أقع وأقع في بئرٍ داخلي، متجاوزاً طبقةً وراء طبقة مدناً مدمّرة حيث ليس ثمة سوى حارسٍ نائم، متجاوزاً بيوتَ ما قبل اللغة والمغارةَ التي تحمل بصمة اليد الأولى: يدك. أقع. اقع. لستُ بلا قاع ولكن حتى القاع يقع. والوقوع يقع. ولن يكون لأحدٍ سوى الموت الكلمة الأخيرة.
هذا البيت
هذا البيت ينبجس من الأشجار ومن شبه المستحيل تمييزه.
مساءً، ثمة نورٌ في الداخل، ولكن عندما تلجه، لا أحد.
هذا البيت
ينبحس من الأرض
ومن شبه المستحيل
تمييزه.
مساءً، تسمع فيه أصواتٌ، ولكن عندما تلجه،
لا أحد.
هذا البيت ينبجس من الجبل ومن شبه المستحيل تمييزه .
مساء، يظل خالياً ومهجوراً ولكن عندما تلجه، فإنما لكي تسكن فيه إلى الأبد.
ذهبوا
بعيونٍ مغمضة، الكتابة الثلجية لن تُقرأ.
العروق في راحة اليد، الإشارات،
لن تُفكّ رموزها.
لقد ذهبوا. وتركوا أيضاً علاماتٍ، هؤلاء اللا حاضرون.
القلب
القلب يصغر حدّ أنه ما عاد يُسمَع، حدّ أنه ما عاد يُرى، هناك في البعيد هناك حيث لا تُسمع لا تُرى طيور النورس أيضاً.
الدمع سرٌّ البسمة سرّ الحب سر دموع تلك الليلة كانت بسمة الحبّ
فإنني لستُ قصة ترويها، ولستُ نغمة تغنيها،
ولستُ صوتاً تسمعه أو شيئاً ما تراه،
أو شيئاً ما تفهمه.. فإنني الألم المشترك
نادِني.
فالشجر يتحدث إلى الغابة، العشبُ يتكلم مع الصحراء، النجم مع الكون، وأنا أتكلم إليك.. قل لي اسمك! أعطني يدك! قل لي ما عندك من كلام هاتِ قلبك! لقد أخرجتُ جذورك، تحدثتُ بشفاهك إلى كلِّ الشفاه، ويداك تعرفان يدي لقد بكيتُ معك في الخلوة المضيئة، في سبيل ذكرى الأحياء، وغنيتُ معك أجمل الأغاني في المقبرة الظلماء، لأن أموات هذا العام كانوا أعشق الأحياء
أعطني يدك! يداك تعرفانني، يا من لقيتُ متأخرًا، أحكي إليك، بقدر ما يحكي الغيم مع العاصفة بقدر ما يحكي العشب مع اليباب يقدر ما يحكي المطر مع البحر يقدر ما يحكي الطير مع الربيع يقدر ما يحكي الشجر مع الغابة
فإنني قد اكتشفتُ جذوركَ وإن صوتي وصوتك صديقان لبعضهما..
أنْ ننسى، أن نضعَ خطّاً فوقَ أحاديث نسند بها لقاءاتنا؛ كي لا تميل
أنْ نضعَه فوقَ ثيابٍ، صمدنا داخلها، ولم نتقهقر..
كنّا جسورين على كلّ ما يجعلنا قريبين من النسيج، لا نتزحزح
أنْ ننسى، أن نُخْرِجَ من جيوبنا كلَّ الطرق، نطوِّحُها قليلاً، ونقذفها مثل حصاة..
الطرق التي درجَتْ فوقها الضحكات، الطرق التي ضاقت، الطرق التي نحُلَتْ فلم تجد غيرَ شرودِنا كي تنطوي فيه أنْ نكفَّ أيدينا عن التواطؤِ مع المرايا.. كي لا تقولَ
أنْ نخرجَ على المرآة، أنْ نفرَّ من حبالها؛ نافرِين أو دامِين حتّى.
ألا نبقى أسيري نظرةٍ بلهاء أنْ ننسى، أن نكسر بيضةَ الحياة، ونسيل، بأبيضِنا وأسودنا، ليس بأيدينا غير عيونٍ تسعُ كلَّ الظلال أنْ نغفر حتّى الغبار، الذي جاء متعباً، فاضطجع واضعاً رأسه على أوّل السطر أنْ نركضَ مسرعين خلف اليد، كي لا تصدم بيأسها، اليد التي استشاطت، فلم تتورّع عن أيِّ شيءٍ حتّى الكتابة.
محمدآل حمادي
إغواء الرتابة بالتكرار والتوقع
كأن تتشبَّث بلحظة انتباه
لتتمركز عليها حاجة شرودك الذهني للتنويع والمعنى
وتجد فرصة لممارسة فن الحوار والاختلاف
مع غنائية الروتين
أقبلُ بدور سخرية الأمكنة الرسميَّة من ازدحامها النهاريّ
مقتحماً ما يلي حيلة الرغبة في الكتابة من هنا
من داخل سور مواقف مستغرقة بخلوِّها الليلي
تحت الحراسة…
خلف كل القصص التي تحدث خارج الانتماء إلى الأرض
خلف كل ما كُتب ويقرأ الآن،
إنني هذه الخطوة غير المجرَّبة
غير مؤكد ومسوَّر بالوساوس والغرائز
أبدو خطيراً جداً قبل حدوثي
رغم أني سهل المقاومة!
مجهول إلا من مخاطر الفشل،
والخوف من الحريَّة
وكأن على هذا الفراغ أن يجد له صوتاً
يكشف به عن نفسه
وأن لا شيء ينقص العالم
سوى أن أتظاهر بجديَّة البحث عن موقف شاغر!
نور البواردي
لتبقَ بيننا
1
“بعض الأشجار تُصبح وقحةً حينما نُغدقها بالترحيب”!
قالتها وهي تتأمَّل الأريكة الخشبيّة المُهملة في فناءِ بيتنا الخلفي،
أنا الوحيدة التي عرفتُ السَّرَّ المُخبَّأ داخل رأسها
وأنَّ زوجها البارحة عانق صديقته على تلك الأريكة.
2
في الشتاء
الملابس وحدَها تبقى دافئة،
الخِزانات الضيّقة تُخفي جيّدًا
أصواتَ القُبَل!
3
إنه أمرٌ غريب
أن ينبح كلب حزين قُربي ليلًا ولا أصحو،
أن يُغنَّي لي أغنيات الجاز التي أكرهها
ولا أصيح: كُفَّ!
أن يقرأ لي قصّة حزينة ثمّ يبكي،
أمرٌ غريب أن يتوقّف عن كلّ هذا
لأن أحدهم مَرَّ فجأة وقال:
منذ صُدمتْ هذه القطّة هنا لم يدفنها أحد!
4
الولدُ الخجولُ
يرسمُ في كفّي نافذة
يُمثَّل دور اللصّ…
…ثمَّ يَدخُلني!
أحمد كتوعة
خدوش
سأفتحُ عيني
الحلم قشعريرة
أتوسّل الهواء أن يتجنبني
لا حنين لرجفةٍ أخرى
سأدعها مطمورة في الجِلد
حتّى أرى عودتي بمفاتيح أكثر برودة من هزيمة الباب
سأفتح عيني
لأحصر أشقياء الليل في جُمجمتي
وأدقق أيّهم شجَّ مؤخرة الرأس ودفن ثقلاً
سأحمل نصف رأس وأخسر الحلم
الممراتُ لن تسألني إن كنتُ داكناً كوحشة
أم وحشاً يسحب الدبيب ويخرج
النظرات التي تخطفني
أيها كانت؟ الطمأنينة نائمة إلى جواري أتلمس شيخوختها
الفأس
الدفن
العابرة
وكيف أواري خدوشاً تركتني غابة تسيل
من مسافة شجرة تتفحّصني
لا ألقي تعباً رؤوماً يلوذُ بقدمي
وهدة السير غبطة للحجارة
الظلُّ لم ينتظرني
حين جلستُ
أسند قدميه إلى كتفي
الشمس جيفة لا تعرف كيف تهرب رائحتها
الحشائش أسماك صغيرة
والسجائر علَّمتني أطيل النظر بوصتين
وأترك للوجوه غشاوتها
يتلبط النسيان
وتُحرق المراكب.
علي العمري
حمَّالة الحطب
أما كنتِ العروسَ ليلةَ اشتعلتْ في المَخدعِ النيران، أما التَحفتِ بالسّواد ليلتها أن صار الزفاف مأتماً، وفي الحداد الذي طال.. ألستِ الجنية ذاتها التي طالما رقصتْ على رفاتِ أيامها! فلماذا لا تقنع أرملة الحريق أن كلَّ ما تأكله النيران هباء، لماذا لا تُسكّنين اللعنة في جحرها، وتقرينَ جاثمةً على ما تكوَّم من رماد، لمَ بيديكِ لازالتْ تُلف حِبال الغواية، ومن أولئكَ الأعداء الذين لأجلهم شُحِذَت كلُّ هذه السيوف، كؤوس الضغينة مترعة فمن يا أم البغضاء ستجرعينها، إلى متى وربة هذا البيت تُقسم بشرف حدادها وبالذي صيَّر القلب قفراً للسباع، أن لا شربت سائغاً، ولا بشَّتْ لمرأى طائر، ولا ذاقتْ من اللحم إلا الكبد المشتهاة، إلى متى يا حَمَّالة الحطب تُلهبين هذا الوجود وكأنَّ الغفران سبيل لا يُشقُّ إلا عبر أودية الجحيم، أو كأنَّ خلاصكِ لا يجدُ المفرّ إلا من باب الانتقام؟!
عبدالله السفر
يخلون سرير محبتهم
دَفَعَ بدمعتِهِ الرسولُ، وهامَ طَيَّ رسالةٍ لم يحملْهَا. أُخِذَ بالتهدّجِ، نالَهُ يأسُ الكائنِ، فراغُ الأملِ من صاحبِه، نفاذُ السكينِ، عُريُ الوردةِ من شوكتِها. وهذا الليلُ الذي لا يحسنُ مدافعتَه، حين الأصدقاءُ بمناكبَ مذعورةٍ يُخْلُونَ سريرَ محبّتِهم ويتهافتون إلى مراكبَ مخلّعةٍ مشقوقةِ الأشرعة. يعرفون أنها ليست مأوى في اليابسة، ولا تصمدُ لماء.
يغادرون فحسب لأنّ الرسولَ فاضتْ به الدمعةُ، وانجرحتْ منه الحنجرةُ؛ فطاشتْ سهامٌ خفيّةٌ لا ترأفُ. سُمُّها ضارٍ يبدّدُ الروحَ، ينثرُ الجمرَ في اللحمِ. يتسمَّى الجرحُ باسمِه. تنكتبُ الخيانةُ. تَطْلُعُ عروقُها السوداء. وفي الهشيمِ يبينُ رداءٌ. بقيّةٌ من رداء لا تسترُ جثّةً شاختْ واسترسلتْ في العتمةِ، يرجّفُها بَرْدُ العقوقِ، نظرةٌ مقصوفةٌ لطائرٍ فُركتْ أجنحتُهُ.
ريشٌ في الهواء. يثقلُ. يحطُّ. يأتيهِ الدمعُ من كلِّ مكان. يثقلُ. يحطُّ. يزفِرُ. يفرفرُ.
ظهورٌ تراصّتْ، بطّطَتْها القسوةُ. شروخٌ تطلُّ على النسيانِ. هاويةٌ موَّهَتْها الخديعةُ. مكيدةٌ تتربّصُ. صخرةٌ نهضتْ من أوّلِ الليلِ تفحصُ وليمتَها؛ تتبعُ خيطَ الدمعِ، شاغرَ الخطى. فمُ الكهفِ يقترب. ينصبُ اليأسُ مشنقتَه للعابرِ بدمعتِه، للزائلِ بلا أثرٍ.. بلا حلمٍ يهوّنُ.. بلا نطفةٍ من ضوءٍ يريقُه. الصخرةُ تتعقّبُه، تلزِمُه مضيقَ الألم. وفي لحظة الصَّعْقِ الفاجرةِ يتلوّى مبهوتاً. أظلمتْ عيناهُ. تشعّثتْ أشلاؤُه . أضَاءتْ دمعتُهُ سريراً، وفي الأفقِ لاحتْ جنازةُ الغريب.
عبدالعزيز الحميد
ناديا
ناديا، شيء غامض بين التفاصيل يا ناديا. كل صباح أخرج إلى النافذة، النافذة يا ناديا لا يمكن الوقوف أمامها. الغرفة مكتظة بالناس الذين أحاول رسمهم، فقط لأعرف الفرق بين الغرفة والنافذة.
الغرفة مليئة بألوان غامضة لم يعد التمييز بينها ممكناً. كل لون يفتح صفحة للعبور الناقص، صفحة لا تبدأ بلون ولا تنتهي بوجه أعرفه. الغرفة موحشة بحق، كبسولات الأدوية التي من فرط ما أسرع ببلعها تسقط على الأرض، ولا يمكن التقاطها لأن الغرفة مبللة بكؤوس الماء. وهكذا الغرفة موحشة وتحتاج إلى حرث الكبسولات التي تحولت فجأة إلى حديث مشترك بين الرطوبة وجاذبية الصرع. والغرفة مضاءة طوال الوقت لأنني أخاف أن أفقد النظر إلى السقف. أخرج إلى النافذة كل صباح يا ناديا، وأمشي. أمشي طوال الطريق بين النافذة ورأس الجسر الذي في طي الاكتمال. رأس الجسر الذي يختبئ خلف بنايات المدينة. وهكذا أعرف أن مدينة كاملة لا تكفي لترميم السماء ولا تصلح للأمل. بين النافذة والأفق يمد الجسر نفسه برأس غامض لا يطابق العبور ولا فكرة النظر. هنا بالتحديد ينتهي الصباح. الساعة الرابعة والنصف أدخل من الباب وأركض إلى عيادة الطبيب النفسي لساعتين. في الساعة الخامسة والنصف أطيل النظر في سقف الغرفة، بين ضجيج الألوان الناقصة وازدحام موتزارت. الساعة التاسعة سأسقط كبسولتين بالخطأ وأبتلع غيرهما. الساعة العاشرة أتمدد في حمام ماء بارد وبيرة من نوع “كرونا”. الساعة الحادية عشر لا أعرف من أين أتيت ولا أعرف من أنا. ولهذا أشاهدني في فيلم درامي. الآن، ياناديا، أعرف من أنا، أعرف أنني كمبارس بطيء الحركة ولا يتحدث أبداً ياناديا. بعد دقيقتين تنتهي قائمة الممثلين والمخرج ومصمم الأزياء وكل شخص باسمه الذي يستحقه. الشاشة الآن يا ناديا، سوداء ولا يمكن سماع قطعة موسيقية لأسباب لا يعرفها كمبارس بطيء الحركة. أشاهد فيلماً آخراً، مقرراً أنني أول شخص سيظهر في الشاشة. الشاشة يا ناديا شارع مكتظ بالناس الذين يعبرون إلى الأمام مقررين أن العبور هو ظهور لا يلتفت إلى الخلف. هنا بالتحديد أعرف من أنا، أعرف أنني شخص لا يعرف نفسه حقاً. أعود إلى الغرفة محدقاً في السقف الذي في أي لحظة سينطق بفكرة ناقصة وعلي إكمالها. غداً يا ناديا، غداً تكتمل الفكرة تماماً، وسأعرف الفرق بين الوحدة والتأهب لانتظار آخر.
هدىياسر
مُذكرات
أحبُ الظل
في ليالي الفقد يتيحُ
على الجدار جدتي.
في يوم
الأب،
أعانقُ رجلًا تسجل صورته
غيابًا
مقيتًا عن بطاقة العائلة.
على الجدار،
يوزع الظل في عيد
الحب كنايات القلب،
نثار ورد
وحبيبي بين الكومة
جسده أبيض/أزرق.
..ما لا يعرفه الظل
أن جسده
لا يصلح
للتقمص.
عيد الخميسي
فستان زهري إلى الركبتين
تلك الأغنية تنسكب
من قارورة،
العصافير وهي ترف معًا مندفعة من الشجرة،
المطر مفاجئًا نهار سبتمبر،
الطفلة الراكضة في حقل الليمون
بفستان زهري
إلى الركبتين،
البحر وقد عكس قوس قزح باهر
وتمدد في دلال،
رائحة الحلوى مختلطة برائحة الخشب
في كوخ قرب الحدود،
لون الأعشاب وهي تغمر الجبل،
طعم أول بسكويت اقتسمناه
مع أخت كبرى في طفولتنا،
الرياح وهي تسوي قبعة فتاة بدينة
وتعابث ابتسامات النخيل،
الضوء الباهر وهو يجلو الميادين
والغرف،
أحدثك عن صوتك وهو يضحك
كركرتك تمتنع عن الوصف.
نصوص: إبراهيم الحسين، محمدآل حمادي، نور البواردي، أحمد كتوعة، علي العمري، عبدالله السفر، عبدالعزيز الحميد، هدىياسر، عيد الخميسي.
لا، ليست المرَّة الأولى التي تحرثُ فيها البحر، فلطالما حملتَ الأمواجَ إلى مزارع الظنون، وملأتَ حُفر الأوهام بالمياه الزَّرقاء الصافية، لطالما دفعتَ قواربكَ الورقيَّة ما بين نباتات المُستنقع السَّامة، ومشيتَ على ركبكَ في الأحواض الجافَّة، وذاقتْ أصابعكَ جروح الكؤوس المهشَّمة. لا، ليست المرَّة الأُولى التي تتسلَّقُ فيها ذاك الجبل، فلطالما تساقطتْ نظراتكَ من ذلك العلوّ، وتدحرجتْ أفكار جسدكَ على الصخور المُسنَّنَة، وأنزلتكَ أجنحةُ أحلام اليقظة على كُثبان الرَّغبة، تشعل النار التي تقود الضِّباع إلى زريبة مخاوفكَ، وتملأ أوان العطش بعرق لهَفاتكَ. لا. ليست المرَّة الأولى التي تقطعُ فيها صحراءَ هذه الغُرفة، وتخرجُ الآبارَ من أدراجِها، والأفاعي من كهوفِ الصَّمتِ، الرَّملُ الكثير الذي تكدَّس على الطاولة تَقود له عاصفة اللغة، وتَحملُ السرابَ في كأسكَ كما تُحملُ النِّعمة في المعابدِ، الظلُّ مجدُكَ واقفٌ بانتظارِ ابتسامة الشمس، والسماءُ على أهبَّة الاستعداد كي تركض خلفكَ، فليس هنالكَ من مُشكلٍ، فتنفسكَ طبيعيٌّ، ولذلك لا تعرف بأنَّكَ تَتَنفّس.
2
عالمُ جسدكَ عالمان، عالمُكَ المحدودُ، عالمُ جسمكَ حيثُ جُمجمتكَ التي تُشبه ثَمَرة جوز هند يابسة، وعينيكَ المُختبئتين في محجريهما كزعيميْن عربييْن هاربيْن، وأنفكَ الوارمُ في منتصفِ وجهكَ وشفتيكَ المدلوقتين كجرَّتين فارغتين، وقليلٌ من الشَعْرِ أو كثير منه وقد ترمَّد من الأسى هذا هو رأسُكَ الذي يحمله جُثمانُكَ على الأرض، الذي تحمله كتفاكَ الهزيلتان، الواقفون كحراس أبراجٍ غابرة على قفصكَ الصدريّ، ذلك القفصُ الذي يشبه «دوباية» قديمة، برزت عظامها على قلبكَ الضَّعيفِ ورئتيكَ المهترئتين وكبدكَ التي توشك على التَّلف. ثم ماذا يتبقى بعد ذلك؟ المعدة ومجاريها وتلك القدمان النحيفتان من كثرة ما التهمتهما ظلال الطرقات.
هذا هو جسدُكَ الظاهر، جسدُكَ الذي تراه مرآة الجدار، جسدُكَ الفاشل في الهواء، جسدُكَ الجلدي، المكسو بجلدكَ المتغضّن، بمسامات جلدكَ المتكلِّسَة، جسدُكَ الممدَّدِ على السرير كعيِّنة، جسدُكَ النابض ككهفٍ مهجور. تحت هذا الجلد كون لو تدري، تحت هذا الجلد مجرَّة تجري في هواء الدَّم، آلة تتحرك من احتراق لحمِ النَّبض.
تحت هذا الجلد الطبيعة كلُّها بغاباتها وأنهارها وبحارها وسماواتها ويابستها، وقد وصلتْ إلى المُلخَّص من سيرتها، فالجسد الإنسانيُّ بلا شكٍ يُغري أكثر من غيره بفكرة الخالق المبدع، فالمستحيل حدث فعلاً، إنَّهُ تحت جلدي.
إنَّني هناك أيضاً في الكون، تماماً كما أنا تحت جلدي. إن موسيقى حركة المجرة تحت جلدي هي نفسها موسيقى حركة المجرات في الكون. إن جسدي ليس قُربة نفخَ فيها أحدهم كي تكون موسيقى فرعيَّة، إنَّ جسدي متى ما تنفَّس بصحةٍ وعافيةٍ وطبيعة فإنَّه يتنفس مع الكون، وكما يتنفس الكون.
3
اليوم الخميس… طاولته امتلأتْ بهيجاناتِ النَّبض، بوميضِ العُروق، باهتياجاتِ المَفاصل، بحرقاناتِ الأفكار، بالتهاباتِ اللحظة، باضطراباتِ الأسئلة، بتفتقات الضحك، بوسامةِ الفَراغ، بأسلحة الرَّغبة السرية، فمن يقوم معه من هذا الجلوس إلى الكلام، ويصعد إلى مرقص الخلايا، الرؤوس مكتظَّة بالنَّزق هناك، وتتدلَّى من الأجساد مفاتيح الأمواج، فلتضف إلى رأسكَ مزيداً من الجمر، وتلتهب نظراتكَ في ذلك المَمَشى الجارح، على أيةِ قيامةٍ تضع يدكَ، في يد أيّ صُدفة، ومن سترافقكَ هذه الليلة إلى حديقة اللَّمس، الأغنية استولتْ على مصب الرَّغبة، تمايلت جدائل الماء في تفكير الحوض، رقصتِ اللحظة مع نفسها، ودخل الكلامُ إلى غرفته، واستعدَّ المفتاحُ كي يدور في باب المستحيل،
الاهتزازُ يبحث عن إيقاع، والإيقاع يبحث عن اهتزاز، وحين وُضِعت المسافاتِ في الجيب، واتفقتِ المرايا مع النوافذ، والأبوابُ مع الموسيقى، وجدوا المصاعدَ توصلهم إلى الفجرِ، حاملين أنفسهم إلى السباحة في ماء الأسرَّة، متفتحة أجسادهم وكأنَّها قبور عادت من الموت، الآن سيحدث الخلود وتمتزج السماء بالبحر، والجسد بالروح، والرَّغبة بالنفض، وتلك الخلجات المُتضاربة والمُتصادمة حتّى ينكسر النَّبع، ويمتلئ الحجر بنبيذ الهواء.
تصبحون على خيرٍ أيُّها السُّعداء، المملوؤن حتَّى البهجة بماء الأبد، النائمون الآن كأمواجٍ في المحيط.
أبوظبي ديسمبر 2011
*نص: أحمد راشد ثاني *من كتاب: لذَّة المرض: سيرة المستشفى
“بيلوك” يحدثني عن الضوء، ويشرحُ لي كيف أستخدمُ الظل، كيف أملأ الإطارَ بالأشياء- كل جزءٍ في موقعِه الحسّاس. أغتبطُ للسحرِ الكامنِ في كل هذا- کریستالٌ فضي مثل عناقيد نجومٍ مرصوفة في فيلم. في النيغاتيف يظهرُ العالمُ بأسره مقلوباً، ثوبي الأسود يصيرُ أبيض، وبشرتي تصبحُ سوداء، قاتمة. في الجانب الآخر. أفكّرُ بالأشياء التي أحاولُ إخفاءَها. أتبعه الآن، أراقبه كيف يلتقطُ الصور. أنظر إلى ما يمكن أن يراه عبر عدسته، وإلى ما لا يراه- أسماكٌ فضيّةٌ خلف الجدران، الندبةُ الصفراء لكدمة غائرة- أشياء أخرى هنا، أشياء لا يمكن للكاميرا أن تلتقطها.
الصورة الأولى
هاهنا، أبدو عفويةً، بل عشوائية، رغم أنني مازلتُ ملكةَ خبائي. لحظةٌ التُقِطت كأنما بالصّدفة صورٌ مائلةٌ على الجدران، جريدةٌ موضوعة فوق مشجب الثياب، قطعةُ حریرٌ باهتة تظهر من درجِ الملابس، قميصُ نومي مشدودٌ تحت كتفي الناصعين، جوارب سوداء، فستانٌ مفتوح الصدر، ساقان متصالبتان بسهولة كأنهما ساقا رَجُل.
كل هذا متعمّد ومُدّبر، باستثناء الطريقة التي بدت فيها الجدران المُزهرةُ في الخلفية تقترب مني وأنا ماثلة أمام العدسة، يدي موضوعةٌ بيُسر على ركبتي، مع إصبعٍ واحدةٍ مرفوعةٍ باتجاه الكاميرا- إشارةٌ قبل الكلام، قبل نطقِ الكلمة الأولى.
الصورة الثانية
أقفُ عاريةً، في وضعية مائلة، من أجل هذه الصورة،
ذراعي اليمنى خلف ظهري، والأخرى مسبلة إلى جانبي. جالسةً، أرفع ذقني قليلاً، ظهري مشدود إلى الأعلى، أشعر أن عظام عمودي الفقري تكاد تنفصل، عنُقي يستطيل مثل طيفٍ مسائي. حين أرى هذه اللوحة، أحاول أن أسترجعَ ما كنتُ أفكر به –
كيف أنني لا أريد أن أنكشف، رغم أنّني عارية، كيف أنني أرتدي بشرتي كثوبٍ بلا ثنيّات. “بيلوك” يظن أنني أصلُحُ للكاميرا، ويواظب المجيء إلى غرفتي. يقول: هذه اللوحاتُ هشَّة. ويشرحُ لي كم من السهل تمزيق هذه الصورة التي هي أنا، وكيف أن حكاً سريعاً قد يحفرُ جرحاً فوق صدري.
*نص: ناتاشا تريثوي *ترجمة: عابد إسماعيل *المصدر: ديوان الشعر الأمريكي الجديد – دار المدى
إذا كانَ ميخائيلُ هو زعيم الضّيافةِ عندَ الإله في لقاءِ النّعيم والجحيم فسينظرُ إليكِ من باب السّماءِ حينها سوف ينسى أعمالهُ.
لا مزيدَ من التّفكيرِ بالحروبِ في البيت الإلهي فهو سوف يذهبُ إلى نسجِ النّجومِ طوقًا لرأسكِ.
وكُلُّ النّاسِ سيرونهُ ينحني والنّجوم البيضاء ستتكلّمُ بمديحه.
سيأتي أخيرًا إلى مدينةِ الإله العظيمة ذات الطّرقِ اللّطيفة.
يطلبُ أن يوقفَ الإله الحروبَ قائلًا: إن كُلَّ شيءٍ على ما يرامُ. صانعًا السّلام الورديّ أيّ سلام الجنّةِ والجحيم.
سقوط الأوراق
الخريفُ يلامسُ الأوراقَ الطّويلة الّتي تحبُّنا وتلكَ الفئران في حزمِ الشّعير، صفراء كانت أوراقُ الرّوانِ في الأعلى وصفراء الأوراق البريّة الرّطبة-أوراق الفراولة- هُناك.
تُحاصرُنا السّاعةُ، الّتي يتضاءلُ فيها الحُبُّ مُتعبةً وباليّةً أرواحنا الحزينة الآن دعينا نربتُ هُنا قبل أن يتلاشى موسم العاطفة مع قبلةٍ ودمعةٍ تتدلى على جبينكِ.
بعدَ عامينِ
لَم يقل أحدٌ بأن تلكَ العيون الجريئة اللّطيفة يجب أن تتعلمَ أكثر أو يحذرُها من اليأسِ كما يشعرُ بهِ العث عندَ الاحتراقِ.
في باب المعرفة المطلقة. ولا معرفة. قد يكون ما أعنيه في باب الشعر. وهذا لا يؤخذ بعلم ولا بشيء.
لا تعرفين من أفكار جسدي إلَّا قليلَ نثرها وشعرها، ومن أوجاع بيوتي إلَّا وعودَ جمرها، ومن أرضي إلا توجّسَ البراكين. وهذه مدعاةٌ لعتمة. تعرفين فقط أني غيومكِ لأنَّكِ تدرسين الجبال والأنهر وغيبوبة الأودية. وهذه طبعاً لا تكفي. ومن نظرةٍ أولى على غرار من وصمتهم صواعقُ النوم. وبلا سببٍ علميّ لأني وأنتِ لعنتا آلهة. وتعرفين أني الشاعر المرئي وغير المرئي وأني بما يكفي لأطالب الكلمات بصرخات الجنين. وتعرفين أني لستُ نبياً وإنما أسبق حلكةَ يديّ لأقودهما إليكِ. ولستُ صانع غابات لكنّي أرفع روح النباتات إلى لهاثها. ولستُ مديحاً لحرية وإنما أفتح الحدود على هواجس الجغرافيا. وهذه كلها تجعلني عصفوراً ولا سماء، وشجرة سرو ولا هواء، وهاويةً للوقوع ولا قعر. تعرفين أني أحبكِ وغداً. وهذا طبعاً لا يكفي، وإذا كنتُ أسفح أحداً فأقداري لأنَّها مكتوبة. وإذا كنتُ أسفحها فلأنتقم لماضيَّ وحياتي، لأنكِ لم تكوني. وهذه طبعاً لا تكفي.
تعرفين فقط أني أرى من شدة ما أراكِ، وأنمو من فرط نموكِ فيَّ، وأتكلم صحيح اللغات من فرط إصحاحكِ وصحيح لغاتكِ. وتعرفين أنكِ تجوّعين نمور غاباتي. وهذه طبعاً لا تكفي.
لكنكِ لا تعرفين أني مصاب وأن الأقواس النشَّابة جمعتني فصرتُ لا سهولاً من قمح لكن سهولاً من سهامك علي.
لا تعرفين مثلاً أن إصابتي عميقة وأن أنصالكِ تخترق، وأن شفاء منها لن يكون ممكناً خلال هذه الحياة، وإن بمعجزة. لا تعرفين أني أريد هذه الإصابة مثلما أريد طفولتي، وأني أطالب بها مثلما أطالب بحياتي قبل الولادة. أنتِ لا تعرفين مثلاً أن عودتي إليَّ مستحيلةً لأن لا طريق بعد الآن إلى شخص كان أنا في أحد الأيام.
لا تعرفين مثلاً أن مياهك مُسمَّمة. أقول وأعني مياهاً أشربها فوَّارة من أعمق آبار فتنتكِ. ومياهاً تتحدر من شاهق مرور شتائكِ فوق الجبال. أذكر المياه وأعني أن سمومكِ قد لقَّحت غرائزي وغيّرت دمي وأهلكت صنوف الموت السلبي في لغتي، وأنّها بلغت مني مبلغ الموت وأنا على قيد الحياة.
أنتِ لا تعرفين مثلاً أن الهواء… وأن عينيّ وأن يديّ وأن قوايَ الحية وأن النوم وأن الفجر وأن الظهيرة وأن الدغشة وأن منتصف الليل وأن الأفق وأن جروحي وأن الموسيقى وأن الطبيعة وأن الفن وأن أحفادي وأولادي وأن مرور الأفكار في الغيم وأننا جميعنا مصابون بكِ. أنت لا تعرفين مثلاً أن غداً مُسمَّمٌ بكِ. لا غدي فقط لكن غدَ يومِ غدٍ أيضاً ومثلاً وبالطبع.
أنتِ لا تعرفين إلا القليل. وهذا صحيح تماماً ومدعاةٌ لعتمة. تريدين أن تعرفي المزيد، وأيضاً؟ خذي عدد الأنفاس وعدد نبضات القلب وخذي أعمار موتي الإيجابي في النهار وأعمارها في الليل وأعمارها عندما أغضب وأعمارها عندما أغتبط وأعمارها عندما أحلم وأعمارها عند الكوابيس وأعمارها عندما أكتب وأعمارها عندما أكتم وأعمارها عندما أجيء وأعمارها عندما أسلّم الروح وأسرّح القَتيل. أنتِ لا تعرفين إلا القليل القليل وهذا صحيح تماماً وضروريّ تماماً ولا بُدّ.
أنتِ لا تعرفين أنّه أجمل للحبّ أن لا تعرفي لكنكِ تفتحين القفص أمام الغابة وتبدأين المعرفة. عزاؤكِ أنكِ ستعرفين، وانتقامُ الشعر أنكِ لن تعرفي.
عشتُ وحيداً، مع الكلب كامبيون، حتى بدأ وجوده يضايقني. أخذته إلى الغابة، وتركته مربوطاً بحبلٍ كان بإمكانه بقليلٍ من المثابرة أن يقطعه وأن يعود إلى البيت. لم يكد يومان ينقضيان حتى وجدته يخرمش على الباب، فتركته يدخل. حين أصبح الوضع لا يطاق، أخذته إلى غابة أبعد، وربطته إلى شجرة بحبلٍ أثخن (مدركاً أن العلّة ليست في الحبل، بل في وفاء هذا الحيوان. تمنيتُ سراً ألا يفك وثاقه هذه المرة وأن يموت جوعاً). عاد بعد بضعة أيام. أدركتُ بأن الكلب سيعود دوماً، لكني لم أجرؤ على قتله خوفاً من تأنيب الضمير. اعتقدتُ أنني وإن تمكنتُ من إضاعته بلا رجعة في غابة أكثر بعداً، سيكون عليّ أن أعيش في خوفٍ دائم من عودته، ليؤرق بها نومي وينغص عليَ مسراتي، سيكبلني غيابه بأشد مما قيدني حضوره. بالكاد راودتني لحظة شك وأنا أقف أمام عظمة الغابة التي ارتفعت أمام ناظري- ظليلة، مجهولة، مستكينة. بعزمٍ، مضيتُ أسيراً متوغلاً نحو العمق حتى أضعتُ نفسي.
الحديقة
لم نكن لنتوصل إلى اتفاق حول مساحة الحديقة، وإن كنا اتفقنا بالفعل على أن مساحتها، من حيث ترى من الرصيف، أو من الممشى الذي يقسمها نصفين وصولاً إلى المنزل، تُقَدَرُ ببضعٍ وثمانين كيلومتراً مربعاً (ثمانية أمتارٍ في عشرة). إلا أن الجدل لا يبدأ إلا في اللحظة التي يتوغل المرء في أحراش الحديقة، عبر لبلابها ونباتاتها التي لا تزهر، يخطو بين حشراتها ودروب النمل، وبين نباتاتها المعترشة وسراخسها العملاقة وأشجار اليوكالبتوس المتطاولة التي تُسَرِّب، كلما تقدم المرء خطوة، أشعة الشمس، ماضياً بين آثار الدببة وثرثرة الببغاوات، والأفاعي المندسة في الأغصان، تلك التي ترفع رؤوسها بالفحيح حين نمر بالقرب منها، مغالباً حَرِّها الذي لا يطاق، والعطش والعتمة، وزمجرة الفهود. نَشقُ الطريق بمنجلٍ عبر الخضرة المغوية، بقبعاتنا وجزمنا العالية، في الليل والرطوبة والخوف، دون العثور على مخرج، دون العثور على مخرج.
*نص: ماريو لفريرو (1940-2004) كاتب من الأوروغواي صدرت له العديد من الروايات، مجموعات من القصص القصيرة، والكتب المصورة. *ترجمة: مريم الدوسري
عندما لا تكونين موجودةً من رُعب الواقع أتلفتُ للخلفِ ألفَ مرةٍ وللأمامِ أنظرُ ألفَ مرة عندما تكونين قِبالي أغدو صخرةً قوية وبكامل هدوئي أغفو على صدر الأرض.
Ger tu tune bî Ji sawa ketwar Hezar carî li paş xwe dizîvirim û hezar carî li pêşiya xwe dinêrim lê dema tu li hember min bî dibim hîmekî hêzdar û bi hemî hêminiya xwe li ser sîngê zemînê xilmaş dibim
ليسَ بالأقدامِ ولا بوسائلِ النقلِ أصلُ إلى المكانِ الذي أريد إنما بالإرادة.
Ne bi lingan ne jî bi amûrên veguhestinê digihînim cihê ku dixwazim Lêbelê bi vîna xwe
لعينيَّ مدىً محدود لكنَّ رؤيتي بلا حدود.
Delîva Çavê min sînordar e Lê nirîna min bê sînor e
لا أحلمُ أنْ أحلّقَ في السماءِ حلمي أنْ أحلّقَ في داخلي.
Ne xewna min e ku li asîman bi banî kevim xewna min ew e ku di hundirê xwe de bifirim
عندما أرى ضحكةَ حبيبة قلبي تخرجُ من جروحي الورودُ والنرجس دموعي تسقيهم حتى تتفتح من أجلِ ذلكَ أحبُّ جداً جروحي وأحبُّ كثيراً دموعي.
Gava kenê evîna dilê xwa dibînim Ji birînên min gul û nêrgiz derdikavin hêsirên min wan avdidin heyanî ku dipişkivin Ji bo wê yekê ez pir ji birînên xwe hez dikim û gelekî ji hêsirên xwe hez dikim
قالَ لي رجلٌ عجوز: فجر غدٍ سيتحولُ يومُكَ هذا إلى ذكرى فحاولْ حاولْ أنْ تمضيّ يوماً جميلاً كي تصبحَ لديكَ ذكرى جميلة.
Kalekî gote min: bi berbanga sibê re ev roja wê bizîvire û bibe bîranîn lewra bizav û hewldanê bike ku tu rojek xweş derbas bikî da ku tu bibî xwedanê bîranînek xweş
Di xewnekê da destekî spî dirêj bû li tenişta dilê min dilekî din çand ji wê xewnê da ez bi herdu dilan ji te hez dikim
في وطني لم يتبقَّ جدرانٌ نعلّقُ عليها صورَ الشهداء.
Li welatê min ti dîwar neman ku em wêneyên pakrewanan pê ve daliqînin
أياميّ البيضاء التي وضعْتُها في جيبِ بنطاليَّ الأسودِ لأبيعَها وأشتريّ عدةَ أرغفة ما من أحدٍ دفعَ فيها سنتاً أعطاني الفرانُ رغيفاً بائتاً وقالَ لي: احتفظْ بأيامِكَ واعتبرِ الرغيفَ صدقة.
Rojên min yên spî Yên ku min xistine bêrîka pantolonê min î reş da ku ez wan bifroşim û çend nanan bikirim Kesekî tek sintek jî tê neda nanpêj nanek sar da min û bi min re got: Rojên xwe biparêze û nên jî wek sexde bibîne.
لا وجودَ لشيءٍ اسمُهُ الفراغُ الفراغُ ممتلئٌ دائماً مرةً طعنْتُ الفراغَ فغمرَتْني الدموع وكي أتأكدَ أنّ ما أراهُ ليسَ مجردَ حلمٍ طعنتُهُ مرةً ثانيةً فغمرَتْني هذهِ المرةَ دماءُ الأبرياء منذُ ذلكَ الوقتِ وكلما انتابَتْني رغبة قوية بالطعنِ أطعنُ نفسيَّ بدلاً من الفراغ.
Tiştekî bi navê valahiyê tune ye Valahî her tim tijî ye carekê min kêrek li valahiyê xist hêsir li min barîn û ji bo ku ez piştrast bikim ku tiştê ku ez dibînim ne tenê xewnek e dîsa min lê xist vê carê xwîna bêgunehan da ser min ji wê demê û vir ve her carê ku xwestekek min a xurt heye ku bi kêran bicî bînim li şûna valahiyê ez li xwe dixim
نصوص الشاعر: زكريا شيخ أحمد ترجمة عن الكردية: ماجد ع محمد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الشاعر زكريا شيخ أحمد من مواليد قرية معراته التابعة لمنطقة عفرين السورية 1972 تخرج من كلية الحقوق في جامعة حلب 1999 مارس مهنة المحاماة لغاية 2012 وأواخر عام 2014 غادر سوريا، وهو منذ عام 2015 مقيم في ألمانيا، صدر له حتى الآن مجموعتين شعريتين باللغة العربية إحداها تحت عنوان: “ضوء هناك” والأخرى بعنوان “اجتياز” وتُرجمت المجموعة الأخيرة إلى اللغة الألمانية فيما نُشرت روايته الأولى “حدث في الشمال” في مصر هذا العام 2022.
كلُّ هذا الليل من الغرفة حتى البحر مليء وعميق لأسماعي الطائشة بكاء الصرصار وضجيج المحرك العلامتان الفارقتان في جبهته العريضة.
كل هذا الغموض في طريقة استلقائكِ في انعدام التنفس في الوداعة المرفرفة في عزم التباعد ولا نهائية التلاقي من أنتِ؟ كلانا يعرف وكلانا يضغط على شفته بصفٍ من أسنانه الضاحكة تاركاً لحفنة من قلبه سبيل التلاشي.
كل هذا الليل مليء وعميق من مضجعي إلى مياهكِ حيث تلعب الأسماكُ وتتمايل أعشاب حياتكِ القصيرة في هبوب الجسد.
في الحياة والموت
في الحياة وفي الموت أُحبُّكِ أنتِ سطوةُ اليقظةِ تمرُّدُ القلبِ فوضى اليوم الأبدي الأشياءُ في التبدُّل.
في الحياةِ وفي الموتِ في نَزَق الجُنون وفي برهات الظلمة عندَ شُرفَةِ العدم أحبُّكِ وفي الشارع المقْفل بالحجارةِ والجند وعلى مفترق الحَيرَةِ أحبُّكِ.
القمرُ بقلبٍ وحيدٍ يدخلُ كلَّ الغرف وأنا لن أستطيع بحياةٍ واحدةٍ أن أُحبَّكِ.
في الحياةِ وفي الموت في حدائِق الكراهيةِ وفي اليوم المريبِ وعندما يقطُفُ البَشَرُ ورودَهم المسمومة ويتبادلون الفؤوسَ والرصاصَ والطعنات أُحبُّكِ.
في الحياةِ وفي الموت وفي اليقظةِ المريرة.
ظلال
هب أنني هنا، ممدد على سريري في وحـدةٍ أخيرةٍ عيناي وردتان مقطوفتان منذ ليلة ويوم هب أنني إلى الصباح أبقى أطيع كل نأمةٍ والشمس تغمر الطريق والضوضاء والميتون يصخبون في الظلال وفي المساء هب أنهم جاءوا وكسروا الباب حينئذ، هل أستطيع أن أترك السرير لأصنع القهوة للضيوف؟!
على رؤوس أصابعهم
الموتى يستيقظون ويذهبون إلى الشبابيك العتمة ما زالت يضيئون الأنوار ويتخذون لأنفسهم عروشاً صغيرة في الغرف يفكرون بأصوات عالية يبتسمون لجاجمهم في المرايا يتجاورون ويتهامسون في اكتشاف كليّ الغبطة للدم، يتردد في القنوات.
*نص: نوري الجراح *من كتاب: مجاراة الصوت ورجل تذكاري
لا فرق في أن أتحمل معكَ فراقاً أبدياً وأسود. فيم بكاؤك؟ أعطني يدكَ وعدني أنَّك ستزورني في الحلم ثانية. معاً نحن كالشقاء مع الشقاء.. لا لقاء لي معكَ على الأرض. يكفي أن تبعث لي بتحيتكَ عبر النجمة كلَّما انتصف الليل.
الكلمة الحجريَّة
وسقطت الكلمة الحجريَّة على صدري الذي لم يزل حياً. لا بأس. كنتُ أنتظر هذا، وسأتغلب عليه.
لديّ اليوم مهام عديدة: ينبغي أن أقتل ذاكرتي تماماً، وعلى روحي أن تتحجَّر وأن أتعلم العيش من جديد.
لا بأس.. هو ذا الصيف عبر النافذة بحفيفه الحار أشبه بعيد. منذ زمن وأنا أتوقع هذا المنزل المقفر والنهار الوضيء.
لا أمتلكُ مزاعم خاصَّة بي
لا أمتلكُ مزاعم خاصة بي تجاه هذا المنزل المتألّق، غير أن ما جَرَى هو أنَّني عشتُ حياتي كلّها تقريباً تحت السقف الشهير لقصر النافورة هذا.. شحَّاذة دخلته وشحاذة سأخرج منه.
وكنت تظن أنني كالأخريات
وكنت تظن أنني كالأخريات يمكن أن أنسى، وأنني سأرتمي متوسلةً، منتحبةً تحت حوافر جوادك الكُمَيت.
أو أنني سأسأل الساحرة كعباً من من ماء تعويذتها وأبعث إليك بهدية مرعبة: منديلي المعطر المكنون.
لتكن ملعوناً. لن أمس روحك اللعينة بآهة أو بنظرة. إنما أقسم لك بالحديقة الملائكية، بالأيقونة العجائبية أقسم وبدخان ليلتنا الملتهب الخانق أنني لن أعود إليكَ في أيما يوم.
وحدة
لكثرة ما رُميتُ بأحجارهم لم أعد أخشى أياً منها. وغدا الفخ برجاً أهيفَ عالياً بين الأبراج العالية. شكراً لمن بناه، ولتعبِّر عنه الهموم والأحزان. من هنا كنتُ أرى الفجر وهنا كان يحتفلُ آخر أشعة الشمس.. غالباً ما تجيءُ رياحُ البحار الشمالية طائرةً إلى نوافذ غرفتي، ويلتقط اليمام الحنطة من يدي.. وأن صفحة لم أكتبها بعد ستكتبها اليد الإلهية الخفيفة يدُ ربَّةِ القصيدِ السمراء الهادئة.
*نص: آنا أخماتوفا *ترجمة: حسب الشيخ جعفر *من كتاب: مختارات من الشعر الروسي
كان شيخاً ذا لحيةٍ شيباء وأنفٍ ضخم ويدين كبيرتين. وكان قبل أن نعرفه بوقت طويل طبيباً يذرع شوارع ونسبيرگ في ولاية أوهايو من منزل إلى آخر ممتطياً جواداً أبيض ضامراً. تزوج في وقت لاحق من فتاة ذات مال. ورثت بوفاة والدها مزرعة خصيبة كبيرة. كانت الفتاة هادئة وطويلة وسمراء، وعدّها كثير من الناس في غاية الجمال. تساءل الجميع في ونسبيرگ عن سبب زواجها من الطبيب. وفي غضون عام من الزواج توفيت.
كانت براجمُ الطبيب كبيرة على نحو استثنائي. فعندما يقبض يديه تبدو البراجم كأنها عناقيد من كرات خشبية غير مصبوغة بحجم الجوز تنظِمها قضبانٌ فولاذية. كان يدخّن غليوناً، وبعد وفاة زوجته جعل يجلس طوال اليوم في مكتبه الفارغ قريباً إلى نافذةٍ تغطيها أنسجة العناكب. لم يكن يفتح النافذة قط. حاول ذات مرة في يوم حار من شهر أغسطس، غير أنّه وجد النافذة عالقة، ثم نسي الأمر برمّته بعد ذلك.
نسيتْ ونسبيرگ الرجل العجوز، لكن كانت في الدكتور ريفي بذور شيء ما. لقد كان يعمل وحده بلا كلل في مكتبه المتعفن في مجمع هيفنر، فوق متجر شركة البضائع الباريسية الجافة، ليبني شيئاً دمّره هو بنفسه. نصب أهراماً صغيرة للحقيقة ثم بعد أن نصبها أطاح بها مرة أخرى حتى تكون لديه حقائق يحتاجها لنصب أهرام أخرى.
كان الدكتور ريفي طويل القامة ويرتدي من الملابس بذلة واحدة مدة عشر سنوات. اهترأت لدى الأكمام وظهرت عليها عند الركبتين والمرفقين ثقوب صغيرة. في المكتب كان يرتدي فوقها سترة من الكتّان ذات جيوب ضخمة واظب على حشو قصاصات الورق فيها. بعد بضعة أسابيع تغدو قصاصات الورق كرات صغيرة مستديرة صلبة، وحين تمتلئ بها الجيوب يلقى بها على الأرض. ما كان لديه طوال عشر سنوات سوى صديق واحد، وهو شيخ آخر يدعى جون سپانيارد ويمتلك مشتل أشجار. أحيانا يُخرج الطبيب العجوز ريفي من جيوبه حفنة من الكرات الورقية ويلقي بها على المشتل في مزاج مرح. يصرخ وهو يهتز ضاحكاً: «إنما أربكك بها أيها العجوز العاطفي المبتهج.»
قصة الدكتور ريفي وتودده إلى الفتاة السمراء الطويلة، التي أصبحت فيما بعد زوجته ثم أورثته أموالها، قصة مثيرة للفضول. إنها لذيذة مثل التفاح الصغير الملتوي الذي ينمو في بساتين ونسبيرگ. يمشي المرءُ خريفاً في البساتين والأرض الصقيعية تحت أقدامه صلبة. التقط الجُناةُ التفاح من الأشجار. لقد وُضع في براميل وشُحن إلى المدن حيث يُؤكل في شقق مليئة بالكتب والمجلات والأثاث والبشر. لا يوجد على الأشجار سوى عدد قليل من التفاح المعقود هجره الجناة. يبدو مثل براجم الدكتور ريفي. يقضم المرء منها فإذا هي لذيذة. تجمّعت في بقعة دائرية صغيرة من جانب التفاحة كل حلاوتها. يركض المرء فوق الأرض المتجمدة من شجرة إلى شجرة ويقطف التفاح المعقود الملتوي مالئاً به جيوبه. قلة هم أولئك الذين يعرفون حلاوة التفاح الملتوي.
بدأت الفتاة والدكتور ريفي توددهما أحد أيام الصيف بعد الزوال. كان يبلغ من العمر خمسة وأربعين عاماً آنذاك، وكان قد بدأ ممارسة ملء جيوبه بقصاصات الورق التي تصبح كرات صلبة ثم تُقذف بعيداً. تشكلت هذه العادة عندما كان يجلس في عربته خلف الحصان الرمادي المتعثر ويسير ببطء على طول الطرق الريفية. على الأوراق كانت تُكتب أفكار، ونهايات أفكار، وبدايات أفكار.
أنتج عقل الدكتور ريفي الأفكار واحدة تلو الأخرى. من بين العديد منها شكّل حقيقة نشأت وتضخمت في ذهنه. غيّمت الحقيقة فوق العالم. استحالت فظيعة فتلاشت ثم عادت الأفكار الصغيرة مرة أخرى.
جاءت الفتاة السمراء الطويلة لرؤية الطبيب ريفي لأنها كانت ستنجب طفلاً وخافت. وجدت نفسها في هذه الحالة بسبب سلسلة من الظروف هي الأخرى مثيرة للفضول.
لقد أفضى موت والدها ووالدتها وفدادين الأراضي الغنية التي آلت إليها إلى وجود رَتَلٍ من الخُطّاب يجري في أعقابها. مدة عامين ظلت ترى الخُطّاب كل مساء تقريباً. كانوا متشابهين جميعاً باستثناء اثنين. تحدثا إليها عن الشغف وكانت هناك رنّةُ لهفة متوترة في صوتيهما وفي أعينهما عندما ينظران إليها. لم يُشبه الشخصان المختلفان البقية. أحدهما، وهو شاب نحيف أبيض اليدين كان ابنًا لصائغ في ونسبيرگ، تحدث باستمرار عن العذرية. لم يكن حين يجلس معها ليخرج عن الموضوع أبداً. أما الآخر، وهو صبي أسود الشعر كبير الأذنين، فلم يقل شيئا البتة، لكنه دائماً ما يتمكن من إدخالها في الظلام حيث يُشرع في تقبيلها.
طالما ظنّت الفتاة السمراء الطويلة أنها ستتزوج من ابن الصائغ. تجلس ساعات تصغي إليه في صمت وهو يتحدث، ثم بدأت تخاف من شيء ما. بدأت تعتقد أن وراء حديثه عن العذرية شهوة أعظم من شهوات الآخرين مجتمعين. بدا لها في بعض الأحيان أنه كان في أثناء حديثه إليها يمسك جسدها بين يديه. تخيلته يديره ببطء في اليدين البيضاوين ويحدّق فيه. في الليل حلمت أنه قد عضّ جسدها وأن فكّيه كانا يقطران دماً. رأت الحلم ثلاث مرات، ثم حمِلت ممّن لم يقل شيئاً على الإطلاق، لكنه في لحظة شغفه قد عضّ كتفها فعلاً حتى إن آثار أسنانه البادية بقيت هناك أياماً.
بعد أن تعرّفت الفتاة السمراء الطويلة على الطبيب ريفي تبيّن لها أنها لا ترغب في تركه مرة أخرى. دخلت مكتبه صباحاً ومن دون أن تقول أي شيء بدا أنه يعرف ما حدث لها.
كان في مكتب الطبيب امرأة هي زوجة الرجل الذي يقوم على المكتبة في ونسبيرگ. ومثل كل الممارسين القدامى في الريف كان الدكتور ريفي يخلع الأسنان، وكانت المرأة المنتظرة تضع فوق أسنانها منديلاً وتتأوه. كان زوجها معها وحين خُلعت السن صرخ الاثنان كلاهما وسالت الدماء على فستان المرأة الأبيض. لم تُولِ الفتاة السمراء الطويلة المشهد أدنى اهتمام. عندما غادرت المرأة ورجلها تبسّم الطبيب. قال: «سآخذك بسيارتي إلى الريف.»
بقيت الفتاة السمراء والطبيب معا كل يوم تقريباً عدة أسابيع. تبدلت الحالة التي جاءت بها إليه إلى مرض، لكن الفتاة كانت مثل من اكتشف حلاوة التفاح الملتوي ولم تعد تستأثر بتفكيرها الفاكهة المثالية المستديرة التي تؤكل في الشقق مرة أخرى. في أول خريف بعد بداية علاقتها بالدكتور ريفي تزوجت منه ثم في الربيع التالي توفيت. خلال الشتاء كان قد قرأ لها كل شيء عن الأفكار التي شخبطها على قصاصات الورق. كان يضحك بعد أن يقرأها ويحشوها في جيوبه لتصبح كرات صلبة مستديرة.
القتلة يرقصون على جُثَّتي كنتُ أحظى بما يَكفي من الفرح قبل الرَّصاصة الغادرة!
كانت الساحة مُكتظَّة بالحلم والأمل أظنها لا تزال وهي تحدث عن دمي لا يزال الحلم والأمل في ميدان الاعتصام ملهماً الصبايا والفتيات- الأمهات والزغاريد صنع الطعام؛ والصبية وهمَّة الشباب كلُّ شيء؛ يثير شهية الحياة!
الأغنيات الرسوم البهيجة؛ والتعاويذ؛ والدعوات كنتُ أبهى وأنا أتجول في ساحة المهرجان أزهو- وهو ترابي أزهو- وهو وطني وأنا كلمة السر نحوها ونحوه زر أنا سيد المكان والإمكان!
لا تزال جُثتي على النهر أنصتُ عميقاً لطرق الرفاق على النفق وعلى جسر الحديد- كيفما اتفق أُصغي لهديل الحمامات ذوات العبق- وزغاريدهن أبهى ما يكون الألق
لا زلتُ أنتقي الأنس وأنا موغل في الغَرق!
جُثَّتي على النهر- لا تزال ولا زلتُ منصتاً وبهيجاً بصوت الرفيقات – الرفاق لازلتُ مبتهجاً بالعناق نسيتُ هدير الرصاص الهطيل وغدر الجناة لازلت أصغي لزغرودة- فيصل بين الحياة وبين الممات أعيشُ على خيطِ عطرٍ طَفيف لا أزال أعيش وجثَّتي على النهر تعيش الحياة!
سورة
النيلُ يمضي هادئاً ينساب في صمتِ المدينة واحتراقات القُرى والأصدقاء الآن لا يتبادلون تحية الصُّبح ولا يتعارفون وأنبياء الفقر في كلِّ الأماكن يرشفون الشاي والحزن ولا يتحدثون يخبئون الموتَ في أطرافهم ويوزّعون الصبر للأطفال ينتشرونَ في الأشجار عَبْر الأرض ينتحرونَ في الليل احتجاجاً ثم ينتحلون عَقْلَ زُجاجة الخَمر، ويفتعلون حرباً في النساء، ولا يُقيمون الصلاة ويرحلون.
تصعدُ الجدرانُ في اللبلابِ والخرطومُ جالسةٌ على مقهى تدخّنُ استوى في الليل قطاع الطريق وعابرو نصفِ المسافةِ هل يكون الشارع الآن امتداداً لاختناق الليل بالعربات والعهر وكنا عاشقيْن، نفتّش الأطفال والأطفال في رئة المخابز. يسرقون النارَ
ـ ما اسمي؟ ـ أسميكِ احتراق الأرض، فانتفضي ـ وما طعم الرماد؟! -…………… افترقنا!
كتابة الدم في رثاء الحبيبة
واقفٌ في الدَّم النبويّ الشَّهيد هل تجيد البكاء؟! مُحاولتي للتجوُّل فاشلة تركض القاطرات إلى المدن المعدنية والحلمُ منتظرٌ تذهب المرأةُ الصابرة وعلى درجات الحريق تكون السنابل آخذة في الصعود إلى تربة ناسفة.
كيف يفترق العاشقان؟! شارع النيل مستند في المساء الحزينِ على خشب المركب المتآكل والشجر المتبرّجُ ينظر عبر ازدحام الفنادقِ للعربات الأنيقة والسُّوقةِ الوسخين
بيننا لغة من بكاء نتعرَّى على الرَّمل في زمن الجوعِ والخوفِ نكشف عن سوءة الجرح بالنزفِ نطلق للريح ساق الدم المُستفاد نهرب أغنية في ثنايا جنازتنا هل يراقبنا شاطئانِ وفي البحر وقت لعاشقة، ومرايا، وقبضة روحٍ لعاشق؟
المدينة لنا أن نحدث عن كُوَّة لشعاع النهار بسور وللصبية الرقص ما أمكن الضوء إني أرى صورة الفجر في دفقة العشق، في صدركِ الخصب أبصرُ شيئاً من السحر يزحف صوب الحقول الجديبة وهي تهيء للعرس زينته ليس للأرض أن تتحرك إلَّا على ما يشاء لها عاشقوها!
*نص: الصادق الرضي *من كتاب: أَقاصِي، ومن موقع: sudaneseonline.com
كنتِ تضعين الصمتَ في مكانه وتمنعينه من امتلاك العيون. كان كل شيء في الكون في مكانه الطبيعي حين كنتِ تتحدثين. لكنّ مخلباً شفيفاً للنوم بات يأخذكِ مؤخراً لتنامي كل ليلةٍ في المرتفعات. ثم مستغلاً غيابكِ يقتلنا الليلُ.
كان صوتكِ فرصةً أخيرة للخروج من كل شيء. لكنكِ ملتِ إلى الدعة والظلال. كان صوتكِ فرصةً لظهور الطريق وانحسار الفراغ. كان صوتكِ أمل الوردة وروح العطر. لكنكِ هكذا تحبين البرق والفكرة العابرة أكثر من الناس والأمطار، وتمنحين هالة صوتكِ للجبل كي يواصل اليأس والارتفاع.
كان صوتكِ خميرةً يجهل أصلها الخبازون وصانعو الخمور. كان يمر مخابز المدينة كلها في لحظةٍ واحدة ليصلح العجين، ويشعل شمعةً في قبو العناصر والاحتمالات.
كان صوتكِ غسّالةً هائلةً بلا صوت. يغسل ملابس الغرباء الذين يمرون بكِ، ويجفف ملابس الأولاد الذين ينتظرون قمصانهم الوحيدة ليذهبوا إلى السأم والأصدقاء.
كان صوتكِ هواءً مشمساً يهزّ حبال الغسيل في المدن المصابة بالقمل. كان يداً قوية تنظف الأرض من التبغ الرديء ومن الأثرياء. كان يداً تلعب مع القطط التي تشعر بالملل من نومها الأرضي الطويل، وماءً قاطعاً يزيل القذى من العيون والحمائم من الشبابيك.
كان صوتكِ الماءَ الذي يعالج فساد الأنهار.
أنتِ لا تدركين أن الطبيعة تتكئ عليكِ.
أن العشب لا يظهر بسبب الغيم بل حين تخرج من فمكِ (الشين). أن الظلَّ لا يمتدّ بسبب انكفاء الشمس بل بفعل (الراء) التي تسقط مراراً منكِ دون اهتمام. وحين تطيرين مع الجبل لا تقولين كيف يزيل الناس أثر (الجيم) التي خرجت منك والتصقتْ بالهواء؟ لا تشرحين كيف خرجت الإنسانية من (السين) التي انسربت من ثناياكِ وأنتِ تتحدثين بكل هذا العدم وكل هذا الهراء؟
لا تدركين أيتها الغافلة أن الطبيعة تحتاج صوتكِ لتكون.
تقولين إنكِ متعبة من الاستواء وتحتاجين إلى الأنقاض. إنكِ بحاجة إلى الكنبة أكثر من الكلام. إلى حضن شخص ليس له وجه ولا مستقبل ولا يدان. وأقولُ صوتكِ حضنُ نفسه. فكيف يحتاج الحضن إلى حضن؟ ولماذا ترتاح جراحكِ في المخالب والمرتفعات؟
أنتِ لا تدركين أن الطبيعة تتكيء عليكِ.
وتجهلين أنكِ حين تضعين باستمرارٍ حاجزاً هشاً مثل (أظن) وسط كلامكِ، ينهال علينا اليقين.
أيتها المتعبة الهاربة من الكلام الضئيل .. كان الهدوء الممطوط الذي يبلل(الميم) في كلامكِ ما ينقص الكون ليرتاح من كل هذا الكلام.
نقوم بإحصاء الزيارات واستقراء البيانات العامة، وقد يفعلُ شركاؤنا أيضًا وبعضُ الأدوات التي نستعين بها.
الموافقة اختيارية لكننا نحب لو توافقون، وبيننا وحي الأدب، وهذه سياسة الخصوصية (تُفتح في لسانٍ جديد).