بين أن نكون معًا وأن نندثر معًا – ريناد الرشيدي

كيف يعودُ الجسد إلى نفسه بعد أن أعتاد مجاورتك كقدر؟ 

أتوقُ إلى اليوم الذي ننامُ فيه جنبًا لجنب، جلدًا لجلد، عظمًا لعظم؛ في اكتمالٍ يذيبُ الحدود بين “أنا” و”أنت” دون أن يُفنيها. ذلك الالتحام الكيانيّ والماديّ الذي ينفي المسافة، يجعل المسافة نفسها شكلًا آخر من القرب. إنّ ما يجعلني أفلحُ في جلدي وأرتدي قناع السكون؛ تلك الومضات التي تسلخني فجأة: فوضانا حين تُدمَج في منزلٍ واحد، ونظامٌ لا يظلّ نظامًا، يتدرّج إلى طبقاتٍ من التداخل، يخترق فيه كلٌّ منّا ترتيب الآخر، فيصير إمّا أبسط مما كان، أو أعقد، ولكن على نحوٍ لا يخلو من نشوةٍ تتوارى.

تنهالُ عليَّ تفاصيلُنا الصغيرةُ وقد تخلَّت عن عزلة عاداتها؛ الأشياءُ نفسها تعلّمت الانصياع لهذا التعايش: أكوابُ القهوة التي لا تستقرُّ في موضع، الكتبُ المفتوحةُ على منتصف فكرة، الملابس التي لا تُطوى كما ينبغي ولا تُترك كما يجب، كلها تنزاح عن منطقها الأول لتستقرَّ في منطقٍ آخر. لا يقوم على النظام بقدر ما يقوم على تواطؤ وجوديّ صامت بين شيئين قرّرا أن يوجدا معًا، فحسب.

يا مَن يجعلني أقلّ تعريفًا.. في هذا الامتداد الذي لا يعود يُعرَّفُ كبيت؛ لا يَفرضُ أحدُنا على الآخر شكله، بل نتسرّب إلى عادات بعضنا كما يتبادل الجسدُ نَفَسَه مع ما حوله؛ حتى يغدو الاضطراب شكلًا من الانسجام، وكأن الطين يتشكّل بين كفّين مألوفتين لا تُخضعانه لهيئةٍ مسبقة، يعيدان خلقه معًا على نحوٍ لا يُملى، فتتخلّى الفوضى عن غرابتها، وتستحيل هيئةً مشتركة للأشياء حين تتنازل عن حدودها. كلّ ما كان منفصلًا يكتشف أنه لم يكن سوى احتمالٍ مؤجّل لهذا التداخل.

هناك، لا يعود ثَمَّ “أنا” و”أنت” كما اعتادت اللغة؛ لا يعود سوى فضاءٍ واحد يتّسع لنبضين، يتعلّمان كيف يجاورُ أحدهما الآخر دون أن يبتلعه، وكيف يختلفان دون أن يتشظّيا.

عزيزي، في هذا القرب لا يعودُ الجسد موضع سكينة، وينقلب إلى نزعةٍ لا تهدأ نحو محو المسافة ذاتها. أعلمُ أنّني لا أطلبك حضورًا يُحتمل، أطلبك حقيقةً تبتلعني حتى آخر حدّ يتشبّه بالرمق، كلانا لا يتجه إلى الآخر بقدر ما يتجه إلى إسقاط الفاصل بينه وبينه، وتفكّيك التعريف، وإرباك فكرة الاستقلال حين تُختبر داخل تماسٍّ يزعزع وهم الثبات. أريدُ أنهيارًا يتقدّم بهدوء ليفقد أسمه أمام الهاوية، كالامتصاص؛ ينزلقُ أحدنا في الآخر كأنمّا الانقياد كان سابقًا للفعل. الحدود تُعاد كتابتها من الداخل ولا تُصان، حتى تنحلّ من داخلها. إنّني لا أطلب قربٌ جسديّ يُقاس، أبحث عن هيئةٍ يتعطل فيها معنى الفصل، لا أكتفي بمجاورتك، أخرج من المجاورة نفسها؛ حتى يغدو التمايز بيننا وهمٌ يتلاشى منذ لحظة تشكّله، مُلغيًا لحظة اكتماله.


ما يفتكُ بي ليس احتجابك، إنّها الكيفيّة التي تحتجب بها؛ تقهقرٌ وئيد إلى الباطن، ترجِمُني بانغلاقٌ مُحكم لا يتركُ لي ثغرة أعبر منها إليك.

أنا التي تُريدُك كلَّك / وأنتَ الذي يهربُ من نفسه

أضناني هذا الودّ الذي يردّني إلى عتباتك كلّما انكفأتَ إلى متاهتك، أنازعُ عنك هاويةً ألفتَ التردّي فيها حتى استأنستَ قعرها. ماذا عليّ أن أصنع بكلّ هذا التدفّق الذي يفيضُ منك وإليك، إذا كنتَ عند أوّل وطأةٍ للوجود تُحكم إيصادك عليّ قبل أن تُحكمه على العالم؟

كنتُ أحسبُ المحبّة هيئةً من التواطؤ الوجوديّ ضدّ الفناء، وأنّ الأثقال حين تتقاسمها روحان تفقد بعض سطوتها. غير أنّك، كلّما تصدّعتَ، آثرتَ التوحّد بانكسارك؛ هشاشتك عصيّةٌ على المشاهدة، وكأنّني طارئةٌ على خرابك، رغم أنّني أقمتُ فيه حتى ألفتُ تضاريسه أكثر ممّا ألفتُ نفسي.

ما يفتكُ بي ليس احتجابك، إنّها الكيفيّة التي تحتجب بها؛ تقهقرٌ وئيد إلى الباطن، ترجِمُني بانغلاقٌ مُحكم لا يتركُ لي ثغرة أعبر منها إليك. ألا تراني؟ أقف عند تخومك، ألوذ بك كجمرةٍ أخشى انطفاءها أكثر ممّا أخشى احتراق يدي، فيما تتركني منفردةً بإشفاقي عليك، فيصبح انهيارك امتيازًا لا يُتاح لي أن أشاركه. تُقصيني حين أمدّ يدي إليك، وتدفعني خارجك كلّما تراءى لي أنّي بلغتُ أقرب طبقاتك. ما بالَ قربك صارَ لا يحتمل حضوري إلا بوصفٍ مؤقّت؟ أراكَ تنزعني منك حين يتهيأ قلبي أنّه صار منك؛ فأعودُ إليك غريبةً عنك، كأنني لم ألمس يومًا هذا الاقتراب.لم أبتغي منك اكتمالًا معصومًا من التصدّع، ولا تماسكًا يتعالى على هشاشة البشر. أنا لم أبتغي منك صلابةً خارقة بخلاصٍ مُكتمل؛ جلّ ما أردتُه ألّا تنفيني كلّما فاضت بك عتماتك الداخليّة. أردتُ أن أكون المرفأ الذي تنحدر إليه عند تهشّمك، لم تَكن غايتي الساميّة أن أمضي كالأثر الذي يسقط من ذاكرتك ساعة تَشتبك بداخلك الحروب.

ورغم ذلك، ورغمك؛ أعود إليك في كلّ مرة، يدفعني دورانٌ مرهق حول عزلتك. وأُدرك بوجع أنّني أحبك على نحوٍ يجعلني أرى تشقّقاتك أسبق من قسوتك، ويمدّ يدي إليك حتى في اللحظة التي تنأى فيها داخل نفسك أبعد مما تنأى عنّي.


بطاقة النص
بين أن نكون معًا وأن نندثر معًا – ريناد الرشيدي
كتابة

ريناد الرشيدي، كاتبة سعودية شابة، من مواليد 2003، بدأت الكتابة في عمرٍ مبكر، وشاركت في مسابقة للكتابة على مستوى مدينتها. تدرس علم النفس الإكلينيكي، ولديها اهتمام عام بالفنون والقراءة، خاصة في الفلسفة والأدب، لديها إصدار نصوص إبداعية قيد النشر، كما أنها بدأت مشروعًا لقراءة أوراق التاروت والتحليل النفسي.

زر الذهاب إلى الأعلى