أين أذهب حين أمتلئ ولا أفيض؟ – ريناد الرشيدي

مراثي الضوءِ الأخير

في انتظار الغروب، أتلفّتُ كل غَبطي من الأعين التي تستطيع مواجهة الشمس دون أن تنطفئ. احتراقي من أجل الشروق بات توديعًا مستمرًا لكلّ ما خُلق منّي وحرثتُه تحت الشمس، لكلّ ما ساهم في ضياع ضيائي.
الغروب لا يَعِدُني بشيء، يمدّني بالألوان الكافية لأتأمل الظلام على غياهبه، وأمتلئ أمامه بإجلالٍ أعمق للضوء. تحت هدوء الغروب، أرى كل ما ضاع مني بين خيوط النهار: الأهدابُ الخفية التي تُطرّزُ السماء، الدقائق التي تبدو بلا وزن. كل ما كادَ يكون مُعذَّبًا يلتمس أخيرًا السكون؛ لا أنا التي ألاحق سربًا من النور، ولا أنا التي أتعذّب تحت غيابه.
تبدأ الألوان بالتمدّد، تتلاشى واحدةً تلو الأخرى، تاركةً فراغًا واضحًا، صافيًا، ما عاد جائعًا. كأنّ العالم كله يتنفس في لحظةٍ واحدة قبل أن تبتلعَهُ أحلكُ سماء. خشونةُ الأرض التي تحتَقدها قدمي لم تعد تسحبني: أطأ ليلًا جديدًا، ولا أحتضر.
امتلأتُ برؤيةِ الغروب، لا أَعِدُ أحداً بشيء، ولا أعذّبهم في ظلامي.


سيرةُ العراءِ الأول

إلى أين يمتدّ هذا الاحتيالُ الآدميّ القاحِل حين تضيقُ به الجهاتُ كلُّها؟ أكانَ لزامًا علينا أن نُتمَّ هذا الخرابَ بأيدينا، وأن نخلّف وراءنا ما هو أفدحُ من الجثث، كي نستبين عُقمَ حيلتنا، ونعلمَ أنّه لا شيء يتعقّب دماءَنا سوى هذا الإنسانيّ الملتاثُ فينا؟

ننحدر ونوجد بعبء هذه الدماء؛ نُخلقُ من أضلاعِ الآخر، ثم نمضي في اقتلاعِ ما خُلقنا منه. نهبطُ من فردوسنا متورّطين في جحيمِ الخطيئةِ الأولى، ونقضي أعمارنا نطاردُ كلَّ ما يتشبّه بالدمِ في أرضٍ لم تكن يومًا سوى منفىً طويلٍ لآثامنا.

كيف لنا أن نتبارك، وأن تُغمر أرواحُنا المدانة بشيءٍ من النعمة، فيما لا يستطيع أحدٌ أن يهبَ سلامًا لآخر دون أن يسلبه إيّاه في موضعٍ آخر؟ حتّى الطمأنينة لا تولد إلّا مشوبةً بالخيانة، والنجاة لا تحدث إلّا على هيئة خسارةٍ مؤجّلة.

نحمل معرفةً تسلخنا كلّما أوغلنا في الاحتفاظ بها، نصغي إلى موسيقى لا تُسمَع بقدر ما تنفذ فينا وتُنزِفنا، نستظلّ تحت شجرةٍ نرفع الفأسَ إليها، ونحوّل القمح إلى خبزٍ كي نُورّث فقرَنا لغيرنا، لنطوّق أرواحهم في جوعٍ لا ينقَضي. تتفجّر أوعية اللغة بالكلمات، فقط لكي نحبّ، ثمّ يختنق هذا الحبّ بأميّة اللغة عن احتواء ما استدعته بنفسها.

لا شيء يسقي هذا القفرَ المستوطنَ في أرواحنا، لا شيء يردّنا إلى منزلةِ ما نفقده قبل أن نبلغَه؛ فالإنسان، منذ خطوته الأولى في الوجود، يُلقى عاريًا في اتّساعٍ لا يؤويه، ويظلّ مذ وُجد يجوب ذلك العراءَ الأوّل دون أن يدرك أنّه ما كان يفرّ منه؛ يزيح بنيةَ الوجود كلّها فقط ليصل إليه، يتركُ خلفه ما يشبهه ويتقدّمه ما يفقده، يخسر قدمًا تنقادُ إلى قبرها، ويدًا تُمعن في لطم نفسها، ثمّ يمضي كمن لا يعلم أنّه كلّما أوغل في التباعد ازداد انطواءً على ذاته، وكلّما توهّم الفكاك ازداد انطباقًا على قيده. فناءُنا مقيمٌ في عروقنا، يستعصي علينا، ولا بابَ خارجنا يؤدّي إلينا.


بطاقة النص
أين أذهب حين أمتلئ ولا أفيض؟ – ريناد الرشيدي
كتابة

ريناد الرشيدي، كاتبة سعودية شابة، من مواليد 2003، بدأت الكتابة في عمرٍ مبكر، وشاركت في مسابقة للكتابة على مستوى مدينتها. تدرس علم النفس الإكلينيكي، ولديها اهتمام عام بالفنون والقراءة، خاصة في الفلسفة والأدب، لديها إصدار نصوص إبداعية قيد النشر، كما أنها بدأت مشروعًا لقراءة أوراق التاروت والتحليل النفسي.

زر الذهاب إلى الأعلى