المدونة

  • ميلان كونديرا | مقتطفات من “الضحك والنسيان”

    الجزء الثالث
    الملائكة
    ‏-1-‏
    ‏((وحيد القرن)) هو عنوان مسرحية لأوجين يونيسكو واضع الشخصيات المأخوذة برغبة أن تكون إحداها ‏شبيهة بالأخرى، متبادلةً الأدوار في مسرحية((وحيد القرن))، غبرييل وميشيل، شابتان أميركيتان كانتا تدرسان ‏هذه المسرحية من ضمن مقرَّر أعطي في العطلةللطلاب الأجانب في مدينة على شاطيء المتوسط .

    وكانتا التلميذتين ‏المفضلتين لدى السيدة رافاييل، أستاذتهما، لأنهما لا تَنيان تتابعانها بانتباه دائم، ولأنهما تسجلان بعناية أيا من ‏ملاحظتها.
    وقد طلبت منهما اليوم أن تَحضِّرا سويَّةً، للمقرَّر التالي، عرضاً لمؤدَّى المسرحية.
    قالت غابرييل:‏
    ‏((أكاد أن أفهم ما يعنيه هذا الأمر، أن يتحوَّل الجميع إلى وحيدي القرن.)) فردَّت ميشيل شارحةً: ((يجب تأويل ‏هذا باعتباره رمزاً.)) قالت غابرييل‎:‎‏ ((هذا صحيح، فالأدب مصنوع من علامات.)) وأضافت ميشيل: ((لذا ‏وحيد القرن هو علامة قبل أن يكون أي شيء آخر.))
    -نعم، و لكن حتى لو اتفقنا على أنهم لم يتحوَّلوا إلى ‏وحيدي قرن حقيقيين، بل إلى علامات محضة، فلمَ صاروا حقاً هذه العلامة لا تلك؟))
    فأجابتها ميشيل بنبرة حزن: ((نعم، إنها المشكلة حتماً.)) ومن ثم أخذت الشابتان، اللتان كانتا عائدتين لتوهما إلى ‏بيت الطالبات، استراحة طويلة.‏
    وقطعت غبرييل الصمت السائد بينهما قائلة‎ : ((ألا تظنّين القرن الوحيد رمزاً قضيبياً؟))
    فردَّت ميشيل مستفهمةً: ((ماذا؟)) وقالت غابرييل: (( القرن، القرن)) فصرخت ميشيل: (( حقا ً!))‏
    ولكنها سرعان ما استدركت: ((ولكن لماذا يتحوَّل الجميع إلى رموزٍ قضيبية؟ النساء والرجال على السواء؟))
    وصمتت الشابتان ثانيةً،بعد أن راحتا ‏تنطنطان بإتجاه البيت وقالت ميشيل فجأة: ((لديَّ فكرة)) فسألتها غابرييل باهتمام: ((ماهي؟)) أجابتها ميشيل ‏غامزةً من فضولها: ((على أي حال، إنه لأمر أوحت به السيدة رافاييل نفسها))
    مما جعل غابرييل تلح بنفاد صبرها: ((قولي إذن، ماهو هذا الأمر؟))‏
    ‏ –لقد شاء المؤلف أن يخلق تأثيراً ضاحكاً!))
    وما عتمت الفكرة التي عبَّرت عنها صديقتها لتوها أن تملكت ‏غابرييل تملكاً عجيباً، بحيث أرخت ساقيها وجعلت تبطىء في خطوها، مركزة كيانها كله على ما يحدث في رأسها ‏وتوقفت الشابتان.
    وتوجهت غابرييل بالسؤال: (( أتظنين أن رمز وحيد القرن هو هنا لكي يخلق تأثيراً ‏مضحكاً؟)) فاجابت ميشيل: ((نعم)) وابتسمت ابتسامة المفاخر الذي أيقن بأنه وجد الحقيقة الناجزة ونظرت ‏الشابتان الواحدة إلى الأخرى، فرحتين من جرأتهما الخاصة واهتز طرف فميهما طرباً و إ باءً ثم أطلقتا فجأة اصواتاً حادة، مختزلة ومتقطعة حتى ليصعب وصفها بالكلمات.‏
    ‏-2-‏
    الضحك؟ ألا يهتم المرء أبداً للضحك؟ أعني بالقول، الضحك حقاً، بما يتجاوز الدعابة، والهزء، والمضحك.
    إنَّما ‏الضحك، أو المتعة العارمة واللذيذة، بل كلّ المتعة…‏
    فيما مضى كنت أدعو أختي، أو تدعوني هي، قائلةّ: ((أنلعب معاً حتى الضحك؟))فنتمدد، جنباً إلى جنب على السرير. ونروح نتظاهر بالضحك، طبعاً، ضحكات متصنَّعة وضحكات مضحِكة ثم ضحكات ‏مضحكة الى حدٍ كبير تجعلنا نضحك. وعندئذٍ يأتي الضحك الحقيقي، الضحك الكامل، فيحملنا في تدفقه الهائل، ضحكات‏ متفجرة ومستعادة، ومتدافعة وعاتية، ضحكات رائعة، وفاخرة ومجنونة، ونظل نضحك حتى لا نهاية ضحكاتنا…‏
    ‏ أوه الضحك!‏
    ضحك المتعة، ومتعة الضحك، فالضحك هو العيش بعمق لا نظير له.
    هذا النص الذي أتيت على ذكره هو ‏مقتطف من كتاب بعنوان ((‏كلام نسويّ)) كتَبَته في العام 1974 إحدى الداعيات النسويّات المتحمسات اللواتي طبعن مناخ زمننا بطابع خاص.‏
    ‏أنه لبيان صوفيٌّ عن الفرح.‏
    ‏ومن الأفكار التي طرَحَتْها المؤلِّفة، أنها تضع في مواجهة الرَّغبة الجنسية للذَّكر العُرضة للحظات القذف الهاربة، ‏وبالتَّالي المقرونة قدرياً بالعنف والإفناء والاضمحلال، تضع المؤلفة المُتعة النَسَوية معتبرةً إيَّاها نقيض الأولى لِكونها رقيقة ودائمةَ الحضور ومثابرة.
    ‏وطالما لم تَصِرّْ المرأة بعد مستلبة جوهرها الخاص فأن تأكل وتشرب وتتبوَّل وتتغوَّط و تلمس وتستمتع، وحتىأن تكون حاضرة هنا، تبدو لها كل هذه الأفعال من المتع المرعوبة. ويمتد ‏تعداد للشهوات الحسَّية عبر الكتاب، بمثابة لائحة جميلة. ذلك أن العيش أمر في غاية الإمتاع: كأن يرى المرء ويسمع، ويلمس، ويشرب ‏ويبول، ويغوط، ويغطس في الماء، وينظر إلى السماء، ويضحك ويبكي.
    بل إن جمال المضاجعة نفسها يكمن في كونها ‏تمثل جماع َمتع الحياة الممكنة: كاللمس، والرؤية، والسماع، والكلام، والإحساس، وأيضا الشرب والتغوّط، والتعرّف ‏والرقص.
    وقد يُعد الإرضاع ذاته متعةً والوَضع نفسه يعتبر كذلك، أما الطمث فلذة، يحملها هذا البصاق الفاتر، ‏وذاك الحليب الباهت، وذلك السَيلان للدم الفاتر ومثل المحلَّى، حتى ليستشف من هذا الالم طعم السعادة ‏المحترق.
    وحده الأحمق يجرؤ على الإبتسام هازئاً من بيان الفرح هذا.
    إذ أن في كل تصوّف مبالغةً. وللتصوف ألا ‏يخشى المضحك إذا أراد أن يصل إلى الطرف الأخير، إلى نهاية المضحك، أو إلى خاتمة المتعة، وبمثل ما ابتسمت ‏القديسة تيريزا في احتضارها، تؤكد القديسة آني لوكليرك (مؤلفة الكتاب من حيث اقتطعت النصوص) أن الموت ‏ذاته هو قطعة فرح، وحده الذكر يخشاها، لأنه شديد التعلق، ببؤس، بأناه وسلطته الوضيعتين. وبمثل ما قد يحدث ‏لقبَّة معبد الشهوة، ها إن الضحك يوشك على الانفجار في الأعالي، ارتعاشة لذيذة من السعادة، وذروة قصوى ‏للمتعة، ضحك المتعة، ومتعة الضحك.
    وإنه لمن الأكيد أن هذا الضحك الذي نعنيه هنا، هو ما بعد المزاح والهزء، ‏والمضحك الأُختان الممددتان على سريرهما لا بد من أن شيئاً محدداً لبث يضحكهما، وما كان لضحكهما غاية، ‏بل إنه التعبير الكائن عن فرحه بأن يكون موجوداً .
    وبمثل ما يتأوه المرء آن يصيب الألم جسده، هكذا كل من ‏ينفجر بهذا الضحك الانتشائي، بغدو بلا ذكرى ولا رغبة، إذ يرمي صراخه في لحظة العالم الراهنة، ولا يود أن ‏يعرف شيئاً غير ذلك.
    ولا شك أنكم تتذكرون هذا المشهد الذي طالما شاهدتموه في عشرات الأفلام الرديئة: فتى ‏وفتاة يركضان، يداً بيد، وسط منظر طبيعي ربيعي جميل (أو صيفي)، ويروحان يركضان، ويركضان، ويركضان ‏ضاحكين.
    والحق أن ضحك هذين الراكضين لحريٌّ به أن يعلن للعالم بأسره ولمشاهدي كل السينمات إننا في ‏غاية الفرح وإننا لمسروران بأن نكون في العالم، ونحن في عز اتفاقنا مع كياننا!
    ولئن بدا هذا المشهد غبيا، وبمثابة ‏كليشيه فإنه لا يني يعبر عن وضع بشري أساسي: الضحك الجاد، الضحك لما بعد المزاح.
    ويجمع على هذا ‏الضحك كل الكنائس، وكل صانعي القماش، وكل الجنرالات، وكل الاحزاب السياسية، وكل هؤلاء ليتسابقون ‏لكي يضعوا صورة هذين الراكضين الضاحكين على ملصقاتهم حيث يقومون بالدعاية لديانتهم، وسلعهم، ‏وعقائدهم، وشعوبهم، وجنسهم، ومسحوقهم لغسيل الأواني.
    إنه هذا النوع من الضحك بالضبط، ما تضحكه ‏ميشيل وغابرييل، ها هما تخرجان من محل لبيع القرطاسية، وتمسك الواحدة بيد الأخرى، وتروح كل منهما، ‏تؤرجح في يدها الحرة، رزمة صغيرة حزمت فيها الورق الملون، واللصاق والمطاطات. قالت غابرييل: ‏
    ((لسوف تَُسَّر السيدة رافاييل بما جلبنا، سوف تَرَين)) وراحت تصدر أصواتاً حادة ومتقطعة.
    وافقتها ميشيل الرأي، ‏وشرعت تُصدر نفس الضجة تقريباً.‏

    مقتطف من رواية الضحك والنسيان |ميلان كونديرا – ترجمة أنطوان أبو زيد عن دار الآداب عام 1990  

    ميلان كونديرا، هو كاتب وفيلسوف تشيكى، ولد في الأول من أبريل عام 1929،لأب وأم تشيكيين. كان والده لودفيك كونديراعالم موسيقى ورئيس جامعة جانكيك للآداب والموسيقى ببرنو. تعلم ميلان العزف على البيانو من والده ،ولاحقا درس علم الموسيقى والسينما والآدب، تخرج في العام 1952 وعمل استاذاً مساعداً،ومحاضراً،في كلية السينما في اكاديمية براغ للفنون التمثيلية، في أثناء فترة دراسته، نشر شعراً ومقالاتٍ ومسرحيات ،والتحق بقسم التحرير في عدد من المجلات الأدبية.

  • عبده خال – مقنطفات من رواية ترمي بشرر

    عبده خال – مقنطفات من رواية ترمي بشرر

    “منذ عشرات السنين، انطلقت تكبيرات صلاة العيد، وكنت أهم بالإنتقال إلى بيوت الأقرباء من غير أن تطال ملابسي قاذورات الأزقة الملتوية، اعترضتني بقعة ماء موحلة، وكلما حاولت اجتيازها تمددت سرت بمحاذاتها فاتسعت رقعتها، عدت أبحث عن الجانب الضيق منها كي أقفزه، وكنت أحاذر من أن تصل أوحالها القذرة إلى ثيابي الجديدة فتعكر صفاء العيد، فاحتجت وقتا ليس بالقصير لأن أنقل عدداً من الحجارة والأخشاب وأعبد بها ممشاي كي أصل للجهة الأخرى.. بثياب نظيفة وقبل أن أكمل خطواتي المتأرجحة فوق الجسر الذي شيدته، كانت ثمة يد تلقي بصفيحة قاذورات من إحدى الأسطح المطلة فوق هامتي مباشرة! عندها لم يعد مجدياً المحاذرة من قاذورات الشوارع، فعدت للبيت أكثر اتساخاً، ومضى العيد وأنا أتناشج بحرقة ليس على اتساخ ملابسي الجديدة بل على ضياع العيدية، واتساءل:
    هل تحرزنا وحذرنا مما في الأرض يقينا مما يلقى علينا من السماء ؟!
    هذه هي الحكمة العظيمة التي تعلمتها وبسببها لم أحاذر بقية حياتي من أي دنس يعلق بي، سعيت في كل الدروب القذرة وتقلدت سنامها.

    ** ** ** ** **
    “خسئت روحي، فانزلقت للإجرام بخطى واثقة!”
    “يقول طارق فاضل: الآن، ومن داخل القصر، أنظر إلى جهة النار، وأحلم بالعودة إليها، أتوق إليها بنفس الرغبة التي كنت فيها شغوفاً بدخول الجنة!”
    “كنت كالطائرة الورقية أحلق في الفضاء، وخيط رفيع يمسكني به، وبمجرد جذبه إليه، أهوي، وأكون معفراً بالتراب، منتظراً لحظة أخرى ليرفعني في مواجهة الريح لأحلق عالياً.”
    “أن تعقد صفقة مع الشيطان فكل اليقين أن الحياة تعد لك فخاً قميئاً، ولن تستطيع أن تنجو منه، فاللعبة القذرة تنهي حرصك على إبقاء ثيابك ناصعة.”
    ** ** ** ** **
    “كل فكر هو فخ لمن ضل عن إيمانه الخاص، وتنشأ الحفر في مناطق منخفضة من سطح الأرض، ومع امتلائها لا تصل إلى السطح بتاتاً، تبقى مغمورةً كفخ أو ماء آسن.”
    “الأحلام هي المخدر الذي نحقن به لنعيش لحظة غيبوبة نشيد فيها كل أمنياتنا القبيحة، والجميلة معاً إلا أن الحلم يحاذي النوم، ويغرق صاحبه في خدره كلما تباطأ الجسد.”
    “أقدار الماضي هي الظلام الوحيد الذي نسير فيه من غير ترفق أو حذر”
    ** ** ** ** **
    “هل صحيح أني ورقة ميتة؟!!
    أقلب حياتي الآن، فأجد أنها تفسخت تماماً، فرائحتها النتنة انتشرت لتصل إلى جوفي، لم أعد أطيق رائحتها.
    كانت ليلة عمياْ لم أبصر فيها دخولي لشرنقة الفناء.
    عندما توالت مهماتي كانت سيرتي تومض دناستها، غدوت أعمق عتمةً مما مضى، وكنت بحاجة ماسة لأن أختبىء من كل شيء حتى من نفسي.”
    ** ** ** ** **
    “تمنحك الحياة سرها متأخراً حين لا تكون قادراً على العودة للخلف، ومسح كل الأخطاء التي اقترفتها، وحين ترغب في تمرير سرها لمن يصغرك لا يستجيب لك كونه لا زال غراً بما تمنحه الحياة من تدفق في أوردته، محمد الركابي منحني سرها في أول يوم دخلت فيه القصر إلا أنني رفضت الإنصياع له لكوني لم أجرب قدري بعد، ليتني بقيت في النار!
    هذه الأمنية لم يعد لبلوغها من سبيل، فقد سقطت في جب الدنيا. السقوط هو القانون الأزلي، وكلنا ساقط لكن لا أحد يتنبه لنوعية السقوط الذي يعيش فيه.
    رويدا سقطت، وها أنا أقتعد قرار السقوط …
    سقطت ، من هنااااك سقطت …”
    ** ** ** ** **
    “السمكة الصغيرة حينما تعلق في شبكة صياد يبحر بقاربه جاذب ا شبكته من خلفه، تفكر في أمرين : التخلص من الفخ الذي وقعت فيه، أماأعز أمنية فهي أن يقف القارب في مكانه لتكون محاولة فكاكها ناجحة. ومنذ أن علقت في شباكه، وأمنية أن يخفف من سرعته أو أن يتوقف، تلازمني في كل حين لأتدبر طريقه أنفك بها من شركه. في أحيان نحتاج للسكون لتحديد أي الطرق نسلك هربا، أو إقداما، وهذا الثعبان لم يسكن يوما، حركته المستمرة تجعل فرائسه مشتتة الذهن غير قادرة على معرفة أي طريق سيأخذ وأي سرعة سينهج للإنقضاض
    ومنذ أن علقت في شباكه وأنا أفكر في الوسيلة التي أتخلص بها من الفخ المحكم الذي وقعت فيه وأمنية أن تتباطأ سرعته ليس لها من سبيل سوى أن يموت، تأخر كثيرا على الموت، وصحته تشي أن الوقت لا زال مبكراً على قيامه بهذه الرحلة .”
    ** ** ** ** **
    “قادر على الوصول لكل المتع، وكلما اجتاز متعة بحث عن سواها، يبحث عن نشوته بأي طريقة كانت، غدا ماهرا في التشويه فامتلأ قصره بأنواع من الدمى البشرية، وبسبب عبثه المستمر بها لم يبق داخلالقصر خلقه سوية، هناك العوراء والعرجاء والمخصية والمحروقة والمنتوفة والمصدومة والمعلولة، ومن لم يصب العطب جسدها قرضتها الوساوس وشتى الأمراض النفسية.”
    ** ** ** ** **
    “العمة خيرية ( عمة طارق أخت والده )، كانت رمزا للقدر الخسيس الذي جيء به مؤديا دورا واحدا وهو افتعال وإحداث القرف والإشمئزاز ويأبى إلا أن يكون حاضرا وبفاعلية في كل مناسبات الحياة وكل رحلات العقل الخائبة، بل رمز للنحس المبجل والمحاط بسياج يحفظ أمنه وأمانه.
    يقول طارق فاضل فيها: كانت تفطن لكل تحركاتي، أقع في شراكها منذ نعومة أظافري، ألفت أذناي فرك أناملها، وصوتها الحاد:
    – نسل سنية لا يجلب إلا البيض الفاسد.
    هذه جملتها التي تطلقها كلما تعاركت مع أمي أو أرادت أن تغمز أبي لاختياره أمي زوجة له. كرهتها مبكرا، وأحاطتني بمراقبتها اللصيقة كتدريب يومي لتنشيط حاسة اليقظة لديها، تراقبني بتلذذ ومتعة ولذتها كل لذتها أن تسحق فعلي قبل انتشائي بإنجازه. “
    ** ** ** ** **
    “الحياة مشوار قذر يبدأ ناصعاً، ومغرياً بعبوره من خلال الكلمات والتوجيهات، أما الواقع فعليك اقتراف الآثام لكي تكون إنساناً.”
    “حياة نرتدي فيها أحلامنا حتى تتسخ ثم نقذف بها في برميل لجمع الثياب المتسخة، ونستبدلها بحلم آخر، هذه هي حياة الشظف، حياة مهيأة لارتداء الأحلام، واستبدالها على الدوام، وهي أردية غير مرئية على أية حال.”
    ** ** ** ** **
    “السقوط حالة زمنية توصلك إلى القاع في سرعة متناهية، وبفعل التجاذب تكون مهيأ لأن تسافر في لحظات السقوط المتعددة، وكل مرحلة تدنو بك من القاع تسجل حالة دنيا من حالات السقوط فالسقوط لا يحدث دفعة واحدة.”
    ** ** ** ** **
    “نكتشف اللذة صدفة فندمن على استنزافها ، ندمن على رشفها في كل حين ولا نعرف أنها تعبد لنا طريق السقوط، فاللذة هي الخطوة الاولى لمعرفة ان هناك لحظة سقوط ممتعة، ومع كل سقوط ممتع عتمة جديدة، ليتوالى السقوط، اللذة هي الفجوة التي تركتها الحياة متسعة كي تسربنا خارجها.”
    “مساحات الظل، والضوء هي اللعبة التي تجيدها الحياة بإتقان، لكل شيء وجهان، يعتركان، ولا يمتزجان، تقلبهما الحياة بنسب، وتصبح مواقعنا هي قواعد اللعبة، أيهما يبرز ، وأيهما يختفي، والمحظوظ من يأتي على الحرف الجامع لوجهي الحياة! .”
    ** ** ** ** **
    “في شبابي كانت عين المرأة الطريق الآمن للقيام بسرقة روحها، وجسدها معاً، كنت أحرص على تعليق العين أولاً ثم اختلاق المغامرات للوصول إلى ما خلف النظرة، هذا الدرس تلقيته من منى زوجة عثمان المحينب:
    – المرأة تعشق التحديق، تعشق أن تسمر عينيك بها لتروي أنوثتها، وتزيدها زهواً، ونشوة.”
    ——————————

    مقتطفات من رواية ( ترمي بشرر) عبده خال – منشورات الجمل – المانيا 2010 | المسيرة الالكتروني

    عبده خال روائي وكاتب سعودي من مواليد إحدى قرى منطقة جازان(المجنة ) عام 1962 حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية جامعة الملك عبد العزيز عام 1982 واشتغل بالصحافة منذ عام 1982 وهو حاليا يشغل مدير تحرير جريدة عكاظ السعودية يعتبر أحد أبرز الأسماء في المشهد العربي للرواية الحديثه

    ترمي بشرر (مقتطفات من الرواية 2) – عبده خال

  • محمد الأمين سعيدي: كوكب الأرض يدخن الماريخوانا

    محمد الأمين سعيدي: كوكب الأرض يدخن الماريخوانا

    يدي نهر آبق
    كلماتي الأشجار المتوحدة
    وآلهتي أنفاس الغابة
    لا أزال طفلا يحلم أنْ يصير كوكب الأرض بحجم الكرة ليركله بعيدا..
    لا يزال قلبي يركب بحار الحائر
    يرى معجزات الماء حين يشتعل نبضه الحربي
    لذلك يغرق عميقا
    وقبل أنْ تبصره عين الموت المخيفة
    يتذكر خياله الأخضر الوارف
    فينجو..
    لا أزال هدفا لقناصة الفناء
    أُلدَغ..
    يتوقف قلبي..
    أسقط في هاوية المرض..
    وأجيد النجاة لأنني ابن زوبعة من سلالة أمازيغي جنوبي نسيته السماء يوم كانت توزّع الأمطار على الأماكن والقلوب..
    فاكتفى بحظه من التنقيب في جسد الرمل عن ثدي ماء منسي لا يزال يُرضع..
    لا أزال أربي في صدري الشياطين
    يؤنسني ضجيجها في هذا العراء
    حيث الجلد البشري يُشوى على مهل-
    لسنوات-وهو يرتكب الرحلة تحت شمس تعلو الرأس بشبر أو أقل…
    العالم يفتقر إلى الرشد
    إنه يسلك مفاوز الجنون
    أخبرني الملاك المسؤول عن أحوال الطقس..
    وأضاف:
    “الاحتباس الحراري لم يكن متوقعا في كتاب القدر، الأمور تخرج عن سيطرتنا، يا إلهي؛ اكتشفوا وصفة خلق الغيم في أمريكا، بورصة غيماتنا ستفلس مع الوقت.
    صدق أجدادي الملائكة حين اتهموا أباكم بالإفساد، أيتها القردة اللعينة كيف جعلت الكوكب منتشيا بماريخوانا الهذيان..”.
    الزمن قديما
    كان يسير على ريتمْ القوافل
    لذلك خرج من قريش شعراء وأنبياء
    لكنّ زمننا عدّاءٌ خطير
    أسرع من الضوء حين يقنص الظلال..
    عابث يقامر على المصائر ويخسر دوما..
    ثم إن تمائم البيولوجيا فتحتْ كثيرا من مغاليق الدماغ
    لذلك؛
    صار الأنبياء يؤخذون إلى مصحة المجانين..
    والشعراء يسجنون في بيت الحمق
    أما المجانين المساكين فيُؤخذون إلى برد التشرّد الموحش..
    من كان يتوقّع أن يتغوّل العلم
    ويفترس الديانات جميعا..
    ثم لا يترك منها إلا جسدا ممزّقا
    بلا روح تمنحه جمرة الإرادة
    ولا قوة تسقيه بسطة من العقل ليحيا
    أكتب هذا وأضحك
    خيالي الفاتن كبر وصار كائنا يوقد العجائب
    ثم أبكي..
    أدخّن ما شاءت الرئتان
    وأنام في فراشٍ بارد في فكرتي العدمية..

  • عارف حيتو – أنا وأنت

    عارف حيتو – أنا وأنت

    لا أتصور بأنك،

    ستصفحين عني

    تخالفينني الراي،

    أنا في واد وأنت في آخر..!!

    وكل منا يقرأ اهتماماته

    وأنت تبحثين عن ا ناس

    مجهولين…

    كي تجعليهم أمراء ومأمورين

    وتجار وبوابين وشعراء..

    تجعلينهم وطنا

    وأما أنا..!!

    فأبحث عن وطن ضائع

    لهم.

    *

    ترجمة: بدل رفو المزوري

  • عبدالرحمن مزوري – أيوب وعباد الشمس والصعود

    1 ـ أيوب

    المكابدات جبال

    بدو الاهات والأوجاع

    نصبوا خيامهم

    على هضاب قلبي

    الحبيبة التي كنا نجعل القصائد والأشعار

    كحلاً لعيونها

    جاءها طير أقرع،

    وسرق منها الكحل والمكحل

    أيوب أنا

    الصبر طار

    وقلبي مضمخ بالأحزان

    فاما ان اموت

    او افيق تلك الشمس الراقدة

    واسوقها

    الى اكواخ وبيوت قريتنا

    لعلها تحل محل

    المشاعل المنطفئة.

    2 زهرة عباد الشمس

    صحيح هؤلاء العشاق

    يرغبون في ليلة صامتة

    نجومها مضطجعة

    وسماءها صافية

    او بدر يملأ خيالاً

    وسُكراً

    ماذا بوسعي ان افعل؟!

    انا عاشق عجيب

    انا عباد الشمس

    قبلتي هي الشمس

    ودرويش انا لها احترق

    فألف ليلة مقمرة

    في سبيلها

    في سبيل رؤيتها

    سوف اضرم النار فيها.

    3ـ الجراد

    ألتهم وألتهم

    ألتهم ضحكة الأشجار

    وريحانة المروج

    وعرق جبين المحراث

    فالجراد…الجراد

    كالمزن هطل الجراد

    وانقض على مروج قريتنا

    الجميلة،

    أيا اهل قريتي…

    هلم نضرم نارا

    لعله،

    ينفر من الدخان واللهيب

    ويترك هذه الديار.

    4ـ الصعود

    صحيح بأن قوافل قلبي

    انحدرت عبر السهول

    وأدارت ظهرها

    للينابيع

    وتوجهوا الى ارض منخفضة

    الى ارض دون خبز وطعام

    فليذهبوا،

    الى اين سيذهبون؟!

    فكلما انحدروا ونزلوا

    سوف يصعدون من جديد

    الى الاعالي

    وسيشمخون

    لهذا

    لست حزينا على رحيلهم

    فبعد النزول

    الوح

    نجم الافاق والأعالي.

  • عبد الله به شيو – أحلم بكم كل ليلة

    كل ليلة

    أحلم

    أن قوة خارقة تأخذني إلى الجبال

    كل ليلة

    أحلم

    أن قوة خارقة تأتي إلي بالجبال

    مثلما يحلم سجين

    أحلام الفرسان بالرياح والجياد

    أحلام الأطفال بالنجوم والزهور.

    *

    ترجمة: سعدي المالح

    من ديوانه “أحلم بكم كل ليلة”

  • صمويل بيكيت – ماذا سأفعل

    ماذا سأفعل

    من دون هذا العالم الذى بلا وجه،

    غافل غير مبال

    حيث ثمة نهايات ولكن ثمة برهة حيث كل برهة

    تـُراق في الفراغ في جهالة أن تكون

    بلا هذه الموجة حيث نهاية المطاف

    ينحشر الجسد والظل معا

    .

    ماذا سأفعل من دون هذا الصمت حيث تموت التمتمات

    اللهثات

    نوبات السعار نحو المأوى صوب الحب

    دون هذه السماء التى تحوم

    فوق غبارها الطافح حصى

    .

    ماذا سأفعل

    ماذا فعلت البارحة

    والنهار الذى قبل أمس

    أحملق في المنور باحثا عن آخر

    يتجول مثلى فى دوامة بعيدا عن كل الاحياء

    فى فضاء متشنج

    وسط أصوات بلا أصوات

    تحشد في غور خفائي

    *

    ترجمة : صبحي حديدي

  • صوفيا دي ميللو – ديونيسوس

    صوفيا دي ميللو – ديونيسوس

    بَيْنَ الأشْجَارِ الدَّاكِنَةِ وَالخَرْسَاءِ

    تَحْتَرِقُ سَمَاءٌ مُحْمَرَّةٌ،

    وَإذْ يُولَدُ مِنَ اللَّوْنِ السِّرِّي لِلْمَسَاءِ

    يَعْبُرُ دْيُونِيسُوسْ فَوْقَ غُبَارِ الطُّرُقَاتِ.

    بَذَخُ فَوَاكِهِ سِبْتَمْبَرْ

    يَسْتَقِرُّ فِي وَجْهِكَ وَفِي كُلِّ جَارِحَةٍ.

    فِي هَذِهِ القَدَاسَةِ الحَمْرَاءِ المُطْلَقَةِ،

    هَذِهِ الهَالَةُ المُضْطَرِمَةُ الرَّائِقَةُ

    التِي كَانَتْ تُمَيِّزُ الآلِهَةَ عَنِ المَوْتَي.

    *

    ترجمة: حسن نجمي

  • صوفيا دي ميللو – عرفتك ثانية

    صوفيا دي ميللو – عرفتك ثانية

    I

    تَعَرَّفْتُكَ عَلَي الفَوْرِ وَأنَا مُحَطَّمَةٌ

    دُونَ أنْ أقْوَي عَلَي النَّظَرِ إلَيْكَ لأَنَّكَ كُنْتَ

    قَلْبَ حَيَاتِي بِالذَّاتِ

    وَقَدِ انْتَظَرْتُكَ الانْتِظَارَاتِ كُلَّهَا

    II

    عَرَفْتُكَ، عِشْتُكَ عَبْرَ كُلِّ آلِهَةٍ

    وَإنَّهُ لَثِقْلُكَ فِيَّ مَا جَعَلَنِي حَزِينَةً

    مُنْذُئِذٍ. وَفِيمَا بَعْدُ لَمْ تَتَحَرَّكْ إلاَّ لِتُحَطِّمَنِي

    بِخُطْوَاتِكَ الأكْثَرِ وُثُوقاً مِنْ خُطْوَاتِي.

    *

    ترجمة: حسن نجمي

  • صوفيا دي ميللو – المَدِينَة

    صوفيا دي ميللو – المَدِينَة

    أيتُهَا المَدِينَةُ، الإشَاعَةُ، الذَّهَابُ الإيَّابُ الدَّؤُوبُ لِلشَّوَارِعِ،

    أيَّتُهَا الحَيَاةُ القَذِرَةُ، العِدَائيةُ، المُبَدَّدَةُ بِلاَ جَدْوَي،

    لِتَعْرِفِي أنَّ هُنَاكَ بَحْراً وَشَوَاطِئَ عَارِيةً،

    جِبَالاً بِلاَ اسْمٍ وَسُهُولاً أكْثَرَ رَحَابَةً

    أكْثَر شَسَاعةً مِنَ الرَّغَباتِ،

    وَأنَا سَجِينَتُكِ وَلاَ أرَي

    إلاَّ الجدْرَانَ وَالوَاجِهَاتِ، وَلاَ أرَي

    لاَ صُعُودَ البَحْرِ وَلاَ تَحَوُّلاَتِ القَمَر.

    لِتَعْرِفِي أنَّكِ صَادَرْتِ حَيَاتِي

    وَأنَّكِ تَسْحَبِينَ إلَي ظِلِّ حِجَارَتِكِ

    رُوحِيَ التِي نُذِرَتْ

    لِلأَمْوَاجِ البَيْضَاءِ وَلِخُضْرَةِ الغَابَاتِ.

    *

    ترجمة: حسن نجمي

  • شو تينغ – وردة على قبر أمي

    شو تينغ – وردة على قبر أمي

    (1)

    أصابعٌ شاحبة ٌ تمشط شعري

    ها أنا طفلة ٌ من جديد

    أقبضُ على زاويةٍ من ثوبك

    أنظرُ إلى وجهكِ الجميل

    وأخاف أن أفتح عيني فتهرب صورتك

    رغم أن الفجرَ

    قطّع أحلامي إربا.

    لقد احتفظتُ بشالكِ الأحمر ،

    لم أغسله

    فغسله قد يزيل رائحتك ِ الطيبة.

    (2)

    يا أماه

    إن الزمنَ نهرٌ قاس

    وأن الذاكرة قد تذوي مثل الزهور

    فكيف لي أن أفتح ذلك الصندوقَ الملون

    من الذكريات.

    (3)

    كنتُ عندما تخزني إبرة

    أبكي إليك

    أما الآن فلم يعد يهمني

    أن ألبس تاجاً من الشوكِ

    إني أتألم أمام صورتك

    ولكن حتى لو تخرق صرختي الأرض

    أعلم أنني لن أقلق نومك.

    (4)

    آه لا أعرف

    كيف أظهر للناس علامات حبي لك

    رغم أني كتبتُُ الأغاني

    للبحر والورد

    ووجهِ النهار.

    (5)

    شوقي إليك

    يا أمي

    ليس شلالا ولا نهراً

    ولكنه

    بئرٌ عميقٌ في رحم الأرض

    بئرٌ من مياه الوردِ

    يغني في صمت.

    *

    ترجمة عن الإنجليزية: د. محمد قصيبات

  • تشارلز بوكوفسكي – عبقرية الحشود

    تشارلز بوكوفسكي – عبقرية الحشود

    ثمة من الخيانة، الكره، العنف، والسخف في الإنسان العادي

    ما يكفي لتجهيز أي جيش مفترض في أي يوم مفترض

    .

    والأفضل في الجريمة هم أولئك الذي يعظون ضدها

    والأفضل في الكره هم أولئك الذي يعظون بالحب

    والأفضل في الحرب أخيرا هم أولئك الذين يعظون بالسلم

    .

    أولئك الذين يعظون بالرب، بحاجة إلى رب

    أولئك الذين يعظون بالسلم لا يملكون السلم

    أولئك الذين يعظون بالسلم لا يملكون الحب

    .

    احذروا الوعاظ

    احذروا العارفين

    احذروا أولئك الذين يقرأون الكتب دائما

    احذروا أولئك الذين إما أنهم يبغضون الفقر

    أو أنهم يتباهون به

    احذروا أولئك الذين يسارعون إلى المديح

    لأنهم بحاجة إلى مديح بمقابله

    احذروا أولئك الذين يسارعون إلى أن يكونوا رقباء

    لأنهم يخافون ما لا يعرفون

    احذروا أولئك الذين يبحثون عن الحشود المنظمة لأنهم

    لاشيء لوحدهم

    احذروا الرجل العادي المرأة العادية

    احذروا حبهما، حبهما عادي

    يبحث عن عادي

    .

    ولكن ثمة عبقرية في كرههما

    ثمة من العبقرية في كرههما ما يكفي لقتلك

    لقتل أي شخص

    لأنهم لا يريدون الانفراد

    لأنهم لا يفهمون الانفراد

    فسيحاولون تحطيم أي شيء

    يختلف عما لديهم

    لأنهم غير قادرين على خلق فن

    فإنهم لن يفهموا الفن

    سيعدون فشلهم كخالقين

    ليس إلا فشلا للعالم

    لأنهم غير قادرين على الحب الكامل

    فإنهم سيعتقدون إن حبك ناقص

    حينها سيكرهونك

    وسيكون كرههم تاما

    .

    مثل ماسة براقة

    مثل سكين

    مثل جبل

    مثل نمر

    مثل السم

    .

    فنهم الأجمل

    *

    ترجمة: د. عادل صالح الزبيدي

  • شارل بودلير – بكاملها

    TOUT ENTIERE

    *

    زارني الشيطان يوماً في غرفتي العالية

    محاولاً أن يضبطني متلبساً بالخطيئة

    فقال: أتوق أن تخبرني عن أحلى ما فيها

    فبين كل المفاتن التي تصنع سحرها

    ومن الأشياء الوردية والسوداء

    التي تكوّن جسدها الفاتن

    أى شيء هو الأجمل

    أراكِ يا نفسي تجيبين كارهة

    لا سبيل إلى المفاضلة فكل ما فيها بلسم

    فعندما يلفني بسحره كل شيء فيها

    أجدني أجهل الشيء الذي سحرني

    إنها كالفجر تبهىني وكالليل تعزيني

    والانسجام الذي يلف كل جسدها

    بلغ من روعته أن عجز التحليل وقصَّر

    عن تعداد توافقاتها العديدة

    فيا تغيُّر حواسي كلها الذائبة في واحدة

    إن أنفاسها تصنع الموسيقى

    وإن صوتها يصنع العطور

    *

    ترجمها عن الفرنسية

    حنّا الطيّار

    جورجيت الطيّار

  • شارل بودلير – السماء الغائمة

    CIEL BROUILLE

    *

    كأني بنظراتك يجللها الضباب

    وعيناك الغامضتان أهما

    زرقاوان خضراوان أم رماديتان؟

    وعندما يتعاقب عليهما الحلم والقسوة والحنان

    تعكسان اللامبالاة وشحوب السماء

    تذكّرين بالأيام البيض الغائمة الفاترة

    التي تجعل القلوب المسحورة تذوب دموعاً

    عندها تهزأ الأعصاب وهي في ذروة انفعالها بالنعاس

    تلك الأعصاب التي روعها وعصرها الم مجهول

    تشبهين أحياناً تلك الآفاق الساحرة

    التي تضيئها شموس الفصول الغارقة في الضباب

    فما أشد تألقك أيها المنظر المخضل

    الذي تضيئه أشعة سماء غائمة

    أيتها المرأة الخطرة والمناخات الفاتنة المُغرية

    أيتاح لي أن أعبد صقيعك وثلوجك

    وهل سأعرف كيف أجني من الشتاء الذي لا يرحم

    متعاً أكثر حدة وقسوة من الجليد والحديد

    *

    ترجمها عن الفرنسية

    حنّا الطيّار

    جورجيت الطيّار

  • شارل بودلير – دعوة إلى السفر

    L’INVITATION AU VOYGE

    *

    بنيتي شقيقتي تأملي ما أحلى الذهاب

    إلى هناك لنعيش معاً

    نحب على مهل نحب ونموت

    في البلد الذي يشبهك

    فشموس السموات المبتلة الغائمة

    هي روحي هذا السحر الغامض لعينيك الغادرتين

    المتلألئتين من خلال الدموع

    فكل شيء هناك سيكون

    نظاماً وجمالاً وترفاً وهدوءاً ومتعة

    فالأثاث اللامع الذي صقلته السنون

    سيزين غرفتنا

    وأندر الأزهار سيختلط عبيرها بالعنبر

    والسقوف المزخرفة والمرايا العميقة والترف الشرقي

    كل ذلك سيكلم النفس سراً

    بحلاوة لغة موطنها

    كل شيء هناك سيكون نظاماً وجمالاً

    وترفاً وسكينة ومتعة

    انظري إلى السفن الغافية فوق القنوات

    كيف تأتي من آخر الدنيا

    لتروي ظمأ أتفه رغباتك

    والشموس الغاربة تكسو الحقول

    والقنوات والمدينة بكاملها

    بالذهب والياقوت

    ويغفو العالم في النور الدافئ

    كل شيء هناك سيكون نظاماً وجمالاً

    وترفاً وسكينة ومتعة.

    *

    ترجمها عن الفرنسية

    حنّا الطيّار

    جورجيت الطيّار

  • شارل بودلير – أغنية الخريف

    قريباً سنغـرق في عَـتمة متجمِّـدة

    وَداعاً ، يا صفاءَ صيفـنا القصير جـدّاً !

    قبل الآن سمعتُ الخريفَ بأسىً

    على الغابة متساقطاً على فناء الدار المرصوف.

    .

    الشتاء سيجتاح وجودي : غضب

    شنآن ، برد ، رعب ، وعمل قسريّ ،

    وكالشمس في جحيمها الثلجيّ ،

    قلبي ليس سوى قطعةِ جليدٍ حمراءَ طافية ٍ.

    .

    أحِسُّ برعشةٍ عندما أسمع غصناً واهناً يسقط .

    ليس للمشنقة صدى أكثر صخبـاً .

    إنَّ روحي مثـلُ برجٍ يستسلم

    لضربة المنجنيق الثقيلـة غير الكليلـة .

    .

    هادئاً هنيـهة بهذا الصوت الرتيب ،

    ربّما تابوتٍ ، في مكان ما ، سُـمـِّـرَ على عجل ،

    لمن ؟ الصيف أمسِ ، الخريف الآن !

    هذه الضوضاء الغاضة تُسمع كوداع .

    2

    أعشق الضِّياء المُخضَـرَّ في عينيك الواسعتين ،

    أيها الجمال الهادئ ، ولكنْ كلُّ شيء مُـرّ ٌ هذا اليوم ،

    لا شيءَ ، لا حبَّ ، المخدع أو الموقـد

    أعــزّ من شروق الشمس على البحـر .

    .

    أحبِـبْـنِ دومـاً، أيها القلب الحنون ! كُـنْ أمّـاً ،

    حتـى لناكـر الجميـل ، للشرّيـر،

    حبيباً ، أختاً ، حلاوةً سريعةَ الزوال

    لبهاء الخريف أو للشمس الغاربـة .

    .

    مهمَـة قصيرة الأجـل ! القبر ينتظر بلا رحمة .

    آه ! دعْـني ، دعْ رأسي يستريح على ركبتيك ،

    مستمتعـاً ، نادماً على ذهاب الصَّيف الأبيض الحارّ ،

    بأشعّـة الخريف الأخيرة ، صُـفـراً ولِطافـاً .

    *

    ترجمها عن الإنكليزية بهجت عباس

  • شارل بودلير – إلى سيدة خلاسية

    A UNE DAME CREOLE

    *

    في بلد معطر الأجواء تداعبه الشمس

    تعرفت تحت قبة من الأشجار الأرجوانية والنخيل

    الذي يتساقط منه الكسل فوق العيون

    على سيدة خلاسية مجهول المفاتن

    لونها شاحب دافئ تلك السمراء الساحرة

    وعلى جيدها يبدو تكلف مترفع

    هيفاء فارعة القوام تخطر كقناصة

    في عينيها اطمئنان وفي ابتسامتها هدوء

    لو أنك سيدتي تذهبين إلى بلاد المجد العريق

    على ضفاف السين أو اللوار الأخضر

    لكنت جديرة أن تكوني زينة القصور القديمة

    وفي الخلوات الظليلة ستكونين

    الوحي الذي ينبت في قلوب الشعراء آلاف القصائد

    وعيناك الواسعتان ستجعلان منهم

    أتباعاً أكثر خضوعاً من عبيدك السود

    *

    ترجمها عن الفرنسية

    حنّا الطيّار

    جورجيت الطيّار

  • شارل بودلير – إيقاع المساء

    HARMONIE DU SOIR

    *

    ها قد جاء الوقت الذي فيه تهتزّ

    كل زهرة على ساقها وتفوح كالمبخرة

    فالألحان والعطور تدور في نسيم المساء

    كما تدور الرقصة الكئيبة والنشوة الفاترة

    كل زهرة تفوح كمبخرة

    والكمان يرتعش كالقلب المعذب

    أيتها الرقصة الكئيبة والنشوة الفاترة

    السماء حزينة جميلة كمذبح كنيسة واسع

    الكمان يرتعش كالقلب المعذب

    قلب رقيق يكره العدم الأسود الفسيح

    وسماء حزينة جميلة كمذبح كنيسة واسع

    والشمس تغرق في دمها المتجمد

    قلب رقيق يكره العدم الأسود الفسيح

    يلتقط كل بقية من ماضيه المضيء

    والشمس تغرق في دمها المتجمد

    وذكراك في نفسي تتألق

    كواجهة مذبح مقدس

    *

    ترجمها عن الفرنسية

    حنّا الطيّار

    جورجيت الطيّار

  • شارل بودلير – العطر

    LE PARFUM

    *

    أيها القارئ هل استنشقت مرة

    في نشوة وشره بطيئين

    رائحة هذه الحبة من البخور

    الذي يملأ أرجاء كنيسة

    أو هل شممت حقّ مِسك فتيق

    يالها من فتنة عميقة ساحرة

    يسكرنا فيها الماضي المتجدد في الحاضر

    هكذا العاشق على صدر معبود

    يجني من الذكريات زهرتها الشهية

    فمن شعرها الكث المطواع

    هذا الحق الحي وهذه المبخرة للمخدع

    يتصاعد عبير وحشي أشقر

    ومن ثيابها الحريرية المخملية

    المشبعة بشبابها الطاهر

    يتصاعد عبق الفراء

    *

    ترجمها عن الفرنسية

    حنّا الطيّار

    جورجيت الطيّار

  • شارل بودلير – موت الفقراء

    LA MORT DES PAUVRES

    *

    إنه الموت الذي يعزّي واحسرتاه

    وهو الذي يحملنا على الحياة

    إنه غاية الحياة والأمل الوحيد

    الذي يرفعنا ويبعث كالإكسير النشوة في نفوسنا

    ويزوّدنا بالجرأة التي تجعلنا نتابع الطريق إلى النهاية

    عبر الإعصار والثلج والجليد

    هو الضوء المتموّج في آفاقنا السّود

    إنه الفندق الذائع الصيت

    الذي يوفر الطعام والراحة والنوم

    إنه الملاك الذي يحمل بين أصابعه السحرية

    الرقاد ونعمة الأحلام السعيدة

    ويسوي مضاجع الفقراء والعراة

    هو مجد الآلهة ومخزن الغلال الرمزي

    وكيس نقود الفقراء وموطنهم القديم

    إنه الرواق المفتوح على الآفاق

    المجهولة…

    *

    ترجمها عن الفرنسية

    حنّا الطيّار

    جورجيت الطيّار