جدلية (التراجيديا والفلسفة) لـ والتر كاوفمان _وفيق غريزي

ان ما هو إلهي مسؤول عن الخير وحده لا عن الشر، وانه لا يتغير قط، ولا يكذب او يخدع

التراجيديا كلمة غير واضحة الاشتقاق، تطبق بصورة واسعة النطاق على الاعمال الدرامية وغيرها من الاعمال في اطار توسيع نطاق الاستخدام التي تتحرك فيها الاحداث باتجاه خاتمة مشؤومة او تتضمن كارثة. وقد كان كتاب (الشعر) وهو اول محاولة لتحديد خصائص التراجيديا وأثرها في المشاهد. وأثّر بعمق في المفهوم الكلاسيكي الجديد للتراجيديا في بريطانيا وفرنسا. وقدم شكسبير وكتّاب آخرون للدراما في المرحلة الاليزابيتية مفاهيم تراجيدية جديدة مستمدة في احد جوانبها من سينيكا. وواصل هذا الجنس الغني الازدهار في المرحلة اليعقوبية وأعقبت ذلك مرحلة كئيبة اساساً. ولم يتم إحياء التراجيديا بصورة جادة. باستثناء حالات محددة الا في القرن العشرين الماضي، حينما جلبت اعمال: إبسن، سترايندبرغ، أونيل، ميللر، وليامز، وبيكيت جدية وواقعاً وأهمية جديدة الى الساحة المسرحية. الباحث والتر كاوفمان تناول هذا الموضوع في كتابه الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، وترجمة كامل يوسف حسين، تحت عنوان (التراجيديا والفلسفة). فالمشروع الذي ينجزه المؤلف هو في حقيقة امره، خطوة متقدمة في نقده للفلسفة التقليدية. تتجاوز ما أنجزه في كتابه (نقد الدين والفلسفة) وتضيف اليه، وصولاً الى فهم اعمق للوضع الانساني. يخاطب هذا الكتاب أولئك الذين يهتمون بالتراجيديا، بما يكفي لدفعهم للاهتمام بكتاب (فن الشعر) لأرسطو، وكتاب (ميلاد التراجيديا) لنيتشه وكذلك آراء افلاطون وهيغل. افلاطون يشير المؤلف الى ان ولادة الفلسفة الغربية كانت في مطلع القرن السادس قبل الميلاد، وولدت التراجيديا بعد ذلك بأقل من قرن من الزمان، ويشير هذان التاريخان على نحو مغرق في التضليل الى ان الفلسفة هي الاكبر سناً. لكن الفلسفة في القرن السادس قبل الميلاد مختلفة تماماً عن فلسفة القرن الرابع قبل الميلاد، وفيلسوفا هذا القرن الاخير اللذان تناولا التراجيديا مطولاً اي افلاطون وارسطو كتبا طروحاتهما بعد ان مضى الشعراء التراجيديون العظام. كما ان الفيلسوفين العظيمين لم يظهرا فحسب بعد اعظم كتاب التراجيديا، وإنما بلورا التراجيديا الضرب الذي ابدعاه من الفلسفة، في جانب من جوانبه. فقد واصل افلاطون بمعنى من المعاني التطور الذي انطلق من أسخيلوس الى سوفوكليس ويوربيديس. حيث يقف أسخيلوس في منتصف الطريق بين هوميروس وافلاطون، ويتوسط يوربيديس الطريق بين أسخيلوس وأفلاطون.

ولقد كان أفلاطون يكتب عن الشعراء كما لو كان نبياً، اما ارسطو فيكتب عنهم باعتباره قاضياً. قدم بارمنيدس الذي كان يصغر هيرقليطس بثلاثين عاماً مذهبه الجديد في صورة قصيدة وتابعه زينون الإيلي في جنوب ايطاليا، طوّر حججاً لامعة لا تفارق الذهن تأييداً لآراء استاذه، ومع فقد السفسطائيين وسقراط، وطور في وقت لاحق من القرن الخامس ق.م. أصبح هذا الاهتمام بالمجادلة وطيد الاركان.
ويرى المؤلف انه اذا كان سقراط على حق فيما يتعلق بجهل الانسان الحتمي، فان افلاطون وارسطو كانا شأن من استهدفهم سقراط بسخريته، يظنان انهما يعرفان ما لا يعرفانه في الحقيقة، من هنا يفتقران للحكمة. ويؤكد ان افلاطون ينتقد الشعر التقليدي، اولا لمضمونه، ثم لشكله، وتنقسم اعتراضاته على المضمون الى قسمين: فالشعراء اساؤوا تقديم ما هو إلهي ثم ان لهم تأثيراً ضاراً على الاخلاقيات. ويقول افلاطون: (ان ما هو إلهي مسؤول عن الخير وحده لا عن الشر، وانه لا يتغير قط، ولا يكذب او يخدع، ومن المحتمل ان يقف المتلقي الى جانب افلاطون فيما يتعلق بهذه النقاط جميعها، حتى وان كان قد خسر إيمانه بأي معتقدات دينية قوية، الامر الذي يوضح ان افلاطون كان على حق فيما يتعلق بأهمية ما يتعلمه الناس في الطفولة المبكرة.
هذا، ويمضي افلاطون ليختم كتابه (الجمهورية) بأسطورة. فبعد انهاء جداله في مواجهة الشعراء، يعاود الظهور في دور الشاعر. اكثر من هذا فان المحاورة بأسرها هي نوع من القصائد، بالمعنى الاوسع نطاقاً للكلمة، وهو المعنى المألوف في اللغتين اليونانية والالمانية، والشعراء الذين يكتبون نقداً ادبياً يدافعون عادة عن قضيتهم، وليس افلاطون استثناء في هذا الصدد، ونحن نسيء مطالعته اذا افترضنا ان الشعر الوحيد الذي يسمح به في نهاية الامر هو شعر بندار، ويختم حديثه بالقول: (ان علينا ان نهذب شعر هوميروس، بحذف ما يتضارب منه مع الفضيلة وان نحظر التراجيديا، ونمط شعر بندار انما يسمح به لانه ينتمي الى نوعية اوسع نطاقاً) وظيفتها الاولى خدمة ادب افلاطون نفسه، وهذا يغدو واضحاً بما فيه الكفاية بمجرد بحثنا لبداية وخاتمة (الجمهورية).
لو ان ايا من الشعراء الجادين، الذين ينظمون التراجيديا جاء الينا وقال: (آه، يا للغرباء، هل لنا ان نمضي الى مدينتكم وبلادكم، ام ان ذلك لن يسمح به لنا، وهل نجلب معنا شعرنا? اعتقد ردنا سيكون: يا خير الغرباء، اننا ايضاً شعراء تراجيديون بقدر ما في وسعنا، وتراجيديتنا هي الافضل والانبل. انتم شعراء، ونحن شعراء، متنافسون وخصوم في أنبل دراما، القانون وحده يتمّها كما نأمل. فلا تفترضوا اذن اننا سنسمح لكم في لحظة ان تقيموا خشبة مسرحكم في الساحة العامة، حسب قول افلاطون، فالتراجيديا محاكاة للحياة، ولكن من الواضح انه ليست كل محاكاة للحياة يمكن ان تكون تراجيديا.
القاضي العارف أرسطو
يؤكد المؤلف انه لم يقدر لكتاب ان يؤثر في كل من التفكير حول التراجيديا، وفي التراجيديا ذاتها، مثلما قدّر للفصول الخمسة عشر الاولى من كتاب (فن الشعر) لأرسطو، التي يصل طول كل منها في المتوسط الى صفحة كاملة. ومع ذلك فان (فن الشعر) مفارق للفلسفة على نحو متزايد بطريقتين بالغتي الاختلاف. ورغم ذلك فما من شك في ان الطريقة الاولى التي يفارق بها الفلسفة تساعد في تبرير تأثيره، الذي لا نظير له، على الشعراء والنقاد.
ان التراجيديا لدى ارسطو هي محاكاة فعل نبيل تام، له طول معلوم، بلغة مزودة بألوان من التزيين تختلف وفقاً لاختلاف الاجزاء، وهذه المحاكاة تتم بواسطة اشخاص يفعلون، لا بواسطة الحكاية، تثير الرحمة والخوف، فتؤدي الى التطهير من هذه الاختلافات، ويقول ارسطو عن التراجيديا أنها (نمت شيئاً فشيئاً) بإنماء العناصر الخاصة بها، وبعد ان مرت بعدة اطوار تثبت واستقرت بعد ان بلغت كمال طبيعتها الخاصة. ان التراجيديا لا تحاكي الناس بل تحاكي الفعل والحياة. والفارق بين التراجيديا والكوميديا ليس في الجوهر فارقاً في الموضوع، وانما هو يعتمد على منظورنا، فالحدث الواحد الذي يضم اناساً بعينهم يمكن ان يقدم باعتباره تراجيديا او كوميديا. اي ان اي مفهوم واقعي للدراما التراجيدية ينبغي ان يبدأ من حقيقة وقوع كارثة، فالاعمال التراجيدية تنتهي بصورة سيئة. ويرى المؤلف ان ارسطو بعد ان قام بتعريف التراجيديا يمضي الى تمييز ستة اجزاء تتركب منها هي: العقدة والاخلاق والفكر والمنظر المسرحي والنشيد، ولا شيء غير ذلك، ولكن ثمة تساؤلاً مهماً وهو لماذا يعتبر ارسطو العقدة العنصر الاهم بين العناصر الستة? ولماذا يخصص معظم مناقشته لها? يتعين علينا لكي نفهم ذلك ان ندرك ما يقصده بالعقدة. العقدة هي محاكاة الفعل، لانه يعني بالعقدة تركيب الافعال المنجزة. وعقب ذلك يقول ارسطو: (وأهم هذه الاجزاء تركيب الافعال، لان المأساة لا تحاكي الناس بل تحاكي الفعل).
ما بعد افلاطون وارسطو
حينما ناقش افلاطون الشعر قام اساساً بتناول مضمونه، أما ارسطو فحينما ناقشه عالج شكله. ومن شأن استخدام منهج اصطفائي ان يفضي الى معالجة الجانبين معاً، ولكن هناك ابعاداً اخرى لا تقل اهمية عن اي منهما، وحسب اعتقاد المؤلف فإن افلاطون لا ينظر اطلاقاً الى عمل واحد باعتباره كلاً واحداً، وهو يكتب مراراً وتكراراً عن شعراء التراجيديا وعن هوميروس، لكنه لا يناقش تراجيديا واحدة. هو يقتطف نتفاً ضئيلة يعترض عليها، ويلجأ الى التعميم. بمزيد من الجرأة، فيحدثنا بأن الشعر، شأن التصوير. يقدم لنا شيئاً زائفاً. لكنه لا يتوقف لكي يتساءل عن الكيفية التي قد تعمل بها الفقرات التي يقتطفها حينما تكون في سياقها، وهو اقل تساؤلاً عما تدور حول (الالياذة) او تراجيديا لسوفوكليس او ما الذي كان يوربيديس واسخيلوس يرميان اليه.
التراجيديا حسب رأي المؤلف هي ابتداء شكل ادبي جرى تطويره في أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد، وكل الاستخدامات الاخرى لكلمة (ترجيديا) و (تراجيدي) مستمدة من هذا المفهوم القائل بأن الاحداث المنتمية الى نوعية معينة احداث تراجيدية. وان الاعمال الادبية تستحق اسم (تراجيديا) بالاشتقاق فحسب، هو مفهوم مناقض للحقيقة. ان الفعل في الكوميديا او التراجيديا ليس كالفعل الحقيقي، الذي قد يثير بالصدفة ردود افعال عديدة، والاعمال التراجيدية والكوميدية تقدم افعالاً رمزية، الامر الذي يعني القول بأنها تتضمن إيهاماً يعايش إيهاماً، وانها تراجع الى حد كبير بما يتفق والاعراف التي تختلف من عصر الى عصر، وان القصة تختار بحسب تأثيرها الذي يقصد به على سبيل المثال ان يكون تأثيراً تراجيدياً وكوميدياً او تراجوكوميديا.
وبعد ان يحدثنا المؤلف عن ميلاد التراجيديا مع هوميروس وموتها مع اسخيلوس، يحدثنا عن سوفوكليس.
شاعر اليأس والبطولة
يؤكد المؤلف ان شأن الموسيقي موزار، لم يواجه سوفوكليس احداً يجد في الحط من قيمته، فقد احبه معاصروه، ومحضوه الاعجاب، ومنحوه الجوائز لمسرحياته كافة، وانتخبوه لمنصب رفيع، وحرصوا على الاشادة بشخصيته. وكانت مسرحيته (أوديب ملكاً) التراجيديا النموذجية بالنسبة الى أرسطو. وهكذا كان لها تأثير فريد على النقاد اللاحقين فحسب، وانما كذلك على التراجيديا التي جاءت في اعقابها. وطوال ما يزيد على واحد وعشرين قرناً لم يقدر لأية نظرية اخرى في التراجيديا ان تحرز ما يقارب مثل هذا القدر من الاهتمام. وقد اجتذبت نظرية هيغل هذا القدر بالفعل، وقد وجد المثال المطلق للتراجيديا لا في أوديب ملكاً، وانما في أنتيغونا لسوفوكليس. ولم يصف نيتشه فحسب سوفوكليس بأنه (أكثر الاثينيين جاذبية، وأخذاً بمجامع القلوب) وانما قال كذلك: (يتمثل اللغز الاعظم في تاريخ فن الشعر فيما يلي: اخذاً في الاعتبار بكل ما كان الشعراء القدامى يجدون فيه عظمتهم، فان الانسان يمكن ان يكون بربرياً، مليئاً بالعيوب ومشوّها من قمة رأسه حتى أخمص قدمه، ومع ذلك يظل اعظم الشعراء. كذلك كان الحال مع شكسبير الذي اذا ما قورن بسوفوكليس فانه يبدو شبيهاً بمنجم حافل بزخم لا يقاس من الذهب والرصاص والحصى، بينما ليس سوفوكليس ذهباً فحسب، بل هو ذهب في اصفى اشكاله، الامر الذي يجعل المرء يوشك على نسيان قيمته كمعدن. لكن الكم في أسمى تطوراته يحظى بقيمة الكيف. وقد تحرك ذلك لصالح شكسبير. وفي معرض الدفاع عن يوربيدس، يعتقد المؤلف انه لم يقدر الشاعر من الطبقة الاولى ان يتعرض للتقليل من قيمته على نحو ما حدث ليوربيدس. وقد كان من سوء طالعه ان تسع عشرة من مسرحياته قد بقيت حتى وصلت الى ايدينا بالمقارنة بسبع مسرحيات لكل من اسخيلوس وسوفوكليس.
يقول المؤلف في هذا الشأن: (تمثل التراجيديات الباقية للشاعرين الاكبر سناً مختارات مما اعتبر افضل مسرحياتهما. وهناك من الاسباب ما يدعو الى الافتراض بأن معظم مسرحياتهما المفقودة لم تكن افضل من (الضارعات) او (سبعة ضد طيبة) او (أياس) كانت في مستواها. فدعنا نفترض ان اسخيلوس وسوفوكليس قد مثلت كل منهما اثنتا عشرة مسرحية اخرى مماثلة. بينما لم يعرف يوربيدس الا من خلال (اليتس) و (ميديا) وهيبوليتوس) و (الطرواديات) و (أليكترا) و (أيون) و (الباخوسيات) وينبغي تحديد الطبقة التي ينتمي اليها يوربيدس بين الشعراء، شأن سلفيه وكبار الشعراء الآخرين. بحسب افضل اعماله، ويتعيّن كذلك ان نكون ممتنين له للنصيب الذي ساهم به في جعل افضل مسرحيات سوفوكليس في نطاق الإمكان.
شكسبير والفلاسفة
من بين الفلاسفة الستة الكبار الذين تناولوا التراجيديا مطوّلاً، ركز افلاطون وأرسطو ونيتشه إهتمامهم على التراجيديات الاغريقية، ورغم اهتمامه بهذه التراجيديا فإن نيتشه لم يغفل شكسبير. وقد اهتم هيوم وهيغل وشوبنهاور بصورة عادلة بالإغريق وشكسبير. وحتى الفلاسفة الالمان الثلاثة لم يتعرضوا للتراجيديات الالمانية الا بإشارات عابرة. وقد يكون اختيار هؤلاء الفلاسفة الستة في مواجهة إبسن وستراتندبرغ او مسرحيات القرن العشرين أمراً مثيراً للإهتمام. وحسب وجهة نظر المؤلف فانه لن يكون من الانصاف انتقادهم لعدم انصافهم لأعمال كتبت بعد موتهم. وبما ان احداً منهم لم يناقش مطولاً كورني او راسين او وضع ايا منهما في مرتبة شكسبير او الاغريق فانه يبدو من المناسب ان نركز على شكسبير.
ان كتاب (التراجيديا والفلسفة)كتاب شيّق في موضوع شائك، واذا لم يخرج منه المؤلف الا بتعلم طريقة جديدة في طرح التساؤلات حول القضايا الاكثر اهمية في حياتنا الثقافية لكفاه هذا وكفانا.
……………………………………..
* التراجيديا والفلسفة، تأليف والتر كاوفمان، ترجمة: كامل يوسف حسين، المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت، 414 صفحة – قطع كبير.

الوسوم

تفاعل

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق