المدونة

  • قذيفة – منال خالد

    قذيفة – منال خالد

    لم أكن أعلم أن واحدةً من أهم مكونات سيكولوجية الحرب هي الانتظار، لطالما كُنت مندفعًا كقذيفة يقول أخي، لم أفهم على أية حال الغاية من الانتظار، يشبه الأمر أن تنتظر من ذرات النار التوقف عن الانتشار أكثر، كأن تطلب من الطبيعة أن تغيّر بعضًا من خصائصها فلا تسمح للهب أن يمتد أكثر، شرِهًا لا يتوقف عن ابتلاع هويتي في جوفه، الأشجار وذكرياتي.. وجولاتُ الغميضةِ تحتها، 

    واحد اثنان ثلاثة واندلعت الحرب وعلى خلاف الأرقام التي تعرف أماكنها بالترتيب لم أعد أعرف أين مكاني، فالكثير مني لازالت النار تأكله ولا أحد يوقفها، أتمنى أن أُوقفها أنا وأنا في جوفها أن تكتفي بالتهامي أنا فحسب، أنا المليء بالتاريخ والذكريات ثلاثة عشر عامًا هل ستكتفي بي هذه النار بدلاً من السبعين والثمانين الذين يحملون كل الوطن داخلهم، 

    أربعة خمسة ستة، لم اشتعل كقذيفة ولم اكمن كلغم، بل تعلمت الانتظار بعد شرارةِ اللهب الثانية التي احرقت منزل جدي الذي كان يقول لنا أن علينا أن نتعلم الانتظار ولم يكن يخبرنا أن الانتظار كُلْفته العمر، عمرٌ كاملٌ من التشرد والتفرق والانتشار- مثل ذرات اللهب-، من التبعثر والانكسار مثل سقفنا الذي أصبح مؤخرًا السماء،

    من التوقف والتخفف من كل ذكريات الوطن حتى يجهل الواحد منا ذاته وأرضه.

    سبعة ثمانية تسعة، لا نار لا بيت لا وطن ويقول محمود درويش أننا أحرار حين ننسى فلِمِ أشعر بكل هذا القيد الذي يُكبّل عقلي، عيني، قدمي وفمي.

    عشرة، لم يكن أخي المفقود الذي عاد لاسترجاع كتابه-فقد كان يؤمن أن الوطن في الصفحات أيضًا بين الجمل وكل الفقرات،

    الخريطةُ هنا على الصفحة وأخي مفقود مثل الوطن -لم يكن يعلم أني لم أكن أتمنى أن أكون قذيفة بقدر ما أردت أن أكون طوفان نوح. 

    عشرة..

    أنا قادم.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    نص: منال خالد

  • انتحار المعيار – شادي سامي

    انتحار المعيار – شادي سامي

    نص تجريبي

    هذا ليس خبرًا صحفيا 

    ولا هو عنوان منافيستو ثوري

    هذا هو ..

    بشكل مجرد 

    وخال من البلاغة

    بأكثر الطرق مباشرة

    جرعة صافية من الحقيقة التي لا تطاق.

    ملابسات الحادث:

    يقول أحد الشهود

    حيث يتقدم عنصر 

    يتراجع آخر

    الجمع محكوم بالحركة

    ولكل حركة قانون.

    تعود بدايات القصة

    لسنوات “منحدر الصعود”

    حيث أُعلن من قبل المتحدث الرسمي 

    عن وفاة المنطق في ظروف غامضة.

    التاريخ يبرر هذه الجرائم

    تحت مسمى “الضرورات تبيح المحظورات”

    وأن” الأمم لا تنجب عظمائها إلا مرغمة”.

    كان على النظام حينذاك

    إعادة ضبط المصنع.

    اختراع المفردات

    وظيفة يمكن للذكاء الاصطناعي إتقانها،

    ومن ثم كانت ضرورة العودة للجذور.

    بالبحث في أرشيف العائلات

    وهو أرشيف متنقل

    يسمح بالإضافة/ الحذف إليه ومنه 

    بما لا يتعدى ال١٪ من الأصل

    تنقطع الطرق اللازمة للعودة للجذر،

    ومن ثم كانت ضرورة اختراع طريق.

    صاحب بيضة لا يصارع صاحب مرقد.

    في أزمنة غابرة

    عرفت الرجال مؤهلات الحرب

    فعدَّت عدتها

    وصنعوا الطريق وغرسوا الجذور

    فصار لهم جذر وطريق ونبت وحيز،

    ولأن رجال الأمس 

    لا يشبهون مسوخ اليوم

    فكان لزامًا على المجرمين 

    وأد المنطق.

    قطع كل صلة ممكنة بهذا العالم القديم.

    وعلى مرِّ سنوات 

    تمت أنسنة الجريمة

    وإلباسها لباسًا عصريًا أنيقًا،

    في غفلة من الحراس 

    تحرش المسوخ بالمعيار

    حاولوا تطويعه في خدمة القضية الجديدة،

    المعيار الذي كان عجوزًا جدًا 

    على أن يُطوَّع،

    فهم المآلات

    اعتذر للباقين المجهولين في البلاد

    وغادر 

    دون أن يكتب للمسوخ

    رسالة قصيرة لوداع طويل.

    ________________

    نص: شادي سامي 

    العريش ٨ أغسطس ٢٠٢٥

  • همهماتٌ مسروقة من الوقت ونصوص أخرى – فواز السلامة

    همهماتٌ مسروقة من الوقت ونصوص أخرى – فواز السلامة

    شاهد الشغف الكذاب

    أنا مفتاح غربة كل مسكين

    يطوي البوح بي

    و يرتمي فوق أشلاء الذعر

    و دفء مستكين

    لا تهرول خوفا أخي

    أنا مثلك .. دمع نسته الأرض كثيبا

    و ترسب نحيبا 

    فوق الشغف المزور

     الميت بعد حين

    تفنى أساطير اليومي بي

    ضحكاً .. خوفا .. زمهريراً 

    و أبقى شاهدا أخيرا 

    فوق قبور المخدوعين 

    ***

    همهمات مسروقة من الوقت

    نبالةُ شعور ..

    و قلبٌ غضُّ .. شفيعُه الصدقُ

    و ناصيته الغرور

    كليم الذات ..

    بعيد المراسي

    باطنه الرحب خليل الأماسي

    و ترانيمه مفتاح عبور

    في تفاصيل يقظته حلم

    و لرقدته صحو بأمانيه كفور

    يتلمس بين الأعالي سهلاً

    واقعاً ضحلاً ..

    زاده ابتزاز أقدار

    و بين جنباته شغف مهجور

    ***

    البحث عن ذاكرة ما 

    كفيف يتلمس ذكرى

    كظمآن ينشد المطر

    ككمان قديم مغبر

    يتوسل أنامل تحييه

    لحناً في وتر

    و أغنية على شفاه جميلة

    ترسم إحساساً ولى .. بصاحبه كفر

    صار رفيقاً للقمر

    حرف يدونه

    و همس عتقته ذاكرة خجلى

    و بقايا طيوف تسامر السهر

    ***

    روحٌ تصفُ ذاتها

    سكنتِ بقايا صروح القمر

    و خلدت من قد جفاه القدر

    بحرف سما حزنه و الفرح

    ففيه النذير و ما قد عبر

    تجليت من كأس خوف الغريب

    لتروين صمتاً فصيح الأثر

    بنور يغني أما من حياة

    و حزن نفى طيف حب غمر

    دروبك ملأى بكل شعور

    ففيك الحبور و فيك الكدر

    سميرة كون حوى كل شيء

    نظيرته باختلاف الصور

    جمعتي السكون و مر النحيب

    كأرض تضم صنوف الثمر

    ***

    رحيق الخيبات

    الجمال يكمن في البدايات

    يا صاحبي الفطن الذي أروي به الأبد بحلم

    بنشيد كاهن ..

    بنحيب مكلوم أمام رفات

    بتغن يعلو السموات

    بسراب رواء يمسح موتي

    و ينهي مهزلة النهايات

    ذات حظوة آت ..

    ذات نحيب آت ..

    ذات موت آت ..

    يا وجع الكلمة الحاني

    يا صمت الأزل المداوي

    يا رحيق الخيبات ..

    ***

    اللحظة حرفًا

    أنا لحظة لن تمر عفواً بعين الدهر

    و لن تبقى حبيسة صدر

    سراب الحزن سيمضي 

    و عين الحرف بما أبقي ستقر

    ستخلد كالسنا عنواناً و عزاء

    و إن دفنت تمضي شهيداً و فداء

    و إن سعد المجد

    سيشرف معها بلقاء 

    إن صام أمسي و غدي فله ذلك

    قد باح حرفي و سرى جسد لهالك

    في ليله يسمو شهاب

    هو جذوة القدر الحالك

    يا شمعة الروح اسهري

    و ترفعي جليلة كالمشتري

    قد صان قدرك لائذ

    بسنين عمره يشتري

    ***

    عالمٌ موازٍ

    بكاء طفل رضيع

    حبوه 

    تمتماته الغير مفهومة و عشقه للعق الأصابع

    إشارات خوف و تحد و رغبة و تواصل 

    كلها تستشف عالماً آخر موازياً ليس له عمر محسوس

    فهو لا ينمو مع الزمن .. بل معك

    يصغي إليك و تصغي إليه 

    و تتجشم عناء تشكيله ليظهر كبكاء رضيع

    و حبوه 

    و تمتماته

    و لعقه لأصبعه

    حتى لحظة البلوغ التي سيسرح فيها فوق كل الآلام

    ضاحكاً من طفولته و لها

    و حانياً على الرضع المكابدين آلام وجودهم الجديد

    و عارفاً مساحتة المحدودة في أنفس .. 

    و الممتدة للا نهاية في أخرى

    متسامحاً مع كل ما كان يجهل .. مشرفاً بثقة على ما يخفى 

    متصالحاً و زاجراً مع رفيقه المادي بهناته و ضعفه .. و لحظات صعوده و تلاشيه 

    كل ذلك في لازمن .. سوى زمنك أنت ..

    ________

    نصوص: فواز السلامة – السعودية

  • حيثُ تنسجُ الأرواحُ خطوطها – ريناد الرشيدي

    حيثُ تنسجُ الأرواحُ خطوطها – ريناد الرشيدي

    ظلالٌ تلتقي في نقطة لا تُرى


    ‏ما الذي ينهبه عجز الاندماج مني ومنك، مننّا؟ تُنقب ذراعيّ عنك وكأنك جلدها، كأنك جلد هذا الجسد، هل سيسعفنا العناق لأتمكّن من الحدّ من معاناتي؟ أو الخروج منها، أو التمهيد لمعاناةٍ أسمى، وأبهى، وأكثر احتمالًا من التهديد بالانفصال، ومن التفكّك المحتمل بالذعر الوجودي. أحتاج أن أعرف على الأقل، النشيد اللانهائي في الاحتضار. سئمت النهائي، سئمت من الإيماءات النهائية، والنشيد النهائي قبل الموت. أتوق للتلاشي المحتمل لصمتي، الذي يتخذ شكلًا، وجهًا جديدًا في صمتك، بالاندماج؛ صمتٌ، وصمت، يساوي صدى أزلي. أنتَ صداي، ومجدُ صمتي.

    في غربتي عنك، لا أعودُ لنفسي


    ‏باتَ كل شيء أعرفه يتقلّص أمامك، ويكبرُ ما لا أعرفه بداخلي بوجودك، ثم تسلخني المعرفة بغربتي عنك. أبني أيامي يومٌ يعقب الآخر على كلمةٌ منك، كلمة تُخرس مخاوفي وتجعل البرودة تهجر بدني. تُهدم الليالي على صوتٌ منك، صوت يهز عامودي الفقري ويجعل داخلي يتشقّق. صوت يُحيط صلواتي، وأقسى عزاء عهدته قبلك. في حضورك يندثرُ كل تمنّي سابق للخلاص من موجٍ يحملني، أحتملُ الطوفان؛ فيتقاسمُني المحيط والفضاء معًا، ولا تُعْرِض نفسي عن التبدّد.

    هل يصبح الغياب حضورًا بلا جسد؟


    ‏أنتَ كنجمةٍ يحترق ضوؤها في الأفق، وأدرك كما يُدرك الليل مصيره؛ ستنزف طريقك إليَّ، ولو كان احتراقًا أخيرًا يلتهم كِلينا. تحت أنفاسِ الصباح الموعود، هل ستنوبُ عنكَ شمسي بالاحتراق، لتكون وحدك شاهدًا على لهيبها؟

    ‏وحين يجثمُ الليل على صدري، يلمسني من بعدك شيءٌ يشبهك، شيءٌ يجعل الغياب حضورًا، والفقد وجدانًا مشتعلاً بلا نار. وكُلَما احتدم ضوؤك في الأفق، يُضحّي كل ما ألمسه بي، تتحول يدي إلى رماد، وقلبي إلى حديقةٍ من حطامك، حيث لا يُزهر شيء بصلابةِ غيابك. يسقطُ الليل على صدري، وتسألني طيوفه: هل المسافة هذه هي غيابك، أم أنا التي أستعمرها باسمك؟ أتمدد فيها، أتفتت، ويلتهم غياب جسدك كل مساحةٍ كانت لي. كل نَفَس يمرّ بي يبدو وكأنه يحملك، لكنه يرحل قبل أن ألمسك، قبل أن تحلَّ علينا نعمةُ الاِندماج.


    نصوص: ريناد الرشيدي

  • رسالة الشجرة ماري إلى الخزام

    رسالة الشجرة ماري إلى الخزام

    إلى خزامي..

    تباركتَ في عرشكَ الذي تُناديه روحي. يابوصلة الضياع. سيِّر شرودنا الأزلي كما تبتغي. مُدَّ اكتظاظَ الذواتِ الفارغةِ بصلواتك المقدسة.

    تُزعجني العادية المحفوفةُ بجدرانِ المحيط الخارجي.

    كنتَ القانون الشاذ الهارب من دستورٍ محكمٍ ليغرسَ شذوذه في أرضٍ مكللةٍ باليأسِ واليباس، فما عدتُ أعهدها من اخضرارٍ..

    أكتبُ رسالتي هذه في ليلةٍ متعجرفةِ الطباع، باردةٍ، رطبةٍ، راكدةٍ، وأنا مدهوشةٌ من حقيقةِ وجودك في عالمٍ موصومٍ من رأسه حتى أخمص قدميه بعارِ الزيفِ، وكونك الصواب المنشود في أوجه كل حيرة.

    معرفتكَ محمومةٌ بوداعةٍ إلهيةٍ تنتشلُ من دواخلي ضلالة الإلحاد، أو من منظورٍ آخر، هي شيءٌ باعثٌ على للمباغتة، يذكرني بالوقع الحنون الذي تتركه الطمأنينة كلما اشتقت لتكرار حديثي معك.

    أنتَ هناك، وأنا هنا، منذ أزلٍ لم ندركه، وربما إلى أبديةٍ لن نعرفها، محملين بثقلِ هذا الوجود وتعثره، اختلاله واختلافه وتخلفه، جاثمين على صدرِهِ، هاربين من اضمحلالٍ أو انشقاقٍ لا مرغوب.

    حاضرنا معلوم، ومستقبلنا مجهول كنهايةِ هذه الرسالة.

    فأيًا كانت خباياه، لا تحمل نفسكَ إثم عرقلةٍ، ولا تمد أيدي العتمة الضخمةِ على ذاتك، لتجمل فضيلة الاندثار في أوساط الخلود.

    طابت الأيامُ بك، والأيامُ بكَ تطيب.

    وافر المحبة، وخالص المودة

    8 جمادى الثاني 1445ه

    21 ديسمبر 2023 م

    ماري

  • قصة أوركيدة اسمها جميلة

    قصة أوركيدة اسمها جميلة

    عن (Mei) التي أزهرت بالحب وصلًا

    قبل أربعِ سنوات، اقتنيتُ نبتة أوركيد وضعتها على مكتبي جوار النافذة، ظلت تؤنس غربتي وتؤثث غرفتي برائحة الفانيليا حتى غادرت.

    بحثت لها عن اسم يليق بها، فهي مرموزة الحب والأناقة والجمال لدى الآلهة ( أوركيس)  عندما رأى فيها محبوبته (آينو) الهاربة. 

    اقترحت زميلتي (Mei) ويعني الجميلة بلغتها الصينية. راق لي لخفته ومعناه، كما أن تكوينه اللفظي أغراني حين فككته بالإنجليزية، فوجدته مكونًا من ضمائر كلها عنِّي وإليَّ (Me,I). 

    مرت الأيام وذبلت نبتتي جميلة، التي رعيتها كابنتي، لكن ربما استشعرت ذهابي فذبلت كمدًا. 

    في طقسٍ جنائزي بين وردةٍ وابنتها، ألقيت عليها محبتي، سقيتها دمعاتٍ صادقة، خاطبت روحها بالوداع وأقمت لها العزاء، بل إنني أصدرت شهادة وفاتها (أوهكذا ظننت)، لكن الأوركيدة جميلة كان لها رأي آخر.

    لم تعترف بشهادة الوفاة، لم تستسلم للذبول، بل أخذت دمعاتي التي سقيتها، وأنبتت لنفسها زهرة جديدة.

    الآن بعد سنوات، لا تزال أوركيدتي تزهر كل المواسم، بل قبلها وبعدها، وكأن دموعي كانت إكسيرًا لشبابها الأبدي، كأنَّها أرادت أن تمنحني حبًا لا ينتهي رغم الظروف، كأنها علمت أنني بحاجةٍ إلى حب لا ينتهي بالمغادرة، ولا يذبل في البُعد.

    أحببتُ أوركيدتي جميلة، بكيتها مرة، وأحبتني فأزهرتُ لي مرات.

    الوصل قد يكونُ نبتة تزهر في بلدٍ، فيورقُ قلبك بالذكرى في بلدٍ آخر.

    لم تصدق جميلتي تلك الشهادة، و لازال حبي كافيًا لتزهر  إلى اليوم في كل المواسم، وقبلها وبعدها. 

    والوصل قد يكون نبتة تزهر في بلد ، فتورق بالوصل والذكريات في بلد آخر.

  • أكانَ المنفى فيَّ؟ – ريناد الرشيدي

    أكانَ المنفى فيَّ؟ – ريناد الرشيدي

    ظلُّ ظلٍ

    كل ليلة، أتركُ اسمي خارج النافذة،

    حتى لا تتبعني وصايا الظلام إلى الداخل؛

    إذ أنّني تعبتُ من كوني وجهةٌ لا تغفِر.

    كل ليلة، تَشنقُني ديمومةُ الوعود الناقصة

    لفجرٍ يُولد لغيري، ويمضي عنّي.

    أُحبّ كما يحبُّ الليلُ عاصفةً،

    باقترابٍ هائجٍ،

    بتدميرِ صمتٍ لم يأذنْ له الفراغُ بعد.

    أُحبُّ حتى أعبر أحلامي حافية –

    كأنّي أعتذرُ للأرض عن خطوي؛

    ثم أعودُ ناقصةً،

    وبداخلي جحيمٌ من طرقاتٍ عبرتها وحدي.

    كأنني ظلُّ ظلٍّ،

    لا زمن له،

    ولا جسدٌ يُعيده.

    كأنني دعاء تخلّى عنه السكون،

    لا بحثٌ فيه ولا بقاء،

    وفي داخلي صلواتٌ اندثرت على مذبح صمتي.

    ***

    نبوءةُ الركام

    لا أعلم لأي جوهرٍ يتوهّج هذا الاحتراق المستتر، ولا لِمَ لا ينتشلني شيءٌ من رماده المطفأ؟! لماذا أُساق في كل مرة إلى مثواي تحت الحطام؟ كأنني وُلدت منه لأموت فيه وأبعث على أنقاضه، ثم أعود لأتذوق الاحتراق ذاته، والهدم ذاته، وكأن الدائرة قدرٌ مُقفل.

    في كل التفاتةٍ تُشيح عني، في كل برودةٍ تُسدلها، في كل إيماءةٍ تُضلل الطريق، يتساقطُ جزءٌ من كياني في صمت التخاطب. هل كُتب على الآخر أن يبثَّ الصقيعَ في أطرافي الواهنة أمام سطوة ضياعنا المشترك؟ وهل قدَرُنا أن نكتفي بلغةٍ مموّهةٍ، غامضةٍ، تُبقي ما بيننا معلّقًا بين الغياب والحضور؟ أأنا مُلزمةٌ أن أنخرط في طقوسه المُبهمة حتى أفقد آخر خيوط ذاتي؟

    تنكمِشُ الأعاصيرُ في حنجرتي وتتآلف مع صمته، ثم لا يبقى في النهاية إلا هياكلُ متهالكةٌ تحاول النهوض من رُكامها. سوف أستقيم، لأرى ما الذي يرقدُ تحت الأنقاض، ليس انتظارًا منّي لأُدفن؛ وليس ثورةً لانتشاله.. بل لأفهم: مَن الذي وضعني هناك أولًا؟

    ***

    وقوفٌ أعزل

    في كلِّ مرةٍ

    أحاولُ أن أقف،

    تتحوّلُ الأرضُ إلى جدالٍ طويل،

    وإلى صراعٍ بلا شهود.

    فأتركُ جسدي هناك،

    وأمضي

    كفكرةٍ

    تائهةٍ في الضباب.

    ما رغبتُ يومًا في الأشياء الهشّة؛

    رغباتي كانت نارًا

    تظنّ أنّها خلاص،

    لكنّها كلّما اشتعلت

    أعادتني

    أثقل

    إلى أسفلِ العالم.

    يقولون:

    الإيمانُ يحتاجُ جذورًا.

    وأنا بلا تربة،

    بلا اسمٍ ثابت،

    أقفُ فوق هويةٍ

    تتغيّر

    كلّما نظرتُ حولي.

    كيف أثق،

    وكلُّ ما يحيطني

    يعلّمني السقوط؟

    كيف أؤمن،

    حين يكونُ الخراب

    هو اللغةَ الوحيدة

    التي يتقنها المكان؟

    كيف لي أن أُثمر

    في أرضٍ

    تعتذرُ عن نفسها

    كلَّ صباح؟

    ____________________

    نصوص: ريناد الرشيدي

  • فاطمة بنت ظافر الأحبابي تكتب:المرأة العربية والميسوجينية الاجتماعية

    فاطمة بنت ظافر الأحبابي تكتب:المرأة العربية والميسوجينية الاجتماعية

    دَأبَتْ المجتمعات البشريَّة مُذ آدمها الأولّ في تسييد تصوُّرات القويّ -صفة القوَّة في تجريد-، ويبدو أنه لطالما اقترنت القوّة مُذْ بدائيّة تصوّر الإنسان عنها بالقوّة الجسديَّة أيْ بالرجل تحديدًا القويّ جسديًّا مقارنة بالمرأة. وقد طال أمد الزمن كثيرًا كي يُنحَّى اقتران مفهوم وتصوُّر القوّة وحصرها فيما هو جسديّ فقط إلى ما عداها، أيْ إلى مدلولات تتّسع فيها رقعة الدلالة مُتضمِّنةً سياقات أخرى.

    والقراءة الفكريَّة والاجتماعيَّة المُعلِّلة هذا التسييد حسب تصوّر عالم الاجتماع الفرنسيّ بيار بورديو في كتابه “الهيمنة الذكوريَّة”؛ تعزو ذلك إلى أنَّ الأسطورة المؤسِّسَة للنظام الاجتماعيّ تُؤسِّس في أصل الثقافة عَيْنها المُتفق على أنها نظام اجتماعيّ مُهَيْمَن عليه مِن مبدأ الذكورة.

    پيير بورديو (بالفرنسية: Pierre Bourdieu) (1 أغسطس 1930 – 23 يناير 2002) عالم اجتماع فرنسي

    ويوضّح قصده شارحًا فكرة أنّ القوّة الخاصّة لتبرير النظام الاجتماعيّ الذكوريّ إنّما تأتيه مِن أنّه يُراكم ويُكثّف عمليّتين: أيْ أنّه يُشرعِنْ علاقة هَيْمنة مِن خلال تأصيلها في طبيعة بيولوجيَّة هي نفسها بناء اجتماعيّ مُطبَّع.[1]

    ويُفهَم مِن تحليلهِ أنَّ طبيعة التصوُّرات الاجتماعيَّة في النظام الاجتماعيّ لأيّ مجتمع في نشوئيّتها الأولى إنّما انبثقت من تسييد تصوّرات الرجل عن ماهيَّة الرجل وحدود طبيعته الاجتماعيَّة، وعن ماهيَّة المرأة وحدود طبيعتها الاجتماعيَّة؛ وأنّ هذا التسييد أو هذه الهيمنة إنّما تجيء مِن فكرة الهَيْمنة البيولوجيَّة أيْ مِن هَيْمنة القويّ جسديًّا.

    وبمعنى أكثر وضوحًا يمكنني القول إنَّ الوعي بما هو جسديّ يبني على الوعي بما هو اجتماعيّ وثقافيّ، والحقّ يُقال إنّ في هذا الارتباط الشَرطيّ سذاجة وبدائيّة إدراكيَّة لا يمكن قبول استمراريّتها في خضمّ محاولة إنسان عصرنا الراهن إعادة إنتاج وَعْيه بالنظام الاجتماعيّ وفقًا لمنطق طبيعته الإنسانيَّة.

    وانطلاقًا مِن هذه التوطئة فإنَّه مِن المُلاحظ أنَّّ لمجتمعاتنا العربيَّة نمطًا سائدًا -للاعتبارات الواردة سلفًا- مِن أنماط السلوكات الاجتماعيَّة السلبيَّة التي تُعدّ جزءًا بِنيويًّا تأسيسيًّا في المجتمعات الأبويَّة والذكوريَّة؛ يتمثَّل في مفهوم الميسوجينيَّة (Misogyny) والذي يعود في أصلهِ اللِّسانيّ إلى اللُّغة اليونانيَّة ويتكوَّن مِنْ مقطعَيْن هُما: (Miso) ويعني الكراهيَّة ومقطع (Gyny) ويعني النساء.

    ويُمكن تحديد المُقابل العربيّ لمفهوم الميسوجينيَّة في: كراهيَّة النساء، أو عِداء النساء.

    وبالعودةِ إلى قاموس بلاكويل لعلم الاجتماع المنشور عام 1995م، (The Blackwell Dictionary of Sociology) لعالِم الاجتماع الأمريكيّ ألان جي جونسون (Allan G. Johnson)، الذي يُوثِّق فيه رصدًا للمفاهيم المركزيَّة للفكر الاجتماعيّ والسياسيّ والفكريّ والحركات المؤثرة في العصر الحديث.

    فقد ضمَّن قاموسه تعريفًا للميسوجينيَّة بوصفها سلوكًا ثقافيًّا يتمثَّل في كراهيَّة النساء لأنهنّ نساء.

    وهي جزء أساسيّ مِنْ مفهوم التحيُّز الجنسيّ والأيديولوجيّ، وتُعدُّ الميسوجينيَّة أساسًا مهمًا لقمع النساء في المجتمعات التي يُهيمن عليها الذكور.

    وتتمظهر الميسوجينيَّة في طرق مُتعددة: بدءًا من النكات مرورًا بالمواد الإباحيَّة إلى العنف، وإلى احتقار الذات الذي تُعلَّم النساء الشعور به تجاه أجسادهنّ.[2]

    ويُمكن رصد تمظهرات الميسوجينيَّة أو كراهيَّة النساء في المجتمعات العربيَّة في ممارسات تقع تحت ما يُمكن اعتباره تواطئًا اجتماعيًّا ضدّهن، إذ إن التصوُّرات الثقافيَّة في المجتمعات العربيَّة التي ترسم قالب المرأة وطبيعة حدودها كعنصر اجتماعيّ، والتي تُعدُّ بالضرورة الواقعيَّة مرجعًا سلوكيًّا للفرد العربيّ؛ تجعل من كراهيَّة النساء جزءًا مِن طبيعة الوعي بالنساء في المجتمع.

    بل يُمكنني القول إنَّ المجتمعات العربيَّة لا تزال في وعيها بالمرأة تنطلق مِن ثنائيَّة “الأم-أو العاهرة”.

    فالمرأة إما أنْ تكون منصهرةً وفق حدودها المرسومة من السُّلطة الأبويَّة-الذكوريَّة أيْ متوافقة مع قالب القبول الاجتماعي الذي يعتبرها أمًّا، أو تكون عاهرة أيْ غير متوافقة مع الحدود المرسومة لطبيعتها في المجتمع -حسب تصوُّر السُّلطة الأبويَّة-الذكوريَّة-.

    وأحد أبرز تمظهرات كراهيَّة النساء هو حضورهنّ في دلالات سلبيَّة ضمن النكات واللغة الساخرة المتداولة لدى أفراد المجتمع العربيّ، إذْ تُحمَّل النساء علّة السلوكات السلبيَّة في المجتمع، وربما يكون مثال قيادة السيارات غير المنضبطة في الشارع ونسبته عادةً إلى المرأة من أكثر الأمثلة الشائعة اجتماعيًّا، إذْ الأعمال الركيكة والرخوة لابدّ أنها تبدو كذلك لأنّ امرأة قامت بها.

    بل وحتى فساد المجتمع يُعلَّل في جذره وفق أيديولوجيا المجتمعات العربيَّة بالنساء، مثلما علَّل الإغريق شُرور العالم بفعلةِ باندورا (Pandora) التي فتحتَ على العالَم صندوق الشُّرور فكانت المرأة عقابًا للبشر.

    ربما لا يتبنّى إنساننا الراهن حرفيَّة الدلالة في رمزيَّة الأسطورة الإغريقيَّة لكنّه يحيا مثيلاتها في تصوّراته الثقافيَّة والاجتماعيَّة باختلاف الرمز والتمثُّل فقط؛ إلَّا أنَّ الذهنيَّة العربيَّة لا تزال تعزو شُرور عَيْشها إلى اعوجاج المرأة.

    وقد درجَ هذا التصوَّر وأمثاله، حدّ شيوعه وبلوغه تصديقًا وفق مراتب بناء الحقيقة في قواعد المنهج للفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت[3]، وأعتقدُ أنَّ الصمت عن تداول مثل هذه الافتراضات أو التصوُّرات التي هي في جوهرها رأي مشوَّه وقاصر يبني منها مع الزمن صورة مفترضة لطبيعة الأمور والأشياء وهذا إشكال خَطِر وشائك لأنّه عَيْث في بِنيَة الحقيقة الاجتماعيَّة.

    “الذهنيَّة العربيَّة لا تزال تعزو شُرور عَيْشها إلى اعوجاج المرأة”

    كما أشير بحرص إلى حضور الميسوجينيَّة في السياقات المعرفيَّة والثقافيَّة، وتحديدًا في عدم الثقة بالنساء المُنخرطات والمُشتغلات في تلك السياقات، ويتجلَّى هذا في قلّة الاستشهاد بآرائِهنّ فلسفيًّا وثقافيًّا وأدبيًّا وحتى اجتماعيًّا.

    إذْ تسود آراء وتصوّرات الرجال وتحضُر في سياقات التداول والاستعمال اللُّغويّ ليس فقط في فضاءات المجتمع، بل حتى في أروقة الجامعات، وفي المحافل الثقافيَّة.

    فالقصديَّة مثلًا، في تضمين قصائد الرجال في المناهج التربويَّة، أو تنظيراتهم في المجالات المعرفيَّة المختلفة والاكتفاء بشُروحات آراء الرجال، وحضور ما أسمّيه بفكرة “النموذج-الرجل” في الدرس المعرفيّ والثقافيّ تُسهِم في إشاعة ما يُمكنني تسميته بمصدريَّة الرجل المعرفيَّة والثقافيَّة، وهو برأيي انعدام للموضوعيَّة والنزاهة المعرفيَّة فضلًا عن كونه انحياز ضمنيّ ضدّ جدوى المجهودات النسائيَّة في البناء المعرفيّ الإنسانيّ؛ ما يُمثّل ممارسةً فعليَّة للميسوجينيَّة.

    كما أنّ هناك تمظهرات أكثر جلاءً يُمكنني تشعيب تفصيلاتها في مقالة أخرى.

    وقد عَمَدتُ إلى رصد مفهوم الميسوجينيَّة والتعريف به ورصد بعض الممارسات الاجتماعيَّة التي تُمثّله؛ لأنّه برأيي لا يزال أحد أبرز الإشكالات الاجتماعيَّة التي تُعانيها المرأة في مجتمعاتنا العربيَّة. وفي منحًى منهجيّ فإنّ الإشارة إلى المُشكِل وطبيعته لابدّ أنْ تكون جزءًا أوليًّا مِن حلّه.

    إضافة إلى أنّ المجتمعات العربيَّة تشهد حالة متفاقمة مِن التأزّم المعرفيّ والثقافيّ والاجتماعيّ والأخلاقيّ، الذي يُغوِّر مِن ممارسات الظلم المجتمعيّ (Societal Inequity)؛ ما يوجب ضرورة الخوض فيها والوعي بها وبكيفيّات تفنيدها.

    الكاتبة فاطمة بنت ظافر الأحبابي

    [1] بيار بورديو، الهيمنة الذكوريَّة، ترجمة: سلمان قعفراني، المنظمة العربيَّة للترجمة، بيروت، 2009م، ص40، 45، 46.

    [2] Allan G. Johnson، The Blackwell Dictionary Of Sociology، Blackwell Publishers Ltd، 1995، P: 179.

    [3] يُنظر: مقالٌ عن المنهج، رينيه ديكارت، ترجمة: محمود محمد الخضيري، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، 1968م.

  • عينٌ ثالثة تحدّق من الداخل – آيسون

    عينٌ ثالثة تحدّق من الداخل – آيسون

    أعيش كما لو أن على كتفيّ كاميرا خفيّة، ليس لأنني أرغب بالظهور بل لأنني أعرف أن كل شيء يُسجّل ضدي

    حتى محاولاتي في أن أبدو طبيعيةً؛ محسوبة.

    ابتساماتي، عدد مرات استدارتي المفاجئة، عدد المرات التي يدخل عليَّ أحدهم بشكل طبيعي وأرتدُّ كما لو أنني كائن لم يُهيأ لحضور إنسانٍ آخر في حياته. في تلك اللحظة، لا يخيفني الدخول بل يخيفني أنني لا أزال أنتفض

    وأنني رغم كل ما تعلّمته ما زلت أبكي عليّ في داخلي؛ كمن يرى طفلًا جفل من صوت النافذة، ويعرف أنه هو ذاك الطفل لكنه لا يستطيع ضمّه.

    وجعي لا يأتي من الخوف، بل من أنني ما زلت قابلة للارتعاش.

    ما زلت لا أحتملُ العالم إذا دخل عليّ دون موعد، ما زلتُ أعيشُ على الهامشِ بين الاستعدادِ والانهيار.

    القلق ليس حالةً أقاومُها، بل هو الكائنُ الذي يسكن معي، ليس في رأسي فقط بل في ترتيب أثاث غرفتي، في اختياري لأي طريق أسلك.

    كنت أظن لوهلة أن الانشغال يطفئه وكدّست يومي عن قصد عمل، مهام، علاقات سطحية،رسائل مؤجلة، مكالمات، خطط متقاطعة

    كلها كانت أكياس رمل ضد طوفانٍ لا أراه لكنّي أعرف أنه قادم حتى لحظة النوم، ظننتُ أنها ستكون مكافأتي، لكنَّ الذعر كعادته لا ينسى موعده.

    كلُّ شيء ساكن. الغرفةُ مظلمة بالحدّ الذي يشبه رحمًا ناعمًا، والهواء باردٌ كفاية لتهدئة صدري.

    نمتُ كأنني أنتمي أخيرًا إلى شيء ثم فُتح الباب صوت بسيط غير مهم صوت تمدّد خشب أو باب جار لكن في رأسي ذلك الصوت كان إعلانًا عن انقراض شيء ما أستيقظت على نفسي لكنها لم تكن أنا كنت جسدًا يحاول أن يتذكّر اسمه أن يقنع قلبه أن كل هذا مجرد حلم لكن لا شيء كان حُلمًا كل شيء كان حقيقيًا بما يكفي ليرتجف اليد ليست يدي والهواء ليس هواء،العالم أنكمش إلى فتحة باب والصوت العاديّ تحوّل إلى حيوانٍ ما قبل التاريخ يتشمم رعبك خلف الستائر

    القلق شبحًا لا ينام وأنا أصبحت لا أثق بالأمان الذي يُمنح بعد تعب لأن جسدي تعلّم أن اللحظات التي أسترخي فيها هي ذاتها اللحظات التي ينقضّ فيها الذي لا اسم له

    الحياة تحت وطأة القلق لا تُعرَف من الخارج تُرى منظمة، مرتبة، غالبًا مبتسِمة

    لكنها في الحقيقة، تشبه شخصًا يربط حذاءه بعناية لأنه يظن أنه قد يُطلب منه الركض في أي لحظة للهروب.

    أحضّر لكل لقاء حوارًا، لكل إجابة بدائل، ولكل وداع سيناريوهات هروب.

    القلق بالنسبة لي ليس موجةً عابرة؛ هو الماء الذي وُلِدتُ فيه ولم أعرف اليابسة بعد.

  • الصوتُ حارسًا للذاكرة – إيمان الشنيني

    الصوتُ حارسًا للذاكرة – إيمان الشنيني

    قراءة في رواية: إلا جدتك كانت تغني، للروائية الإماراتية صالحة عبيد حسن

    في رواية” إلا جدتك كانت تغني “تُطرحُ فكرة وعينا بحضور الغائبين أو بعبارة أخرى خلودهم في الذاكرة، التوق للخلود كرغبة وجودية أصيلة تلح علينا تبرز معالمها من خلال سلسلة من حكاياتٍ تتقاطعُ جميعُها في مجال واحدٍ هو علاقة الإنسان بالمكان ورغبته في الخلود، كلُّ الشخصيات المحورية في الرواية حملت بداخلها جذوة القلق الذي كان يحرضها على ترك أثرٍ ما تَخلُدُ به، فتناسلت الحكايات من جيلٍ إلى جيل منحدرة ًمن رحم الحكاية الأم: حكاية الجدة التي كانت تغني.

    تمهدُ صالحة عبيد لروايتها بعبارة لبورخس تُبرز مفهوماً جوهرياً تنهض عليه الرواية : ( الموسيقى ذلك الشكل الغريب للزمن ) وهو بالضبط ما فعلتهُ الكاتبة في روايتها حيث  كانت الموسيقى هي الإطار الذي قدمت لنا من خلاله تصوراً عن دبي منذ السبعينات وحتى الألفية وهو تصور قائم كلياً على الذاكرة الغنائية للمدينة وعلى الصوت وتحولاته بداية من النهمة الصوت الأكثر رسوخاً في ذاكرة دبي لإرتباطه بحياةٍ كان للبحر فيها سطوة كبرى كمحور تدور حوله التجارة و العمل  وحياة كثير من العوائل  قبل أن يتراجع دوره إثرَ مزاحمة الحوائط الإسمنتيّة له وتحوله إلى خلفية تاريخيّة للمدينة مروراً بالغناء الشعبي في الأعراس بنماذجه المختلفة ثم الأغاني المحلية  فنمرعلى مراحل تطور الأغنية الإماراتية وأبرز الأصوات التي شكّلت ذاكرة الفن الإماراتي .حيث رصدت الكاتبة عبر السرد امتزاجَ الموسيقى بالحياة من خلال مراحل التطور الغنائي ومواكبته للتحولات المجتمعية في دبي .

    ولأن الأغنية هي الأقدر على الخلود فقد كانت الوسيلة التي من خلالها تُبَثُّ الحياة مجدداً في جسد الذكريات؛ إذ تتوفرُ في الصوت إمكانيةُ الاسترجاع والتكرار وتجدد الحدوث على الدوام مما يُبقي الذكريات حيّةً متجددة. فمتى يَصدُرُ الصوت تنبعث الذاكرة.. الصوتُ خالدٌ.. يحضر فتحضر الذكرى. ومن هنا فالرواية ليست إلا فعلَ إحياءٍ لذاكرة المكان من خلال تتبعِ حكايات ساكنيه التي صدحوا بها في حياتهم وبقيتْ عالقة في تفاصيل ِالأمكنة بعد رحيلهم.

    تبدأ الرواية في بيت من بيوت الثمانينات الميلادية في دبي ، حيث تعود الحفيدة للبيت القديم مستودع الذكريات لتبحث فيه عن صورة لوالدتها .و لكن البحث يقودها لاكتشاف ذاكرة أكبر وأعمق من حدود الصورة  حين تستشعر حضوراً أثيرياً يربطها بصوت شاهين الغائب الحاضر وتبدأ بينها وبين صوته علاقة تمتد لتكشف ماضي ذلك البيت ،تنساق خلف الصوت من أجل استحضار ذاكرة المكان وتعود بالقارئ لجذور الحكاية وهنا تتوطد علاقتها أكثر بالمنزل القديم وقصصه ويصبح المكان بما يضخّهُ من ذكريات إرثاً لا تريدُ له أن يندثر وذاكرة ًخاصة بها يتداخل فيها أكثر من ماضٍ و أكثر من صوت تنتمي له وينتمي لها ، لذلك يدفعها الشغف والفضول لتمضي في تتبعِ أجزاء حكاية شاهين التي تبدأ من دبي وتقودها إلى جدة وبودابست. ومن هنا أُتيحَ للكاتبة أن تتعمق في طرح الجوانب الفلسفية العميقة التي تجمع بين الذاكرة والمكان والصوت وتنويعاتها التي تربط بين ذاكرة الإنسان الخاصة وبين الأمكنة التي تُبعثِرُهُ مُأَرقاً وساعياً في فسحة العمر القصير أن يترك وراءه شاهداً ينقذه من الفناء. فكان شاهين هو الصوت / الأثر الذي يتردد من عمق ذاكرة المكان ذلك أن صوته هو وسيلة حضوره الدائم المتجدد ما يضمن خلوده في الذاكرة، عن هذا التجسد للغائب من خلال استرجاع الأثر ( الصوت) ،  إنه ذاتُ المبدأ المُكَوِّن لشخصية شاهين منذ طفولته واستمر حتى بعد موته بتجسّده ذاكرةً لا تتجلى إلا من خلال الصوت الذي يروي الحكاية.

    والحقيقة أن الرواية لا تحتفي فقط بالموسيقى بل تذهب الكاتبة عميقاً في رصد مآلات حاسة السمع بأبعادها الواسعة وتأثير الصوت على الروح و الجسد من ذلك التراتيل و التلاوة على مقامات مختلفة و الطواف كفعل جسدي يسير على إيقاع الذِكر والتسبيح بل وحتى الموسيقى الكونية في الطبيعة ، فكل ما يُسمَعُ ويلامس الروح ينتجُ عنه ردُّ فعلٍ جسديٍ يعكس ذلك الشعور ،من هنا تأتي استجابة الجسد لأثر الإيقاع في الروح ، وهو ما جسدته الشخصيات في الرواية لاسيما شاهين أكثرالشخصيات تشبعاً بالإرث الفني لعائلته ، العائلة الممتزجة بالنغم والإيقاع والتي اختلفت عن غيرها من شخصيات المجتمع لكونها شخصيات مُرهفة وقلقة وحساسة ، تخضع لرهافة النغم وتستجيب له روحياً وجسدياً : ( المرونة التي تحرَكَ بها جسده جعلتني أشعرُ بأنني أستطيع أن أرى روحه صافية خلابة لا يحدها تصلّب الجسد وماديته)  نرى بذلك أن الخفة التي يفرضها الغناء على الروح تجعلها تسمو على القيد بل وتتخطاه في أغلب الأحيان، سواء أكان قيد المجتمع  أم الجسد الذي يتخفف و يتحرر من ثقله وماديته بالتمايل و الرقص وكلاهما -الغناء والرقص- مما ينكره المجتمع رغم انصياعه الفطري له، لذلك كانت الجدة عذيجة  -تماماً كما يشير لها عنوان الرواية- استثناءً عن محيطها ( إلا جدتك كانت تغني)، فالرواية إذاً احتفاءٌ بسلسلة من الشخصيات التي شَكَّلَتْ استثناءً عن السائد والمألوف في محيطها على توالي الأجيال ، فمروان كان مختلفاً حين فضّل العمل كنوخذة في زمن هُجرت فيه تلك المهنة وكان مختلفاً حتى في رحلته إلى الحج التي خرج إليها منجذباً للصوت والإيقاع وعاد منها بمخزونٍ موسيقيٍ كبير،  وزليخة كانت استثناءً بزواجها وهي “ابنة الطقاقة ” من ابن عائلة العابر الوجيه والتاجر الذي وجد فيها اختلافاً يجذبه في حين بقيت هي في أعين المجتمع نكرة و مرفوضة ، ونورة أيضاً مثّلت استثناء كونها تعرف الكتابة في مجتمع يعمه الجهل وبنظرتها العميقة لما وراء الوجوه و الأشياء حولها لاسيما إدراكها العميق لفكرة العمر و الموت ما أسبغ عليها سمة الغموض ، وتتجلى الفكرة بتركيز أكبر في شخصية شاهين الذي تشربت روحه هذا الإرث الفني وراكم العذوبة في صوته منذ نشأ في كنف جدته  شغوفاً بالغناء والرقص في وسط يعتبر ذلك عاراً ونقيصه وإساءة لتاريخ عائلته العريقة.                   

    وقد مثّل إنكار قيمة الموسيقى والغناء موطن الصراع الرئيسي في الرواية إذ أن المُغنّية كما جاء على لسان زليخة: ( ضرورية ووضيعة في الوقت ذاته ..فالجميع يريد المغنية في الأفراح ولا أحد يذكرها فيما عدا ذلك، هي دائماً مقصية وبعيدة وفي الأسفل..)، تلك المكانة التي خلقت ارتباكاً وقلقاً امتد عبر أجيال .الأمر الذي يعكس تناقضاً صريحاً بين ما جُبلت عليه الروح من أَنسٍ بالنغم وبين المكانة الاجتماعية الوضيعة التي يُدرج ضمنها من يمارس الغناء .لذلك نُبذت عذيجة و سلالتها التي يسري في عروقها حب الطار و المزمار كلعنة كان لابد من تبديدها ، وبالرغم من أن الغناء كمظهر اجتماعي مرتبط بالأفراح كان مقبولاً إلا أنه اقْتُرِنَ دائماً بالخزي حتى بداخل عائلة عذيجة نفسها و التي تحرجت ابنتها زليخة من هويتها وكانت تأمل أن تبتُرَ هي تلك السلسلة وألا يسري الولع باللحن في عروق ابنها شاهين ، ذلك الحرج هو تحديداً ما دفع بشاهين إلى أحضانِ جدته أكثر فأكثر فشُغِفَ بالموسيقى وخلف جدته في الغناء حتى ذاع صيته، بل وسمح لنفسه بأن يعبّر عن ذلك الولع بجسده  الأمر الذي حشد ضده مزيداً من  الكُره وتعاظُم شعورِعائلته الممتدة  بالعار، عندها يبلغ الصراع في الرواية مداه حين يلجأ ابن عم شاهين لمحاولة إسكاته برصاصة لإنهاء تلك الحكاية للأبد، في مشهدٍ صاحَبَهُ توترٌ دراميٌ عالٍ يكشفَ عن خلل مجتمعي في تعريف مفهوم العار وما يصاحب الموسيقى وأجوائها من رفض وخزي إلا أن الصوت يجد سبيله للعودة رغم رحيل شاهين الذي كان موته صاخباً ومُدوّياً تماماً كحضوره فاستمر الصدى الذي تركه خلفه بالتردد والأثر بالبقاء شاخصاً في وجه الغياب.وهكذا نجد أنه إبتداءً من الجدة عذيجة لمروان وشاهين، وانتهاء بالفتاة الساردة للرواية، كان الكل يهيم باحثاً عن مساره الخاص في هذا الكون وعن سبيله للخلود في ذاكرة الأيام وما فعلته الرواية هو أن منحت أولئك الهامشيين صوتاً وذاكرة .

    الكاتبة صالحة عبيد حسن

    لم تبتعد صالحة عبيد عن مجال الحواس هذه المرة أيضاً، فبعد روايتها “دائرة التوابل” التي كانت حاسة الشم فيها محوراً تلتف حوله خيوط السرد، تخوض بنا في رواية” إلا جدتك كانت تغني ” نطاق الصوت والاستماع بكل تنويعاته، ولا يمكن لرواية بُنِيَتْ على مفهوم مُركّب وحيوي كهذا أن تأتي رتيبة أو خافتة، فكان أن منحتْ السرد إيقاعه الخاص فبدأ أول ما بدأ هادئاً يتناسب ومقامَ الحنين للماضي، ثم أخذت وتيرته في التسارع والاضطراب كلما تعمقنا أكثر، وكلما اقتربنا من صلب الحكاية اشتدّ وتكثف حتى بلغ ذروته في الفصول الأخيرة منها فغدت أكثر إيجازاً و تكثيفاً و وارتفعت فيها  شِعريّة اللغة كما غلب عليها الطابع الدرامي حتى ليكادُ النص يجاري النص مسرحي في دراميته .

    هذا التماهي بين مبنى الرواية ومضمونها كان ملائماً تماماً لطبيعة الموضوع، فتعدد مظاهر الصوت وكذا تعدد الرواة والأماكن والرؤى جعل السرد في أغلب مواضعه أشبه بجوقة من الشخصيات التي تصدح بين سطور الحكاية لتعلن عن حضورها المتأرجح بين الواقع والافتراض وبين الخلود والفناء. ويمكننا أن نجمل القول في أن الغناء كما قدمته الرواية لم يكن نغماً سارياً فحسب ولا وقعاً عابراً على السمع، بل هو حضور فعلي متجذر في المكان والزمان، إنه الجسر الذي عبره تمر الشخصيات إلى فضاء الوجود وتضمن خلودها في الذاكرة.

    *قراءة بقلم: إيمان الشنيني

  • أحمق يربي غابة وقصائد أخرى – عبد الناصر باسل

    أحمق يربي غابة وقصائد أخرى – عبد الناصر باسل

    رغبة

    تورّدُ نهديكِ في الليلِ/نهرٌ يرسّخُ إيمانه بالمصبِّ/

    افتتانُ الغزالِ بصيّاده / نحلةٌ تتماهى مع الورد / بابٌ يحنّطُ كفّ الحبيبةِ/ إيمانُنا باشتعال العناقْ

    خلافٌ طفيفٌ مع الحبِّ/ أغفو على صدرها عاريًا/

    يشرَقُ الوقتُ من حولنا/ نستعيرُ البدايةَ ساخنةً/

     نخلعُ الروحَ لا وقتَ للشّعرِ/ نمشي إلى رغبةِ الغيم يكبرُ فيه المطرْ

    غُربةُ الماء في البحرِ/ طعمُ المسرّة في الحربِ/ خوفُ التورطِ في الشّعر/ نوستالجيا في البلوغ الغريبِ/ التسكّعُ في كوب شايٍ / تردّي الحياةُ بأضدادها

    في كهوفِ اللغةْ

    متعبٌ من تورّدِ نهديكِ وحدهما كنتُ أعني.

    أحمقٌ يربّي غابة

    ( إلى من أصرخُ، فيُعطيني المحيط؟)

    أنسي الحاج

    يتساقطُ على شاطئ (سلفادور دالي)

    ويعبثُ بالفوضى المرتّبة..

    هذا الخارجُ ليتسوّل الألوان في معمل الخلق

    سائحٌ قذر، يركلُ الرمل 

    لينتصر على بنت العاشرة وهي تشيّد بيتًا صغيرًا 

    فيتعانقُ والداها الغريبان.

    الساعة الآن : دقيقةٌ

    وهو معطّلٌ عن الوقتِ

    يخرجُ في بواقي الوجود مع التربة الزائدة

    ينادي على البحر..

    كل البّحر

    يغرق على الشاطئ متأثرًا بالجنونْ

    الجسدُ : المتاهة 

    أين يجدُ حبيبته؟

    في الموسيقى النافرة 

    وهوُ يجلسُ الآن 

    يضيفُ للكلمات معجمًا جديدًا 

    يروّض اللغة.. لغته هو وحده

    ويسرحُ في (انت فين والحبّ فين) 

    يبكي متأثرًا بجنونه ويتكئ على زوبعةٍ وشيكة في النص  لينتصر.

    عِنادُ الآلهة

    يكبرُ عنادُ الآلهة

    في مواويلِ الحرب،

    شِلوٌ هناك يُترَك وحده

    هكذا تريدُ الآلهةُ إدارة المواجع الحتمية،

    تخرجُ إلى الحديقةِ بقيّة الأشلاء

    في نزهةٍ وجوديةٍ، تُفتّشُ عن أغاني الملكوت 

    كالذي يبحثُ عن قبرهِ في وجوه الآخرين 

    تسكنُ الآلهة البحرَ 

    أيُّ بحرٍ هذا الذي يخون الملح!!؟

    يتجاسرُ على التاريخِ

    مثل إقطاعيٍ مخذول

    يقيمُ حفلًا للغرقى 

    يشربُ زبدهم نخبًا لانتصاره المروّع

    هذا البحرُ 

    كان يومًا ما 

    نهرًا يافعًا يمشي في أروقةِ البيت 

    يغسلُ أطفاله 

    وتشربُ منه عائلةٌ

    أصابتها لعناتُ الآلهةِ التي

     تسكنُ

     هذا

     البحر.

    ثلاثة غرباء في الليل

    (ثلاثة غرباء/1)

    كأسا نبيذٍ

    كرسيّان من خشبٍ مغدور

    ظلّها 

    وأنا

    عجوزٌ يقرأ جريدته اليوميّة

    ودمٌ سالَ على تختِ الغريب.

    (نبيٌ سقط عن الحصان/2)

    لم يعدْ لي أيُّ دورٍ 

    في الوجودِ

    يبدو أنه صارَ نبيًا مثلها 

    لعله اعتنى بدموعها هذه المرة 

    قبّلها قبل أن تبكي 

    وحضّر وجبتين لهما 

    أطعمها بيديه كأنّه تذكّر معنى الحبّ

    كل ما في الأمر 

    أنّني الذي صيّرتُه نبيًّا

    (سرير دافئ بالدموع/3)

    هي..

    شؤونك الجنسية أعرفها جيدًا

    يا حبيبي الغريب

    غرامياتك، نشوة إحداهنَّ، دمعي الذي قد يصيبُ وسادتك أعرفها جيدًا 

    يا حبيبي الغريب.. أحبّك 

    لكن إذا جُرحِت إحداهنَّ ..

     قل لها 

    “سخيفةٌ أنتِ مثل زوجتي “

    كي أطمئنّ.

    (حوار/4)

    في السرير 

    ينامُ

    وتبكي

    وينظر الله لها: 

    تريدينهُ مقتولًا ؟

    لا، 

    فلينم مع جميع الجميلاتِ

    وليسكر من أفواههنَّ.. وقبل أن يعود إلى البيت يشتري وردةً لي

    يمزّقها قبل أن يدخل

    ثم ينامْ.

    أحبُّكِ

    (إنها الفائية التي تخبّئُكِ للأبد..)

    كما في الخيالِ استراحَ الوضوحُ

    وضجّ الخيالُ بطعمٍ خفي

    لقيتُكِ خائفةً في الطريقِ

    وكل حواسي تنادي:

     قفي… 

    وما بيننا شارعٌ مستحيلٌ

    طويناه في عشقنا المرهفِ

    أهمُّ لأحضن فيك اشتباكَ

    النسيم على رقّةِ الشرشفِ

    فيجرحكِ الليلُ بالذكرياتِ

    كما يُجرَحُ الفنُّ في المتحفِ

    وأسمعُ في دمعةٍ لا تطلُّ

    ارتجافَ الحنايا من الموقفِ

    تخافينَ من عابرٍ مرّ يومًا 

    على ناهديكِ ولم يغرفِ

    (فتبّت يداهُ) فقد ضاع عمرًا

    وما ذاقَ من لهفة (المصحفِ)

    أحبّك غامضةً كقصيدة نثرٍ

    إلى الآن لم تُكشَفِ

    أحبّك جامحةً كالنوايا اللذيذات

    في جسدٍ مُدنَفِ 

    أحبّكِ.. 

    كاملةً كالتماعِ البلاغة في أوجه الأحرفِ

    أحبّك..

    كاملةً، لستُ أعرف..

    كم سأحبُّكِ كي تعرفي

    ــــــــــــــــــ

    *نصوص: عبد الناصر باسل

  • إلى ماري، بريد مسجل بحب الوصول

    إلى ماري، بريد مسجل بحب الوصول

    ستة قصائد بريدية من الخزام إلى الكاميكازي ماري

  • محمي: بريد الليل من خزام إلى ماري

    محمي: بريد الليل من خزام إلى ماري

    هذا المحتوى محمي بكلمة مرور. لإظهار المحتوى يتعين عليك كتابة كلمة المرور أدناه:

  • من الخليفة إلى الدجاجة: تحولات الأبوة بين الرواية والسينما – هند الحسن

    من الخليفة إلى الدجاجة: تحولات الأبوة بين الرواية والسينما – هند الحسن

    مقاربة بين رواية ” تاريخ موجز للخليفة وشرق القاهرة ” لشادي لويس وفيلم  “ريش” لعمر الزهيري 

    ماذا يحدث حين يتحول العنف من صراخ مدو إلى صمت خانق؟ 

    حين تصبح الأبوة نفسها ، التي يفترض أن تكون ملاذاً ، مصدراً للخوف ، ثم تتلاشى تاركة وراءها خواءٌ يتسرب إلى كل شيء؟ . في هذه القراءة نتتبع أثر العنف وتعرية صورة الأب تحت وطأة العنف الكامن ، لتكشف عن عالم مأزوم فقد إيمانه بالسلطة والحماية. العنف ، لا في مظاهره الجلية فحسب. بل في تشظية داخل الذاكرة واللغة والصورة، محاولة أن تقارب المسافة الفاصلة بين الأب الغائب والعالم المنهار .

    الأب بوصفه ظلاً غائباً :

        لطالما شغل ” الأب ” موقعاً مركزيا في المتخيل الأدبي والسينمائي ، بصفته حارس النظام الاجتماعي ورمز الحماية . إلا أن تحولات الواقع العربي، بما يحمله من خيبات وانكسارات ، انعكست على صورة الأب لتعيد تشكيلها في أشكال متصدعة وهشة. في رواية “تاريخ موجز للخليفة وشرق القاهرة” (2019) لشادي لويس و فيلم “ريش” (2021) للمخرج عمر الزهيري ، يحضر الأب بوصفه غائبا أو متلاشيا ، حيث تتحول الأبوة إلى عبء وتفقد مركزيتها الرمزية، كاشفة بذلك انهيار العالم القديم وانسداد الأفق أمام الأفراد. 

        في رواية شادي لويس ، تظهر صورة الأب عبر ذكريات الابن المبعثرة ، التي تتردد على لسانه كسارد للأحداث . يروي علاقة متوترة، ملغومة بالخوف والرفض، بينه وبين والده، إذ يقول في أحد المقاطع: 

          ” كنت سعيداً أننا رحلنا، فلم يكن هناك ما هو أكثر مرارة من حياة تحت التهديد المزمن، 

             العيش مع الخوف من أنه سيرمينا زي الكلاب في أنصاص الليالي، كما يقول -بابا-“. 

    أما في فيلم ريش ، فالمشهد المحوري الذي يتحول فيه الأب إلى دجاجة خلال حفلة عيد ميلاد ، دون أن يعود بعدها إلى هيئته البشرية، يشكل ذروة السريالية التي يعتمدها الزهيري. يتحول الأب من كائن فاعل إلى رمز حي للعبء : دجاجة عرجاء تتطلب رعاية دون أن تقدم دعما .

    هنا تبرز مفارقة حادة: الأب موجود جسديا لكنه ميت رمزيا. هذا الانقلاب السريالي لا يُفسر ، مما يزيد من قسوته وسخريته .

       غياب الأب في العملين لا ينحصر في العلاقة الأسرية فقط، بل ينسحب على المشهد الاجتماعي كله. 

    في الرواية، توازي هشاشة علاقة السارد بأبيه انهيار القاهرة، حيث تصف الرواية المدينة كمساحة قذرة متداعية، بعماراتها المتآكلة وشوارعها المنهكة: 

       ” كان شارعنا يقف على خط يقسم عالمين، فالحي الذي قيل إن شركة سويسرية قد أهدته لعبد الناصر  في نهاية الخمسينيات ، جلب العمران لصحراء عين شمس ، وهتك ذلك الحاجز الطبيعي ، الذي -ولوقت طويل- ترك عمدا ليفصل مصر الجديدة عن المطرية وامتدادها الريفي. كانت مساكن الحلمية خليطا بين الاثنين، أو منطقة عازلة للهدنة بينهما ، أو على الأقل تقدير عتبة للولوج من عالم إلى آخر تماما. (…) برر ذلك لوالدي أن يدعي أمام المعارف البعيدين بأن الحوائط الحاملة ذا الدورين، الذي نسكنه بحديقته الخلفية وشرفته الاسمنتية ، هو فيلا . وكانت أمي أحيانا ما تدير رأسها وتمصمص شفتيها، هامسة في تبرم: ” المساكن الشعبية بقت فيلا برضو!”.

    بالمثل في ريش تعاني الأم في صمت مجتمع بارد وخامل ، حيث لا يقدم لها أحد يد العون بعد غياب الزوج. على العكس يعامل الفقر كأمر طبيعي لا يستدعي الثورة أو الغضب. في أحد المشاهد اللافته، تذهب الأم باحثه عن عمل، لتجد نفسها في مصنع متداع تستغل فيه النساء بأبخس الأجور، دون أدنى شعور بالكرامة. 

    غياب الأب هنا يكشف عن بنية اجتماعية قاسية لا ترحم الضعفاء. 

    السرد مقابل الصورة : 

    تستخدم رواية لويس لغة سردية مشبعة بالتهكم والمرارة، تجمع بين الاعتراف الشخصي والتأمل الجماعي . 

    تتكرر إشارات السارد إلى إحساسه الدائم بالخذلان ، ليس فقط من والده المتغطرس والطاغية، بل من كل أشكال السلطة التقليدية: المدرسة، الجيش، الوطن. يقول في لحظة يأس:

    ” لم تعد الكلمات هي الأشياء ذاتها كما كانت، كن فيكون، أضحت صوراً لا تشبه الأصل إطلاقاً، رموزا متفقا عليها بما يكفي لأن نفهم بعضنا بعضاً، بالكاد، وعلى وجه الظن. (…) والتأويل أصبح لازماً ، و تقريبياً، وموضعا دائما للشك الذي يجلب معه الحاجة إلى المعاجم والمعلمين والشعراء ورجال الدين والشرطة، وبالطبع، ومن هنا، ولدت البلاغة والكذب كتوأم “. 

    في المقابل يعتمد الزهيري في ريش على السرد الصامت والبناء البصري الثقيل. اللقطات الطويلة، الإضاءة الخافته، والألوان الباهتة، كلها وسائل تكثف مشاعر الاختناق والغياب . 

    غياب الحوار أو تفسير الأحداث يجعل المشاهد يتماهى مع حالة الأم : الحيرة، الذهول، والبحث عن مخرج بلا جدوى . 

    الأب كظل لا يرحل: 

    في الرواية كما في الفيلم لا يغيب الأب تماما . بل يبقى ” ظلاً ” يطارد الشخصيات. 

    في رواية لويس ، تستمر ذاكرة صوت السارد في استدعاء صورة الأب حتى بعد موته، كجرح مفتوح لا يندمل. 

    وفي ريش ، حتى بعد تحول الأب إلى دجاجة مهملة، تظل الأسرة محاصرة بغيابه، كأنما عبء السلطة القديمة لا يختفي بل يتحول إلى طيف خانق .

    في كلا العملان تتحول ثيمة الأب من مصدر للقوة إلى علامة على الانهيار. ويطرح شادي لويس وعمر الزهير ، كل بأسلوبه ، رؤيتين سوداويتين لواقع مأزوم ، حيث الغياب أكبر من الحضور، والخلاص يبدو بعيداً و شاقاً.

    ــــــــــــــــــــــــــــــ

    *هند الحسن – السعودية

  • هذيان السيد صفر – فواز السلامة

    هذيان السيد صفر – فواز السلامة

    هل رأيتموه؟

    ذاك المنبوذُ رميًا في غيابة الجب

    المنفيُّ قسرًا عن مرعى الجُفاة

    قيدُ شمسِهِ بيدِ الأيام

    والصمت..

    وطيفُ مُحبٍ..

    وشعلةٌ تتعالى

    على لغةِ الذئابِ والشياة

    هل رأيتموه؟

    كشمعةٍ، تتوسلُ الريحَ 

    كي تحن

    صورُهُ تتعاقبُ في عيونكم

    وتختفي بينَ لسانٍ وشفاه

    في لحافِ الليل

    وشقوقِ الجدرانِ المنسيَّةِ لأهدابكم

    تجدوه

    يرتمي بحضنِ الخفاء

    وصدورِ القساه

    ***

    زمنٌ مهجور

    يابحرَ الخوفِ أما من بر

    اليمُّ غدا شغفًا أبتر

    ياسورَ الموجِ أنا حلُمٌ

    بالفجرِ الراسخِ لا المعبر

    الأمسُ سنينٌ مهجورة

    شيَّدها قلقٌ لا يفتر

    قد خطَّ حدودًا لأماني

    وفناري الغائبُ لا يظهر

    لا أمسٌ بسموٍّ يزهو

    والحاضرُ في غده يحضر

    ***

    لأحبَّائي الناصحين

    لا تصنع لي مرآةً لم أطلبها

    لا تنبش لي شناعةً لم أدفنها

    لا تشرب مآساتي لتتقيأها عليَّ.. أرجوك

    أودعت الحفرةَ صمتًا مسبوك

    فعلامَ بنانُكَ لها يُشير

    ولسانُكَ في قعرها يلوك

    دع القبورَ لأهلها

    واستودع فراغًا يتداعى

    ونولَ أقدارٍ يحوك

    ***

    هذيانُ السيد صفر

    أخونني دائمًا لأنني أريد

    يحتويني سرابُ المتناقضات بذراعي!

    لأظلَّ محلقًا مع ضياعي

    كمؤنسِ وحشةٍ فريد!

    أجوبُ أقاصي القصصِ مختفيًا هائمًا

    وأكتنفُ صمتي

    متسللًا خلفَ الصورِ

    واجمًا حينًا

    وحينًا باسمًا

    بينَ تعيسٍ بقناعاته وسعيد

    كنسجٍ فوضوي ناقص

    مستشعرٍ في نقصه الحي بين أموات

    ومتراجحة في حنايا كِيانه كلُّ قممِ الصفات

    المتوجة بقولٍ منكرٍ عند قوم

    وآخر سامٍ في دلالاته ومجيد

    ***

    وصية غريبٍ لأقرانه

    أنا مثلك أيها الغريب

    لا أعرفُ كيف أبكي؟

    ولمن؟

    ولماذا وُجدَ النحيب؟

    صمتي شفيعُ الفراغ

    والغربة

    وكليم الأمس والحاضر

    والزمن السعيد والكئيب

    للبلادةِ أوجه بوصلتي

    فهي الأمينُ لكلِّ أهوائي

    وسمير الروح القريب

    كن صوت الغرباء

    غريب الأصوات

    الداني البعيد من كل التقاة

    صديقُ صدقهم..خصيمُ فجورهم

    مجانب عتههم

    ولك من جذوة إيمانهم نصيب

    *نصوص: فواز عبد الرحمن السلامة

  • صلواتُ الخزام لوجه الشجرة المقدَّس – ماجد الفهمي

    صلواتُ الخزام لوجه الشجرة المقدَّس – ماجد الفهمي

    إلى ماري..

    ترانيم .. 

    يبدأ العشب المذبوح 

    على قربان القصيدة بالنداء للصلاة 

    وتهيم السماوات خشوعًا ووجلًا 

    يتقدمُ الخزام إلى المحراب 

    ويخطب خطبة الوداع 

    أيتها البحار 

    من تخثر الدمُ في أحشائك

     حتى وُلد المحار 

    أيتها الظباء 

    يامن وهبتِ للشمس زهرة الخلود

     على كتف القمر الأخير كانت هنا 

    طفلةً تسرق من الفصول كل الفصول 

    يُحبها الربيع ويعِدُها بكل أشجار السهول 

    لوجهكِ بلسم الوجود الأول 

    لوجهكِ المعتكف في ذكريات الدم 

    لوجهكِ الساكن في غيهب الشمس 

    لوجهكِ الميت عرجون الحياة 

    تيمّموا أيها النخيل

     إصطفوا أيتها الفراشات

     لنبدأ الصلاة.

    خزام

  • الخوف هو الوجه الآخر للرّغبه – آيسون

    الخوف هو الوجه الآخر للرّغبه – آيسون

    أحيانًا تكونُ الغرابة في الأشياءِ التي نحبها حين نقف على عتبة ما نريد وأيدينا تمسك بالباب لكنّنا لا نفتحه. نكتبُ عن أحلامنا وكأنها وُجدت فقط لنبعد عنها، نتحدثُ كما لو كانت بعيدة، نتخيّلها، نتمنى أن نصل إليها، لكن عندما نقترب…نتراجع!

    ربما الفشلُ ليس ما يخيفنا، بل النجاح.

    ليس لأننا لا نريدُ أن ننجح، بل لأننا لا نحتمل وزن المعنى الذي سيحمله هذا النجاح في حياتنا.

    الحلمُ حين يتحقّق؛ يصبحُ أحيانًا أخطرَ من أن نعيشه، لأنه يكشفُ عن هشاشتنا، عن ضعفنا أمام ما قد نخسره.

    هل جربت يومًا أن تبتعد عن شخص تمنيتَ قربه؟

    أن تقولَ له كلماتٍ لا تشبِهُ ما في قلبك، لأنك أخشى أن تكشفهُ بأكمله؟

    أن تحاول أن تبقى غير مكترث بينما هو أهم شيء لديك، لأن إهتمامك به سيكشفك ويعرضك ربما للخطر.

    لكن ما هو هذا الخطر؟

    أن تحب يعني أنك أصبحت تملك شيئًا، هذا الشيء يمكن أن يختفي في لحظة.

    أن تحقّق ما كنتَ تحلمُ به يعني أنك قد تكتشف أن هذا الحلم ليس تمامًا كما تخيلته.

    نحن لا نهربُ من الحب، نحنُ نهربُ من فقده.

    لا نهربُ من النجاح، نحن نهربُ من سؤال/ثم ماذا بعد؟

    لا نهربُ من الحريّه، بل من احتماليّة استخدامها بطريقة خاطئة، فنندم.

    نتعاملُ مع خوفنا بشكلٍ نبيلٍ كما لو كان حيادًا بين الرغبة والمخاطرة

    “إذا حصلتُ عليه ..سأخسره”

    “إذا اقترب..سيغادر”

    “إذا تركتُ له المجال في قلبي..سيكسره”

    فنبتعد ونحتفظ بالجمال في الأمان، في مكانٍ بعيدٍ عن الحضور وفي هذا الابتعاد لا يتحقّق شيء، ولا نتعرّض لما قد يفقدنا ولكن في الوقت نفسه لا نعيش أيضًا.

    هل نحن في مأمن من ذلك الخوف، أم أننا نعيش في سجننا؟

    بينما نريد أن نطير، نتمسكُ بالقيود التي وضعناها بأنفسنا.

    أحيانًا، نحتاج أكثر من أن نتحرر من رغبتنا، نحتاج أن نحرّر أنفسنا من الخوف الذي يعطّلنا.

    وأحيانًا، لا تكون الشجاعة هي التي تقودنا، بل التصديق بأن ما نريده يستحقّ المخاطرة.

    حتى لو ارتجف قلبنا، وأظهرت أعينُنا كل ما نخفيه، قد تكون هذه هي اللحظة التي نعثر فيها على أنفسنا.

  • فشلتُ في حبِّك أيتها البلاد – عبد الله فيصل

    فشلتُ في حبِّك أيتها البلاد – عبد الله فيصل

    الآن أعتذر لأني فشلت في حبكِ أيتها البلاد، الألم الذي أتذكره عنكِ ما هو إلا خطأ أحدهم أو خطؤنا بالكامل. قلوبنا المدججة بالغضب سببها عيناكِ التي كانت تحرسنا بالخوف، يدكِ التي حاولتُ التمسك بها، كانت ناعمة لدرجة الإفلات، كتابكِ الذي قرأته وجدتُ في منتصفه الوردة اليابسة لأعمارنا، أهديتينا الفاكهة مع الشوك، أرسلتِ الفاتورة مع العجز على تسديدها، المكان الرائع مع الحرمان من التواجد فيه، كومة القش دون الإبرة، المشاة دون الجسر، القصر دون بوابة مفتوحة للتسلل إليه، البوابة المفتوحة وعليها الحرس، الرحلة ولا يوجد من يقودها، الذي يقودها ولا نعلم إلى أين.

    لا نستطيع الاستمرار في الحياة إلا لطفاء وأنتِ غمرتينا بمياه قسوتك. لا نرى العيش إلا معاً وقد تركتينا وحيدين. قدمتِ لنا الأغنية وسلبتينا الإحساس بها، الإحساس ولا نعرف من يستحقه، الشجرة وليس بها غير الغصن المكسور، الغصن المكسور دون طائر يقف عليه، والأرض التي لا أجد حجراً لأنام عليها. وحين أقول سأحبك اليوم أو غداً، أقول لنفسي تمهّل ربما أنتِ من علمتيني الخوف.

    شاهدتُ أفلاماً كثيرة عن الحب حتى أحبكِ بالتقمص، في الباص حتى أتعرف عليكِ بالسرعة ذاتها، في الشارع حيث يُطلب منكِ الالتفات، في المساء حيث الاستقرار. يمكن أن أقتلع أظافري من أجله، عن الاختطاف حتى أعرف كيف أغمضوا عينيكِ، وعندما أُغمض لا أرى شيئاً، لأنني تعودت على عدم الشعور بالألم مثلكِ، عن الجريمة لأمتلك السلاح للدفاع عنكِ، لكن ينتابني وعي بأننا قُتلنا جميعاً معكِ، عن الخيال لو أنك لستِ حقيقية لكني أجدكِ الوحش الذي يحتاج العناق. أشعاراً حتى أحبك بالكلام، لكنه لم يعد هناك متسع للغة جديدة، كوميديا لنضحك حين يحقن كلٌ منا نفسه بالبكاء، ولكن لُعاب أفواهنا ممزوج بالدم.

    يالهُ من جهدٍ تملكين، حين تظهرين في شاشة التلفاز. أودُّ لو أُقبّلكِ على الجبين مثل الميّت، لكن للأسف ستعيشين معنا للأبد، يا لها من أيام التي نحتفظ بها على البال. لكن لا نستطيع أن نوقظ الباب الذي لم يعد موجوداً بمفتاحنا، هذا البيدق الذي نملكه ونطلق عليه الحنين لا يمكننا إعادته للوراء. حين أسمع صوتكِ في الإذاعة ترددين كلماتكِ الخائفة، أشتمّ رائحة القيد، وأشعر كما لو أنهم طلبوا منا فدية، أوصلوكِ عبر الصوت لأنكِ بعيدة، لأنكِ لا تستطيعين أن تأتي إلينا وحدك.

    عشتِ قبلي أيتها البلاد، مات ملايين الرجال من أجل صندوقكِ، مضمخين بالدماء والعرق، بالمحاولات التي لم تعد أبداً إلى رؤوسهم، وعكازاتهم التي لم تقدر على الرجوع وحدها، بقيت أحلامهم معطوبة مثل السفن، كلماتهم الأخيرة ماتت في انتظار من يسمعها، جنائزهم لم تعد أيضاً ما عادت فقط هي الحكايات، كانت باللمس والرائحة، للمطر الذي كان يخصهم، للحقول وحدها التي ترعاهم، لأنانيتهم المفرطة في احتضانك، قسّموكِ إلى جبهات ليوصلوكِ ببعض، إلى شرائح من اللحم لأنكِ وعدتيهم بالثروة والشبع، وحين تخيلت وجوههم، كانوا يشبهوننا للغاية. أعتذر لأني أكرهكِ الآن.. لم أُحبكِ أبداً بالطريقة الصحيحة.

  • أبوظبي، درةُ العواصم – د. عبد الله بلحيف النعيمي

    أبوظبي، درةُ العواصم – د. عبد الله بلحيف النعيمي

    تجوَّلْتُ في الدُّنيا وزُرْتُ عواصِمًا

    وفيكِ “أبوظَبيٍ” تذوبُ العواصِــمُ

    فأنتِ لها – واللهِ- خيرُ منـــــــــارةٍ

    وأنتِ لها في العيشِ صفحٌ مسالِـمُ

    وفيكِ “أبوظبيٍ” مِنَ الحُلمِ مرقَدٌ

    ومنكِ يهابُ القُربَ ظُلمٌ وظــالِمُ

    ويصدحُ فيكِ الطّيرُ حُرًّا محلِّقًا

    ويسرحُ فيكِ الشّعرُ والنّثرُ عائمُ

    ويشرقُ فيكِ الفِكرُ يطلبُ غايةً

    فيسلبُهُ فحواكِ ما هو عالِـــــــــمُ

    فأنتِ جبالُ الصّفحِ.. أنتِ سماؤُهُ

    وأنتِ لهذا الكونِ هَديٌ يُكـــــارمُ

    وفيكِ يرى الأبناءُ أطْيَبَ منبتٍ

    ومنكِ ينالُ العَفوُ طيباً يُـــــــداهمُ

    يعانِقُ منكِ الحسنُ فيضَ بهائِهِ

    ويطلبُ منكِ الصّفحَ صاحٍ وحالِـــمُ

    ويشدو بكِ الأبناءُ عزّاً وعِزّةً

    فأنتِ لهمْ موجُ السّنا المتلاطمُ

    وليسَ لنا في الكونِ مِثلُكِ مالكاً

    فأنتِ ومن يهواكِ حقّاً تــــــوائمُ

    يرى فيكِ أهلُ الدّارِ عَيشَ تسامُحٍ

    ويبني بِكِ الآمالَ للخيرِ عالَـــمُ

    وأنتِ “أبو ظبيٍ” ملاذٌ وقِبلــــةٌ

    يحجُّ إليكِ الوقتُ والوقتُ حازمُ

    ونحنُ -رُعاةَ المَجدِ- نُعليهِ عاليًا

    وتسمو لنا بينَ الشّعوبِ معالِــمُ

  • خزامى تتنفس اسمك – ماجد الفهمي

    خزامى تتنفس اسمك – ماجد الفهمي

    إلى ماري

    خبئي اسمك عن الريح
    كيلا تبدأ على وجه الماء
    رجفة الحنين
    سيظلُ وجهي موشومًا
    على مواسم أحزانك
    وستظلُ الأشجار
    كل حين وحين تهُزُّ ذاكرتك
    انتِ المُستقرة على ورق النهار
    والمنكفئة تحت خنافس الشتات
    هذا الظلام يكنُسُ
    ماتبقّى
    من ضحكات الفجر
    على شُرفة النهر
    المُنسكب فوق ذراعك
    تبدأ الشمس
    تُلمّح للغيمة الصغيرة
    بالغروب
    على شفاه السماء دمعة اخيرة
    لم تنطق بها
    وحين تنظرين
    تسفِكُ عيونكِ العُشبية
    دم الماء الأرجواني
    فيخضرُّ العذق
    من بين سعف النخيل.

    كاميكازي
    خُزام

    ماجد الفهمي