المدونة

  • الحب الكلّي – أحمد شاملو – ترجمة: حميد كشكولي

    الحب الكلّي – أحمد شاملو – ترجمة: حميد كشكولي

    الدمع سرٌّ
    البسمة سرّ
    الحب سر
    دموع تلك الليلة كانت بسمة الحبّ

    فإنني لستُ قصة ترويها،
    ولستُ نغمة تغنيها،

    ولستُ صوتاً تسمعه
    أو شيئاً ما تراه،

    أو شيئاً ما تفهمه..
    فإنني الألم المشترك

    نادِني.

    فالشجر يتحدث إلى الغابة،
    العشبُ يتكلم مع الصحراء،
    النجم مع الكون،
    وأنا أتكلم إليك..
    قل لي اسمك!
    أعطني يدك!
    قل لي ما عندك من كلام
    هاتِ قلبك!
    لقد أخرجتُ جذورك،
    تحدثتُ بشفاهك إلى كلِّ الشفاه،
    ويداك تعرفان يدي
    لقد بكيتُ معك في الخلوة المضيئة،
    في سبيل ذكرى الأحياء،
    وغنيتُ معك أجمل الأغاني في المقبرة الظلماء،
    لأن أموات هذا العام كانوا أعشق الأحياء

    أعطني يدك!
    يداك تعرفانني،
    يا من لقيتُ متأخرًا، أحكي إليك،
    بقدر ما يحكي الغيم مع العاصفة
    بقدر ما يحكي العشب مع اليباب
    يقدر ما يحكي المطر مع البحر
    يقدر ما يحكي الطير مع الربيع
    يقدر ما يحكي الشجر مع الغابة

    فإنني قد اكتشفتُ جذوركَ
    وإن صوتي وصوتك صديقان لبعضهما..


    *نص: أحمد شاملو
    *ترجمة: حميد كشكولي

  • شعراء الظل “جسدُ الظل لا يصلح للتقمص” (ملف الشعر السعودي)

    شعراء الظل “جسدُ الظل لا يصلح للتقمص” (ملف الشعر السعودي)

    قصائد من دهن العود، لشعراء تركوا قصائدهم لتتعتق


    إبراهيم الحسين

    الشاعر السعودي إبرهيم الحسن
    عيون تسع الظلال

    أنْ ننسى، أن نضعَ خطّاً فوقَ أحاديث نسند بها لقاءاتنا؛ كي لا تميل

    أنْ نضعَه فوقَ ثيابٍ، صمدنا داخلها، ولم نتقهقر..

    كنّا جسورين على كلّ ما يجعلنا قريبين من النسيج، لا نتزحزح

    أنْ ننسى، أن نُخْرِجَ من جيوبنا كلَّ الطرق، نطوِّحُها قليلاً، ونقذفها مثل حصاة..

    الطرق التي درجَتْ فوقها الضحكات، الطرق التي ضاقت، الطرق التي نحُلَتْ فلم تجد غيرَ شرودِنا كي تنطوي فيه أنْ نكفَّ أيدينا عن التواطؤِ مع المرايا.. كي لا تقولَ

    أنْ نخرجَ على المرآة، أنْ نفرَّ من حبالها؛ نافرِين أو دامِين حتّى.

    ألا نبقى أسيري نظرةٍ بلهاء أنْ ننسى، أن نكسر بيضةَ الحياة، ونسيل، بأبيضِنا وأسودنا، ليس بأيدينا غير عيونٍ تسعُ كلَّ الظلال أنْ نغفر حتّى الغبار، الذي جاء متعباً، فاضطجع واضعاً رأسه على أوّل السطر أنْ نركضَ مسرعين خلف اليد، كي لا تصدم بيأسها، اليد التي استشاطت، فلم تتورّع عن أيِّ شيءٍ حتّى الكتابة.


    الشاعر محمد آل حمادي


    محمد آل حمادي

    إغواء الرتابة بالتكرار والتوقع

    كأن تتشبَّث بلحظة انتباه

    لتتمركز عليها حاجة شرودك الذهني للتنويع والمعنى

    وتجد فرصة لممارسة فن الحوار والاختلاف

    مع غنائية الروتين

    أقبلُ بدور سخرية الأمكنة الرسميَّة من ازدحامها النهاريّ

    مقتحماً ما يلي حيلة الرغبة في الكتابة من هنا

    من داخل سور مواقف مستغرقة بخلوِّها الليلي

    تحت الحراسة…

    خلف كل القصص التي تحدث خارج الانتماء إلى الأرض

    خلف كل ما كُتب ويقرأ الآن،

    إنني هذه الخطوة غير المجرَّبة

    غير مؤكد ومسوَّر بالوساوس والغرائز

    أبدو خطيراً جداً قبل حدوثي

    رغم أني سهل المقاومة!

    مجهول إلا من مخاطر الفشل،

    والخوف من الحريَّة

    وكأن على هذا الفراغ أن يجد له صوتاً

    يكشف به عن نفسه

    وأن لا شيء ينقص العالم

    سوى أن أتظاهر بجديَّة البحث عن موقف شاغر!



    نور البواردي

    لتبقَ بيننا

    1

    “بعض الأشجار تُصبح وقحةً حينما نُغدقها بالترحيب”!

    قالتها وهي تتأمَّل الأريكة الخشبيّة المُهملة في فناءِ بيتنا الخلفي،

    أنا الوحيدة التي عرفتُ السَّرَّ المُخبَّأ داخل رأسها

    وأنَّ زوجها البارحة عانق صديقته على تلك الأريكة.

                                    2

    في الشتاء

    الملابس وحدَها تبقى دافئة،

    الخِزانات الضيّقة تُخفي جيّدًا

    أصواتَ القُبَل!

                                     3

    إنه أمرٌ غريب

    أن ينبح كلب حزين قُربي ليلًا ولا أصحو،

    أن يُغنَّي لي أغنيات الجاز التي أكرهها

    ولا أصيح: كُفَّ!

    أن يقرأ لي قصّة حزينة ثمّ يبكي،

    أمرٌ غريب أن يتوقّف عن كلّ هذا

    لأن أحدهم مَرَّ فجأة وقال:

    منذ صُدمتْ هذه القطّة هنا لم يدفنها أحد!

                                     4

    الولدُ الخجولُ

    يرسمُ في كفّي نافذة

    يُمثَّل دور اللصّ…

    …ثمَّ يَدخُلني!


    الشاعر السعودي أحمد كتوعة


    أحمد كتوعة

    خدوش

    سأفتحُ عيني

    الحلم قشعريرة

    أتوسّل الهواء أن يتجنبني

    لا حنين لرجفةٍ أخرى

    سأدعها مطمورة في الجِلد

    حتّى أرى عودتي بمفاتيح أكثر برودة من هزيمة الباب

    سأفتح عيني

    لأحصر أشقياء الليل في جُمجمتي

    وأدقق أيّهم شجَّ مؤخرة الرأس ودفن ثقلاً

    سأحمل نصف رأس وأخسر الحلم

    الممراتُ لن تسألني إن كنتُ داكناً كوحشة

    أم وحشاً يسحب الدبيب ويخرج

    النظرات التي تخطفني

    أيها كانت؟ الطمأنينة نائمة إلى جواري أتلمس شيخوختها

    الفأس

    الدفن

    العابرة

    وكيف أواري خدوشاً تركتني غابة تسيل

    من مسافة شجرة تتفحّصني

    لا ألقي تعباً رؤوماً يلوذُ بقدمي

    وهدة السير غبطة للحجارة

    الظلُّ لم ينتظرني

    حين جلستُ

    أسند قدميه إلى كتفي

    الشمس جيفة لا تعرف كيف تهرب رائحتها

    الحشائش أسماك صغيرة

    والسجائر علَّمتني أطيل النظر بوصتين

    وأترك للوجوه غشاوتها

    يتلبط النسيان

    وتُحرق المراكب.



    علي العمري

    الشاعر السعودي علي العمري
    حمَّالة الحطب

    أما كنتِ العروسَ ليلةَ اشتعلتْ في المَخدعِ النيران، أما التَحفتِ بالسّواد ليلتها أن صار الزفاف مأتماً، وفي الحداد الذي طال.. ألستِ الجنية ذاتها التي طالما رقصتْ على رفاتِ أيامها! فلماذا لا تقنع أرملة الحريق أن كلَّ ما تأكله النيران هباء، لماذا لا تُسكّنين اللعنة في جحرها، وتقرينَ جاثمةً على ما تكوَّم من رماد، لمَ بيديكِ لازالتْ تُلف حِبال الغواية، ومن أولئكَ الأعداء الذين لأجلهم شُحِذَت كلُّ هذه السيوف، كؤوس الضغينة مترعة فمن يا أم البغضاء ستجرعينها، إلى متى وربة هذا البيت تُقسم بشرف حدادها وبالذي صيَّر القلب قفراً للسباع، أن لا شربت سائغاً، ولا بشَّتْ لمرأى طائر، ولا ذاقتْ من اللحم إلا الكبد المشتهاة، إلى متى يا حَمَّالة الحطب تُلهبين هذا الوجود وكأنَّ الغفران سبيل لا يُشقُّ إلا عبر أودية الجحيم، أو كأنَّ خلاصكِ لا يجدُ المفرّ إلا من باب الانتقام؟!


    الشاعر والناقد السعودي عبد الله السفر


    عبدالله السفر

    يخلون سرير محبتهم

     دَفَعَ بدمعتِهِ الرسولُ، وهامَ طَيَّ رسالةٍ لم يحملْهَا. أُخِذَ بالتهدّجِ، نالَهُ يأسُ الكائنِ، فراغُ الأملِ من صاحبِه، نفاذُ السكينِ، عُريُ الوردةِ من شوكتِها. وهذا الليلُ الذي لا يحسنُ مدافعتَه، حين الأصدقاءُ بمناكبَ مذعورةٍ يُخْلُونَ سريرَ محبّتِهم ويتهافتون إلى مراكبَ مخلّعةٍ مشقوقةِ الأشرعة. يعرفون أنها ليست مأوى في اليابسة، ولا تصمدُ لماء.

    يغادرون فحسب لأنّ الرسولَ فاضتْ به الدمعةُ، وانجرحتْ منه الحنجرةُ؛ فطاشتْ سهامٌ خفيّةٌ لا ترأفُ. سُمُّها ضارٍ يبدّدُ الروحَ، ينثرُ الجمرَ في اللحمِ. يتسمَّى الجرحُ باسمِه. تنكتبُ الخيانةُ. تَطْلُعُ عروقُها السوداء. وفي الهشيمِ يبينُ رداءٌ. بقيّةٌ من رداء لا تسترُ جثّةً شاختْ واسترسلتْ في العتمةِ، يرجّفُها بَرْدُ العقوقِ، نظرةٌ مقصوفةٌ لطائرٍ فُركتْ أجنحتُهُ.

    ريشٌ في الهواء. يثقلُ. يحطُّ. يأتيهِ الدمعُ من كلِّ مكان. يثقلُ. يحطُّ. يزفِرُ. يفرفرُ.

    لمعتْ الذكرى وانسابَ الحنينُ عن أخلاّءَ متروكين.. مقذوفين بغيرِ يدٍ تهمسُ بالوداع.

    ظهورٌ تراصّتْ، بطّطَتْها القسوةُ. شروخٌ تطلُّ على النسيانِ. هاويةٌ موَّهَتْها الخديعةُ. مكيدةٌ تتربّصُ. صخرةٌ نهضتْ من أوّلِ الليلِ تفحصُ وليمتَها؛ تتبعُ خيطَ الدمعِ، شاغرَ الخطى. فمُ الكهفِ يقترب. ينصبُ اليأسُ مشنقتَه للعابرِ بدمعتِه، للزائلِ بلا أثرٍ.. بلا حلمٍ يهوّنُ.. بلا نطفةٍ من ضوءٍ يريقُه. الصخرةُ تتعقّبُه، تلزِمُه مضيقَ الألم. وفي لحظة الصَّعْقِ الفاجرةِ يتلوّى مبهوتاً. أظلمتْ عيناهُ. تشعّثتْ أشلاؤُه . أضَاءتْ دمعتُهُ سريراً، وفي الأفقِ لاحتْ جنازةُ الغريب.



    عبدالعزيز الحميد

    القاص السعودي عبد العزيز الحميد
    ناديا

    ناديا، شيء غامض بين التفاصيل يا ناديا. كل صباح أخرج إلى النافذة، النافذة يا ناديا  لا يمكن الوقوف أمامها. الغرفة مكتظة بالناس الذين أحاول رسمهم، فقط لأعرف الفرق بين الغرفة والنافذة.

    الغرفة مليئة بألوان غامضة لم يعد التمييز بينها ممكناً. كل لون يفتح صفحة للعبور الناقص، صفحة لا تبدأ بلون ولا تنتهي بوجه أعرفه. الغرفة موحشة بحق، كبسولات الأدوية التي من فرط ما أسرع ببلعها تسقط على الأرض، ولا يمكن التقاطها لأن الغرفة مبللة بكؤوس الماء. وهكذا الغرفة موحشة وتحتاج إلى حرث الكبسولات التي تحولت فجأة إلى حديث مشترك بين الرطوبة وجاذبية الصرع. والغرفة مضاءة طوال الوقت لأنني أخاف أن أفقد النظر إلى السقف. أخرج إلى النافذة كل صباح يا ناديا، وأمشي. أمشي طوال الطريق بين النافذة ورأس الجسر الذي في طي الاكتمال. رأس الجسر الذي يختبئ خلف بنايات المدينة. وهكذا أعرف أن مدينة كاملة لا تكفي لترميم السماء ولا تصلح للأمل. بين النافذة والأفق يمد الجسر نفسه برأس غامض لا يطابق العبور ولا فكرة النظر. هنا بالتحديد ينتهي الصباح. الساعة الرابعة والنصف أدخل من الباب وأركض إلى عيادة الطبيب النفسي لساعتين. في الساعة الخامسة والنصف أطيل النظر في سقف الغرفة، بين ضجيج الألوان الناقصة وازدحام موتزارت. الساعة التاسعة سأسقط كبسولتين بالخطأ وأبتلع غيرهما. الساعة العاشرة أتمدد في حمام ماء بارد وبيرة من نوع “كرونا”. الساعة الحادية عشر لا أعرف من أين أتيت ولا أعرف من أنا. ولهذا أشاهدني في فيلم درامي. الآن، ياناديا، أعرف من أنا، أعرف أنني كمبارس بطيء الحركة ولا يتحدث أبداً ياناديا. بعد دقيقتين تنتهي قائمة الممثلين والمخرج ومصمم الأزياء وكل شخص باسمه الذي يستحقه. الشاشة الآن يا ناديا، سوداء ولا يمكن سماع قطعة موسيقية لأسباب لا يعرفها كمبارس بطيء الحركة. أشاهد فيلماً آخراً، مقرراً أنني أول شخص سيظهر في الشاشة. الشاشة يا ناديا شارع مكتظ بالناس الذين يعبرون إلى الأمام مقررين أن العبور هو ظهور لا يلتفت إلى الخلف. هنا بالتحديد أعرف من أنا، أعرف أنني شخص لا يعرف نفسه حقاً. أعود إلى الغرفة محدقاً في السقف الذي في أي لحظة سينطق بفكرة ناقصة وعلي إكمالها. غداً يا ناديا، غداً تكتمل الفكرة تماماً، وسأعرف الفرق بين الوحدة والتأهب لانتظار آخر.


    الشاعرة السعودية هدى ياسر


    هدى ياسر

    مُذكرات

    أحبُ الظل

    في ليالي الفقد يتيحُ

    على الجدار جدتي.

    في يوم

    الأب،

    أعانقُ رجلًا تسجل صورته

    غيابًا

    مقيتًا عن بطاقة العائلة.

    على الجدار،

    يوزع الظل في عيد

    الحب
    كنايات القلب،

    نثار ورد

    وحبيبي بين الكومة

    جسده أبيض/أزرق.

    ..ما لا يعرفه الظل

    أن جسده

    لا يصلح

    للتقمص.



    عيد الخميسي

    الشاعر السعودي عيد الخميسي
    فستان زهري إلى الركبتين

    تلك الأغنية تنسكب

    من قارورة،

    العصافير وهي ترف معًا مندفعة من الشجرة،

    المطر مفاجئًا نهار سبتمبر،

    الطفلة الراكضة في حقل الليمون

    بفستان زهري

    إلى الركبتين،

    البحر وقد عكس قوس قزح باهر

    وتمدد في دلال،

    رائحة الحلوى مختلطة برائحة الخشب

    في كوخ قرب الحدود،

    لون الأعشاب وهي تغمر الجبل،

    طعم أول بسكويت اقتسمناه

    مع أخت كبرى في طفولتنا،

    الرياح وهي تسوي قبعة فتاة بدينة

    وتعابث ابتسامات النخيل،

    الضوء الباهر وهو يجلو الميادين

    والغرف،

    أحدثك عن صوتك وهو يضحك

    كركرتك تمتنع عن الوصف.


    نصوص: إبراهيم الحسين، محمد آل حمادي، نور البواردي، أحمد كتوعة، علي العمري، عبدالله السفر، عبدالعزيز الحميد، هدى ياسر، عيد الخميسي.

    إعداد: موزة العبدولي ومهدي محسن

  • لذة المرض: سيرة المستشفى (مختارت) – أحمد راشد ثاني

    لذة المرض: سيرة المستشفى (مختارت) – أحمد راشد ثاني

    1

    لا، ليست المرَّة الأولى التي تحرثُ فيها البحر،
    فلطالما حملتَ الأمواجَ إلى مزارع الظنون،
    وملأتَ حُفر الأوهام بالمياه الزَّرقاء الصافية،
    لطالما دفعتَ قواربكَ الورقيَّة ما بين نباتات المُستنقع السَّامة،
    ومشيتَ على ركبكَ في الأحواض الجافَّة، وذاقتْ أصابعكَ جروح الكؤوس المهشَّمة.
    لا، ليست المرَّة الأُولى التي تتسلَّقُ فيها ذاك الجبل،
    فلطالما تساقطتْ نظراتكَ من ذلك العلوّ،
    وتدحرجتْ أفكار جسدكَ على الصخور المُسنَّنَة،
    وأنزلتكَ أجنحةُ أحلام اليقظة على كُثبان الرَّغبة،
    تشعل النار التي تقود الضِّباع إلى زريبة مخاوفكَ،
    وتملأ أوان العطش بعرق لهَفاتكَ.
    لا. ليست المرَّة الأولى التي تقطعُ فيها صحراءَ هذه
    الغُرفة،
    وتخرجُ الآبارَ من أدراجِها،
    والأفاعي من كهوفِ الصَّمتِ،
    الرَّملُ الكثير الذي تكدَّس على الطاولة تَقود له عاصفة اللغة،
    وتَحملُ السرابَ في كأسكَ كما تُحملُ النِّعمة في المعابدِ،
    الظلُّ مجدُكَ واقفٌ بانتظارِ ابتسامة الشمس،
    والسماءُ على أهبَّة الاستعداد كي تركض خلفكَ،
    فليس هنالكَ من مُشكلٍ، فتنفسكَ طبيعيٌّ، ولذلك لا تعرف بأنَّكَ تَتَنفّس.


    2

    عالمُ جسدكَ عالمان،
    عالمُكَ المحدودُ،
    عالمُ جسمكَ حيثُ جُمجمتكَ التي تُشبه ثَمَرة جوز
    هند يابسة،
    وعينيكَ المُختبئتين في محجريهما كزعيميْن عربييْن
    هاربيْن،
    وأنفكَ الوارمُ في منتصفِ وجهكَ
    وشفتيكَ المدلوقتين كجرَّتين فارغتين،
    وقليلٌ من الشَعْرِ أو كثير منه
    وقد ترمَّد من الأسى
    هذا هو رأسُكَ الذي يحمله جُثمانُكَ على الأرض،
    الذي تحمله كتفاكَ الهزيلتان،
    الواقفون كحراس أبراجٍ غابرة على قفصكَ
    الصدريّ،
    ذلك القفصُ الذي يشبه «دوباية» قديمة،
    برزت عظامها على قلبكَ الضَّعيفِ
    ورئتيكَ المهترئتين
    وكبدكَ التي توشك على التَّلف.
    ثم ماذا يتبقى بعد ذلك؟ المعدة ومجاريها وتلك القدمان النحيفتان من كثرة ما التهمتهما ظلال الطرقات.


    هذا هو جسدُكَ الظاهر،
    جسدُكَ الذي تراه مرآة الجدار،
    جسدُكَ الفاشل في الهواء،
    جسدُكَ الجلدي،
    المكسو بجلدكَ المتغضّن،
    بمسامات جلدكَ المتكلِّسَة،
    جسدُكَ الممدَّدِ على السرير كعيِّنة،
    جسدُكَ النابض ككهفٍ مهجور.
    تحت هذا الجلد كون لو تدري،
    تحت هذا الجلد مجرَّة تجري في هواء الدَّم،
    آلة تتحرك من احتراق لحمِ النَّبض.


    تحت هذا الجلد الطبيعة كلُّها بغاباتها وأنهارها وبحارها وسماواتها ويابستها، وقد وصلتْ إلى المُلخَّص من سيرتها، فالجسد الإنسانيُّ بلا شكٍ يُغري أكثر من غيره بفكرة الخالق المبدع، فالمستحيل حدث فعلاً، إنَّهُ تحت جلدي.


    إنَّني هناك أيضاً في الكون، تماماً كما أنا تحت جلدي. إن موسيقى حركة المجرة تحت جلدي هي نفسها موسيقى حركة المجرات في الكون. إن جسدي ليس قُربة نفخَ فيها أحدهم كي تكون موسيقى فرعيَّة، إنَّ جسدي متى ما تنفَّس بصحةٍ وعافيةٍ وطبيعة فإنَّه يتنفس مع الكون، وكما يتنفس الكون.


    3

    اليوم الخميس…
    طاولته امتلأتْ بهيجاناتِ النَّبض،
    بوميضِ العُروق،
    باهتياجاتِ المَفاصل،
    بحرقاناتِ الأفكار،
    بالتهاباتِ اللحظة،
    باضطراباتِ الأسئلة،
    بتفتقات الضحك،
    بوسامةِ الفَراغ،
    بأسلحة الرَّغبة السرية،
    فمن يقوم معه من هذا الجلوس إلى الكلام،
    ويصعد إلى مرقص الخلايا،
    الرؤوس مكتظَّة بالنَّزق هناك،
    وتتدلَّى من الأجساد مفاتيح الأمواج،
    فلتضف إلى رأسكَ مزيداً من الجمر،
    وتلتهب نظراتكَ في ذلك المَمَشى الجارح،
    على أيةِ قيامةٍ تضع يدكَ،
    في يد أيّ صُدفة،
    ومن سترافقكَ هذه الليلة إلى حديقة اللَّمس،
    الأغنية استولتْ على مصب الرَّغبة،
    تمايلت جدائل الماء في تفكير الحوض،
    رقصتِ اللحظة مع نفسها،
    ودخل الكلامُ إلى غرفته،
    واستعدَّ المفتاحُ كي يدور في باب المستحيل،


    الاهتزازُ يبحث عن إيقاع، والإيقاع يبحث عن اهتزاز،
    وحين وُضِعت المسافاتِ في الجيب، واتفقتِ المرايا مع
    النوافذ،
    والأبوابُ مع الموسيقى، وجدوا المصاعدَ توصلهم إلى
    الفجرِ،
    حاملين أنفسهم إلى السباحة في ماء الأسرَّة،
    متفتحة أجسادهم وكأنَّها قبور عادت من الموت،
    الآن سيحدث الخلود وتمتزج السماء بالبحر،
    والجسد بالروح،
    والرَّغبة بالنفض،
    وتلك الخلجات المُتضاربة والمُتصادمة حتّى ينكسر
    النَّبع،
    ويمتلئ الحجر بنبيذ الهواء.


    تصبحون على خيرٍ أيُّها السُّعداء،
    المملوؤن حتَّى البهجة بماء الأبد،
    النائمون الآن كأمواجٍ في المحيط.

    أبوظبي ديسمبر 2011


    *نص: أحمد راشد ثاني
    *من كتاب: لذَّة المرض: سيرة المستشفى

  • فن التصوير – ناتاشا تريثوي  – ترجمة: عابد إسماعيل

    فن التصوير – ناتاشا تريثوي – ترجمة: عابد إسماعيل

    فن التصوير


    “بيلوك” يحدثني عن الضوء، ويشرحُ لي
    كيف أستخدمُ الظل، كيف أملأ الإطارَ
    بالأشياء- كل جزءٍ في موقعِه الحسّاس.
    أغتبطُ للسحرِ الكامنِ في كل هذا-
    کریستالٌ فضي مثل عناقيد نجومٍ
    مرصوفة في فيلم. في النيغاتيف
    يظهرُ العالمُ بأسره مقلوباً،
    ثوبي الأسود يصيرُ أبيض،
    وبشرتي تصبحُ سوداء، قاتمة.
    في الجانب الآخر.
    أفكّرُ بالأشياء التي أحاولُ إخفاءَها.
    أتبعه الآن، أراقبه كيف يلتقطُ الصور.
    أنظر إلى ما يمكن أن يراه عبر عدسته،
    وإلى ما لا يراه- أسماكٌ فضيّةٌ خلف الجدران،
    الندبةُ الصفراء لكدمة غائرة-
    أشياء أخرى هنا،
    أشياء لا يمكن للكاميرا أن تلتقطها.


    الصورة الأولى

    هاهنا، أبدو عفويةً، بل عشوائية،
    رغم أنني مازلتُ ملكةَ خبائي.
    لحظةٌ التُقِطت كأنما بالصّدفة
    صورٌ مائلةٌ على الجدران، جريدةٌ
    موضوعة فوق مشجب الثياب،
    قطعةُ حریرٌ باهتة تظهر من درجِ الملابس،
    قميصُ نومي مشدودٌ تحت كتفي الناصعين،
    جوارب سوداء، فستانٌ مفتوح الصدر،
    ساقان متصالبتان بسهولة كأنهما ساقا رَجُل.

    كل هذا متعمّد ومُدّبر، باستثناء الطريقة
    التي بدت فيها الجدران المُزهرةُ في الخلفية
    تقترب مني وأنا ماثلة أمام العدسة،
    يدي موضوعةٌ بيُسر على ركبتي،
    مع إصبعٍ واحدةٍ مرفوعةٍ باتجاه الكاميرا-
    إشارةٌ قبل الكلام، قبل نطقِ الكلمة الأولى. 


    الصورة الثانية 

    أقفُ عاريةً، في وضعية مائلة، من أجل هذه الصورة،

    ذراعي اليمنى خلف ظهري، والأخرى مسبلة إلى جانبي.
    جالسةً، أرفع ذقني قليلاً، ظهري مشدود إلى الأعلى،
    أشعر أن عظام عمودي الفقري تكاد تنفصل،
    عنُقي يستطيل مثل طيفٍ مسائي. حين أرى هذه اللوحة،
    أحاول أن أسترجعَ ما كنتُ أفكر به –

    كيف أنني لا أريد أن أنكشف، رغم أنّني عارية،
    كيف أنني أرتدي بشرتي كثوبٍ بلا ثنيّات.
    “بيلوك” يظن أنني أصلُحُ للكاميرا،
    ويواظب المجيء إلى غرفتي.
    يقول: هذه اللوحاتُ هشَّة.
    ويشرحُ لي كم من السهل
    تمزيق هذه الصورة التي هي أنا،
    وكيف أن حكاً سريعاً
    قد يحفرُ جرحاً فوق صدري.


    *نص: ناتاشا تريثوي
    *ترجمة: عابد إسماعيل
    *المصدر: ديوان الشعر الأمريكي الجديد – دار المدى




  • زهرةُ السّلامِ (مختارات) – ويليام بتلر ييتس – ترجمة: ملاك أشرف

    زهرةُ السّلامِ (مختارات) – ويليام بتلر ييتس – ترجمة: ملاك أشرف

    زهرةُ السّلامِ

    إذا كانَ ميخائيلُ
    هو زعيم الضّيافةِ عندَ الإله
    في لقاءِ النّعيم والجحيم
    فسينظرُ إليكِ من باب السّماءِ
    حينها سوف ينسى أعمالهُ.

    لا مزيدَ من التّفكيرِ بالحروبِ
    في البيت الإلهي
    فهو سوف يذهبُ
    إلى نسجِ النّجومِ
    طوقًا لرأسكِ.

    وكُلُّ النّاسِ سيرونهُ ينحني
    والنّجوم البيضاء ستتكلّمُ بمديحه.

    سيأتي أخيرًا إلى مدينةِ الإله العظيمة
    ذات الطّرقِ اللّطيفة.

    يطلبُ أن يوقفَ الإله الحروبَ
    قائلًا:
    إن كُلَّ شيءٍ على ما يرامُ.
    صانعًا السّلام الورديّ
    أيّ سلام الجنّةِ والجحيم.


    سقوط الأوراق

    الخريفُ يلامسُ الأوراقَ الطّويلة الّتي تحبُّنا
    وتلكَ الفئران في حزمِ الشّعير،
    صفراء كانت أوراقُ الرّوانِ في الأعلى
    وصفراء الأوراق البريّة الرّطبة-أوراق الفراولة- هُناك.

    تُحاصرُنا السّاعةُ، الّتي يتضاءلُ فيها الحُبُّ
    مُتعبةً وباليّةً أرواحنا الحزينة الآن
    دعينا نربتُ هُنا قبل أن يتلاشى موسم العاطفة
    مع قبلةٍ ودمعةٍ تتدلى على جبينكِ.


    بعدَ عامينِ

    لَم يقل أحدٌ
    بأن تلكَ العيون الجريئة اللّطيفة
    يجب أن تتعلمَ أكثر
    أو يحذرُها من اليأسِ
    كما يشعرُ بهِ العث عندَ الاحتراقِ.

    كانَ بإمكاني تحذيركَ
    إلّا أنك صغيرُ السّنِّ
    وبذلك سنتكلّمُ نحنُ لُغةً مُختلفةً.

    سوف تتقدّمُ وتأخذُ أيًّا كانَ
    وتحلمُ أن العالمَ كُلّهُ صديقكَ
    وتعاني كما عانت والدتكَ!

    ستكون مكسورًا في النّهايةِ
    وستبقى صغيرًا في السّنِّ وأنا كبيرٌ
    وأتحدّثُ بلسانٍ بربريّ.


    *نص: ويليام بتلر ييتس
    *ترجمة: ملاك أشرف

  • انتقام – عقل العويط

    انتقام – عقل العويط

    في باب المعرفة المطلقة. ولا معرفة. قد يكون ما أعنيه في باب الشعر. وهذا لا يؤخذ بعلم ولا بشيء.

    لا تعرفين من أفكار جسدي إلَّا قليلَ نثرها وشعرها، ومن أوجاع بيوتي إلَّا وعودَ جمرها، ومن أرضي إلا توجّسَ البراكين. وهذه مدعاةٌ لعتمة. تعرفين فقط أني غيومكِ لأنَّكِ تدرسين الجبال والأنهر وغيبوبة الأودية. وهذه طبعاً لا تكفي. ومن نظرةٍ أولى على غرار من وصمتهم صواعقُ النوم. وبلا سببٍ علميّ لأني وأنتِ لعنتا آلهة. وتعرفين أني الشاعر المرئي وغير المرئي وأني بما يكفي لأطالب الكلمات بصرخات الجنين. وتعرفين أني لستُ نبياً وإنما أسبق حلكةَ يديّ لأقودهما إليكِ. ولستُ صانع غابات لكنّي أرفع روح النباتات إلى لهاثها. ولستُ مديحاً لحرية وإنما أفتح الحدود على هواجس الجغرافيا. وهذه كلها تجعلني عصفوراً ولا سماء، وشجرة سرو ولا هواء، وهاويةً للوقوع ولا قعر. تعرفين أني أحبكِ وغداً. وهذا طبعاً لا يكفي، وإذا كنتُ أسفح أحداً فأقداري لأنَّها مكتوبة. وإذا كنتُ أسفحها فلأنتقم لماضيَّ وحياتي، لأنكِ لم تكوني. وهذه طبعاً لا تكفي.


    تعرفين فقط أني أرى من شدة ما أراكِ، وأنمو من فرط نموكِ فيَّ، وأتكلم صحيح اللغات من فرط إصحاحكِ وصحيح لغاتكِ. وتعرفين أنكِ تجوّعين نمور غاباتي. وهذه طبعاً لا تكفي.


    لكنكِ لا تعرفين أني مصاب وأن الأقواس النشَّابة جمعتني فصرتُ لا سهولاً من قمح لكن سهولاً من سهامك علي.

    لا تعرفين مثلاً أن إصابتي عميقة وأن أنصالكِ تخترق، وأن شفاء منها لن يكون ممكناً خلال هذه الحياة، وإن بمعجزة. لا تعرفين أني أريد هذه الإصابة مثلما أريد طفولتي، وأني أطالب بها مثلما أطالب بحياتي قبل الولادة.
    أنتِ لا تعرفين مثلاً أن عودتي إليَّ مستحيلةً لأن لا طريق بعد الآن إلى شخص كان أنا في أحد الأيام.


    لا تعرفين مثلاً أن مياهك مُسمَّمة. أقول وأعني مياهاً أشربها فوَّارة من أعمق آبار فتنتكِ. ومياهاً تتحدر من شاهق مرور شتائكِ فوق الجبال. أذكر المياه وأعني أن سمومكِ قد لقَّحت غرائزي وغيّرت دمي وأهلكت صنوف الموت السلبي في لغتي، وأنّها بلغت مني مبلغ الموت وأنا على قيد الحياة.

    أنتِ لا تعرفين مثلاً أن الهواء… وأن عينيّ وأن يديّ وأن قوايَ الحية وأن النوم وأن الفجر وأن الظهيرة وأن الدغشة وأن منتصف الليل وأن الأفق وأن جروحي وأن الموسيقى وأن الطبيعة وأن الفن وأن أحفادي وأولادي وأن مرور الأفكار في الغيم وأننا جميعنا مصابون بكِ.
    أنت لا تعرفين مثلاً أن غداً مُسمَّمٌ بكِ. لا غدي فقط لكن غدَ يومِ غدٍ أيضاً ومثلاً وبالطبع.

    أنتِ لا تعرفين إلا القليل. وهذا صحيح تماماً ومدعاةٌ لعتمة.
    تريدين أن تعرفي المزيد، وأيضاً؟
    خذي عدد الأنفاس وعدد نبضات القلب وخذي أعمار موتي الإيجابي في النهار وأعمارها في الليل وأعمارها عندما أغضب وأعمارها عندما أغتبط وأعمارها عندما أحلم وأعمارها عند الكوابيس وأعمارها عندما أكتب وأعمارها عندما أكتم وأعمارها عندما أجيء وأعمارها عندما أسلّم الروح وأسرّح القَتيل.
    أنتِ لا تعرفين إلا القليل القليل وهذا صحيح تماماً وضروريّ تماماً ولا بُدّ.


    أنتِ لا تعرفين أنّه أجمل للحبّ أن لا تعرفي لكنكِ تفتحين القفص أمام الغابة وتبدأين المعرفة.
    عزاؤكِ أنكِ ستعرفين، وانتقامُ الشعر أنكِ لن تعرفي.


    *نص: عقل العويط
    *من ديوان: إنجيل شخصي

  • قصتان للكاتب الأوروغوياني (ماريو لفريرو) – ترجمة: مريم الدوسري

    قصتان للكاتب الأوروغوياني (ماريو لفريرو) – ترجمة: مريم الدوسري

    بلا رجعة


    عشتُ وحيداً، مع الكلب كامبيون، حتى بدأ وجوده يضايقني. أخذته إلى الغابة، وتركته مربوطاً بحبلٍ كان بإمكانه بقليلٍ من المثابرة أن يقطعه وأن يعود إلى البيت.
    لم يكد يومان ينقضيان حتى وجدته يخرمش على الباب، فتركته يدخل.
    حين أصبح الوضع لا يطاق، أخذته إلى غابة أبعد، وربطته إلى شجرة بحبلٍ أثخن (مدركاً أن العلّة ليست في الحبل، بل في وفاء هذا الحيوان. تمنيتُ سراً ألا يفك وثاقه هذه المرة وأن يموت جوعاً).
    عاد بعد بضعة أيام.
    أدركتُ بأن الكلب سيعود دوماً، لكني لم أجرؤ على قتله خوفاً من تأنيب الضمير. اعتقدتُ أنني وإن تمكنتُ من إضاعته بلا رجعة في غابة أكثر بعداً، سيكون عليّ أن أعيش في خوفٍ دائم من عودته، ليؤرق بها نومي وينغص عليَ مسراتي، سيكبلني غيابه بأشد مما قيدني حضوره.
    بالكاد راودتني لحظة شك وأنا أقف أمام عظمة الغابة التي ارتفعت أمام ناظري- ظليلة، مجهولة، مستكينة. بعزمٍ، مضيتُ أسيراً متوغلاً نحو العمق حتى أضعتُ نفسي.


    الحديقة


    لم نكن لنتوصل إلى اتفاق حول مساحة الحديقة، وإن كنا اتفقنا بالفعل على أن مساحتها، من حيث ترى من الرصيف، أو من الممشى الذي يقسمها نصفين وصولاً إلى المنزل، تُقَدَرُ ببضعٍ وثمانين كيلومتراً مربعاً (ثمانية أمتارٍ في عشرة). إلا أن الجدل لا يبدأ إلا في اللحظة التي يتوغل المرء في أحراش الحديقة، عبر لبلابها ونباتاتها التي لا تزهر، يخطو بين حشراتها ودروب النمل، وبين نباتاتها المعترشة وسراخسها العملاقة وأشجار اليوكالبتوس المتطاولة التي تُسَرِّب، كلما تقدم المرء خطوة، أشعة الشمس، ماضياً بين آثار الدببة وثرثرة الببغاوات، والأفاعي المندسة في الأغصان، تلك التي ترفع رؤوسها بالفحيح حين نمر بالقرب منها، مغالباً حَرِّها الذي لا يطاق، والعطش والعتمة، وزمجرة الفهود. نَشقُ الطريق بمنجلٍ عبر الخضرة المغوية، بقبعاتنا وجزمنا العالية، في الليل والرطوبة والخوف، دون العثور على مخرج، دون العثور على مخرج.


    *نص: ماريو لفريرو (1940-2004) كاتب من الأوروغواي صدرت له العديد من الروايات، مجموعات من القصص القصيرة، والكتب المصورة.
    *ترجمة: مريم الدوسري

  • بكلا القلبين أحبكِ (من الشعر الكردي) ـ زكريا شيخ أحمد ـ  ترجمة: ماجد ع  محمد

    بكلا القلبين أحبكِ (من الشعر الكردي) ـ زكريا شيخ أحمد ـ  ترجمة: ماجد ع  محمد

    عندما لا تكونين موجودةً
    من رُعب الواقع
    أتلفتُ للخلفِ ألفَ مرةٍ
    وللأمامِ أنظرُ ألفَ مرة
    عندما تكونين قِبالي
    أغدو صخرةً قوية
    وبكامل هدوئي
    أغفو على صدر الأرض.



    Ger tu tune bî
    Ji sawa ketwar
    Hezar carî li paş xwe dizîvirim
    û hezar carî li pêşiya xwe dinêrim
    lê dema tu li hember min bî
    dibim hîmekî hêzdar
    û bi hemî hêminiya xwe
    li ser sîngê zemînê xilmaş dibim


    ليسَ بالأقدامِ
    ولا بوسائلِ النقلِ
    أصلُ إلى المكانِ الذي أريد
    إنما بالإرادة.


    Ne bi lingan
    ne jî bi amûrên veguhestinê
    digihînim cihê ku dixwazim
    Lêbelê bi vîna xwe


    لعينيَّ مدىً محدود
    لكنَّ رؤيتي بلا حدود.


    Delîva Çavê min sînordar e
    Lê nirîna min bê sînor e


    لا أحلمُ أنْ أحلّقَ في السماءِ
    حلمي أنْ أحلّقَ في داخلي.


    Ne xewna min e ku li asîman bi banî kevim
    xewna min ew e ku di hundirê xwe de bifirim


    عندما أرى ضحكةَ حبيبة قلبي
    تخرجُ من جروحي الورودُ والنرجس
    دموعي تسقيهم حتى تتفتح
    من أجلِ ذلكَ أحبُّ جداً جروحي
    وأحبُّ كثيراً دموعي.


    Gava kenê evîna dilê xwa dibînim
    Ji birînên min gul û nêrgiz derdikavin
    hêsirên min wan avdidin heyanî ku dipişkivin
    Ji bo wê yekê ez pir ji birînên xwe hez dikim
    û gelekî ji hêsirên xwe hez dikim


    قالَ لي رجلٌ عجوز:
    فجر غدٍ
    سيتحولُ يومُكَ هذا
    إلى ذكرى
    فحاولْ حاولْ
    أنْ تمضيّ يوماً جميلاً
    كي تصبحَ لديكَ
    ذكرى جميلة.


    Kalekî gote min: bi berbanga sibê re
    ev roja wê bizîvire û bibe bîranîn
    lewra bizav û hewldanê bike
    ku tu rojek xweş derbas bikî
    da ku tu bibî xwedanê
    bîranînek xweş


    يدٌ بيضاء امتدَتْ ذاتَ حلمٍ
    زرعَتْ بجانبِ قلبي
    قلباً آخرَ
    منذُ ذلكَ الحلمُ
    وأنا بكلا القلبين
    أحبُّكِ.


    Di xewnekê da destekî spî dirêj bû
    li tenişta dilê min
    dilekî din çand
    ji wê xewnê da
    ez bi herdu dilan ji te hez dikim


    في وطني
    لم يتبقَّ
    جدرانٌ
    نعلّقُ عليها
    صورَ الشهداء.


    Li welatê min
    ti dîwar neman
    ku em wêneyên pakrewanan
    pê ve daliqînin


    أياميّ البيضاء التي وضعْتُها
    في جيبِ بنطاليَّ الأسودِ
    لأبيعَها وأشتريّ عدةَ أرغفة
    ما من أحدٍ دفعَ فيها سنتاً
    أعطاني الفرانُ رغيفاً بائتاً
    وقالَ لي:
    احتفظْ بأيامِكَ
    واعتبرِ الرغيفَ صدقة.


    Rojên min yên spî
    Yên ku min xistine bêrîka pantolonê min î reş
    da ku ez wan bifroşim
    û çend nanan bikirim
    Kesekî tek sintek jî tê neda
    nanpêj nanek sar da min
    û bi min re got:
    Rojên xwe biparêze
    û nên jî wek sexde bibîne.


    لا وجودَ لشيءٍ اسمُهُ الفراغُ
    الفراغُ ممتلئٌ دائماً
    مرةً طعنْتُ الفراغَ
    فغمرَتْني الدموع
    وكي أتأكدَ أنّ ما أراهُ ليسَ مجردَ حلمٍ
    طعنتُهُ مرةً ثانيةً
    فغمرَتْني هذهِ المرةَ
    دماءُ الأبرياء
    منذُ ذلكَ الوقتِ
    وكلما انتابَتْني رغبة قوية بالطعنِ
    أطعنُ نفسيَّ بدلاً من الفراغ.


    Tiştekî bi navê valahiyê tune ye
    Valahî her tim tijî ye
    carekê min kêrek li valahiyê xist
    hêsir li min barîn
    û ji bo ku ez piştrast bikim ku tiştê ku ez dibînim ne tenê xewnek e
    dîsa min lê xist
    vê carê
    xwîna bêgunehan da ser min
    ji wê demê û vir ve
    her carê ku xwestekek min a xurt heye ku bi kêran bicî bînim
    li şûna valahiyê ez li xwe dixim


    نصوص الشاعر: زكريا شيخ أحمد
    ترجمة عن الكردية: ماجد ع محمد
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    الشاعر زكريا شيخ أحمد من مواليد قرية معراته التابعة لمنطقة عفرين السورية 1972 تخرج من كلية الحقوق في جامعة حلب 1999 مارس مهنة المحاماة لغاية 2012 وأواخر عام 2014 غادر سوريا، وهو منذ عام 2015 مقيم في ألمانيا، صدر له حتى الآن مجموعتين شعريتين باللغة العربية إحداها تحت عنوان: “ضوء هناك” والأخرى بعنوان “اجتياز” وتُرجمت المجموعة الأخيرة إلى اللغة الألمانية فيما نُشرت روايته الأولى “حدث في الشمال” في مصر هذا العام 2022.

  • بريد المدينة (هايكو) – عبير فتحوني

    بريد المدينة (هايكو) – عبير فتحوني

    تحت أشعة الشمس
    يحضن الفلاح محاصيله بدفءٍ
    لتصحو



    توقفَت،
    الساعة التي وضعتها أمام صورتك



    كلما مررتُ بجانب منزلنا القديم
    بقوةٍ أمسكتُ يدي
    تلك التي تعودتْ على الطَّرق



    في المرآة،
    أراك
    أنا التي تحثُ نفسها على هيئتك



    في الظل،
    صورة الرفيق
    التي تعودت المشي بجانبه


    المعطف في الخزانة،
    لازال ينتظر الشتاء
    منذ أن رحل جدي



    من نافذة الحافلة،
    أجمع الوعود،
    التي تركناها على كراسي المدينة



    كلما أراد المتشرد النوم
    تمنى لو انطفأت المدينة



    سائق متقاعد،
    يجلس في المحطة
    ينتظر نفسه



    يدي
    التي لم تستطع إسكات عقلي
    تجرني كل ليل إلى المكتب



    اللافتة التي تحمل اسم ” الحرية “
    استعمرتها الحمامات الهاربة


    على أربع أرجل
    يعلم الكلب
    الأنحاء للمتسول



    اللافتة فارغة
    وجهكَ، وحده
    كافي للفت الانتباه



    فُرجة في الشارع
    رجل بائس
    يبيع نفسه للضحك



    بجلبابه يمشي كل صباح
    في الحي الفرنسي
    معلنا الاستقلال



    على أسلاك الكهرباء
    تعلم الطيور
    النظام لأهل المدينة


    *نصوص: عبير فتحوني

  • القصيدةُ حين تتطهر – حميد طيبوشي – ترجمة: وليد السويركي

    القصيدةُ حين تتطهر – حميد طيبوشي – ترجمة: وليد السويركي

    أرسم ولكن لا شيء محدّدًا أقوله،

    غير أنّي لا أكفّ عن الرسم

    ربّما لألتقط بدقّةٍ ما يدفعني للرسم

    أو لئلّا تُردم الهوة التي تفصلني عن الموت؛

    بل أظنّني أرسم كي أبقى حيّاً

    شأني شأن جنديّ الحراسة الذي يذرع  ليلاً

    المائة خطوة

    كي يبقى متيقّظاً.

    ***

    اللوحة  ملقاة على الأرض

    أدوسها تارة وأدور حولها تارة أخرى،

     وقد أبدو أحياناً بهيئة من يصلّي

    ربما كان الرسم في جوهره

    طريقتي في الصلاة.

    ***

    حين تنسج العنكبوت لوحتها

    هل تشعر بالمتعة يا ترى هل تتألم؟

    وإن كانت تفكر، فبِمَ؟

    هل يحدث أن يصيبها السأم،

    هل تشعر بالنّدم؟

    ***

    أن تكفَّ عن كتابة قصائد عن الفراشات

    أن لا تثقلها بعدُ

    بكلماتٍ لا طائل منها.

    ***


    تلك المرأة المجهولة

    الجالسة في طرف مائدة في هذا المقهى الكئيب

    اجتازت لتوّها البحر

    وعلى وجهها

    وجوه كلّ أطفال بلادي الموتى

    وأولئك الذين ما  ولدوا بعد

     وسيموتون.

    ***


    مغلقٌ  منذ اليوم

    الباب الصغير الذي كان

     ينفتح فيما مضى

    على ذرّة من يقين.

    ***

    البحر في قلب الضباب ليس بحيرة

    أوراق الشجر الميتة ليست طيوراً       

    لكن

    لا شي يمنع أن نصدق أنّها كذلك.

    ***

    مطرُ الشتاء

    أغصان شجرة التفاح العارية

    مثقلةٌ باللآلئ.

    ***

    عصفورّ صغير، بوزن الرّيشة

    فوق الغصن المرتعش

    الشجرةُ حيّة حقّاً.

    ***


    اللحظةُ معلّقةٌ على حبل الغسيل

    حيث حطّ طائر للتوّ

    ذرقٌ أبيض بمثابة فاصلة،

    ثمّ الزمن، كاسر الجوز ذاك،

    يواصل التحليق.

    ***

    يحدث أن تهرب القصيدة

    من الكلمات إلى اللوحة

    وعندها تتطهّر.

    ***

    شجرة التفاح

    منتصبة بعُريِها البسيط

    في قلب الضوء البارد

    أغصانها عروقٌ

    لورقة السماء شبه البيضاء.

    ***

    لا يسعنا أن نرى أو أن نسمع

    صمت الكلمات البيض

    فوق الصفحة البيضاء

     ولكن

    أيّ صخبٍ في الأعماق!

    ***


    خيطٌ يربطني بطفولتي:

    سلكٌ شائك.


    ***


    في الصبح، حين أصحو

    أفتح الباب- النافذة  من جهة الحديقة

    أُدخِل الحديقة، أدعو شجرة التفاح إلى مائدتي

    أرسم مثرثراً مع الشجرة، متنشقاً عطر الأرض النديّة،

    على حافة الكرسيّ        

    يزقزق الشحرور

    محتفياً بالنهار الجديد.

    ***


    يدخل البهلوان الأول

    يضجّ جمهور القاعة بالتصفيق لحركاته البارعة

    -باستثناء رجلٍ واحد

    يدخل البهلوان الثاني           

     يفوته الإمساك بالكرة

    فيصيح الجمهور مستهجناً-

     ما عدا  الرجل ذاته،

    الذي يقف له مصفّقاً.



    *نص: حميد طيبوشي (شاعر وفنان تشكيلي جزائري)
    *ترجمة: وليد السويركي

  • هبوب الجسد (مختارات) – نوري الجراح

    هبوب الجسد (مختارات) – نوري الجراح

    هبوب الجسد

    كلُّ هذا الليل
    من الغرفة حتى البحر
    مليء وعميق
    لأسماعي الطائشة
    بكاء الصرصار
    وضجيج المحرك
    العلامتان الفارقتان
    في جبهته العريضة.


    كل هذا الغموض
    في طريقة استلقائكِ
    في انعدام التنفس
    في الوداعة المرفرفة
    في عزم التباعد
    ولا نهائية التلاقي
    من أنتِ؟
    كلانا يعرف
    وكلانا يضغط على شفته
    بصفٍ من أسنانه الضاحكة
    تاركاً لحفنة من قلبه
    سبيل التلاشي.


    كل هذا الليل
    مليء وعميق
    من مضجعي إلى مياهكِ
    حيث تلعب الأسماكُ
    وتتمايل أعشاب حياتكِ القصيرة
    في هبوب الجسد.


    في الحياة والموت

    في الحياة وفي الموت
    أُحبُّكِ
    أنتِ سطوةُ اليقظةِ
    تمرُّدُ القلبِ
    فوضى اليوم الأبدي
    الأشياءُ في التبدُّل.


    في الحياةِ وفي الموتِ
    في نَزَق الجُنون
    وفي برهات الظلمة عندَ شُرفَةِ العدم
    أحبُّكِ
    وفي الشارع المقْفل بالحجارةِ والجند
    وعلى مفترق الحَيرَةِ
    أحبُّكِ.

    القمرُ
    بقلبٍ وحيدٍ
    يدخلُ كلَّ الغرف
    وأنا
    لن أستطيع
    بحياةٍ واحدةٍ
    أن أُحبَّكِ.

    وبرُوحٍ أولى، برُوحٍ أخيرةٍ، أُعطِيتُ
    أَفرُطُ ورداتِها وأمتلكُ الأبد.

    في الحياةِ وفي الموت
    في حدائِق الكراهيةِ وفي اليوم المريبِ
    وعندما يقطُفُ البَشَرُ ورودَهم المسمومة
    ويتبادلون الفؤوسَ والرصاصَ والطعنات
    أُحبُّكِ.

    في الحياةِ وفي الموت
    وفي اليقظةِ المريرة.


    ظلال


    هب أنني هنا، ممدد على سريري
    في وحـدةٍ أخيرةٍ
    عيناي وردتان
    مقطوفتان منذ ليلة ويوم
    هب أنني إلى الصباح
    أبقى
    أطيع كل نأمةٍ
    والشمس تغمر الطريق
    والضوضاء
    والميتون يصخبون في الظلال
    وفي المساء
    هب أنهم جاءوا وكسروا الباب
    حينئذ، هل أستطيع
    أن أترك السرير
    لأصنع القهوة للضيوف؟!


    على رؤوس أصابعهم

    الموتى يستيقظون
    ويذهبون إلى الشبابيك
    العتمة ما زالت
    يضيئون الأنوار
    ويتخذون لأنفسهم عروشاً صغيرة في الغرف
    يفكرون بأصوات عالية
    يبتسمون لجاجمهم في المرايا
    يتجاورون
    ويتهامسون
    في اكتشاف كليّ الغبطة
    للدم، يتردد في القنوات.


    *نص: نوري الجراح
    *من كتاب: مجاراة الصوت ورجل تذكاري

  • شيئان بقيا منكِ (من الشعر الكردي) – إحسان بيركول – ترجمة:  ماجد ع  محمد

    شيئان بقيا منكِ (من الشعر الكردي) – إحسان بيركول – ترجمة:  ماجد ع  محمد


    حفنةُ رملٍ أنا

    على ضفاف عينيكِ

    كرمى لله

    لا تبكي

    لكيلا أنهار


    Ez mistek qûm im 

    Di peravên çavên te de

    Ji bo xwedê

    Tu negrî

    Da ku ez neyêm xwarê


    وهبتكِ بحارَ قلبي 

    وأنتِ نَهلتِ من غُدران الآخرين


    Min deryaya dilê xwe pêşkêşî te kir

    Te jî ji delavê xelkê av vexwar


    أنتِ غزالةٌ سريعة العدوِ

    وأنا أسدٌ جريح 

    ففي كل خطوةٍ من خطواتك تؤلمني جراحي


    Tu: Karxezaleke çargavî

    Ez: Şêrekî birîndar

    Di her gava te de birînên min diêşin


    شيئان بقيا منكِ

    جرحٌ عميق

    وطريقٌ طويل


    Tenê du tişt ji te mabûn 

    Birîneke kûr 

    Û Rêyeke dûr


    كل ذهابٍ

    بُشرى للإياب

    وكل مجيء

    تهيؤٌ للمغادرة


    Her çûyîn 

    Mizgîniya hatinê ye

    Her hatin

    Avakara çûyînê ye


    إلى أن يغدو المرءُ سعيداً

    إما ينحني ظهره

    أو رأسه


    Mirov heyanî ku dibe bextewar

    Yan pişt xûz dibe

    Yan jî stûxwar


    قاربٌ متعبٌ أنا

    على ضفاف مُقلتيكِ

    يسحبني البحر نحوه

    وعيناكِ نحوهما


    Keştiyeke westiyayî me

    Di peravên çavên te de

    Derya ber bi xwe dikşîne

    Çavên te jî ber bi xwe


    نصفُ عمري 

    زُهق في انتظاركِ

    والباقي منه

    ابتلعه ذهابُكِ


    Nîveka temenê min 

    Bi bendewariya te çû

    Temenê mayî jî 

    Çûyîna te xwar


    ليس مقصدي وغايتي 

    رؤية عينيكِ

    إنما رؤية قلبي

    في عينيكِ


    Qest û mebesta min

    Ne dîtina çavên te ye

    Di çavên te de

    Dîtina dilê xwe ye


    أنا أيضاً وددتُ أن أحكي لكِ عن الفرح

    ولكن لا هذا المكان صار ربيعاً

    ولا نحن غدونا سعداء


    Min jî dixwest ji te re qala şadiyê bikim

    Lê ne ev war bû bihar

    Ne jî em bextewar


    أطلقَ آهةً عميقة وقال:

    لم نصبح لبعضنا أحبَّاءْ

    على الأقل ألا نصبح أعداءْ


    Kûr keserek kişand û got:

    Em ji hev re nebûn yar

    Bikêmanî em nebin neyar


    الهمُّ:

    يُسقط المرءَ

    يؤلمهُ

    ويطحنهُ


    Xem:

    Mirov dixe

    Diêşîne

    Û dihêre




    *نص: إحسان بيركول
    *ترجمة عن الكردية: ماجد ع  محمد

  • عشتُ شحَّاذةً (من الشعر الروسي)  – آنا أخماتوفا – ترجمة: حسب الشيخ جعفر

    عشتُ شحَّاذةً (من الشعر الروسي) – آنا أخماتوفا – ترجمة: حسب الشيخ جعفر

    في الحلم

    لا فرق في أن أتحمل معكَ
    فراقاً أبدياً وأسود.
    فيم بكاؤك؟ أعطني يدكَ
    وعدني أنَّك ستزورني في الحلم ثانية.
    معاً نحن كالشقاء مع الشقاء..
    لا لقاء لي معكَ على الأرض.
    يكفي أن تبعث لي بتحيتكَ
    عبر النجمة كلَّما انتصف الليل.


    الكلمة الحجريَّة

    وسقطت الكلمة الحجريَّة
    على صدري الذي لم يزل حياً.
    لا بأس. كنتُ أنتظر هذا،
    وسأتغلب عليه.

    لديّ اليوم مهام عديدة:
    ينبغي أن أقتل ذاكرتي تماماً،
    وعلى روحي أن تتحجَّر
    وأن أتعلم العيش من جديد. 

    لا بأس.. هو ذا الصيف عبر النافذة
    بحفيفه الحار أشبه بعيد.
    منذ زمن وأنا أتوقع
    هذا المنزل المقفر والنهار الوضيء.


    لا أمتلكُ مزاعم خاصَّة بي

    لا أمتلكُ مزاعم خاصة بي
    تجاه هذا المنزل المتألّق،
    غير أن ما جَرَى هو أنَّني عشتُ حياتي كلّها تقريباً
    تحت السقف الشهير
    لقصر النافورة هذا..
    شحَّاذة دخلته وشحاذة سأخرج منه.



    وكنت تظن أنني كالأخريات

    وكنت تظن أنني كالأخريات
    يمكن أن أنسى،
    وأنني سأرتمي متوسلةً، منتحبةً
    تحت حوافر جوادك الكُمَيت. 

    أو أنني سأسأل الساحرة
    كعباً من من ماء تعويذتها
    وأبعث إليك بهدية مرعبة:
    منديلي المعطر المكنون.

    لتكن ملعوناً. لن أمس روحك اللعينة
    بآهة أو بنظرة.
    إنما أقسم لك بالحديقة الملائكية،
    بالأيقونة العجائبية أقسم
    وبدخان ليلتنا الملتهب الخانق
    أنني لن أعود إليكَ في أيما يوم.


    وحدة 

    لكثرة ما رُميتُ بأحجارهم
    لم أعد أخشى أياً منها.
    وغدا الفخ برجاً أهيفَ
    عالياً بين الأبراج العالية.
    شكراً لمن بناه،
    ولتعبِّر عنه الهموم والأحزان.
    من هنا كنتُ أرى الفجر
    وهنا كان يحتفلُ آخر أشعة الشمس..
    غالباً ما تجيءُ رياحُ البحار الشمالية
    طائرةً إلى نوافذ غرفتي،
    ويلتقط اليمام الحنطة من يدي..
    وأن صفحة لم أكتبها بعد
    ستكتبها اليد الإلهية الخفيفة
    يدُ ربَّةِ القصيدِ السمراء الهادئة.


    *نص: آنا أخماتوفا
    *ترجمة: حسب الشيخ جعفر
    *من كتاب: مختارات من الشعر الروسي

  • الفيلسوف – شيرْوُود أندرسن – ترجمة: علي المجنوني

    الفيلسوف – شيرْوُود أندرسن – ترجمة: علي المجنوني

    كان شيخاً ذا لحيةٍ شيباء وأنفٍ ضخم ويدين كبيرتين. وكان قبل أن نعرفه بوقت طويل طبيباً يذرع شوارع ونسبيرگ في ولاية أوهايو من منزل إلى آخر ممتطياً جواداً أبيض ضامراً. تزوج في وقت لاحق من فتاة ذات مال. ورثت بوفاة والدها مزرعة خصيبة كبيرة. كانت الفتاة هادئة وطويلة وسمراء، وعدّها كثير من الناس في غاية الجمال. تساءل الجميع في ونسبيرگ عن سبب زواجها من الطبيب. وفي غضون عام من الزواج توفيت.

    كانت براجمُ الطبيب كبيرة على نحو استثنائي. فعندما يقبض يديه تبدو البراجم كأنها عناقيد من كرات خشبية غير مصبوغة بحجم الجوز تنظِمها قضبانٌ فولاذية. كان يدخّن غليوناً، وبعد وفاة زوجته جعل يجلس طوال اليوم في مكتبه الفارغ قريباً إلى نافذةٍ تغطيها أنسجة العناكب. لم يكن يفتح النافذة قط. حاول ذات مرة في يوم حار من شهر أغسطس، غير أنّه وجد النافذة عالقة، ثم نسي الأمر برمّته بعد ذلك.

    نسيتْ ونسبيرگ الرجل العجوز، لكن كانت في الدكتور ريفي بذور شيء ما. لقد كان يعمل وحده بلا كلل في مكتبه المتعفن في مجمع هيفنر، فوق متجر شركة البضائع الباريسية الجافة، ليبني شيئاً دمّره هو بنفسه. نصب أهراماً صغيرة للحقيقة ثم بعد أن نصبها أطاح بها مرة أخرى حتى تكون لديه حقائق يحتاجها لنصب أهرام أخرى. 

    كان الدكتور ريفي طويل القامة ويرتدي من الملابس بذلة واحدة مدة عشر سنوات. اهترأت لدى الأكمام وظهرت عليها عند الركبتين والمرفقين ثقوب صغيرة. في المكتب كان يرتدي فوقها سترة من الكتّان ذات جيوب ضخمة واظب على حشو قصاصات الورق فيها. بعد بضعة أسابيع تغدو قصاصات الورق كرات صغيرة مستديرة صلبة، وحين تمتلئ بها الجيوب يلقى بها على الأرض. ما كان لديه طوال عشر سنوات سوى صديق واحد، وهو شيخ آخر يدعى جون سپانيارد ويمتلك مشتل أشجار. أحيانا يُخرج الطبيب العجوز ريفي من جيوبه حفنة من الكرات الورقية ويلقي بها على المشتل في مزاج مرح. يصرخ وهو يهتز ضاحكاً: «إنما أربكك بها أيها العجوز العاطفي المبتهج.»

    قصة الدكتور ريفي وتودده إلى الفتاة السمراء الطويلة، التي أصبحت فيما بعد زوجته ثم أورثته أموالها، قصة مثيرة للفضول. إنها لذيذة مثل التفاح الصغير الملتوي الذي ينمو في بساتين ونسبيرگ. يمشي المرءُ خريفاً في البساتين والأرض الصقيعية تحت أقدامه صلبة. التقط الجُناةُ التفاح من الأشجار. لقد وُضع في براميل وشُحن إلى المدن حيث يُؤكل في شقق مليئة بالكتب والمجلات والأثاث والبشر. لا يوجد على الأشجار سوى عدد قليل من التفاح المعقود هجره الجناة. يبدو مثل براجم الدكتور ريفي. يقضم المرء منها فإذا هي لذيذة. تجمّعت في بقعة دائرية صغيرة من جانب التفاحة كل حلاوتها. يركض المرء فوق الأرض المتجمدة من شجرة إلى شجرة ويقطف التفاح المعقود الملتوي مالئاً به جيوبه. قلة هم أولئك الذين يعرفون حلاوة التفاح الملتوي.

    بدأت الفتاة والدكتور ريفي توددهما أحد أيام الصيف بعد الزوال. كان يبلغ من العمر خمسة وأربعين عاماً آنذاك، وكان قد بدأ ممارسة ملء جيوبه بقصاصات الورق التي تصبح كرات صلبة ثم تُقذف بعيداً. تشكلت هذه العادة عندما كان يجلس في عربته خلف الحصان الرمادي المتعثر ويسير ببطء على طول الطرق الريفية. على الأوراق كانت تُكتب أفكار، ونهايات أفكار، وبدايات أفكار.

    أنتج عقل الدكتور ريفي الأفكار واحدة تلو الأخرى. من بين العديد منها شكّل حقيقة نشأت وتضخمت في ذهنه. غيّمت الحقيقة فوق العالم. استحالت فظيعة فتلاشت ثم عادت الأفكار الصغيرة مرة أخرى.

    جاءت الفتاة السمراء الطويلة لرؤية الطبيب ريفي لأنها كانت ستنجب طفلاً وخافت. وجدت نفسها في هذه الحالة بسبب سلسلة من الظروف هي الأخرى مثيرة للفضول.

    لقد أفضى موت والدها ووالدتها وفدادين الأراضي الغنية التي آلت إليها إلى وجود رَتَلٍ من الخُطّاب يجري في أعقابها. مدة عامين ظلت ترى الخُطّاب كل مساء تقريباً. كانوا متشابهين جميعاً باستثناء اثنين. تحدثا إليها عن الشغف وكانت هناك رنّةُ لهفة متوترة في صوتيهما وفي أعينهما عندما ينظران إليها. لم يُشبه الشخصان المختلفان البقية. أحدهما، وهو شاب نحيف أبيض اليدين كان ابنًا لصائغ في ونسبيرگ، تحدث باستمرار عن العذرية. لم يكن حين يجلس معها ليخرج عن الموضوع أبداً. أما الآخر، وهو صبي أسود الشعر كبير الأذنين، فلم يقل شيئا البتة، لكنه دائماً ما يتمكن من إدخالها في الظلام حيث يُشرع في تقبيلها.

    طالما ظنّت الفتاة السمراء الطويلة أنها ستتزوج من ابن الصائغ. تجلس ساعات تصغي إليه في صمت وهو يتحدث، ثم بدأت تخاف من شيء ما. بدأت تعتقد أن وراء حديثه عن العذرية شهوة أعظم من شهوات الآخرين مجتمعين. بدا لها في بعض الأحيان أنه كان في أثناء حديثه إليها يمسك جسدها بين يديه. تخيلته يديره ببطء في اليدين البيضاوين ويحدّق فيه. في الليل حلمت أنه قد عضّ جسدها وأن فكّيه كانا يقطران دماً. رأت الحلم ثلاث مرات، ثم حمِلت ممّن لم يقل شيئاً على الإطلاق، لكنه في لحظة شغفه قد عضّ كتفها فعلاً حتى إن آثار أسنانه البادية بقيت هناك أياماً.  

    بعد أن تعرّفت الفتاة السمراء الطويلة على الطبيب ريفي تبيّن لها أنها لا ترغب في تركه مرة أخرى. دخلت مكتبه صباحاً ومن دون أن تقول أي شيء بدا أنه يعرف ما حدث لها.

    كان في مكتب الطبيب امرأة هي زوجة الرجل الذي يقوم على المكتبة في ونسبيرگ. ومثل كل الممارسين القدامى في الريف كان الدكتور ريفي يخلع الأسنان، وكانت المرأة المنتظرة تضع فوق أسنانها منديلاً وتتأوه. كان زوجها معها وحين خُلعت السن صرخ الاثنان كلاهما وسالت الدماء على فستان المرأة الأبيض. لم تُولِ الفتاة السمراء الطويلة المشهد أدنى اهتمام. عندما غادرت المرأة ورجلها تبسّم الطبيب. قال: «سآخذك بسيارتي إلى الريف.»

    بقيت الفتاة السمراء والطبيب معا كل يوم تقريباً عدة أسابيع. تبدلت الحالة التي جاءت بها إليه إلى مرض، لكن الفتاة كانت مثل من اكتشف حلاوة التفاح الملتوي ولم تعد تستأثر بتفكيرها الفاكهة المثالية المستديرة التي تؤكل في الشقق مرة أخرى. في أول خريف بعد بداية علاقتها بالدكتور ريفي تزوجت منه ثم في الربيع التالي توفيت. خلال الشتاء كان قد قرأ لها كل شيء عن الأفكار التي شخبطها على قصاصات الورق. كان يضحك بعد أن يقرأها ويحشوها في جيوبه لتصبح كرات صلبة مستديرة.



    *نص: شيرْوُود أندرسن
    *ترجمة: علي المجنوني

  • عندما تقبر هذا الجسد فإنَّك تقبرُ شعباً (من الشعر الهندي) – ك. ساشيداناندان – ترجمة: شهاب غانم

    عندما تقبر هذا الجسد فإنَّك تقبرُ شعباً (من الشعر الهندي) – ك. ساشيداناندان – ترجمة: شهاب غانم

    جسدي مدينة

    عيناي معسكراها

    فيهما النشاط الدائم لحراس المراقبة.

    محطة قطار بين أذني

    هناك جَلَبة لا تتوقف لحشود الناس

    وهم ينتظرون رفيقاً أو فريسة

    وينامون، مُتعبين:

    أناس دائماً يصلون بعد رحيل القطار،

    أفكار يتيمة بعدتْ عن الجادة،

    ذكريات ضاعتْ بين رنين الأجراس

    وصفير العربات

    أحلام مُشتعلة تلهث

    وتنتظر الإشارات الخضراء

    عروقي أنهار، ضاجّة بالخلاخيل،

    أعصابي أسلاك تنقل الموسيقا

    والنور أمعائي شوارع غاصَّة بحركة السير

    التجويفات الأربع في قلبي:

    واحد سجن، أسود بعُزلة الموتى،

    واحد كنيسة، أبيض بتعقيم الصلوات،

    واحد مستشفى، أحمر بأنَّات المرضى،

    وروائح الأدوية

    واحد قاعة محكمة أزرق من المحاكمات المطوَّلة

    والأحكام النزيهة.

    كيف يُمكنني أن أصف فتحات أنفي

    حيث تفتح الروائح أشرعتها

    وطواحين أسناني التي لا تكلّ

    والتي تطحن أقسى آلامي

    وسوق لساني

    الممتلئ بالأصوات والنَّكهات

    ومرصد جلدي الذي يسجل تغير المواسم بلغة الإشارات،

    وبستان شعري حيث لا تشرق الشمس أبداً

    وبرجا ساقي اللذان يطفحان بالرقصات الساكنة،

    ومكتبا يديّ المشغولان بالملفات والكتبة،

    ومصانع غددي التي لا تنام

    وملتقيات مفاصلي النشطة؟

    في هذه المدينة صرخات الولادة

    وأنَّات الموت،

    وإغواءات القوادين

    وبشارات القديسين،

    ومساومات التجار

    وانعزالات الرُّهبان

    غابات في أقفاص وينابيع في قيود

    وسحب تمطر بلمسة

    ووقاويق مخبوءة في أصداف اللآلىء،

    جراحات الرحيل

    وأعاجيب الوصول

    وفنادق القُبلات

    وحدائق حيوانات المشاعر.

    تذكَّر :

    عندما تحرق هذا الجسد

    أنَّكَ تحرق مدينة

    تذكَّر :

    عندما تقبر هذا الجسد

    أنَّكَ تقبر شعباً.

    *نص: ك. ساشيداناندان
    *ترجمة: شهاب غانم

  • أنبياء الفقر في كلِّ الأماكن (من الشعر السوداني) – الصادق الرضي

    أنبياء الفقر في كلِّ الأماكن (من الشعر السوداني) – الصادق الرضي


    جثَّتي على النهر

    القتلة يرقصون على جُثَّتي
    كنتُ أحظى بما يَكفي من الفرح
    قبل الرَّصاصة الغادرة!

    كانت الساحة مُكتظَّة بالحلم والأمل
    أظنها لا تزال وهي تحدث عن دمي
    لا يزال الحلم والأمل
    في ميدان الاعتصام ملهماً
    الصبايا والفتيات- الأمهات والزغاريد
    صنع الطعام؛ والصبية وهمَّة الشباب
    كلُّ شيء؛ يثير شهية الحياة!

    الأغنيات
    الرسوم البهيجة؛ والتعاويذ؛ والدعوات
    كنتُ أبهى وأنا أتجول في ساحة المهرجان
    أزهو- وهو ترابي
    أزهو- وهو وطني
    وأنا كلمة السر نحوها ونحوه
    زر أنا سيد المكان والإمكان!

    لا تزال جُثتي على النهر
    أنصتُ عميقاً لطرق الرفاق على النفق
    وعلى جسر الحديد- كيفما اتفق
    أُصغي لهديل الحمامات
    ذوات العبق- وزغاريدهن أبهى ما يكون الألق

    لا زلتُ أنتقي الأنس وأنا موغل في الغَرق!

    جُثَّتي على النهر- لا تزال
    ولا زلتُ منصتاً وبهيجاً بصوت الرفيقات – الرفاق
    لازلتُ مبتهجاً بالعناق
    نسيتُ هدير الرصاص الهطيل وغدر الجناة
    لازلت أصغي لزغرودة- فيصل بين الحياة وبين الممات
    أعيشُ على خيطِ عطرٍ طَفيف
    لا أزال أعيش وجثَّتي على النهر
    تعيش الحياة!


    سورة

    النيلُ يمضي هادئاً
    ينساب في صمتِ المدينة
    واحتراقات القُرى
    والأصدقاء الآن
    لا يتبادلون تحية الصُّبح
    ولا يتعارفون
    وأنبياء الفقر في كلِّ الأماكن
    يرشفون الشاي والحزن
    ولا يتحدثون
    يخبئون الموتَ في أطرافهم
    ويوزّعون الصبر للأطفال
    ينتشرونَ في الأشجار عَبْر الأرض
    ينتحرونَ في الليل احتجاجاً
    ثم ينتحلون عَقْلَ زُجاجة الخَمر،
    ويفتعلون حرباً في النساء،
    ولا يُقيمون الصلاة
    ويرحلون.

    تصعدُ الجدرانُ في اللبلابِ
    والخرطومُ جالسةٌ على مقهى تدخّنُ
    استوى في الليل قطاع الطريق
    وعابرو نصفِ المسافةِ
    هل يكون الشارع الآن امتداداً
    لاختناق الليل بالعربات والعهر
    وكنا عاشقيْن، نفتّش الأطفال
    والأطفال في رئة المخابز.
    يسرقون النارَ

    ـ ما اسمي؟
    ـ أسميكِ احتراق الأرض، فانتفضي
    ـ وما طعم الرماد؟!
    -……………
    افترقنا!


    كتابة الدم في رثاء الحبيبة

    واقفٌ في الدَّم النبويّ الشَّهيد هل تجيد البكاء؟!
    مُحاولتي للتجوُّل فاشلة
    تركض القاطرات إلى المدن المعدنية
    والحلمُ منتظرٌ
    تذهب المرأةُ الصابرة
    وعلى درجات الحريق تكون السنابل آخذة
    في الصعود إلى تربة ناسفة.

    كيف يفترق العاشقان؟!
    شارع النيل مستند
    في المساء الحزينِ
    على خشب المركب المتآكل
    والشجر المتبرّجُ
    ينظر عبر ازدحام الفنادقِ
    للعربات الأنيقة والسُّوقةِ الوسخين

    أقول غداً التقيكِ علانيةً
    وأغيبُ بجوف الظلام الكثيف.

    بيننا لغة من بكاء
    نتعرَّى على الرَّمل
    في زمن الجوعِ والخوفِ
    نكشف عن سوءة الجرح بالنزفِ
    نطلق للريح ساق الدم المُستفاد
    نهرب أغنية في ثنايا جنازتنا
    هل يراقبنا شاطئانِ
    وفي البحر وقت لعاشقة، ومرايا،
    وقبضة روحٍ لعاشق؟

    المدينة لنا أن نحدث عن كُوَّة
    لشعاع النهار بسور وللصبية الرقص ما أمكن الضوء
    إني أرى صورة الفجر
    في دفقة العشق، في صدركِ الخصب
    أبصرُ شيئاً من السحر
    يزحف صوب الحقول الجديبة
    وهي تهيء للعرس زينته
    ليس للأرض أن تتحرك
    إلَّا على ما يشاء لها عاشقوها!


    *نص: الصادق الرضي
    *من كتاب: أَقاصِي، ومن موقع: sudaneseonline.com

  • أخذتكِ المُرتفعات – عبدالله حمدان الناصر

    أخذتكِ المُرتفعات – عبدالله حمدان الناصر

    كان صوتكِ يضع حدوداً لليل.

    كنتِ تضعين الصمتَ في مكانه وتمنعينه من امتلاك العيون.
    كان كل شيء في الكون في مكانه الطبيعي حين كنتِ تتحدثين. لكنّ مخلباً شفيفاً للنوم بات يأخذكِ مؤخراً لتنامي كل ليلةٍ في المرتفعات. ثم مستغلاً غيابكِ يقتلنا الليلُ.

    كان صوتكِ فرصةً أخيرة للخروج من كل شيء. لكنكِ ملتِ إلى الدعة والظلال.
    كان صوتكِ فرصةً لظهور الطريق وانحسار الفراغ. كان صوتكِ أمل الوردة وروح العطر. لكنكِ هكذا تحبين البرق والفكرة العابرة أكثر من الناس والأمطار، وتمنحين هالة صوتكِ للجبل كي يواصل اليأس والارتفاع.

    كان صوتكِ خميرةً يجهل أصلها الخبازون وصانعو الخمور. كان يمر مخابز المدينة كلها في لحظةٍ واحدة ليصلح العجين، ويشعل شمعةً في قبو العناصر والاحتمالات.

    كان صوتكِ غسّالةً هائلةً بلا صوت. يغسل ملابس الغرباء الذين يمرون بكِ، ويجفف ملابس الأولاد الذين ينتظرون قمصانهم الوحيدة ليذهبوا إلى السأم والأصدقاء.


    كان صوتكِ هواءً مشمساً يهزّ حبال الغسيل في المدن المصابة بالقمل. كان يداً قوية تنظف الأرض من التبغ الرديء ومن الأثرياء.
    كان يداً تلعب مع القطط التي تشعر بالملل من نومها الأرضي الطويل، وماءً قاطعاً يزيل القذى من العيون والحمائم من الشبابيك.

    كان صوتكِ الماءَ الذي يعالج فساد الأنهار.

    أنتِ لا تدركين أن الطبيعة تتكئ عليكِ.

    أن العشب لا يظهر بسبب الغيم بل حين تخرج من فمكِ (الشين). أن الظلَّ لا يمتدّ بسبب انكفاء الشمس بل بفعل (الراء) التي تسقط مراراً منكِ دون اهتمام.
    وحين تطيرين مع الجبل لا تقولين كيف يزيل الناس أثر (الجيم) التي خرجت منك والتصقتْ بالهواء؟ لا تشرحين كيف خرجت الإنسانية من (السين) التي انسربت من ثناياكِ وأنتِ تتحدثين بكل هذا العدم وكل هذا الهراء؟

    لا تدركين أيتها الغافلة أن الطبيعة تحتاج صوتكِ لتكون.

    تقولين إنكِ متعبة من الاستواء وتحتاجين إلى الأنقاض. إنكِ بحاجة إلى الكنبة أكثر من الكلام. إلى حضن شخص ليس له وجه ولا مستقبل ولا يدان.
    وأقولُ صوتكِ حضنُ نفسه. فكيف يحتاج الحضن إلى حضن؟ ولماذا ترتاح جراحكِ في المخالب والمرتفعات؟

    أنتِ لا تدركين أن الطبيعة تتكيء عليكِ.

    وتجهلين أنكِ حين تضعين باستمرارٍ حاجزاً هشاً مثل (أظن) وسط كلامكِ، ينهال علينا اليقين.

    أيتها المتعبة الهاربة من الكلام الضئيل .. كان الهدوء الممطوط الذي يبلل(الميم) في كلامكِ ما ينقص الكون ليرتاح من كل هذا الكلام.


    *نص: عبدالله حمدان الناصر

  • أنفاسكِ – عباس بيضون

    أنفاسكِ – عباس بيضون

    أنفاسكِ تبحث عنه لكن

    يحزنه أكثر أن لا

    يلمس رموشكِ أن لا

    تكوني ورقة شافيةً

    أنفاسكِ تبحث عنه ولا

    يستطيع أن يتخطّى

    خفقة قلبه التي قد

    تتحوّل مع ذلك

    إلى قبضة. يخشى كالطوارقي

    أن يتبدد في أنفاسه. أكان

    عليه أن يتمدد هكذا

    كحبة زبيب أو نواة داخل

    قشر اللحظة. أكان

    أكان عليه أن يقيم في فاصلة

    مخلوعة لا تقدر مع ذلك

    على أن تتحوّل. أَلَم

    يخطر له أن يعلّق نَفْسَه

    في شجرة أو يتركها

    في بقعة مبللة لئلاً

    يصعد

    في حبال المطر، أن يتجاوز

    خفقة قاتلة قبل أن

    يتسلق إلى البرج الهوائي. أنفاسكِ

    تبحث عنه ويحزنه

    أن لا يلمس رموشكِ فهكذا

    يفضّل

    أن يريح عينيهِ. أن

    ينام كالنواة، أن

    يتركهم يقصّون

    الأجزاء الطريّة من روحه إذ

    الحب ثمرة من الصحراء ومعناه

    يقسو كالنواة التي لا

    تعطش ولا تنكسر.


    *نص: عباس بيضون
    *من ديوان: الجسد بلا معلّم

  • أريدُ أن أهزم الوقت (من الشعر الموريتاني) –  حمود ولد سليمان

    أريدُ أن أهزم الوقت (من الشعر الموريتاني) – حمود ولد سليمان

    أريد أن أهزم الوقت
    وأصحاب الوقت
    أريد أن أسترجع الصحراء
    وأحرر الأسرى
    أريد أن أحمل للعطاشى الماء
    أريد أبي حياً لأعاتبه وأقول له: كم كنتَ خاطئاً يا أبي عندما حسبت أن للعبيد الأوباش ديناً
    أريد أن أجلس بين بئري وكثيبي
    أرقب شجرة الهليج
    تحت ضوء القمر وأسمع أهازيج البعيد
    أريد أن أترنم في الليل بوتريات
    مظفر النواب :
    “وأحمل كل البحر وأوصل نفسي”
    وعلى مقام النهاوند أتمدد إلى النها
    وأصغي لعبد الكريم الكابلي يشدو :
    “ويجري مدمعي شعراً أنا أبكيك للذكرى”
    وأبكي حتي الصباح.
    أريد أن أشرب ثلاث كؤوس شاي منعنعة
    في وقت لا يقاسمني فيه أحد.
    في هدوء مطلق
    امتص آخر لفافة من باكيتة مارلبور
    وأتمدد إلى النهاء
    أريد صغار النوق تجتمع حولي في الخلاء
    في ساعات صفاء الروح
    أريد أن أعبر الحديقة
    وأشم أريج الحناء في الليل
    وألمس الطمي الناعم
    أريد أن أرى الغيم يعانق النخيل
    أريد أن أسمع أبي يرتل القرآن الكريم
    وأسأله عن السامري الذي أضل الصحراء؟
    أريد أن أجتمع مع امرىء القيس وأسأله عن
    رحلة ثأره وما لاقاه في أنطاكية.
    أريد أن أجتمع بطرفة بن العبد البكري
    وأسأله عن الحيرة والكأس الأخيرة
    التي عبها قبل أن يموت وعن البقية.
    أريد أن أجتمع بأبي الطيب المتنبي في بادية السماوة وأسأله عن سماوات الشعر وعن ابنه محسد وجواد سيف الدولة المطهم والوردة التي جرحته والقافية التي قتلته.
    أريد أن أجتمع بأبي العلاء المعري وأسأله عن الكهنة وعن بيت الصحراء :
    “يَتلونَ أَسفارَهُم وَالحَقُّ يُخبِرُني. بِأَنَّ آخِرَها مَينٌ وَأَوَّلَها”
    أريد أن أجتمع مع مظفر النواب
    وأسأله عن إله الشعر المتجلي
    “في ساعة من شهوات الليل”
    أريد أن أعيد الزمن كهيئتي الأولى
    أريد أن أخلع لحية الوقت
    وأدير الزمن
    أريد ان أستعيد شعري
    ونحولتي
    وأصدقائي الذين ماتوا
    أريد أن أطيح برأس الوقت اليكسومي
    أريد قوة هرقل لأكسر عظام أقوى كاهن في الصحراء
    أريد عشبة كلكامش لأشهد موت آخر كاهن حقير على وجه الأرض.
    أريد أن أهزم الوقت
    وأصحاب الوقت.


    *نص: حمود ولد سليمان “غيم الصحراء”

  • مَرَاثِي الجَلِيلَة بِنْتُ مُرَّة – ماجد سليمان

    مَرَاثِي الجَلِيلَة بِنْتُ مُرَّة – ماجد سليمان


    يَا لِلنَّجْدِيِّينْ!
    سَاعَةَ انْـحَدَرُوا آفِلِينَ مَعَ عَتْمَةٍ تَذُوبُ فِـي يَدِ النَّهَارْ، سَقَطَ الصُّوَاعُ مِن يَدِ الـمَلِكِ، وَتَدَحْرَجَ تَاجُهُ إِلَى بَابِ الـحَاجِبْ. فَيَا أَيَّتُهَا القِلَاعُ الـمُدَجَّجَةُ بِصَيْحَاتِ الفُرْسَانْ، وَالـمُحَاطَةُ بِأَحْلَامِ الـمُلُوكِ الـمُـنَكَّسِينَ عَلَى ظُهُورِ البِغَالْ، أَنْصِتِي قَبْلَ أَنْ يَـخْتَطِفَنَا الزَّمَنُ العَجُولْ، وَيَهْوِيَ بِنَا فِـي لَيْلٍ أَصَمّ أَبْكَم عَنِيدْ.


    لِـلْمَرَدَةِ العُصَاةِ انْصِتي

    أَيَّتُهَا الأَسْوَارُ الوَاهِنَةُ، الذَّائِبَةُ فِـي بِرْكَةِ الـمَاضِي الآسِنْ، رُكَامُ حِجَارَتكِ مُكُوَّمٌ عَلَى أَكْتَافِ الوَادِي القَرِيبْ، بَعْدَ أَن اعْتَلَكَتْهَا أَضْرَاسُ الـمَغَازِيْ، وَبَلَّلَهَا لُعَابُ الـمَطَامِعِ الـمُلَغَّمَةِ بِأَفَاعِي الدُّرُوبْ.


    لِـلْمَرَدَةِ العُصَاةِ انْصِتي

    يَا بِلَادَاً تَنْبُتُ مِن طِينِ النُّدْرَةِ، مِن خَلْفِهَا بِلَادٌ تَـخْرُجُ مِن نَوَافِذِ السَّحَابْ، وَتُرْسِلُ رَائِحَةَ الـمَطَرْ، وَثَالِثَةٌ تُزْهِرُ فِـي غُصْنِ الـمَغِيبْ، وَتُوقِدُ مَدَافِئَهَا لِلْقَادِمِينَ مِن لَوْثَةِ البَرْدْ.


    لِـلْمَرَدَةِ العُصَاةِ انْصِتي

    أَيَّتُهَا النُّعُوشُ الـمَحْمُولَةُ، عَلَى رُؤُوسِ مُشَيِّعِينَ خَائِرِينَ فِي حُزْنٍ ثَقِيلْ، يُغَمْغِمُونَ بِكَلَامٍ مَبْتُورٍ، وَآخَرَ مُشَوَّشْ، يَتَوَغَّلُونَ فِـي الظَّلَامِ تِـجَاهَ الـمَقْبَرَةِ البَعِيدَةْ، سَاعَةَ أَنْزَلُوكِ عَلَى أَرْضٍ جَرْدَاءْ، لِتَتَجَاوَرَ مَشَاعِلِهُم الطَّوِيلَةْ، وَلَغَطُهُم يَتَصَاعَدُ وَيَـخْفِتْ، ثُـَّم شَرَعَت مَعَاوِلُـهُم تَـحْفُرُ فِـي عُمْقِ الأَرْضِ الَّتِي أَحَالَـهَا مَطَرُ البَارِحَةِ إِلَى طِينٍ ثَقِيلٍ لَزِجْ، مَعَاوِلُ تَتَابَعُ طَرَقَاتُـهَا غَائِصَةً فِـي الأَرْضْ.


    لِـلْمَرَدَةِ العُصَاةِ انْصِتي

    أَيَّتُهَا الـهِضَابُ الـمَعْصُوبَةُ بِعِصَابِةِ الصَّيْفْ، أَنِيبِي ِإِلَى نِدَاءِ الفَلَوَاتِ الـجَرْدَاءِ البَعِيدَةْ، أَوْسِعِي الرِّيْحَ صَمْتَاً، حَتَّى تَتَوَعَّكَ قُمْصَانُـهَا بِوَيْلِ الثُّقُوبْ، وَتَـهْوِي حُنْجُرَتِـهَا عَلَى رَمَادِ نـَجْدِيِّينَ غَادَرُوا قَبْلَ أَنْ يَفِيقَ فَجْرُ غَدٍ، أَو تَتَفَتَّتُ صَيْحَتُهَا عَلَى صَلْدِ صُخُورِ سَفْحِكِ الأَبْكَمْ، وَتُـجْهِزُ عَلَيْهَا أَيَادِي الـخَرِيفْ.


    لِـلمَرَدَةِ العُصَاةِ انْصِتي


    *نص: ماجد سليمان