الأَشْيَاءُ وَالأَسْمَاءُ – مهدي حلباس

صلاح طاهر

.. وَبَعْدَ تَارِيخٍ مِنَ الخَنَاجِرِ وَالمَسَامِيرِ وَرَائِحِةِ الجِلْدِ البَشَرِيِّ يُشْوَى بِجَمْرِ الحَنِينِ وَاللَّحْمِ المُمَزَّعِ… المِلْحُ… الجَماجِمُ… المَنْفَى… وَبَعْدَ… وَبَعْدَ… حَتَّى مَا عَادَتِ الإِبَرُ وَلَا زُجَاجُ الخَطْوِ والمَمْشَى، وَلَا الخَنَاجِرُ والمَسَامِيرُ… مُؤْلِمَةٌ. ها قَدْ اسْتنفذ مَا فِي وُسْعِِهِ الحُزْنُ وَالأَلْم. وصارَ البُكاءُ مَسْخَرَةً لِمَنْ تَأَبَّطَ طُولَ عُمرِهِ الجَمْرَ. وصارَ الدَّمُ النَّافِرُ مِنَ الدَّبْحِ فَرَاشَاتٍ مُلَوَّنَة. يَوْمَهَا فَقَطْ بَاحَتْ بِأَسْمَائِهَا الأَشْيَاءُ وانْكَشَفَ سِرُّ الكَلِمَات، انْفَضَحَتْ أَسْرَارُ البَلَاغَةِ، وغَدا الشِّعْرُ كَسِيحًا كَالأَعْزَلِ.

كَمْ أَنْتَ وَحِيدٌ أَيُّهَا الشِّعْرُ

كَمْ أَنْتَ جَمِيلٌ فِي عُزْلَتِكَ

فَلَا تَحْفَلْ بَعْدَ اليَوْمِ بِالكَلِمَاتِ وَلَا بِاللُّغَةِ وَلَا بِالمَعْنَى

فَالأَشْيَاءُ أَبَدًا لا تُشْبِهُ أَسْمَاءهَا

فَقُل الأَشْيَاءَ عَارِيَّةً مِنَ الأَسْمَاءِ

قُل الأَشْيَاءَ عَلَى حَقِيقَتِهَا

قُلْ:

أَهَذَا التَّوَحُّشُ هُوَ العَالَمُ؟

أَهَذِهِ المَتَاهَةُ هِيَ مَا يُسَمِّيهِ النَّاسُ الحَيَاةَ؟

مَا اسْمُ ظِلٍّ صَغِيرٍ خَلْفَ حَجَرٍ وَحِيدٍ في أَمَاسِي الشِّتَاءِ؟

مَا اسْمُ رَشْرَشَاتِ المَاءِ في ذَاكِرَةِ نَخْلَةٍ شَاخَتْ في أَقاصِي الظَّمَإ؟

ما اسْمُ الدَّمِ النَّازِفِ مِن ثُقُوبٍ في الأُغْنِيَاتِ؟

مَا اسْمُ الأُمْسِيَاتِ الهَارِبَاتِ ذَاتَ مَصِيفِ لِلذِّكْرَيَاتِ؟

ومَن يَنْتَظِرُونَ جُرْعَةَ الأَنْسُولِينِ؟

وجَحَافِلِ العَائِدِينَ مِن مَعاصِرِ الزَّيْتِ؟

وَظَلَامِ اليِقِينِ؟

ما اسمُ كَتِيبَةِ الإِعْدَامِ

وَكَيْفَ كَانَ مَذَاقُ الرَّصَاصِ

وَهُوَ يُحْرِقُ تَرَدُّدَ القَافِيَّةِ فِي شِعْرِ لوركا؟!

سَيِّدَتِي اللُّغَة، عَفْوًا، بِرَبِّكِ

تُرَى مَا اسْمُ هَذَا الوَطَنِ؟

****

مهدي حلباس، شاعر ومؤلف مسرحي، من مواليد 1964 بمراكش.

الوسوم

أعطني رأيك

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات