منشورات إبداعية

أيها السيد البعيد – فاطمة رحيم

أيها السيد البعيد 

مرحباً.. 

كثيراً ما نقول:

القبلة الأخيرة، العناق الأخير، اللقاء الأخير، النظرة الأخيرة وأشياء أخرى تبدو لنا وكأنها الأخيرة ثم ندرك بعد ذلك أن هناك مراتٍ أخرى قد تأتي لم تكن بالحسبان .. كهذه الرسالة تماماً. 

حين يغرق الناس لا يفكرون بأي شيء، حتى أنهم لا يقاومون الغرق .. فقط يصابون بالخوف الشديد فتتصلب أجسادهم وكالمسامير يسقطون في القاع .. يجب علينا أن ندرك بأن البحر هو الآلة الموسيقية الوحيدة التي إذا غضبت لن نُحب سماعها أبداً .. يخيل لي أن الشخص الذي يكتب غَرِق من قبل وسقط في القاع، ولم يصبح كاتباً إلا بعدما طفت جثته على سطح الماء .. 

أيها السيد البعيد، أنا وأنت فعلنا ذلك بحب – استمعنا لموسيقى البحر الغاضبة- واستمتعنا بها .. من الجيد أن يكون لديك العين التي ترى ما لا يُرى، والأذن التي تسمع ما لا يُسمع .. الحظ الجيد أن تمتلك الجرأة لتتخيل..

من الجيد أيضاً أنني نسيتُ أن أسالك عن حالك، هل أنت بخير؟، اخبرني ماذا فعلت بجثتك؟ وفي أي مدينةٍ دفنت نفسك .. آخر حديث بيننا كان عن حُلمك للذهاب إلى مدينة

 ” تيرامو ” ورغم أنها موطن زراعة العنب ألا أنك فضلت الضياع في بساتين الزيتون هناك، أعرف أنك تحب أشجار الزيتون أذكر أنك قلت لي ذات مرة: إنها شجرة الأديان السماوية .. 

يؤسفني أنني لا أعرف أين أنت الآن هل سافرت إلى

“تيرامو ” أم أنك ما زلت هنا؟، تُمارس التخيل بالقرب من نافذة المقهى القديمة التي كنا نجلس فيها سوياً .. لو فعلتها حقاً وغادرت عليك أن تفي بوعدك لي: 

” مشعوذتي الصغيرة .. أول قصيدة لكِ ستكون من داخل كنيسة سانتا ماريا .. أول ثمرة زيتون سوف تعصرها يدي لن يلتهم زيتُها غير جسدكِ “

بعض الوعود لا تتأثر برياح الفراق، حتى الحبر بعدها يصبح نهراً لا أحد يملك أن يوقِف جريانه. 

كن بخير لأنني لست بخير.

***

أحزن الآن وبعد دقيقة واحدة

يفرحني شيءٌ عابر

أضحك وأبكي على خيبة 

محفورة في ذاكرتي 

أصمت ثم أثرثر كثيراً

أكره من أحب 

وأدعوه لممارسة الحب 

أنسى كأن شيئاً لم يكن 

وفي لحظة واحدة أتذكر 

كل شيء 

أخلع قلبي مرتين في اليوم 

وأحتفظ به مجمداً

أحياناً أنساه

أنظر إليه بقرفٍ

ثم أتساءل

من أحضر لي هذه القطعة العفنة مِن اللحم؟

أمرر اصبعي على صدري فأشعر بأن شيئاً ما ينقصه

أكتفي برئتين لونهما أسود 

أدخن أكثر من اللازم

أحرق الطعام 

وفي آخر الليل أفتح النافذة لأبصق

على وجه العالم الذي لا يتغير أبداً

***

يمكنك أن تضع عقلك داخل الخزانة، 

أو تُعلق رأسك على الجدار ..

 العقل كلب لا تعجبه عظام الأفكار اللينة سيظل ينبح حتى تأتي له بفكرة شهية قاسية لتُلهيه،

 وبفكرة أخرى أشهى منها،

 سينسى التي قبلها ..

 أحد أبطالي الورقيين يقول: 

 إن العقل سيئ السمعة ينسى سريعاً،

 يمسح الحدث القديم بالكارثة الجديدة،

 وسيظل هكذا. 

بينما القلب ذئبٌ يعوي بشدة ولا ينسى ..

 لن تستطيع أن تعلق روحك على الجدار كصورة، ولن تقدر على وضع قلبك داخل زجاجة لتخرسه

 فالقلب لا ينسى، 

إلا إذا  توقف.

فاطمة رحيم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى