الرائحةُ تعودُ لتُذكِّر الرائحةُ ذاتُها في المتروكِ والمَأهولِ بالطيف والهالةِ.
الرائحةُ تُذكِّرُ بأعطياتٍ لم يُرسلها أحد بأسرَّةٍ في غُرف الضحى بثيابٍ مَخذولةٍ على المَشاجبِ بأشعةٍ تَنكسِرُ على العضلات بهباءٍ يَتَساقطُ على المعاصم بأنفاسٍ تُجرِّبُ مَسالكَ جَديدة إلى مُرتَفعِ الهَواء بمياهِ الأَصلابِ مَسفوحةً على الدانتيلا بالترائبِ بأكباشٍ يَهيجُها البول بروَّاد فضاءٍ تَخطُفُهم سِحنةُ القمرِ بالصنوبريِّ بالليلكيِّ بالمشرئبِّ بأمطارٍ على أسطحٍ من طين بحنطة مركوزةٍ في الحَظائرِ الرائحةُ تُذكِّرُ بالأعشَاش بالنزِّ بالغيبوبةِ بالمُستدير بذي الحافة.
الرائحةُ، الرائحةُ ذاتُها التي تُهاجم في أمسياتٍ مُعلقةٍ بقنب الهَذَيان.
دعي مُتربِّصَ الشُّقوقِ يَشهد صَحوةَ الفراشةِ، الرائحةُ تصعدُ إلى الخياشيم، اليعسوبُ يطيرُ بين الأعمدة ويهوي على العَتَبة.
قرِّبيه صائدَ الضَّعفِ من رقائق الذَّهب، قرِّبيه من الزَّغَبِ الطالعِ على المرمر من طعنةِ الآسِ من تويجِ زهرةِ الإغماءِ من الذي يعيدُ الفمَ إلى طفولته ويُطلقُ اللِّسانَ حيَّةٍ تَسعى.
الرائحةُ تَبقي على راحةِ اليدِ في الأنف والشفتينِ في ثَلمِ الصَّدرِ على الشَّراشفِ في الهواءِ المُكابرِ الرائحةُ الرائحةُ ذاتُها.
يا لأحكامِ النَّهار إذ تبدأُ القهقرى والمواضعات إذ تسَّاقطُ تباعاً والرغبات إذ تُطلق فُهودَ الكتفينِ لتجوسَ مفازَةَ الهجران.
أيُّ ضَجرٍ هذا الذي يَجعَلُ رَجُلاً يبتكرُ مَسْرحًا للعَرَائس يَربْط الخيوطَ، يُحيك الملابسَ للدُّمى، وَيخلق الحِوارات المُضحِكةِ فيما بينها أيُّ وحدةٍ تلكَ التي أحالها إلى حُشود أيُّ صمتٍ هذا الذي يُمكن أن نُفككه إلى ملايينِ الكلمات، الشتائم والصراخ.. جئتُ بندمِ من اِقْترَفَ مَلل من جرَّبَ كُل شيء يدي مُلطخةٌ بالدِّماء عيْنَاي مُظلِمتان كقاعِ بِئْر أفتحهما بشدة، مثل حَوضِ امرأةٍ حَامل لن أستسلِمَ للنوم، ففي داخلي “سامسا” أخافُ أن أستيقظ فجأةً وقد تَحولتُ إلى حَشرة. إلهي؛ خُذ مِنّي المغفرةَ الرتيبَة والهادئة وامْنَحني العذابَ الصاخِب خُذ كُل مَا علمتني إيَاه من أسماء واجعلني أشعرُ بلذة التعرّف من جديد، خُذ منّي السعادة التي ليست بُرهانًا على شيء واقذف في قلبي الحزن، ذلك الدافع إلى إكمال مثل هذه القصيدة ودعني ليومٍ واحد فقط أفعلُ ما أشاء دون أن أفكر بالعاقبة.. من قالَ لكم إن الجَحيم حارٌ يضجُ بالصُراخِ والعويل لا بد وأنهُ جاءَ من هذه البلادِ القاحلة لمسةٌ لزجةٌ لمكانٍ حميمٍ في جلدك لمسةٌ واحدةٌ تجعلُكَ ترتعش تنتفضُ كعصفورٍ يحتضر بَرْد.. بَرْد.. حتى إنك لا تعلم ما هذا الذي يخرج من فمك الآن بخارٌ أم روح؟ الجحيم بَاردٌ جدًا.
لا نعرف ما الذي حصل للأشياء المفقودة والأصوات القديمة التي فقدناها أين ذهبت؟ البراءة التي كانت موجودة بشكلٍ كثيف أين اختفت؟ الغُرف التي كنا نبنيها بالوسائد والمخدات داخل بيوتنا حين كنا أطفالاً ماذا حلَّ بها؟ ذهب الماضي والحاضر ذاهِب القادم أيضاً سيأتي ويذهب ولن نعرف إلى أين سنبقى لا نعرف أين تذهب الأشياء نعرف أن الموتى يُدفنون في المقابر لكننا لا نعرف بالضبط أين يذهبون بعد الموت؟ لا نعرف فيما إن كانت الأيام السعيدة تعيش في نفس الغرفة مع الأيام الحزينة؟ لا نعرف أين هي الحياة التي نريد أن نعيشها؟ كلُّ شيء سيمضي ولن يبقى سوى العدم فماذا نحن؟
Em Nizanin
Em nizanin Çi bi serê tiştên wenda hat? Dengên kevin yên ku me winda kirine kûva çûn? Bêsûciya ku bi awayekî mişt hebû Li kû derê winda bû? Xaniyên ku me di zaroktiyê de bi balîf û palgehan di nava malên me de çêdikirin çi bi serê wan hat? Rabirdû çû û niha jî wê here Suba jî wê were û here û em ê nizanibin wê kûda here Em ê hîn jî nizanibin ka tişt bi ku ve diçin Em dizanin ku mirî li goristanan têne veşartin Lê em tam nizanin piştî mirinê ew ku da diçin Em nizanin ka ew rojên kêfxweş Bi rojên xemgîn re di xaniyekî de dijîn an na Em nizanin jiyana ku em dixwazin bijîn li kû ye? Her tişt wê derbas bibe û tiştek namîne xeynî nebûnê Îcar gelo em çi ne?
وطن
كُنا نريد وطناً لا نخاف فيه من شحاذٍ أو من رنَّة هاتف أو بائعٍ متجوّل..
كُنا نحلم بوطنٍ لا نخاف فيه من ظلٍ أو مِن ساعي بريد أو حذاءٍ لامع ..
كُنا نحلم بوطنٍ لا يمنع عنا الأحلام، لا يحاسبنا على الهواء والشعر ولا يحكم على الفم بالموتِ من أجل همسةٍ ..أو قبلةٍ أو كلمة.
Welat
Me welatek dixwest Ku em tê da ji parsekvanekî an ji zengilê telefonê an jî ji firoşkarekî kolanan netirsiyana..
Xewna ma ew bû ku Em tê de ji siyekê an ji postevanekî an ji pêlavên diçrûsin netirsiyana..
Xewna me ew bû ku Welatek me ji xewnan bêpar neke Li ser ba û li ser helbastan Me siza neke Devê me li ser pistiyekê … an maçekê An jî peyvkê Bi biryara mirinê dadbar neke.
دعني أُدخن سيجارتي
لا تغلق عينيكَ ككتابٍ قديم ولا تُصمت مثل الأحجار تعال، اجلس بجانبي وأجبني: هل مجيئنا لهذا العالم جريمة..!؟ لماذا أعصرُ البرتقال فيمتلئ الكأس بالدماء ..!؟ لماذا…!؟ تعال، اجلس بجانبي وانظر لهذه الحياة تأملها جيداً … وأخبرني إن فهمت منها شيئاً أخبرني، أنا أسمعكَ جيداً وإلاَّ دعني أُدخن بعمقٍ سيجارتي.
Bihêle Ez Çixara Xwe Bikşînim
Çavên xwe weke pirtûkeke kevn negre Û weke keviran bêdeng nemîne Were li kêlek min rûne Û bersiva min bide: Ma hatina me ya vê cîhanê tawan e? Çima gava ku ez porteqalê diguvişim peyal tijî xwîn dibe Çima…!? Were li kêlek min rûne û li vê jiyanê binêre û ji min re bêje Baş pê birame û ger te têgeha tiştekî jê kir Ji min re bêje, ez baş ji te dibihîsim yan jî min bihêle ku ez kûr çixara xwe bikşînim.
وقفات
أنا السطرُ الخطأ في كتاب الحياة. Ez xêza şaş im di pirtûka jiyanê de.
تنهيدةٌ طويلةٌ وعميقةٌ أنا. Axînek dirêj û kûr im ez.
لو أن العصافير قويَّة بما فيه الكفاية لفكّر الحطَّاب كثيراً وحسب ألف حسابٍ قبل قطع الشجرة.
Ger çivîk têra xwe xurt bana wê darbir ê pir biponijiya û hejmartina hezar tiştî bikira berî ku dar tête birîn.
الطيبون هم مَن يزرعون البذور ويسقون الأشجار حتى قبل أن يُهاجروا أو يُهَجَّروا.
Yên baş ew in yên ku tovan diçînin Û daran av didin Heyanî berî ku ew koç bikin yan bên koçberkirin.
شذرات
هذا الفجر، هذه الألوان، هذا المطر لي هذا العالم كلُّه لي طالما أني أستطيع الغناء.
كلُّ دائرة قيد لا تدخل أيَّة دائرة كي لا تفقد حريَّتك.
إنَّه حزن، لكنَّه ليس الحزن المتعارف عليه. إنها سعادة، لكنَّها ليست السعادة الُمتعارف عليها.
الكلمات الجميلة لا تفي بالغرض الأفكار..الأفكار هي ما نحتاجها، لكن ليست أيَّة أفكار.
على الكل أن يقول الحقيقة أو كحدٍ أدنى على الغالبية.
من الطبيعي جداً أن يتعرض مَن يحمل النور لنباح كلاب العتمة.
لا تطلب مني العيش في الوادي فأنا لم أطلب منك العيش في الجبل.
Ev berbanga, ev rengên han, ev barana ya min e Ev cîhan hemû ya min e Heyanî ku ez dikarim stranan bêjim.
Her çemberek girêdanek e. Nekeve ti çemberê Ji bo ku tu azadiya xwe winda nekî.
Ew xemgîniyek e, lê ew ne xemgîniya ku hatiye naskirin e. Ew bextewarî ye, lê ne bextewariya naskirî ye.
Gotinên bedew tenê têrê nakin. Raman, pêdviya me bi hizrînê heye. Lê ne her hizrekê.
Divê her kes rastiyê bibêje An herî kêm piranî wê bêjin.
Ji xwezayê ye ku yên ronahiyê hildigirin Rastî rewîna kûçikên tariyê werin.
Ji min nexwaze ku di newalê de bijîm Min ji te nexwestî ku tu di çiyê de bijî.
هَجَرني الحبُّ وتبدَّد، والأيامُ كلُّها متشابهات؛ سآكلُ طعامي، وأخلد للنوم، فلياليَّ كلُّها واحدة! آهٍ، أن تأرَق وتُصغي لدقات الساعة الرَّتيبة! وهذا الفجرُ حين يبزغُ، هل سيجيءُ بيومٍ آخر؟
هَجَرني الحبُّ وتبدَّد، ولا حيلةَ لي هذا أو ذاكَ أو ما تشاء، تساوتْ عندي المأساة؛ إلّا التي عاينتهُا فخضتُها، وتخليّتُ عنها.
هَجَرني الحبُّ وتبدَّد، والجيرانُ يطرقونَ الأبوابَ ويقترضون، وتستمرُّ الحياةُ بأبديةٍ كقضم الفئران؛ وفي الغدِ، وبَعدَهُ، وبَعدَهُ، وبَعدَهُ، سيبقى هذا الشارع الصغير وهذا المنزل الصغير.
هاويةٌ مجوفةٌ
هجرها المدُّ والجزر
انحسار
صارَ قلبي بعد أن مات حبُّكَ: هاويةً مجوّفةً تضمُّ بركةً صغيرةً هجرها المدُّ والجَزر، بركةٌ صغيرةٌ فاترةٌ تُجفِّفُها الحافَّة.
الحزنُ قريبي
هل الحزنُ قريبي؟ يَقرعُ بابي قَرعاً يَسقطُ مقرع بابي يدوي بخفَّة، المقرع الذي اعتادَ يد الحزن. أينعتِ الزهور وانتصب إكليل الجبل لمَ قد يكترث الحزن لإكليل الجبل أو الزهور هناك؟ هل الحزنُ قريبي؟ هل نحن عائلة؟ الطَّرقُ يشتدُّ على بابي… أوه، تَعَال!
اسمعوني يا صغاري: والدكم قد مات. سأصنعُ لكم من معاطفهِ القديمةِ؛ معاطف صغيرة. وسراويل صغيرة من سرواله القديم. سنجد في جيوبه الأشياء التي احتفظ بها، مفاتيح، وبنسات مغطاة بالتبغ؛ “دان” سيأخذ البنسات ويدخرها في حسابه المصرفيّ، أما المفاتيح فهي لـ”آن” لتصدر بها خشخشة جميلةً. على الحياة أن تستمر، وعلى الموتى النسيان. على الحياة أن تستمر، رغماً عن موت الطيبين؛ “آن” تناولي إفطاركِ. “دان” خُذ دواءكَ. على الحياة أن تستمر، لكن نسيتُ لمَ؟
تقفُ الشجرةُ الوحيدةُ،
ولا تعرفُ أين تختفي طيورُها
ما الشفاه التي قبّلتها شفتاي؟ وأين؟ ولماذا؟
ما الشفاه التي قبّلتها شفتاي؟ وأين؟ ولماذا؟ لقد نسيت، وأيّ ذراعٍ قد توسّدتُ حتى الصباح؟ المطرُ مليءٌ بالأطياف الليلة، ها هي تنقرُ على نافذتي وتتنهّدُ منتظرةً الرَّد، فيثارُ في قلبي ألمٌ دفينٌ على الفتيان المَنسيين الذين لم يعودوا إليّ بعد منتصف الليل باكين. هكذا في الشتاء تقفُ الشجرةُ الوحيدةُ، ولا تعرفُ أين تختفي طيورُها واحدةً تلو الأخرى، ومع ذلك تُدرك أغصانها السكون الأبديّ: لا أستطيع قول ما تركَهُ الحبُّ فيَّ لكنني أعرفُ أنَّ الصيف كان غنّاءً بداخلي وبعد هُنيهةٍ، انتهى الغناء.
*نصوص الشاعرة الأمريكية: إدنا سانت فنسنت ميلاي Edna St. Vincent Millay *ترجمته عن الإنجليزية: موزة عبدالله العبدولي
تلزمنا طيورٌ كثيرةٌ طيور أسطوريةٌ تعمل كجرّافاتٍ كي تكنسَ السماءَ من روث الطائرات الحربيّة
* * *
القممُ المنتشرةُ في أرجاء الأرض القممُ التي لا تفتأ تتبادل رسائلَ حبٍ وسخريةٍ لا يستطيع البشرُ فك شفرتها الغامضة.
* * *
يستحمّ النورسُ في النهر وينتفضُ كقريةٍ تصحو بتضرّعاتها المتصاعدةِ نحو الله.
* * *
بحنانٍ أكبرَ أيها الخطّاف تحمل الماء بمنقاركَ إلى تلك المحلّقة في الأثير. وأنتِ أيتها الغيوم، لنباركْ زحفكِ المقدّس، من أعالي النهر.. وبالحنان نفسه كنا نحدّق فيك من شرُفات الأودية، تتشكّلين في خيال الطفل، قبل أن تكوني مشروعَ ديمةٍ ونماء، قادمةً كلآلئ السراب من البعيد، البعيد حيث تسكن الملائكة الخضْر
* * *
امرأة تتنزّه مع كلبها على حافّة النهر وجهها الناضح بالطمأنينة والسلام أحمله كزادٍ لهذا اليوم الغائِم، مندفعاً نحو المجهول.
* * *
نائمة تحتَ الرذاذ المشمسِ النجوم الحنونة تداعب أناملكِ والشجرةُ تسّاقط ثمارُها في الأحلام الورديّةِ لأول فجرِ يبزغ في سماء الجنّة.. سحرُ امرأة نائمة سحرُ آلهة عاشقة.
* * *
تتأوهين كأنّ بكِ مساً من برْقٍ وجنون حين لامسكِ الهُدْهد، وقبل أن يتيه في غوْركِ العميق أشرقتِ بالبكاء كما الأرض العطشى الموغلة في الجدْبِ حين يراودها المطرُ ينشق من رَحمِها خيطُ بركان.
* * * حين يصحو من نومه وحين يغفو في الصباح القاتم والمساء البهيج، يردّد، يهذي: لا، لم يبق وقتْ ليس ثمّة وقت الموت يشمشم الأثرَ على العتَبَة كما يشمشم الذئبُ بولَه لحظةَ هياجٍ في الدائرة التي رسَمَها للرحيل. ليس ثمة وقتٌ ترتجف العبارةُ من جرف كيانه تتساقط من شجر اللاوعي العميق تسدّ عليه الأفق والطُرقات وأحياناً تهمي مطراً على جسدِ امرأةٍ تضيء طرفَ الأنفاقِ المظلمة.
* * *
هكذا عانق الشبحُ توأمَه وسط الظِلال المحتدمةِ لصليل المجزرة.
* * * في النهر المتلوّي أمامه حيث المتنزّهون بكلابهم الكثيرة والعجائز يجرجرون السنوات؛ يحدّق في المياه يستنطق مخلوقاتها الدفينة كمن يبحث عن ضالته التي ضاعتْ منذ الأزل.
* * *
الكلبُ يقعي على برازِه الغمام يَحوم والسنونو يتماوج في الفضاء الجَهْمِ حاملاً في مناقيره ربيعَ القارّات.
* * *
في الحديقة العامة التي تشبه غابة، تتشكّل السُحُب في هيئة كثبانٍ، على صفحتها توشك القطعانُ أن تغرق في مغيبِ البحيرةِ التي يطير البط فوقها بأجنحةٍ من ذَهَبْ. نخلةٌ غريبةٌ على ذوائبها فراشاتٌ وعصافير. الحارس يطلق صفّارة الإغلاق البشر يخرجون، أفراداً وجماعات تاركين شعوبَ الحديقة تنعم بالأحلام، عدا السيد (شوبنهور) الذي بادره الحارس: من أنت أيها السيّد؟ أجاب الفيلسوف المُثْقل بالوجود الجريح والأسئلة “ليتك تجيبني على السؤال كي أكون مديناً لك طوال العمر”.
*نص: سيف الرحبي *من ديوان: على حد الصيف عن البراكين والموتى والحيوانات – (الأعمال الشعرية الكاملة، ج2، رياض الريس).
لا توغلي في المساء هذا النهار المتحامل هو على وهلةٍ لينهمرَ عليكِ ويشتل دوار الشمس لقامتكِ….. لا توغلي في المساء هو على وهلةٍ هذا النهار المتحامل قد يشيح ويسحب بهجة نوره عن قمحكِ قد يشيح ثانية ويحصد ذهبه من شعركِ…..
***
لا توغلي في الحِداد هذا الأزرق الحزين في عينيكِ هو على وهلة ليقتل نفسه وينسكب غير مغسولٍ على وجهكِ. الأزرق حزين وهو على وهلة فلا تمعني في الحداد
***
لا توغلي في الرحيل دفء البكاء هذا في حنجرتي على وهلة……..
لا تنبشي ترابي
إن كنتِ لا تشعرين بالبرد لاتنبشي ترابي أخاف أن أنطفئ أخاف أن تبرد يداكِ عني ولا أشتعل من جديد….. إن لم تكوني راحلةً لا تنبشي رمادي لا تقلبي فنجاني قد لا أكون قابلاً للقراءة وقد تستعصي عليكِ دروب الطالع فلا تعودين…… إن كنتِ لا تنشدين موتي إن كنتِ لا تصدقين إني كنتُ تراباً إني صرتُ تراباً لا تنبشي ترابي أخاف إنه أنا…….
للثلج والجليد حين الصيف لا يزال ريانَ
لا أدري كيف كدتُ أنسى أنت تذكرين كان الصيف لا يزال ريانَ والليل على أبواب المدينة يقف متعباً على قدميه على كل حال كانت تلك الليلة هي الأخيرة الآن أتذكر أيام الصيف تلك، الريانة كم كانت طويلة لا أدري كيف كدتُ أن أنسى آنذاك كان مجانينكِ ومنذ المساء هائمين في الأزقة يوزعون خطاياكِ على مساجد المدينة ومنذ المساء لم تتوقفي عن خلخلة الهواء أماسي الصيف الريانة تلك كم كانت حارة أنتِ تذكرين تلك الليلة كنتُ خائفاً وأقول: يا مجنونة الصيف لا يزال ريانَ ومجانينكِ تخدروا على أبواب المساجد اتركي هذه الليلة بلا خطايا كي ترحل عن المدينة لكن الليلة ذاتها كانت قد أتت كالحة ومثقلة بالخطايا الآن أتذكر كيف هفهف ثوبكِ الشفاف كورقة من دخان واختفى…. ولمع جسدكِ بالملح والعتمة كنهر فضةٍ من أواخر الصيف نهداك بالثلج والجليد طيّرا ألف فراشةٍ من بين أصابعي أنتِ تذكرين كيف في حضنكِ ارتعشتُ انهمرتُ استحلت ماءً أخضرَ واندلقت على حقول البابونج.
ليلةٌ فضة
لو كنتُ أعلم أن عصافيركِ باتت تطير ما أحصيتُ أزراركِ لو كنت أعلم أن أزاراكِ خفيفة الوسن ما طيّرتُ الفراشات عن أساوركِ وأصلاً لو كنتُ أعلم أن هذه الليلة طويلةٌ هكذا لما صَلَيتُ نفسي منذ المساء
***
ريحٌ أنثى غير مبالية بكلام ربها ظلت تتلاعب بشعركِ أطفئي الأنوار كلها إلا ضوئيكِ ابتداءً منهما سأبحث عن سبيلي بنفسي
***
لم ينم نهداكِ لفرط حيائهما هي المرة الأولى التي يستندان فيها إلى مخدة عارية ولحافي أضناه السهر هي مَرَّتُه الأولى التي يفتح فيها صدره لأنين أنثى ها سفينتي تلج مياهكِ المالحة إن وصلتُ شواطئ الجزيرة لا تنسي أزيحي سمكتيكِ الفضيتين عن النبع ليغتسل بحّاري للمرة الأخيرة قبل طلوع الفجر في مياهكِ الحلوة.
***
كلما علت موجة شهوتكِ تسيل النجوم إلى أصابعي من نهديك الأملسين حين تنحسر تختمر قطرة حليبي على أنينكِ.
***
صَلاهُ الظمأ بين يديكِ دعيه ليلهو في النبع قليلاً
***
كنتُ أقول لكِ: لا تتركي أصابعكِ المشاغبة تسبر مغاوري. كنتِ تقولين: من يوقظ المَرَدة يعرف في أي مهدٍ يهدهدها.
تباعد جبال بيننا الآن وحدها العصافير رُسلنا، وأناشيدها الدليل. ***
إذا مات حبيبي، لأكن كفنه هكذا نتزوج الرماد معاً. ***
لو كنتُ أعرف أن زمن الفراق سيأتي لأمسكتُ بيد حبيبي حتى ساحة المعركة.
***
يا إلهي، أحرق بيوت الذي دمّر منزلي، الذي أهداني الموت.
***
لتقطف الورود ملء راحتيكَ أنا بستان أنتَ مالكهُ.
***
إما ان تكون على صدري دائماً وإلا فالأفضل أن تكون بين ذراعي الأرض المعتمتين. ***
يا محبوبي، لا أستطيع أن أهديكَ سوى المسكن الذي بنيته لك، في أعماق قلبي.
***
قال لي قلبي: إنني لا أنفع لشيء إنهما العينان اللتان، حين رأتا، جعلتاني عاشقة.
***
تعال لألمسك، لأحتضنك أنا نسيم المساء الذي يموت قبل الفجر.
***
أنا أحب! أنا أحب ولا أخفي حبي ولا أنكره حتى ولو انتزعوا بالسكين كل شاماتي.
***
تعال واجلس لحظة بجانبي يا حبيبي. الحياة سريعة مثل أفول أمسية شتائية ماضية. *** افتح ضريحي، يا حبيبي، وشاهد الغبار الذي يغطي النشوة الحلوة لعيني. *** أيها اللحد الخراب، أيها القرميد المشتت، لم يعد حبيبي سوى رماد وريح السهل تذروه بعيداً عني.
*** في لحظة ستصبح حفنة من رماد إذا رقمتك بنظرة ثملة. ***
صديقاتي يغزلن حباً جديداً وأنا أرتق أسمال حب قديم. *** إلهي، يمكنكَ أن تعميني من الآن رحل حبيبي ولا أود رؤية وجوه الآخرين. *** إذا أعرضتَ عن العدو، يا حبيبي، لا ترجع إليّ! اذهب وابحث لك عن مأوى في بلدٍ بعيد.
ليس إلا أن أضعَ قلبي، مثل نيزكٍ مثقوبٍ بالصدأ، تحت العجلات الضارية لتضرب في العَظم، ولتكن صاعقةُ الليل وسادةً للمُكابر.
أنا الواقفُ في الهذيانٍ، أكتشفُ الآن بأني سهرت العمر أنسج هاويةً لخطواتي نأمةً نأمةً، زاعماً أنني القويُّ المقاومُ القادر على المُجابهات. أنا المخلوق الأضعف بلا يقينٍ ولا حُجةٍ. كابرتُ مثل جبلٍ يجهشُ في حضرة الغيم. كائنٌ يقف مثل فضيحةٍ في قلب الكاهن. شهوةٌ تـفتح النهاية، وتأخذ يدي بحنان الجريمة وكسل الأفعى، لكي أسقط مثل عروسٍ تفقد عفافها أمام الجموع في الساحةِ، وللناس دليلُ الدم.
لديَّ من الحقد ما يكفي قطيعاً من ذئاب الشهوة، ولكم أن تطلقوا دهشة الهجوم في أرجائي، دون أن ينتابكم ضمير الآثم، ولكم حريَّةُ الأسلحة لكي تأخذ نصيبها مما يتبقى.
أنا الخارجُ من صبر الناس، الملطَّخ بالخطيئة، رسول الكلام. لم يبق سوى نهاية تليق. أنا الوحيد الواقف في شفيرٍ شاحبٍ، ذهبتُ إليه منذ ذبالة الخيط البالي، متوهماً أنه أول الغَزلِ في وشاح العُزلة، وضعت روحي في المهب. قيل إن المجرات سوف تتذكر أهدابي. فلكم بهجة القتل، وأنتم تضعون نصال سكاكينكم في قلبي، تـفـرون اللحم وتطالون العظم، فتطفر فضةُ روحي في وجوهكم لصلافة الفتوى.
أنا الذئب الذاهب في ليل الملجأ، خديع الخبرة شاغلُ النيران مُشعلُ الفتن متعهد الهشيم جامحُ الدم متجهمُ القلب خدين الشياطين. ضبعٌ يلغ في دماء القتلى بأشفارٍ مرتعشةٍ شبقاً، وأنيابه تكزُّ على عظم الجثة، كما يخلع نبيٌّ قميصَه المهتوك. جديرٌ بكل ما تقدرون عليه من الفتك ولتكن حرياتكم راية الانتقامات.
أنا هدفُ القناصين، طاشت روحي بين أياديكم. تعفـون، ولا يليق بكم. أنتم أعذار القتلى، خطاياكم أكثر من براءة الطفل. ليس لكم أن تُبالغوا بيدٍ ترتجف وهي في مقبض المعول المثلوم بصدأ عتيقٍ كنبيذٍ فاض بي، ولم يحتمّل الصبرَ في نزيفٍ يذبح الخلايا. يوشكُ الليل أن يصير كفناً يرأفُ بالمتلعثمِ أمامَ الحب، المبتهج بنحيبِ المحتضرين، المتأرجف برهاب النصل من جهاتٍ جمـةٍ.