المدونة

  • رغبةٌ في العثور – خالد. ع

    رغبةٌ في العثور – خالد. ع

    الشطرُ الأولُ كان نكتةً،
    والشطرُ الأخيرُ كان مشهدَ عنقي وهو يُقصّلُ،
    وأنت تعزفُ الصمتَ على أوتارِ الألمِ… بنظراتٍ هامدة،
    تعلنُ عن غروبٍ يغرقُ في صدرِ البحرِ.

    أن أُغنّيَ لعامٍ آخر!
    هل عليَّ أن أقطعَ حبالي الصوتية؟

    “كلُّ عامٍ وأنتَ بخير.”
    هل قلتَ لي: إنك ما تزالُ تراني بعدسةٍ حية؟
    ظننتَ أني أرقدُ في لَحْدِ أحلامِك!
    مطويًا ومنسيًا في غرفةٍ بلا نوافذ.
    هل أنا أُغرّدُ مع عصافيرِ صباحِك؟

    كم أحلمُ لو أستطيعُ استلطافَ الكتابةِ!
    كنتُ سأدوّنُ أغنيةً ركيكةً،
    بلحنٍ فاترٍ لأُغنّيَها تحتَ المطرِ!
    هذه هي قصائدي… ورقُ صفصافٍ مبتل!
    تغرقُ في ضحالةِ التعبيرِ السارحِ،
    فالشاعريةُ قصرٌ في جبلِ أوليمبوس،
    أفشلُ دائمًا في الصعودِ إليه!

    تمنّيتُ لو أملكُ القدرةَ على نسيانِ الهجاء،
    فلا صوتٌ لدي، ولا أحدٌ أُغنّي له.
    تخبرُني أنك تحبُّني بعينيك،
    بلغةٍ لا تُسمعُ إلا تحتَ الماء.
    تربكُني كثيرًا، تضجرُني قليلًا،
    وتخلقُ مسافةً لا تداويها الأيامُ.
    أظنُ أني أغرقتُ ديواني الجافَ
    طُعْمًا للأسماكِ الحائرةِ.
    أُصبتُ بدوارٍ حينها…
    لمن أُديرُ شمسي؟

    وددتُ أن أترجّلَ
    على مسرحٍ خالٍ وأُغنّي
    بحنجرةٍ لا يجرحُها شهيقُ الفراغِ
    ولا يُفزعُها اختناقُ الازدحام.

    مشهدٌ يُحتضَرُ ويعودُ للحياة.

    أُطبِقُ أذني على البابِ،
    أُنصتُ إلى صوتِ الشتاء…
    أتذكّرُ همهمتي.
    أستمعُ إلى لحنِ هطولِ المطر،
    أتذكّرُ النسيانَ.
    أُحدّقُ في ساحاتِ الضباب،
    أتذكّرُ الوجودَ.

    أفتحُ ثغرَ الجنون… وأتذكّرُ!

    “دو ري مي فا صول لا سي دو…
    أنا أكتبُك رغمًا عني.”

    اسألني…
    لماذا لا أُغنّي؟
    في هذه الغرفةِ الفارغةِ…
    وأتركُ عقلي يدورُ في حضرةِ الأنغام
    وأسقطُ طريحًا على فراشٍ من أثيرِ الأوهام.

    أتذكّرُ عينيك…

    وأستمعُ إلى أكثر الأصواتِ عذوبةً:
    وقعُ خطواتِ قلبي على جسدي الهش.
    حمّى لا تُغادرُ دونَ استسلام.

    وأنا… أتوقُ للحياة.

    لا يهمُّ ما يحدثُ،
    لا يهمُّ ما يجري،
    لا يهمُّ أن تُقلّبَ الصفحة،
    لا يهمُّ أن تتجرأَ على السؤال…
    فقط اتركني أسبحُ مع الأسماكِ الحائرة.
    فما الضيرُ في أن أحلمَ؟

    بأن أتشبثَ بأهدابِك
    وأسرقُ كلَّ ألحاني
    بكل ما يقعُ عليه نظرُك
    بداخلي.

    الشطرُ الأولُ ما يزالُ يحترقُ في ذاكرتي، مزحة!
    والشطرُ الأخيرُ لن يُكتبَ.

    أليس من المؤلمِ أن أغفلَ عنك وتُظهرُك لي الحياةُ في طيّاتِها؟
    بسطرٍ أو شطرٍ أو حتى مشهدٍ عابرٍ

    “أستطيع تمييزَ جميعِ ألوانِ ضحكاتِك.”

    أظنُّ أنك التفتَّ بعمقٍ في جذوري…
    أين النهرُ؟ أين البحرُ؟ أين منبعُك؟

    في ديسمبرَ، كنتُ أقفزُ فرحًا خارجًا من مقبرتي،
    كلُّ الناسِ تُحاكي واقعًا خارجَ واقعي.

    في ديسمبرَ، كنتُ أركبُ سيارتي أُهمهمُ بحياتي،
    كلُّ الناسِ تُناغمُ وتيرةَ المللِ خارجَ متعتي.

    في ديسمبرَ، كنتُ مغمورًا بالهزلِ،
    كلُّ الناسِ كانوا متطابقين بالسخف.

    إلى أن اصطدمتُ بك… وأصبحتُ
    أكثرَ الأشياءِ جمالًا ببشاعة!

    لا أرغبُ بالكثير،
    يكفيني أن أهبطَ بسلامٍ على كتفِك،
    وأستمعَ إلى كلمتِك الأولى…
    من مخاضِ الصمت!
    وأعزفُ الروحَ… بكل تجلياتِها.

    كلُّ الوجوهِ لا تعنيني الآن،
    صوتُ الكمانِ لا يتوقفُ عن العزفِ،
    ورقُ الصفصافِ جفّ…
    تلك النكتةُ أصبحتْ مملةً…
    الظلُّ يلتهمُ نصفَ رأسي…
    أنتَ تخرجُ وأنا ألتفّ وأنظرُ إليك
    بصمت… وتُقصّلُ الرغبةُ رقبتي.

  • غواية المرج ونصوص أخرى – ماجد الفهمي

    غواية المرج ونصوص أخرى – ماجد الفهمي

    ذكرى رحيل

    نرحلُ،

    ‏كأننا لم نكن يومًا أشجارًا،

    ‏تذرفنا الرياحُ مع صهيلِ الوحدة 

    ‏وتهوي بنا إلى قيعان البحر 

    ‏تسلبنا أرواحنا وأسماءنا،

    ‏ولا تُبقي علينا سوى ملح الاغتراب 

    تتآكلُ أجسادنا،

    ‏نتقلَّبُ على صخورٍ الانتظار 

    ‏نهشُّ الطيور الجارحةَ ‏عن موتنا الأخير 

    ‏وندفنُ بقايا الحبِّ على تلةّ الجبل الحزين 

    ‏المجبولِ بالدموعِ على أشجاره الموتى 

    أشجارٌ كانت تصطاد التخوم  

    ‏من أفواه المجرّات النائمة،

    ‏ وتسلبُ اللهفةَ الأولى من عيون الطفل

    ‏وارتعاشةِ النهر في بكاء الليل 

    ‏لاشيء يُثير رُعبَ النور

    ‏ مثل عينيكِ 

    ‏بين نسائم الفجر يُذكر القمر 

    ‏المذبوح بين يدك بأنكِ قاتلة

    ‏ولا شيء يسلب صفاء البلّور 

    ‏سوى ضحكاتك 

    ‏يا أنتِ أيتها المدفونةُ فيّ 

    ‏خذي هذه البذور لتكبري، 

    ‏ونستحيلَ شجرةً مرةً أخرى

    ***

    غواية المرج

    تراءت ‏لي في شجون العُشب 

    أماني تحلِّقُ في الغياب،

    أحلامٌ خريفية تتساقطُ وتتلاشى 

    في ارتطامها بعنفوانِ ربيعٍ راسخ

    نظرةٌ تزمجرُ وهي تمتطي 

    ظهرَ بحرٍ ملتهبٍ،

    تمخرُ العباب نحو المدى الشارد

    ‏تراءت ‏لي في وحدتي 

    ‏طيوفٌ من النورس 

    ‏وكنتُ اُشيح بناظري عنها 

    ‏هذا البكاء لاينتهي 

    ‏وانا اُجدّفُ قواربَ الرحيل 

    ‏ولا اُصغي لصوتِ الدمعة 

    ‏وهي تحرقُ الملح 

    ‏على أصابعِ يدي 

    ‏وينتثرُ اسمك بين شقوق 

    ‏جدران الأمل الزائف 

    ‏ولايخُضُّ الليلُ وجداني 

    ‏وأظلُّ أسرحُ في متاهات النجوم 

    ‏أفكرُ بسرقةِ الإله 

    ‏يدُه 

    ‏ويدي 

    ‏ويدانا 

    ‏لأجمعَ نشوة التراب ِ

    ‏من رحيق روح الله  

    ‏وأصنعكِ من جديدٍ 

    ‏حُلمًا 

    ‏ألمسُه بيدي

    ***

    الشجرة الأولى في نبوءة الخزام

    هجرتني شجرةٌ خضراء

    أتوقُ للغُصنِ، أتوقُ للورقةِ،

    ‏ولا أعرفُ كيف أواسي الريح!

    ولا كيفَ أرثي الربيع !


    لا أعرفُ كيف أزرعُ روحي !
‏

    ماري جراح الدمع المُتّقد على شرنقة الليل

    ‏ماري عذابات الفجر المسموم بالوداعات

    ‏ماري شمعةُ القُرنفل المّعطّر بالرحابة

    ‏ونهاياتُ الأمل الباكي على موجةِ الوداعة

    ‏ماري خليلةُ البهاء النازفِ على بتول الفَراش

    ‏ماري كواكبُ الروح المدغدغةُ بشعاعِ النور

    ‏وتهاليلُ العصافيرِ المُهاجرة إلى براحِ البرزخ

    ‏وسماءات البحرِ الكئيب المُثقل بالدمِ والعار

    ‏ماري اشتياقُ الفجرِ لزهرةِ الشفق الأخيرة

    ‏وتشكُّلُ اللهِ على مبسمِ الأطفال

    ‏ماري معبودةُ المطرِ وحدائقُ الصفاء

    ‏وتلهّفُ النسيمِ على خصرِ الوديان

    ‏لم يعد لهذا النهرِ مصبٌّ سوى دموعي

    ‏ولم يعد لهذا الوجدان صورةٌ 
‏سوى طيفُكِ الأخضر

    ‏يسكنُ الرؤى هديلُ الألمِ،

    ‏وتستبقُ الذكرى على أحداقِ الأمس،

    ‏ويقرأ الصباحُ على مذبحة ِالتلال‏ شِهابَ التعاويذِ وزمجرةَ العُشبِ الكثيبِ
‏فوقَ تراتيلِ القصيدة،

    ‏وتظلُّ حِجارةُ النبوّةِ 
‏تُلقي على دمِكِ الأخضر
‏اسمي، ووجهي، ودمي، 

    ‏ذاكَ الندى فوق سنابلِ الخزامى
‏تَحوَّلَ إلى زوبعةٍ من الأشواق 
‏كُنتُ بوجهكِ ألوّنُ السماءَ بالزُمرُّدِ،

    ‏كُنتُ بصوتكِ أُغنّي بلغة العِطرِ

    ‏كُنتُ بيدكِ ألمسُ الإله

    ‏كُنتُ بخصركِ أكره نِساء العالمِ

    ‏وحيدًا،
‏بِلا ظِّلٍ،
‏بلِا شجرة.

    ___________

    *ماجد الفهمي، شاعر سعودي من مكة.

  • عويل الرمل والأجساد – منتظر عدنان

    عويل الرمل والأجساد – منتظر عدنان

    1. استعمار الصور

    لقد جاءوا بأجسادهم،

    أولئك الذين لم يلامسوا

    الرمل،

    فوجدوك طينًا…

    أيها المَنسيُّ

    في مَنافي الجنوب،

    أيها المقشعِرُّ من ذاكرة الحجر،

    يا وسادة الآلهة،

    لقد جئتُك من الأرصفة

    التي تلعنُ الأحذيةَ

    والانتظار،

    لقد جئتُك،

    حاملاً قيامة الكلمة

    في كراريسي،

    لقد جئتُك حاملاً

    صورتَك الشخصية،

    وأنتَ

    ملقٍ على الأرضِ

    غوايةً للسر…

    لقد قتلوكَ

    بالبنادقِ والكُتُب،

    أولئك الذين لم يلمسوا

    طراوة الدمِ في الرمل،

    أولئك الذين صوروا لكَ

    المنافي خلف الشمس،

    بداية أزمنةٍ

    لطالما حلمت بها

    وانتظرتها قارعًا أبوابَ الصور…

    لقد قتلوك بلعابهم،

    روايةً اغتيل فيها النهد

    وخَلق الطين…

    انتظرتُك

    من صومعتي،

    جسدي نعشٌ يزِفُّ خلاصك،

    حملتني معك إلى الهاوية،

    هي ذي كراريسي

    تحمل صورتك مرسومةً

    على الأوراقِ

    التي مزقوها،

    هي ذي صورتك

    ضاحكًا

    ساخرًا

    طفلاً،

    يرى الفأس في وجهه مرآة،

    غارقاً بدمي

    ***

    2. استعمار الجسد

    ”إذ قال له ربُّهُ أسلِم، قالَ أسلَمتُ لربِّ العالمين”

    في صباحاتٍ ماكرةٍ

    إذا أردتَ اقتفاء أثرِ بقايا الحكمةِ،

    فخُذ بيدِ الذّاكرةِ ثانيةً إلى الصِّبا…

    في ليالي النَّخل،

    حيثُ تُذبَحُ البساتينُ

    بِبَواقي الشَّجر.

    تَنزِفُ الأرضُ

    ما أن أجزتَ بكاءَ البكارةِ سِرَّ

    شظايا امرأةٍ تسألُ

    عن لونِ الدَّم.

    فقلتُ أخيرًا:

    إنَّ الأبديَّةَ اشتهاءُ كلِّ الألوانِ

    بينَ ساقين،

    وإنَّ رجلًا بلا امرأةٍ

    جذرٌ لن يموت…

    هكذا أُعلِّمُكم السُّؤالَ

    عن اللونِ الحقيقيِّ للأحمر،

    إذا لم يكن ثمَّةَ لونٌ

    يَقطنُ فيه البكاءُ،

    والحسرةُ لا تزالُ تقطعُ

    ظِلَّ الأعمى.

    اللَّونُ تُبيحُ العينُ

    سرَّ قداسَتِها؟

    الرَّملُ ذاكرةُ القدم،

    والسَّريرُ خُطَّةٌ مُعدَّةٌ للنِّسيان.

    قالت: لماذا أجزتَ دَمًا

    كانَ طِينًا لكلِّ الأقدام؟

    قلتُ: لم أطأْ قبلُ أحدًا،

    لكنَّها أرضي،

    هيَ التي حَبَسَتْ سماواتٍ مرعوبةً

    بينَ قَدَمَيَّ.

    __________

    م.ع

  • فضيحة الكتابة – فاي العتيبي

    فضيحة الكتابة – فاي العتيبي

    ‏لستُ أبكم و لكنّ لغتي القلم

    الكتابة بحرٌ بلا حدود، بحرٌ عميقٌ، أمواجه معجزاتٌ تتخلق. كلُّ كاتبٍ يشعرُ بأن الحروف لا تكفي، ‏و الحديث لا يُسعف، يجدُ ضالتَه في بحر الكتابة..يغمرُ كأسه، ويعبُّ

    كم تتعددُ الأعراق، وكم وُجدت أجناسٌ و ثقافات، و عوالمُ متفرقة الأبعاد، كلٌّ يملأ حيزًا في موطئه، كلٌّ يخطُّ كتابةً عن الحياة من نافذته، كلٌّ ينسجُ ملاحم من مشهده، يطلقُ بصره ويكتب بصيرته، لتتلون الكلماتُ بلون أفقه. لذا من المستحيل أن تنفد المعاني، فإنها بعدد حيوات البشر.

    إن إدراك ذلك يهذب من تجربة الإنسان، يجعله أكثر تواضعًا من أن يلوم الآخرين على ما لم يروه، على ما لم يحلموا به، ما لم يعايشوه، بل يوقد على طين حروفه، ويبني جسورًا توصل إلى ما شاهده، فيقرأها الآخرون، ويعبرون إلى المعنى الذي فات انتباههم.

    ‏إن الأفكار موطنها النفس، والمعاني سكان الخيال المستتر، وأن تسمح لحروفك بالمغادرة إلى الورق، فذلك أشبه بأن تتعرى، وينكشف ما كان مستورًا، ولا عيب في هكذا تعري، بل إن نبعه الجسارة.

    يالها من مغامرةٍ شجاعةٍ، أن تقدم نفسك وفكرك وهويتك، في سطورٍ تحكي عنك، بل تفضحك.

  • ريناد الرشيدي: الفن هو قدرتنا على التأمل في عذابنا برفاهية

    ريناد الرشيدي: الفن هو قدرتنا على التأمل في عذابنا برفاهية

    حاورها: محمد الحكيم

    ‏أهلًا ريناد، يسرنا استضافتك في هذا اللقاء، أرجو أن تكون أسئلتنا لائقة بذائقتك المرهفة. 

    ‏عرفناك في أنطولوجي من خلال كتاباتك، أول منشوراتك منذ سنوات كانت مجموعة نصوص بعنوان: إن للأبدية خشخشة الأوراق المكومة، وفي داخلها نص بعنوان: لم أنت حزينة؟ وتحت هذا العنوان كتابة ذاتية رائعة وبوح وجودي معذب. لديك حس مالينخولي متألم في الكتابة، كأنك تعضين على أصابعك، الآن، هل لا زلت حزينة؟ اكتبي لنا عن ذلك. 

    هذا النص تحديدًا كان بمثابة تقيؤ لكل فكرة تؤرقني، كنت أتألم بذلك الصمت الذي قادني لحقيقتي المعذّبة، ومع مرور الوقت تلاشى الحزن، ذاك الحزن، خلق فجوة لا تمتلئ. كتبت في هذا النص “لأنني ممتلئة، وسيعيش بي الفراغ إن بُحتْ”، هذا ما حدث. أنا مثل أي تجوّف، أدركت أنه البوح هو ما سيخلق ذلك الفراغ العبثي، الذي لا يعبرني، إنما يتجذّر أثره كعاصفة. أعتقد أنني الآن لستُ حزينة نتيجةً لعوامل خارجية، لكن في تلك اللحظة التي تتلاشى هذه العوامل، لن ترحمني عواملي الداخلية؛ إثر هذه العوامل الخارجية، أنا أتنفس بحريّة هنا، وسيخنقني هذ الهواء بدونها. 

    ‏لكل إنسان الحق في تعريف ما يهمه، وأنت مهمومة بالفن والحياة والوجود والشعر وبسام حجار وبيسوا والجواهري والبردوني، ما هو تعريفك لهذه المعاني والأشخاص؟

    الفن بالنسبة لي هو قدرتنا على التأمّل في عذابنا برفاهية، بدونه تختزلنا الاحتمالات، وتقتلنا بوجوده البهجة، ثم تبعثنا فيه مجددًا. الحياة والوجود قطبان يبتذلان بعضهما، ولولا غريزة الموت؛ لما استطعنا احتمال هذا الابتذال. الشِّعر بالنسبة لي هو جوهر ما لا أستطيع امتلاكه. أنا أرى الشِّعر كحليف للحب أولًا، يمنحنا القدرة على أن نحب، حتى عندما لا يسعنا أن نشعر بذلك الحب.  

    بسام حجار أستاذ الاحتمالات، سيّد المنفى والعزلة. حينما بدأت قراءة بسام حجار، كنت أمرّ بتلك العزلة، التي كتب عنها وقال: “‏تشعر أن الأمكنة تفرغ فجأة وأن الأمكنة الشاغرة هي هاجس أشباحهم، يطوفون عبر الأشياء الصامتة وأنت هنا، وحدك أو أقل، تفتقدُ شيئًا ولا تراه. تحنّ إلى شيء ولا تجد ما يرفع عنك هذا الحنين. تعلم أن من شأن الآخرين أن ينتصروا. أن ينهزموا. ومن شأنهم أن ينسجوا من كل ذلك عزلة لك أشد ألمًا وأقرب.” بسام حجار كان تلك اليد التي ترشدني بالظلام، جزئيًا أضيع معها لوقتٍ أضافي، وأجد ما لم أكن أعلم أنني أبحث عنه، حين أكون مُمسكة بها. بيسوا كان سيّد إلهامي في الكتابة، الذي قرأ لبيسوا سيرى طيفه في نصوصي الأوليّة، هل سبق وأن قرأت لكاتب بشعورك بالدفء ثم فجأة شعرت بالبرد نتيجةً لما يكتب؟ هذا كان بيسوا بالنسبة لي، عهدتُ على امتلاك كل كتبه، وحاليًا أملك معظمها. الجواهري، يخجلني تعرّيفه! لكن لا يسعني أن أقول عنه عدا أنه جعلني أدرك إمكانية رثاء الدهر لنفسه. البردوني شبحٌ يطاردني، يترصد عزلتي ويُعلن نفسه في ازدحامي، لديه طريقته الجهنمية في كتابة الشِّعر التي يسهل علي أن أعرفها، حتى عندما تكون قصيدة اقرأها للمرة الأولى. 

    من متابعتي لك، عرفت أن لك أنشطة بين-نجمية، تحليل نفسي وقراءة التوافق الجنسي وأوراق التاروت، أمور مثيرة وغريبة، ولديك مجتمع كامل على تليجرام يطلبون خدماتك ممتنين مقدرين، أخبرينا عن هذا المشروع، ما الذي تقدمينه؟ هل هو جزء من تخصصك؟ هل هي هواية؟ هل تعلمت ذلك في دورات؟ ما حقيقة هذا المشروع؟ وهل له اسم؟

    نعم، أقوم بهذا الشيء كعمل جانبي، أنه ليس جزءٌ من تخصصي لكنني أربط تخصصي تقريبًا في كل شيء، تحليل النفوس، وقراءة ما يعلّ بالناس، هو أمرٌ يشوّقني. 

    التنجيم كعمل أولي، وكان تعلمي له قبل خمسة سنوات،

    بينما التاروت أربعة سنوات. لم أتعلمهم في دورات، تعليم ذاتي، ولا يسعني أن أقول عدا أنني معلّمي الخاص في كل شيء، أرتفاعٌ بالأنا، إن شئت. حقيقة هذا المشروع؟ لا أعرف، ما حقيقة أي شيء؟ 

    اسم هذا المشروع (تنجيم جذري) هوايتي هي أن أفعل كل شيء من الجذور. 

    ما هي أوراق التاروت المفضلة لديك؟

    ابتداءً بالكرت الذي أشعر أنه يتحدث لي ويشبهني، the high priestess، رمزٌ قوي للحدس والإلهية الأنثوية، وتقدم بوابة إلى عقولنا الباطنة وأعلى مصدر للحكمة. هذا الكرت تذكير بالثقة في معرفتنا الداخلية والوصول إلى المعرفة التي تكمن بداخلنا. ثانيًا كرت the devil، يشير إلى مشاعر الهوس والإدمان والتقييد. وقد يدل على الشعور بالعجز بسبب القوى أو الظروف الخارجية. ومع ذلك، يذكرني هذا الكرت أني مسؤولة عن أفعالي، وأن القيود التي أدركها غالبًا ما تكون مفروضة علي ذاتيًا.

    ‏كل إنسان يحمل في داخله غرفة كما يقول كافكا، ما هو شكل غرفة ريناد الرشيدي؟

    غرفة ريناد

    ‏هل تقومين بتحليلات نفسية لذاتك، لريناد، كالتي تقدمينها لعملائك؟ أم تلجئين لشخص آخر؟

    بالطبع، إن لم أقم بالجلد الذاتي بشكل يومي سأكون متعجرفة، أنا أميل غالبًا لتهذّيب نفسي وتذكيرها بما هي عليه بالتحليلات النفسية. 

    ‏كم عمرك؟

    ٢٢ ربيعًا

    ‏عرفتُ من عصفورة زرقاء أن لك كتابًا مطبوعًا سيصدر عما قريب، ما هو عنوانه، وماذا يعني لك أن تنشري كتابًا مطبوعًا؟

    للآن لم أرسي على عنوان، أمرٌ شائك بالنسبة لي. التسمية، الحصر. أن أنشر كتابًا مطبوعًا يعني أن أعلن سخطي على العالم، وهذا أمر كان لديّ ميول في تأجيله بشكل مستمر، لكن سخطي يزدادُ يومًا بعد يوم. 

    ‏لديك شغف بنشر أغنياتك المفضلة من سبوتيفاي، نطمع أن تنشئي لأنطولوجي قائمة أغاني مفضلة لديك، تجسد ذوقك الحالي، وتشاركينا الروابط

    This is me trying – Taylor Swift

    Well I Wonder – The Smiths

    Not Strong Enough – Boygenius

    There is a light that never goes out – The Smiths

    ‏شاركينا أجمل فيديو شاهدتيه على يوتيوب.

    هل سيتم رجمي إن قلت أنني لا أشاهد اليوتيوب؟ 

    ‏أخيرًا، واعذري طمعنا الفني، اقرأي لنا اقتباسًا مفضلًا بصوتك، قصيدة أو مقطع، لوسمحت.. تعرفي أننا نحب القصائد المسموعة.

  • هكذا نختزن حكمة البحر في سواعدنا –  عادل خزام

    هكذا نختزن حكمة البحر في سواعدنا –  عادل خزام

    شجرة الاتحاد تكبر وارفة وتنشر نورها بسخاء على أرضنا الطيبة. كبرنا معها، ورأينا الأحلام والمستحيلات تصبح حقيقةً، وظل البيتُ متوحداً على الدوام حيث القلوب تعانق القلوب، والسواعد تعاضد بعضها في ملحمة البناء والتطور والارتقاء الجميل بين الأمم. وكانت الثقافة هي المعراج الذي ارتقى بإنسان الإمارات ليصبح اليوم نموذجاً للنجاح والتميز والتطلّع للمستقبل بثقة واقتدار.

    ومن ثقافة البداوة إلى رحابة البحر حيث تدرّب أجدادنا وآباؤنا على مواجهة التحدي وصد الغزاة والانفتاح على أفكار الرحيل والتعارف بين الشعوب.

    ملاحم كثيرة سجّلتها الإمارات في بناء ثقافتها واقتصادها وتطلعاتها، لكن الملحمة العظيمة حقاً كانت في بناء الإنسان الذي تشرّب هذه الثقافة وهو متمسك بجذوره وأصالته وهويته الوطنية. هذه الهوية التي تروي شجرة الاتحاد بالعمل الدؤوب وبالحب والخير والقيم السامية.

    ***

    لا يكبرُ الأمل أو تنمو أشجاره، إلا حين يتوفر له الأمنُ أولاً. ولا تتحققُ الأحلام إلا حين نزرعها في تربةٍ تتسمُ بالتسامح وتُروى بالحب.

    نقف على قمةٍ عالية، لكننا نراها مجرد بداية للصعود نحو مجد بلاحدود. ذلك لأن هذه الأرض المسكونة بالمحبة والصداقة والعطاء، ستظل تروي المبادئ الراسخة لمعنى أن يكون الإنسانُ إنساناً، من غير تمييز بين هذا أو ذاك.

    ***

    السفينة في رمزية الإمارات لا تعني الإبحار والسفر فقط، بل هي بيت الربان الذي تتكاتف القلوب والسواعد معه ليقودها إلى بر الأمان. ها هي التقلبات حولنا من كل صوب، لكن السفينة تمضي وتشق طريقها. ها هي الأمواج تعلو وتهبط في خضم الصراعات، وسفينتنا بحكمة ربانها تجد المرسى تلو المرسى. لقد أدركنا منذ البداية أن استمرار الرحلة أهم من التعجّل في الوصول. هكذا نختزن حكمة البحر في سواعدنا، ونظل نرفع الأشرعة مهما راوغتنا عواصف التيه.

    ***

    هؤلاء الذين خرجوا بسرعة البرق ركضاً من جحور العتمة إلى النور، مزّق الضوء عيونهم وصاروا عمياناً. أن تخرج للشمس لا يعني أن تحدّق فيها متحدّياً، بل عليك أولاً أن تغمض على، وأن تغضّ عن، وأن تعرف متى تحيد ببصرك عندما تتكشّف لك المظاهر كلها فجأة في خدعة النهار.

    خذ الحياة مثالاً وابدأ معي في الذهاب. وسوف ترى أن التمسك بالأمل هو الذي يقودك من مجهولٍ إلى مجهول. كلما أغلقت دائرة، يفتح لك الزمن أخرى، كأننا نسير في ممراتٍ تتشعّب إلى ما لا نهاية. وحين تسألني: هل وصلنا؟ سأشير إلى باب جديد.

    ***

    ما الهوية؟ هذا السؤال الفلسفي الغائر في روح الكائن المتعدّد الأوجه والأماني والصفات. إنها اختصاراً، الشجرة التي تنمو في اتجاهاتٍ متباينة، تغوصُ جذورها عميقاً في الأرض ولكن فروعها تمتدّ في ألف صوب. الهوية ليست قالباً جاهزاً نرتديه عند الولادة، بل رحلة معقدة من الاكتشاف والتفاعل مع النفس ومع المحيط. الفرد في رحلته صعوداً على سلالم الأقدار، لا يبقى كياناً واحداً بسيطاً كما بدأ، بل يتحول إلى مزيج من هويات لا تُحصى.

    الهوية هي السؤال الوجودي الأول. إنها طريقٌ طويلٌ يمشي فيه الإنسان وحيداً أحياناً، ولكن محاطاً بالأصوات التي سكنت روحه منذ اللحظة الأولى التي أبصر فيها النور. وكما تذرو الرياح التراب ثم تجمعه من جديد، تتشكل هوية الإنسان مع كل خطوة يخطوها في هذه الحياة، حتى تصل إلى نقطة تتوحد فيها كل تلك الهويات المتفرقة لتشكل «الأنا» الجديدة.

    ***

    بناء المستقبل، هو فعلٌ مستمرٌ نمارسه اليوم، وهو أيضاً الدخول في سباق بلا نهاية، وما يميّز الإمارات أنها خلقت روح التحدي في فكر أبنائها ودفعتهم إلى اقتحام مجالات التنافسية العالمية لتحقيق المراكز الأولى في كل المجالات، وعلى هذا المنهج سوف يتواصل السعي خلال الخمسين عاماً المقبلة لتصبح الإمارات الأولى عالمياً كوطن للجميع، ينعمُ فيها الناس بحب الجمال والتعايش والأمان الروحي والفكري.

    شكراً لكل يدٍ زرعت وبذرت الخير في هذه الأرض الخيّرة.. شكراً للأمل الذي سقى قلوب أبناء هذا الوطن وسرى في وجدانهم مثل نبضِ أغنية سامية.

    ***

    تكبرُ روحُ الفخر في سماء الإمارات عاماً بعد عام. ويأتي الثاني من ديسمبر ليهلّ قمراً على أرواحنا، وشمساً تفرش لنا طريق الضوء الذي حفره الآباء المؤسسون بعرق الصبر، وعزيمة قهر التحدي والمستحيل.

    تعال اقترب أيها الحب. احفر في تربة أجدادنا ولن ترى سوى بذرة الخير تلمع مطلع كل شمس. هي زادنا في الذهاب إلى المستقبل وقد اتخذناهُ حاضراً، وجمّلنا قُدومه بورود الأمل مزروعةً بيد العمل. هكذا تدربنا على التعامل مع الزمن باعتباره الغد الذي نُشيّد صرحهُ بنشيد ماضينا. والطفلُ الذي يولدُ من صُلب هذا الوطن، تُرضعه الأرضُ حليب شموخها ليكبر سداً ضد كل الجهل. وتكون يده ممدودة دائماً للمصافحة والعناق، ويكون قلبه رحباً ويفيض بعشق الحياة معمراً قفارها، وساقياً براعمها وأشجار أمانيها.

    تعال اقترب أيها الحب، تجد في وطني نسل امتدادك. هنا على هذه الأرض التي بنى فجرها زايد، تتحدُ أغصان البشر وتتفاهم ألسنتهم. وفي كل صبحٍ، يفيضُ نبعٌ من نور ويضيء أغنية الوجود. وفي كل ليلٍ، تصدحُ النجومُ وترقصُ في زهوٍ، وتهبط من علوٍ لتنهل من عذوبة لحننا.

    ــــــــــــــــ

    مزج من مقالات الشاعر والإعلامي الإماراتي عادل خزام عن الوطن: الإمارات، مقتبسة عن جريدة الاتحاد.

  • صدري المدبوغ بالحروب المريبة – عماد عبد اللطيف سالم

    صدري المدبوغ بالحروب المريبة – عماد عبد اللطيف سالم

    لو كُنّا الآنَ هُناك

    وحدَنا

    في “تلِّ الهوا” مثلاً

    لكانَ حُبُّكِ لي

    مُمكِنّاً جدّاً

    أكثرُ ممّا سيكونُ عليهِ الحال

    في “اليرموكِ” أو “الدورة”.

    القَصفُ يقترِبُ

    و يشتَدُّ

    وأنتِ تخافينَ

    و تلوذينَ بي

    أنا الجاهِزُ دائماً للعِناق.

    عندها سأموت

    وأنا أبتسِمُ

    كما لم أبتَسِم أبدًا من قبل

    بينما وجهُكِ المُترَبِ العَذبِ

    يغفو بسلام

    فوق صدري.

    في صدري هذا

    أحتفِظُ من أجلِكِ

    بقلبٍ غير قابلٍ للكسر.

    صدري المدبوغ بالحروبِ المُريبة.

    صدري المُلطّخُ بالحَصى والسَخام

    والحنينِ المُسلّح.

    صَدري الذي يشتاقُ إليكِ الآن

    لأنّ “الهلالَ الأحمر”

    قد انتَشَلَكِ أوّلاً

    وعافَني بِضعَ ثوانٍ

    لوحدي.

    ■ نص عماد عبد اللطيف

  • هاربًا كالبحر من وهم العالم – محمد هيوا

    هاربًا كالبحر من وهم العالم – محمد هيوا

    هَارِبًا كَالْبَحْرِ مِنْ وَهْمِ الْعَالَمِ

    أَرْكُضُ بِلَا وِجْهَةٍ وَاضِحَةٍ،
    كَمَنْ يُحَاوِلُ خَلْقَ مَعْنَاهُ فِي عَاصِفَةٍ،
    كَمَنْ يَسْعَى نَحْوَ مَجْدِهِ فِي هَاوِيَةٍ.
    أَرْكُضُ، وَأَرْكُضُ، وَأَرْكُضُ،
    وَلَكِنَّ
    خُطُواتِي كَهَمْسٍ وَسْطَ إِعْصَارٍ.

    أُسَايِرُ رَأْسِي الْمُثْقَلَةَ نَحْوَ وَهْمِي الْخَاصِّ،
    كَمَنْ يَهْرُبُ مِنْ نَارٍ إِلَى أُخْرَى.
    نَعَمْ،
    هَذَا
    أَنَا.

    **

    المعبد

    رَأَيْتُ الانتِظارَ رُؤْيَةَ العَيْنِ،
    سَائِرًا عَلَى دَرْبِ أَبَدِيَّتِي الضَّبَابِيِّ.
    يَلُوكُ أَزْمِنَةً لَمْ تَصِلْ بَعْدُ،
    وَيَقْذِفُنِي نَحْوَ هَاوِيَةٍ
    اعْتَدْتُ زِيَارَتَهَا
    بَيْنَ الحِينِ وَالْآخَرِ.

    **

    كَمَنْ يُحَاوِلُ الِارْتِوَاءَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ

    “أَلُوكُ حَبَّةَ الرُّمَّانِ”،
    أَوْ هَكَذَا أَحْسَبُنِي.
    أَتَزَحْلَقُ مِنْ وَهْمٍ إِلَى آخَرَ،
    فِي إِطَارٍ لَا عَرَقَ فِيهِ.

    جِلْدِي يَتَهَرَّأُ تَدْرِيجِيًّا،
    أَلَمٌ يَنْسَابُ إِلَى الدَّاخِلِ،
    لَا شَيْءَ بَاقٍ لِي.
    لَسْتُ أَمْلِكُ سِوَى…
    أَمَلِ الضَّبَابِ.

    **

    دَرْبُ اللاعَوْدَةِ


    “فِي البَدْءِ كَانَ التِّيهُ”

    ١)
    أَسِيرُ فِي دَرْبِي،
    أَوْ أَنَّهُ
    هُوَ الَّذِي يَسِيرُ بِي،
    كَمِصْعَدٍ كَهْرَبَائِيٍّ
    نَحْوَ وِجْهَةٍ أَجْهَلُهَا،
    أَوْ أَنَّهَا
    تَقْبَعُ فِيَّ.

    يَقْطُرُ مِنْ ذِهْنِي تَنَاشُزُ السَّرْدِيَّاتِ،
    شَكِّي فِيهَا،
    أَوْ رُبَّمَا جَهْلِي بِالقَوَاعِدِ.

    لَا وَاقِعٌ أَنْتَمِي إِلَيْهِ.
    أَنَا التَّائِهُ فِي
    تِيهِي،
    /أُخَالُهُ تِيهِيَ الخَاصَّ/.

    ٢)
    وَقْتٌ مُتَأَخِّرٌ.
    مُتَأَخِّرٌ جِدًّا
    عَنْ مِثَالِيَّتِي وَانْضِبَاطِي.
    لَا عَقْلَ هَادِئٌ يُرِيدُ أَنْ أَكْتُبَ،
    وَلَا يَدٌ.

    سِلْسِلَةٌ مِنَ الهَزَائِمِ أَعِيشُهَا
    فِي أَنْ أَجْعَلَ شَبَكَةَ العَنْكَبُوتِ
    خَيْطًا وَاحِدًا أَسِيرُ عَلَيْهِ:
    “صِرَاطِيَ المُسْتَقِيمَ”
    نَحْوَ وِجْهَةٍ أَجْهَلُهَا.

    **

    لَا نِهَائِيَّةُ الانْعِكَاسِ

    كَيْ أَلْحَقَ بِرَكْبِ غُودُو أَوْ عَلَى الأَقَلِّ أَرَاهُ،
    يُرِيدُ مِنِّي الرَّاوِي العَلِيمُ أَنْ أَهْرُبَ مِنَ الشُّعْلَةِ الزَّرْقَاءِ.

    كَيْفَ أَهْرُبُ مِنْهَا؟ بَلْ كَيْفَ أُهَرِّبُهَا مِنِّي !؟

    هِيَ فِيَّ: “لَا نِهَائِيَّةُ الانْعِكَاسِ”.
    هِيَ فِيَّ كَمِرْآةٍ تُقَابِلُ مِرْآةً.

    _______________

    *نصوص: محمد هيوا – العراق

  • حادي النوق من حجرٍ إلى جوٍ، ونصوص أخرى – ماجد سليمان

    حادي النوق من حجرٍ إلى جوٍ، ونصوص أخرى – ماجد سليمان

    حَادِي النُّوقِ مِن حَجْرٍ إِلَى جَـوّ

    مِئَاتُ الرَّاجِلِينْ

    فِـي ثِيَابٍ صَفْرَاءَ

    وُجُوهٌ تَـحُكُّ حُزْنَـهَا بِالرِّمَالْ

    دَخَلُوا مِن جَانِبٍ مُهَدَّمِ مِن أَسْوَارِهْ

    يُوغِلُونَ فِـي اللَّيْلْ

    كَأَشْبَاحٍ عَارِيَةْ

    تُؤلـِمُ مُنْحَنَيَاتِ الطَّرِيقْ

    – –

    أَيْدٍ تَتَحَرَّكُ دُونَ إِرَادَةٍ مِنْهَا

    أَبْدَانٌ نِصْفُ نَاهِضَة

    فَجْرٌ انْتَزَعُوهُ مِنْ فَجْر

    سَفَرٌ أَوْلَـجُوهُ فِـي سَفَر

    نَسُوهَا مُغْمَضَةً أَعْيُنُ النُّجُومْ

    عَلَى أَذْرِعٍ مُسْدَلَةْ.

    – –

    الغَسَقُ، الغَسَقْ

    يَرْجِمُ الأَبْصَارَ الـمَائِعَةَ

    وَلَا أَعْيُنَ

    فَتُفَرِّقَهَا مـَجَادِيفُ النَّهَارْ

    فِـي مَعْبَرِ القَوَافِلِ الـمَنْسِيَّةِ

    بَيْنَ أَشْجَارٍ لا تَبْتَسِمْ

    وَوُجُوهٌ مُبْتَلَّةٌ بِالتّعَبْ.

    حاشية النص:

    *حَجْرُ اليمامة (مدينة الرياض حالياً).

    *جَوّ اليمامة (مدينة السّيح حالياً)

    ***

    سَمَاءٌ لا تَختَالُ بِالمَغِيْب

    مِن مَقعَدٍ فِـي الـحَافِلَةْ

    يَـمْتَدُّ بَصَرِي

    إِلَى فِتْيَةٍ تَشْهَقُ ظِلَالُـهُمْ

    إِلَى شُيُوخٍ يَتَقَاطَرُونَ مِن الـحَارَاتِ الأُولَـى

    يَفْرُكُونَ أَعْيُنَهُم

    يَتَأَكَّدُونُ أَنَّ النَّهَارَ جَلَيّ

    يُـجَرْجِرُونَ خَلْفَهُم حَقَائِبَ الـمَرَضْ

    بِأَيْدٍ مُرْتَعِشَةْ

    يَدفَعُونَ نُقُودَاً مَعْدِنِيَّةْ

    يَـحْتَمُونَ بِشُقُوقِ الآطَامْ

    يُدَخِّنُونَ قُرْبَ الـجُدْرَانِ الـمُهَدَّمَةْ

    هَارِبِيْنَ مِن لَـهِيبِ الـمَصِيرْ

    أَحْصِنَةُ غَرَائِزِهِم

    تُبَعْثِرُ أَغْصَانَ الأَحلَامِ فِـي رُؤُوسِهِم

    أَدْخَلَتْهُم

    أَنْفَاقَ الأَسَفِ لِشُهُورْ

    إِلَى مَعْبَرِ الـمَنَايَا

    يَـخْطُفُهُم رَصَاصُ الـهَرَمْ

    بِبَنَادِقِهِ العَمْيَاءْ

    حَيْثُ السَّمَاءُ لَا تَـخْتَالُ بِالـمَغِيب

    -2

    مُرْدَانُ الرَّابعَةِ سَهَرَاً

    مُرْدَانْ

    عَمِيْقَةٌ نُفُوسُهُم كَالبِحَارْ

    رَكَلُوا صَبْرَهُمْ

    وَرَمَوْهُ أَرْضَاً.

    مَكَثُوا وَقْتَذَاكَ يَصْرُخُونَ بِلا صَوْتْ

    وَهُمْ يَـجْمَعُونَ أَحْلَامَهُمْ

    وَيَـحْشُرُونَـهَا 

    فِـي صُنْدُوقِ النِّسْيَانْ.

    رَأَيْتُهُمْ

    يَقْرَعُونَ طُبُولَ الضَّجَرِ 

    بِاتِّـجَاهِ الـمَوْتِ القَرِيبْ.

    رَأَيْتُهُمْ

    يَقِفُونَ فِـي الظِّلِّ القَصِيرْ

    قَامَاتـُهُم مَائِلِةٌ

    عَلَى نَـهْرِ الصَّمْتِ الطَّوِيلْ.

    رَأيْتُهُمْ

    يَقْطَعُونَ تَذَاكِرَ إِلَـى الـحُرُوبْ.

    رَأيْتُهُمْ

    يَتَسَوَّلُونَ فَرَحَاً مُـمْكِنَاً فِـي الأَرْضْ.


    نصوص: ماجد سليمان، شاعر من السعودية

  • إستوريل – أحمد العشري

    إستوريل – أحمد العشري

    في مقهى إستوريل، حيثُ تُعانقُ البيرةُ أحلامَنا

    نلتهمُ زجاجةَ التأخيرِ،

    وأنتِ بجانبي كغيمةٍ ناعمة،

    تتنقّلين بين الصفحاتِ واللوحاتِ

    لتتراقصَ أطيافُكِ بينَ ظلالِ الذاكرة

    إستوريل مطعم ومقهى قديم في وسط القاهرة

    أشعلتِ حواسي بنورٍ غيرِ مألوفٍ،

    نظّاراتي بين يديكِ، بعدَ خلعها عنوةً

    كنتِ تكتبينَ قصائدَ الفراق،

    تحاولينَ جاهدةً أن تُصوّري ما لا يُفهَمُ،

    لكنَّ الكلماتِ تاهَتْ،

    تخشى أنْ تتركَ أثرًا لن يُمحى

    عيوني،

    لا أملكُ غيرَها،

    ارتديتِها

    فبدت كلُّ التفاصيلِ تنبضُ بالحياة،

    كأنَّ الشمسَ رقصَتْ على شفتيكِ،

    وكلُّ الألوانِ واللوحاتِ في المقهى

    استدارتْ، لتُغنّي لحنًا لا يفهمه

    إلا نحن!

    كنتِ يا حبيبتي سليمةَ النظرِ،

    لكنَّ حينَ ارتديتِ نظّارتي،

    تبدَّلَ العالمُ في عينيكِ،

    رأيتِ ما وراء العتمةِ،

    وكلُّ الكؤوسِ ترقصُ في روحكِ،

    الثملة!

    تغنّينَ الآن لحنًا لا يفهمه إلا أنتِ،

    كما لو كنتِ تجري على أوتارِ جرحٍ

    قديم!

    الحروفُ تعاندُكِ، تفرُّ كأوراقِ الخريف

    وبينما كنتِ ترين،

    تلاشى الضبابُ عن عينيكِ،

    وصارت العتمةُ صورةً عابرةً،

    كلُّ ما كنتُ أراهُ، صار نافذةً لكِ،

    كأنَّنا على ضفافِ حلمٍ لا ينتهي

    كلُّ الخريفِ القريبِ،

    صارَ لوحةً تُرسمُ،

    تُجسِّدُ الأملَ وسطَ العدمِ

    بينما الجرحُ يستمرُّ في نزيفِه،

    عالقًا بين الذاكرةِ ورغبةِ النسيانِ،

    كلُّ الأشياءِ الآن،

    تتلاشى

    عينانِ تتشابكان،

    وفي قلبِ كلٍّ منهما،

    أصداءٌ لم تُمحَ

    اقتربتِ فجأةً،

    نظراتُكِ عميقةٌ ملأى بالشوقِ..

    عيناكِ تستقرّانِ في عينيَّ

    اقتربتِ ببطءٍ تامٍّ،

    كأنّكِ تحاولينَ طبعَ قبلةٍ تثبتُ الزمنَ،

    لكنني تراجعتُ بلطفٍ

    خشيتُ أنْ أتركَ أثرًا،

    كأنَّ تفاديَ تلك القبلةِ

    كان طريقًا إلى الأبديةِ المُرهقة،

    لحظةً تائهةً بين رغبةٍ دافئةٍ

    وخوفٍ باردٍ،

    فبقيتِ القبلةُ بيننا،

    وممارسةُ الحبِّ

    وكأسُ النبيذ

    وصوتُ النادلِ “أيمن”

    وقطتُهُ الميتةُ

    وابنتُه التي تُشبِهُكِ!

    إستوريل يُغنّي ونُردّد معه:

    “وفي الشتاءِ نفترق

    نكتبُ قصائدَ الحنينِ،

    بينَ عطرِ البيرةِ وضوءِ الشموعِ”

    ثمَّ جاء موسمُ الخريفِ والقنابلِ،

    ينسجُ حولَنا عباءتَهُ الصامتةَ،

    لم نجدْ مخرجًا من ضوءِ أشباحِ المساءِ،

    ينزعنا من أحلامنا المتشابكةِ

    وادّعيتِ أنَّ الحبَّ تلاشى

    كدخانِ السجائر،

    وأنتِ تضحكين،

    ” كلُّ الأوراقِ تتساقطُ في عينيَّ،

    كلُّ شيءٍ يتلاشى ببطءٍ،

    ولم يبقَ سوى الصمتِ”

    كأنَّ القدرَ أهدانا تلكَ اللحظةَ،

    عندما رأيتِ العالمَ

    مع كلِّ لمسةٍ من عدستي،

    فصارتِ الرؤيةُ واحدةً،

    وكلُّ الضوءِ والسحرِ قد خفَتَا،

    وعُدنا بعيونٍ لا تُخطئ.

    ——–

    أحمد العشري – القاهرة  

    21 اكتوبر 2024

    3:35 صباحًا

  • مرثية غياب – أحمد  العشري

    مرثية غياب – أحمد العشري

    مرثية الغياب

    ” ل “

    نَجْمُكِ الغِيابُ،

    وقَمَرُكِ الرَّحِيلُ والدَّمُ.

    والآن أَبحثُ عَنكِ

    في سَمَاءٍ لا يُشرِقُ فيها القَمَرُ،

    وفي أَرْضٍ تَكسُوها فَوْضَى الغِيابِ.

    تَتوهُ الأَقدامُ بَينَ الرِّمالِ،

    والرِّيحُ تَسُوقُني إلى حَيْثُ لا وِجْهَةَ.

    كُلَّما اقتَرَبْتُ من نافِذَةِ الحُلْمِ،

    رَأَيْتُ ظِلَّكِ يَمضِي بَعيدًا،

    كَأَنَّكِ سَحابٌ يَنمُو مع الشُّهَدَاءِ.

    هَل تَذْكُرينَ ذَلكَ المُسافِرَ العَطِشَ

    الَّذِي يَسعَى إلى واحَتِهِ المَفقُودَةِ؟

    والقَمَرُ غَائِبٌ عن سَمَائِهِ،

    لَكِنَّ نَجْمًا جَدِيدًا

    بَدَأَ يَتَشَكَّلُ في البَعِيدِ،

    كَنبُوءَةٍ لم تَكْتَمِلْ.

    يَكتُبُكِ على حَافَةِ الجِدَارِ المُهَدَّمِ،

    يُلقِي بحُرُوفِهِ في نَهْرٍ مُهَاجِرٍ،

    عَلَّهُ يَعُودُ إلَيكِ بالحَنِينِ،

    أو يَمضِي بكِ إلى بَيْتٍ غَارِقٍ

    في حَكَايَاتِ المَطَرِ.

    فالمَدَى الَّذِي تَاهَتْ فِيهِ الأَغَانِي،

    والقَصِيدَةُ الَّتي تَتْلُو وَجَعَهَا

    على جُدْرَانِ لَيْلِهَا الطَّوِيلِ

    كاناَ بلا نُجُومٍ،

    كانَا أُغْنِيَتَنَا

    ” ي “

    يَا مَن تَشْبَهِين الرِّيحَ،

    أَبحثُ عنكِ بَيْنَ الشَّرَفَاتِ المَهْجُورَةِ،

    وفي أَصْواتِ الشَّوارعِ الخالِيَة 

    حتى في الازدحامِ

    كُلَّما أَغمَضْتُ عَيْنَيَّ،

    اراكِ ظلال تَتسَرَّبُ بَيْنَ نُورٍ خَافِتٍ،

    كُلَّما حاوَلْتُ الإمساكَ بِهَا،

    تَحوَّلَتْ إلى رَمَادٍ يَتَناثَرُ في الهَوَاءِ.

    المَدِينَةُ بلا أَهْلٍ،

    والشَّوارِعُ تَئنُّ تَحْتَ وَطْأَةِ الحنينِ،

    وكَأَنَّها تَسألُ عنكِ.

    أنتِ الغائِبَةُ الَّتي تَتَحَدَّثُ عَنِّي 

    بِصَمْتِ المَسافاتِ،

    لاظل العَابِرُ الَّذي يَقِفُ 

    على حَافَةِ الانتِظارِ،

    يَنْتَظِرُ نَجمًا جَدِيدًا لِيُضيءَ 

    ما تَبَقَّى من اضواءنا .

    أنتِ يَا لَيْلَى،

    اول نشوة السُكر 

    والبلوغ

    لَكِنَّ نَجمَكِ ..

     يُنيرُ خَطَوَاتِي الهَارِبَةَ من العَدَمِ.

    يرشدني لنجمٍ جديد

    ” ل “

    لِمَنْ أَتركُ هَذا العطر العَالقَ في دَمِي؟

    المَدِينَةُ تَلْبَسُ ثَوْبَ العَتْمَةِ،

    وأنتِ غائِبَةٌ خَلْفَ سِتارٍ من الغُمُوضِ.

    أَقتَفي أَثَرَكِ في رَائِحَةِ الزَّهَرِ،

    الذي مات في اول لياليه 

    على سريرك 

    وسط أشباحك 

    وصوت المَطَرِ 

     تغتالون زُجاجَ النَّوافِذِ.

    وتغنون مع الخريف الكاذب ؛

    ” القَمَرُ غائِبٌ،

    و اللَّيْلَ لا يَخلَعُ عَبَاءَتَهُ ،

    وها هو  الغَرِيقٌ 

    في بَحرٍ من الذَّاكِرَةِ،

    كُلَّما حاوَلْ السِّباحَةَ نحونا،

    انْجَرَفْ إلى عُمقِ الغِيابِ ! “

    نَجمٌ جَدِيدٌ يَلُوحُ في سَماءِ هذا اللَّيْلِ،

    كَنَبْضٍ خافِتٍ لا يَكادُ يَظهَرُ،

    كَأَمَلٍ يَخْتَبِئُ خَلْفَ عينيكِ

    ويغني بأعلى صوت ؛

    أَيَّتُها الغَرِيبَةُ،

    هَل تَسمَعِينَ صَرْخَتي عَبْرَ أَمْوَاجِ الرِّيحِ؟

    أَم أنَّه ذاك المحتال الوغد 

     سَرَقَ صَوْتي كَما سَرَقَكِ مِنِّي؟

    أنا الَّذي لا يَعْرِفُ سِوَى الحقيقة ،

    أَنْتَظِرُ نَجمَكِ الجَدِيدَ

     لِيَشرُقَ من بَيْنِ الرُّكَّامِ.

    ” ى”

    يَا لَهَذا اللَّيْلِ الطَوِيلِ 

    الَّذي يُسافِرُ في عروقك،

    يَا لَهَذا القَلْبِ النابضُ

    وتلك الشفاه المعتقة 

     بالشَّوْقِ لجُرحٍ لا يَلتَئِمُ.

    لأتذكَّرَ شاعرًا كان يطفئ 

    أحلامه 

    مع رماد تبغه 

    في كوب شاي 

    ويصرخ ؛

    “إنّي لأعْجَبُ !

    كيْفَ ذَاكَ الصَّدْرُ يحملُ نافِرَيْنْ

    صُبْحًا من الأنْدَاءِ

    والسَّيْفَ الذي قتَلَ الحُسَيْنْ”

    هَرَبْتِ بَعِيدًا كَفَراشَةٍ تَخشى الِاحْتِرَاقَ.

    أَقِفُ على عَتْبَةِ اللَّيْلِ،

    أُراقِبُ كَيْفَ تَتَساقَطُ النُّجُومُ كَدُمُوعٍ صامِتَةٍ،

    وَأنتِ تُسافِرينَ بَعِيدًا في طُرُقاتٍ لا أَعْرِفُهَا.

    أنتِ يَا لَيْلَى،

    مَن تَفْتَحِينَ أَبْوابَ الغِيابِ،

    ومَن تَغْلِقِينَها في وَجْهي كُلَّما اقْتَرَبْتُ،

    كَأَنَّكِ قَصِيدَةٌ كَتَبَتْها السَّمَاءُ

    لِتَظَلَّ مُعَلَّقَةً بَيْنَ الضّوءِ وَالظَّلامِ،

    وكلَّما حاوَلْتُ قِرَاءَتَكِ،

    اخْتَفَيْتِ مع النُّجُومِ.

    ———–

    أحمد العشري – القاهرة

    ١٧ -١٨ اكتوبر 2024

    6:40 صباحًا

    هامش : المقطع الاتي للشاعر الراحل السيد غازي وهو نوع من انواع التناص والتحية له 

      “إنّي لأعْجَبُ !

    كيْفَ ذَاكَ الصَّدْرُ يحملُ نافِرَيْنْ

    صُبْحًا من الأنْدَاءِ

    والسَّيْفَ الذي قتَلَ الحُسَيْنْ”

    ***

  • مقاومة خطابات الكراهية – فاطمة بنت ظافر الأحبابي

    مقاومة خطابات الكراهية – فاطمة بنت ظافر الأحبابي

    يُدركُ العالم في أوج صراعاته ضرورة مقاومة خطابات الكراهية بكلّ تمثلاتها وتصانيفها ومرجعياتها المستندة إليها والمنطلقة منها. إذْ إنَّ ما يوقد فتيل أيّ صراع بشريّ في أصل مُبتدئِه هو خطاب. ذلك أنَّ الاتصال بمَن هُو آخَر يتطلب شفرة اتصال وأداة هي اللُّغة.

    فاللُّغة المنطوقة والمكتوبة وأيّ علامات تُحيل لمعنًى يُراد قوله هي أساس التعبير عن الذات المتكلمة ووصولها إلى الآخر؛ وذلك حسبما يورد اللِّساني وعالم اللُّغة “ابن جِنّي” في تحديده الجانب الوظيفيّ للُّغة الإنسانيَّة في قوله: “أصواتٌ يُعبِّر بها كلّ قوم عن أغراضهم”.

    وعليه فقد استُغلّ النظام اللُّغوي في سياقات عِدَّة، ووُظِّف بطرقٍ غير مُتأنْسنة بقيم الإنسان الفضلى، منها خطابات الكراهية، التي هي أحد أفانين الخطابات التي عرفتها جماعة المتكلمين حسب ضرورات منافعها، وتكتنز هذه الخطابات مضامينَ تُمثِّل شُرور النَّفس البشرية، مثل:

    التمييز العنصري وفق إثنيات عرقية أو دينية أو انحيازات جندريَّة، وتهييج السلوك العدواني لإيذاء الآخر اللامُنتمي، وتبرير دمويَّة الإنسان وعنفه التاريخي بمزاعم عِدَّة، إضافة إلى إقصاء الآخر -الأقليات والمختلفين- بدعوى تحقيره وتهميشه، والإسفاف بكرامة الإنسان وحريته وضرورة اختلاف تجليات وجوده في تعدديَّةٍ هي فطرة وجوده.

    وللحديث عن الكيفية التي يكتسب بها خطاب الكراهية شيوعه أو يدعو إلى تبنِّيه، يورد الفيلسوف ميشيل فوكو في كتابه “نظام الخطاب” قوله إنَّ المذاهب -أيّ مذهب- تميل إلى الانتشار عبر الاستعمال المشترك للمجموعة الواحدة نفسها مِن الخطابات، التي يعرف عددٌ مِن الأفراد انتماءهم المتبادل عبرها، والشرط الوحيد المطلوب، في الظاهر، هو الاعتراف بالحقائق نفسها وقبول قاعدة معينة.

    وهو يقصد أنَّ الاتفاق على مشتركات معنوية محددة تجعل الأفراد يتبنّون الخطاب، ما يعني شيوعه.. ويتضح هذا في المذاهب العقديَّة على سبيل المثال، إذْ إنَّ صُور التعصُّب العقديَّة ليست مرتكزة على آليات مذهبيَّة لأنها أساسًا تنتمي لها، حسب تعبيره، وإنما هي مرتكزة على منطوقات -خطابات- وذوات متكلمة، تصلح دومًا للاستعمال بوصفها علامةً أو تجلِّيا أو أداة انتماء مسبق: انتماء لطبقة، أو لمكانة اجتماعية، أو لعرق، أو قومية أو مصلحة. إذًا فالمذهب -أيًّا كانت ماهيَّته- يستعمل بعض أشكال التعبير لربط الأفراد فيما بينهم، ولتمييزهم عن كل الآخرين.

    بمعنى أنَّ التداول والشيوع المتحقَّق لأيّ خطاب كراهية مقترن بمدى المشتركات التي يتبنّاها الأتباع -أتباع أيّ خطاب- ويمكن الاستدلال على هذا في التآويل الدينيَّة الغَلَط ذات الطابع الكراهيّ. وأنا أضرب مثال التآويل في خطابات الأديان، لأنها تتسمّ بعدد أتباع كبير مقارنة بسائر الخطابات.

    والتاريخ -المؤرخ منه فقط والذي وصل إلينا- يكشف الكراهية التي تسببت فيها تلك التآويل الغَلَط للخطابات الدينيَّة، فكيف بكل ما لم نصل إليه ولم توثِّقه طُروس المؤرخين، بل ولا تزال تتسبب فيها حتى هذه اللحظة؟!

    ولتفصيل المثال، فإنَّ بعض التفاسير الدينيَّة تورد أفكارًا ومضامين وتعبيراتٍ تدعو إلى ازدراء فئة أو جنس معيّن أو حتى معاداة الآخر غير المعتَنِق أو المختلف، ويتَّخذ الأتباع تلك التفاسير بوصفها “حقائق”، وذلك ببساطة لأنهم ينتمون إلى نَسَقِ الخطاب، إلَّا أنَّ الإنسان في هذا الجزء من آنِ الزمن قد بلغ مبلغًا مِن الوعي الذي يُمكِّنه مِن إعادة النظر في جميع التفاسير والتآويل ذات الطابع الكراهيّ أو الإقصائيّ، وهذا كما أرى أحد مظاهر مقاومة تلك الخطابات.

    لكن ينبغي توضيح حقيقة أنَّ عملية إعادة النظر في التآويل الدينيَّة الغلط أو الداعية إلى الكراهية ومعاداة الآخر هي عملية عويصة؛ ذلك أنَّها تجد مقاومة مِن أتباع الخطاب. لكنني أعوِّل في وجهتي على السُّلطة بما لها مِن نفوذ وسيادة في تمكين هذه العملية والإسهام في خلق سلميَّة في جميع الخطابات الدينيَّة وغيرها مِن الخطابات التي تدخل السياق التداوليّ في مجتمع السُّلطة.

    وقد عَرفتْ البشرية مِن عُمْر آدَمِها الأول عنف الإنسان، وبشاعة تطرّفه حدّ النفور، إذْ اقتيدت الجماعات للحروب بمحض خطاب كان يقتدر على خلخلة الأنظمة السياسيَّة والمجتمعات الإنسانيَّة وتدمير الأمان والسلم فيها، ويكفي مِن لوثات خطابات الكراهية أنها تجرُّ إلى هدر قداسة روح الإنسان في كل الأراضين، وهذه وحدها علّة أولى وكافية للالتفات إلى ضرورة مقاومتها، خصوصًا في هذا التحديد الزمنيّ الذي نلحظ فيه الإنسان ينحو نحو البهيميَّة والوحشيَّة في العيش والوجود، والاستماتة في تصدير المعتقدات وتعميم الأحاديَّة في تصوّرات الإنسان عمَّا هي الحياة وكيف يعبرها، ما يمحق أي فرص للاختلاف ويُلغي أي اعتبارات للتعدديَّة التي هي سَمْت أيّ واقع وأيّ نَسَق اجتماعيّ.

    وتصيرُ ضرورة مقاومة خطابات الكراهية واجبًا بدَهيًّا يلزم الإنسانية بأسرها، وقد بدأت هذه الجهود تظهر وتحظى بصداها في التشكيلات الدَّوليَّة والاتفاقيات التي تُصدَّق فيما بينها، من مثل: العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للأمم المتحدة، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.. والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وغيرها من صكوك حرية حقوق الإنسان وتعظيم إرادته وتقديس روحه في وجوده.

    لكن ينبغي القول إنَّ خطابات الكراهية لن تزول بمجرد التصديق الدَّولي على إجراميّتها ما دام الدور الذي تعتقد الدول، بوصفها تنظيمات سياديَّة ذات نفوذ، أنه دورها، وهو الاقتصار على مجرد التصديق، بوصفه مشاركة دبلوماسية نفعيَّة تكاد لا تتجاوز ظاهراتيّتها الصُورية، بل عليها أنْ تمارس دورها الحقيقيّ مِن منطلق مسؤولية مكانتها وأنْ تنظِّم في إطارها الداخلي تشريعات ضابطة، وأنْ يكون خطابها الإعلاميّ والتربويّ والثقافيّ هو نفسه سلميًّا لا تشوبه لوثات الكراهية والانحيازات غير العقلانيَّة، إذْ مِن العقلانية أنْ أقول إنّه لا ثقافة مثاليَّة لا تتخللها انتكاسات التفوُّق وحَوْز الصواب ومحاولات إقصاء الآخر المختلف وشيطنته؛ لأنَّ هذه كانت بدائيّتنا الأولى في إنساننا الأول.

    كما أود الإشارة إلى المحاولات المعاصرة لبعض المفكِّرين العرب في إعادة النظر في تآويل الخطاب الديني الإسلامي وفق المقاربات الإنسانيَّة، وأنا إذ أذكر محاولات مقاومة خطابات الكراهية لدى أتباع النَسق الدينيّ الإسلاميّ، أورد هذا مِن منطلق حدود اطِّلاعي، لا بدوافع تهميش محاولات الآخرين وجهودهم في أنساق الخطابات الدينيَّة أو الثقافيَّة الأخرى أو ما عداها.

    إذْ عرف العصر الحديث وعيًا بضرورة إعادة النظر في الموروثات الخطابيَّة الدينيَّة، خصوصًا بعد الفوضى السياسيَّة التي سِيقت باسم الدين وتعاليمه، المتمثلة في الإسلام السياسي والتنظيمات الإرهابية والمتطرّفة. وبرغم تعثّر بعضها ونجاح بعضها الآخر دون اعتراف بنجاحها، إذ لم تجد الصدى الكافي والسياق التداوليّ الذي يتواءم مع قيمتها، بل وجُوبهت بمقاومة أبداها أفراد يجدون انتماءهم المتبادل في الخطاب الدينيّ الإسلاميّ؛ فإنه يُمكن اعتبارها وجهًا قديرًا مِن أوجه مقاومة خطابات الكراهية.

    كما أضيف ضرورة الالتفات إلى خطابات الكراهية الثقافيَّة والاجتماعيَّة التي بدأت تبرز بوتيرة كبيرة مع واقع الانفتاح الذي يُمارس في الفضاء العام للحياة الواقعيَّة وفي الفضاء الرقمي، وألَّا يُكتفى بحصر مقاومة خطابات الكراهية فيما يُشكّل تهديدًا للسُّلطة فقط، بل فيما يُشكِّل تهديدًا لأمن الفرد الواحد عينه، إذ ينبغي الحدّ مِن تفشِّي مظانّ المتزمّتين مِن مروِّجي خطاب الكراهية بأحقيَّتهم في ممارسة خطابات إقصائيَّة ومعادية للتعدديَّة والاختلاف وقِيَم التعايش مع الآخر، سواء كان هذا الآخر من خارج الثقافة والمجتمع أو من داخلهما.

    ومِن الضروري كذلك ألَّا تُهمَّش الخطابات المماثلة، وألَّا يُهمَّش تأثيرها السلبي في إرباك الأمن العام والخاص، لأنها تتضمن سياقات تحريضيَّة، وأنْ يُنتبه إلى تبريراتها ونوازعها القائمة على أفكار لا يُعبَّر عنها أو يُذاد عنها بطرق متطرفة مِن مثل مزاعم المحافظة على الهُويَّة أو الوحدة الوطنيَّة واتّخاذ تلك المزاعم كمسوّغات لاستعداء أيّ حالة من عدم التجانس أو الاختلاف، في حين تكون أكمل صورة للمجتمع الإنسانيّ الصحيّ والطبيعي -توصيفًا سوسيولوجيًّا- هي في عدم تجانسه واكتنازه بالتعدديَّة والثراء الإنسانيّ.

    فاطِمَة بنت ظافر الأحبابي.

  • قلبي نذر لعينيك، ونصوص أخرى – عبير الديب

    قلبي نذر لعينيك، ونصوص أخرى – عبير الديب

    شهقة

    عيناك مرآة الأنوثة 

    عندما ألقاهما أتحول امرأة فريدةْ

    ويداك ..أي سحابة

     تلك التي 

    تروي ظما عمري و أحلامي البعيدةْ

    شفتاك رقصٌ مولويٌ في دمي 

    وتخالفُ الإيقاعَ

    يَشْهقُ داخلي وحشٌ أسيرٌ 

    يكتبُ الآن القصيدةْ

    ***

    أفكارُ بنتٍ عادية

    أعرفه قبل بزوغ الحب على شرفة قلبي

    أعرفه قبل دخولي مملكة شرود البالِ

    وقبل معاقرتي كأس الأهواءِ

    وأعرفه 

    عادياً كان 

    و كنت امرأةً عاديةْ 

    لا صوت رجولته يعنيني 

    لا عطرٌ يستعبد إن فاح شراييني

    لا لون العينين 

    ولا نظرته السحرية

    أعرفه 

    يمشي في الحي ككل الناس 

    و يوزع خبز بشاشته لجميع الناس

    لا اذكر أني قبلا أغرقني الوسواس

    لا أعرف كيف دخلت به منطقة الهذيان

    أسرفت قليلا في  تحميل اللحظة  بعض الألوان

     فغدا في قلبي بستانًا

    و سفيرًا فوق العادة للأحلام الوردية 

    يكتب أشعارا عن بنت تغوي نيسانْ

    و يجيد قراءة ما يزهر تحت الفستانْ

    فيثير زلازل تقلبني 

    و تغيّر خارطة حدودي 

    يغمرني البحر و أصبح بين يدية كحورية

    ***

    بدر دحلان

    قلبي نذر لعينيك

    إلى بدر دحلان، الشاب المعذّب في سجون المحتل

    لعينيكَ 

    والخوف طفل 

    أمام ازدحام الفجائعِ… فرّ

    وخاف بما فيهما أن يعاني

    لعينيك

    والخوف غرٌ 

    وعيناك درسٌ كبير المعاني

    وعيناك قنبلتانِ… 

    وبئرٌ من الظلماتِ

    وهذي البلاد أمامك جائعة للأمانِ

    لعينيك قبل ضجيج السجون 

    وقبل انهيار المتون… وعجز الأغاني

    لعينيك

    أرفع قلبي بخوراً 

    وأشعل فيه الصلاة

    وأدري 

    بأن الصلاة -كجهد المقلِّ- هي الآن وهمٌ

    وأن الكلام كثيرٌ… ولكن!!

    لعينيك ليس يُعيد السلامَ

    وليس يعيد الزمان قليلاً

    ليغلق دونك باب الهوانِ

    *

    لعينيك… 

    أيقونتان معلقتان على سقف روحي

     تَنِزّان زيت الفجيعة… 

    معجزتان تخيطان جرح السؤالْ

    لوجهك… 

    هذا الجميل كآخر سور أمام انتحار الجمالْ

    لرعشة هدبك 

    ضحكة قلبك 

    عمرك قبل اغتيال السنين

    وعمرك بعد النجاة -إذا ما نجوت- من الإغتيال

    أقدّم قلبيَ نذراً… ولكن!!

    لعينيك خير النذور القتال


    نصوص: عبير الديب، شاعرة سورية

  • أعز الدروب تخلعني – ريناد الرشيدي

    أعز الدروب تخلعني – ريناد الرشيدي

    هل تشمين الفكرة هذه؟

    لطالما كانت الرائحةُ هي التي تربطُ بيني وبين كافةِ الأمور الأخرى، من كلِّ وجوهها. كانت الرائحةُ هي التي تحملني على بساطِ يدها، وتُعرِّفني بأبعاد الأمور. كانت الرائحةُ من لمست لي الحقيقةَ عندما كانت يدايَ لا تُبصرها، بحاسَّةٍ عمياء. كنتُ أتألم من رائحةٍ مارةٍ بما يلمسُ لي الأماكن التي تبعثرت فيها رياحي قديمًا، ولم يسعني جمعها؛ بتفاهةٍ كنتُ أرغبُ في جمعِ رياحٍ براحةِ كفي. كنتُ أحنُّ من رائحةٍ صباحًا تفتح كل المخابز التي يتجمع لها الناس مدركين أن بيوتهم المليئة خضارًا وفاكهة، جوعى دون خبزها. لكن لا شيء منها يشبه رائحة خبز أمي. كنتُ أبتهجُ أمامَ رائحةٍ، بصفوٍ مرٍّ لا أعرف بهجةً عدا رائحةِ العشب بعد المطر، رائحة رأس طفل لم يعرف الحياة بروائحها التي تضج برأسه الذي يفوح بالبراءة بعد. كنت أعرفُ نفسي، أعرف ما يؤثرُ بي بأصداءٍ عديدة، مثل وسيلةٍ أشمها. 

    قصة من منافٍ محتملة

    خلف القضبان الحديدية لسجين قد تم انتهاك إنسانيته في العدم، هناك شيء يئن كفريسة، هناك حياة أسقطت رايتها كبلدٍ تم احتلاله، هناك غموضٌ في منتصف وضوح القدر، وهناك القفزات المتتالية لئلا يشعر أن هناك من يمسك بحريةٍ قدميه.

    في حلق فتاة يعاملها الجميع كساقطة، هناك الصرخات التي لم تجد طريقها إلى الصوت، هناك التنهّدات التي استصعب القفص الصدري تكرارها، هناك الماضي والحاضر والمستقبل يتصارعون على من سيهينها أكثر.  لم تكن مُكبّلة كذاك السجين ولكنها كانت صامتة، كأن أحدهم حشر العالم أجمع في حلقها ومضى. صامته وكأن نبرة صوتها قد سرقها العدم. كانت مُكبّلة بالمعنى الداخلي للصمت.

    في غرفة امرأه قتلت نفسها، هناك الأرضية المبللة بآثار عدم القدرة على فهم الذات، هناك على سريرها محبوسة الليال التي أسرت عيناها على منظر لا نهائي من الألم. في نافذة غرفتها هناك عازل يصد السعادات التي تخترق حقيقة المشاعر الأمية، التي تستصعبُ التعريفَ صوتًا وصورة. نافذة غرفتها تشبه اللوحة التي تكون في الغرفة، ولكن كل حكايتها في إطارين خشبيين يمنعانها من الانسلال إلى الغرفة، من الانتشار في الغرفة كشبكة عنكبوتية.

    لا أحد يعرف كيف ينبع الأمر من الوجود الحقيقي، من النهر ذاته، كيف يواجه النبع سرعة الجريان، لا أحد يعرف كيف تغلي البراكين من داخلها متأهبة للانفجار. الأشياء تبدو دَارِجَةً من ناحية واحدة، لكن من الجوهر الذي تتشكل وتخرج منه، إنها لا تُحتمل.. الأشياء تبدو صعبة التصديق عندما تكون غير مرئية، لكن عندما يُنتهك جوهرها؛ ليس هناك جسد يستطيع إنكارها، لا توجد عينٌ تستطيع أن تخفي التصدّيق في بؤرتها، لكن الكلمات تفعل.

    طوبان الصمت تُبنى في عجز اللغة

    بينما تزدحم الأمنياتُ في الرمق الأخير من الكلمة، وتلتحمُ الحروف في كل ما يؤدي إلى الصمت، لا شيء هنا ليلم شتاتي، لا واجهة أخرى لتضم عروقي. بينما أركن نفسي كآخر مساء شتوي في ديسمبر، لا يمكنني سماع صوت عود الثقاب وهو يشعل نيرانًا في غرفة باردة تفتقر معنى الدفء. في وقت تتهالك الأمواج به وترقب، تضيع الموانئ التي تنقذ آخر سفينة ضائعه في المحيط. 

    أعرج في طريق منسيّ من قِبل الرحالة، ولا أحد يعرفه كي يجدني؛ حتى أن المشردون وجدوا طريقهم. 

    أعرج وأتعثر في حجارة التساؤلات التي تتفاقم كي تأكل أجوبتي المتبقية، بقيت وحُصرت داخل طريق يشبه الاستمرارية في بناء شيء وهمي مؤديًا للعدم. كأنني أسفل طوبان تُبنى فوقي، طوبان التساؤلات العمياء التي تخطف الرؤية. أعرج، ولا يسعني أن أدرك إلى أي مدى تستطيع الأجساد أن تنكمش وتضيع فيه؟ إلى أي مدى لا يمكن لأحد معرفة الوهن الذي تصله زوايا الجلد حين تلم بقايا عجزها؟

    *ريناد الرشيدي – كاتبة من السعودية

  • يومٌ هائل – أحمد الملا

    يومٌ هائل – أحمد الملا

    يا له من يوم هائل..

    بهذه العبارة، أو بالأحرى بمعناها عليك أن تنهي اليوم، وكلَّ يوم.  

    أن تنهضَ.. وتُسَمِّي الأيامَ بأسماءَ مَلأى بالمعنى.  

    بل أن تنهضَ وتُسَمِّي الأيامَ بأفعال ترتكبها عُنوةً، وليس أسماءَ ورثتـها أو صفاتٍ استعرتها من السابقين.  

    عليكَ أن تنحتَ ما تريدُ برغبةٍ لا تقلُّ مهارةً عن صائغٍ يُعالِجُ الذهبَ بالنار والمِخْرَز.  

    ولا تلتفت أبدًا..  

    لا تلتفت أبدًا فيُداهمَكَ الوقتُ، ويَمْرُقُ من بين جنبيك كأفعوان.  

    امضِ بشهوةِ المشتاقِ قبيلَ الموت، وافترعِ اللحظاتِ بشجاعةِ الخائفِ على عياله.  

    انتهـبـها.. كأنها كأسكَ الأولى بعد صحراء خالية، وتجرَّعها كما قُرصانٍ في بحرهِ الأخير.  

    لا السبتُ سبتٌ ولا الأحد، إن هي إلا هذا النور العابر من خرمٍ ويضيءُ مائلاً في خطٍّ طويل.  

    كل سطرٍ سيختفي.. ليتـلُوه آخر، وأنت تُحدِّق بين خطواتك مرتعبــًا خشيةَ أن تَزِلَّ قدمُك وتهوي في فراغٍ مظلم.  

    لهذا لا تنتبه، وتعيدُ تسميةَ الأيامِ كما اتَّفق.

    قُــم.. قُــم.. واركل غطاءً يعزلُ رغباتِكَ ويرتبها في أدراجَ مؤجلة.  

    هكذا يوهمُكَ بمعطفٍ للبرد، 

    بمظلةٍ حين تمطر، 

    وبمروحةِ الصيف،  

    وكأنكَ خانعٌ له، 

    ولا تحلمُ عاريًا تحت مطر غزير، 

    أو تلعبُ بالنارِ في عز الشتاء، 

    أو تقضمُ الثلجَ كلما عَنَّ للشمسِ أن تدهمك، 

    قُل لي من علَّمك

    هل سألتَ يومــًا 

    إن أردتَ السبتَ سبتاً أو الأحد؟  

    وهكذا.. 

    لا الاثنينُ اثنين، ولا الثلاثاء، 

    ما لم تخرج عاريًا من نومك، 

    تشقُّ الهواءَ بضحكةٍ ماجنة، 

    وتدعك عينيكَ بدهشةِ أعمى رأى 

    تَنقَضُّ بنَـهَـمِ الجائــعِ والفقير والمحروم، 

    وتتحدثُ بألسنةٍ عدةٍ 

    كأنما طارقُ الموتِ لحوحٌ على الباب  

    تنشبُ نظراتك فيما تتخيل، 

    وتضعه على الطاولة حيـًا

    أن تشمَّ رائحةَ الحِسَانِ بنفسٍ طويل، 

    فتقلبهنَّ على بطونهن.  

    أن تصعدَ السطحَ بقفزةٍ واحدةٍ.. وإلا.. 

    لا الأربعاءُ أربعاء ولا الخميس  

    دع يدك تسابقكَ، وشفتيك، 

    وانحز لكل قَصِيٍّ نَسِيَه الغافلون  

    اسبق اليقظةَ إليه وانهب ثمالته بلا ترددٍ ولا كتمان، 

    لينتفضَ جسدُك وتغشاكَ رعشةٌ، 

    ويبتردَ ظهرُك عَرَقٌ بارد كلما انتبهتَ لوجهكِ في المرآة  

    ليكن خلفَ ظلكَ ضجيجُ العابر حين يفجرُ، وأثره السخي.  

    تنفس..

    تنفس.. كأنما تملك تسعـًا وتسعين معنى للموت، 

    ولا تجدُ إلا نافذةً وحيدةً للحياة.  

    دع الجمعةَ في جمعته غافيًا ومثخنًا بجراحه، 

    ولا تضع علاجَه البـيـِّنَ من الغصن.  

    صِل الليلَ بالنهار، 

    فلستَ فلاحًا لتصطبرَ على الزهر، 

    ولا حديقةَ العجائز فتتأمل.. 

    وترسلَ تنهيدةً تلو أخرى.  

    اقلبِ الظهيرةَ ضحًى.. والأصيلَ فجرًا، بل دحرج المساءَ من علٍ بعد أن تملأه حصىً، وانصب على قمةِ الليل خِرْقةً تدلُّ السكارى بذنوبهم.  

    هيا، سَمِّ ما تريد.. كما تشتهي، لا تُهرق ماءك في طلبِ الغفران، ولا تتردد في أخذِ الثأرِ بأسنانك.  

    هيا… هبَّ كما ريح، لا تحتسبُ جبلًا كان أو سهلا، اقفز مرةً وكأنها الآخرة، واضرب بكعبكَ الأرضَ صارخــًا:  

    يا له من يومٍ هائل، يا له.. من يوم هائل.  

    لكنه السبتُ، الأحدُ، الاثنينُ، الثلاثاء، الأربعاءُ، الخميسُ، الجمعةُ …وهكذا.  

    ها أنت تقف.. ها أنت تقف على تلِّ نهار شاحب.  

    ترى أيامكَ تتدافعُ كالشياه، متشابهةً مثل ثغاء، خرقاءَ بلا حنين.  

    أيامًا تراها فارغة من كثرة تكرارها، تعصرُ جبينكَ دون أن تـُميـِّـزَ بينها.  

    أيامــًا .. مثل قواريرَ مهملة القفلِ، مغبرة وغير صالحة للاستخدام ثانية، ولا حتى للتذكر.  

    هيا.. هيا.

  • تمليناك – صلاح عبد الصبور

    تمليناك – صلاح عبد الصبور

    تملّيناكَ، حين أهلَّ فوقَ الشاشةِ البيضاءِ، 

    وجهُكَ يلثمُ العَلَـمَا

    وترفعُهُ يداكَ،

    لكي يحلِّقَ في مدى الشمسِ،

    حُـرَّ الخفقِ مُقتَحِمَا

    وكانَ الوجهُ مُبتسِمَا

    ولكن،كانَ هذا الوجهُ يظهرُ، ثم يستخفي

    ولم ألمح سوى بسمتِكَ الزهراءِ والعينين

    ولم تُعلن لنا الشاشةُ نعتـًا لكَ أو اسمَـا

    ولكن، كيفَ كانَ اسمٌ هنالك يحتويك؟

    وأنتَ في لحظتك العظمى

    تحولت إلى معنىً كمعنى الحبِّ، معنى الخيرِ، معنى النورِ، 

    معنى القدرةِ الأسمى

    تُراك،

    وأنتَ في ساحِ الخلودِ، وبينَ ظلِّ الله والأملاك

    تُراكَ، وأنتَ تصنعُ آيةً، وتخطُّ تاريخا

    تُراكَ، وأنتَ أقربُ ما تكونُ

    إلى مدارِ الشمسِ والأفلاك

    تُراكَ ذكرتني،

    وذكرتَ أمثالي من الفانين والبسطاء

    وكان عذابُهم هو حبُّ هذا العلمِ الهائمِ في الأجواء

    رأيتكَ جذعَ جميزٍ على ترعة

    رأيتكَ جانبًا من حائطِ القلعة

    رأيتكَ صخرةً من الأهرامِ مُقتلعة

    وقد وقَفَتْ على قدمين

    لترفع في المدى عَلَـمَا

  • الغربان – حمزة كاشغري

    الغربان – حمزة كاشغري

    خذيني معك أيتها الغربان، 

    إلى مكانٍ آخر تمامًا،

    خلف البحر .. 

    حيث الناس، لا يهتمون كثيرًا بكيف أبدو،

    وحيث التاريخ، لا يتعدى كونه مجرد حكاياتٍ للتسلية،

    وحيث القصص، تولد من جديد مع الصباح

    خذيني بعيدًا حيث الناس لا يعرفون اسمي،

    ولا يستقبلونني بالابتسامات الباردة،

    بينما يشحذون سكاكينهم في الخفاء

    خذي جلدي الذي قلّمته السياط

    وامنحيني ريشك الأسود

    خذي حكمتي الزائفة

    وامنحيني جناحيك

    خذي ثوبي الآدمي الذي لا يزال متلخطًا منذ قايين الأول، 

    وامنحيني بصيرة أجدادك وهم يعلمونه كيف يواري سوأة أخيه ..

    خذي لغتي، وشعري، ولساني الذي أصابه العيّ

    خذي مني صوتي، مرة واحدةً وإلى الأبد،

    وامنحيني هذا النعيب الذي يشبه النواح،

    كي أمارس بكائي الأبدي دون أزعج أحدًا

  • ما لم تروه الأدلة، وقصص أخرى – إستبرق أحمد

    ما لم تروه الأدلة، وقصص أخرى – إستبرق أحمد

    (المطبخ)

    المُرتكبون:

    المغسلة

    لاتستطيعُ مياهي مسحَ صرخاتِها في نوباتِها الحادة. تكدّس الصحون، الأكواب، والملاعق، والسكاكين، تُكرِّر ضرب قبضتها على حوضي، رأسُها مُرتخٍ على صدرها، تُحدِّق في دوران الماء.

     في إحدى خروجاتها على مشهدها اليومي، مضت في سعار الغضب والهذيانات، رمت زجاجاتِ أدويةِ ابنِها في حضني، كسرت الصحون والأكواب، أدارت مقبض الخلّاط، اندفعت المياه وقطع الزجاج، أصبتُ بدوار، فلفظتُ القطع الكبيرة، المحشورة في ماسورتي.

    ظلَّت ترفسُني بينما أسعلُ بحدّةٍ، مهشّمه بالمقلاة المزيد.

    ظهر ابنُها، أمسكَ زندها ضاغطاً بحُنوٍّ، احتضنها من الخلف، انتفضت،توقفت،تنهدت ولم ترفع رأسها ولم  تلتفت…

    الخزانة

    مللنا، حتى ابنُها ازداد تبرُّماً وكآبةً.

    دائمة الصراخ،لاعنة، شاتمة، مُهدِّدةً لنا بالاستغناء كما فعلت ببعض أغراضه  الأثيرة.

    لايكفُّ غضبُها عن جذب أدراجي وأبوابي التي عاندتها، فباتت تشدُّها للخارج، أو تلطمُها لتغلقها بقسوةٍ تُصيبها بالكسر والشلل. 

     جنّت في زيارة أختها الأخيرة لها ، شكت ابنها ولعنت المطبخ، مؤكدة أنهما سببُ انهياراتها المتواصلة، حاولت أختُها تهدئَتها، فتشاجرت معها وطردتها، رغم محاولة الابن ردعها عن ذلك.

    دخل،بعد ساعة، مديراً ظهرَهُ لهلوساتها، مُتشاغلاً بالبحث عن أقلامه ودفاتره التي يدسُّها  في أدراجي، لكمت ظهره، بصقت شتائمها على المطبخ؛ وعلت شهقات بكائِها.

    الموقد

    هو القرار الصحيح، فخبالُها تزايد، لاتتقيَّد بعلاجها ولا تذهب لمواعيد طبيبها.

    سابقاً تشعل عيني وتحرق مايقع بيدها من أوراقه، تمادت حاشرةً دفاتره وكتبه في فرني بشكلٍ هستيريٍّ وغير مفهوم،أهانتني ولعنتني لاحقاً، مُدعيةً أنَّ الفرن احتفظ برائحته.

     مؤخراً تكاثرت انفجاراتُ هيجانها، راكلةً الخزانة، باحثةً عن علبة الثقاب،  تُكوِّم صوره وأوراقه، تقاريره الطبيّة،تسخر من عيني العمياء  تشعل عيوني السليمة،تدعي أنني أتراخى في مهمتي وتلعنني، وتغرق البقايا المُتفحمة في المغسلة المتوجعة أكثرنا.

    و…

    تشتمُنا؛ تتهمنا وكأننا كنا نستطيع ردعه، لتخرج صافقة الباب.

      وعندما توعدتني بالمزيد،فجرّت كل ذعري، وتذكرت ألمي، سألتهم التعاون في خطة الخلاص، فتحمّست المغسلة جدااااا

      باشرتُ

    بدأب الصبورين …

    وشوشت وشوشتوشوشتوشوشت

    وشوشت وشوشتوشوشتوشوشت

    فوافقوا على الخطة.

    الابن

    حطمتْ أحلامي،دفنتْها،وضعتْ فوقها حجارةً فوق حجارةٍ، حاولتُ كثيراً أن أجدَ معبراً لأحققَ درجةً من النجاح، لكنها أقعدتني جانبها،أحبطتني،ما عدتُ أستطيعُ التحررَ من حبالِ محبتها المريضة، حتى شح صداقاتي تراها خيانات واهتمام بآخرين، لم أكن مُلتزماً بأدويتي، وألتهم بنهم ،مخبئا في أمكنه خفية  في المطبخ الفسيح كل ماترفض أن آكله وأعلم بضرره الفعّال، بات المكان المفضل الذي يعجبني  وتكرهه ،آخذ كتبي إليه، وأتحدث مع الأشياء،أخبرها عن الأبطال ، من تجرَّدوا من الخوف، ومَضَوْا للموت وعن جُبني.

    مافعلناه:

     بدخولها باكيةً صباحاً، فوجِئتْ بخرير المغسلة يلمعُ على الأرض،كادت تنزلق،أمسكت بالحافة الرخامية للخزانة،اعتدلت، فتحت باب الخزانة السفلي، انحنت باحثةً عن لاصقٍ  تخنق به الثُّقب،سقط البابُ  العلويّ على رأسها فشجَّهُ،دائخةً وقعت على الأرض،انقض الفرن مسرباً الغاز،لتعبّ من الموتِ بسخاءٍ، لمسة اقترحها الابنُ دون أن يدري في روايته عن انتحار شاعرة .

     و…

    انتظرنا وحيدَها  طويلاً… ولم يأتِ وما لمحناه.

    المُرتبـــــــــكون:

    جارةُ الشقة الملاصقة: تغيَّرت كثيراً خلال عامٍ واحدٍ، لم تعد تتصل ولا تخرج، اختفت.

    حارس العمارة: هاتفتني تطلبُ ضرورةَ العثور سريعاً على من يأخذُ الموقد،قائلة:إنه يُكثرُ الهمساتِ الغامضةَ ووعدتها ببيعِهِ خلال أيام.

    أختها الباكية: ابنها عانى كثيراً تعلّقها به،من إكتئابات أدت لإسرافه في الأكل،  هكذا زادت هلوساتُها خلال عام من وفاته في المطبخ بشكلٍ مفاجئٍ، إثر أزمة قلبية حادة، لتنهار في هاوية التهيؤات،مُدعيةً  دون سبب ظاهر أن للمطبخ دوراً في موته.

    الابن: رأيتُها تتجهُ إلى  المطبخ ، سمعتُ سقطَتَها، أردت لحاقَها، تجمَّدت.عرفت بعدها بسلسة اتفاقات سرت مثل تيار كهربائي ، يقودها  موقد مرعوب كان يملكه رجل مهووس بالتخريب،أوهن إحدى عيونه بعطل دائم.

    عامي الأثير 1984

     نقفُ طوابيرَ متوازيةً، نعرفُ وجهتَنا، وندرك تقلُّص خياراتنا، وأننا مراقبون.

    قالوا لنا: ستمرحون.

     أدهشنا هذا الهامش من الحرية وأخافنا. 

     نقيمُ في مبنى 71 أقدم المباني الكالحة،بممراته الباردة،غرفه الضيقة، سجناء بتهمٍ متفاوتة.

    على تلةٍ بعيدةٍ عنا،نطلُّ على مبنى مختلفٍ، يكبر ويكبر ويكبر، تزداد قببُهُ الملونةُ، وتعلو  داخله قضبان أفعوانية ،برجٌ مخروطيٌّ ملوّن،حبال متشابكة، ومبانٍ عجيبةٌ تُبهرنا.

    أبلغونا: سيتمُّ عملُ رحلاتٍ إليه قبل افتتاحه، وزياراتٍ أثناء خلوه من الجمهور.

     سعدنا، الخروج لا تجاوره متعة.

    أكملوا: فعلَ المديرُ الكثيرَ من الاجتماعات ، حدّث رُتباً عالية للحصول على التصريحات الملائمة للقيام بهذه الخطوة.

    فهمنا أنه لايجب علينا التفكير بالمخالفة.

    انتباه…

    طابورُنا منظمٌ، أشكالُنا متشابهةٌ،الملابسُ ذاتُها، الشعر المقصوص، العيون القلقة، والجانب الأيسر الأكثر ضعفاً، إذ يبطشُ المديرُ بنا بيده العسراء، تاركاً إيانا معطوبي القلوب.

    انتباه…

    السيد المدير يقرأ 1984.

    السيد المدير المشكوك في عكاز شهادته الجامعية في علم النفس، مقرونة بعسكريته وادَّعائه الثقافة، منحه خليطُ امتيازاته القفزات الرشيقة في الترقي.

    وشوشت الشفاه بلعبته المأفونة:مايقرؤه يوقد مزاجه. ففي الشهر الماضي “الجريمة والعقاب”الأهوال اتجهت إلى عنبر السّارقين والقتلة، أما كتابه المفضل فكان”تاريخ التعذيب” لبرنهاردت .ج .هروود، يراه مرجعاً، يسرد منه وساخاتِ أساليبِ المفترسين لترهيبنا. 

    تجتاحنا عقاباتُهُ الاعتياديةُ أثناء حفلات التفتيش، أو غرفة الطعام الجماعية العطنة، أو عبر الاستدعاءات إلى مكتبه، أما ابتكاراتُهُ فيمارسُها من غرفٍ بعيدةٍ، ولا يتوقف الواشون عن إمدادِهِ بالأسباب.

    ظهر الفطرُ في الصحراء واكتمل، حامت أحاديث حول هدفه في “اللهو والبهجة”، تداولنا اسم المبنى الجديد “المدينة الترفيهية”.

    أيقظونا نمشي بأصفادنا الضيقة. نعرف اتجاهنا، ونخاف، نتعرق أكثر.

     ركبنا ثلاث عربات بطيئة، تتهادى على الطريق.

     منذ انتهى من كتاب 1984، تلبّسه وجه الصمت الطويل. يمرُّ على عنابرنا واجماً، يدخل زنزاناتنا، يطيل النظر لنا متأملاً ومفكراً ويخرج متكدراً.

     بدأت لاحقا الزياراتُ المكوكية للمسؤولين الكبار، ازداد توجسي حول مايُرتِّبه لنا.

     وصلنا…سور يكشف عن مبنى رابض، خطوط عرضية، يتعاونان البرتقالي والأبيض المنعشان على خلق الغبطة، تُطالعنا قبةٌ عظيمةٌ في الداخل، سمعنا صوتَهُ الزّاعق يأمر:

    الأرقام التي سأنادي أصحابَها، تنزل من العربات.

    5، 22، 108، 200، 33، 24، 48.

    أُخذت بالألوان الزاهية، تنتزع قتامة نفسي.نادَوْا على رقمي مراراً، ذاهلاً لم أسمعهم، خطأ لايغتفر في دائرة سهوي.

    جاء بشاربه الكث وعينيه الشرستين، نظر إليَّ طويلاً وبصوته المخيف صاح:

    24.

    ارتجفت، أجبته بنعم متقطعة ولاهثة.

    التفت إليهم.

    انتباه:

    الأرقام السابقة، كلابي الطيبة.

     سمعت بحماستكم الكبيرة لرؤية المبنى، أرق اثنان منكم بالأمس خوفا ألّا أصحبهما، لذايسعدُني إخباركم أنَّ الرحلة انتهت لكم جميعاً، أطيلوا النظر للبوابة فذلك ماسترونه فقط.

    عودوا الآن إلى العربات.

    ساروا بأكتف محنية باتجاه طريقٍ امتدَّ.

    أزدادُ تعرقاً.

    انتباه:

     71، 12، 60، 83، 68، 30، 92، 220، 1000

    كلابي الضّالة

    لا أعرف متى أصبحتم جاحدين؟ ولا كيف يا أولاد الزِّنى تخونون سيدكم؟من سمح لكم بالتَّفكير؟

    ضاحكاً قال:

    أستغربُ اعتقادَكم بإمكانية إخفاء خطتكم الغبية.

    كلُّ حرفٍ، أو رأي طرح، كلُّ وقاحةٍ شجعت على الفرار وصلت إليَّ.

     بوجهٍ حائرٍ أكَّد قائلاً:

    أنا يتمُّ استغفالي…؟ 

    مهدت رحلة لم تحلموا بها، حاولتُ إسعادَكم فاستقبل بالعصيان ونكران الجميل؟كيف يا سفلة تستغلون هديتي للهروب؟

     حسناً يا كلابي الحمقاء، سأظلُّ كريماً وأمدُّكم  يا أوغاد بمفاجأتيْن:

    الأولى: أن أعيدكم إلى واقعكم الدنيء.

    نزل من العربة الثالثة، حرّاس أشداء، بوجوهٍ تميّز كراهيتها

    بهدوءٍ أمرهم:

    ابدؤوا.

    شرعت حفلة الرَّفس، الرَّكل، والصَّعق بالعصيِّ المُكهربة، حُمى التَّكسير والوجع استمرت ترسم خرائطها، انهار البعض نائحاً ضياع الحلم والمهانة، وتجلّد البعض غاضباً لخيبتِهِ.

     فجأة اخترقتنا صيحة:

    انتباه:

    24

     نظروا إليَّ، اقتربَ، شعرت بألمِ مثانتي. وضع ذراعه على كتفي قائلاً:

    نتيجة لما قدَّمته، سأجعلُ الأولويةَ للدُّخول واللعب لك أيها الواشي.

    مذعوراً لكشفِهِ خديعتي لهم، دفعني حراسٌ تفوح منهم زناخة القسوة.

    أدخلُ مُتعثراً المدينة الترفيهية، بخطىً مذعورةٍ، مُترددةٍ، مُلتفتا تجاه بؤرة كلابٍ مسعورةٍ، دائرة عيون تبرز من وجوه نهشتها أنيابُ الهزيمة،تنبض بالكراهيةِ والبطشِ.

     أخذوني إلى كهفها الحالك، عرفت أن تشكيك البعض بزيف شهادتِهِ كذبة حقيرة.

    أجلسوني، قيِّدوني.

    ببراعة الخوف، سمعت تكّات تشغيل اللعبة، المعنونة بـ”سندباد” الرحالة، في العربة الصَّغيرة، المرسومة عليها وجوهاً كارتونية مُتوعدة، أكزّ على أسناني، راغباً بقضم أظافري، فأسمع صريرها مُقترباً من فوهة الظلام.

     عرفت أنَّ هذه اللعبة هي الغرفة101 في كتاب 1984، تهبط فيها أقسى رهابات وعذابات السجين، مواجهاً أكثر مخاوفه فزعاً، لايعرفُها إلا أقرب الرِّفاق، فتأكدت أنَّ  صاحبي في زنزانتي الضَّيقة، واشٍ آخر.

    انتباه:

     مقيداً في العربة، يُواجهني فكُّ مغارةٍ بالسَّواد الذي أخشاه، أرتجفُ، ببطءٍ شديدٍ، ندلفُ، ننغمسُ في زوايا خرساء، تبزغ شخصياتٌ كارتونيةٌ، تقفُ ضاحكةً، تثب، تسقط من أعلى صارخة يُواجهها هلع وجهي الدامع، أسمع زئير خوفي في صدري يزدادُ ضجيجاً،يتوالى مسيرنا مابين بقعٍ داكنةٍ وزاويا ضوء تهذرُ بالتفاصيل،يزدادُ ظهور الإعتام، يترددُ نحيبي قبالة أفواه كهوفٍ تمضغ طمأنينتي.

    أطبقت أصابع الذُّعر عليَّ ما إن سكنت العربة، أفلتت حنجرتي صرخة، حاولت فكَّيدي،ومنسوب رعبي يرتفع إزاء همساتٍ متداخلةٍ، تدنو أضواءُ مصابيح كهربائية.

    وكانت مفاجأتُهُ الثَّانية…

     وجدتني أمام وجوه زملائي السجناء الذي غرَّرت بهم، أمسكوني، خارت مثانتي،وانهالت قبضاتُهم.

    سأخبرُكم أنَّ ذلك أصبح العام الأثير:

    عام: تمَّ نقل المدير بسبب هذا المشهد.

    عام: افتتاح المدينة الترفيهية.*

    عام: خلّدت فيه صرختي الشهيرة في اللعبة، تك تك تك تأتي العربة الصغيرة، تندفع، تتباطأ عند كلِّ بقعةٍ مُعتمةٍ، ضوء يكشف عن جبل دنانير ذهبية لامعة، أو شخصية معصوبة العين الواحدة لأحد اللُّصوص، يُحركها زنبرك معروف التوقيت، فتثِب للأمام بوجهها المتوعّد، بعدها… 

    وحدهم المصابون برهاب الظَّلام مثلي، عند وقوف المركبة في زاويةٍ دامسةٍ، تُباغتهم مخاوفُهُم، يُبصرون مصابيحَ كهربائيةً ساطعةًوهمسات تردد كلمة”الواشي”، فتمتزج صرختُهُ طويلاً مع صرختي اللانهائية، التي أديتُها لزملائي أثناء هروبي إلى السماء.

    *افتتحت المدينة الترفيهية في منطقة الدوحة عام 1984.

  • ربما أعبرُ البحر – آلاء حسانين

    ربما أعبرُ البحر – آلاء حسانين

    ربما أعبرُ البحر
    والبحرُ بحيرةٌ زرقاء،
    البحر شارعٌ أو نهرٌ.. البحرُ طريق.
    ربما أغادر، في مساء هادئ
    أو في أول النهار
    والأمل يلمع في منزلي
    شعاعَ نورٍ على حائط،
    أو غيمة من شتاء الأمس
    تُركت على الكرسيّ، مضاءةً
    أو رأس غزال معلق في الردهة..

    ربما أبدأ مرة أخرى،
    سوف أخرج من النهر هذه المرة
    هادئًا وبسيطًا،
    والساحرات يتركن جرابهن عندي،
    مملوءة ذهبًا..
    والذهب فراغٌ،
    مرايا تعكس الجرح المُخبأ.


    هل نحرق القوارب أولًا.. كي لا نعود؟
    ونسمي أبناءنا بأسماء أشياء نراها
    زهرٌ أبيض
    وردٌ ينمو أمام أعيننا
    هل ندفن الذكرى؟
    وننحر الخيل المقابِلَ حين يتبعنا أهلنا؟

    نحن متنا خلال النهار
    وغنّى في جنائزنا رجال طيبون
    يخبئون الله في الأدراج
    تعويذةً زرقاءَ وكلامًا قديمًا.


    نحن متنا في طفولتنا
    أنا حضرت عاريًا،
    وضعوني في ملاءة بيضاء
    وودعوني وداعًا خفيفًا
    لا أذكر الأشياء واللغة،
    وصورةُ البيت ذابت،
    ملحًا على حجرٍ مبللٍ..


    لكني أشعرُ بالدفء..
    ربما كان بيتُنا دافئًا،
    أمي تلفُّ يديها حول النار
    وتهمسُ لها..
    والنارُ تُخرجُ من طفولتها،
    زهرةً حمراء.

    نحن متنا في طفولتنا
    ورمينا أسماءنا الطويلة في هدير السيل
    لم ينج أحد من غيابنا
    أنا غبتُ عن أحدٍ غاب عنّي
    رجلٌ من الصحراء يتعبُه الثلجُ والمنفى في روما..
    هل أغلقتَ -مثلي- الباب على جرحك؟
    ودسستَ تحتَ الباب منشفةً تجففُ الدَّمَ حين يخرجُ حارًا ورطبًا؟


    غفرتُ لوالدي
    ورأيت طفولتي غزالة منحورة في حجرة البيت.. فهل غفرتَ لوالدك؟
    وعلقتَ رأس غزال، أملًا ذهبيًا يلمع في الردهة؟
    أنا غفرتُ لك..
    وقلتُ: يتعبه الثلج والمنفى في روما.

    هذا هو البيت
    وحداثة الأقفال هدهدة الزمن لطفل كبر في غيابك..
    ماذا سأفعل إذن؟
    سأبيت في المنفى، أيلًا تائهًا، وأحيا سهوًا!


    سأرحل أنا أيضًا
    فهم قد ماتوا قبلي
    لاموا المنائر والبلاد.. وغنوا حول النار
    ودفنوا مفاتيحهم القديمة في الطين، وماتوا..
    جرائر من طين، وشموسًا من طين وبكاءً من طين..
    هم قد رحلوا.. منحازين إلى التيه
    وسمعوا خبرًا قديمًا عن تيه الإله.. وتاهوا.
    وعن ندم الإله، وندموا..
    وعادوا شيوخًا طيبين للبيت
    وللأطفال الذين كبروا في الغيابِ فأعادوا طلاء المنازل وغيروا الأقفال.


    عنّي أنا تغيب؟ لا… قلتُ، سأعبر البحر أيضًا.
    سأبدأ مرة أخرى.. واضحًا وبسيطًا.
    أتوب عن هزائمَ قديمة، وجراحٍ قديمة
    أقرع كأسي، كأس الوحيد، بحجر.
    وأقول لجرح في المخيلة:
    تشبه شخصًا أعرفه،
    وحيدًا ومنفيًا في روما..
    أقول لجرح في المخيلة:
    لا.. ربما كان حلمًا.

    * آلاء حسانين: شاعرة وممثلة مصرية تقيم في باريس

  • حرارة الغرفة – ألما أيسر

    حرارة الغرفة – ألما أيسر

    العجائزُ فرغنَ من عملهنَّ القائمِ على تنظيفِ الميت، وسدِّ فُوهةِ مؤخرته بالقطن الجاف كي لا يخرجَ شيءٌ ما يفسدُ الجنازة.

    خرجنَ من الغرفةِ المتوسطةِ، وهن يحملن أوعية البلاستيك التي يتأرجحُ فيها ماءُ الصابون العطن.

    حرارةُ الجسدِ المسجى في السابعةِ مساءً من ديسمبر 2024 مساويةٌ تمامًا لدرجةِ حرارة الغرفة، وهذا يعني موته. أن تُصبحَ أشبهَ بالحديدِ والخشبِ وقماشِ الأرائكِ ومقابضِ الأبواب، حين يركدُ الدمُ الذي تحرَّكَ دومًا في جسدك لسبع وستين عام.

    أشياءٌ أخرى حصلت لبعض الموتى مؤخرًا، مثل اللون الأصفر المخاطي المتجانس الذي انسدلَ على الوجه والجسد، والشعرِ الذي أصبحَ أشبه بخيوطِ صُنعية، فبات الرأسُ كأنه رؤوس الدمى..

    لا يمكن للميت الآن إلا أن يتماهى مع بلاطة القبر المستطيلة الرخامية التي يضعونها فوق جسده، (وكأنه عائدٌ للحياةِ مجددًا في نومهم، أو لدى انتهاء المراسم، وهم يمنعونه عن ذلك الفعل المتمرد).

    لا أعلمُ كيف ماتَ هذا الرجل في بيتنا، هكذا فجأةً، ودون أن ندعوه لزيارتنا، لكن امتلاء البيت بالزوار أحدثَ خللاً عامًا في البيت، مكَّنني من التسلل خارجًا إلى بيت صديقي.


    حين أزورُ فرات؛ يفتحُ البابَ ويضمني قائلاً بأنني موجةُ بحرٍ في أغسطس. لم أرتجف حقًا يومًا حين كان يخلعُ عني ثيابي.. كان يصعدُ ويهبطُ فوق جسدي بانتظامٍ مثل الأنفاس، والبطانيةُ الحمراءُ فوق كتفيه، تجعله مضحكًا بعض الشيء…


    قبلاتي حارة ، ولعابي حلو مثل ماء..


    يبحث أيضًا عن المزيد بين ساقيَّ، ويخرجه إلى عالم الصقيع بأصبُعِه الوسطى مثل بطانة..
    أفكر أن حرارة جسدينا وحدَها تفصلنا عن موتنا، أنا وهو في هذه الليلة القارسة دون محروقات!

    التفكير بالأشياءِ الجامدة يغيبني للحظاتٍ قبلَ أن أجدَ يده فوق الحلمة..
    في الحادية عشر صباحًا تقريبًا نستيقظُ معًا وكأننا ننجو.

    أشعةُ الشمس تغمرنا من الشباك، لكنه لا يزال منشغلاً بي وكأنني ربّة، وقد فات وقت الجنازة!

    ألما أيسر – سبتمبر 2024