المدونة

  • إنها الكلمات الأخيرة… وها أنا أهجرها – وديع سعادة

    إنها الكلمات الأخيرة… وها أنا أهجرها – وديع سعادة

    مقطع من (نص الغياب):

    الكتابة لا تسكن في الحياة. مسكنُها في مكان آخر. على الحافة. في المتوهَّم.

    الكتابة مسكنها وراء الباب. تطرق لكن لا يُفتح لها. ربما لأن لا أحد في الداخل. ربما لأنَّ الداخل فراغ. ربما لأنْ لا داخل.

    أين الحياةُ و المكان والزمان؟ إذا كانت في الخارج لماذا، ونحن في الخارج، لا نراها؟ وإذا كانت في الداخل لماذا لا ينفتح الباب؟

    أنا الكاتب أعترف: بحثتُ في الكتابة طويلاً عن الحياة ولم أجدها. لم أجد الحياة ولا الزمن ولا المكان ولا الحرية. الحرية؟

    بديهيٌ أن لا حرية. الحرية؟ كيف تكون حرية ما دام لا حياة؟ نخترعهما، قالوا. صحيح، وها نحن نخترعهما. ولكن من موادّ وهمية غير قابلة، هي أيضًا، للحياة.

    لماذا أكتب إذن؟ ما دمتُ عرفت، ما دمتُ اكتشفتُ هذا الوهم، هذه الكذبة، لماذا أكتب؟

    عليَّ، على الأرجح، أن أعيد تركيب نفسي. أفكّكها قطعةً قطعة، أرمي اللعين منها وأُركّبها من جديد. لو أن النفس آلة، لو أني فقط أرى قِطَعَها.

    تائهٌ في العاصفة وأبحثُ عن آلة! تائهٌ ومنهوب. نهبتني الريح وأريد استرداد ممتلكاتي.

    أريد الحلية التي وَهبتْها لي أمي. أريد الطير الذي جلبه لي أبي. أريد ريشة الروح، حدقةَ الفضاء أمام الباب، حليبَ الحجر الذي كان يدفق من نظرتي.

    وإذا كانت هذه كلُّها من المنهوبات، ألم تكن لي في الماضي على الأقل نفسي؟

    الآن إذًا أريدها.

    وإن لم تكن لي، أريد زهرة، لجثمانها.

    أريد استرداد ممتلكاتي: الدربَ الأولى، غبارَها الذي علقَ على قدميَّ فصار لي، نجمةَ الوعود إذ يأتي الغروبُ وأنا نائمٌ تحت لوزة. ممتلكاتي: نظراتي التي أرسلتُها بحنانٍ ولا أزال أنتظر عودتها، يدي التي العابرون ظنّوها كمانًا، لهاثي الذي امتزج بنسيمٍ خفيف، ثم تحوَّل ريحًا ترتدُّ الآن إليَّ وتنهبني.

    كم الساعة الآن؟

    أعرفُ أن المرضى في الغروب يهلوسون هكذا. أنَّ الحُفَرَ التي تركتها ضواري النظرات ستبقى فارغة. وأنَّ رصاصة الجنون، ورصاصة الحكمة، كلاهما تصيبان المقتل نفسه.

    لم أكن في الماضي أعرف كلَّ هذا. كانت الأرض مستديرة، لا أرى مقلبها. الآن الأرضُ مستطيلة، صحراءُ شاسعة، وقوافلُ طويلةٌ من البشر والشجر والبغال، موتى فوقها.

    خطٌّ واهٍ في البعيد، خيطٌ مشنوق، أريد عبوره. وكلَّما خرج من الخيط نسلٌ، ظننتُه أولادي.

    أحيانًا تحدّثني الذاكرة عن الأرض أنا العاري، فأمدُّ يدي إلى معطفها المرميّ على كرسيّ قديم، وأحاول أن أتدثّر به.

    أُجرّب أن أقنع نفسي بأني، من هذه الخيوط البالية، سأصنع كنزةً لأولادي.

    أين المقيمون في البرْد؟ فليجتمعوا الآن في طابور، والمقيمون في الحرارة في طابور آخر: يجب فرْزُ الناس وحراراتهم، يجب خلق التوازن بين صقيع البشرية وحرارتها.

    التوازن بين المعطف والكنزة المكرورة. وإلاّ الأرض ستقع.

    كلامٌ بكلام. فقط كلام قليل للاجدوى كثيرة. كلامٌ للريح، للنظرة، للظلّ، للثعبان. للخيط المسرِّح نسلَه، للمشنقة المحتفظة بالقميص.

    كلامٌ للذين لا يسمعون.

    اعطني النعشَ في الصباح اعطني الغيمةَ إلى الوسادة. طُلَّ من الشبَّاك واقطعْ رأسَ الزنبقة. صِدِ الثوبَ الخائن في الفضاء. صِدِ المجنونَ المنحني على النبع.

    إقطعْ عنقَ اللغة. أَرْهبِ الكلمات، شَرْذِمْها وشرِّدْها. اخنقِ الأسلوب. فظِّعْ بالأصول والمنطق وبأعدائهما. خذ الصوتَ إلى الحديقة، خذه في نزهة، مع الجُمَل، وارمهما في النهر.

    لا، لا. دَعْ بطنَ اللغة تحبل بكلماتٍ بَعد. كلمات يظنُّ آباؤها وأمهاتها أنهم سيداعبونها كالأطفال، يغسلون وجهها ويمشطون شعرها ويجلبون لها الألعاب… دع آباء اللغة وأمهاتها يحلمون بأولاد، هذه سعادتهم لا تخرّبْها. فبطن اللغة حابلٌ بكلمات تولد ميتة، دعْهم على مهلهم يعرفون. دع الوهمَ يُسعد قلوبهم، واتركْ للَّغة شأنها: التلاقح من الصمت والاستحالة، من الغياب والغيبوبة، من الموت والموت.

    العتمةُ وحدها قد تكون الحياة، الخصوصيُّ الذي لا يُرى، لا يُقال، لا يُفعل.

    هل كان عليَّ قَفْلُ الأبواب وإسدال الستائر وإطفاء الأضواء لكي تكون لي حياةٌ ولغة؟ آنَ عَبَرتا العتبة واختلطتا مع خارجين كثيرين، فقدتُهما… لكني، حقًا، لم أكن أجدهما في الداخل. ظننتُهما في الخارج، في حانةٍ أو تحت شجرة أو على رصيف. ولم تكونا لا في الخارج ولا في الداخل. أين الحياة و اللغة إذًا؟

    الساعة تدقُّ دقّاتها وأنا واقفٌ تحتها، أسمع الرنّات تجري في الفضاء وتختفي.

    واقفٌ تحت الساعة. لا أجري مع الرنين بل أسمعه وأُشيّعه وحسب. ثابتٌ في المكان وثابت في الوقت. رنّاتٌ متواصلة سريعة لا أميّز بينها. الأولى شبيهةُ الثانية شبيهةُ الألف شبيهةُ المليون. وأنا تحت الرنة الأولى شبيهي تحت كل الرنين. واقفٌ في ساحة الأصوات في موج الأصداء جامد.

    يحطُّ على رأسي طير كما يحطُّ على تمثال ويطير. تلمسني سمكةٌ وتمضي.

    لا مكان للمشاعر كي تذهب إليه. لا فسحة لتحريك العواطف. لا مسافة بين الجدران.

    ولا مكان للكلمات ولا زمان كي تتحرك أو تحيا.

    هل المكان والزمان وهمان أيضًا نحاول أن نبني بهما ملجأ؟ لكنْ لا قصب يكفي لنصْب هذه الخيمة. لذلك نقعد ونعزف موتًا للهواء.

    تعبر الريح تاركةً موتى على أبوابنا. ننادي من الداخل يائسين: من سيطمر موتانا؟ أجدادنا الأوائل كانوا يدقّون الصخر ليلاً نهارًا لحفر حوض يزرعون فيه موتاهم. يزوّدونهم بالذهب والمال كي يدفعوا أجرة السفر إلى الخلود. نحن موتانا على الأبواب مَن يطمرهم؟ ومَن يطمر موتانا في هذه الغرفة، الممدَّدين منذ مئات السنين فوق الإسمنت، طبقاتٍ طبقات، حتى صار هذا البناء كلُّه من مادة الموت، وصرنا، نحن، نتاجَ جبلة الأموات.

    أحاول أن أُطلَّ برأسي من فوق الردم. أن أُرسل صوتًا حادًا يخترق العظام واللحم البالي، عَلِّي ألمح ما وراءها. فقط بوصة، بوصةٌ واحدةٌ مضاءة، وراء هذا الموت، تكفي.

    لكن، فَلأَنَمْ. كفنُ السماء ينزل على الغرفة ويغطِّيني. لأنمْ بالراحة نفسها التي للقطعان. التي للجماد، للرماد. لأنمْ من أجل الجرح الذي لا يستطيع الحراك. من أجل الحلم المُقعَد ومن أجل النسيان. لأنمْ وأتدثَّرْ بما تبقَّى على الطاولات والكراسي من موتى. لأنمْ بتواضع ولا أذهبْ بعيدًا، فأظنَّ أني حي.

    هناك كلمات تطلع من تحت التراب، أَسمعُها تخرج من بين الفكوك العظمية المتناثرة لموتى، دُفنوا من ألف عام. فكوك تعوم فوق الثرى لتقول كلمة. وفكوك لتقدّم قبلةً لم يتسنَّ لها، في الحياة، أن تقدّمها.

    عظامٌ تخرج لتضحك، وعظام تخرج لتلعب، وعظام لتتفقَّد أمكنتها الأولى، وعظام لتجيل نظرها علَّها ترى الأرض التي عاشت فوقها، ولم تكن تراها.

    تخرج العظام من تحت التراب كي تفعل ما لم يكن أصحابُها يفعلون فوق التراب.

    من هذه الكوَّة، من العظْمة، أحاول أن أُطلَّ على العالم. عَلِّي أفعل اليوم ما سأخرج من تحت التراب كي أفعله بعد ألف عام. عَلِّي أضحك الآن وألعب و أرى الأرض، وأقول الكلمة التي أرغب في قولها، وأطبع قبلتي على فم الحياة.

    قُبَلٌ كثيرة مطبوعةٌ على موتي. لكنني أريد قبلة واحدة للحياة.



    *نص: وديع سعادة 

  • من الصقيع الفنلندي: قاسياً كان الشتاء – بو كاربيلان –  ترجمة: نزار سرطاوي

    من الصقيع الفنلندي: قاسياً كان الشتاء – بو كاربيلان – ترجمة: نزار سرطاوي

    1

    قاسياً كان الشتاء

    “لم يكن هناك الكثير لإطعام البط.

    قَلَبتْ أمي سلة الخبز رأساً على عَقِب.

    راحتْ طيور البَط تزعق وبَدَا عَليها عدم الرِّضا.

    كان الماءُ أسود وسُرعان ما تجمَّد.

    قاسياً كان الشتاء. قاسياً كان الشتاء.

    حتَّى الأموال في المَصرِف تَجمَّدَتْ.

    الاحتفال مساء السبت لم يَعد ممكناً

    إلا بالتناوب مرةً دون الأخرى.

    2

    مساء

    سريعاً يمرّ الفجر، سريعاً يمرّ النهار، لكن المَساء اللطيف

    يجلب معه الشَّفق، يَمضي مثل مياه الخَليج

    ما بين الأشجار الدَّاكنة حيث تقف بلا حِرَاك.

    من بين الأمواج على بعد أميال تَصلنا رويداً رويداً

    أصوات جافّة، شَظَايا كلمات تَغرقُ من خلالِ الهَواء –

    سريعاً سريعاً يمرُّ نَهارنا لكنّ المَسَاء يتلبَّث في الدفء الصَّيفي،

    الدفءُ الصَّيفيَ اللطيف يظلُّ مُتلبِّثاً في الدِّماء التي سوف تُصبح داكنةً هُنا

    تحت تيجان الأشجار، تحت تحديق عين السماء المَفتوحة، المَفتوحة بلا حدود.

    3

    سأل العجوز…

    سأل العجوز: “أما زالتْ أشجار البَلوط هناكَ؟

    كانت هناكَ غابات في أيامي. أما زالت مَوجودة؟”

    كان يجلسُ في منزلٍ صغيرٍ في مونتيري،

    ما عاد يتذكّر اللغة السويدية، يقول بضع كلمات بالروسية.

    كان يجلس هناك مثل ظلِّه، بعينين

    لا تُبصران راحَ يُراقب الحديقة المَحروقة –

    نادراً ما كانت أمواج البحر تصل إلى هُنا، لم تجلب مَعَها جواً لطيفاً

    ” الأولاد من المَزارع كانوا يَرقصون يوم السبت.”

    تنحنح، كانت يَداه قَلقتيْن

    “مزامير القِرَب؟ أو شيء من هذا القبيل، لا أذكر،

    الأشجار، أذكرها جيداً، أشجار البَّلوط الضَّخمة، الغابات،

    يبدو كأنَّما كانت تقدر على أن تَمنحنا جواً لطيفاً –”

    رَمَقتي بنظرةٍ يكاد يَملأها الغَضَب

    كأنَّما كان يرتاب بالحقيقة. أجبتُهُ كما يَتَمنى:

    “ما زالتْ هناك، وما أروع أن نَستريح تحتها.”

    مرّت لحظة سكون. ثم ما لبث أن قال وقد سَرح بعيداً:

    حين يتحرك الريح خلال غابة البلوط، تظلّ دائماً تذكر ذلك.




    *نص: بو كاربيلان
    * ترجمة: نزار سرطاوي

  • التَّيقُّظُ لوعورةِ الحَنين – (ملف الشعر الإماراتي)

    التَّيقُّظُ لوعورةِ الحَنين – (ملف الشعر الإماراتي)

    بمناسبة اليوم الوطنيّ الإماراتيّ
    «2 ديسمبر»

    .. كلُّ عامٍ والإمارات العربية المتحدة في خيرٍ ونُورٍ ..


    الحنينُ إلى البيت

    « أحمد راشد ثاني»


    ماذا لو رجعنا الآن إلى البيت؟ 


    ماذا لو رجعنا …؟

    وكان البيتُ نائماً
    في جميع الغرفِ
    نُوقظه بمفتاحنا الصغير
    كما لو أننا نُشهِّيه بنا
    وعندما يرانا
    من الباب
    ينبسطُ لنا

    مادّاً صالتهُ وشَراشفَهُ
    مفسحاً لنا دوماً
    فراغاً كي نملأه
    وموطئ ساعةٍ
    كي نلعبَ مع الظلالِ

    كي نَسعدَ في قصرِ القوقعةِ
    ونتعلّق على أغصان الغيوم
    ونلعب الكرةَ مع السفن
    بين الممراتِ.


    ماذا لو رجعنا …
    وكان البيتُ ذاهباً حينَها
    إلى البحرِ كي يشربَ

    وبعد أن شَرِبَ
    أخذ البحرَ معه
    وعاد البيتُ
    إلى البيتِ

    ما الذي تفعله الأسماكُ الملساءُ
    وهي تسبحُ على الجدران؟
    ما الذي يفعله المرجان في المطبخ؟
    ما الذي تفعله في النافذة
    الموجة التي ركبت على الحوت الغاضب
    والطيور التي تجمَّعت في الصالة
    كي ترى ذلك العرض في التلفزيون…

    كيف يدخلُ البحرُ إلى البيت
    دون مشقَّةٍ
    ويسهو على المدفأة
    بينما الهواءُ يعومُ
    فاقداً رُشْدهُ في الماء
    كما لو أن الفقاعةَ
    نشوانةٌ في الفمِ
    مطلوقةٌ من الكلماتِ
    تحوِّلُ اللغةَ إلى أحاسيسَ
    والخواطر إلى أهدابٍ

    … أما الصورُ فترفرفُ
    على المدى الفسيح للجدرانِ
    وكأنها في مَهمَّاتٍ خاصةٍ بالنحلِ.


    ماذا لو رجعنا …؟

    بعد أن أهلكنا الخارجُ
    وهَلكنا
    في الخارجِ
    بعد أن تلكّأنا على الطرقاتِ
    حتى لا ينتهي الليلُ بنا
    كما نحنُ
    وأتعَبنا العديدَ من الطاولات
    حين جَلسنا طويلاً
    على أطرافها
    بانتظار عصافير الحظ
    تحلُّ
    على ذلك الغصن القصيرِ المواربِ

    وطاردنا ملائكةَ المتعةِ
    من مقهى إلى مقهى
    واحتسينا البراميلَ
    من رحيقِ الرمادِ.


    ماذا لو رجعنا الآن
    إلى البيتِ
    ولم نجدِ البيت
    فعُدنا
    فلم نجدنا …؟

    ماذا لو أخذنا الأمام رهينةً
    كي يقينا من الرجوع؟
    ماذا لو لم نعرف أبداً
    وكان البيتُ مُعلَّقاً
    في المنعطفِ
    نأخذهُ من يدهِ
    ونضيءُ به الآخرينَ؟

    ماذا لو كان الآخرون
    هم البيتَ
    وكنا الطَّارقَ
    وكنا المُنتظرَ؟

    ماذا لو فهمت أمهاتُنا
    كلَّ هذا
    وحَمَلْنَ الشجر؟

    ماذا لو كانَ اللَّحِدُ
    غرفة من غرف الرَّحِمِ
    نعدهُ في زواياه
    فناجينَ الصحّوِ
    للخفاءِ
    يجمعُ الرائحةَ
    في صُرَّةِ الشفافيةِ
    ويمتدحُنا …

    يُمسّدُ أكتافَنا
    وعندما يخرجُ
    يعلقُ نُطفتنا في الضوءِ
    كي تشرَبنا الأحجارُ.

    (مقطع من القصيدة)
    *ديوان: دم الشمعة



    الحنينُ إلى الملائكية

    «نجوم الغانم»


    الملائكة


    الملائكةُ التي احتبسَتْ فجأةً

    في الجوارِ
    تقفُ على مشارفِ المدينةِ
    مصغيةً لارتجافِ قلوبنا
    لكنَّها لا تريدُ الاقترابَ
    لسماعِ حكاياتنا

    إنها تَنحني
    فوق أسطحنا
    لتقرأ أساريرَنا
    ولا تأبهُ للجراحِ التي
    تَسيلُ في كلِّ ليلةٍ.

    إنها تذهبُ الآن
    بَعد أن شاءت
    أنْ لا تُلطِّخَ أرديتَها بدمائنا.

    *ديوان: ملائكة الأشواق البعيدة


    محاولات هشَّة


    جئتُ أفاوضُ الأحزانَ التي لم تدعني
    أمتثلُ لأفكارِ البُعادِ
    ولم ترأف بأدمعي حين احتقنَتْ
    مُستنجدةً بالأزمنة.

    توسّلتُ الغيابَ
    أن يُسكتَ مواجعي
    أو أن يُعيدني إلى المرأة
    التي كنتُها قبل أن تمطرَ
    آلام الليالي الفائتة.

    احتميتُ بتفاصيلِ محبتنا
    التي تذكرتها
    والتي لم أتذكرها.

    كانت الرسائلُ تمدُّ لي يدَيها
    لألتفتَ إلى حبرها
    إذ تماهتْ ألوانُه في غَفلتنا،
    والكلماتُ تفتش في عينيّ
    عن البريق الذي طالما
    استعادَها من عَتْم الوحدة.


    لكن عينيَّ اليومَ مبللتانِ
    كشمعتين استنفدتهما
    الليالي الطويلة
    دون أن تجدا من يناولهما
    منديلاً
    أو يُهيلُ عليهما
    الرأفة.

    *ديوان: لا وصف لما أنا فيه



    الحنينُ إلى الجسد

    «عبدالعزيز جاسم»


    الشبح


    1

    أنا هُنا في المِرْآةِ، في الهواءِ الأحْدَبِ
    في الجليدِ
    في تابُوتِ الأعوامِ
    في مدينةِ الأحابيلِ والكمائنِ
    ودَمِ الأبدية
    الَّذِي يُلطِّخُ قَمِيصي.

    أنا هُنا، خَلفَكِ وأَمامَكِ
    أَمْشِي ثَمِلاً
    على حائِطِ المَرارَةِ
    الَّذِي يَمِيْلُ بي
    كُلَّمَا مِلْتُ فَوْقهُ
    نَحوكِ.

    2

    أنا هُنا في المِرآةِ، خارِجَهَا
    خارجَ صُوفِ الحَدِيقَةِ
    قُرْبَ العُيُونِ الْأَكْثَرَ وَجَلاً
    وسَطَ صحرَاء مُكْتظةٍ بِاللُّصُوصِ
    أُحَرِّكُ عَصاي فِي بِرْكَةِ
    الجُغرافيا الراكدة
    وأبحثُ عن صَوْتِكِ الضائعِ
    كالإبرة.

    بلا ضَمِيرٍ كَانَ يَتَرَصَّدُني الْقَوم
    وكُنْتُ أسمَعُ حَمِيْراً تَنْهَقُ
    بَدَلَ أَصْواتِهِم
    ولكِنِّي وقَفْتُ في الظلامِ
    أَشعَلتُ نَارَةً كَي يَرُوْنِي.

    وحين جاؤوا، مَلأُتُ يَديَّ بالجَمْرِ
    فَصاروا رماداً وأبعاراً
    وأَصْبَحْتُ أنا مِن يَومِها
    أظهَرُ وأختفي كالشَّبح.

    ألهذا السَّبَبِ إِذَاً، سَبب أَنْ تَجِدَ صَوْتاً
    يُشبه الإبرةَ
    تتحوَّلُ إلى شَبَحٍ
    يَنبشُ الغُبارَ
    في مِرآة؟

    3

    تَذَكَّري! مِنَ الضروري أَن تَتَذكَّري الآن.
    كَانَتْ رُوحِي مِزْرَقَّةٌ
    كوَرَقَةِ الغَيْبِ
    حينَ دَلَقْتِ نَظْرَتَكِ عَلى جَسَدِي
    ذاتَ أصِيلٍ
    وبِكُلِّ شَغَفٍ مَنَحْتُكِ
    آهتي.

    كانَ دَمِي أَخْضَرَ
    كحقلٍ من البطيخ
    حينَ كُنتُ أفُكُّ بَرَاغِي الضَجَرِ
    وأسْتَبْدِلُ عَجَلَةً بِعَجَلَةٍ
    فكيفَ تَسَلَّقْتُ سُلَّمَ الهَواءِ
    على عَجَلٍ
    كَي أَتَلَقَّفَ نُثَارَ اسْمِكِ.

    كَانَ هَيْكَلِي بُرُونِزِيَّاً وَمَدْهُوناً
    بِزَيْتِ السُّمْسُمِ
    عندما حَمَلْتُكِ كَوَدِيْعَةٍ
    واجْتَزْتُ بكِ المحيطَ المُتلاطِمَ
    في مُقْلَةِ حُوْتٍ أَعْمَى.

    غيرَ أَنَّ فَمِي ظَلَّ ذَهَبِيَّاً
    مِنْ كَثْرَةِ مَا بَاضَ
    صَمْتُكِ عَلَيْهِ
    وفَقَّس!

    4

    هكذا كُنْتُ: شَبَحاً خالصاً
    لا زَادَ لي سوى الضّوء
    ولا مَاءَ لي غير
    السَّراب
    وليسَ عِنْدِي بَطْن.

    كُنتُ إشارةً بينَ الدَالِياتِ
    أو هواء على مرفأ
    الفَجْرِ
    لَمْ يَكُنْ هذا شَاغلي.

    ولكني أعْلَمُ الآنَ بأَنِّي طَويلاً
    مَا عِشْتُ كَوَجْهٍ نُقِشَ
    على مَوْجَةٍ
    تَدُومُ
    أو كلُغَةٍ عَجَزَ عَنهَا النُّسَاخُ
    وانتَحَرُوا.

    5

    أَنا هنا، نَعَم، مُحاطاً بالأذى
    والأخطاءِ
    والأحزان
    مثلَ قَمِيصٍ يَتَطَايَرُ
    في حَقْلِ صبَّارٍ
    رهيب
    أمِيلُ على نَفْسِي، أَتَداعَى
    أدورُ
    أنجرحُ
    ولا أسقُطُ.

    وكُنتُ أَجُسُّ نَجْمَكِ الراقد
    في مَعْبَدِ السُكَّرِ
    أدلُّكِ عليَّ
    أرفَعُكِ مِن حَيْزُومِ المَركِبِ
    إلى أعلى الصَّارِيَةِ
    بجُفوني
    ثُمَّ أُوْقِفُ الحياةَ
    من أجلكِ
    على فِرجار.

    فأينَ مَضى كُلُّ هذا الآن
    وما الذي تَبقّى منهُ
    كي تَذْكُريهِ؟

    6
    في وقتٍ فاتْ، كانَ مِنَ الْمُمْكِن جِداً
    مع القليل منَ الصَبرِ
    والكثير من الإخلاص
    أَنْ أَتَحَوَّلَ إلى رَاهِبٍ
    وأنْ تَكُوني أنتِ
    كنيستي.

    في وقتٍ فات، كُنتُ أدُقُ عَلَيكِ بِقُوَّةٍ
    كالسَجِيْنِ من وراء الزُّجاجِ
    من وراءِ المرآةِ
    من وراءِ العالم
    أُحاولُ كَسْرَهُ
    ولا تَسْمَعِيني.

    في وقتٍ فاتْ، وأَنْتِ تَخْتَالِينَ أمامي
    مُتَبَرِّجَةً كَشَجَرَةِ الميلادِ
    خارِجَةً داخِلَةً
    تكتبِينَ بِقَلَمِ الحَوَاجِبِ على جِلْدِي
    تجرحينني بالدبابيس
    تُلْصِقِينَ وَجْهَكِ بِوَجْهِي
    في كُلِّ مَرَّةٍ
    ولا تريني.

    في وقتٍ فاتْ، كُنتِ معَ طَيْرِكِ
    آكِلَ الكَرَزِ، مَلْهِيَّةً بِالخَدِيْعَةِ
    تُقَايضِيْنَ الحَياةَ بِرقصَةٍ
    عابِثةٍ
    وتَضَعِيْنَ شَرِيْطاً أَسْوَدَ
    على صورتي
    كما لو أني مِتُّ.

    وهكذا، شاءَ المَدَى أَنْ أَصِلَ
    بَعْدَ لأي
    مُتَزَنّراً بالحَرِيْقِ
    وقَدْ أَعْمَتْني اللَّهْفَةُ
    ولكن

    أبداً.. أبداً، لم أعْرِفَكِ
    ولم تعرفيني.

    7

    لقد كُنتُ هُنا، هُنا، أيَّتُها العَمياءُ
    قَرِيباً من غَمَّازَتَيكِ
    من حفِيفِ أَثوابِكِ
    من شَهِيْقِكِ وزَفِيْرِكِ
    من شُعُورك بالقَطْرَةِ تَسِيلُ
    بينَ نَهدَيْكِ
    من المِخَدَّةِ المَحْضُونَةِ بِذِرَاعَيْكِ
    من ظِلِّ لِسَانِكِ الْأَوْحَدِ
    ومن خلفِ ما لا تتوقعين أبداً.

    لقد كُنْتُ هنا، بالضَّبط
    في تلك النُّقْطَةِ التي تَنْظُرُ إليها
    جَميعُ العُيُونِ وسَطَ
    تلك المرايا
    وتَنكَسِر.

    *ديوان: آلام طويلة كظلال القطارات



    الحنينُ إلى التبدد

    «ميسون صقر»


    إِخْفَاءُ الجُثَّةِ


    يَا أُختَ حُرقَتي

    لا تنتظري النَّسُورَ الَّتي سَتَنْهَشُ لَحْمِي

    إِنَّهَا نُسُورٌ شَرِسَةٌ وَجَائِعَةٌ
    سَتُخْفِيَ جُثَّتِي فِي لَمْحَةِ عَيْنِ

    دُونَ الحَاجَةِ إِلَى مغْسَلَةِ الْمَوْتَى،

    وَالْكَفْنِ الْأَبْيَضِ،

    والمقْبَرَةِ …

    أَو إِلى البَحْثِ عَن طَائِرَة تَحمِلنِي وَحيدَةً إلى الوَطَنِ.

    عُودِي إِلى العَائِلَةِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً
    ادْخُلِي الْكَنَفَ الَّذِي تَرْضَيْنَهُ

    اترُكيني ميتةً وافتحي الشُّباكَ، اتْرَكِيهِ مَفْتُوحًا وَاذْهَبِي
    سَتَخْرُجُ الرَّائِحَةُ
    وستدخلُ النسورُ ناهشةً ابْنَةَ الصَّقرِ.

    *ديوان: أرملة قاطع الطريق


    جريان في مادة الجسد


    “تقطعُ الليلَ في الغفوات المتتالية
    كتبٌ من الموتِ تفتحُ لي صفحاتها
    ولأنني قريبة منهُ
    ولأنني أهزُّ شجرة اليقين فيَّ
    لا بيت، لا غرف، لا حوائط، لا شواهد
    لا أم، لا أب، لا حنان
    لا أحد يمدُّ لي جسداً
    لا أحد يستطيع

    …..
    حالة البدء في الخلوص
    حالة وحيدة في التفرّدِ”

    الليلُ ظلّ الجسد
    ارتيابُ القدم بين الساقِ والطريق
    فتحٌ لعينة تُغمض عليّ تنفسها
    وتدنو الأحاسيس نحو ابتلاعي
    لستُ مرهونة لجفائها
    ولا بصحراء جُنوحي موثوقة
    هنا تابوت يبحثُ عن موميائه.

    هنا ظلٌّ حائر لتاريخٍ تهدَّم
    الباكون في الأزمنة المتحجّرة ترهّلت دموعهم
    العاكفون على تعليق فوضاهم فوق ستائرنا
    تلك ستائر أذابها فعل أخرق لزمنِ رياحي
    وبفعل تهتك بكارة ليلنا بالضوء
    واسترسال سيولتنا في البحث عن مضامين تبدلنا
    جميعهم تفجروا في ليل يسقط فيه جسد أعزل
    ولا ظل يحتويه.

    الموتُ لا يأتينا حين نَتَأهب له
    والجسدُ لغةٌ بها أبتدئ:
    كلُّ قبيلة مسودة لتاريخ قَمعي
    كلُّهم ضلفة باب يسد عليَّ قامتي
    كلُّهم أهالوا ترابهم
    وحاكموا بؤرة تُفَجِّرُ ماءَها بالنضب:
    فراغُ البيت من الحبِ
    فراغُ البلاد من الرياحِ
    المرايا لا تعكس وجهاً تعرفه على هواء حار
    سأكتبُ الهدوء مشمولاً بصخبي
    وأصارعُ كي أدخل باباً صعب الفتح
    بإضاءة الوقت
    وأكونُ كما لم أكن … من قبل.

    (مقطع من القصيدة)
    *ديوان:جريان في مادة الجسد



    الحنينُ إلى القُبلة

    «علي المازمي»


    هل طعم الدم لذيذ؟


    الذين أداروا ظلالهم في اتجاهنا
    كانوا وحدهم
    من عرفوا
    اتجاهاتِ السكون.

    لأني أفترسُ قاتل الذبيحةِ، بعد أكلها،
    لا أقربُ نهدًا ميتًا
    ولا آكلُ سوى الحياة.

    تهُبُّ مع ارتطامِ خدي الأيمن ونهدها: رياحٌ قديمةٌ
    لأتساءل في أي تاريخٍ يعبقُ لقاؤنا هذا؟
    وعن الذين سيولون أدبارهم، لو تحققت فكرةُ التقبيلِ الآن، ستلاحقهم لعناتُ ربَّةِ الشفاهِ.

    أحرِّكُ إحساسي بهدوءٍ اتجاه فمها، أرتكبُ خطأً
    تقرقر معدتي الخاوية،
    فتلمحني شفاهها،
    وبصوتٍ هادئ تقول:
    التوت جميل،
    وهل طعم الدم لذيذٌ؟

    أقعُ أو أكاد، وظلي يمُثّلُ الموتَ على الطاولة خلفنا، تُحرّكُ شفاهها برشاقةِ راقصةِ باليه، ولو أطالت في حرف الواو لسقطنا في الفوهة.

    من أين أنزفُ هذهِ المرَّة؟
    جسدها مزين بسكاكين مُسَنَّة
    وكلُّها أبعاد حادة
    ومعادلات عصيَّة
    لأظفرَ بالمرورِ،
    لأستطيع نزع الفتيلةِ دون انفجار
    أحتاجُ
    من أسلافي التمائمَ،
    من أصدقائي الغدر،
    من أمي الموت،
    من النادل كأسًا تفوح منه الريح القديمة
    لأتمكن من التأنسنِ
    من التخلي
    من أن أُخطئ دون أن أفتح النار على جماجمي:
    أحتاجُ أن أتذكر ليلة الميلاد
    ما سمعتهُ قبل أن يُتمتم والدي في أذني.

    إذًا سأسمحُ لي، أن أجرب الكلام وأختبر سرعة الضوءِ،
    أن أُقبّلها وأعود إلى زمني قبل تقبيلها
    هكذا أكونُ
    أعدتُ للفيزياء هيبتها
    وكسرتُ الزمن،
    أكون قد لمستُ استنارات الأوائلِ
    شيَّدتُ من رغبتي طريقة جديدة لمن
    أراد أن يتصوفَ
    بلا آلهة
    أو قواعد
    ها قد نفثتُ في طُهرِها أعتى سمومي
    أقسى ما جرَّبتُ من اللذاتِ
    هيا بنا
    فلنسفك الدماء
    دعينا ننساب من قلوبنا
    عراة من الورق
    أمام بوذا
    وعلى سفح الجبل
    نقتلهُ، كفكرةٍ لم تكن
    ثم نتزيّن بالجنايةِ

    تعالي…
    لأني لو لم أقبلكِ
    لن أكتب قصيدة.



     الحنينُ إلى الذاكرة

    «حصة العامري»


    لا أحد – كالتعب – يتذكر الأشياء كلها


    أغلقَ عينيه، منتظرًا
    تجيء الكوابيس
    إلهامًا لاشتعال الحدس
    وتجيء الوجوه
    غَبرة، لصيَّة
    يهمس الأمواتُ في أذنيه الوثبتين
    ليقظاتٍ موهومةٍ.

    لا أحد – كالتعب – يتذكر الأشياء كلها
    دون أن يشعر به أحد.

    عندها سيعودون الرفاق أخيرًا
    مُثقلين بالاكتراث الذي لا يُعوَّل عليه
    مُلقين سرابيلهم
    وشرايينهم
    في محطة قطارٍ وحيدٍ لا ينطلق.

    يعودون باردين
    ينفضون الروح
    من ماء البيوت
    وأُمهات البيوت..

    يقتفون الظلَّ والغبار..
    لا كتب في الأدراج
    لا عقاقير منومة
    ولا صورًا فورية.

    البيوتُ هنا
    البيوتُ الآن
    تتسلق على جدرانها أرجل العناكب
    وصدوع التهالك
    وبعضًا من صدى الأب الذي يبدو ككلِّ الآباء..
    يسأل عن عشاء الليلة بفمٍ يدخن.



    الحنينُ إلى الهاوية

    «أحمد عبيد»


    صمتٌ طويلٌ ويدٌ تبحثُ في الهاوية


    لماذا تركنا البُكاء في مدينةٍ تَسحقُ البشر، وفي عتمة الطرقات تتبارك الأمكنة عند سقوط المطر .. على جدارٍ مُصاب بالرُّعاش. لماذا تركنا تنهدات وأبواب تحتضر من القلق؟

    السجن مسرح في مُذكّرةِ لص. بقاء أزرق يستنشقُ ضوء الحياة. موجٌ أغوى العاصفة إلى الكهف. أيتها الفكرةُ المارقةُ لقد أذبلتِ رئتي! فلِمَ قفزتي أمامي كامرأةٍ بسيقانٍ خشبيةٍ حتى السّماء؟

    منذ الصباح الباكر، وأنا أتأمَّلُ نافورة الموت. صراخ يتسللُ في ممرات الروح السريّة. نوافذ سوداء تُفتح فجأة، فتدخل ظلال مريضة مقطعة الأوصال؛ وأخرى ممسوسة تحاول الوصول للقلب.

    يومٌ بلا ذاكرةٍ، أفرغنا فيه كل ما نملكُ من سَهرٍ. غَسلنا الدرب، وودعناهُ، وعدنا غرباء نبحث عن مأوى.

    جسدٌ في مقهى مُعتمٍ، بين أصابعهِ تدور أقمار وشموع. جسدٌ هو الذي يحدِّقُ بعينين من غياب، فتتدحرج زجاجة على سلّم النجاة.

    سأتسكعُ في ظهيرةٍ صماء، لا أحد يتنفس فيها. وجهي ينعكسُ في الزُّجاج، والزّجاج مكسور والحياة سوداء. فماذا أفعل؟ الريحُ تنقشُ ورق الخريف في كفي، وأنا أطحنُ كل ما أشاهده وأحرقه في مبخرةٍ، كي يخرج خيالي الشتوِّي.

    العالمُ مُرٌّ كالعلقم، والرعد مصحوب باللعنات. فكيف نرجع للبيتِ، إذا السّماء فتحت مزاجها العكر؟ وكيف أعبرُ المستنقع وحيداً، والفزع يغلي تحت شعري المُستعار؟



    الحنينُ إلى الصحو

    «إبراهيم الملا»


    الإرث


    خُذيني لهذا اليباب الأليف
    لم أعد أطيق السماء الخفيضة
    ولا يدَ عندي لاقتطاف الظَفر
    قولي للسدرةِ البعيدةِ
    إنَّني هالكٌ لا محالة
    وإن التماثيل مالت بقربي
    فاسترحنا في انهدامٍ عريقٍ
    قولي لماء البحيرة، إني مثقلٌ بالندى
    وإن الهوى في صدري شوك
    والمزامير غامت في أدمعي
    قولي لهم:
    إنني قادمٌ من عراء
    وذاهبٌ لعراء
    وكلُّ البيوت تراءت لعيني
    ولم تشفع لخطوتي عَتَبة
    ولا عالجتني النوافذُ بالفضولِ
    استرقتُ خرابي ومضيتُ
    استندتُ إلى الوديان
    وأخذتُ أُلمّع ثماراً من حجرٍ
    ملء الجبال كانت
    وملء سَقطتي
    قولي لهم يا حبيبة
    إني في الرماد مقيم
    وفي قلبي ماسةٌ مُطفأةٌ
    وإني حَجَجتُ إلى البَراري
    كي أروّض ظلي
    ويكون عوائي خفيفاً
    على القُبرات النائمات على الأضرحة
    ما زلتُ أجثو على تعبِ الرمال
    وأخيطُ المتاهةَ بإبرةٍ في العين
    وبالعماء الطليقِ
    قولي لهم أيتها الرحبة
    مثل المياه قبل بدء الخليقةِ
    قولي لهم يا حبيبة
    إنني بالغرانيق هائم حدّ الغيوم
    وإنّي كتمتُ غصّة البُركان بحلقي
    واكتويتُ
    ثم اكتفيتُ حدّ الصراخ المؤبَّد
    ماذا جنيتُ من الهدوء؟
    وأيُّ صخبٍ جليلٍ للمراجيح الخاوية
    أيُّ طفلٍ قتلتهُ في الظَّنِ
    ورفعته على شهقة الذكريات المُقفلة
    قولي لهم يا حبيبة
    إني عثرتُ على النهارِ الضَّريرِ
    وإني اتكأتُ على وردةٍ عابرةٍ
    فما عثرتُ على طريقٍ ولا استرحتُ
    وإني عانقتُ السَّرابَ
    واكتحلتُ ببرقٍ
    فأين السبيل
    لعافية مشتهاة كالحبِّ؟
    أين القناديل التي هشّمتُها بذهولي؟
    أين السكون محتشداً في ضجَّة الأجراس؟
    وأين القبور السعيدة للعصافير العالية؟
    قولي لهم يا حبيبة
    إنني عاطل كالدُّمى في غرفةِ ساحرٍ
    وإني سهرتُ والآبار حدّ الثمالة بالظمأ
    فما عثرتُ على ذهبِ الكلام
    ولا فضة تتدلى من الشُّحوب
    ولا نار بقربي كي أهيم
    والفراشات بعيدة
    قولي لهم يا حبيبة
    إنَّني غامرتُ بصحوي
    ورافقتُ الصحاري إلى آخر قطرةٍ
    يابساً مثل روحِ الغريقِ
    ولا زَادَ عندي سوى صرختي!

    *ديوان: تركتُ نظرتي في البئر



    الحنينُ إلى الموت

    «علي العندل»


    تُطاردني الأواني


    عيناكَ زائغتان
    ونبضُكَ
    في كلِّ المواسمِ خريف
    أصباغُ الدماغ صفراء
    وقنينةُ السَّمِّ خضراء

    كلُّ القمصان لا تليقُ بي
    أريدُ غابةً بعيدةً
    كلّ أشجارها أنا

    .. تُطاردني الأواني
    والصدأُ يزرعُ الرُّعبَ
    في قلبي

    إلى وجهٍ لا أملكهُ
    سأغرقُ طويلاً


    رحلاتي روح غرفةٍ


    الموسيقى!
    تُبكي سُباتي
    ولنبض العطش
    أغسلُ قلبي بماء
    الورد…

    …. أبدو غريباً
    .. ملعوناً
    تلفظني أفواهُ
    الأطفال.

    أمردٌ هو نُواحي
    أضمُّ إلى صدري
    بُقعة انزواء..
    أختبئ من وجهي
    .. رعبٌ
    هو
    أنا
    أجتاحُ قلبي بالسكاكين.

    .. القفلُ يا صُداع بابي..
    اعتزلتُ إغراءَ المفاتيح
    زاويةٌ صغيرةٌ
    تُكبِّلُ كل العالم
    أمام وجهي…

    .. لا أفقهُ ألعابي
    خرابٌ وجودي
    كما رُباط العنق
    حبلُ مشنقةٍ
    أصبحتُ مرهوباً
    شعراتُ جلدي
    واقفة.

    مُتأهبٌ للرحيل
    أترصد قدوم
    الشللِ..
    .. الأطفال
    أظافر طويلة
    غداً يكبرون
    هم أيضاً
    لنهشي مباحون..

    .. في المرآة
    وجهٌ أحمق
    مُرقَّطٌ
    بخيوط العناكب
    تلد المساءات
    خيبات المستقبل
    تمضي…
    وفي قلبكَ الزنزانة
    القيدُ في الرأس يعتلي
    تخور كلّ البقع
    تتحول كلّ الألوان
    إلى ألعابٍ مرعبةٍ
    لا أملكُ شيئاً
    الهذاءاتُ هربتْ
    أيها المتنجّسُ بالموسيقى
    قلبُكُ ليس قلباً….
    أيها المتنجّسُ بالموسيقى
    أمراضكَ
    تطردُ الثعابين
    أوكارها
    تخلو لكَ..
    .. لكَ وحدكَ ..

    *ديوان: سيف الماء



    الحنينُ إلى الأُلفة

    «ثاني السويدي»


    وجه آخر للورق


    آه
    سئمت المرآةُ وجهي حتى عُمِيَتْ
    تريدُ ملابسَ نظيفة كالغُبار
    ووجهاً جديداً كالنخيل في الذاكرة
    هذه المدينة خارج العطش
    رصيفها يستنشقُ الحِداد
    مُغلق وجهنا بالحقول
    فانتزعيني من أدراج الشجر
    وكلليني بالمغادرة
    لإلغاء المسافة بيننا علينا أن نقطع أقدامنا
    نسينا البحر في حذاء طفل
    نسينا القمر في صوت السنابل
    وقبل ليلتين
    نسينا صوتنا في الحلم
    والليلة الماضية تركنا الحلم والليل
    يتحدثان بحجم فجيعتنا.

    لك الآن أن تُشكلي من قلبي عواء السحب
    مزدحمٌ أنا بأوجاع الشهوة
    يخرجُ من فمي دفاتر وبؤساء
    ولهجة كما لو أن البحر يصرخ في الماء
    أين افتراق الزجاج عن المرآة
    أرى منه رجلاً يأكلُ خُبزاً ويشتمني.

    *ديوان: ليجف ريق البحر


    جمع وإعداد: موزة العبدولي

  • بعيداً في الغياب – زهران القاسمي

    بعيداً في الغياب – زهران القاسمي

    إلى أمي..

    حتى لو فتحتُ يدي ومددتها

    لن أجدكِ

    سأكون كمن قبض على هواء

    أنتِ لست هنا

    لا قلبكِ غابة أندس فيها مثل حيوان بريّ

    ولا دمعتك تغسل أخطائي 

    لقد ذهبت بعيداً 

    هناك في غياب يشبه جفاف حلق أرملة

    لحظة عويلها الأخير

    حتى لو فتحت فمي لأقولكِ

    لا حروف لكِ

    ولا صوت بحنجرتي. 

    *** 

    ماذا يمكن أن يفعل الإنسان سوى أن يذهب للنوم

    وأنا أذهب له لعلني ألقاكِ ولا ألقاكِ

    تمر أحلام كثيرة

    يمر شخوص وأشباح ووحوش

    اجتاز كوابيس ومقابر قديمة لقتلى حروب وأوبئة

    أقبض على قلبي وأعصره حتى لا يسقط في نهر الخوف

    وأنت في غيابكِ

    لا صوتكِ يصل إلى سمعي

    ولا يدكِ تخفف وجيب القلب. 

    *** 

    أحتاجكِ

    فيحتاجكِ الدرب الجبلي حين يقول لعاشق لا تذهب إلى أين

    يحتاجكِ العشب الذي ينبت على جنبات الطريق متحدا بالعدم

    يحتاجكِ حصان هرم يموت كل يوم قليلاً

    حتى تنظري في عينيه قبل الرحيل فتلمع الحقول من صباه

    تحتاجكِ المدينة وهي تغلق أبوابها للظلام

    أحتاجكِ لأن خدراً يسري بين أصابعي

    لكي تشبكي أصابعكِ بينها

    وأحتاج ضحكتكِ لكي تنقذني من العطش.

    *** 

    هل أخبرتكِ؟ 

    أصادفكِ كل صباح أمام باب البيت

    وقد افترشتِ حصيركِ ونامت على أطرافه قطتان

    أسمع وقع خطواتكِ على الدرج تهبطين 

    فيرنُّ خاتمكِ الفضي على الإبزين

    ألمحكِ وأنتِ تجلسين على سجادة الصلاة في غرفتكِ 

    تدعين وتسبحين لله

    هل أخبرتكِ؟

    الشجرة الكبيرة في البيت ماتت

    رحلت العصافير عنها 

    والزوار الذين كانوا يأتون ليتبركوا بوجهكِ غابوا

    وأنا لم أعد أشكو إليكِ تعبي الذي يتكدس كل يوم

    تعبي الذين كنتِ تغسلينه بكلمتين

    وابتسامة حانية

    هل أخبرتكِ؟

    صار النهار بلا شمس

    صار البيت فارغاً

    وصرنا يتامى

    وصارت الحياة بعدك بلا حياة.


    *نص: زهران القاسمي

  • بين يديك أيها العالم – رياض الصالح الحسين

    بين يديك أيها العالم – رياض الصالح الحسين

    في ذكراه 21 نوفمبر – 1982

    فلتأتِ إليَّ الآن
    فلتأتِ إليَّ الآن
    الباب مفتوح والنافذة مفتوحة
    وكل ما هو لي
    وكل ما هو ليس لي
    وكل ما رأيته وعشته وانتظرته
    ينتظرك الآن:
    المائدة والسرير والضوء ورائحة جسدي
    العشب والأسماك والأزهار وقلبي
    كل شيء ينتظرك
    كل شيء ينتظرك
    فلتأتِ إليَّ الآن
    إنَّ الزمن لا يتغيَّر أبدًا
    إنَّ الزمن لم يتغيَّر قط
    فالصيف كالخريف
    والسبت يشبه الأحد والأربعاء
    أمَّا الذي تغيَّر دونما انقطاع
    فهو نحن
    نحن الذين نذهب إلى الحروب والمصانع والمراعي
    ونبتكر كل ما له علاقة بنا:
    الرصاص والخبز
    السجون والحرية
    السجائر وأقلام الرصاص
    السكاكين والورق والأغاني
    الألعاب والقيود والمبيدات الحشريَّة
    إنَّنا نفعل كلّ ما نستطيع
    بين يديك أيُّها العالم

    بين يديك أيُّها العالم
    دمي يسيل الآن
    يسيل وأراه
    يسيل ويتبعثر ويتشابك ويفترق
    ينحني وينكسر ويميل يسارًا ويمينا
    إنَّهُ دمي أيُّها العالم
    دمي الصامت الثرثار
    الذي يرسم بنفسه صورتي الشخصيَّة
    ووجه من أحبُّ وأكره

    بين يديك أيُّها العالم
    متدفِّق ومنطو
    بعيد وقريب
    أتنقَّل من شارع إلى جدار
    ومن صديق إلى قاتل
    ومن أغنية إلى غبار
    أتنقَّل وأتنقل
    حاملاً خضاري وقمحي وكراريسي
    بنادقي وزهوري وفراغي
    دونما راحة ودونما تعب
    ذلك أنَّني أعيش لأتساءل
    أو أتساءل لأعيش:
    ما الذي فعلت بنفسك يا هاملت؟
    وما الذي تنتظرينه يا بنلوب؟
    وماذا أعطت لك الحياة يا سقراط؟
    ولم تثير رعبنا يا هيتشكوك؟
    وأنت يا أبي…
    أيُّها السكِّير، المريض، المقامر
    أيُّها الحالم، الطيِّب، المسكين
    أما زلت تتناول عشاءك المعتاد
    بيضتين مسلوقتين
    قليلاً من الزبدة
    نصف رغيف
    وهمومًا كاملة
    وأنت يا أمِّي…
    أيَّتها الشجرة التي لم تثمر غيري
    أما زلتِ تنامين باكرًا
    عاريةً إلاَّ من أوراقك الخضراء
    الخضراء دائمًا بين يدي العالم؟.

    بين يديك أيُّها العالم:
    النافذة مشرعة وأنا وحيد
    (من يأتي إلى من)
    الأضواء ساطعة وأنا معتم
    (من يضيئني من)
    السفر… السفر… السفر…
    هو ما أريد
    الحريَّة… الحريَّة… الحريَّة
    هي ما أطلب
    أن أضمَّ المرأة
    وأسحب القمر من أنفه إلى غرفتي
    أن أرقص وأرقص وأرقص
    حتَّى تتعب الموسيقى
    أن أحملك أيُّها العالم
    أهدهدك كطفل
    و أزعل منك إذا أخطأت في الحساب
    أن آكل وأعمل وأشرب وأتنفس
    كما يفعل المبدع الصغير الكبير
    الذي يزرع القمح بين الصخرة والصخرة
    ويترك للطفل حريَّة الحركة والبكاء
    المبدع الصغير الكبير
    الذي يشبك يديه خلف ظهره
    في العطلات الأسبوعيَّة
    سعيدًا ببطالة النظيف
    وذقنه الخليفة
    ابنك أيُّها العالم
    ابنك الطويل، القصير، البدين، النحيل، الذكر، الأنثى، العاجز، العطشان، الخائف، المضيء، المتردِّد، المباشر، الصادق، البسيط، المغامر، المجنون…
    ابنك الذي من سهول وماعز ومطر كثيف
    الضائع بين سبارتاكوس ونيرون
    بين يسوع ويهوذا
    الذي جرَّبَ كل شيء
    ولم يتوصَّل إلى شيء
    لأنَّهُ…
    لأنَّهُ ما زال بين يديك أيُّها العالم.

    … وأنا أنتظرك الآن
    حزينًا كرسالة لم تصل
    ووحيدًا كفزَّاعة عصافير
    أنتظرك وأعرف أنَّك معي
    رجلاً وامرأة وطفلاً
    طيرًا وموسيقى وغابة وطريقًا طويلاً…
    وسواء كنت في العمل أو البيت أو الشارع
    أراك وأعرفك
    أفتقدك وأسأل عنك
    وأينما ذهبت سأتبعك
    وكُلَّما التقيتك سأهرب منك
    لكنَّني دائمًا… دائمًا
    أفتح لك الباب وقلبي
    وأقول تعال
    قبّلني
    قبّلني
    قبّلني
    هذه أصابعي وهاتان عيناي
    هذه أظافري وأنيابي
    وهذا هو جسدي
    دافئًا وبردان ومحمومًا
    وهذه هي نفسي
    فارغة إلاَّ من الصخور والرمال
    وممتلئة بكل شيء
    وكل شيء لا يستطيع احتواءها
    حتَّى أنت…
    حتَّى أنت أيُّها العالم.

    بين يديك أيُّها العالم
    أعدُّ حروبي وهزائمي وانتصاراتي
    وأسجِّلُ أسماء الجلاَّدين والضحايا
    أسماء العشاق والفاشلين والمغامرين والمضطهدين
    ولا أنسى اسمي
    اسمي الوحيد، المتكرِّر، المتفرِّد
    الذي يعرفه الجميع ولا يعرفه أحد
    محمود أو اليأس أو مريم
    رياض أو سوزان أو عادل…
    ما الذي يهمّني من ذلك؟
    فالجميع يحبُّون ويكرهون ويزورون المقابر
    (على الأقلّ مرَّة واحدة بعد عمر مديد)
    والجميع عندما ينامون
    ينامون بطريقة واحدة ومختلفة
    ولذلك لا نختلف في شيء
    سوى أن بعضنا ينام بعين مفتوحة
    وبعضنا لا ينام أبدًا
    وبعضنا ينام دائمًا:
    في قبر، أو حانة، أو وظيفة
    في صحيفة، أو كتاب، أو متحف
    والجميع
    يملكون الأيدي والرقاب والصدور والذكريات
    غير أنَّ بعضهم لا يملكون القلب
    وبعضهم قلوبهم سوداء
    وبعضهم رموا قلوبهم في البالوعات واستراحوا
    استراحوا بين يديك أيُّها العالم

    بين يديك أيُّها العالم
    أدور وأدور وأدور
    كدواليب الحظ
    ثمَّ أتوقَّف على رقم
    لا علاقة لي به
    وسواء كنت ورقة يانصيب خاسرة أو رابحة
    وسواء كنت رقمًا أحاديًّا أو مزدوجًا
    فالحصان الخاسر لن ينال الجائزة
    والحصان الرابح لن يجني سوى القليل أو الكثير من التبن و الذرة
    أمَّا الرابح الوحيد
    فهو الذي يملك الحصان ويقوده ويوجهه
    الرابح الوحيد
    صاحب المهماز والسوط والقبضتين الفولاذيَّتين
    وأنا ملكك أيُّها العالم
    أنا جوادك الخاسر
    ونحن ملكك أيُّها العالم
    نحن جيادك الخاسرة
    ننطلق وننطلق وننطلق
    وأخيرًا إلى الإسطبلات نعود.

    بين يديك أيُّها العالم
    المدارس
    الأصدقاء
    الثقافة
    التاريخ
    والدولة هي الدولة
    بين يديك أيُّها العالم
    نحن لسنا سعداء
    بين يديك أيُّها العالم
    نحن لسنا تعساء
    نحن لا شيء البتَّة
    هذا ما يقوله النسيم
    وهذا ما تقوله أمريكا
    بين يديك أيُّها العالم
    نردِّد الكلمات
    الحريَّة… الحريَّة… الحريَّة
    الخبز… الخبز… الخبز
    الحب… الحب… الحب
    إنَّنا نردِّد الكلمات
    منذ توت عنخ آمون
    وحتى آخر جثَّة في بيروت الشرقيَّة
    الخبز أيَّتُها الأمم المتَّحدة والمتفرقة
    الحب أيُّها الله
    الحريَّة أيَّتُها الأصفاد والأسلاك الشائكة
    والحياة… الحياة
    بين يديك أيُّها العالم.

    *نص:رياض الصالح الحسين
    *المصدر: رياض الصالح الحسين : الأعمال الكاملة، منشورات المتوسط، 2021م. 

  • الصحراءُ خارطة الكون (ملف الشعر العُماني)

    الصحراءُ خارطة الكون (ملف الشعر العُماني)

    بمناسبةِ اليومِ الوطني العُماني ( ١٨ نوفمبر )

    كل عامٍ وسلطنة عمان في خير وبهاء



    نحنُ أبناؤكِ الأبرار
    الذينَ لوَّحَتْنا الصَحراء
    ودوَّخَتْنا أعينُ المَها
    نقفُ اليومَ
    كَنايٍ تَزْأرُ فيهِ الريحُ
    وكَشجرةٍ هَرِمَةٍ
    منذورَةٍ للغُبار..


    – صحراء مبارك العامري


    صحراء سيف الرحبي

    . . .

    في هذه الصحراء العاتية

    الصحراء التي تسيلُ مع الشمسِ كثباناً وشياطينَ

    تناسلَ الأسلاف جَدّاً بعد جَدّ

    ونبتْنا مصْل أشجارٍ صخريّة

    راكضين بين الشاطئ والجبال

    بأرجل حافيةٍ وقلبٍ مكلوم.

    كبرُنا مع الجمال والحمير

    قُدنا القطيع إلى مساقط الوادي

    وشاهدنا القطا تغيبُ مع السراب

    نصبْنا شباكاً للثعالب

    وأخرى لوعول الغيب،

    وحين سافرنا إلى بلدان العالي

    لم نجد أثراً للأضحية في ثيابنا

    ولم نجد ضالّة الحنين.


    صحراء زاهر الغافري

    الأم صولجان الحياة.

     النظرة في بيت الكائن صحراء.

    سأدفع الريح بيدي وأعيد المستحيل إلى رحلة الضوء.

    في سابق الأيام كنت خبير الجبر وعلوم الآثار.

    الليل من الليل في ذاته.

    الصحراء خارطة الكون.


    صحراء فاطمة الشيدي

    . . .

    في حياةٍ أخرى ما كنت أنا

    كنت نخلةً سامقةً نبتت عنوةً في صحراءَ على مشارفِ الصمت

    ووزّعت ظلَّها على حباتِ الرمال

    أو لعلني كنت سمرةً طيبةً توقظ الحنينَ في ليل السمّار

    وتشغل الغرباء بالغناء

    أو كنت سدرةً تغتسل بعشقِها النساء

    أو غافةً تحرس الأفق

    لعلني كنت زهرةَ ليلكٍ نبتت سهوا عند ناصيةِ شارع ما

    وحرست أسرار العشاق الذين يترصدون الزوايا لاستراق قبلة عابرة

    المهم أنني كنتُ في البدء شجرة

    أعرف هذا الآن من رائحة جسدي ليلاً

    حين يضوّع عطرا يشبه حقل رياحين أو نعنع بري

    ومن تفتّح حواسي على اخضرار الحياة

    ومن الماء الذي يتغلغل في روحي تماماً

    حين ينزل المطر. 




    نخرج في الريح 
    حالمين بالتقاط 
    ثمار نخيل موغلة في القدم
     
    ونساءٌ لم تفارقهن
     رائحة الخلق الأولى
     يهبطن من سعفات النخيل
     يحملن النبوءات 
    ونزقاً للملح 
    يمسّدنَ الطفولة 
    في دمائنا
     الراكضة في الصحراء 
    التي أطفأت قناديل بصيرتنا بلا شفقة.  


    – صحراء عوض اللويهي


    صحراء زهران القاسمي

    . . .

    أحدق في وجهكِ المرسوم على الصخر

    تقول الحكاية التي ترويها الأمهات لبناتهن

    إنكِ أجمل من في الأرض

    وإنكِ كنتِ الفتنة التي قادت الغزاة

    إلى هنا

    الغزاة الذين سفحوا دمكِ على الحجر

    دمكِ الذي ينساب حتى الأبد 

    ذلك الينبوع القاني اللون

    أحدق في وجهكِ 

    وأستمع إلى مناحات الرعاة

    وعن العطش الذي يصيب سالكي

    هذه المتاهة

    يشي بكِ ضوء القمر

    تغتالكِ الساحرات

    تمزق سيرتكِ الخفافيش

    يعيد كتابة سيرتكِ المرابون

    وعندما يهجع الزمان 

    تجمعكِ السيول

    ثم تنبتين من طينتكِ شجرة وحيدة

    في صحراء

    أيتها المشتهاة في الدرب

    المغناة في الينبوع

    المرسولة في ضوء النجوم البعيدة

    المحلاة في العسل

    المنقوشة في الحلم

    المقدسة في المرايا

    الناعسة في الطفولة

    المؤملة في العطش

    المنتظرة في الحضور

    أنتِ أنتِ

    لؤلؤة تغنى بكِ القراصنة

    وزهرة تنبت في جزر مهاجرة

    أنتِ أنتِ

    وحدكِ الطريدة في الأديان

    والقتيلة في المواويل

    يا بحة القلوب الجريحة

    وهي تناجي الظلمة

    وتخاف من شروق القمر

    ويل لي من عينيكِ وهما يرحلان إلى باطن الأرض.


    صحراء مبارك العامري

    ‏مَسَخَتْني الصحراءُ

    ‏ذاتَ ليلةٍ

    ‏فانْدَفَعْتُ لاهثاً

    ‏أثقُبُ الأرضَ

    ‏حتى انبجَسَ عَرَقُها

    ‏وحينَ عَبَّأْتُ أوردَتي

    ‏اشتَعَلَتْ فتائلُ

    ‏الجسَدِ..


    صحراء زاهر الغافري

    . . .

    وصلتُ الى الأرض بالصدفة 

    كانت رحلة طويلة، وجدتُ نفسي في صحراء

    في الليل.

    القمر بهالته المضيئة عربون الصداقة

    يطرد البرد عن جسمي

    بعينين غائرتين اكتشفتُ أنني لست وحدي

    أن امرأةً عاريةً تبحث في الكثبان 

    عن مشطٍ ضائعٍ بين الرمال 

    أخذتْ طريقاً طويلةً باختيارها

    وهي تغنّي كالذئاب عندما تعوي

    كأن المصيرَ كله ألعوبةٌ 

    في يد القدر

    أحياناً تنبت الجذور في المرآة

    ولا يراها أحد

    أحياناً تتوسل الكلمةُ أمام باب 

    الخلاء وأنتَ نائمٌ 

    تزحف إليكَ من غابر الأزمان كالرسولة

    أو كالأفعى في طريقها إلى الجنّة

    قفْ.أنتَ في هذه الليلة تنام على

    مشط من عظامي.




    ليلةٌ بين الجبال 
    على مشارف الصحراء
    صحراء (وهيبة) أو الربع الخالي
    يُراودك برق العودةِ إلى المنزل الغائب
    وكأنما تسمع رعدَ المطلقِ يهمهم في أعماقك
    تتذكر دفء الرحم الأول
    القُبلة الأولى
    التي من فرط جمالها تشبه بصقةً في وجه طاغيةٍ دموي

    ذلك المنزل الذي هجرته السلالة البشرية منذ قرون
    لتستوطن مستنقعاتٍ وحضيضًا موحلًا
    بناطحات السحاب
    ليلة عابرة
    تستعيد حلماً حلمهُ بدويٌّ في الأزمنة الغابرة.



    – صحراء سيف الرحبي


    *نصوص: سيف الرحبي، زهران القاسمي، فاطمة الشيدي، عوض اللويهي، زاهر الغافري.
    *جمع وإعداد: لبيد العامري وموزة العبدولي ومحمد الحكيم

  • الخطاف الذي لم يبتلعه العدم “مختارات قصصية” – نذير الزعبي

    الخطاف الذي لم يبتلعه العدم “مختارات قصصية” – نذير الزعبي

    الخطاف الذي لم يبتلعه العدم

    لم يجُل بخاطر الخطّاف الذي كان مُعلقاً قُبيل لحظاتٍ بخيط الصنارة، أنّ فمَ إحدى فرائسه سيغدو سجناً أبدياً في طرفة عين.
    قضمت السمكة العملاقة خيطَ الصياد بفكِّها المسنون فقطعته دون عناء، وأكملت سعيها في الأعماق.


    كان جوفها أشدَّ حلكةً من قاع البحر، فلم يستطع هدير الكائنات من حولها أن يرفع الهلع عن قلب الخطاف المغروس في فمها، وقد بات على يقين بأن هذا هو العدم.


    خلال تجوالها قربَ القاع، مرت السمكة العملاقة بمرساةٍ صدِئة. سمع الخطاف أنين المرساة، فأصاخ السمع إلى هذيانها المتهدج كالبكاء.


    كانت تقول بحرقةٍ: “ليته كان العدم”.


    فرشاة الأسنان لا تحفل بطعم المعجون

    فرشاة أسنان زرقاء بجانب فرشاة زهرية في سلة التسوق. «يقال بأن فم المرأة حلو على الدوام» تقول الفرشاة الزهرية باسمة في شرود.

    «وفم الرجل مر مثل تبغه..» تغمغم الزرقاء.

    صباح اليوم التالي، وبينما هما مبتلتان في وعاء فوق المغسلة، سألت الفرشاة الزهرية رفيقتها:

    «هل كان مراً حقاً؟».

    «لا. لقد كان بحلاوة الشهد!» أجابت الزرقاء. «ماذا عن فم المرأة؟» تساءلت بدورها.

    «لم أذقه بعد. لقد غسلتني من المعجون وأعادتني إلى الوعاء، مكتفية بالقبلة التي باغتها بها بينما كانت تهم بتفريش أسنانها».


    باب الآنسة

    كانت المستأجرة الجديدة تخشـى الغرباء حدَّ العماء، فطلبت من النجار أن يركّب عيناً سحريةً لباب شقتها.

    كان الباب الخشبي قد أمضـى حياته ضريراً قبل أن يُمنح تلك العين. صار الآن بوسعه رؤية أصحاب الأيدي التي تطرقه. لقد وجد في أشكال الناس الكثير من الطرافة، إذ كان يظن قبلاً أن الإنسان مجردُ يدٍ تمشي على قدمين. 

    لقد تعرَّف أيضاً على الكلاب، والقطط، وعربات الأطفال، وأكياس التسوق، ولفائف الصحف، وزجاجات الحليب التي توضع كل صباحٍ على عتبته. والأهم من كل هذا، أنه استطاع أخيراً التعرف على شكله من خلال رؤيته لباب الشقة المقابلة.

    لو أن الآنسة تمنحني فماً، كي أستطيع التحدث إليه! فكّر بينما يتأمل الباب الضرير قبالته.

    ولو يُمنح هو الآخر فماً كي يردَّ بدوره عليّ..

    يحتاج كلٌّ منا إلى أذنين أيضاً وإلا لكان حديثنا بلا فائدة. وكم سيكون امتلاك قدمين أمراً رائعاً، فعندها سيكون بمقدورنا التمشـي في الردهة بينما ندردش، أو حتى نزول الدرج والتعرف على العالم الغامض الذي ينتظرنا خارج المبنى. سنحتاج حتماً إلى يدين كي نحمل الأكياس عند عودتنا كما يفعل السكان. 

    قد أرافق الآنسة أيضاً في بعض مشاويرها. ألستُ باب شقتها؟ وربما تبادلني الإعجابَ ذات يوم، فتُسكنني معها، وتضع بدلاً مني على شقتها باباً عادياً كهذا المسكين الذي لا يملك حتى مجردَ عين.

    كم سيكون أمراً ممتعاً لو..

    هنا تقدم نحوه رجلٌ غريب، طرقه طرقتين. 

    الطرقة الأولى أيقظت الباب من أحلامه. الطرقة الثانية أرعبته.

    بات يخشى الغرباءَ حدَّ العماء.


    كوكبٌ يدور حول نفسه في زجاجة الساعة الرملية

    قُلبت الساعةُ الرملية بعد أن عثرت عليها بعثةٌ أثرية.

    كان الزمن قد توقف فيها منذ مئات السنين، وها هو الآن يجري في زجاجها من جديد.

    لا شيء تغيَّر. حبّاتُ الرمل لم تزل دقيقةً جافة. ولم يزل حلقُ الزجاجة أملساً، يعُبُّ الوقتَ بشراهة سكّيرٍ تليد.

    في المتحف الوطني، أجلسوها على حجرٍ رخاميٍّ صقيل أسود اللون، بعد أن قُلبت للمرة الأخيرة من أجل مُتعة المدير الذي شهِد بنفسه مراسمَ انضمامها الرسميّ إلى بقية المعروضات في متحفه.

    ها هي آخرُ جولةٍ للوقت تجري الآن في زجاجها على حجر الرخام.

    ساعةٌ واحدة، ويتوقف الزمان فيها إلى الأبد.

    نصفُ ساعة

    ربعُ ساعة

     خمسُ حبات رمل …..

    أربع حبات ….

     ثلاثة …

    حبتان ..

    مرّت ساعةٌ كاملة، إلا حبةُ رمل.

    لم تسقط حبة الرمل الأخيرة. ظلت ملتصقةً بجدار الحُجرة العلوية، ليظل الزمن مُعلقاً في الساعة الرملية إلى الأبد.

    لو زرتَ يوماً ذلك المتحف، ورأيت ساعةً رمليةً أُجلِست على حجرٍ من الرخام الأسود، فكن على حذرٍ شديد، وإياك أن تلمسها. فحبة الرمل الدقيقة تلك إذا سقطت، سيكون لها أثرُ اصطدام كوكبٍ بالأرض.

    كوكب الانتظار.


    مين شاف الريموت؟

    “ستكون أكثرَ شيءٍ يضيع في هذا المنزل، وأكثرَ شيءٍ سيعاودون إضاعته كلما عثروا عليه” قال التلفاز العجوز بصوته الأجشّ، محدِّثاً جهازَ التحكم الجديد في أول يوم عملٍ له داخل المنزل.

    “ستعتاد الأمرَ فلا تقلق” أضاف التلفاز بعد أن تنبّهَ لاضطراب أزرار الريموت الجديد. ثم قال أخيراً، سارحاً من خلف شاشته السوداء بلوحةٍ سرياليةٍ على الحائط المقابل: “ستكفل لك هذه الحالة الغريبة على الأقل، بأن تظلَّ محطَّ اهتمام الجميع كلما تفرّقوا في أرجاء المنزل بحثاً عنك”

    لم يضِع جهازُ التحكم بعد ذلك الخطاب الترحيبي سوى مرةٍ واحدة.

    غير أن أحداً لم يبحث عنه.

    كانوا جميعاً معه، تحت الركام.


    *نصوص: نذير زعبي
    *المصدر: معجم الأشياء، نذير الزعبي، منشورات تكوين. 

  • في مديح القسوة – عاطف عبد العزيز

    في مديح القسوة – عاطف عبد العزيز

    قتلتُ ربَّةَ الغَرام.
    قتلتُ الإلهةَ العابثةَ التي أتلفَتْ حياتي،
    وحياةَ غيري.

    لقِيتُها بعدَ انتصافِ الليل،
    كانتْ تتسكَّعُ على حافةِ النهرِ
    في ثوبِها القِرمِزيّ.
    بدتْ جميلةً، وهي تنظرُ ساهمةً
    باتّجاهِ الماء.
    شَعرُها الطويلُ كان مزدانًا بلمستيْنِ
    من ضوءِ القمر.
    لبثتُ بَرهةً أتأمَّلُ حضورَها الجائر.
    وكلما ازدادَ بهاؤها في عينِي،
    صَحَّ عزمِي على استدراجِها
    إلى مصيرِها.

    “مساءُ الخيْرِ يا سيِّدتي”
    تلفَّتَتْ نحوي بعينيْنِ سوداويْنِ،
    خُيِّلَ إليَّ أنهما تنظرانِ ولا .. تُبصران.
    قلتُ: أنا رجلٌ حزين،
    رجلٌ حزينٌ تركَ في البيتِ زجاجةً كاملةً
    من شَرابٍ مُعتَّق،
    وليسَ ثَمّ من ينادمُه.
    تبسَّمتِ المرأةُ بشِفتيْنِ مضمومتيْن،
    ثم قالت: لا بأس،
    لا بأسَ شريطةَ أن تعيدَني إلى هنا
    قبلَ انقضاءِ الليل.

    أعددتُ لها كأسًا مسمومةً،
    بينما هيَ مشغولةٌ بتأمُّلِ لوْحةٍ مُقلَّدةٍ
    لبيكاسو،
    كنتُ قد ابتعتُها ذاتَ يوم
    من صالةٍ للمزادات.

    مضَى بنا الوقت:
    كلما أتَتْ صاحبتي على كأسٍ،
    ناولتُها أخرى،
    حتّى تمدَّدتْ فوقَ أريكتي مثلَ غابةٍ
    من بنفسجٍ يشتعل،
    وذهبتْ إلى الموت.


    ..
    عبرتْني رَجْفةٌ،
    فحملتُ الجُثَّةَ الخفيفةَ إلى حيثُ شاءتْ
    صاحبتُها،
    وألقيتُ بها .. في لُجَّةِ الماء.

    المدينةُ الآنَ مقلوبةٌ كأن إعصارًا
    مرَّ بها:
    الناسُ حَيْرى،
    يسألونَ عن إلهةٍ كانَ يخضَرُّ تحتَ خطوِها
    العُشبُ،
    ويشهقُ الرَّيْحان.
    الشُّعراءُ تعطَّلوا،
    جفَّتِ الأقلامُ في أدراجِهم،
    وانطوتِ الصَّحائف.
    صاروا، يُروْنَ هائمينَ في الطُّرُقاتِ يُفتِّشونَ
    عن القسْوة.
    أجل القسْوة!
    تلك التي طالما تقلَّبُوا في فِردوسِها الملعون،
    كي يعثروا على المعاني الضائعة.
    ..
    أما المحبُّونَ،
    فقد انصرفوا عن المحبِّينَ بعدما نشفَتْ
    قلوبُهم،
    وخَلَتْ من الفوضَى،
    بل راحُوا يخوضونَ في نَعماءَ من طُمأنينةٍ،
    ومن سأم.

    قتلتُ ربَّةَ الغَرام،
    وليس عندِي الآن ما أفعلُه.
    أُمضِّي النهارَ بطولهِ أخُوضُ في نَعمائي
    كغيري،
    حتّى تكِلَّ ساقاي.
    وفي الليل،
    أتمدَّدُ على أريكَتِي، وإلى جواري كأسٌ
    مسمومةٌ.
    غيرَ أنني، لا أجدُ من يحملُ جُثَّتي
    إلى الماء.


    *نص: عاطف عبد العزيز

  • (مُحرِكةُ الدمى) وقصص أخرى “من الأدب البيروفي‎‎” –  كلاوديا أُيوَّا دُنوسو – ترجمة: مريم الدوسري

    (مُحرِكةُ الدمى) وقصص أخرى “من الأدب البيروفي‎‎” –  كلاوديا أُيوَّا دُنوسو – ترجمة: مريم الدوسري

    مُحرِكةُ الدمى

    في السادسة عشرة من عمري أدركتُ أنني أريد أن أصبح مُحَرِكة دمى، ولكن الحياة دفعت بي في طريق آخر. أعملُ الآن كموظفة استقبال في فندق، وأحيانًا أشعر بأنني دمية يحركني مدير الفندق، مسؤولي، مدير الموارد البشرية، والضيوف. دميةٌ دائمةُ الابتسام تتحدثُ بنبرةٍ تكادُ من فرط التهذيب لا تكون حقيقية.  ولكنني اليوم في السادسة والعشرين وقررتُ أن الوقتَ قد حان لأحقق حلمي.

    أبدأ بدمية المسؤول. أرفعُ ذراعيه وأقلدُ صوته العصفوري: موظفةُ الاستقبال هي الأكثر ذكاءً في هذا الفندق، يجب أن تكون هي المسؤولة. كما أنها، وإن لم تكن تدركُ ذلك، جميلة. 

    أكررُ الأمر مع مدير الموارد البشرية مقلدةً صوته الشبيه بزمجرة أسد ضَجِر: نعم إنها موهوبة وتتحدثُ خمس لغات. سنُرَقِّيها وسيكون من الجيد أيضًا أن نراجع طلبها لتغيير الزي الموحد. 

    والآن أصلُ إلى المدير العام، أرفعُ ذراعيه وأمنحهُ صوت مغني تِنور: أنا محركُ دمى بائسٌ وفاشل، ولا أسمح للدمى أن تؤدي أدوارها، فموظفة الاستقبال هي في الواقع أميرةٌ في عرضٍ آخر، ويجب ألا تكون جزءاً من هذا العمل السَمج المعنون فندق الهوليدي إن. 

    وهكذا انتهى عرضي الأول. تمكنتُ من تحريك هؤلاء الأشخاص كالدمى التي رَفَعَتْ أيديها، بينما أبتكرُ لها أصواتًا وكلمات، قبل أن يصمتنْ. المسدس الذي أصوبه إليهم لا يشبه الخيوط التي تحركُ أطراف الدمى، ولكنه في نهاية المطاف يؤدي الغرض ذاته.


    أعيش

    راجعنا تصريف الفعل vivir في درس الإسبانية اليوم. 

    أتقنتْ مجموعة للمبتدئين (رقم 1 – من 17:30 إلى 19:00) تصريف الفعل في زمن المضارع لضمير المتكلم المفرد. 

    Vivo – أعيش. 

    أعيشُ في بيتٍ أحمر. أعيشُ في رقم 23 في كونْغِنْسغيت. أعيشُ في بووده، قالَ الطلبة. كتبتُ أمثلتهم على السبورة. رَسَمتُ خطين لحرف V، خطاً واحداً لـ I، خطين آخرين لـ V، ودائرة. 

    VIVO – أعيش. 

    بطبشورٍ أبيض، كتبتُ vivo إحدى عشرة مرة. وحين انتهيتُ وجدتُ نفسي مرهقةً وفي حلقي غُصّة. كيف أخبرهم الآن، وهم فخورون جداً بجُمَلِهم، بأن العيشَ ليس مجرد منزل، عنوان بريدي، مدينة ودولة.  

    إحدى عشرة مرة، قرأتُ vivo، واسترجعتُ حيواتِ القِطْ التي عشتها، استحضرتها جميعاً حتى هذه اللحظة. أعيشُ، وأعيشُ، وأعيشُ، حيواتٍ أخرى، مراتٍ أخرى. 

    ارتعشَ صوتي وأنا أشرح لطلابي الأحدَ عشر بأن لـ vivir معنىً آخر لا داعي لشرحه الآن. لا أستطيع شرحه الآن. 

    لا نصل إلى هذه الـ vivir إلا في مستوى متقدم.


    خشب

    بين حينٍ وآخر أتلقى أطلبُ للعملِ في الَمنْجَرَة. يمكن للمرء أن يجازف بفقدان يده أثناء هذا العمل، ولكنه عملٌ سهل لأنني عملت في ورشة نجارةٍ حِرَفية قبل عدة سنوات تعلمتَ فيها قصَّ الخشب في خطوط متساويةٍ وقطعٍ مثالية. 

    العمل في الَمنْجَرَة رتيبٌ جدًا. كل ما عليّ فعله هو تقطيع الخشب إلى قطعٍ متماثلة. لأفعل ذلك أدفعُ بقطعة الخشب تجاه المنشار، وأُبعِدُ جذعي عن النصل بحركة طفيفة. أُسنِدُ يدي إلى الخشبِ وأدفعهُ بثباتٍ ودون خوف نحو النصل، ولأتفاداه أُمددُ جسدي وأُقوِّسهُ كقطٍ يستيقظ متململًا بعد نوم عميق. 

    أفكر في الكتابة بينما أقطعُ الخشب. أدركتً أثناء عملي في الَمنْجَرَة أن العملَ في بيئةٍ خطرةٍ تتكررُ فيها الحركات برتابة على وقع الضوضاء، يمنحني الانفصال الذهني المطلوب للكتابة. ظننتُ أنني أحتاج إلى صمتٍ وعزلةٍ لأكتب. ومؤخراً كنت محاطة بالكثير منهما، ولكن يبدو أنهما لم تأتيا بنتيجة. لم أكتب شيئًا. بل حاولتُ أن أملأ الصمت والعزلة بالأفلام أو بضجيج الأجهزة الكهربائية في المنزل. 

    كنت ألوم عملي في العيادة البيطرية على عجزي عن الكتابة. ففي بعض الأيام كنت ألعقُ مؤخرتي وأبدأُ بالمواء بعد الغداء، أو أرفرفُ بجناحيَّ كطائرٍ مسرعةً لئلا تفوتني الحافلة، وفي أيام أخرى كنتُ أنبحُ حين يقتربُ مني أحدهم. ولكن في الأمس، في الَمنْجَرَة ، تساقطتْ الكلماتُ كنشارةِ الخشب. ذهنياً كتبتُ قصة، ولكنني حين عدتُ إلى البيت، كنت متعبة جداً فنمت على الكنبة دون أن أغسلَ عني رائحة الصنوبر. 

    نسيتُ القصة. 

    حلمتُ بأنني شجرةُ صنوبر. 

    حين تجد صنوبرةٌ نفسها إزاء عاصفة تحاول كسرها، لا تواجهها الصنوبرة بصدرها الحديدي، بل تُشِيحُ بوجهها وتخفيه عنها. غالبًا ما تَنقَضُ الرياح الأعاصيرية على الشجرة من الجنوب، فيظهر على ظهرها نوعٌ مميزٌ من الخشب يختلف عن سائر لحائها فلا يُكسَر. وفي اصطفافها في مجابهة الريح، تتفكرُ الصنوبرات في صمود الصنوبرات الأخرى التي ترتفع أمامها وتُقدر إحداهن الأخرى إذا لا يعرفُ قوة الصنوبر إلا من يشاركها هذه القوة. يشحنُ ويزيدُ صمود الصنوبرات الهادئ ودروعها الخفية من غضب العاصفة فتعوي الريح مغلوبةً على أمرها كمن يزمجرُ في خربةٍ تنامُ فيها زمرةُ أسود. 


    *نصوص:  كلاوديا أُيوَّا دُنوسو
    *ترجمة: مريم الدوسري 

  • معارك –  ليلوه منذر

    معارك –  ليلوه منذر

    لا أعلم ممَ صنع أبي الأوعية
    التي تُسيّر الدماء في منزلنا؟
    فأوانينا الفخارية لم تعد تسقي أشدّ المارين عطشاً
    وبات رذاذ أملاحها يُسكرني
    هكذا ترغمني القوة الإلهية
    لأقضي فترات جنون من وقتٍ لآخر
    يثقب فيها صراخي الشراشف المُغطية للنوافذ
    النوافذ التي..
    حسناً تعلمون كيف تهشّمت
    من قبضة رأس لا من كرة أطفال الحي
    فنحن نملك رؤوساً لا تخشى الأفكار المهشمة
    ومعاصم لا تتفادى أطرافها الحادة.

    لا أعلم بأي جلد أبي خبأنا؟
    لتبدو كل السماوات مظلة
    لا تقطر علينا
    لا تبللنا بغزير أمطارها أو ببصاق مخبول
    لقد حلمتُ بأنها أمطرت علينا يوماً
    فنحن مسموحٍ لنا بأحلامٍ أعلى من سقف منزلنا
    بشرط ألا نأوي مع الغربان إلى أعشاشها
    في مشارق الأرض أو مغاربها
    هرباً .. من أرضية الوطن المهزوزة
    فقد كانوا يخبروننا
    أي خسائر فادحة قد تأتي من خطوةٍ عرجاء؟
    وعرجنا ..
    وشربنا من الأواني الفخارية
    وسكرنا
    وسئمنا الحيرة دوماً بين أمرين
    بين دربين
    أن نكون أو لا نكون
    الكسل أو الجنون
    سئمنا
    أننا وُلِدنا مع جيناتٍ كهذه.

    لا أعلم بأي خوف كبل أبي أيدينا؟!
    فكلما صافحنا صديق
    مددنا أيدينا طلباً للرحمة!
    منها أُسِرنا بلا حواس
    تجرنا الأوطان من يومٍ لآخر
    غير آبهة بهدير جوعنا
    حتى حين رضعنا السم من لسان الأفعى
    لم تُقدم لنا الأوطان
    سوى ماءٍ فاسد لترع البطون
    وغسل الجثث
    التي مشطها الوقت بأسنان منشاره،
    رجاله المفضلون،
    لهذا نحن قوم يجد كل الساحات ساحات معارك
    نحن قومٍ يُحارب وكأنه لم يفز في أيّ معركة.


    *نص: ليلوه منذر

  • “بلاغة الصور” وقصص أخرى – عبير أحمد

    “بلاغة الصور” وقصص أخرى – عبير أحمد

    بلاغة الصور 

    بينما أحدثه عن اشتياقي، يرسل صورة، ليس أميًّا، يُجيد لغتين، ولكنه ينأى عن الكلمات، يترك للصور عناء التعبير، مرةً أرسل لي صورة برج إيڤل وهو في فرنسا، فعلمت أنه اشتاق لي بطول هذا البرج، ومرة أخرى أرسل لي صورة نهر المسيسبي الذي زرناه سوياً، فتيقنت أنه اشتاق لي بعمق هذا النهر، ومرةً أرسل لي صورة وجهه باسمًا، فآلمني أن يشتاق لي بهذا التعب. وحين انشغلنا طويلا عن بعضنا، أرسل لي ثلاث عشرة صورة، هكذا دفعة واحدة، خجلت من نفسي، أنا التي تتباهى بالكلمات، لم أرسل له حرفًا واحدًا. وحين زرته في بوسطن، لم نقل شيئًا، ولم أخبره كم كنت أشتاقه، غير أنه أخذني في اليوم التالي إلى متحف، ابتاع تذكرتين، ودلّني على ركن بديع مليء بالصور.


    امرأة بطيئة في حادث سريع

    انتظرنا هذه السائقة كثيرًا، كنا نخطط لكل الأماكن التي سنذهب إليها، ستوصلنا إلى كل مكان، قد تبعدنا عن هذا الجحيم. حين وصلت كانت تمشي بغرابة، ظنناها في بادئ الأمر خجلة من العائلة الجديدة، كنا نقف عند الباب مثل يتامى، وجدوا أخيرًا، أمًّا تتبنى أحلامهم. ثمة غرابة ما في مشيتها، تجرأنا على التحديق في قدميها، كانت طبيعية، وحذاؤها يبدو مريحًا. بدا لنا كما لو أن عُطلًا في قدميها يجعلها تمشي، ولا تصل. لم تكن تعرج، ولا يبدو على قدميها اليأس، كانت بكل بساطة، بطيئة جدًّا. فهمناها على مضض، تقول إن الناس في بلادها بطيئيون وفي كل شيء. ومن سوء حظها، أن الناس في بلادنا، سريعون جدًّا. يقودون بسرعة، ما يحبب الموت فينا. لأننا لا نأخذ كثيرًا من وقته. أما هم فلا يموتون بسرعة، لأنهم يقودون السيارات كما لو أنهم يمشون على مقابر أحبتهم. الحديث معها مسألة في غاية الطول، فهي تستمع إليك ببطء شديد، ذلك أن حركة في عينيها تجعلك تتمهّل، كما لو أنك في صلاة. وإن أسرعت في حديثك، فلن تطلب منك الإعادة، ولن تحملق بوجهك مثل أبله لم يفهم لغة الآخر؛ إنما ستشعرك بطريقة مريبة، أنك أحمق، وقد خرمت للمروءة. كلماتها كحبة برتقال، تحتاج أن تقشّرها، لتفهمها. غضبها من البطء ما يجعلها تُهدئ نفسها بنفسها، لا يمكن استفزازها بسهولة، فالاستفزاز صفة السرعة. تعد حبيبات الملح وقت الطعام، بالطبع هي لم تخبرني بذلك، ولكن الوقت الذي تقضيه في الأكل يجعلني أؤكد ذلك. بالنسبة إلى وظيفتها كسائقة؛ فهي لم تتعرض لحادث سيارة واحد؛ ذلك أن الطريق نفسه لا يعي وجودها، وإذا ما انتبه إليها فسيظنها سيارة معطلة، تركها صاحبها ومات. أما عند الدوّار فالكل يمر قبلها، لا تجد أي مشكلة في أن تسمح للعالم بالمرور، لا شيء يفوتها، الأوان يمر من عندها ويضجر، يشعر بإهانة فلسفية من تلك الإنسانة، أي بطء؟ أي حكمة؟ أما عن بقائها معنا حتى هذا  الوقت فلأنها ذكية، تنطلق لمواعيدنا قبل وقتها بكثير، حتى تصل في الوقت المناسب. تجيد الانتظار، لا تسأم من الانتظار، حتى في خطواتها تستشعر انتظارًا ما. لا تسمّيه انتظارًا، تسمّيه أمورًا لم يحن وقتها بعد. عندما نذوي من انتظار أمي في السيارة، أمي التي تبدد الوقت في مجادلة بائع لأجل خصم لا يتعدى درهمين؛ تجدها تبتسم للفراغ، تشمّ بطءًا مزعجًا، تودّ لو تفتعل مشكلة ما معها، لماذا لا يستفزها الانتظار! لا تظهر عليها اللهفة البشرية حين يتحقق أمر منتظر، فهو بالنسبة إليها مجرد أمر حصل في وقته المناسب. لا شيء فاتها في حياتها سوى شقاء الانتظار. بعد مرور سنة من البطء، الذي اعتدناه، كنت جالسة في غرفتي، أنتظر، لا أعرف ماذا أنتظر، لربما كنت أنتظر حياتي التي لم أحصل عليها يوما. سمعت ركضا غريبا، أعرف صوت خطوات إخوتي، أعرف ارتباك خطواتهم إذا حدث ما يقلق. أما تلك الخطوات، فكانت تركض بوحشية مرعبة، كانت تعوي، تعوي مثل غزالة مزقت الضباع ابنها، فجعلت تركض في العراء لا تجد ربًّا يُطفئ هذه الحرقة. كانت سائقتنا، تنوح وتنطق بكلمات سريعة، كأنها تخرج من عصّارة، فهمت على مضض أن أحدًا مات، كان أباها. أفزعني الخبر وزلزلني، كل موت هو زلزلة للكائن الذي يحلم بالخلود، لكن الذي أفزعني أكثر، هو انسلاخها من بطئها. هذه المرة، أنا من تحدث ببطء، وعانقها ببطء، وبكى ببطء. وهي بسرعة وحشية، تردد اسم الله، وتناجيه، تدور في الصالة، بسرعة مخيفة، أفزعت طمأنينة الجدران. ولأنني الوحيدة التي أدركت ذلك الفزع، فقد استيقظت في اليوم التالي بهدوء، ووضعت قدمي على الأرض، ببطء شديد، ببطء من يمشي على أرض مشبوهة، تحمل في قلبها لغمًا قديمًا. 


    الرجل الذي تمنيته أبي

    كان يتوسط المجلس والجميع من حوله، مأخوذون بعذوبة حديثه. يُضحِكهم جميعًا، في جيبه نكات لكل الأعمار، حتى إن لديه من العبقرية ما يكفي لجعل نكتة واحدة تضحك الجد والحفيد على حد السواء، لم يكن مثيرًا للسخرية، بل إنه فوق ذلك محط احترام الجميع، تريد كتم تنفسّهم ليتسنى لك الاستماع إلى صمته المرهف. ابنته الصغرى في حضنه، كان يمسد على رأسها، بينما بدا وجهها مدهوشًا كما لو أنها تحت هيمنة السحر. في عينيها ضرب من الارتباك الذي يشبه شكًّا مدفونًا، لا غرابة؛ ولديها أبٌ بهذا الحنان. نحن -البشر- تربكنا غزارة أي شيء، ولو كان المطر على أرض صحراوية. الشمس مثلنا كذلك، يربكها الطوفان. فكرت في نفسي، لا بد وأنها لم تعتد حنانه، حنان كهذا لا يعتاده المرء، يريد المزيد منه دائمًا، وإن أربكه. وكنت أؤكد لنفسي أنني لو كنت مكانها لاستطاع -بلا شك- أن يمسح عن رأسي كل أفكاري السوداوية؛ كل مرّات انتحاري، وكل جراحي. تصورت أن لمسة يده على وجهي كفيلة بفهم تخبّطي، يده أيضًا بدت متفهّمة؛ مثل صديق يقرأ في عيني صديقه كل الكلام. عندما يتحدث أحدهم، يصغي إليه باهتمام بالغ، ويُشعره أنه نجم السهرة لهذا الليلة، بالطبع يتحول الجميع إلى نجوم آخر السهرة. سحرني أيضًا، أنا الحانقة على كل الآباء، لم أصدق أنني سأقول لنفسي «لو أن هذا الرجل أبي!» كان يبتسم لي ابتسامة أليفة من شأنها سحق كل الغربة التي تسكنني، ابتسامة كهذه خُلقت لوجه يستحيل أن يمسّه الحنق، الحنق؟ أكاد أجزم أن الحنق يغترب في وجهه، وإن مرّ، فمثل عجَلةٍ في روح مغترب، مارّ بضفة عبور إلى الوطن. 

     حين عدت إلى المنزل بعد تلك السهرة الرائعة، فكرت به كثيرًا إلى أن أخذني النوم، ولما استيقظت فجرًا، أمرتني أمي بإيقاظ أبي للصلاة، كنت مترددة وخائفة من غضبه الدائم، حاولت إغراء أختي الكبرى، فعرضتُ عليها أن تقوم بالأمر في مقابل أن أجلي الصحون وأعد لها القهوة، إلا أنها لم تجب حتى. لا أحد يحب إثارة غضب أبي الغاضب أصلًا على الدوام. استسلمتُ وتوجهت إلى غرفته، وحين سقط الضوء على عينيه، استيقظ من فوره ورمقني بنظرته الحانقة التي تسكن وجهه، واستغرقتُ دقائق إضافية لأدرك أن ذاك الرجل الذي أعجبت به البارحة، كان أبي. 


    *نصوص: عبير أحمد
    * المصدر: كائن يفترس نفسَه – دائرة الثقافة: الشارقة، 2021م.

  • هُناك – إيتل عدنان – ترجمة: سركون بولص

    هُناك – إيتل عدنان – ترجمة: سركون بولص

    هُناك

    الزمان جديد والصفحة بيضاء، يأخذ النور مساره نحو حدة أشد، النهار يؤدي إلى صحيفة الصباح.

    اذهب فاجلس هناك. كانت أمك تقول لك عندما كانت ما تزال شابة وكنت معجباً بشعرها وتحب لو تكون مشطها الصغير، أنا كنت أجلس في حديقة مختلفة، وكنا نأكل الأزهار، تفضحنا شفاهنا الصفراء.

    هل ما زلت تحتفظ بذلك المذاق في فمك، هل على قلبي أن يبطيء دقاته، انتظر، لكن لماذا، الآن وقد تفرقنا، وانتُزعت منا ألعابنا القديمة، كانت قليلة، وتحمل الإشراق.

    هل ستصبر الطبيعة على هياجاتنا؟ الحب هدام، قلت لي، مضيفاً إنه يعذب الجسد حتى يخرج عن طوره، وكم كنت موقناً من حبي، هل نحتاج إلى كل هذه البلبلة لكي نمارس حياتنا اليومية؛ هذه الأنهار ستطفح حتى الأرصفة، النور سيطمس مرأى السماء، ثم يصير أكثر هشاشة من الضباب، يأساً لا مرئياً تماماً يصار إلى نسيانه من قبل الجميع، ونحن أيضاً.

    ها أنتذا، سأتوقف عندك، والصحراء التي أحملها فيَّ ستجلو عاصفتها. كانت السماء ليلة أمس جميلة بشكل يدل على نفاد الصبر، أخذتنا إلى ما وراء الأشياء التي أبوح إليك بها الآن.

    إلى أين ذهبنا؟ المسافة سر. لماذا لا نستطيع أن نخترق البعد؟ هل يمكننا ذلك؟ ما من شيء سيجمع ما بيننا، لذا دعنا نجلس: إن محاورة ما بداية الحضارة. لقد أردنا تأليها، لكن كفى. لنشرب القهوة.

    هُناك

    الأنهار تخلط في مياهها القلق، البحر يتألق، مقلماً بتدرجات لونية مختلفة، تلك التي رأيتها عندما عبرت في سيارة، عيناي نصف مغمضتين، والشمس آه تميل جانبياً والمدينة الأرجوانية تهرع نحو الأفق!

    تصعد الرغبة وهي ما تزال مخنوقة، هناك، حيث يكوم ماضيك على ذكرياتك التراب؛ إلى أين تذهب الأمواج بهذا التواتر، في حنينها إلى الكون، كما تحن أنت؛ لكن هل ثمة ما تسعى إليه؟

    ذهني ينزلق على الأشياء، هذا الكرسي، هذه الغرفة، الشوارع الجانبية، اللقاءات غير الودية… أعجب إن كان صوتك – إرادتك؟ – سيعلو نحو السماء، هل هذه الأخيرة فارغة، هل الملائكة من نتاج الأرض…

    الوقت بعد الظهيرة الآن، والبحر مالح، هل تصلني ذراعك، هل أنت هناك، تسبح بشكل خفي، أم هل أنا ضائعة في ضباب رهيف وودي.

    آه كم قديم هو الفضاء الذي نعيش فيه، أخضر، لبضعة أيام فقط، يتلاشى؛ القصبات الطويلة تُحيي الصيف، والأمواج تتواثب، أين الأطفال الذين لم ترزق بهم، بالرغم من الشاطئ، لم كل هذه النعومة…

    الآن إذ تجيء، قل لي، تكلم، هل ثمة ما يسقط، هل نحن في حرب، هل ظمأ الأرض يطالب بالدم، هل الغيوم تتحرك اليوم في أزواج؟ الجبل منبسط وقريب من طبيعتي، في جفافه، في شيخوخته، في مناعته أمام جيوش الشر. هل کلانا مهجوران یا تری؟

    كيف سأوضح أن البحر يتحرك بينما أشعر بالسكينة وأن درجة الحرارة ترتفع في الشوارع مع ارتفاع مستوى اليأس…

    *نص: إيتل عدنان
    *ترجمة: سركون بولص
    *من كتاب : هناكَ – في ضياء وظلمة النفس والآخر

  • أنا آدم  (من الشعر الإندونيسي) –  سباردي جوكو دامونو – ترجمة: سالم بارباع

    أنا آدم  (من الشعر الإندونيسي) –  سباردي جوكو دامونو – ترجمة: سالم بارباع

    من أنت*

    أنا آدم
    الذي أكل التفاحة؛
    آدم الذي صار بغتة بصيرًا على نفسه
    مشدوهًا وخجلًا من نفسه
    أنا آدم العارف بأمور الخير والشر،
    مقترفًا الخطيئة تلو الأخرى؛
    آدم المتشكك من نفسه دومًا
    والذي صار يواري وجهه.
    ما أنا إلا آدم المتخبط في شَرَك الزمان والمكان،
    ومن الحقيق لا نجدة:
    الفردوس ضائع؛
    من ريبتي وقلقي المفرطين.
    أنا آدم
    الذي سمع من ربه:
    الوداع.


    في داخلي

    “Because the sky is blue
    It makes me cry”
    (The Beatles)**
    في داخلي نهر يجري إلى منتهاه
    الدم اسمه؛
    في داخلي بحيرة الدماء
    الروح اسمه؛
    في داخلي يتموج الروح صارخًا
    الحياة اسمها!
    ولأن الحياة تبدو جميلة،
    بكيت من قلبي حتى راض.


    التحول

    هنالك من ينزع عنك لباسك الواحد تلو الآخر،
    أمام المرآة يتلبس بك سؤالٌ:
    “جسد من الذي ألبسه؟”
    هنالك -بصمت- من يكتب رواية حياتك، متأملًا ولادتك، مخترعًا أسباب موتك،
    ها هو الغريب الواجم قد صار نفسك.


    هوامش (المترجم):
    *:  تنتمي هذه القصيدة إلى فترة الشباب، إلا أن ثيمة الشك حاضرة دومًا في قصائده.
    **:  هذا الاقتباس موجود في النص الأصلي دون ترجمة.


    *نص: سباردي جوكو دامونو
    *ترجمة: سالم بارباع

  • السقوط الأخير – محمد القليني

    السقوط الأخير – محمد القليني

    السقوط الأخير

    رغم تفوقه رفضوا تعيينه في النيابة، بحجة أنه غير لائق اجتماعياً، فأبـوه الـذي راح مع أخيـه في حادث سيارة كان ساعياً في إحدى شركات القطاع الخاص، ومنذ أن صار شيالاً في مخزن أغذية، وهو يستيقظ قبيل موعد حضوره بدقائق، فيسارع بالغدو مرتدياً قميصه وبنطـالـه أمام البـاب. وفي هذا الصباح، وقبل أن يخرج، حانت منه التفاتة إلى التلفاز الذي يتركه مفتوحاً دائماً، رأى مذيعة مذعورة تلقي خبراً عاجلاً: «استيقظ المواطنون اليوم فوجدوا الشوارع قد اختفت».

    لـم يصدق ما قالته، فلو كانت الشوارع قد اختفت كما تزعم، فما الذي يحمل المباني ويمنعها من السقوط؟

    لكنـه وقف حائـراً في مدخل البيـت، كان بعـض جيرانه واقفين يتبادلون نظرات الحيرة نفسها، فباستثناء البيوت التي طفت أمامهم لم يكن هناك غير العدم.

    أحـد الجيران ألقى نفسـه أمام المدخل، آمـلاً أن يجد أرضاً صلبة يقف عليها، حاول أن يمنعه، لكن الجار العصبي كان أسرع، ولدقيقتين كاملتين ظلت صرخته تدوي في رؤوس الجميع، صاخبة في البداية، ثم أخذت في الخفوت شيئاً فشيئاً حتى تلاشت تماماً.

    عاد إلى شقته مرة ثانية، وهو يفكر فـي طريقة تمكنه من الذهاب إلـى العمل، فاليوم يتقاضى أجر الأسبوعين الفائتين، وثلاجته خالية من ثلاثة أيام أو أربعة، ثم إن أمين المخزن الذي بيده الأمر ناقم عليه لأسباب لا يعرفها. نظر من النافذة، لأول مرة يفتحها منذ وفاة أمه، وجد نسوة فزعات ينحن في النوافذ المقابلة، فأعاد إغلاقها على الفور.

    أين ذهبت الشـوارع؟ انشغل عن أنين معدته بخلع ملابسه، وفتح الدولاب ليرتدي منامة نظيفة بدلاً من تلك التي تبولت عليها الكوابيس ليلة أمس، لكن لدهشته لم يجد في الدولاب أي ملابس، حتى الأوراق التي اعتاد رصها على الرف اختفت بدورها. ما أدهشـه أكثر، وأثار خوفه ورعبه، هو أن الشوارع التي اختفت من المدينة كانت متراصة في دولابه بانتظام شديد.

    عارياً وضع قدمه اليمني في الدولاب، محاولا أن يتمالك أعصابه، وعندما استقرت القدم في أحد الشوارع سارع بوضع القدم الأخرى. كان الشـارع خاليـاً تماماً، بلا بيوت على جانبيه، ولا سيارات، ولا بشر يروحون ويجيئون، فقط أشجار مثمرة تتابعه بكسل، ونهر يلوح في نهايته.

    فكر في أن عليه الخروج من الشارع إلى الدولاب، ثم إلى حجرته، ومن ثم يحمل الشـوارع شـارعاً شـارعاً على كتفه، معيداً إياها إلى أماكنهـا القديمة. وفكر في أن عليه البدء بشـارعه، ثم الشـارع الذي يليـه، ثم الذي يليهما، وهكذا إلى أن ترجع المدينة كما كانت، بالضبط كما لو كان يعيد قطع لعبة «بازل» إلى أماكنها. فكر أيضاً في أن ابنة أمين المخزن الذي يضطهده على وشك الولادة، وتحتاج إلى الشارع كي تذهب إلى المستشفى، وفي أن جاره الذي سـبه منذ أيام لا بد أن يمـارس رياضة المشـي كما نصحه الطبيب، وإلا تصلبت عظامه، وفي أن حبيبته التي هجرته لتتزوج رجلاً غنياً لا يجب أن تسقط في العـدم بعد أن ينفد طعام صغيرها. فكر في أن عليه أن يسـرع، وفكر في أشياء كثيرة، لكنه لم يفكر في أن الدولاب قد أغلق تماماً، بحيث لن يستطيع فتحه من الداخل، أما من الخارج، فلم يحدث قط أن زاره أحد.


    سوق الوحدة

    قال الطبيب للمرأة: «أنتِ حامل»، فطفقت دموع الفرح من عينيها وهي تتنهد: «أخيراً». على شاشة جهاز السونار نظرت بحنان إلى ما يشير إليه الطبيب قائلاً: «مجرد قطنة صغيرة، ستكبر مع الوقت».

    لم يمض شـهر حتى أشـار الطبيب إلى شيء ينبض على الشاشة، وهتف: «لقد نبتت له أزرار». ولم يمض شـهر آخر حتى رأت على الشاشة كمين قد اكتمل نموهما، وياقة تكاد تكتمل.

     بعد مرور تسعة أشـهر إلا أياماً قليلة، وبجراحة قيصرية، أنجبت المـرأة قميصاً صغيراً تركـه الطبيب نائماً فوق ذراعها، ظل القميص يبكي من البرد والجوع، بالنسبة إلى الجوع فقد ألقمته ثديها، أما بالنسبة إلى البرد فكان عليها أن تتعافى سريعاً حتى تشتري له طفلاً يرتديه.


    *نص: محمد القليني
    *المصدر: طعنات الموسيقى، محمد القليني، دائرة الثقافة، الشارقة. 

  • زيارة ليلية – شيخة حليوى

    زيارة ليلية – شيخة حليوى

    كلّ ليلةٍ يقطعُ أبي الطّريقَ من المقبرة إلى بيتنا. أسمعُ خطواته في الحديقة، وأتظاهر بالنوم بينما هو يبحثُ عن عصاهُ الّتي يخبّئها في خزانتي. أتركُ له الباب مفتوحًا وألعبُ معهُ لعبةً مُسليّة، هو ينسى عينيهِ في القبر، وأنا أخبّئُ العصا كلّ مرّة في مكانٍ آخر.

    أراقبهُ بنصف عينٍ حتّى يعجز، ثمّ يتكوّر على الأرضِ بائسًا متعبًا. أقومُ من فراشي وأمسكُ بيده وأرافقهُ حتّى باب المقبرةِ قبل أن يستيقظَ أهلُ البيت، يدخلُ بثقة وأمان وأراقبه من بعيد وهو يختفي بين القبور.

    لم أفكّر مرّة في التخلّص من العصا، كأن أرميها في النهر، أو أكسرها على سور الحديقة، بل صرتُ أحرص عليها أكثر منذ بدأت زيارات أبي الليليّة. بعد كلّ زيارة أشطب ندبة تركتها عصاهُ يومًا ما؛ واحدة على كتفي اليمنى، أخرى على ساقي اليُسرى وندوبًا صغيرة كثيرة موزّعة على جلدي، وتحتهُ.

    أوشكتُ أن أشطبها جميعًا إلا واحدة، تركتها في ذيل القائمة، كنتُ أجهل مكانها على جلدي أو تحته. زيارة واحدة منه وأخيرة وينتهي الأمر وأشطبها كلّها، سأطيلُ هذه المرّة تكوّره البائس في زاوية الغرفة وقد أنتظرُ حتّى الفجر أو حتّى يتجاوز كبرياءه ويطلب صراحة أن أرافقه إلى قبره قبل أن تشرق الشمس.

     لكنّه لم يأتِ منذ ثلاث ليالٍ، أقلقني غيابه كثيرًا، هل يكونُ قد فهم اللعبة؟ أم يئس من إيجاد عصاهُ؟

    في الليلة الرّابعة قرّرتُ أن أبحثَ عنهُ فربّما يكون قد ضلّ الطريق أو أخذتهُ غفوة قبرٍ طويلة، ولتكن زيارتهُ الأخيرة لنا وبعدها سأتركُ له عصاهُ فوق قبره ولن يتكلّف عناء المسير ليلاً ميّتاً أعمى.

    في الثانية بعد منتصف الليل خرجتُ من غرفتي بهدوء مُحاذرًا أن أوقظَ أمّي وهي تتركُ باب غرفتها مواربًا، ثمّ اجتزتُ الصالون والحديقة وأكملتُ طريقي نحو المقبرة. لم أفكّر كيف سأقنع أبي أن يزورنا لآخر مرّة، لم تكن في رأسي خطّة مُعيّنة، فأيُّ ميّتٍ لا يتمنّى دعوة مُشابهة لنزهة ليليّة يتنفّس فيها هواء منعشًا باردًا؟

    عند بوّابة المقبرة لمحتُ من بعيدٍ خياليْنِ يتحركان لم أتبيّن ملامحهما في الظلمة، اقتربتُ بهدوء ورحتُ أراقبهما من وراء الشجرة الضخمة. كانت أمّي تنهالُ بالعصا على أبي وهو يحاول تفادي ضرباتها دون أن يتحرّك من مكانهِ أو يصدرَ صوتًا.

    سمعتها من مخبئي تقول له:

    قلتُ لكَ أيّها اللعين لا تضربهُ على رأسهِ، لا تضربهُ على رأسهِ ستقتلهُ.

    تحسّستُ رأسي وكان الدم الجاف قد غطّى جرحًا غائرًا فيها.

    بعد دقائق كان الاثنان يجرّان أقدامهما بتعب وتثاقل نحو البيت.

    وكنتُ أنا أجتازُ بوّابة المقبرة وأغيبُ بين القبور الغارقة في الظلمة.


    *نص: شيخة حليوى
    *المصدر: الطلبيّة C345″”، شيخة حليوى، منشورات المتوسط. 

  • في منتصف جسدكِ – عبده وازن

    في منتصف جسدكِ – عبده وازن

    لا يعكّر نقاءكِ سوى النهار الذي تفاجئينه دوماً
    على منحدر جسدكِ.


    تغمضين عينيكِ تمامًا كي يَتمدّد الضوء
    على بُقعة بياضكِ.


    ولا بد من يديكِ كي تُحددا
    شهواتكِ القليلة التي تنحدر بغموض.


    كنتِ واضحة أيضاً
    كي تزول هواجسكِ لدى ارتفاع النهار.


    كي تكوني أكثر من امرأة فاجأها الصباح،
    أقول أيضًا، عندما تأتين وينتصف جسدكِ.


    كان عليكِ دوماً أن تقفي بشغفٍ،
    لتجعلي ترددكِ ممكناً،
    في أن تكوني ظلاً لامرأة غادرت،
    أو جسداً لظلٍّ يَتداعى في حُفرة صمتكِ.


    لم يكن يدل عليكِ هواؤكِ،
    جسدُكِ الذي تقترفينه دمعتكِ الوَحيدة.


    ومن اكتمال غموضكِ
    أن نومكِ يختطف هدوء ارتمائكِ
    عاريةً لتغافلي بياض سريركِ النقي
    ليلكِ العابق برائحة رُقادكِ.


    أسمّي جسدكِ كي لا أفقده،
    الآن جسدكِ يشبهكِ تمامًا
    أقصى ما أكون وحيدًا
    حين أكون بكِ:
    ما من عادة أشد من فراغكِ.


    *نص: عبده وازن

  • الأحْجارُ آلمَت أجسادَنا – حسن خضر

    الأحْجارُ آلمَت أجسادَنا – حسن خضر

    نحن الكلابُ الحقيقيون

    يزدادُ عواؤنا في العتمةِ

    العتمةُ مَمْلكتُنا

    الشاسِعةُ

    المسكونةُ بالانتظارِ

    والبردِ..

    كنّا كِلابا مُهذَّبةً

    نحْفرُ قبلَ التَّبرُّزِ

    ثمَّ نردِمُ الماضي..

    جِئنَا هُنا

    قبلَ أنْ تبنوا هذه البنايات

    وأنتم بعد لا تعرفونَ الكَلام

    كانتِ الأرضُ كلُّها

    لنا..

    وعواؤُنا يعْمُرُ الليلَ.

    أنْصِتوا إليهِ..

    وهو يَعودُ

    دُفْعَةً واحِدَةً

    حينَ تنقطِعُ الكهرباءُ

    وتخرسُ لبعضِ الوقتِ

    آلاتُكُم

    الحديثةُ.

    تعْرِفونَ وفاءنا طبعاً،

    انظروا ماذا فعلتم أنتم

    بمصائر أصحابكم!؟

    القِطَطُ الخبيثةُ

    التي صاحبْناها مُرغمينَ

    لأنها تعرفُ المدينةَ أكثرْ

    حكتْ عن أعمالٍ غريبةٍ

    درّبَتْها عليها بعضُ نسائكم

    عن تفاهاتِكم في البيوتِ

    التي لا تستطيعونَ الوقوفَ في نوافذِها

    العَريضةِ

    آمنينَ..

    عَنْ بكائِكم في الليلِ

    دونَ صوتٍ .

    ***

    حين صرتُم كلْبييَّنَ تماماً

    تركنا النَّهار لكُم،

    لسَعيكُم الخائبِ.

    نحنُ الكلاب الحقيقيونَ

    لا نحملُ سوءاً لأحدٍ

    لكنَّ خوفكم يوقظُ ذاكرةَ الطرائدِ

    فينا

    خوفُكٌم يُسْعرُنا .

    فاتركوا الليلَ لنا،

    لعوائِنا الذي نادراً ما يعودُ

    بعد أن فارقْنا الرَّملَ

    والزّراعاتِ .

    ولا تركضوا وراءنا في الشّوارعِ

    فالأحجارُ آلمتْ أجسادنا

    وأقْعَدَتْ كثيرين منّا

    ربَّما.. إلى الأبدْ.

    *نص: حسن خضر

    *من كتاب ذئب ونفرش طريقه بالفخاخ- أنطولوجيا النص الشعري المصري الجديد

  • جسدكِ.. على سبيل المثال (مختارات)  – جعفر العلوي

    جسدكِ.. على سبيل المثال (مختارات) – جعفر العلوي

    لا أحاول إغوائكِ

    بلا اكتراث سأقول لكِ
    هذا القلب…
    مرآتُكِ التي تُسرّحين
    حلمكِ الطويل الداكن أمامها
    منضدتكِ التي تركنين عليها شرودكِ
    وأنت تُعدّين نفسكِ لموعدنا
    خزانتكِ التي تختارين منها
    أيَّ صبيةٍ سترتدين للسهرة
    أيَّ حذاءٍ ستلبسين ليحملكِ سريعاً إلي.
    هذا القلب…
    وحده القادر على إقناعكِ
    وأنتِ تُديرين مفتاح السيارة
    أنّكِ لن تقطعي
    هذا الطريق الطويل إليَّ
    وحدكِ.


    جسدكِ… على سبيل المثال

    الكلام الذي سأقولهُ
    لا هو شعرٌ
    ولا هو لكِ
    هذا الذي أكتبه
    فأسمع فيه بحَّة صوتي على الورق
    وأشذّبهُ كأنني ببطءٍ
    أقضم أطراف أصابعي
    ثم أمرِّر عينيَّ عليه
    فأقرأه للمرَّة الأُولى
    هذا لا هو شعرٌ ولا هو لكِ
    ماذا يحدث لي إذاً؟
    لماذا أُسرفُ في تأويلِ الأشياء التي
    بلا معنًی؟
    أُسهبُ في الانشغال بالأفكار المريضة عن الحب
    العالقة في المنتصف؟
    لماذا لا أفكر في الأمور التي تجاوزتُها
    ولو بكامل عجزي
    هنالك دائماً مُتسعٌ من الشعرِ
    يكفي لأن أهمس لكِ
    بالمنجَزِ الوحيد بيننا

    جسدكِ مثلاً.


    لا يشبهكِ أحد

    لأنَّ النَّجار في الحيّ المُجاور لا يدقُّ مسمارهُ قبل أن يفكِّر، وبائع الخضار المتجوّل أراه من نافذتي يحرص كلّ عشر دقائق على رش خضرواته بالمياه حتى لا تَحترِق من سطوةِ الشمس.

    جارتنا، رغم أنها لا تبدأ صباحاتها من دون حكاية جديدة تقصُّها على رأس أمِّي، إلا أنّها تُقدّم لها فنجان القهوة كل حين.
    سائق التاكسي يتوقَّف عن الكلام عند الإشارات الضوئيَّة. وصانع الخبز يتذكَّر وجوه المُنتظرين في الصفِّ جيداً. وأستاذ الجامعة ينسى في اليوم التالي واجبات طلبته.
    شعراء العمود يتمسَّكون باعتقادهم في القصيدة،
    والساسة مُستعدون في كلِّ ثانية لتقديم تنازلاتهم.

    تضع الملائكة حدَّاً
    بين نزواتها وبين تكليفات الإله
    وأنتِ…
    لا يشبهكِ أحد.


    أدسُّ رأسي

    أنتِ التي
    ترتمين مبكراً كلّ ليلة
    على سريرِ وداعتكِ
    وتستيقظين
    محمَّلة بكلِّ الأحلام السريعة
    والعاجلة

    أنا…
    الخائفُ الذي
    يختبئ تحت سريركِ
    لا أنام.


    *نص: جعفر العلوي
    *من ديوان: للتوضيح فقط

  • أمثال إيطالية: “الماءُ والموتُ يقفان خلفَ الباب”

    أمثال إيطالية: “الماءُ والموتُ يقفان خلفَ الباب”

    ○ عصفورُ الغابِ أفضلُ من عصفورِ القفصِ.


    ○ الماءُ البعيد، لا يطفئُ الحريق القريب.


    ○ حزن مائة عامٍ، لا يسدُّ شيئاً من الدينِ.


    ○ من السهل أن تُخيف الثور من الشبّاك.


    ○ الماء القذر لا يُنظَّف.


    ○ لا شيء ينتقم لنفسه كالزمان.


    ○ من لا يُفكر في البدء، يئن في النهاية.


    ○ من يَسر بتأنٍ، يَسر بأمان.


    ○ النقاش منخل للحقيقة.


    ○ من يُعاشر الأعرج يتعلم العرج.


    ○ الحِمل الذي ينتقيه المرء، لا يَحسُّ به.


    ○ لكلِّ بابٍ طارق.


    ○ الماءُ والموتُ يقفان خلفَ الباب.


    ○ لا يستأذنُ الموتُ أحداً.


    ○ آخرُ ما يفقدُهُ الإنسان، الأمل.

  • أرنب أبيض! – ريهام عزيز الدين

    أرنب أبيض! – ريهام عزيز الدين

    نحتاجُ أن نصَل سويًا إلى هدنة

    أن تكُفَّ عن تذكيري أنَّ الجوَّ بالخارج يبدو رائعًا

    أن تتذكر ما أخبرتُك به من قَبل أنِّي فقدتُ عدسة عيني في الطريق.

    يُمكنك أن تبقى بجانبي طِيلة يومين أو عامين لا أعرف على وجه الدقة

    لم يُخبرني أحدٌ متى سينتهي الأمر لأني لا أعرف أيضًا على وجه الدقة كيف بدأ.

    يُمكنكَ أن تمسحَ بِمنشفةٍ مُبللةٍ بماءِ الزَّهرِ على جبيني حين أُعاودُ ادعاء المرض.

    في حقيقة الأمر لا أدَّعي المرضَ على الإطلاق كما تقول أمي 

    بل أقاومه بكل طريقةٍ مُمكنة لئلا يقترب مني.

    تُخبرني الذاكرة أنِّي قبل الذهاب إلى النوم قمتُ بابتلاع حبتين أو ربما أكثر، لا أتذكر!

    مكتوبٌ على العُلبةِ الصفراءِ أنها للتخلُّص من كركرةٍ بالبطن تُورثني الحَرَجَ باستمرار.

    في الصباح، العُلبةُ الصفراء ذاتها تُخبرني أنها مُسكِّن لآلام العظام الحادة.

    الذاكرة لا تُخبرني على وجه الدقة لِمَ ابتعتُ العُلبةَ الصفراء، في أي زمنٍ حدث ذلك؟

    لربما جاءت إلىَّ العُلبة من دُرجِ أبي بمكتبه الصاج القديم.

    لأبي ساقين طويلتين لا بد أنَّه ابتاع العُلبةَ في زمنٍ ما ليدرأ عنه الحسد!

    أو لربما كانت لأمي؟

    فهي تُخبرُنا دومًا أنها تُخزن الغضبَ في جيوبٍ سريَّةٍ بقفصها الصدري 

    وحين ينهمر، يكن الوقتُ مُتأخرًا للغاية أن نصُد الركلاتِ المتتالية.

    لا تُخبرني الذاكرة أي شيء 

    هناك تجويفٌ يتسع

    تستقرُّ مكانه عُلبة صفراء.

    لا أتذكر على وجه الدقة كَم حبةً ابتلعت!

    غير أني أشعرُ أن لا عظام لي بالمرَّة

    واللحم يتمترسُ أعلى الحُنجرة.

    يُمكنك أن تبقى دون أن تخبرني أنَّ اليومَ مناسبٌ للغاية لتمشيةٍ لاستنشاق رائحةِ المطر.

    دخانٌ مُتصاعدٌ من الذاكرة يُشوشُ على مراكزِ الشم بداخلي.

    أُعيدُ تذكيرك أنِّي ربما لبعض الوقت سأفقِدُ حاسَّة الشم أيضًا

    غير أنَّه يُمكننا التوصل إلى هدنةٍ هذا الصباح.

    لنضعَ العُلبةَ الصفراء جانبًا 

    سأعيدُ تلاوةَ حكايا عن حبةِ ملفوفٍ زارتني في الحُلُمِ البارحة 

    طبقاتُها مُحكمةٌ للغاية غير أنَّ البعض منها معطوب 

    لديها قدرةٌ مُرعبة على إخباري بما سَقَطَ من الذاكرة.

    في كُلِّ مرةٍ تتعرى حبَّةُ الملفوفِ أمامي

    أتشبثُ بذراعِكَ أكثر

    أغرِسُ أظافري في جسدك

    أخبُرَك برغبتي أن تبقى

    يُمكنُك الاستلقاء بجانبي طيلة يومين أو عامين لا أملك بُوصلة لذلك.

    سأعيدُ تكِرارَ الحكايا عن حبَّةِ ملفوفٍ مُذهلةٍ بلا انتهاء  

    ستغفو بجانبي 

    سأتأكد أنِّي راوغتُ الرَّغبةَ المتكررةَ في استدعاءِ العُلبة الصفراء

    أريد أن أخبرَكَ أنِّي أريدُ أن أغفو أيضًا 

    لبعض الوقت.

    غير أنِّي في كُلِّ مرةٍ أغمضُ عينَيَّ، تنتظرُني حبَّةُ الملفوف في الحُلُم

    وأنَّ الحكايا كُلَّها صارت مُوجعة.

    أودُّ لو أخبرك

    أننا بحاجةٍ لهدنةٍ هذا الصباح

    وأن تكف عن تذكيري أنَّ الجوَّ بالخارج صار رائعًا

    أودُّ أن أُحكِمَ قبضتي علي كفَّيك

    فأنا ارتعبُ حين تُفلت يدي

    غير أن لا عِظامَ لي تمنحني قوةً كافية

    ومحاولة الإبقاء المتعمدة تبدو واهية

    في الصباح نحنُ بحاجة لهدنةٍ بالفعل

    لربما علينا أن نقصدَ الصيدليَّ ونخبره أنَّ كلينا بحاجةٍ لعُلبةٍ صفراءٍ جديدة

    وأنَّه يتوجب على العلبة الصفراء أن تُعيدَ إنباتَ العظامِ في راحة يدي.

    سيصبح لديَّ حينئذٍ يدٌ قويةٌ

    ستُمكنني من إزاحة المقاعد الفارغة حَول المائدة

    وأن أكفَّ عن انتظار ما لا يجيء

    وأن أمنح مُتسعًا لحبَّةِ ملفوفٍ مُذهلة فلا يتوجب عليها الاختباءُ في ثنايا الحُلُمِ مُجدَدًا.

    نحنُ بحاجةٍ لهُدنة في الصباح

    هذا كلُّ ما في الأمر

    تتوقف عن إخباري أنَّ الجوَّ يبدو رائعًا بالخارج

    وأعدُكَ أن أحاولَ مُجددًا

    أن أُراوغَ العُلبةَ الصفراء

    وأُراوغَ الذاكرةَ أيضًا

    أتشبثُ بما بَقِي في يدي مِنك 

    أو أُفلِتُك مرَّةً واحدةً

    وأخيرة.


    *نص: ريهام عزيز الدين