“كتفاكَ تربةٌ لصلاتي” (مختارات) – فروغ فرخزاد – ت: مريم العطار

بلّورة الحلم

نحنُ متّكئان على بعضنا بلطفٍ

وفي روحينا طراوةُ عشقِ القمرِ

رأسانا كغصنين متدليّين بانطفاءٍ

منحنيين على محرابِ العشقِ

أنا كموجةٍ بيضاءَ قربَك

على جدائلي زهرةُ مريمَ البيضاءُ

وكلُّ حينٍ يقطرُ مِنْ رموشي الرفيعةِ

على ورقةِ يديكَ الخضراءِ ندىً أبيضُ

كأنَّ ملائكةَ الربِّ قربنا

بأيديهم الصغيرةِ يعزفونَ لَنا

بينَ عطرِ العودِ وأنينِ بخورٍ ودخانٍ وغيمٍ

كانوا يلوّنونَ من نقائِهِمْ هذا المحرابَ

جبينُكَ العالي بينَ ضوءِ الشموعِ

كانَ هادئاً كبحرٍ مشعٍّ بالأنوارِ

وحلمٌ مضيءٌ جاثمٌ تحتَ جفونكَ

هو تلكَ الأغصانُ الفضيّةُ

كنتُ ظمأى لصوتِك الذي كانَ يقرأ الشعرَ قربَ مَسامعي

وأنا كالأطفالِ مأخوذةٌ

بأساطيرَ قديمةٍ تفيضُ بالأسرارِ

فجأةً.. سماءُ عينيكَ..

فتحتْ جناحاً بلورياً مِنْ ألوانِ قوسِ قزحَ

في صدرِ قلبٍ مضيءٍ بدأ ينبضُ

كالشعلةِ في نارٍ للحيظةِ كنتُ أحترقُ

قلتُ انطفئي.. نعم.. وكموجةِ ريحٍ صباحيّةٍ

مرتجفةٌ.. متلهفةٌ.. ذهبتُ إليك

في صدري لا يوجدُ شيءٌ..

سوى أنني أتمنّاك.

أغنية للجمال

كتفاك..

كالصخورِ المغرورةِ والقويّةِ

أمواجُ ضفائري تجذبُ كتفيكَ كشلالٍ من النورِ

وكحصارِ قلعةٍ عظيمةٍ

كرقصةِ أوراقِ صفصافةٍ في الريحِ

كتفاك..

أبراجٌ حديديّةٌ

صورةٌ جميلةٌ منَ الدمِ والحياةِ

لونُها بلونِ جمرٍ نحاسيٍّ

في رتابةِ معبدِ الشهوةِ

نائمةٌ قربَ جسدِك

أثرُ قبلاتي على كتفيكَ..

كأثرِ لدغةِ ثعبان ناريّةٍ

كتفاك..

تحتَ لهيبِ الشمسِ

كقممِ الجبالِ تضيءُ

بحبّاتِ عرقِكَ المضيئةِ

كتفاك..

قبلتي الممتلئةُ بالرجاء

كتفاك..

تربةٌ لصلاتي.

الصوت

هناكَ فوقَ قمّةِ الجبلِ

قدمايَ متعبتانِ فرطَ الركضِ

قلتُ لنفسي في هذه القمّةِ..

سيسمعُ صوتي الربُّ بالتأكيدِ

بتأملِ عينيَّ ركضتُ نحو سحابةٍ سوداءَ

ومِنَ القلبِ صرختُ.. يا ربُّ

أنا أحبُّهُ.. أحبُّهُ

صوتي ذهبَ إلى أعماقِ الظلامِ

وحلمُ النجومِ المشؤومِ تلاشى

بغبارٍ وسرعةٍ ضَربَ بابَ السماءِ الذهبيَّ

الملائكةُ بألفِ يدٍ صغيرةٍ

فتحوا الأقفالَ الثقيلةَ

ومِنْ صوتي العاصفِ

فرّوا بينَ الغيومِ

الأعمدةُ كالثعابينِ الملتفّةِ

الأشجارُ بضبابٍ أخضرَ تطوفُ

صوتي غسلَ جسدَهُ

ومِنْ غبارِ الطريقِ ماءُ الكوثرِ

الربُّ كانَ في حلمِهِ

وتحتَ جفنيهِ الحالمَيْنِ

صوتي ذهبَ إليهِ مرتعشاً وحزيناً

بينَ ستائرِ غفوتِهِ

لكنَّ تلكَ الجفونِ الفضيّةِ

– يا للحسرةِ – إلى الفجرِ كانتْ منطبقةً

خفيفٌ كخياشيمِ أسماكِ الشاطئِ

جالسةٌ على عينيهِ

الصوتُ مئةَ مرّةٍ بيأسٍ قامَ إليهِ

حتى يتمرّدَ ويرجعَ إلى ذاتهِ

الصوتُ كانَ يريدُ بقبضةِ غضبٍ

تمزيقَ حريرِ نومِهِ

الصوتُ كانَ يصرخُ مِنْ شدّةِ ألمِ رأسِهِ

متى يتبعثرُ هذا النومُ الذهبيُّ؟

أنا هُنا ظمأى إلى جرعةٍ مِنَ المحبّةِ

أنتَ هُنا جالسٌ على عرشِ الربوبيّةِ

كمْ مرّةً يستطيعُ أنْ يحلّقَ مجدداً؟

هذا الصوتُ المُتعبُ والمتوجّعُ

وحينَ يأتي الصبحُ مجدداً

ما زالتْ هذه النظرةُ المتفائلةُ تأتي مرّةً أخرى

لكنَّ الصوتَ كانَ فارغاً مِنَ الأصواتِ

وهُنا الطريقُ إلى السماءِ مسدودٌ

ولا تزالُ عيني متأملةً

يا ربُّ.. هلْ تسمعُ هذه الأصواتَ؟

أنا أحبُّهُ وأحبُّهُ.

زر الذهاب إلى الأعلى