المدونة

  • فرناندو بيسوا – غيوم

    فرناندو بيسوا – غيوم

    اليوم أمتلك وعياً بالسماء، إذ منذ أيام لم أنظر إليها لكنني أحسها، عائشاً في المدينة وليس في الطبيعة التي تحتويها غيوم غيوم. هي اليوم الواقع المركزي وهي تشغل بالي كما لو أن استخدام السماء كان من المخاطر الكبرى المحدقة بمصيري.

    غيوم تمر من العارضة إلى الـ “كاستيلو”، من الغرب إلى الشرق، في صخب متفرق وعار، رثة تبدو في طليعة ما لست أدري؛ بعضها نصف- أسود، نعم، وأكثر إبطاء، تتأخر لتصبح مكنوسة من قبل الريح الجسور، سوداء من بياض قذر، كما لو كانت ترغب في البقاء، تسوّد من القدوم أكثر مما من الظل الذي تشرعه الشوارع كفضاء مصطنع بين الخطوط المغلقة للمنازل.


    موجود أنا بدون أن أعرف أنني موجود وسأموت بدون أن أريد الموت إنني الفاصل بين ما أنا إياه وما لست إياه، بين الحلم وبين ما صنعته الحياة بي، وأنا القياس المجرد والجسدي بين أشياء ليست في حقيقتها بشيء، لكوني كذلك لاشيء غيوم لكم ثمة من لاطمأنينة في حالات إحساسي، كم ثمت من غم في تفكيري، كم من لا جدوى في رغباتي! غيوم غيوم تمر على الدوام، بعضها يبدو كبيراً، لأن المنازل ما كانت لتسمح برؤيتها لو كانت أقل حجماً مما تبدو، وهي في طريقها لاحتلال السماء بكاملها؛ بعض آخر بحجم غير واضح، لعلهما غيمتان يمكن اجتماعهما في واحدة ستنشطر إلى اثنين، بدون أي اتجاه في الهواء العالي فوق السماء المتعبة؛ ثمت غيوم أخرى صغيرة ما تزال، تبدو لُعباً لأشياء، كرات مختلفة للعبة باطلة، باردة، باتجاه ناحية عزلة كبرى.


    أستنطق ذاتي جاهلاً إياها. لم أقم بأي عمل نافع ولن أقوم بما يمكن تبريره لقد استهلكت حصتي من الحياة التي لم أضيعها في الاعتراض الغامض على اللاشيء، محولاً إلى شعر نثري الأحاسيس غير القابلة للنقل والتي بواسطتها أجعل الكون المجهول كوني الخاص. لقد ضقت ذرعاً بي، موضوعياً وذاتياً ضقت ذرعاً بكل شيء، وبكل الكل. غيوم الكل غيوم. فوضى من الأعالي، أشياء هي اليوم وحدها واقعية بين الأرض الفارغة والسماء العديمة الوجود؛ ضباب مكثف بتهديدات ذات لون مغيب، قطع قطن وسخة في مستشفى ليس له جدران. غيوم. هي مثلي، عبور مشوه بين السماء والأرض، بمذاق زخم لامرئي، مرعد أو غير مرعد، تزين بالأبيض أو تُعتّم بالأسود ، خيالات المدى، بعيداً عن صخب الأرض وسكينة السماء غيوم غيوم تمر، تواصل المرور دائماً، ستمر دوماً مواصلة مرورها، في التفاف متقطع لخصلات معكرة، في تمدد منبت لسماء مزيفة متفككة.

    من كتاب اللاطمأنينة، لفرناندو بيسوا
    ترجمة المهدي أخريف

  • رشا عمران – قذيفة

    رشا عمران – قذيفة

    لا أعرف لماذا يدق اليقين بابي بهذه القوة
    مع أنني منذ مدة طويلة تجاورت أنا والوهم
    صرنا نسهر معا كل يوم
    وفي الليل ننام على نفس السرير
    قد نتعانق
    وقد ينام كل منا على جنب مختلف
    لكن أنفاسنا تمشي بإيقاع واحد
    لفرط حزنه
    يبلل الوسائد تحت رأسينا
    وحين نستيقظ في الصباح نكمل حياتنا معا كجارين لا تؤرقهما مشاكل الحياة
    إذ أن جاري الوهم هادئ ولطيف ويعرف كيف يمتص نوبات غضبي
    ماالذي حدث إذا كي يدق اليقين بابي بقوة أرعبتني؟
    حين فتحت له الباب
    أجلسني على كرسي صغير
    وسمح للوهم أن يحضن ظهري
    ثم وضع سلكا طويلا أسفل الجرح الذي يحاوط قلبي وعلقه بقذيفة حارة واختفى
    جارا وراءه القذيفة وقلبي
    أما أنا فكنت أراقبه بجسد مجوف في الصدر
    ومحمي في الخلف بوهم يبلل ظهري لفرط ما به من الحزن

  • غونثالو روخاس – الجميلات

    مثيرات.. عاريات في المرمر المتأجج المنسحب من البشرة إلى الثياب

    ممتلئات.. متحديات.. الإعصار سريع.. تطأن العالم، وتطأن برج الحظ بأقدامهن المرهفة.. تتبرعمن في الشارع كالأعشاب البريّة

    وتلقين بأريجهن الأخضر القاسي..

    دافئات غير ملموسات في الصيف الذي يصهل كالجزار.. لسن زنابق ولا ملائكة مرسلين..

    آه فتيان البلد.. برّاجات الرجال.. وشيء أكثر

    من الدفء المتلاًلئ..شيء أكثر.. شيء أكثر من هذه الأغصان المياسة

    اللاتي عرفن ما تعرفن كما تعرف الأرض..

    لكم هن شبقات هؤلاء الرقيقات ولكم هن عميقات في مواكب صيد العيون الزرقاء، وشرارات عاجلة أخرى في رقصة الشوارع السريعة..

    أناثى.. أناثى.. في خضم الموج المتحشرج.. حيث نلقي شباك الحواس الخمس، لنحصل بالكاد على قبلة الزبد..

    *

    ترجمة: عصام الخشن

  • غلوريا غارسيا – ضد الذرَّة

    عَلَيْنَـا أَن نُقَـاومَ دُونَ ارتيـاح

    ضـدَّ الـذَّرَّة،

    لِكَـي لاَ تَسْتَخْدِمَهـَا الْوِلاَيَـاتُ الْمُتَّحِـدَة.

    لَـوْ أَسْكَتَنِـي الْبَـارُود،

    وَلَـو أَخْرَسَتْنِـي الرَّصاصَـة،

    وَلَـوْ أَيْبَسَنِـي بِئْـرِي،

    وَلَـوْ لَـمْ يَفْهَمْنِـي حََبِيبِـي

    سَأَصْـرُخ،

    أَصْعـقُ الأَرْضَ بِــ “عَـاشَ السَّـلاَم”

    بِصَوْتِـي

    فِـي صَمْـتِ جَسَـدي الأَخْـرَس.

    *

    ترجمها عن الإسبانية: عبـد السلام مصباح

  • غريغوري كورسو – القنبلة

    أيتها الكانسة للتاريخ

    أيتها المحطمة لأغلال الزمن

    أنتِ أيتها القنبلة

    لعبة الوجود،

    الأكبر من كل السماوات المنشولة

    أنا لا أستطيع أن أكرهك

    هل أكره الرعد المؤذي اللعوب؟

    هل أكره فك الحمار المتشظي؟

    النادي المتخبط لمليون إنسان قبل الميلاد؟

    الصولجان؟

    منجل الحنطة في الحقول؟

    محور منجنيق دافنشي؟

    فؤوس المعارك عند الهنود الحمر ؟

    أيتها البندقية القديمة،

    المصوّنة بجلد الماعز.

    أيها الخنجر المصنوع من عظام الثيران!

    آه، والبندقية اليائسة الحزينة

    ؟

    أيتها القنبلة،

    هل أنت بمثل قسوة الانسان صانعك؟

    أولست أقل قسوة من السرطان؟

    كل الناس يكرهونك!

    ربما يفضلون الموت في سيارة متدهورة

    أو تحت برق صاعقة

    أو غرقاً في الماء

    سقوطاً من أعلى طابق

    جلوساً على المقعد الكهربائي

    إصابةً بنوبة قلبية

    أو بشيخوخة مميتة

    نعم، بشيخوخة مميتة

    أيتها القنبلة،

    ربما يفضلون الموت بأي شيء، إلا بكِ

    الموت موجود في كل مكان،

    منذ أن وزّع علينا زرقته المُطلَقَة،

    أنا أغني لكِ أيتها القنبلة،

    أيتها المتطرفة المبذارة في تبذير الموت

    يا يوبيل الموت،

    يا جرثومة زرقة الموت الأعلى،

    ها هو المحلق طائراً، سيهوي محطماً

    وسيختلف موته، عن موت متسلق الجبال،

    الذي عنها سيهوي،

    أن نموتَ ملسوعين بثعبان الكوبرا

    ليس كما نموت بطعام خنزير فاسد!

    بعضهم يموت غرقاً في المستنقعات

    أو في البحار

    بعضهم يموت على يد رجل أشعث الشعر في سواد الليل

    هناك موت كالذي أصاب ساحرات

    هناك موت مرعب كالذي أصاب

    وموت بلا إحساس، كالموت عند الولادة

    احتضار بلا حزن كوجع العجوز موت مهجور

    موت رسمي كالذي يصيب

    وموت غير متوقع كالذي أصاب

    وأصاب فتيات ينمن فوق أغطية شعبية رائجة

    أنا لا أعرف كم رهيب هو، موت القنبلة،

    أستطيع فقط، ان أتخيل الأمر،

    لا موت آخر أعرفه،

    له مثل هذا التقديم الاستهلالي المضحك

    الآن، أسرح نظري،

    ثمة مدينة، مدينة نيويورك

    تتدفق بالجداول، مقفلة نجومها،

    ثمة مأوى في شارع جانبي،

    إصابات مسجلة، وإصابات مسجلة،

    تتحسس الانسانية بارتباك ضائع

    القبعات مقلوبة على أعقابها

    شبان ينسون أمشاطهم

    سيدات لا يعرفن ما ينبغي

    بحقائب مشترياتهن

    ثمة بنادق ورشاشات أوتوماتيكية

    مشوشٌ مداها،

    على الرغم من خطورة سكة الحديد رقم 3 ملصق المبتسم، يبتسم دائما

    الموت الشيطاني، قنبلة في دبرِ السنطور

    موت القنبلة،

    تنفجر السلاحف العملاقة عند شواطئ اسطنبول

    تتوثب قدم نمر ، لتقفز بعيدا،

    من أجل ان تهوي فورا،

    فوق ثلج القطب المتجمد الجنوبي

    البطريق يغطس خائفا من وجه أبي الهول

    قمة مبنى

    مشار إليها بسهم،

    في ملعب في .

    برج مرموز إليه بحرف C

    في حدائق

    أبراجُ

    منحنية مقشرة فوق السودان

    أيها الموت الرياضي، أيتها القنبلة الرياضية التي تمسك بالآثار الكبرى

    لمعابد الأزمنة القديمة،

    الكتروناتٌ، بروتوناتٌ، نيوتروناتْ،

    جامعةً خصلات الشعر الغربي

    سائرة عبر الخليج الكئيب في

    ملتحقة بركاب قباطنة السفن الرخاميين

    داخلة إلى آخر المدرّج الحجري المسرحي

    بمشاعر الترتيل لجميع الطرواديين

    حاملة مشاعل الترحيب في قبرص

    تُطلق سباق البواسل الأشراف مع الرايات

    وما زالت تتلو أشعار هوميروس بخطوات شاكرة

    LO فريق الحاضر الزائر، الموهوم

    فريق البيت الزائل، المهدوم

    الأغاني تعانق الأبواق:

    إسمعوا نداء صودا النقانق بعصير الزيتون!

    مجرّة مربوطة ببعضها،

    متناسقة أثوابها

    الحضور البليوني المحدّق بجميع الأزمنة.

    الفردوس المفقود لرب الآلهة .

    يتفرج على سباق .

    بوذا يرمي كرة البيسبول!

    المسيح يضرب ويشتم هاجماً!

    لوثر يسرق للمرة الثالثة!

    موت الكواكب، قنبلة هوسانا

    أيتها القنبلة الربيعية،

    انفجري بالوردة الأخيرة،

    تعالي بردائك الديناميتي الأخضر

    لا تهددي عين الطبيعة السليمة

    أمامك الماضي المتجعد الغضون

    وراءك المستقبل المرحب المفتون

    أيتها القنبلة، حقلك الكون،

    سياجُك المشجّرُ الجغرافيا

    أيتها القنبلة القافزة الوثابة،

    أيتها القنبلة المكبلة،

    أيتها العابثة

    النجوم سرب نحل،

    في محفظتكِ الطنّانة

    اغرسي زوايا إقليدس

    في قدميكِ اليوبيليتين

    مراوح ضوء القمر،

    فوق مقعدكِ السريري

    أنتِ السبب، وانتبهي،

    أنتِ السبب

    والسماوات، معكِ،

    أيتها القنبلة،

    انشري رشاقتك المتعددة

    قدّمي لنا مفكرتك المؤلمة

    عن النجوم الفاسدة، والكواكب الميّتة

    والعناصر الذبيحة،

    كفّني الكون،

    استنزفي طوفانات غيلان الفضاء

    وسجّيها في رحمك المستأنف دعاويه

    وشكاويه

    أيتها القنبلة،

    العازفة على مزمار (14159265،3) النهائي

    في شمس مستديرة، وطيران نار

    لقد هجر الله عريَهُ الساخر

    خلف رقصكِ الفالسي الهتاك

    انه لا يستطيع أن يسمع مزماركِ المبتهج

    بيوم التدنيس والتجديف

    تحت كوابيسه النحيلة المزيفة الأصباغ

    إنه يسقط كالأطرش نحو صمت أذنيه

    المثقوبتين

    مملكته خلود من شمع فجّ غير مصقول

    الأبواق فوق القباقيب الراقصة

    توقفت عن العزف لله،

    الملائكة المبحرون، لا يغنون لله،

    إنه إله بلا رعد، إله ميت،

    انفجارك، أيتها القنبلة، تابوته

    الذي أنحني أنا عليه،

    فوق طاولة العلوم،

    فلكيٌ أنا،

    مبللٌ بكلام من فم تنين،

    نصف فاهم لمعنى الحروب،

    وللقنابل، وخصوصاً للقنابل،

    لعجزي عن كره ما ينبغي أن أحب،

    ولعدم قدرتي على التواجد

    في عالم يسبل جفنيه ساكتاً

    عن طفل يموت في حديقة

    عن رجل يموت في مقعد كهربائي

    أنا عاجز عن الضحك من أي شيء،

    لعدم قدرتي على التمييز:

    بين ما أعرف وما لا أعرف

    ومن أجل ان أكتم آلامي، وأن أقول:

    أنا شاعر، وبالتالي،

    ينبغي أن أحب جميع الناس

    عارفاً أن كلماتي هي النبوءة المكتسبة

    لكل الناس،

    وأن ما خلف كلماتي،

    ليس أقل ا_تساباً، بكثير

    رجل أنا، يطارد الأكاذيب الكبيرة

    للذهب،

    أو شاعر أنا، يجول في رماد وهّاج،

    أو نفسٌ أنا، أتخيلها كما ينبغي أن تكون

    أنام مسنّناً بأسنان سمكة القرش

    رجلاً يلتهم الأحلام

    بالتالي، أنا لا أحتاج أبداً

    لأن أفهم جيداً معنى القنابل

    سعيدٌ أنا هكذا،

    إذا شعرتُ أن القنابل

    كالجرافات على الديزل

    فلن أشك بعدئذٍ

    بأنها ستتحول إلى فراشات

    هناك جحيم لكل القنابل

    إنها هناك. أراها هناك

    تجلس على دفعات

    وتغني الأغنيات

    أغنيات ألمانية بأغلبها

    وأغنيات أميركية طويلة جداً

    إنها تتمنى سماع أغنيات أخرى

    أغنيات روسية وصينية

    ومزيد من الأغنيات الأميركية الطويلة

    أيتها القنبلة الصغيرة

    التي سوف لن تكون: أبداً

    أغنية إسكيمو.

    أنا أحبك! أتمنى أن أعلق أقراطاً

    في شفتيكِ النهومتين!

    أيتها القنبلة!

    التي تتشارك في صنعها بقلق

    كل الأشياء المحببة:

    الأخلاقية، والفيزيائية

    أيتها المرأة الحديدية الخرافية

    المقطوفة من أكبر شجرة للكون،

    يا قطعة السماء التي تتولد منها الجبال،

    وأشعة الشمس،

    أنا واقف أمام بابكِ الليلكي الساحر،

    أحمل لكِ زهور

    وعطر

    ومساحيق التجميل المحبوبة

    من بنات السماء

    استقبليني،

    لا تغلقي بابك المفتوح،

    ولا تخافني، من ذكريات رمادية

    باردة أشباحها،

    ولا تخافي من القوّادين والدهاقنة

    للمناخ المجهول،

    ولا من فضاء الذوبان

    لثلوجهم العاتية

    ما زال جالساً

    في الجيب الأسود للضياء

    ناشف وجاف

    في موت الموزامبيق

    ولسان الأسطوري

    إكليل زهر منتوف

    يتدلى على رأس قمر رخوي

    دعيني أدخل، أيتها القنبلة،

    من بابك المفتوح،

    دعيني أنهض،

    من قلب زاوية فأرة حبلى

    ولا تخافي،

    من أمم الدنيا الناهضة بأعراسها،

    أيتها القنبلة، أنا أحبك،

    أريد أن ألثم قعقعتكِ وصليلكِ،

    أريد أن آكل دويّكِ،

    أنتِ أنشودةُ التسبيح،

    والشكر،

    والانتصار،

    ذروةُ الصراخ،

    قبّعةٌ غنائية للسيد الرعد

    رددي صدى حفيف ركبتيكِ الحديديتين

    بوم بوم بوم بوم

    بوم السماوات وبوم الشموس

    بوم بوم الأقمار وبوم النجوم

    الليالي والأيام بوم

    الرياح بوم بوم، ويا غيوم، ويا أمطار

    انفجري أيتها البحيرات،

    انفجري أيتها المحيطات،

    بوم، بوم،

    بوم،

    أورانغ أوتانغ، بينغ بانغ بوم،

    احتمل احتمل أيها القرد البابون،

    يابانغ، يابونغ، يابنغ،

    الذيل، الريش، الجناح

    نعم، نعم،

    إلى قلب هذه المعمعة،

    سوف تسقط قنبلة،

    سوف تتقافز الأزهار،

    مبتهجة،

    بجذورها التي تحولت،

    إلى رماد،

    سوف تركع الحقول،

    فخورة،

    تحت هللويات الرياح،

    سوف تتفتح قنابل القرنفل

    سوف تمد آذانها

    قنابل الأيائل،

    كثيرة هي القنابل،

    سوف يروّعُ النهار العصفور

    بنظرة لطيفة،

    لكنه،

    غير كافٍ أن نقول:

    سوف تسقط قنبلة

    وغير كافٍ أن تتعبد الأرض

    كمريم العذراء

    للقنبلة

    وغير كاف أن نقول:

    مزيد من القنابل سوف تولد

    في قلوب مزيد من الرجال

    سوف يولدون،

    القنابل المتبرجة بالفخامة، متدثرة بفراء القاقوم،

    جميلةٌ كلها،

    جالسة تماماً،

    برنينها الدولاري الطنان،

    فوق إمبراطوريات الأرض،

    الكثيرة التشكي والتظلم،

    متهدجة بالغضبْ

    الذي شواربهُ من ذهَبْ!

    *

    ترجمة: صفوان حيدر

    *

  • غابرييل دانونزيو – أبـــريل

    مواربِة ضلفتي النافذة علي الحديقة.

    مضت الساعة بطيئة، ناعسة

    و هي، التي كانت صاحية، نامت

    علي ذاك الصوت الذي أخذ يشكو

    يشكو في أعماق تلك الحديقة

    فقط لم يكن سوي صوت الماء علي الصخرة:

    أحيانا، أحيانا يـُــسمع!

    ذاك الحب وتلك الساعة في تلك الحياة

    يغرق الجميع كما في موج أبدي

    تتلاصق، الجثة والصخرة

    وهي، تطرح ألمها في السبات

    الألم شديد، و النوم جـِـدّ خفيف!

    في ضوء أبريل الساطع كثلج

    صار فاتراً. عليها يقيناً

    أن تعاني، بغموض، حتي في النوم

    في عمق النوم تظهر العلّة

    التي تفترسها. يصفـّـر الوجه

    رويداً رويداً: الفم يذوي

    مع أنفاسها؛ علي خدود ملساء

    يرتسم ظل … أواه يا ورد؛ إنها علّـتـك:

    ورد الشمس الجديدة، وحتي ورد الأمس،

    كانت تشــذ ّبه وردة وردة وفي أثناء ذلك

    تعبت قليلاً، وفي أثناء ذلك

    الماء يأتي علي ذات الصخرة حيث غرس اليوم

    اليوم الذي قارب الانقضاء، حتي بالأمس!

    ي لم تعد صبية. أزهارها

    الأخيرة تفتحت عند حبها الأول الكبير

    كان نشوة جنون وألم.

    في قلبها الخفيّ كانت صرخة،

    بعنف تهتف: انقضي الصبا! انقضي الصبا!

    هي لم تعد صبية. صار

    الشـَـعر منها علي الصدغ أبيضَ أو كاد؛ وشـَـعرها علي الجبهة تباعد قليلا. الهجر

    جعل منها راضخة ساكنة، الهجر

    يظهر يديها كأنها ميتة، تقريبا.

    ولا حراك يــُـجري الدم

    في أطراف الأصابع!

    النوم يقودها عبر الحياة

    تري في المنام نفسها وقد عادت صبية من جديد

    المحبوب الذي لن تراه أبدا

    موارِبة ضلفتي النافذة علي الحديقة

    مضت الساعة بطيئة، ناعسة

    لا شيء يغـرّد، لا ضوء ينطفئ

    سوي ذاك الصوت الذي يشكو هناك

    الذي يشكو في أعماق الحديقة.

    *

    ترجمة: رمضان جربوع

  • غابرييل دانونزيو – الريح تكتب

    غابرييل دانونزيو – الريح تكتب

    تكتب الريح علي الرمل الناعم

    بريش جناح؛ وفي المكتوب

    تتحدث العلامات للضفاف البيضاء.

    ولكن، عندما تميل الشمس، تخرج

    ظلال حــيـّة، مويجات

    كأهداب علي خدّ نديّ.

    وفي خضم وجه الشاطئ الشاسع القفر

    تنبلج صورة بسمتك

    *

    ترجمة: رمضان جربوع

  • غابرييل دانونزيو – الصياد

    نصف عارٍ فوق الصخرة

    صــياد: يتأمل الفـلّينة

    طافية علي أخضر الماء؛

    صفراء، القصبة في السماء الزرقاء.

    مائلة، الرأس الكبيرة، وتتدلي

    السيقان العجفاء علي الماء؛

    ساكنة تحت شمس أغسطس ذات اللهيب

    يبدو الصياد وكأنه ذاب في برونز عتيق

    *

    ترجمة: رمضان جربوع

  • غابرييل دانونزيو – كنــّـا سبع أخوات

    كنـّا سبع أخوات

    نري صورنا في ماء النافورة

    كنـّا جميلات كلـّـنا.

    زهر القصب لا يصنع خبزا،

    توت الأحراش لا يصنع نبيذا،

    ألياف العشب لا تصنع قماشا ـ

    كانت تقول أم البنات.

    نري صورنا في ماء النافورة:

    كنـّـا كلــنــّا جميلات.

    الأولي لكي تغــزل

    تريد المغازل من ذهب؛

    الثانية لكي تنسج

    تريد الأنوال من ذهب؛

    الثالثة لكي تحيك

    تريد الإبر من ذهب؛

    الرابعة لكي تعـدّ المائدة

    تريد الأكواب من ذهب؛

    الخامسة لكي تنام

    تريد الألحفة من ذهب؛

    السادسة لكي تحلم

    تريد الأحلام من ذهب؛

    السابعة لكي تـغـنـّـي،

    فقط لتغـنـّي

    لم ترد شيئا.

    زهر القصب لا يصنع خبزا،

    توت الأحراش لا يصنع نبيذا،

    ألياف العشب لا تصنع قماشا ـ

    كانت تقول أم البنات.

    كنا سبع أخوات

    نري صورنا في ماء النافورة

    كنـّا جميلات كلـّـنا.

    .

    الأولي هربت

    وحطمت مغزلها وقلبها،

    والثانية نسجت

    قماشا من ألم،

    والثالثة حاكت

    قميصا من سـمّ،

    الرابعة أعـدّت

    مائدة من سحر،

    الخامسة نامت

    علي سرير الموت،

    والسادسة حلمت

    بين أيدي الموت،

    بكت الأم الثكلي،

    بكت بئس المآل.

    إلا أن السابعة غـنـّـت

    لتغني لتغني

    لتغني فحسب

    كان مـآلها جميلا.

    عرائس البحر

    أخذنها أختا

    *

    ترجمة: رمضان جربوع

  • أرتور شوبنهاور – الموْتُ والألم شرّان مُتميزان

    أرتور شوبنهاور – الموْتُ والألم شرّان مُتميزان

    “هذه الحياةُ محزنةٌ جدا، ولهذا فلقد قررت أن أقضيها بالتأمل فيها.”
    ** ** ** **
    “الحقيقة الكاملة تَمرُّ خلالِ ثلاث مراحلِ.
    أولاً، أنها ستبعث على السُخرية.
    الثانية، أنها ستُعارض بعُنْف.
    الثالثة، أنها ستُقبل باعتبارها فرضت ذاتها.الشّفَقة أساسُ كُلّ المبادىء الأخلاقية.”

    ** ** ** **
    “ كُلّ أمة تَسْخرُ من الأممِ أخرى، وكُلهم على حقّ. “
    ** ** ** **
    “كل شخص يأخذُ الحدودَ التي يراها في الأفقِ باعتبارها حدود العالم بأكمله. إذا فقدنا الاهتمامَ الزائد بأنفسنا، لن تثير الحياة حينها شيئاً فينا، ولن يقوى على تحملها أحد. “
    ** ** ** **
    “الضوضاء الأكثر وقاحة في كُلّ أشكال الازعاج، وهي ليست مجرّد ازعاج، لكنها أيضاً ارباك الفكرِ. “
    ** ** ** **
    “كمية الضوضاءِ التي يملكها أي واحد بطريقة غير ملموسة؛ تتناسب عكسياً مع قدرتِه العقليةِ. “
    ** ** ** **
    “الموهبة تصيبُ هدفاً لا يُمْكِن لأحدٍ أَنْ يصيبه؛
    العبقرية تصيبُ هدفاً لا يُمْكِنُ لأحدٍ أَنْ يراه. “
    ** ** ** **
    “الموْتُ والألمُ شرّان مُتميزان. “
    ** ** ** **
    “يَجِبُ أَنْ تُصقل الذاكرة خاصةً في عمر الشباب، كَوْنها ذلك الحين الأقوى والأكثر عِناداً، و لكن في إخْتياَر الأشياءِ التي تُودع في الذاكرة يلزم أن يُمارس العناية القصوى والنظرة المتروية؛ ذلك أن دروسَ الشبابِ لن تُنسى مطلقاً.”
    ** ** ** **
    “العالم كإرادة ووهم. نَخْسرُ ثلاثة أرباع أنفسنا لكي نَكُونَ مثل الناسِ الآخرينِ.”

    الموْتُ والألم شرّان مُتميزان | أرثر شوبنهاور / Arthur Schopenhauer (الفلسفة الحديثة)

    إقتباسات ترجمها عن الانجليزية د. شريف بقنه 2010

  • كائن لا تحتمل خفته (مقتطفات من الرواية) – ميلان كونديرا

    كائن لا تحتمل خفته (مقتطفات من الرواية) – ميلان كونديرا

    “الأنظمة المجرمة لم ينشئها أناس مجرمون وإنما أناس متحمسون ومقتنعون بأنهم وجدا الطريق الوحيد الذى يؤدى إلى الجنة.”
     
    “الحب والجنس عالمان مختلفان.”
     
    “هل بالإمكان إدانة ماهو زائل ؟ إن غيوم المغيب البرتقالية تضفي على كل شيء ألق الحنين ، حتى على المقصلة”
     
    “للصدفه وحدها مثل هذا السحر ،لا الضرورة”
    “كانت غير قادرة على إغماض جفن طيلة الليل. أما بين ذراعيه فكانت تغفو دائما مهما تكن درجة اضطرابها. كان يروي من أجلها بصوت خافت قصصا يبتدعها أو ترهات وكلمات مضحكة يعيدها بلهجة رتيبة. كانت هذه الكلمات تتحول في مخيلتها إلى روئ مشوشة تأخذ بيدها إلى الحلم الأول .كان يملك تأثيرا خارقا على إغفائها ،وكانت تغفو في الدقيقة التي يقرر هو أن ينتقيها.”
    “لا توجد أية وسيلة لنتحقق أي قرار هو الصحيح، لأنه لا سبيل لأية مقارنة. كل شيء نعيشه دفعة واحدة، مرةً أولى ودون تحضير. مثل ممثل يظهر على الخشبة دون أي تمرين سابق. ولكن ما الذي يمكن أن تساويه الحياة إذا كان التمرين الأول الحياة نفسها؟ هذا ما يجعل الحياة شبيهة دائماً بالخطوط الأولى لعمل فني، ولكن حتى كلمة “خطوط أولى” لا تفي بالغرض. فهي تبقى دائماً مسودة لشيء ما، رسماً أولياً للوحة ما. أما الخطوط الأولى التي هي حياتنا فهي خطوط للاشيء ورسم دون لوحة.”
    “إن كلمة شفقة توحي عموماً بالارتياب، وهي تُعنى بشعور يعتبر أقل منزلة ولا علاقة له بالحب إطلاقاً. أن نحب أحداً شفقة به فهذا يعني أننا لا نحبه حقاً.”
    “إن ألمنا بالذات ليس بأثقل من الألم الذي نعانيه مع الآخر ومن أجل الآخر وفي مكان الآخر؛ ألم يضاعفه الخيال وترجّعه مئات الأصداء.”
    “في اعتقادنا جميعاً أنه لا يعقل لحب حياتنا أن يكون شيئاً ما خفيفاً، دون وزن. كلنا نتصور أن حبنا هو قدرنا وأن حياتنا من دونه لن تعود حياتنا.”
    “لم تكن تملك، في مقابلة عالم التفاهة الذي يحيط بها، إلا سلاحاً واحداً: الكتب التي تستعيرها من مكتبة البلدية وخصوصاً الروايات. كانت تقرأ أكداساً منها، ابتداءً بفيلدنغ وانتهاء بتوماس مان. كانت هذه الروايات تمنحها فرصة للهروب الخيالي، وتقتلعها من حياة لم تكن تعطيها أي شعور بالاكتفاء. لكنها كانت أيضاً تعني لها بصفتها أدوات: كانت تحب أن تتنزه وهي تتأبط كتباً. كانت تميّزها عن الآخرين مثلما كانت العصا تميز المتأنق في القرن الفائت.”
    “في اعتقادنا جميعا أنه لا يعقل لحب حياتنا أن يكون شيئا ما خفيفا دون وزن . كلنا نتصور أن حبنا هو قدرنا وأن حياتنا من دونه لن تعود حياتنا. 
    “كما وأننا نقنع أنفسنا بأن بيتهوفين شخصيا بجبينه المقطب وشعره الآشعث، يعزف من أجل حبنا الكبيرلحن : “ليس من ذلك بد”
    “وحدها الصدفة يمكن أن تكون ذات مغزى. فما يحدث بالضرورة، ما هو متوقع ويتكرر يومياً يبقى شيئاً أبكماً. وحدها الصدفة ناطقة. نسعى لأن نقرأ فيها كما يقرأ الغجريون في الرسوم التي يخطها ثفل القهوة في مقر الفنجان.”
    “من يبغي “الارتقاء” باستمرار، عليه أن يستعد يوماً للإصابة بالدوار، لكن ما هو الدوار؟ أهو الخوف من السقوط؟ ولكن لماذا نصاب بالدوار على شرفة السطح حتى ولو كانت مزودة بدرابزين متين؟ ذلك أن الدوار شيء مختلف عن الخوف من السقوط. إنه صوت الفراغ ينادينا من الأسفل فيجذبنا ويفتننا. إنه الرغبة في السقوط التي نقاومها فيما بعد وقد أصابنا الذعر.”
    “يجدر بالضعيف أن يتعلم كيف يكون قوياً، ويرحل عندما يصير القوي أضعف من أن يستطيع إيذاء الضعيف.”
    “إن حياتنا اليومية مفخخة بالصدف وتحديداً باللقاءات العرضية بين الناس والأحداث ، أي مانسميه المصادفات : والمصادفة هي لحظة يقع حدثان غير متوقعين في الوقت نفسه قيتلاقيان .في أغلب الأحيان تمر مصادفات كثيرة دون أن نلاحظها اطلاقاً.”
    “يمكنني القول ربما إن الإصابة بالدوار تعني أن يكون المرء سكران من ضعفه الخاص.. فهو يعي ضعفه لكنه لا يرغب للتصدي له بل الاسترسال فيه. ينتشي بضعفه الخاص فيرغب في أن يكون أكثر ضعفاً، يرغب في السقوط أمام أعين الآخرين في وسط الشارع، يرغب في أن يقع أرضاً، تحت الأرض بعد.”
    “في المقدمة الكذب المحسوس وفي الخلف الحقيقة التي لايدرك كنهها”
    “أن نخون هو أن نخرج عن الصف لنسير في المجهول. وهي لم تعرف ما هو أجمل من السير في المجهول.”
    “هي تكره الأدب الذي يكشف فيه الكاتب عن حياته الخاصة أو عن حياة أصدقائه الخاصة.. وتفكر أن ذلك الذي يفقد حياته الخاصة يفقد كل شيء. وأن من يتخلى عنها بكامل إرادته، إنما هو مسخ. لذلك فلا يؤلمها أن يكون عليها أن تخفي حبها. بل على العكس، هذه هي وسيلتها الوحيدة لكي تعيش في الحقيقة.”
    “يمكن اختصار مأساة حياة “باستعارة” الثقل. نقول مثلا إن حملاً قد سقط فوق أكتافنا. فنحمل هذا الحمل. نتحمله أو لا نتحمله ونتصارع معه، وفي النهاية إما أن نخسر وإما أن نربح. ولكن ما الذي حدث معها بالضبط؟ لا شيء. افترقت عن رجل لأنها كانت راغبة في الافتراق عنه. هل لاحقها بعد ذلك؟ هل حاول الانتقام؟ لا. فمأساتها ليست مأساة الثقل إنما مأساة الخفة. والحمل الذي سقط فوقها لم يكن حملاً بل كان خفة الكائن التي لا تطاق.”
    “لم تكن تفهم لماذا يرغب الموتى في أن يقام فوقهم ما يشبه القصور. هذه المقبرة هي الغرور ممثلاً في حجر. فبدل أن يكون سكان المقابر أكثر تعقلاً بعد موتهم، فإنهم أكثر حماقة مما كانوا وهم على قيد الحياة. كانوا يعرضون أهميتهم من خلال الأنصاب. لم يكن أولئك الراقدون هنا آباءً أو أخوة أو أبناء أو جدات بل وجهاء وموظفين في الحكومة وأناساً ذوي ألقاب ورتب شرف. حتى أن أي موظف في البريد كان يعرض أمام الملأ رتبته ودرجته ووضعه الاجتماعي – أي قيمته، بتفاخر.”
    “إذا كنا نفقل القبر بحجر فهذا لأننا لا نرغب في رجوع الميت. الحجر الثقيل يقول له: “ابق حيث أنت!”.
    “وحدها الأسئلة الساذجة هي الأسئلة الهامة فعلاً. تلك الأسئلة التي تبقى دون جواب. إن سؤالاً دون جواب حاجز لا طرقات بعده. وبطريقة أخرى: الأسئلة التي تبقى دون جواب هي التي تشير إلى حدود الإمكانات الإنسانية، وهي التي ترسم وجودنا.”
    “الحب يبدأ في اللحظة التي تسجل فيها امرأة دخولها في ذاكرتنا الشعرية من خلال عبارة.”
    ————————————
    ميلان كونديرا، هو كاتب وفيلسوف تشيكى، ولد في الأول من أبريل عام 1929،لأب وأم تشيكيين. كان والده لودفيك كونديراعالم موسيقى ورئيس جامعة جانكيك للآداب والموسيقى ببرنو. تعلم ميلان العزف على البيانو من والده ،ولاحقا درس علم الموسيقى والسينما والآدب، تخرج في العام 1952 وعمل استاذاً مساعداً،ومحاضراً،في كلية السينما في اكاديمية براغ للفنون التمثيلية، في أثناء فترة دراسته، نشر شعراً ومقالاتٍ ومسرحيات ،والتحق بقسم التحرير في عدد من المجلات الادبية. ويكيبدبا
  • رسالة الوداع لجابرييل جارسيا ماركيز إلى محبيه فى العالم

    لا تنتظر أكثر | بقلم غابرييل غارسيا ماركيز

    “لو شاء الله أن ينسى أنني دمية، وأن يهبني شيئاً من حياة أخرى، فإنني سوف أستثمرها بكل قواي. ربما لن أقول كل ما أفكر به، لكنني حتماً سأفكر في كل ما سأقوله. سأمنح الأشياء قيمتها، لا لما تمثله، بل لما تعنيه. سأنام قليلاً، وأحلم كثيراً، مدركاً أن كل لحظة نغلق فيها أعيننا تعني خسارة ستين ثانية من النور. سوف أسير فيما يتوقف الآخرون، وسأصحو فيما الكلّ نيام.
    لو شاء ربي أن يهبني حياة أخرى، فسأرتدي ملابس بسيطة وأستلقي على الأرض، ليس فقط عاري الجسد وإنما عاري الروح أيضاً. سأبرهن للناس كم يخطئون عندما يعتقدون أنهم لن يكونوا عشاقاً متى شاخوا، دون أن يدروا أنهم يشيخون إذا توقفوا عن العشق. للطفـل سـوف أعطي الأجنحة، لكنني سأدعه يتعلّم التحليق وحده. وللكهول سأعلّمهم أن الموت لا يأتي مع الشيخوخة بل بفعل النسيان.
    لقد تعلمت منكم الكثير أيها البشر… تعلمت أن الجميع يريد العيش في قمة الجبل، غير مدركين أن سرّ السعادة تكمن في تسلقه. تعلّمت أن المولود الجديد حين يشد على إصبع أبيه للمرّة الأولى فذلك يعني أنه أمسك بها إلى الأبد. تعلّمت أن الإنسان يحق له أن ينظر من فوق إلى الآخر فقط حين يجب أن يساعده على الوقوف. تعلمت منكم أشياء كثيرة! لكن، قلة منها ستفيدني، لأنها عندما ستوضب في حقيبتي أكون أودع الحياة. قل دائماً ما تشعر به، وافعل ما تفكّر فيه. لو كنت أعرف أنها المرة الأخيرة التي أراكِ فيها نائمة لكنت ضممتك بشدة بين ذراعيّ ولتضرعت إلى الله أن يجعلني حارساً لروحك. لو كنت أعرف أنها الدقائق الأخيرة التي أراك فيها ، لقلت ” أحبك” ولتجاهلت، بخجل، أنك تعرفين ذلك. هناك دوماً يوم الغد، والحياة تمنحنا الفرصة لنفعل الأفضل، لكن لو أنني مخطئ وهذا هو يومي الأخير، أحب أن أقول كم أحبك، وأنني لن أنساك أبداً. لأن الغد ليس مضموناً لا للشاب ولا للمسن. 

    ربما تكون في هذا اليوم المرة الأخيرة التي ترى فيها أولئك الذين تحبهم. فلا تنتظر أكثر، تصرف اليوم لأن الغد قد لا يأتي ولا بد أن تندم على اليوم الذي لم تجد فيه الوقت من أجل ابتسامة، أو عناق، أو قبلة، أو أنك كنت مشغولاً كي ترسل لهم أمنية أخيرة. حافظ بقربك على مَنْ تحب، إهمس في أذنهم أنك بحاجة إليهم، أحببهم واعتني بهم، وخذ ما يكفي من الوقت لتقول لهم عبارات مثل: أفهمك، سامحني، من فضلك، شكراً، وكل كلمات الحب التي تعرفها. لن يتذكرك أحد من أجل ما تضمر من أفكار، فاطلب من الربّ القوة والحكمة للتعبير عنها. وبرهن لأصدقائك ولأحبائك كم هم مهمون لديك”.

  • نيكوس كازانتزاكيس – مقتطفات من “الأخوة الأعداء”

    “إنه ذنبي أنا وذنب البشر أن يأكل هذا الطفل تراباً، وليس ذنبك يا إلهي، الذنب في رقبتي” ” – أنا لا أستطيع العيش دون يقين- وهل تعتقد إذن أيها الشاب أن الخير الأعلى هو الطيبة- نعم، الطيبة- لا، بل الحرية أو بعبارة أدق الصراع من أجل الحرية.” “نحن نصارع من أجل شيء لا يمكن بلوغه ولهذا السبب لم يعد الإنسان حيواناً” “إن الله يزن كل نفس على حدى، ويعطيها كل واحدة منها الجواب الذي ينقذها””ثلاثة أشياء تمنيتها طوال حياتي: بيت صغير، وزوجة طيبة، وأصيص به ريحان، لكني لم أصل إليها أبداً” “ما أبسط الحياة يا حبيبتي إذا تأملنا حقيقتها، وما أقل ما يلزم الإنسان كي يكون سعيداً، لكنه يفضل أن يضيع جرياً وراء أمجاد وهمية” “كيف أستطيع أن اكتشف القضية العادلة التي تستحق أن أضحي بالحياة من أجلها، لا أظن أن المحارب يواجه سؤالاً يعذبه أكثر من هذا” “البطولة والإيمان لا يصلحان معياراً حاسماً للحكم، فكيف نميز الحق من الباطل؟ كم من الأبطال والشهداء ضحوا بأنفسهم من أجل هدف باطل؟ فالله والشيطان: كل واحد له قديسوه وشهداؤه” “……. فالمشكلة هي أن يجد الإنسان مثلاً أعلى يجعله الهدف الأوحد لوجوده، وإذ ذاك يصبح عمله نبيلاً، والحياة تكتسب معنى والموت يتحول إلى خلود، هذا المثل الأعلى يمكن إعطاؤه أي اسم مقدس: الوطن، الله، أو الشعر أو الحرية أو العدالة فالمهم شيء واحد، هو أن تؤمن به وتعمل من أجله””.. فالإنسان لا يصل أبداً إلى شيء عظيم إن لم يُخضع حياته لسيد أعلى” “إن الله ليس ماء بارداً نشربه لننتعش، الله نار يجب أن نمشي فوقها لا نمشي فقط، بل نرقص، ومن المؤكد أنه عندما يصل الإنسان إلى هذه الدرجة لا تلبث أن تتحول النار إلى ماء منعش، لكن يا إلهي ما أقسى ما يحتمل الإنسان من الصراع والألم قبل أن يبلغ ذلك” “أما اليوم فأنا أتكلم وأنت لا ترد، وأصيح، فتشيح بوجهك عني لكنني سأظل أصرخ حتى تسمعني، فمن أجل هذا وهبتني فماً، ليس للأكل ولا للكلام ولا للتقبيل، ولكن للصراخ.” “لن أقيم لك القيامة، فلتبقَ نائماً في الكفن تنتظر، لن تقوم من الموت إلا ومعك اليونان، هل تسمعني؟ لا سلام؟ إذن لا قيامة، لست أملك شيئاً آخر أفعله” “…..لستَ سوى ملاكٍ عاجز عن التألم، عاجز عن ارتكاب الخطيئة، سجين الفردوس حتى نهاية الزمن. لكني أنا إنسان، شيء مشتعل يتألم ويدين نفسه ويموت. وأنا الذي أقرر بإرادتي أن أذهب إلى الفردوس أو لا، اذهب فلا تحرك جناحيك في وجهي ولا تجرد سيفك أمامي. عندما يتكلم إنسان مع الله فلا دخل لك أنت” “حدثني بكلام البشر إن كنت تريد أن أفهمك.أنت تهدر كالوحش، وأنا لست وحشاً لأفهمك، أنت تهدل كالحمام، لكني لست طائراً، إنما أنا بشر فحدثني بكلام البشر” ” – وما جدوى سؤالك يا رب؟ لا جدوى من سؤالك، فأنت تعلم كل شيء.- أنا أعلم كل شيء، لكني أحب أن أسمع صوت الإنسان فتكلم.” “اترك السماء يا رب، فلم يأتِ وقتها، روحي لم تنفصل عن جسدي، فأنا دائماً على الأرض أكافح فيها لأشق طريقي”(على لسان الله )” أنا أعلم كل شيء، لكن فقط بمساعدة البشر، وبدونك أنت لن أقدر على أن أمشي في هذه الأرض رغم أني خلقتها. سأتعثر. سأتعثر في الحجارة، و في الكنائس، وفي الناس، هل تفتح عينيك جيداً ؟ ألا تعلم أني خلقت في أعماق المحيط أنواعاً هائلة من سمك القرش لا تستطيع أن تجري في البحر إلا بمساعدة سمكة ضئيلة الحجم اسمها سمكة الربان” “الأب ياناروس يعلم منذ زمن طويل أن كلمات الرب تكون غامضة، غامضة وخطيرة كالسلاح ذي الحدين، يا لشقاء هذا الذي لم يسمع قط كلمة الرب، لكن أيضاً يا لشقاء هذا الذي يسمعها، الذهول يصيب روح الإنسان، وكل كلمة من كلمات الله تفتح باباً في الجنة، لكنها تفتح أيضاً باباً في الجحيم. و الخوف يفقد الإنسان وعيه حتى يعجز على تمييز الباب الذي يريده الله ” “ألا تخجل يا أب ياناروس من أن تسألني التوجيه؟ أنت حرّ، أنا خلقتك حراً، فلماذا تريد أن تتعلق بي ؟ قم يا أب ياناروس! دع السجود والركوع. احمل مسؤولياتك ولا تطلب النصيحة من أحد ألست حراً؟ إذن اختر طريقك ؟” “سأحمل إذن على عاتقي مصير قريتي. أنا الذي سأقرر ضياعها أو خلاصها. أنا حر كما تقول، الشرف والعار يتوقفان على إرادتي، أنا حر فأنا إنسان” “…… أما طريق الله فمغلق، فالله فيما يبدو لا يُدخل نفسه في شؤوننا لأنه أعطانا عقلاً وأعطانا الحرية ونفض يديه مما نفعل بعد ذلك. هل يُعاقبنا الله لأنه يُحبنا أم لأنه لا يُحبنا؟ لا أعرف” “…. هذه إرادة الله. الله يقول لنا: لتصبحوا بشراً، كفى تعلقاً بأطراف ثوبي كالأطفال الصغار، انهضوا وتعلموا كيف تمشون وحدكم تماماً” “أنا لا أعرف يا إلهي لماذا تكون قاسياً مع هؤلاء الذين يحبونك. لكني أعرف أنك تفعل ما فيه خيرنا، حتى لو لم نفهم ذلك” “أنت تركتني أسلك وفق إرادتي إذن سأسلك وفق إرادتي””ما أشقى هؤلاء الذين تنقصهم الشجاعة فيبقون في منتصف الطريق، لن تجد الخلاص إلا في نهاية الطريق””حسن جداً أن نغير العالم ونحقق العدالة والحرية، لكن كيف نغير العالم إذا لم نغير البشر” “الحرية هي الخضوع للفكرة، لا الخضوع للهوى” “يا رب سلح الخراف أيضاً حتى لا تأكلها الذئاب” “.. وإذا أردت أن تعود للأرض، فلتعد أيها المسيح كالأسد الكريم، لا كالحمل. يا رب لا أستطيع أن أفهمك، لماذا تعاقب بقسوة أولئك الذين يحبونك” “…العالم يا أندراوس يُخلق ويتجدد كل يوم، فلا تيأس، من يدري؟ ربما يدعوك الله في صباح يوم جميل لتخلق له العالم الذي تراه في ذهنك” “الحب سيف، لم يكن للمسيح سيف غيره، وبواسطته أخضع العالم””المسيح في داخلنا يا أندرياس ووسائل الله هي أيضاً وسائلنا ” “هل يأتيني هذا السرور وهذه الراحة من حديثي مع الله أم من نشاطي مع البشر؟ اغفر لي يا رب، بل هما نتيجة نشاطي مع البشر، هذه هي الصلاة الحقيقية فلست أشعر مع الله إلا بالتمرد و الخوف” “اغفر لي يا رب، في إحدى اللحظات فقدت شجاعتي، فلست سوى إنسان كما تعلم، إنسان من طين وهواء، في البدء أعتقدت أنك لا تهتم بالبشر، وأنك تنظر بعين اللامبالاة إلى الظلم والاندفاع، إذ كان يكفي أن ترفع إصبعاً صغيراً فتنقذنا لكنك لم ترفعه” “أنت خير، أنت تترك الناس يذهبون حتى عتبة الجحيم، لأنه هناك يوجد الخلاص، فربما من عتبة الجحيم ينفتح باب الفردوس””….فالوسائل التي نستخدمها تلوث الغاية التي نقترحها، ذلك أن الغاية ليست ثمرة ناضجة تتدلى معلقة في نهاية الطريق تنتظر حضورنا لنقطفها، الغاية ثمرة تنضج مع كل فعل من هذه الأفعال، والطريق الذي نختاره يعطي هذه الثمرة جمالها وشكلها ومذاقها ويملؤها بالعسل أو بالسم ” “أصنع معجزة يا إلهي، النجدة، كيف تريد مني أن أقف أنا وحدي في مواجهة العالم كله، فأنا احتاج أن اعتمد عليك أيها المسيح كي أحارب، احتاج إلى أن أشعر بجسدك ينعشني في حرارة الصيف وبالحرارة تخرج من أنفك في برودة الشتاء، أنا احتاج أن ألمسك بيدي” “الذين يقفون حجرة عثرة في طريق الحرية هم أمثالك الذين يحرمون الآخرين من الاحتفاظ برأيهم” “… أن تنسى أنك لست فقط المصلوب لكنك أيضاً (القائم من الموت) والعالم لم يعد يحتاج إلى الرب المصلوب، بل يحتاج إلى رب الجيوش” “أنت تريد ولا تستطيع؟ أنت طيب وعادل وتحب الناس وتريد أن تحمل إليهم في هذا العالم المحبة والعدل و الحرية، لكنك لا تستطيع” “وأسفاه فالحرية غير قادرة على كل شيء، وليست خالدة، إنها بنت الإنسان، تحتاج إلى الإنسان” 

    ـــــــــــــــــــــــــــــ

    نيكوس كازنتزاكيس (يونانية: Νίκος Καζαντζάκης)) يُعتبَر الكاتب اليوناني من أبرز الكتَّاب والشعراء والفلاسفة في القرن العشرين. فقد ألَّف العديد من الأعمال الهامة في مكتبة الأدب العالمي، تضمَّنت المقالات والروايات والأشعار وكتب الأسفار والتراجيديات، بالإضافة إلى بعض الترجمات. وقد تُرجِمَتْ كتبُه إلى أكثر من 40 لغة.

    من رواية (الأخوة الأعداء) نيكوس كازانتزاكيس – عن المسيرة الالكتروني

  • ميلان كونديرا | مقتطفات من “الضحك والنسيان”

    الجزء الثالث
    الملائكة
    ‏-1-‏
    ‏((وحيد القرن)) هو عنوان مسرحية لأوجين يونيسكو واضع الشخصيات المأخوذة برغبة أن تكون إحداها ‏شبيهة بالأخرى، متبادلةً الأدوار في مسرحية((وحيد القرن))، غبرييل وميشيل، شابتان أميركيتان كانتا تدرسان ‏هذه المسرحية من ضمن مقرَّر أعطي في العطلةللطلاب الأجانب في مدينة على شاطيء المتوسط .

    وكانتا التلميذتين ‏المفضلتين لدى السيدة رافاييل، أستاذتهما، لأنهما لا تَنيان تتابعانها بانتباه دائم، ولأنهما تسجلان بعناية أيا من ‏ملاحظتها.
    وقد طلبت منهما اليوم أن تَحضِّرا سويَّةً، للمقرَّر التالي، عرضاً لمؤدَّى المسرحية.
    قالت غابرييل:‏
    ‏((أكاد أن أفهم ما يعنيه هذا الأمر، أن يتحوَّل الجميع إلى وحيدي القرن.)) فردَّت ميشيل شارحةً: ((يجب تأويل ‏هذا باعتباره رمزاً.)) قالت غابرييل‎:‎‏ ((هذا صحيح، فالأدب مصنوع من علامات.)) وأضافت ميشيل: ((لذا ‏وحيد القرن هو علامة قبل أن يكون أي شيء آخر.))
    -نعم، و لكن حتى لو اتفقنا على أنهم لم يتحوَّلوا إلى ‏وحيدي قرن حقيقيين، بل إلى علامات محضة، فلمَ صاروا حقاً هذه العلامة لا تلك؟))
    فأجابتها ميشيل بنبرة حزن: ((نعم، إنها المشكلة حتماً.)) ومن ثم أخذت الشابتان، اللتان كانتا عائدتين لتوهما إلى ‏بيت الطالبات، استراحة طويلة.‏
    وقطعت غبرييل الصمت السائد بينهما قائلة‎ : ((ألا تظنّين القرن الوحيد رمزاً قضيبياً؟))
    فردَّت ميشيل مستفهمةً: ((ماذا؟)) وقالت غابرييل: (( القرن، القرن)) فصرخت ميشيل: (( حقا ً!))‏
    ولكنها سرعان ما استدركت: ((ولكن لماذا يتحوَّل الجميع إلى رموزٍ قضيبية؟ النساء والرجال على السواء؟))
    وصمتت الشابتان ثانيةً،بعد أن راحتا ‏تنطنطان بإتجاه البيت وقالت ميشيل فجأة: ((لديَّ فكرة)) فسألتها غابرييل باهتمام: ((ماهي؟)) أجابتها ميشيل ‏غامزةً من فضولها: ((على أي حال، إنه لأمر أوحت به السيدة رافاييل نفسها))
    مما جعل غابرييل تلح بنفاد صبرها: ((قولي إذن، ماهو هذا الأمر؟))‏
    ‏ –لقد شاء المؤلف أن يخلق تأثيراً ضاحكاً!))
    وما عتمت الفكرة التي عبَّرت عنها صديقتها لتوها أن تملكت ‏غابرييل تملكاً عجيباً، بحيث أرخت ساقيها وجعلت تبطىء في خطوها، مركزة كيانها كله على ما يحدث في رأسها ‏وتوقفت الشابتان.
    وتوجهت غابرييل بالسؤال: (( أتظنين أن رمز وحيد القرن هو هنا لكي يخلق تأثيراً ‏مضحكاً؟)) فاجابت ميشيل: ((نعم)) وابتسمت ابتسامة المفاخر الذي أيقن بأنه وجد الحقيقة الناجزة ونظرت ‏الشابتان الواحدة إلى الأخرى، فرحتين من جرأتهما الخاصة واهتز طرف فميهما طرباً و إ باءً ثم أطلقتا فجأة اصواتاً حادة، مختزلة ومتقطعة حتى ليصعب وصفها بالكلمات.‏
    ‏-2-‏
    الضحك؟ ألا يهتم المرء أبداً للضحك؟ أعني بالقول، الضحك حقاً، بما يتجاوز الدعابة، والهزء، والمضحك.
    إنَّما ‏الضحك، أو المتعة العارمة واللذيذة، بل كلّ المتعة…‏
    فيما مضى كنت أدعو أختي، أو تدعوني هي، قائلةّ: ((أنلعب معاً حتى الضحك؟))فنتمدد، جنباً إلى جنب على السرير. ونروح نتظاهر بالضحك، طبعاً، ضحكات متصنَّعة وضحكات مضحِكة ثم ضحكات ‏مضحكة الى حدٍ كبير تجعلنا نضحك. وعندئذٍ يأتي الضحك الحقيقي، الضحك الكامل، فيحملنا في تدفقه الهائل، ضحكات‏ متفجرة ومستعادة، ومتدافعة وعاتية، ضحكات رائعة، وفاخرة ومجنونة، ونظل نضحك حتى لا نهاية ضحكاتنا…‏
    ‏ أوه الضحك!‏
    ضحك المتعة، ومتعة الضحك، فالضحك هو العيش بعمق لا نظير له.
    هذا النص الذي أتيت على ذكره هو ‏مقتطف من كتاب بعنوان ((‏كلام نسويّ)) كتَبَته في العام 1974 إحدى الداعيات النسويّات المتحمسات اللواتي طبعن مناخ زمننا بطابع خاص.‏
    ‏أنه لبيان صوفيٌّ عن الفرح.‏
    ‏ومن الأفكار التي طرَحَتْها المؤلِّفة، أنها تضع في مواجهة الرَّغبة الجنسية للذَّكر العُرضة للحظات القذف الهاربة، ‏وبالتَّالي المقرونة قدرياً بالعنف والإفناء والاضمحلال، تضع المؤلفة المُتعة النَسَوية معتبرةً إيَّاها نقيض الأولى لِكونها رقيقة ودائمةَ الحضور ومثابرة.
    ‏وطالما لم تَصِرّْ المرأة بعد مستلبة جوهرها الخاص فأن تأكل وتشرب وتتبوَّل وتتغوَّط و تلمس وتستمتع، وحتىأن تكون حاضرة هنا، تبدو لها كل هذه الأفعال من المتع المرعوبة. ويمتد ‏تعداد للشهوات الحسَّية عبر الكتاب، بمثابة لائحة جميلة. ذلك أن العيش أمر في غاية الإمتاع: كأن يرى المرء ويسمع، ويلمس، ويشرب ‏ويبول، ويغوط، ويغطس في الماء، وينظر إلى السماء، ويضحك ويبكي.
    بل إن جمال المضاجعة نفسها يكمن في كونها ‏تمثل جماع َمتع الحياة الممكنة: كاللمس، والرؤية، والسماع، والكلام، والإحساس، وأيضا الشرب والتغوّط، والتعرّف ‏والرقص.
    وقد يُعد الإرضاع ذاته متعةً والوَضع نفسه يعتبر كذلك، أما الطمث فلذة، يحملها هذا البصاق الفاتر، ‏وذاك الحليب الباهت، وذلك السَيلان للدم الفاتر ومثل المحلَّى، حتى ليستشف من هذا الالم طعم السعادة ‏المحترق.
    وحده الأحمق يجرؤ على الإبتسام هازئاً من بيان الفرح هذا.
    إذ أن في كل تصوّف مبالغةً. وللتصوف ألا ‏يخشى المضحك إذا أراد أن يصل إلى الطرف الأخير، إلى نهاية المضحك، أو إلى خاتمة المتعة، وبمثل ما ابتسمت ‏القديسة تيريزا في احتضارها، تؤكد القديسة آني لوكليرك (مؤلفة الكتاب من حيث اقتطعت النصوص) أن الموت ‏ذاته هو قطعة فرح، وحده الذكر يخشاها، لأنه شديد التعلق، ببؤس، بأناه وسلطته الوضيعتين. وبمثل ما قد يحدث ‏لقبَّة معبد الشهوة، ها إن الضحك يوشك على الانفجار في الأعالي، ارتعاشة لذيذة من السعادة، وذروة قصوى ‏للمتعة، ضحك المتعة، ومتعة الضحك.
    وإنه لمن الأكيد أن هذا الضحك الذي نعنيه هنا، هو ما بعد المزاح والهزء، ‏والمضحك الأُختان الممددتان على سريرهما لا بد من أن شيئاً محدداً لبث يضحكهما، وما كان لضحكهما غاية، ‏بل إنه التعبير الكائن عن فرحه بأن يكون موجوداً .
    وبمثل ما يتأوه المرء آن يصيب الألم جسده، هكذا كل من ‏ينفجر بهذا الضحك الانتشائي، بغدو بلا ذكرى ولا رغبة، إذ يرمي صراخه في لحظة العالم الراهنة، ولا يود أن ‏يعرف شيئاً غير ذلك.
    ولا شك أنكم تتذكرون هذا المشهد الذي طالما شاهدتموه في عشرات الأفلام الرديئة: فتى ‏وفتاة يركضان، يداً بيد، وسط منظر طبيعي ربيعي جميل (أو صيفي)، ويروحان يركضان، ويركضان، ويركضان ‏ضاحكين.
    والحق أن ضحك هذين الراكضين لحريٌّ به أن يعلن للعالم بأسره ولمشاهدي كل السينمات إننا في ‏غاية الفرح وإننا لمسروران بأن نكون في العالم، ونحن في عز اتفاقنا مع كياننا!
    ولئن بدا هذا المشهد غبيا، وبمثابة ‏كليشيه فإنه لا يني يعبر عن وضع بشري أساسي: الضحك الجاد، الضحك لما بعد المزاح.
    ويجمع على هذا ‏الضحك كل الكنائس، وكل صانعي القماش، وكل الجنرالات، وكل الاحزاب السياسية، وكل هؤلاء ليتسابقون ‏لكي يضعوا صورة هذين الراكضين الضاحكين على ملصقاتهم حيث يقومون بالدعاية لديانتهم، وسلعهم، ‏وعقائدهم، وشعوبهم، وجنسهم، ومسحوقهم لغسيل الأواني.
    إنه هذا النوع من الضحك بالضبط، ما تضحكه ‏ميشيل وغابرييل، ها هما تخرجان من محل لبيع القرطاسية، وتمسك الواحدة بيد الأخرى، وتروح كل منهما، ‏تؤرجح في يدها الحرة، رزمة صغيرة حزمت فيها الورق الملون، واللصاق والمطاطات. قالت غابرييل: ‏
    ((لسوف تَُسَّر السيدة رافاييل بما جلبنا، سوف تَرَين)) وراحت تصدر أصواتاً حادة ومتقطعة.
    وافقتها ميشيل الرأي، ‏وشرعت تُصدر نفس الضجة تقريباً.‏

    مقتطف من رواية الضحك والنسيان |ميلان كونديرا – ترجمة أنطوان أبو زيد عن دار الآداب عام 1990  

    ميلان كونديرا، هو كاتب وفيلسوف تشيكى، ولد في الأول من أبريل عام 1929،لأب وأم تشيكيين. كان والده لودفيك كونديراعالم موسيقى ورئيس جامعة جانكيك للآداب والموسيقى ببرنو. تعلم ميلان العزف على البيانو من والده ،ولاحقا درس علم الموسيقى والسينما والآدب، تخرج في العام 1952 وعمل استاذاً مساعداً،ومحاضراً،في كلية السينما في اكاديمية براغ للفنون التمثيلية، في أثناء فترة دراسته، نشر شعراً ومقالاتٍ ومسرحيات ،والتحق بقسم التحرير في عدد من المجلات الأدبية.

  • عبده خال – مقنطفات من رواية ترمي بشرر

    عبده خال – مقنطفات من رواية ترمي بشرر

    “منذ عشرات السنين، انطلقت تكبيرات صلاة العيد، وكنت أهم بالإنتقال إلى بيوت الأقرباء من غير أن تطال ملابسي قاذورات الأزقة الملتوية، اعترضتني بقعة ماء موحلة، وكلما حاولت اجتيازها تمددت سرت بمحاذاتها فاتسعت رقعتها، عدت أبحث عن الجانب الضيق منها كي أقفزه، وكنت أحاذر من أن تصل أوحالها القذرة إلى ثيابي الجديدة فتعكر صفاء العيد، فاحتجت وقتا ليس بالقصير لأن أنقل عدداً من الحجارة والأخشاب وأعبد بها ممشاي كي أصل للجهة الأخرى.. بثياب نظيفة وقبل أن أكمل خطواتي المتأرجحة فوق الجسر الذي شيدته، كانت ثمة يد تلقي بصفيحة قاذورات من إحدى الأسطح المطلة فوق هامتي مباشرة! عندها لم يعد مجدياً المحاذرة من قاذورات الشوارع، فعدت للبيت أكثر اتساخاً، ومضى العيد وأنا أتناشج بحرقة ليس على اتساخ ملابسي الجديدة بل على ضياع العيدية، واتساءل:
    هل تحرزنا وحذرنا مما في الأرض يقينا مما يلقى علينا من السماء ؟!
    هذه هي الحكمة العظيمة التي تعلمتها وبسببها لم أحاذر بقية حياتي من أي دنس يعلق بي، سعيت في كل الدروب القذرة وتقلدت سنامها.

    ** ** ** ** **
    “خسئت روحي، فانزلقت للإجرام بخطى واثقة!”
    “يقول طارق فاضل: الآن، ومن داخل القصر، أنظر إلى جهة النار، وأحلم بالعودة إليها، أتوق إليها بنفس الرغبة التي كنت فيها شغوفاً بدخول الجنة!”
    “كنت كالطائرة الورقية أحلق في الفضاء، وخيط رفيع يمسكني به، وبمجرد جذبه إليه، أهوي، وأكون معفراً بالتراب، منتظراً لحظة أخرى ليرفعني في مواجهة الريح لأحلق عالياً.”
    “أن تعقد صفقة مع الشيطان فكل اليقين أن الحياة تعد لك فخاً قميئاً، ولن تستطيع أن تنجو منه، فاللعبة القذرة تنهي حرصك على إبقاء ثيابك ناصعة.”
    ** ** ** ** **
    “كل فكر هو فخ لمن ضل عن إيمانه الخاص، وتنشأ الحفر في مناطق منخفضة من سطح الأرض، ومع امتلائها لا تصل إلى السطح بتاتاً، تبقى مغمورةً كفخ أو ماء آسن.”
    “الأحلام هي المخدر الذي نحقن به لنعيش لحظة غيبوبة نشيد فيها كل أمنياتنا القبيحة، والجميلة معاً إلا أن الحلم يحاذي النوم، ويغرق صاحبه في خدره كلما تباطأ الجسد.”
    “أقدار الماضي هي الظلام الوحيد الذي نسير فيه من غير ترفق أو حذر”
    ** ** ** ** **
    “هل صحيح أني ورقة ميتة؟!!
    أقلب حياتي الآن، فأجد أنها تفسخت تماماً، فرائحتها النتنة انتشرت لتصل إلى جوفي، لم أعد أطيق رائحتها.
    كانت ليلة عمياْ لم أبصر فيها دخولي لشرنقة الفناء.
    عندما توالت مهماتي كانت سيرتي تومض دناستها، غدوت أعمق عتمةً مما مضى، وكنت بحاجة ماسة لأن أختبىء من كل شيء حتى من نفسي.”
    ** ** ** ** **
    “تمنحك الحياة سرها متأخراً حين لا تكون قادراً على العودة للخلف، ومسح كل الأخطاء التي اقترفتها، وحين ترغب في تمرير سرها لمن يصغرك لا يستجيب لك كونه لا زال غراً بما تمنحه الحياة من تدفق في أوردته، محمد الركابي منحني سرها في أول يوم دخلت فيه القصر إلا أنني رفضت الإنصياع له لكوني لم أجرب قدري بعد، ليتني بقيت في النار!
    هذه الأمنية لم يعد لبلوغها من سبيل، فقد سقطت في جب الدنيا. السقوط هو القانون الأزلي، وكلنا ساقط لكن لا أحد يتنبه لنوعية السقوط الذي يعيش فيه.
    رويدا سقطت، وها أنا أقتعد قرار السقوط …
    سقطت ، من هنااااك سقطت …”
    ** ** ** ** **
    “السمكة الصغيرة حينما تعلق في شبكة صياد يبحر بقاربه جاذب ا شبكته من خلفه، تفكر في أمرين : التخلص من الفخ الذي وقعت فيه، أماأعز أمنية فهي أن يقف القارب في مكانه لتكون محاولة فكاكها ناجحة. ومنذ أن علقت في شباكه، وأمنية أن يخفف من سرعته أو أن يتوقف، تلازمني في كل حين لأتدبر طريقه أنفك بها من شركه. في أحيان نحتاج للسكون لتحديد أي الطرق نسلك هربا، أو إقداما، وهذا الثعبان لم يسكن يوما، حركته المستمرة تجعل فرائسه مشتتة الذهن غير قادرة على معرفة أي طريق سيأخذ وأي سرعة سينهج للإنقضاض
    ومنذ أن علقت في شباكه وأنا أفكر في الوسيلة التي أتخلص بها من الفخ المحكم الذي وقعت فيه وأمنية أن تتباطأ سرعته ليس لها من سبيل سوى أن يموت، تأخر كثيرا على الموت، وصحته تشي أن الوقت لا زال مبكراً على قيامه بهذه الرحلة .”
    ** ** ** ** **
    “قادر على الوصول لكل المتع، وكلما اجتاز متعة بحث عن سواها، يبحث عن نشوته بأي طريقة كانت، غدا ماهرا في التشويه فامتلأ قصره بأنواع من الدمى البشرية، وبسبب عبثه المستمر بها لم يبق داخلالقصر خلقه سوية، هناك العوراء والعرجاء والمخصية والمحروقة والمنتوفة والمصدومة والمعلولة، ومن لم يصب العطب جسدها قرضتها الوساوس وشتى الأمراض النفسية.”
    ** ** ** ** **
    “العمة خيرية ( عمة طارق أخت والده )، كانت رمزا للقدر الخسيس الذي جيء به مؤديا دورا واحدا وهو افتعال وإحداث القرف والإشمئزاز ويأبى إلا أن يكون حاضرا وبفاعلية في كل مناسبات الحياة وكل رحلات العقل الخائبة، بل رمز للنحس المبجل والمحاط بسياج يحفظ أمنه وأمانه.
    يقول طارق فاضل فيها: كانت تفطن لكل تحركاتي، أقع في شراكها منذ نعومة أظافري، ألفت أذناي فرك أناملها، وصوتها الحاد:
    – نسل سنية لا يجلب إلا البيض الفاسد.
    هذه جملتها التي تطلقها كلما تعاركت مع أمي أو أرادت أن تغمز أبي لاختياره أمي زوجة له. كرهتها مبكرا، وأحاطتني بمراقبتها اللصيقة كتدريب يومي لتنشيط حاسة اليقظة لديها، تراقبني بتلذذ ومتعة ولذتها كل لذتها أن تسحق فعلي قبل انتشائي بإنجازه. “
    ** ** ** ** **
    “الحياة مشوار قذر يبدأ ناصعاً، ومغرياً بعبوره من خلال الكلمات والتوجيهات، أما الواقع فعليك اقتراف الآثام لكي تكون إنساناً.”
    “حياة نرتدي فيها أحلامنا حتى تتسخ ثم نقذف بها في برميل لجمع الثياب المتسخة، ونستبدلها بحلم آخر، هذه هي حياة الشظف، حياة مهيأة لارتداء الأحلام، واستبدالها على الدوام، وهي أردية غير مرئية على أية حال.”
    ** ** ** ** **
    “السقوط حالة زمنية توصلك إلى القاع في سرعة متناهية، وبفعل التجاذب تكون مهيأ لأن تسافر في لحظات السقوط المتعددة، وكل مرحلة تدنو بك من القاع تسجل حالة دنيا من حالات السقوط فالسقوط لا يحدث دفعة واحدة.”
    ** ** ** ** **
    “نكتشف اللذة صدفة فندمن على استنزافها ، ندمن على رشفها في كل حين ولا نعرف أنها تعبد لنا طريق السقوط، فاللذة هي الخطوة الاولى لمعرفة ان هناك لحظة سقوط ممتعة، ومع كل سقوط ممتع عتمة جديدة، ليتوالى السقوط، اللذة هي الفجوة التي تركتها الحياة متسعة كي تسربنا خارجها.”
    “مساحات الظل، والضوء هي اللعبة التي تجيدها الحياة بإتقان، لكل شيء وجهان، يعتركان، ولا يمتزجان، تقلبهما الحياة بنسب، وتصبح مواقعنا هي قواعد اللعبة، أيهما يبرز ، وأيهما يختفي، والمحظوظ من يأتي على الحرف الجامع لوجهي الحياة! .”
    ** ** ** ** **
    “في شبابي كانت عين المرأة الطريق الآمن للقيام بسرقة روحها، وجسدها معاً، كنت أحرص على تعليق العين أولاً ثم اختلاق المغامرات للوصول إلى ما خلف النظرة، هذا الدرس تلقيته من منى زوجة عثمان المحينب:
    – المرأة تعشق التحديق، تعشق أن تسمر عينيك بها لتروي أنوثتها، وتزيدها زهواً، ونشوة.”
    ——————————

    مقتطفات من رواية ( ترمي بشرر) عبده خال – منشورات الجمل – المانيا 2010 | المسيرة الالكتروني

    عبده خال روائي وكاتب سعودي من مواليد إحدى قرى منطقة جازان(المجنة ) عام 1962 حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية جامعة الملك عبد العزيز عام 1982 واشتغل بالصحافة منذ عام 1982 وهو حاليا يشغل مدير تحرير جريدة عكاظ السعودية يعتبر أحد أبرز الأسماء في المشهد العربي للرواية الحديثه

    ترمي بشرر (مقتطفات من الرواية 2) – عبده خال

  • محمد الأمين سعيدي: كوكب الأرض يدخن الماريخوانا

    محمد الأمين سعيدي: كوكب الأرض يدخن الماريخوانا

    يدي نهر آبق
    كلماتي الأشجار المتوحدة
    وآلهتي أنفاس الغابة
    لا أزال طفلا يحلم أنْ يصير كوكب الأرض بحجم الكرة ليركله بعيدا..
    لا يزال قلبي يركب بحار الحائر
    يرى معجزات الماء حين يشتعل نبضه الحربي
    لذلك يغرق عميقا
    وقبل أنْ تبصره عين الموت المخيفة
    يتذكر خياله الأخضر الوارف
    فينجو..
    لا أزال هدفا لقناصة الفناء
    أُلدَغ..
    يتوقف قلبي..
    أسقط في هاوية المرض..
    وأجيد النجاة لأنني ابن زوبعة من سلالة أمازيغي جنوبي نسيته السماء يوم كانت توزّع الأمطار على الأماكن والقلوب..
    فاكتفى بحظه من التنقيب في جسد الرمل عن ثدي ماء منسي لا يزال يُرضع..
    لا أزال أربي في صدري الشياطين
    يؤنسني ضجيجها في هذا العراء
    حيث الجلد البشري يُشوى على مهل-
    لسنوات-وهو يرتكب الرحلة تحت شمس تعلو الرأس بشبر أو أقل…
    العالم يفتقر إلى الرشد
    إنه يسلك مفاوز الجنون
    أخبرني الملاك المسؤول عن أحوال الطقس..
    وأضاف:
    “الاحتباس الحراري لم يكن متوقعا في كتاب القدر، الأمور تخرج عن سيطرتنا، يا إلهي؛ اكتشفوا وصفة خلق الغيم في أمريكا، بورصة غيماتنا ستفلس مع الوقت.
    صدق أجدادي الملائكة حين اتهموا أباكم بالإفساد، أيتها القردة اللعينة كيف جعلت الكوكب منتشيا بماريخوانا الهذيان..”.
    الزمن قديما
    كان يسير على ريتمْ القوافل
    لذلك خرج من قريش شعراء وأنبياء
    لكنّ زمننا عدّاءٌ خطير
    أسرع من الضوء حين يقنص الظلال..
    عابث يقامر على المصائر ويخسر دوما..
    ثم إن تمائم البيولوجيا فتحتْ كثيرا من مغاليق الدماغ
    لذلك؛
    صار الأنبياء يؤخذون إلى مصحة المجانين..
    والشعراء يسجنون في بيت الحمق
    أما المجانين المساكين فيُؤخذون إلى برد التشرّد الموحش..
    من كان يتوقّع أن يتغوّل العلم
    ويفترس الديانات جميعا..
    ثم لا يترك منها إلا جسدا ممزّقا
    بلا روح تمنحه جمرة الإرادة
    ولا قوة تسقيه بسطة من العقل ليحيا
    أكتب هذا وأضحك
    خيالي الفاتن كبر وصار كائنا يوقد العجائب
    ثم أبكي..
    أدخّن ما شاءت الرئتان
    وأنام في فراشٍ بارد في فكرتي العدمية..

  • عارف حيتو – أنا وأنت

    عارف حيتو – أنا وأنت

    لا أتصور بأنك،

    ستصفحين عني

    تخالفينني الراي،

    أنا في واد وأنت في آخر..!!

    وكل منا يقرأ اهتماماته

    وأنت تبحثين عن ا ناس

    مجهولين…

    كي تجعليهم أمراء ومأمورين

    وتجار وبوابين وشعراء..

    تجعلينهم وطنا

    وأما أنا..!!

    فأبحث عن وطن ضائع

    لهم.

    *

    ترجمة: بدل رفو المزوري

  • عبدالرحمن مزوري – أيوب وعباد الشمس والصعود

    1 ـ أيوب

    المكابدات جبال

    بدو الاهات والأوجاع

    نصبوا خيامهم

    على هضاب قلبي

    الحبيبة التي كنا نجعل القصائد والأشعار

    كحلاً لعيونها

    جاءها طير أقرع،

    وسرق منها الكحل والمكحل

    أيوب أنا

    الصبر طار

    وقلبي مضمخ بالأحزان

    فاما ان اموت

    او افيق تلك الشمس الراقدة

    واسوقها

    الى اكواخ وبيوت قريتنا

    لعلها تحل محل

    المشاعل المنطفئة.

    2 زهرة عباد الشمس

    صحيح هؤلاء العشاق

    يرغبون في ليلة صامتة

    نجومها مضطجعة

    وسماءها صافية

    او بدر يملأ خيالاً

    وسُكراً

    ماذا بوسعي ان افعل؟!

    انا عاشق عجيب

    انا عباد الشمس

    قبلتي هي الشمس

    ودرويش انا لها احترق

    فألف ليلة مقمرة

    في سبيلها

    في سبيل رؤيتها

    سوف اضرم النار فيها.

    3ـ الجراد

    ألتهم وألتهم

    ألتهم ضحكة الأشجار

    وريحانة المروج

    وعرق جبين المحراث

    فالجراد…الجراد

    كالمزن هطل الجراد

    وانقض على مروج قريتنا

    الجميلة،

    أيا اهل قريتي…

    هلم نضرم نارا

    لعله،

    ينفر من الدخان واللهيب

    ويترك هذه الديار.

    4ـ الصعود

    صحيح بأن قوافل قلبي

    انحدرت عبر السهول

    وأدارت ظهرها

    للينابيع

    وتوجهوا الى ارض منخفضة

    الى ارض دون خبز وطعام

    فليذهبوا،

    الى اين سيذهبون؟!

    فكلما انحدروا ونزلوا

    سوف يصعدون من جديد

    الى الاعالي

    وسيشمخون

    لهذا

    لست حزينا على رحيلهم

    فبعد النزول

    الوح

    نجم الافاق والأعالي.

  • عبد الله به شيو – أحلم بكم كل ليلة

    كل ليلة

    أحلم

    أن قوة خارقة تأخذني إلى الجبال

    كل ليلة

    أحلم

    أن قوة خارقة تأتي إلي بالجبال

    مثلما يحلم سجين

    أحلام الفرسان بالرياح والجياد

    أحلام الأطفال بالنجوم والزهور.

    *

    ترجمة: سعدي المالح

    من ديوانه “أحلم بكم كل ليلة”

  • صمويل بيكيت – ماذا سأفعل

    ماذا سأفعل

    من دون هذا العالم الذى بلا وجه،

    غافل غير مبال

    حيث ثمة نهايات ولكن ثمة برهة حيث كل برهة

    تـُراق في الفراغ في جهالة أن تكون

    بلا هذه الموجة حيث نهاية المطاف

    ينحشر الجسد والظل معا

    .

    ماذا سأفعل من دون هذا الصمت حيث تموت التمتمات

    اللهثات

    نوبات السعار نحو المأوى صوب الحب

    دون هذه السماء التى تحوم

    فوق غبارها الطافح حصى

    .

    ماذا سأفعل

    ماذا فعلت البارحة

    والنهار الذى قبل أمس

    أحملق في المنور باحثا عن آخر

    يتجول مثلى فى دوامة بعيدا عن كل الاحياء

    فى فضاء متشنج

    وسط أصوات بلا أصوات

    تحشد في غور خفائي

    *

    ترجمة : صبحي حديدي