبو عواد

    الحزن متوازي الأضلاع – أحمد أبو عواد

    أعرف شكل الحزن،
    إنه ضخم.
    يشبه متوازي الأضلاع.
    لديه قدمان ويدان وخمسون إصبعاً
    مليء بالشوك
    شاحب وطويل
    حين يمشي يحني رأسه، كي لا
    يبعثر الأحلام من ليل أصحابها
    أعرف شكل الحزن
    الذي يشبه متوازي الأضلاع
    جلست بداخله مرة
    قابلت فتاة أحبها
    كتبت فيها قصيدة
    ثم لكي ترد لي هذا الجميل
    دفعت عني ثمن القهوة
    قابلتها مرارا فيه
    صار مقهانا الوحيد
    صار بيتنا الوحيد
    صرنا مجرد مقاعد داخله
    مارسنا الجنس في عتمة زاوياه
    بللنا أرواحنا في باحاته
    قشرنا برتقال الوقت
    ركضنا، ختمنا كل مواعيد العشاق
    في مدارسه
    أنجبنا أول طفل فيه
    وقتلناه
    كنا اثنين، مثل عصفورين
    على غصن في شجرة

    أعرف شكل الحزن
    أعرفه
    يشبه متوازي الأضلاع
    إنه ضخم، وطويل
    مليء بالعتمة
    له خمسون إصبعا، وقدمان
    مليء بالشوك كقنفذ
    تعرفت فيه على امرأة
    وأحببتها
    أنجبنا فيه طفلا ، وقتلناه
    أردنا أن نكون معا
    أنا وأنت
    ضلعيه الوحيدين !

  • حسونة فتحي – لك أن تحزن ومختارات أخرى

    حسونة فتحي – لك أن تحزن ومختارات أخرى

    لك أن تحزن


    أن تكون جادًا في حزنك
    أيُقاسُ الحزن بالجدّية؟
    ليكن حزنك إذن عميقاً؛
    هذا مقياسٌ جيدٌ للحزن
    ما الذي يجعل الحزن عميقاً؟!
    الموت؟
    الموتُ خفيف وهش
    ورخيص جداً
    بل هو مجاني
    حتى أنه ليوزع على الناس
    دون أن يطلبه أحد
    فهل الرخيص الهش المجاني يستحق الحزن؟!
    للحقيقة.. ورغم الحزن
    لا شيء يستحق الحزن؛
    الحزنَ العميقَ جداً
    سوى الحياة.

    الانفجار العظيم

    كُلّ ما عليكَ فعلهُ،

    أن تَرجع للماضي البعيد

    إلى تلك اللحظة المجهولة المبهمة قبل بدء الخلق

    تلك اللحظةُ ذاتُها؛

    ربما مَرّت بك في الماضي القريب أيها الشاعر

    أو هكذا تظنُّ للشِّعرِ

    لحظة تكوينه: التَّفَتُّتِ والتَّباعُدِ والانطلاق لذرّاتهِ ومكوّناتهِ الأوَّليةِ؛

    لتَصيرَ- على مهلٍ- مَجَرّةً،

    أو شَمسًا

    أو جِرمًا من أجرامها: كوكبًا، نيزكًا، مُذنّبًا

    أنت فقط؛

    من يمكنه أن يحدد النتيجة دون نقدٍ،

    أو تفكيكٍ،

    أو بنيويةٍ،

    أو مناهج ستكتب يومًا قصيدتَكَ الأهمّ

    لا اللغةُ،

    ولا الأسلوبُ

    ولا التَّجرِبةُ ستجعلُكَ تنالُ مطلبَكَ.

    فقط؛ عليك أن تكتب،

    وستصرخ يومًا حين تكتب قصيدةً تمزّقُ روحَكَ وأحشاءكَ

    إنه الشعر، وإنها لحظة الانفجار العظيم.

     

  • دانيال شور – حبي لك

    دانيال شور – حبي لك

    حبي لك؛

    كبيت
    كمدفأة لم أنعم بقربها قط
    كأن الدفء أمر جديد، أختبره للمرة الأولى
    كأنني لن أعرف البرد ثانية أبدًا
    حبي لك؛
    يشبه الأحد صباحًا
    أو الثلاثاء
    كسرير متداخل الأغطية
    كوهج الشروق الزاحف من بين فُرج الستائر
    كتعاريج في كتلة الجسد، كأحجية الصور المقطوعة
    متوازيان ومتوافقان تمامًا
    كفوضى بشرية، منسابان معًا، بين الحرير والجلد
    بحثًا عن لمسة تؤكد لنا أن ما يحدث حقيقة.
    كأنني لم أرعيونًا تبصرني مثلما تفعل عيناك
    حبي لك؛
    كضحكتي الصاخبة، المنفلتة بلا قيود
    كوداعة الصمت
    كأن أطفئ الشمعة الوحيدة في زاوية الغرفة
    ويظل البقاء مريحًا رغم الظلام
    لحبك مذاق حافتي شفتيّ حين يمتدا للخارج
    كعادة رسم الابتسامة
    كحلاوة مستديمة فوق اللسان
    كحنين لن أضيعه أبدًا
    حبي لك؛
    كرائحة معطفي
    كوجهك المدفون في رقبتي
    كصدري حين يضغط على رهافة صدرك
    كمعرفة أن أنفاسك الصباحية إمتياز ونعمة
    حبي لكَ؛
    كقصيدة بلا نهاية
    وكأنني لا أرغب في كتابتها أبدًا.

    ترجمة ضي رحمي

  • ميس بنقسلي – حين أجدني في العتمة

    ميس بنقسلي – حين أجدني في العتمة

    الحب صنعة الفرح حين يدوس وحلَ القلب
    لست أحتاج يداً طرية لتمسح على رأسي
    أنا أحبك
    دون أن تستعير لغة مثالية لتفسّر رائحة أصابعك
    ودون نوتةٍ.. على الأوتار إجادة الرقص عليها
    أنا أحبك كما أنت..
    بعروق دمك الصلبة
    بكل ندوبك
    وصحرائك
    والهوة المتسعة بينك وبين الشاطئ
    بذاكرتك عسيرة التفاصيل
    وكل ما هو مبعثر في لحم حروفك
    من قال أن الشمس تحيا دون أرض تدفأها
    وأن هذا الكون ليس حزيناً بدون أم
    من قال أني لم أدر ظهري للعالم دونك
    وأني رهينة جمالك
    وواقفة حتى أبد الحياة ليكون اكتمالك
    وأنني..
    حين أجدني في العتمة
    تكون أنت في زاوية الصباح
     

  • فينست فان كوخ – رسالته الأخيرة

    فينست فان كوخ – رسالته الأخيرة

    عزيزي ثيو:
    إلى أين تمضي الحياة بي؟ ما الذي يصنعه العقل بنا؟ أنه يفقد الأشياء بهجتها ويقودنا نحو الكآبة…
    أنني أتعفن مللاً لولا ريشتي وألواني هذه، أعيد بها خلق الأشياء من جديد.. كل الأشياء تغدو باردة وباهتة بعدما يطؤها الزمن.. ماذا أصنع؟ أريد أن أبتكر خطوطاً وألواناً جديدة، غير تلك التي يتعثر بصرنا بها كل يوم.
    كل الألوان القديمة لها بريق حزين في قلبي. هل هي كذلك في الطبيعة أم أن عيني مريضتان؟ ها أنا أعيد رسمها كما أقدح النار الكامنة فيها.
    في قلب المأساة ثمة خطوط من البهجة أريد لألواني أن تظهرها، في حقول “الغربان” وسنابل القمح بأعناقها الملوية. وحتى “حذاء الفلاح” الذي يرشح بؤساً ثمة فرح ما أريد أن أقبض عليه بواسطة اللون والحركة… للأشياء القبيحة خصوصية فنية قد لا نجدها في الأشياء الجميلة وعين الفنان لا تخطئ ذلك.
    اليوم رسمت صورتي الشخصية ففي كل صباح، عندما أنظر إلى المرآة أقول لنفسي:
    أيها الوجه المكرر، يا وجه فانسان القبيح، لماذا لا تتجدد؟
    أبصق في المرآة وأخرج …
    واليوم قمت بتشكيل وجهي من جديد، لا كما أرادته الطبيعة، بل كما أريده أن يكون:
    عينان ذئبيتان بلا قرار. وجه أخضر ولحية كألسنة النار. كانت الأذن في اللوحة ناشزة لا حاجة بي إليها. أمسكت الريشة، أقصد موس الحلاقة وأزلتها.. يظهر أن الأمر اختلط علي، بين رأسي خارج اللوحة وداخلها… حسناً ماذا سأفعل بتلك الكتلة اللحمية؟
    أرسلتها إلى المرأة التي لم تعرف قيمتي وظننت أني أحبها.. لا بأس فلتجتمع الزوائد مع بعضها.. إليك أذني أيتها المرأة الثرثارة، تحدثي إليها… الآن أستطيع أن أسمع وأرى بأصابعي. بل أن إصبعي السادس “الريشة” لتستطيع أكثر من ذلك: إنها ترقص وتب وتداعب بشرة اللوحة…
    أجلس متأملاً :
    لقد شاخ العالم وكثرت تجاعيده وبدأ وجه اللوحة يسترخي أكثر… آه يا إلهي ماذا باستطاعتي أن أفعل قبل أن يهبط الليل فوق برج الروح؟الفرشاة. الألوان. و… بسرعة أتداركه: ضربات مستقيمة وقصيرة. حادة ورشيقة..ألواني واضحة وبدائية. أصفر أزرق أحمر.. أريد أن أعيد الأشياء إلى عفويتها كما لو أن العالم قد خرج تواً من بيضته الكونية الأولى. مازلت أذكر: كان الوقت غسقاً أو ما بعد الغسق وقبل الفجر. اللون الليلكي يبلل خط الأفق… آه من رعشة الليلكي. عندما كنا نخرج إلى البستان لنسرق التوت البري. كنت مستقراً في جوف الشجرة أراقب دودة خضراء وصفراء بينما “أورسولا” الأكثر شقاوة تقفز بابتهاج بين الأغصان وفجأة اختل توازنها وهوت. ارتعش صدري قبل أن تتعلق بعنقي مستنجدة. ضممتها إلي وهي تتنفس مثل ظبي مذعور… ولما تناءت عني كانت حبة توت قد تركت رحيقها الليلكي على بياض قميصي.. منذ ذلك اليوم، عندما كنت في الثانية عشرة وأنا أحس رحيقها الليلكي على بياض قميصي.. منذ ذلك اليوم، عندما كنت في الثانية عشرة وأنا أحس بأن سعادة ستغمرني لو أن ثقباً ليلكياً انفتح في صدري ليتدفق البياض… يا لرعشة الليلكي …
    الفكرة تلح علي كثيراً فهل أستطيع ألا أفعل؟ كامن في زهرة عباد الشمس، أيها اللون الأصفر يا أنا. أمتص من شعاع هذا الكوكب البهيج. أحدق وأحدق في عين الشمس حيث روح الكون حتى تحرقني عيناي.
    شيئان يحركان روحي: التحديق بالشمس، وفي الموت.. أريد أن أسافر في النجوم وهذا البائس جسدي يعيقني! متى سنمضي، نحن أبناء الأرض، حاملين مناديلنا المدماة ..
    – ولكن إلى أين؟
    – إلى الحلم طبعاً.
    أمس رسمت زهوراً بلون الطين بعدما زرعت نفسي في التراب، وكانت السنابل خضراء وصفراء تنمو على مساحة رأسي وغربان الذاكرة تطير بلا هواء. سنابل قمح وغربان. غربان وقمح… الغربان تنقر في دماغي. غاق… غاق.. كل شيء حلم. هباء أحلام، وريشة التراب تخدعنا في كل حين.. قريباً سأعيد أمانة التراب، وأطلق العصفور من صدري نحو بلاد الشمس.. آه أيتها السنونو سأفتح لك القفص بهذا المسدس:
    القرمزي يسيل. دم أم النار؟
    غليوني يشتعل:
    الأسود والأبيض يلونان الحياة بالرمادي. للرمادي احتمالات لا تنتهي: رمادي أحمر، رمادي أزرق، رمادي أخضر. التبغ يحترق والحياة تنسرب. للرماد طعم مر بالعادة نألفه، ثم ندمنه، كالحياة تماماً: كلما تقدم العمر بنا غدونا أكثر تعلقاً بها… لأجل ذلك أغادرها في أوج اشتعالي.. ولكن لماذا؟!إنه الإخفاق مرة أخرى. لن ينتهي البؤس أبداً…
    وداعاً يا ثيو، سأغادر نحو الربيع.

  • جان جينيه – الصياد من سوكويه

    إلى لوسيان سينامود

    حوله، الوقت والهواء، والمشهد الطبيعي كلها أشياء مضببة.

    مستلقيًا على الرمال، كان الفزع

    هو ما رأيته

    بين الفروع المنتشرة لساقيه العاريتين.

    الرمال أبقت آثار أقدامه، وأبقت أيضًا

    آثار مسافدته يحركها

    دفء واضطراب الأمسية.

    كل الكريستال يتلألأ

    ما اسمك؟

    وأنت؟

    منذ تلك الليلة، أحببت ذلك الفتى الماكر

    المضيء، الخيالي، القوي

    الذي لجسده المقترب القدرة على جعل المياه ترتجف

    وكذلك السماء، الصخور، المنازل

    الفتيان، الفتيات

    والصفحة التي أكتب عليها.

    صبري هو ميدالية على صدريتك.

    غبارٌ ذهبيٌ يحوم حوله. يجعله بعيدًا عني

    عينيه: وسط الأشواك، الأشواك السوداء

    واللباس الخريفي المضبب.

    يده تضيء الكائنات. تعتمها أكثر.

    تحركها وتقتلها.

    إصبع قدمه اليسرى الكبير مع الظفر المنغرس

    يفتش أحيانًا منخري

    أحيانًا فمي.

    إنه هائل، ولكن بعدها يمكن للقدم

    والساق أن تتبعانه.

    تريد الاصطياد في الثلوج الذائبة

    في بركي التي من حلقات معقودة

    آه، لتغرق ذراعيك العاريتين

    في عيني الجميلتين

    المحميتين بصفين صلبين من الرموش

    تحت سماء عاصفة وأشجار صنوبر مرتفعة

    صياد مبتل ومكسو بقشور شقراء

    في عينيك، أصابعي الغصنية

    ويدي الشاحبتين تريان

    أتعس الأسماك في العالم

    تفر من المصرف حيث كنت أفتت خبزي.

    آسبن. في قمة نفسك، متوازنة

    وحدها، كعبك الوردي يعلق من فروع

    الشمس المشرقة. آسبن، نفختك

    ترتعش على أسناني. أصابعك المكسورة

    تمشط اللازورد وتمزق اللحاء

    جاعلة إياك لينًا ومهدبًا مع الثلوج

    يا آسبن. شُيد هذا الجذع

    بجرح عميق ولكنه خفف بالريشة.

    شفتي تجبره

    ليزهر.

    عندما تضيء الشمس زهور الخلنج

    على سيقانك الجميلة، على سفوحك، أمضي

    ببطء على الصخور حيث كلمتني

    أيها الصبايحي* الأشقر، وأنت جالس على ركبتيك في الضوء.

    ثعبان يصحو على صوت الموت.

    وتحت قدمي المندفعة تسافر الحجول.

    عند غروب الشمس سوف أرى الباحثين عن الذهب

    يعملون تحت القمر المخبول.

    والخارجين من المقابر يرسمون القش.

    ياله من ظل على قدميك، حذائك اللامع!

    قدمك المتجمدة في بركة دموعي

    قدمك المكرملة، المغبرة والعارية

    تتناثر مع السماء، قدمك المباركة

    سوف تُعلم كتفي الأبيض هذا المساء

    (غابات يملأها القمر بالذئاب)

    آه يا صيادي في ظلال صفصافي

    الجلاد مغطى بالنجوم والمسامير

    محمول بالأذرع البيضاء للرصيف.

    على الشجر الأخضر، المنتصب – تحني جبينك

    (حيوان الحب، شجرة ذهبية برأسين)

    فوق أوراق الشجر – الوحش الحار تركك

    معلقًا بقدم واحدة

    وفالس بطيء يُسمع في السماء الصافية

    من الهارمونيكا، ولكن هل ترى عينيك

    فجرًا مذهلًا خلال الصارية الثالثة؟

    آه يا الصياد العاري بقلب رقيق

    انزل من الشجرة، واخشِ

    أغصاني الغنائة.

    وداعًا يا ملكة السماء، وداعًا

    يا زهرتي الجلدية، المنحوتة في كفي.

    صمتي، يسكنه شبح

    عينيك، أصابعك، والصمت.

    شحوبك.

    هذه الموجات على الدرج مرة أخرى

    حيث تجلب قدمك الليلة دائمًا.

    صلوات تبشيرية واضحة ترن تحت قوسه.

    وداعًا أيتها الشمس، الهاربة من قلبي

    بمشية فظيعة وليلية.

    امشِ متشبثًا على دروب الجمر

    حيث كنوز الليلة

    مدفونة تحت قدميك.

    تصحبك السلامة. في نباتات القراص، الاستعجالات

    برقوق السياج، والغابات

    خطوتك تحدد مقاييس

    الظلام.

    وكل واحدة من قدميك، كل خطوة من الياسمين

    تدفنني في قبر خزفي.

    وأنت تحجب العالم.

    كنوز هذه الليلة: ايرلندا وثوراتها

    فأر المسك الهارب في الأراضي البور، قوس من الضوء

    النبيذ الذي ينشأ من معدتك

    حفل الزفاف في الوادي

    ورجل مشنوق يتأرجح

    من شجرة التفاح المزهرة

    وأخيرًا، تلك المنطقة

    حيث مؤخرتك

    محمية بزعرور بري مزهر

    متصل من القلب

    إلى الحلق.

    من جميع الأجزاء، ينزل الحجاج.

    يغطون وركك حيث تغرب الشمس

    متسلقين بحزن المنحدرات المشجرة لأفخاذك

    حيث اليوم أيضًا داكن.

    من خلال الأراضي البور المعشبة

    تحت إبزيم حزامك المفكوك

    وصلنا

    أفواهنا جافة، أقدامنا

    وأكتافنا متعبة.

    في بريقه، حتى الوقت محتجب

    مع قماش رقيق فوقه

    والذي منه الشمس والقمر

    والنجوم، وعينيك

    يمكن أن تلمع.

    الوقت نكد عند قدميه.

    لا شيء يزهر هنا

    إلا زهور البنفسج الغريبة

    من المصابيح الخام.

    إلى قلوبنا اجلب أيدينا

    وإلى أسناننا اجلب قبضة الأيدي.

    كيف هي محبتك؟ أخشى أن أرى تسرب هذه المياه

    بين أصابعي الضعيفة. لا أجرؤ على ابتلاعك.

    فمي يحمل شكل عمود فارغ.

    بخفة ينزل في ضباب الخريف.

    وصلت للحب مثل شخص يدخل الماء.

    أذرعي إلى الأمام، أعمى، شهقاتي مكتومة

    منتفخ بالهواء، وجودك في روحي

    وحضورك ثقيلان، أبديان.

    أحبك.

    اللص

    حيث تتعرى الليلة وتعمل على أزهاره

    قبضات الجزار المشرقة استحوذت على وردتي.

    يا ليل الطفل المكتشف في دموعي

    شيد قصيدة حيث يكون قضيبه مضمنًا.

    الليلة

    كنوزي، المفضوضة بكتائبه الرقيقة

    كانت تتدفق إلى الأعقاب في نومك الإلهي

    وأنفاسك تحجب رثاء

    القرقف، اللص ينزف من الأنف

    على أظافري البرتقالية المائلة للحمرة!

    اللص

    دون بلوغي، تمر الرياح بخطوات بطيئة.

    لقد قُتلت – قُتلت بشدة. أنا خائف.

    أيها القضيب العنيد الوسيم، تعال

    دون خطر من خلال المروج الصباحية

    قدم إليّ بحر وفجر الرعاة.

    الشجرة

    أيها اللص، إذا كنت تمر فزعًا على قدمي

    فإن الجيوش المكبلة هربت من سجني.

    وقلبي يرفض المقاومة، يا أغصاني

    تعالي غير مكتملة. أعلم أنك تموتين

    مسحوقة بأحذيتهم.

    اللص

    يستيقظ أحيانًا يزور جيوبي

    يسرقني، ومسبقًا، مهددًا بالسم

    نسري يرعاه، ويأخذه

    نحو بعض الصخور العالية ويخفيه

    في غور ماضي.

    الشجرة

    أيتها اليد المليئة بالبرق

    أنا محطم بوهجك.

    يريدونني أن أكون منبهرًا

    بألعابك، أيها اللص

    بسرعة كبيرة جدًا ستأخذ

    يدك بدورها

    شجرة مزينة

    بمصير جريء.

    اللص

    على كل واحد من أصابعي، ورقة محفحفة!

    كل هذه الفوضى الخضراء، هذه الأوراق المتحركة.

    جبهة الخاطف الشاحبة تتورد خجلًا

    في جدائله ترتجف نجمة

    في الشرق.

    الليلة

    ولكن عن أي شخص تتحدث؟ الصيادون يسحبون

    عيونهم مثل البحر، عميقًا في الهاوية.

    المد دقيق، وهذه الرغوة، بعد أن ظهرت

    مع ضحكة، هي علامة ثمينة بالنسبة لك.

    الذاهب

    في بنطالٍ جلدي أعبر الغابة

    بقدم ملتوية بسبب جوارب الصوف

    أيها اللص، لا البحر ولا هرائك

    ولا أنفاسك يمكن أن تمنع

    أي  شيء من أن يرتجف

    تحتي.

    اللص

    أيتها الخيالة الخالدة في ثوب الأورجانزا خاصتك

    على فرس جريح، أنت منافقة!

    مثل بتلات مفقودة، أصابعك الجميلة كانت تسيل

    وداعًا حديقتي الكبيرة

    الملتصقة بالسماء!

    هكذا بقيت وحيدًا، منسيًا من قبله، نائمًا على ذراعي.

    البحر هادئ. ولكن لا أجرؤ على التزحزح.

    وجوده سيكون أكثر فظاعة من رحلته

    خارجي. ربما سيتقيأ

    على صدري.

    ثم ماذا أفعل؟ اعبر خلال قيئه؟

    باحثًا بين النبيذ، اللحوم، المُرة،

    بين ذلك البنفسج والورود التي ميعتها وخففتها

    خيوط الدم؟

    شفرات النار، رقائق مكسورة!

    بينما يرعاني القمر

    أنزعج من البحر.

    دم البحر يتدفق من أذني.

    أيها الصياد الحزين، عيونك المسدلة

    عيونك الشاحبة في سماءها المرتحلة

    تضرب دماملي مرة أخرى دون شفقة

    بينما أخرج وأتحول إلى مستنقع

    في الليلة التي سوف تحول

    الإرادة إلى خصلات زرقاء

    حيث ألسنة النار

    ترعى مساري.

    ترجمة: سماح جعفر – عن مدونتها الحركات

  • كتفاي عرشك فاجلسي وتربعي – د. مانع العتيبة

    كتفاي عرشك فاجلسي وتربعي – د. مانع العتيبة

    كتفاي عرشك فاجلسي وتربعي

    وعن الحسان جميعهنّ ترفعي

    الكبرياءُ على جبينك لائقٌ

    فتكبري، ما جاز أن تتواضعي

    هذا فؤادي في الطريق فرشته 

    فإذا شكا أو صاحَ، لا تتوجعي

    ما صاح من ألم فؤادي إنما 

    من رقّةِ الأقدام فوق الأضلع

    هذا الشموخ العنجهي أحبه 

    فإذا نُصحتِ بتركه فتمنعي

    تهتّز كلّ خلية في داخلي 

     لمّا يلامس وقع خطوك مسمعي

    شرفٌ لهذي الأرض مشيك فوقها

    إن تحرميها خطوة، تتصدع

    لا ترحمي المتلهفين لنظرة 

    وببسمةٍ إياكِ أن تتبرعي

    سيري ولا تتلفتي فعيونهم

    تمشي وراءك في الطريق فأسرعي

    أخشى عليهم منك لا أخشى على

     خطواتك العصماء من متتبع

    أنت المليكة فأحكمي وتحكمي

    وبغير كل ولائنا لا تقنعي

    من غير جند أنت أقوى فاتح

     وقلوبنا ترجوك أن تتوسعي

    شقّي القلوب بسيف حسنك واعلمي

    أن العذاب يزيد إن لم تقطعي

    ما غير حكمك عادلاً أو ظالماً

    أرضى به ورضاك غاية مطمعي

    لاتستشيري غير قلبك وحده

    ولغير رأيك في الهوى لا تخضعي

    أحلى الورود على خطاك تفتحت

    فتميزي ما شئت منها واجمعي

    ولتمنحيني وردة من بينها

    تبقى ولو ذبلت مدى عمري معي

      من هو د. مانع سعيد العتيبة؟

    مانع سعيد العتيبة شاعر إماراتي ولد في أبوظبي في الخامس عشر من مايو 1946، الموافق ليلة السابع والعشرين من رمضان . ينتسب إلى عائلة العتيبات، وهي من أكبر وأهم العائلات في دولة الإمارات العربية المتحدة والخليج العربي، وتنحدر من قبيلة المرر المنتسبة إلى مروان بن الحكم، وقد كانت ضمن القبائل التي شكلت حلف بني ياس.

  • محمد عيد إبراهيم – أبتسم في صلاتي

    بين الحِضنِ الأولِ والأخيرِ 
    دائرةٌ مقفلةٌ. 
    .
    لمسةٌ كهربيةٌ 
    كالسّياجِ على وجهكِ الصوفيّ 
    حينَ يركَنُ إلى الكنبةِ، على فمكِ 
    كقصيدةٍ أخيرةٍ 
    أكبرُ من أن تولَدَ.

    جسمكِ فاكهةٌ ليلاً 
    بألوانٍ دوّارةٍ كالصدى
    بعدما يخجلُ أن يتكلّمَ… 
    .
    لو حذفتُكِ من الأزرقِ 
    لما بقيَت أرضٌ ولا سماءٌ 
    بل فلاةٌ تُغرقُ وجهَكِ 
    وهو سالبُ الحبّ إن يتبخّر
    منكِ ـ كالصمتِ في سبتمبرَ
    والهواءُ إيماءٌ من الحلمِ، بكِ، 
    بي ـ بانَ ظلٌّ أبيضُ ثائرٌ 
    على جَبهتكِ 
    بينما عيناكِ بسُمٍّ عاطفيٍّ 
    وإصبعي فوقَ ثديكِ 
    كانَ يُنيرُ ساعةً ثم ينطفئ. 
    .
    خطوةٌ على الرصيفِ، في الشارعِ
    خمرةٌ شفّافةٌ منكِ، تركضُ وهي تومئُ 
    ــــــ إني أنا البذرةُ، لا تنشغلْ 
    بي، وإلا حرَقتُكَ… 
    .
    ذاتَ يومٍ، في غدٍ، أراكِ، ما 
    بينَ إصبعَيّ، تنامينَ، وجهكِ 
    لأعلى، وجسمكِ مائدةٌ للسماءِ، 
    وكنتُ أعمىً 
    لا أرى الشمسَ بينَ فخِذَيكِ، وهي تسلَخُ 
    حلمي أن يتنفّسَ، لا 
    أعقِدُ رأيي أن أهُبّ 
    فقد كانَ يُخفيكِ غيمٌ تعلّمَ 
    أن ينقبضَ ويبسُطَ حلقتَهُ 
    .
    لا يني 
    حتى تسافرَ شهوتي 
    نحوَ منتصفِ الصيفِ، يا 
    خضراءَ مكدومةً 
    قد تحلّلتُ، كالجثمانِ، في عينَيكِ، إني 
    ليلٌ جاهلٌ بتاريخِ لحمكِ الرّطبِ
    حينَ يفيضُ الزمانُ، وألهو 
    بنفسي، عليكِ… 
    .
    إلى عالَمٍ فوقَ أرضيٍّ، 
    أقلِبُكِ، كانَ جسمُكِ مائدةً للسماءِ، وكنتُ
    زوجَ الطبيعةِ، فاشربي
    خُضرتي، نقطةً نقطةً، بدمي حياةٌ 
    وكنتِ الرغيفَ إلى جنّةِ الإنسانِ. 
    .
    طائرٌ يصحو، فوقَ شجرةٍ
    ينفّضُ جناحَيهِ من ذَهبِ الليلِ 
    وعلى بطنهِ يتسحّبُ 
    مثلَ كريمِ العينِ، إلى الحِضنِ الأخيرِ: 
    .
    ـــــــ هذا الموتُ عُذريٌّ… 

  • ماجدة الظاهري – الشاهد والشهيد

    كأني مدينةٌ تعلنُ العصيانَ
    تغلقُ نفسَها
    على غصتِها النافرةِ
    إلى قمةِ النشيدِ
    تخبئُ في حضنِها
    رذاذَ اللهِ
    ليوازي دمعاً
    يزهرُ خلفَ الشهيدِ
    ترتبكُ كما البلادِ كاملةً
    في أقصى دهشتِها
    حين يينعُ دمُ معشوقةٍ تبتهلُ
    وعاشقٌ بها مفتونٌ
    كأني مدينةٌ تعلنُ العصيانَ
    تفصحُ عن دمِها المهدورِ
    كلما جربتْ صباحاً جديداً
    لتأخذَهُ إلى ندى أحلامِهِ
    تكتبُ وصايا الشهيدِ
    في مواسمِ اللغةِ
    فيمرُّ بأمرِها إلى أيقونةٍ في القصيدِ
    كأني مدينةٌ تعلنُ العصيانَ
    تجمعُ بكاءَ اللهِ
    في حدقةِ البلادِ
    ترجمةً لبكاءِ المشيِّعينَ في الوداعِ الأخيرِ
    تتحسَّسُ الشارعَ يمشي
    لا صوتَ فيهِ يعلو على صوتِ الشهيدِ
    هذا دمي على ترابِ البلادِ خطَّ وصيَّتي
    ارفعوا رؤوسَكم
    وانْ قتلوني مرةً
    فلا تقتلوني مرَّتين
    نتم الشاهدُ وأنا الشهيدُ
    أنتم الشاهدُ في المدينةِ العاصيةِ
    وأنا الشهيدُ فيكم وفيها
    والبلادُ بينَنا
    هي الآنَ لي
    كما كانتْ في البدءِ لي
    كأنني مدينةٌ تعلنُ العصيانَ
    لا تقرأُ من صحفِ اليومِ
    غيرَ وصايا الشهيدِ
    أنتم الشاهدُ وأنا الشهيدُ
    أنتم الشاهدُ وأنا الشهيدُ
    والبلادُ بينَنا حبلُ وريدٍ
    تفكُّ المدينةُ صمتَها وتغنِّي
    (حيَّكْ بابا حيَّكْ
    ألف رحمة لابيَّكْ)

  • عبده خال – مقتطفات من رواية (الطين)

    من فصل “أحداثٌ ضبابية” الطين

     

    “حواجزُ و أشكال هندسية تضيقُ و تتّسع و نحن أسرى تلك الأشكال. من منا يعرف سر هذا الشهيق والزفير؟ هذا الهواء الذي يمنحنا الحركة، و الأحلامَ، و الجبروت، فإذا ركد في دواخلنا غدونا كأواني الفخّار المهشّمة.

    نحنُ نعيشُ في نقطة الغياب، نُمنعُ من زيارة الماضي بحاجز الماضي،

     

    ولا نقدرُ على تخطّي الأيام لرؤية المستقبل. حتى اللحظة المعيشة تمنعك من معرفة خبر علق هناك، تمنعك من معرفة الأحداث التي تجاورك في حيك أو مدينتك أو قريتك. تمنعك بحاجز المكان. نحن نقومُ طوال حياتنا بحركةٍ واحدة: السّير للأمام و كأننا علبٌ في مصنع كبير وُضعت في دورها، تُعبّأ، و تُختم، و تسيرُ آلياً،

    ليس لها أن تتقدّم أو تتأخّر و في حركتها تلك تأخذ معنى وجودها. هذهِ هي الحركة الوحيدة التي نُفكّر فيها، نفكّرُ في أننا نسيرُ في خط مُستقيم، و لو تركنا أماكننا لما احتجنا لقدْح أذهاننا، سنرى أننا كنا نسيرُ في حركةٍ دائريّة و لكبر الدائرة توهّمنا أننا كنّا نتحركُ في خط مستقيم. إن رؤية القاعدة التي وُضعنا عليها داخل المصنع هي قاعدة دائريّة و ارتباطنا بها بالضّرورةِ يولّد حركة دائرية.

    الخطّ التصاعدي نظرة مُختالة. أسّسنا وجودنا على هذا المفهوم الخاطئ. إن رؤيتنا لأعالي الأشياء لا تُلغي وجود أسافلها. تلك اللحظة المعيشة هي خارج هذه الجدر التي نتمترس داخلها.”
    ————————————–

    من فصل “الرسائل” الطين

    “..نحنُ حين نتصنّمُ في قالب واحد تألفنا الروائح، تلتصقُ بنا و نغدو كلّ البشَر، لا يُميّزُنا إلا انتصابُ قاماتنا ووهمٌ حقيقي أننا نقفُ ضد الفناء بينما نحن نقفُ أمواتاً. نحنُ نُغنّي في زمنٍ مُتحرّك، نُغنّي للفراشات في زمن الديناصورات. هل تَعِينَ الفرق؟

    ماذا يضيرُ لو سرقتُ أناملك و سرت بك كأميرة نائمة أو قروية ساذجة تبحثُ عن الطريق، فظهر لها عاشقٌ أضاعَ الدنيا من عينيهِ، وحين سايرك اكتشف أن كل الطرقات تؤدّي إليك، فقطَفَ قُبلة عشوائيه، و علّقَ موالهُ بشحمةِ أذنيك و تَرككِ علّكِ تقتفينَ أثره.

    أكان مُخطئاً! و ماذا حدَث؟ هل مادت الأرضُ و ذابت الجبال بصخورها الصّلدة بين سهوب و منحدرات السهول المرتوية بأشجارها المُخضرّة؟ (…).

    نحن قواريرُ ترجّ فيتقلّب الكون، و تغدو أماكن قرع النعل فضاءً، و الفضاءُ بركةُ ماءٍ آسنة!!

    ماذا يُضيرُ لوْ أنني وجدتك صُدفةً في شبابي، و خرجنا في نزهةِ حبٍّ و لم نعُد إلا للحودنا، و ينتهي الأمر و العمر في نزهةٍ قصيرة ربّما كنا خلالها قطفنا العالم و لهونا به قليلاً و عدنا للأرض لنكون سنبلتين متجاورتين. بالله عليكِ ماذا يُضير؟

    إنّ قلوبنا حين نقطفها تغدو صدورنا مظلمة موحشة و في وحشتنا نتخيل نفقاً صغيراً سوف تصله أقدامنا .. ربما نرتكب حماقة عظيمة حين لا نكون مجهّزين بمعرفة حقيقية قريبه قرب روائحنا منا، تلك الحقيقة أن أقدامنا عمياء لن تصِل للنفق. ..”
    ————————————– 

    من فصل “مفكرة” الطين

    ” العلم ضد الحرية المُتخيّلة (ضد الخيال).”

    “.. إننا نكتشفُ – في كل لحظة – عجزنا عن اختراق حجب مُسدَلة كالليل المظلم. وبين نشوة الانتصار و هزيمة الأعماق نتمزق، و نبحثُ عما يُطمئننا إلى مضي مقدرتنا المهولة في هزيمة ذلك الخوف. نحملُ في حقائبنا إجابات محتملة، لكنها لا تحمل اليقين الصارخ.

    إن كل إجابةٍ ثابته هي جريمة تخبئ خلفها كوارث يستعصي علينا إطفاء حرائقها التي نمسكُ لهبها بأطراف عقولنا و تقودنا الى التزييف و التضليل اللذين لا ينتهيان.

    و الموت هو حقيقة عجزنا الى الآن عن الوصول لتشكلاته، فهو واقع بصور متعددة لا نعرف منها إلا النوم أو حوداث غريبة لم نعترف بها الى الآن.”

    “نحنُ بهذا مشروعاً لوسوسة زمنية ربما حدثت و ربما لم تحدث بعد. ..”

    “كلّ شيء يمكن حدوثه.”

    ” للتو عدت من الموت…

    أذكرُ هذا جيداً..

    لستُ واهماً البتّه”

    ————————-

     روائي وكاتب سعودي من مواليد إحدى قرى منطقة جازان(المجنة ) عام 1962 حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية جامعة الملك عبد العزيز عام 1982 واشتغل بالصحافة منذ عام 1982 وهو حاليا يشغل مدير تحرير جريدة عكاظ السعودية يعتبر أحد أبرز الأسماء في المشهد العربي للرواية الحديثة

  • الجدار – قصة قصيرة لعبده خال

    الجدار – قصة قصيرة لعبده خال

    كانَ نائماً و رأى فيما يرى النائم : زنزانة ضيقة نتنة ،كان يقف فيها بصعوبة ، و المسامير تأكل من جسده ، فتهطل دماؤه سوداء ، و يصرخُ فلا يسمع لصوته من صدى ، و رأى حية رقطاء تلتفّ حول عنقه ، وتهمّ بغرس أنيابها بحبل الوريد ، وقبل أن تفعل ذلك استيقظ من نومه فزعاً ، ودفعَ غطاءه لكنّ الغطاء استحال الى جدار .

    الجدار مرّة أخرى. أحبُّ البرد بهذه العادة التي درجتُ عليها منذ الصغر حيث أغلق منافذ غرفتي و التحف بغطاء سميك ، و ارتشفُ كوباً ساخناً من الشاي بينما عيناي تركضان بين سطور إحدى الروايات ، و لم يطرأ أي تغيّر على هذه العادة سوى علبة سجائر استجلبُ منها دخاناً يُنعش هاتين الرئتين ويزيدهما ضيقاً ، و لا زلتُ أستلذُّ بهذه الجلسة مع كلِّ موسم شتاء .

    كان من الممكن أن تنندثر هذه العادة مع كثير من الأحلام التي كنتُ أعيشها وتصبحُ جرحاً في الذاكرة يطيبُ لي استرجاعها بين الحين والآخر بحنين متدفّق راوياً أعماقي المُجدبة بقطرات دمع شحيح وفاء لذلك العهد القديم.

    ها هو البرد يأتي في موعده قارساًيحيلُ الأشياء الى جمر بارد ليصبح لمس أي شيء مُخاطرة بفتح منافذ جسدك لإستقبال وخزات البرد الحادّة لذلك كنتُ أحرصُ دائماً على جمع عظامي بغطائي السميك وعدم لمس أي شيءٍ يجاورني ، وقد ضحك مني أحد الأصدقاء حينما اخبرته على هذه العادة عندما عاتبني : – جئتك ليلة البارحة لتُقلّني للمستشفى إلاّ أنّ الطرق أوهنني و لم تخرُج . واقترحَ عليّ شراءَ مدفأة ، ونويت شراءها بالفعل و لكنّني تراجعتُ حينما خشيتُ افتقاد لذّة الإنغماس داخل الغطاء وذهاب تلك الرعدة الخفيّة لذلك استبدلتُ المدفأة بشراء “بطّانية ” صنعت من وبر الضأن الجبلية ، وعدتُ الى غرفتي حا ملاً قرص “تميس طائفي ” وفولاً وحزمة بصل خضراء ، كانت الغرفة تعيشُ فوضى مرعبة فقد تناثرت الجرائد و اعقاب السجائر في كل مكان ، و ثمّة كؤوس فيها بواقي لبن أو عصير أو شاي وقد استقام بعضها واندلق البعضُ الآخر و مشت الفطريات بقاع بعضها ، و ثمّة “سفر” ممدودة تبقّت عليها كسرات خبز و أجبان و فول و عظام دجاج أو رؤوس أسماك و غيارات ملابس ، و ملاعق تيبّست عليها “إيدامات” متنوّعة ، و كانت الغرفة مُغلّقة النوافذ مستبقية رائحة ممزوجة لا يمكنُ عَرفها ، وقد انبثّ فراشي القابعُ في الزاوية اليسرى من مدخل الغرفة ن فبرز منه قُطنٌ مضغوط بعشوائيّة و قد نكث رتقه من الأطراف و ظهرَ حتّى تساوى بالبلاط الذي لا يستره شيئاً ، كنتُ الومُ نفسي على هذا الإهمال المريع و في كلِّ ليلة أعزم على تنظيف الغرفة و رشّها برائحة زهور جلبتها منذ أسبوعين وفي كلّ مرّة أتقاعسُ عن ذلك و اجزمُ على إنجاز تنظيفها في وقتٍ لاحق و كللت من من لوم نفسي حينما اكتشفتُ أنني لا أستمتعُ بوقتي كما أنا عليه الآن . حيثُ كنتُ أجدُ النمل و الذباب يشاركني الغرفة بعنوة ولولا مضايقتها لارتضيتُ البقاء على ذلك الوضع . تناولتُ عشائي ونهضتُ تاركاً البقايا كما هي ، و غسلت برّاد الشاي – البرّاد هو الوحيد النظيف في هذا البيت حيثُ أغسله يومياًَ – و أصلحتُ الشاي و قفزت الى فراشي متدثراً بـ”البطانية” الجديدة في حين كان الريح البارد يهبُّ دافعاً نوافذ الغرفة و مُحدثاً أزيراً خفيضاً . الليلة كنتُ أتابع تفاصيل رواية ” الفراشة ” باستغراق تام ، و ثمّة خاطر يتضخّم في مخيّليتي ، فأهجس بين لحظةٍ و أخرى : – حتّى فرنسا تغتال الأحلام ، فلا عليك . و ابتلع هذه الجملة برشقة شاي معتّق ، جاعلاً دخان سيجارتي يملأ تجويف صدري بما فيه الكفاية و أقرض شفتي السفلى بحسرة ، مستجمعاً أطراقي بينما يكونُ البردُ يتغلغلُ بداخل غرفتي و عظامي ، و أتابع عذابات ” هنري شارير” بتعاطف كسيح ، لم يكن أمامي إلاّ قذف الشتائم و تخيّل كلّ الشقاء الذي يلحق بإنسان يبحثُ عن مكان يوزّع فيه أحلامه بدون خوف . كان من الممكن أن أمضي الليل كلّه ، و انا أقرأ لولا ذلك الأنين المكتوم الذي انبثق خارقاً مسامعي بحدّة ، كان أنيناً ثقيلاً يخرجُ من نفس ضيقة مجهدة و كأنّ جبلاً ما مغروساً بأنفاسها ، لينداح الأنين بطيئاً ثقيلاً ينتهي بقنوت صاخب ، أنصتُ له مليّاً .. لم يكن مبعثه مكاناً محدّداً ، فتارة يأتي من بعيد وتارة أخرى أحسُّ بهِ يتصاعدث مع زفراتي ، توقّفت عن القراءة و أخذتُ أنصتُ لأحدّد من أي الجهات ينبثق الأنين ، و لم أستطع التيقّن من جهة انبثاقه ، و كانت نفسي تحدثني عن أولئك الشباب المقذوفين في الخارج و الذين يستخدمون أسلحتهم للتحدّث بدل ألسنتهم معلّلاً نفسي أنّ أحدهم غرس سكينة بظهر خصمه و تركه يسفحُ دماءه ، و حين قرّرت أن أخرج للتعرّف على صاحب ذلك الأنين خشيتُ أن أكون ضحيّة اخرى ، فتراجعتُ و ضللتُ ألوك هواجسي حين ارتفع الأنين : – أغيثوني . و بدون تمهّل أشرعتُ باب غرفتي و أطليت للخارج فاجتاح وجهي هواء قارس وعجزت عيناي عن اختراق عتمة طاغية كانت تقفُ أمام الباب ، فعدتُ الى داخل غرفتي والتحفتُ بشال ، وحملت كشّافاً صغيراً ، وانطلقتُ باحثاً عن صاحب هذا الأنين الثقيل ، و كلّما مضيتُ سبقني الصوت إلى الإمام ،كانت الأزقّة نائمة والقطط والكلاب تعبثُ بمحتوياتها كيفما شاءت بينما الهواء القارس يهبُّ بزئير مُتقطّع ،سرى خدر خفيف في أوصالي حينما لمحت شبحاً يركضُ في تلك الظلمة باتجاهي ، فخبّأت جسدي في إحدى الأزقّة الملتوية . حين عبرني بانت ملامحه وهيئته الرّثة و عرفت من خلالها أنّه مجنون الحارة ذلك الذي قذفَ به أبناؤه للشوارع خوفاً من أن يلحقهم العار حين يلمحوه زوّارهم في “فلتهم ” التي انتقلوا اليها ، و لكي يقطعوا صلتهم بالماضي قذفوا به في هذه الشوارع .. أيكونُ هو صاحبُ الأنين !؟ تبعته من على بعد فرأيته يدسّ بجسده داخل أكوام من الكراتين ويغطُّ في نوم عميق ، بينما الأنين لا يزالُ حاداً ثاقباً سكون هذه الظلمات الغامقة ، فترت همة فضولي و فضّلت الدفء على الركض بين منحنيات هذه الأزقّة و قد تسرّبت بداخلي فكرة جعلتني أسرع بالعودة ، فعدتُ أدراجي قبل أن يكتشفني أحد ، و انا انيرُ جنبات تلك العتمة وأنقب جنباتها كلصًّ محترف .

    عدتُ الى غرفتي وتكوّمتُ داخل ” البطانية ” ، و عدتُ الى وضعي السابق ، وقبل الشروع في القراءة عاد الأنين صاخباً و مستغيثاً : – أخرجوني . فارتبكتُ ونهضتُ مفزوعاً لخاطر لعين أخذ يجوب مخيّلتي : –

    ” لا شكّ أنّك جُننت أم ان انين أبطال ” الفراشة ” أخذووا يجوسوا في أعماقك”.

    و للهروب من هذا الخاطر أطفأتُ نور المصباح ودسستُ جسدي بين أغطيةٍ ثقيلة ، و اغمضتُ أجفاني بكلِّ قوّة ن و لم أتمكّن من النوم حيث نهضت أشباح كثيرة بداخل الغرفة تتراقصُ بفزع على نغمات ذلك الأنين ، مما زاد من خوفي ، فنهضتُ و اشعلتُ المصباح و قرّرتُ ألاّ أتوجه الى العمل. في الليلة التالية نهض الأنين صاخباً ومدوياً وعبثاً ذهبت كل محاولاتي للوصول لصاحب ذلك الصوتُ المُثقل بالأنين . ساءت حالتي واقتربت من الجنون خاصة بعد أن شاركني بعض الأصدقاء غرقتي و خرجوا متحسرين مما آلت اليه حالتي و نفى جميعهم سماع أي صوت حتّى عندما كنت أمسكهم صارخاً : – أنصتوا هاهو الأنين يرتفع . فيتطلّعون اليّ بحسرة ، و يمضون بعد أن ييأسوا من تهدئتي .. و قد تطوّر الأنين ، فأمسيتُ أسمع أصواتاً تلاحقني ، و كانت ثمّة استغاثة ثابتة يرددها صاحب ذلك الأنين بصوت متواصل لا يعرفُ الكلل : – ساعدني .. أخرجني ! فكنت أستعيذ بالله و أظلُّ الليل بأكمله أقرأ السور الطوال طارداً خوفاً عظيماً ترسّب بأعماقي .. جاءني أحد الأصدقاء ، و أقتربَ منّي ملاطفاً : – انت تؤمنُ بوجود الجن وربّما سكنك احدهم . و قبل أن يواصل حديثة ، كنت قد تشاجرتُ معه و أخرجته خارج غرفتي ، فظلّ لوقت طويل يعيد اليّ نصيحته بضرورة الذهاب الى أحد المشايخ لأحراق هذا المارد بجسدي قبل أن يصل الى عقلي ، و قد انبرأ يقسم بأنّه رأى شبخاٌ يخرج جنيّة من جسد رجل كانت تبعده من زوجته ، و عندما أحسستُ بأنّي على وشك أن أفقد عقلي واققته ، و طرقتُ أبواب المشايخ ، وو قفت أمامهم واحداً واحداً ، فذهب بخورهم و ” مروخهم ” يؤجج ذلك الأنين حتى ان أحد المشايخ صاح بي : – أرضك قاحلة لا ماء يجري فيها فمن أين تأتيك المردة .. اليوم كان الأنين صاخباً أكثر مما مضى ، ولأول مرة أتنبّه بأن الصوت قادم من خلا الجدار الذي يجاور مرقدي ، أتصتُ ملياً ، كان أنيناً متهاوياً يمتد ويتراخى و يهوي بأسى قاتل : – أخرجني . فزاد يقيني بأنّ صاحب الأنين قريب جداًّ ، و بدون تفكير حملتُ معولاً و هويت به على الجدار.  

    ***

    *عبده خال روائي وكاتب سعودي من مواليد إحدى قرى منطقة جازان(المجنة ) عام 1962 حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية جامعة الملك عبد العزيز عام 1982 واشتغل بالصحافة منذ عام 1982 وهو حاليا يشغل مدير تحرير جريدة عكاظ السعودية يعتبر أحد أبرز الأسماء في المشهد العربي للرواية الحديثة.

  • عبده خال – مقتطفات من رواية “فسوق”

    عبده خال – مقتطفات من رواية “فسوق”

    “وجدوا لفافة الكفن منزوية في عمق القبر، عالقة بها خصلات من شعرها الكستنائي الطويل، وما زالت رائحتها ملتصقه به. أكدت رائحتها الندية الفواحة من ثنايا الكفن هربها. علل المحقق استنتاجه بقوله: “لو أنها بقيت بعض الوقت لتخمرت الرائحة، وشابها ما يشبه انتشار رائحة نتن البول القديم”.

    وكان الاستنتاج المبدئي المنساق لمقولة الهروب، أن أسوار مقبرة الأسد، أسوار منخفضة، مكنتها من القفز إلى الشارع العام. هذه الفرضية قابلها سؤال تشبث في مكانه كمسمار صدئ غرسته فوهة العقيد نبيل تركستاني (كأول محقق استلم القضية، وعزف عن المواصلة فيها، بعد أن أمضى سنوات عمره مطارداً المجرمين على اختلاف أرصافهم وفاكاً عقد جرائم غامضة عديدة): لو صح هروبها، فهل تهرب عالية، في حي يعيش عيشة نمل، يتبادل سكانه حالات اليقظة على مدار اليوم. تمادى العقيد نبيل في وضع حواجز أمام هروبها منفردة، بأسئلة متسلسلة على هامش القضية: كيف لها أن تزيح غطاء القبر، وهي الضعيفة القصيرة؟ لا يمكن أن تهرب في وضح النهار، لخطورة اكتشافها من خلال الحارس، أو شرفات العمائر المحيطة بالمقبرة، وإذا كان هروبها ليلاً فهل بقيت داخل القبر أم خارجه؟ يبقى السؤال متى هربت ومن ساعدها على الهرب… عادت فكرة هروب الفتاة الشابة من قبرها، تسيطر على فريق البحث، بتأكيدات لا تقبل المحاجة. بت على يقين أن أحداً ساعدها على الهرب. أزاح لها غطاء القبر، وجلب معه ملابس لتستتر بها، وتولى مهمة إخراجها من المقبرة بطريقته، فمع من هربت. فحّصت كل أوراق القضية، بحثاً عن الشخص الذي يمكن أن يكون قد ساعدها على الهرب، وفي كل مرة اصطدم بما يخيب توقعاتي”.

    “تمنيت أن أقول له:

    كلنا جرحى. ليس شرطاً أن تجِد دماءك تسيل على جلدك، ثمة دماء غير مرئية.”

    “عندما تخاف من قول رأيك، فأنت لا تستحقّ أن تعيش.. حينما خلقنا الله خلقنا أحراراً.. حرية مطلقة. وعلى الجميع أن يُحافظ على هذه الهبة من غير نقصان.”

    “المرأة مثل الرجل في مشاعِرها، فلا تقص جناحيها وهي تعلم أنك تقوم بهذا الفعل. طِرْ معها…”

    “المرأة متى ما استطاعت أن تفعل كل شيء أمامك، لن تحتاج إلى الاختباء…”

    “يسجل القدر الأحداث بعناية ولا يترك أحداً يفلت من فعلته”

    “فقْد الحرية يُفقدنا المساواة. والمساواة تفقدنا العدالة. وضياع العدالة يجعل الظلم شخصاً مجسّداً.”

    “يحتاج العظيم ان يؤمن انه عظيم ليقنع الاخرين بعظمته”

    “غريب أمر الناس يأكلون بعضهم البعض كجيف ميتة.”

    “غياب الوجه غياب لحضور الشخصية. الحجاب نوع من القطع والعزل. وأظن أننا لا نعرف طبيعة المرأة، لأنها تخبئ وجهها. وبالتالي تحولت إلى كتلة لحم، همنا مضغها من غير الحاجة إلى معرفة قبولها أو رفضنا مضغها لها. بينما يكون الوجه السافر دليلاً صريحاً لمعرفة خبايا النفس، فالروح تخرج متجولة على ملامح الوجه.”

    “الجريمة واحدة، لكنها تغيّر فساتينها في كل مرة. ومهما تغيرت الأردية، يبقى الجسد هو الجسد.”

    “حين تخلق سجناً كبيراً، على الناس أن يتدبّروا كيفية الهرب.”

    “كلنا يشيّد بيتاً في داخله، ويرتّبه كيف يشاء. في ذلك البيت الداخلي، نخبئ ما لا نحب أن يكتشفه الآخرون.”

    “لو أن كل امراءه مُنحت حق رفض زوجها ,

    من غير انتقاص لكرامتها او عفتها وشرفها ,

    لما حدثت الخيانه الزوجيه , ولما حدث الزنا أصلا .”

    “فقد الحرية يفقدنا المساواة , والمساواة تفقدنا العدالة , وغياب العدالة يودي إلى السقوط الأخلاقي , وتغليب القوة”

    “الذاكرة العارية هي ذاكرة الأصل، ذاكرة الحرية، بينما الذاكرة المحافظة هي ذاكرة الأنظمة والمنع.”

    “مشكلتنا فقهية. فحين يتعطل الاجتهاد ويقف عند استلهام فترة زمنية محددة، تتحول الحياة إلى متحف، كل شيء فيها جامد. لذلك فالمحْوُ هو الوسيلة الأمثل لإعادة تصنيعنا كي نتلاءم مع واقعنا..”

    “المرأة مثل الرجل في مشاعرها فلا تقص جناحيها و هي تعلم انك تقوم بهذا الفعل طر معها”

    “حين يتغير اسمك، تتغير أقدارك”

    “كلنا يشيّد بيتاً فى داخله، و يرتبه كيف يشاء، فى ذلك البيت الداخلى نخبىء ما لا نحب أن يكتشفه الآخرون.”

    “في زمن الاحلام المره لا نتذكر الا الماضي”

    “تحمل الأوراق روائح من نتحدث عنهم، حتى و إن كانت روائح اصطناعية، فالورق يحمل نية الكاتب الأول، كما الحلم يحمل الحقيقة…و لا يحملها.”

    “ثمة دماء غير مرئية”

    —————————————

    عبده خال روائي وكاتب سعودي من مواليد إحدى قرى منطقة جازان(المجنة ) عام 1962 حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية جامعة الملك عبد العزيز عام 1982 واشتغل بالصحافة منذ عام 1982 وهو حاليا يشغل مدير تحرير جريدة عكاظ السعودية يعتبر أحد أبرز الأسماء في المشهد العربي للرواية الحديثة.