المدونة

  • أذن – عبدالله حمدان الناصر

    أذن – عبدالله حمدان الناصر

    الأذن التي كانت تذهب معكِ للدرس تذهب الآن معكِ للوظيفة والمُحاكمات. تستمع معكِ للموسيقى في السيارة، وتغمرها المياه ورغوة الاستحمام قبل النوم. الأذن التي تحمل سماعة الهاتف الخلوي وأقراط السبوت لايت وخصل الشعر والسالفَ السعيد. الأذن التي تعلقين عليها النظارة والقناع والأمل والقنوط، ألا تتعب من كل هذه الأثقال والمحطات؟

    وما الذي تفعله الأذن حين تغيبين ويأخذكِ النوم؟ تراها تنام مثلكِ أم تفكّر بكِ؟ ألا تود هذه الفراشة الواقفة منذ عقود على صدغكِ أن تطير؟ ألا تشتاق للحقل والأشجار والموت السريع وصمت القطارات؟ هذه الليمونة التي يعصرها الله على أرواحك الخالية من الناس، ألا يتعبها السأم والاصفرار؟

    أذنكِ التي تستقلين كسيارة أجرة صفراء في الهزيع لتذرع بكِ شوارع الليل. ألا تبلى عجلاتها من مسيركِ اللانهائي في الموسيقى والليل؟

    أذنكِ الدلو في بئر طبيعتكِ الصامتة. الدلو التي تسقي العابرين مفازة جلدكِ الذي يلتهم النظرات. التي تنقذنا من العطش وتترك لنا فسحةً للنوم على كتف الماء. ألا تتعب من البئر؟

    أذنكِ وردة الحجر على نافذة القصر. تميل برأسها على الحفلات والرقص في الصالون، لكن لا يسعها الدخول إلى الفرح. أذنٌ تتوجس من الضحكات.
    كأنها القلب الذي لا يستطيع دخول القلب، والليل الذي يعتم الليل.
    كأن الأذن بطانة الروح. تحمي جلدك من خشونة السهرة وضوضاء الفساتين.

    أفكر حين أقف أمام تلك الآذان المُغمضة أن أذنيكِ أطفالٌ ينبتون خارج الرَّحِم ويتدلون من تلكَ الشقوق في الرأس.
    كأنَّ أذنكِ الجنين في نومة الجنين التي تستمر سبعين عاماً في الهواء. الجنين الذي يَرى كلّ شيء ويكتفي بتمرير الحكاية بين طيات جلدهِ الأزلي. الجنين النائم حذاء عنقكِ الطويل. يظن نفسه الذئبَ حارس الكهف، وهو جنين في قالب الشمع. تظن الأذن أنها المكلفة بحراسة الجسد، وتسهر من أجل النائم طيلة الليل. وحين يستيقظ من ليله الداخلي تفتحُ الأذن الباب للحمائم والضوء.

    لأن الأذن تاريخ كل شيء وتبتلع كلّ شيء. هي العقبة في الوصول إليكِ وهي السبيل إليكِ. وحين حدَّقنا طويلاً توهمنا أننا قرأناكِ في قرطٍ أو قرطين. وما قرأنا سوى يومٍ أو يومين.
    هذا لأن الأذن علامة وقف في كتاب الشخص. تتوقف فقط عند الصفحة المشعةٍ بالكلمات والتنهدات. لذا حين نرى شخصاً مع أذنيه نرى فقط صفحةً واحدةً من حياته.

    تتدلى الأذن أو تنتصب أو حتى ترفرف. لكن العيون لا تستطيع اللحاق بحركة الأذن السريعة مثل جناح الطائر الطنان. فتبدو الأذن خطئاً ساكنةً في وضع الحياد. لكن أذنك أيضاً لها ذاكرة القطط والخيل. تحركين أذنك قليلاً إلى الأمام حين يعجبك الشيء، إلى الخلف حين تخافين، إلى الأفق حين تتعبين، وتنتصب حين يخذلكِ الأصدقاء.

    أذنكِ التي لها رائحة الموج وشذى القطرة الأولى في الصباح. لها رغبةٌ شاسعة في الهرب من الوظيفة والاختفاء بلا هدفٍ تحت السرير.

    أقلّب أذنكِ الهادئة في الصور الفوتوغرافية، وأكاد أسمع في داخلها صوت البحر وبأس المرجان ومشقة الفؤوس. أشم دهن العود والعنبر والبرغموت. أرى اندمال التعب والتخاريم والاهتزازات.

    وحين يقترب الرائي من ظل أذنك تبدو له محارةً أو صدفةً بحرية على شاطئ أبيض عفيف ومهجور.

    تدور أحاديث البحر، ترتطم أسراره بين أذنيك. يرى البصيرُ سمكةً حائرة بين أذنيكِ. سمكةً عالقةً فيك لا تستطيع الدخول أو الخروج. ويرى دودة الموسيقى بمؤخرتها المتوهجة تخرج من أذنكِ اليُسرى تدلّي قرونها بين خصلات شعرك في الليل. يرى الأذنَ اليمنى ثمرةً ينقرها الغريب فيضيء. ويرى داخل خطوطها رجلاً يحمل على كتفيه قبة السماء.

    وأفكّر ماذا سيحل بهذه الكائنات وتلك السماء حين تنتهي الأسئلة ولا تستيقظين في نهارٍ حزين.

    *نص: عبدالله حمدان الناصر

  • كلُّ نهار قُبلة، كلُّ قُبلة خطأ – محمد الحارثي

    كلُّ نهار قُبلة، كلُّ قُبلة خطأ – محمد الحارثي

    الجدرانُ
    وقد فاضتْ بالمسافة.



    الماء
    وقد أغلق أدراجه الفضيَّة
    قطرةً قطرة.



    وجهكِ العَـصيّ
    بلا وردةٍ خزفية
    نكسرها معاً
    ونبكي بضحك البيت
    كلَّما رنّـتْ أجراس الندى
    في الحديقة الأسيرة
    وانسلّـتْ
    على أصابع القطة
    الطاولةُ
    والكراسي
    القهوةُ لم نشربها بعد.




    الساعةُ تسهو عن
    الوقت.

    لوحةُ ميرو:

    حيث نخطئ
    كلُّ نهارٍ قُبلة


    حيث نُصيبُ
    كلُّ قبلةٍ خطأ.

    حيث لم نكن
    حريصَين على المُبالغة
    في السهو والشجرة
    تنقر مثلث الرَّغبة
    بعصافير اليُتم.


    حيث اليَباس في محفلهِ البكر
    وقرن الندم
    لم يثـلمُ البرقَ
    ولم يفتح
    صرير النافذةِ
    بابتسامةٍ
    تضيء الخطأ
    من جبـينهِ المَكسور
    بقنيـنة
    تهبُّ مع الريح
    إن هَبت الروح
    في غزالة
    أربكتها يدُ الله
    منذ القدّاس الذي وارينـاه
    ظلّ المسجد
    وانتشرنا في الخَسَارة
    سمكتيْن عاريتيْن
    إلا من دمٍ أبـيض
    يملأ حوض الـعالم
    بالتفاتةٍ زرقاء
    تفيض منها السفن
    التي لن تعود
    بأسمائنا
    سليمةً دون كُـسور
    في الصرخة.



    شواهدها المسحورة في أزمنة غابرة
    تأتي في الهزيع الأخير من الأعياد
    تـرنُو لليباس والأسمنت يصفِق
    مَهد الأبواب والحناجر..
    لصفائح البنزين تطوي سجادة الحقل
    ومصابيح الموتى في حلم
    مذبوح بِـرقْيَـةِ النسيان.


    ترنو
    بعين بعيدةٍ
    وتمضي
    مُلوِّنـةً بيضةَ الأفق
    بسربٍ من العصافيرِ
    يلهو به الأطفال
    في ربوة أحلامهم.


    *نص: محمد الحارثي
    *من ديوان: كلُّ ليلة وضحاها

  • فيروز – هدى حسين

    فيروز – هدى حسين

    سلام عليها
    أختي التي توغّلت في الغابات
    وانطلقت نحو الصحاري
    أختي السمراء التي يعرفها كل رواد المقهى.
    لأجلها سأدق أجراس الكنائس
    وأشعل النار في الزبائن كلهم فتمطرني سحابتها:
    لا أحد هنا يا أختي
    لا أحد..
    سأصنع ذاكرتي بنفسي
    سأخيطها على مفارش الطاولات
    أختار الألوان وحدي
    والفرحة التي تؤهلني للصعود إلى الجبل
    كأنه ليس في العالم غيري
    الذكريات لي
    والأساطير لعابري السبيل في السفح..
    نتراسل بالنظرات
    وباللكنة العربية المستعارة.
    نتشارك العشق ذاته والموت ذاته
    والرغبة ذاتها في التماهي مع مفردات الجنوب.
    هي تقطف الشمس لي
    وأنا لأجلها أصعد الجبل
    أستطلع زحف الأعادي وأنذرها:
    يا علياء
    لماذا لا نعيد اكتشاف أسمائنا؟
    ستقتلنا الأسود
    ولن نرضى بميتة أقل حدة من الأنياب.
    سنرتدي جلد الحيّات دفاعاً عن النفس
    ثم نلتف على رقاب الكواسر
    نروّضها على محبة الغزلان..
    كأنّنا جذوتا نار
    عيوننا مفتوحة على حافة الذعر
    لنا ثديا الطبيعة باقتسام
    ولله محبتنا
    ولغير ذلك أن يحترق.


    *نص: هدى حسين

    *من كتاب: ذئب ونفرش طريقه بالفخاخ – أنطولوجيا النص الشعري المصري الجديد

  • أحسد العميان والكلاب الضالة – مهدي محسن

    أحسد العميان والكلاب الضالة – مهدي محسن

    أكره المدنَ
    أكره ضجيجَ الجيرانِ وأبناءهم وديكتَهم والمارةَ
    أكره المارةَ أسفلَ نافذتي
    أكره رائحةَ الطبيخِ في الصباحِ والظهيرةِ
    وأستثني الليلَ،
    لأنّ كلَّ شيءٍ أكرههُ في النهارِ أعشقهُ في الليلِ
    وأقول
    الجميعُ يتحدثُ في وقتٍ واحدٍ
    الجميعُ يريدُ أن يستمعَ إليه أحدٌ
    أن يبكي أحدٌ على كتفهِ
    أن يحتضنَهُ ليبكيَ معَه
    لم يُبكِني شيءٌ حتى الآن
    تحجّرتُ مذ حُرِمتُ النهدَ
    مذ طردتُ من سريرِ أمي
    مذ أُرسلتُ إلى المدرسةِ
    مذ خرجتُ إلى العالم
    باعتْني أمي لقذارةِ الحياةِ
    تُركتُ على مائدة الوحوش
    كل يوم يطردني أحدهم من جنته
    أشتهي جحيمَ أمي
    أشتهي أن أبكيَ في رحمِها
    أشتهي ثديَها وأنا أحتضرُ لأنّني خائفٌ
    أشتهي أن آكلَها.

    قسوتكِ جوّعتْني أكثرَ من رحمتكِ
    جوّعَني بعدُكِ وغموضُكِ
    غامضةٌ أنتِ والعالمُ/ غامضةٌ والموتُ والحياةُ
    وأقولُ
    أحسدُ العميانَ والبدوَ والموتَى والأجنّةَ والكلابَ الضالّةَ
    أحسدُ الصمَّ والموتَى سريرياً وأصحابَ الكهفِ وكلبَهم
    أحسدُ حيواناتِ البحارِ والصحاري والحصَى
    الحصَى بالذات لأنه لغزٌ
    أحسدُ قريني في العالمِ الموازي وأشباهي الأربعينَ
    وعندما كنتُ حيواناً أو جماداً في الحياةِ السابقةِ أو القادمةِ.


    *نص: مهدي محسن

  • قصة من الأدب الياباني: عزيزٌ على القلب – أيكو ماتِسودا – ترجمة: مريم الدوسري

    قصة من الأدب الياباني: عزيزٌ على القلب – أيكو ماتِسودا – ترجمة: مريم الدوسري

    بحلول الخريف، يتوقف المشاة على الرصيف، أو عند الزاوية، وبلطف يعلقون على الرائحة التي تملأ المكان. “آه! ما أحلى رائحة العَبِقة!” 

    لا أعرف رائحة العَبِقة، وهذا أمر يفاجئ الآخرين دائماً. أعاني من التهاب الأنف منذ صغري، فأجد نفسي مضطرة لأن أشرح زياراتي المتعددة إلى مشفى الأذن والأنف والحنجرة، وما يفعله الجهاز حاد الرأس الذي يُحشر في أنفي، طنينه الغريب، اهتزازه المتواصل، والإحساس الغريب الذي يخلفه شفط المخاط من أنفي. مللت من شرح هذا في كل مرة، كما سئمت المواعيد الطبية التي لا تنتهي، حتى توقفت عن الذهاب إلى المستشفى في نهاية المطاف. من ذلك الحين، أُصَرِّف أموري بدون وصفة طبية بأي أدوية أجدها في الصيدلية. 

    رواج هذه الرائحة يثير عجبي. لذا حين يكثر الحديث عن رائحة العَبِقة، أتظاهر بالفهم، والتأييد أيضاً، بالرغم من أني لا أملك أدنى فكرة عما يميزها. أما في المرات النادرة التي اعترفت فيها بجهلي، كان رد فعل الآخرين كما لو أنني جلفة متحجرة القلب. لا بد أن رائحة العَبِقة مميزة، فزهور أخرى لا تثير نفس رد الفعل. ويبدو أنها مميزة لدرجة أن هناك من يتمنى لو أن يَجد عطوراً بنفس الرائحة. في حين لم أشتر زجاجة عطر قط. جربت، مرة أو اثنتين، عطورات أهداني إياها آخرون، ولكني شعرت بالغباء لتعطري برائحة لا يمكنني شمها. لم أفعل ذلكَ مجدداً. 

    من الواضح أن الروائح والعطورات ليست من مواضع قوتي، فبفقداني لحاسة الشم استغنيت عن كل ما يشم. مثلاً، ليس لدي أي اهتمام بالعلاج بالروائح أو بالبخور، وكلاهما رائج الآن. تشير المجلات والإعلانات إلى أن إضافة مثل هذه الأشياء إلى روتين المرء، يمكنها أن تؤثر على تعافيه وأن تساهم في خلق أسلوب حياة أكثر طمـأنينة، مما يجعلني أظن أن فرصي للتعافي ولّت. ولكن ما الذي يعنيه هذا- أن يتعافى المرء بهذه الطريقة؟ 

    ولكنني أدركتُ حسن حظي حين قرأت صدفة عن تأثير الروائح على القطط على الإنترنت. لا أعتمد على الإنترنت في مثل هذه الأمور، ولكنه مفيد أحيانا. وجدت من خلال بحثي أن للعلاج بالروائح أثرا على القطط، فرائحة النعناع قد تؤذيها. لو لم يكن أنفي معطوباً، لاستعملت زيوتاً ونباتات عطرية، ولكني لم أفعل قط حين كانت تورتي هنا.

    هذا لا يعني أن حظي جيد دوماً. بالطبع لا. مؤخراً أصبت بزكام في غير موسمه، وبينما أحاول التعافي بالبقاء في السرير، نفد البخور الذي استخدمه على طاولة القرابين. لم أكن لأخرج لشراء المزيد منه وأنا مزكومة. للمرة الأولى منذ وقت طويل، دخلت غرفة أبي التي ما تزال كما هي منذ وفاته، وعثرت على علبة بخور قديمة في أحد الأدراج. البخور معطر، ليس مما يستخدم للقرابين. أعرف أن البعض يتزمت حيال بخور القرابين. ولكن لا فرق عندي، فدون رائحة لا فرق بين بخور القرابين والبخور العادي. كلها، على أي حال، خطوط دخانية نحيلة صغيرة تطلق في الهواء خطوطاً دخانية نحيلة صغيرة أخرى. لطالما بدا لي دخان البخور كما لو أنه روح ضعيفة تغادر الجسد. أمد يدي أحيانا وأحاول أن أربت على تلك الأرواح المسكينة، ولكنها تتملص من بين أصابعي، وتواصل صعودها قبل أن تختفي. أين تذهب الأرواح حين تختفي؟ أيّا يكن، لم أجد مشكلة فعلا في إعادة استخدام البخور الذي وجدته في درج خزانة والدي. لم تكن عندي أي فكرة كم من الوقت مر عليه حين وجدته، إلا أن نصف الكمية بالكاد استخدم. سمّني مهملة إن شئت، ولكني واصلت استخدامه. 

    سرعان ما تعافيت من نزلة البرد، وعدت إلى زيارتي اليومية إلى المجمع التجاري. ولما كان عندي الآن ما يكفي من البخور، لم أتوقف قط لشراء بخور القرابين، وإن مررت بمحل البخور. بثمانية وثمانين ينّاً للصرّة، يجذبني سعر الهليون المخفض أكثر من البخور. 

    وعلى عادتي، أشعلت عود بخور على طاولة القرابين، في أحد الأيام، وشرعت أطوي الملابس. باغتني صوت واثق يستسمح عذراً “ممم، المعذرة. أعتذر لإزعاجك، أعرف أنك مشغولة.” نظرت نحو النافذة معتقدة بأن الصوت، الذي لابدّ وأن وصلني عبر الحديقة الأمامية، صوت شخص يجمع التبرعات أو يطلب حاجة ما، إلا أنني لم أجد عند النافذة أحدا. “أوه، أنا آسف. أنا هنا فوق طاولة القرابين”. التفت لأجد رجلا يرتدي بدلة رسمية ونظارات سوداء الإطار، يطفو عند طاولة القرابين. وفّر عليّ جلوسي على سجادة التاتامي السقوط رعباً، وأنا أحدق عجباً في الرجل الطافي. 

    “أرجو ألا تخافي، سيدتي. لست شبحاً. أنا هنا بصفة رسمية ممثلا عن شركة البخور”. لمحت بطاقة الاسم المثبتة على صدره – عليها رمز واحد غريب. “السيد، ممم، ميغيوا؟” سألت مترددة، لم يكن هذا اسماً صادفته من قبل. 

    “أوه، كلا. اسمي تاي”. هذا اسم صيني ويفسر لكنته. 

    “آه، سيد تاي. لغتك اليابانية جيدة جداً.”

    “نعم، حسن.” قال ببرود قبل أن يضيف “في ظروف أكثر اعتيادية كنت سأقدم لك بطاقتي الشخصية. ولكن نظراً لظروف لقائنا الحالية لا يمكنني ذلك. أرجو أن تعذري قلة تهذيبي”. لا أعتقد أن هناك ما هو أكثر غرابة من رجل يتراءى لي طافيًا فوق طاولة القرابين يخاطبني بكل هذا الاحترام. 

    “أود أن أحدثك عن إحدى منتجاتنا التي تستخدمينها. يبدو أنك لم تشعري بتأثيره بعد.”

    “تأثير؟”

    “نعم. أحياناً لا يعمل المنتج كما يراد له، ولكن يتوقع مستخدمو منتجاتنا أن يروا أحباءهم، كما لو كانوا أحياء، بعد أسبوع أو اثنين من بدء الاستخدام.”

    “هه؟ أهذا ما يستعمل البخور من أجله؟” سألته وأنا بالكاد أصدق ما يقول. 

    “نعم، بالتأكيد. لا أظن أن المنتج الذي بحوزتك فاسد، لذا قررت زيارتك وتفقد ما قد يؤثر على فعاليته. لنقوم بدورنا بالتعديلات اللازمة، أود أيضا أن أسألك عن اسم شخص عزيز على قلبك. بالطبع، هذه الأيام، نتيجة لردود فعل المستخدمين على الإنترنت، نحاول ما بوسعنا لإرضاء كل طلبات زبائننا.” بدا السيد تاي جاداً فيما يقوله.

    شخص عزيز على قلبي. قلبت كلماته في ذهني. أفترض أن علي أن اسمي أحد والدي في هذه الحال، ولكنني لا أعرف ما أقوله لهما لو عادا الآن. بعد وفاة والدتي وأنا صبية، أصبح والدي صموتاً، وعشت معه كما لو كان لا ينطق. الآن أيضا، وحتى بعد وفاته، لا أشعر بالوحدة، فوجوده الصامت ما يزال في المنزل. واعدت عددا من الأشخاص، عندما كنت أصغر سنا، دون أن أكن لأيهم مشاعر قوية، كما أنني لم أتزوج قط. ثم تذكرت المخلوق الصامت الآخر الذي عشت معه ذات مرة.

    “تورتي”، قلت له. 

    “تورتي؟” ظل وجه السيد تاي كما هو، وإن بدا صوته مستغربا. صوت السيد تاي هادئ مريح، ووجه خال من التعابير.

    “نعم، قطتي، تورتي. تبنيتها عندما كنت في العشرينات، وعاشت معي حتى بلغت هي التاسعة عشرة. كانت معي بعدما توفي والدي.” 

    كوني غير قادرة على الشم، لم أعرف قط الشعور بالراحة من خلال رائحة معينة. لكنني أعتقد بأنه خلال الأعوام التسعة عشر التي كانت تورتي فيها معي، كانت تورتي مصدر راحتي. مرة تلو الأخرى، أراحتني نعومة شعرها، والطريقة التي تقفز فيها على كتفي أو في حضني، طمأنني مواؤها الذي لا يمكن أن يكون أكثر قططية، تطلعها عبر النافذة، وكيف تبدو حين تستيقظ: كلما ما فيها كان يريحني. لم تزل تريحني حتى بعد أن شاخت وتدهورت صحتها، فتكررت زيارتنا إلى البيطري وكثرت أدويتها. 

    تورتي كانت مخلوقاً رائعاً. ربما كل القطط كذلك. 

    بدا أن ما قلته أدهش هذا السيد تاي، فبدأ يتحدث بشيء من العجلة. “يا إلهي. أنت محقة. فعلا، ما من سبب يدفعنا لحصر الأحباء في البشر. من المحرج فعلا أننا أغفلنا هذا الأمر طيلة هذا الوقت. أرجو أن تقبلي خالص اعتذاري عن هذا الخلل في نظامنا. سأخطر الفريق التقني بهذا على الفور. أيمكنني أن أطلب منك الانتظار أسبوعا آخر؟ أعدك بأن تري تورتي بعد ذلك. “

    “أوه نعم، بالتأكيد.”

    كل ما كان يجري كان غير متوقع، إلا أنني لم أكن لأطيل التفكير في الأمر. لا يهم إن لم أستطع لمسها، مجرد رؤيتها تكفيني، التفكير في الالتقاء بها مجددا أسعدني.

    نظر إليّ السيد تاي من موضعه المرتفع بعد أن أنهى تدوين ملاحظاته بكل جدية.

    “في الشركة نهتم أيضاً برائحة منتجاتنا. يجب أن يصدر البخور رائحتك المفضلة، إلا أنه لسبب ما لم يلتقط تلك المعلومة. أخبريني، من فضلك، أي رائحة تفضلين؟”

    ” أوه، لست جيدة في التعامل مع الروائح. عندي مشاكل أنفية”.

    “أهذا صحيح؟” بدا السيد تاي منزعجاً.

    “بجد. لا أعرف حتى رائحة العَبِقة.”

    “العَبِقة. حسن. أعتقد أن رائحة العَبِقة لا تختلف كثيرا عن طعم الأكِدُنيا. رائحتها حلوة، ليست مفرطة الحلاوة. منعشة نوعاً ما وفيها ما يبعث على الحنين.” أضاف جادا دون أدنى ابتسامة. 

    فكرت بطعم الأكِدُنيا، ولوهلة شعرت بدغدغة حول منخري، وما يشبه الرائحة. أهذه رائحة العَبِقة؟ كانت هذه المرة الأولى التي يصف فيها أحدهم لي رائحة بالكلمات. لم أكن أعتقد أن ذلك ممكن. حدقت في السيد تاي بلا خجل، بينما عاد التعبير المفرغ المعتاد إلى وجهه. 

    “حسن. أيمكنك إذا أن تجعلها برائحة العَبِقة؟”

    “أمتأكدة؟”

    “نعم. من فضلك.” 

    “طيب. سأكون ممتناً لو انتظرت أسبوعاً آخر. إلى اللقاء.” انحنى السيد تاي بأدب ثم اختفى.

    واصلت استخدام البخور في الأيام التالية. بحثت عنه على الإنترنت. وكما قال السيد تاي، منتج عادي يمكنني شراء المزيد منه إن نفد. عثوري على البخور في غرفة والدي قد يعني أنه استخدمه ليرى والدتي بين فترة وأخرى دون علمي. يرق قلبي كلما تصورته يفعل ذلك.

    بعد يومين ينقضي أسبوع منذ زيارة السيد تاي.

    *نص: أيكو ماتِسودا

    *ترجمة: مريم الدوسري

  • قصيدتان من الشعر الإندونيسي المعاصر – ترجمة: سالم بارباع

    قصيدتان من الشعر الإندونيسي المعاصر – ترجمة: سالم بارباع

    الكلمة:

    في البدء كانت الكلمة

    والكون من الكلمةِ كان

    ومن خلفها

    الوحشة وريح الصبا

    ومن الكلمة خفنا من الأشباح

    ومن الكلمة أحببنا الأرض

    ومن الكلمة آمنا بالله

    وأقدارنا من الكلمة تكون

    وكأني

    من خلف الكلمات أتخفى 

    وأغرق

    بلا أثر.

    • سوباغيو ساستراووديو (1924-1995)

    اليوم الآتي:

    في يومٍ ما

    لن يكون جسدي هنا

    ولكن، في أبيات قصيدتي هذه

    لن تكون وحدك

    وفي يومٍ ما

    لن يُسمع صوتي

    ولكن، عبر أغنياتي سأكون على البال

    وفي يومٍ ما

    لن تكون لأحلامي حالم

    لكن، بين أحرف قصيدتي هذه

    انتظرك بلا تعب. 

    • سباردي جوكو دامونو (1940-2020). 

    *ترجمة: سالم بارباع

  • أنتم أحجارًا – وادي الأزرق

    أنتم أحجارًا – وادي الأزرق

    ”قبل أن نصير إنسانًا كنا أحجارًا، جميعنا كنا أحجارًا، أنا وأنتم“ هكذا قال لنا، وقال أنها بشارة، بشارته إلى العالم.
    ”كل شيء له أصلٌ ما، والحجر هو أصلنا، وهذه الحياة التي نعيش ما هي إلا تحررًا من الأصل ثم الرجوع إليه: هكذا بُشّرت وهكذا أُبشّركم.“


    هكذا قال لنا، وأكمل ”الحجر يعجز عن المشي، يعجز عن جميع أنواع المشي، المشي على الحافة، والمشي على خطى معلمٍ ما، والمشي على الجمر، وهكذا كنا نحن، عاجزون عن المشي.


    والحجر يعجز أيضًا عن الضحك، جميع أنواع الضحك كان يعجز عنه أصلنا الحجري، الضحك في المتاهة وخارجها، الضحك على نفسه وعلى العالم، الضحك مع من معه وعليهم، وهكذا كنا نحن، عاجزون عن الضحك.


    والحجر يعجز عن الحب، جميع المشاعر المتأصلة في الحب يعجز عنها أصلنا الحجري، يعجز عن الحب باتساع، يعجز أيضًا عن الإيمان بما وبمن يحب، يعجز عن الشعور وإظهار الشعور والضياع في ذاك الشعور، وهكذا كنا نحن، عاجزون عن الحب.“
    كان مغمضًا عينيه وهو يحادثنا، كأنه يقرأ ما يقول في ظلمة عينيه، ”والحجر أيضًا يعجز عن التفكير، جميع أشكال التفكير كان يعجز عنه أصلنا الحجري، التفكير بموقعه في المكان، تخيّل الأشياء وتفاصيل الأشياء، خلق لغة لتمييز ذاته عن ذات الأشياء، وهكذا كنا نحن، عاجزون عن التفكير.“


    أطرق قليلاً، تعابير وجهه اختلفت اختلافًا بسيطًا بالكاد يكون ملحوظًا، لكنني لاحظتها…أو توهمتها، على كلٍ أكمل هو ”كل ما كان قادرًا على فعله أصلنا الحجري هو المقاومة، كانت المقاومة هي كل ما تقوم عليه هويته، وبكاؤه انكسار، والانكسار مقاومة، وحزنه انشقاق، والانشقاق مقاومة، وسقوطه ثورة، والثورة مقاومة، وهكذا نحن، ترهقنا الحياة ونقاوم لأننا جميعنا كنا أحجارًا، أنا وأنتم.
    ما أقوله بشارة لأنه أتاني، هناك معرفة تأتي إليك، تتجلى لك بالذات، وهناك معرفة تبحث عنها في زوايا المكان. أتتني هذه المعرفة من حيث تأتي معرفة الهامش، تلك المعرفة التي تنتقيك بدل أن تنتقيها، تخلقك بدل أن تخلقها، وتحتويك بدل أن تحتويها، وطوبى لمن تنتقيهم وتخلقهم وتحتويهم تلك المعرفة، يا أعزائي!


    وهذه الحياة، يا أعزائي، ما هي إلا تحرر من الأصل ثم الرجوع إليه“ كرّر مرةً أخرى، لكن بأكثر صرامة، وأكمل ”نتحوّل ونسيل ونتسّع ونصير باستمرار، هكذا نصير أحرارًا، ثم نعود أحجارًا.“


    توقف فجأة ونظر إلينا ثم أكمل ”بعضنا ما يزال حجرًا، متعلقًا بأصله كعلقة، يأبى أن يصير شيئًا آخر، يأبى أن يسيل في الرقص ويتسّع في التخيّل ويتحوّل إلى ما ليس هو، فيموت كمن لم يعِش، والعلقة، يا أعزائي، ما هي إلا عبء على الحياة، تشرُّبٌ للشيء واستنزافٍ له بغير منفعة، وهذه الحياة التي نعيش، يا أعزائي، ما هي إلا تحرر من الأصل ثم الرجوع إليه: هكذا بُشّرت وهكذا أُبشّركم.“

    *نص: وادي الأزرق

  • صرتُ زوجة الشعر – رنيم نزار

    صرتُ زوجة الشعر – رنيم نزار

    زواج قاصر


    1.


    ‏تزوجتُ في التاسعة من عمري

    كنتُ

    بجسد نحيلٍ وبسمة وادعة

     وطفولةٍ

    غابت بلا سابقِ إنذار 

    2.

     انتظرت بفارغ الصبر والسلوان الجميل

     أن يكبر بطني بالأجنة

    أُراقب كل شهر حصيلتي من الخيبة

     بدماءٍ على ملابس الأمل

    لكن لم تصحُ أزهارُ رحمي

    من السبات

    3.


      تزوجت في العاشرة من عمري

     من رجلٍ آخر

     بعد وداع الحب

     الذي ضمر في قلبي

     بلا أبناء

    كنت امرأة لرجلٍ كريمٍ

     يكره الصباح وإشراقةَ وجهي

     كل ذي فجرٍ

    4.

     تزوجتُ في الثامنة عشر من عمري

     من رجلٍ شرسٍ

    لا يحمل جسده قلب

     جائعًا لجسد صبية في عمر الفراشات

    5.

       تزوجت في الخامسة والعشرينَ

     من رجلٍ نسيت قبله رجالي الكثر

     الأول كنت امرأة للحزنِ

      وزوجة ثانية للألمِ

     ثم ارتبطت بالندمِ

     حتى اقترنت مع زوج

     لن أعود بعدهُ خاسرةً ..

    صرت زوجةَ

      الكريمِ، اللئيمِ، المحبِّ، الغاضبِ، المعطاءِ.. (الشِّعر!)‏.


    نعش اللذة 

    أُراقِب

    الراقدات في الْمَقَابر

    بين نعش اللَذَّة وجثث الذئاب

    المهَترِئة حلماتهن من أطفال لا يشبعون

    من رُجُولَة شرسَة

    غابَت مع الرِّيح

    السَاهِرَات

    تحت ضَوْء العَتم المَرِير

    الحُب الذي لا يعرف طَريق الوصول إِلَيْهِن

    الاحتِواء الذي لا يعرف كيف يُنْصَب فَخّاخه

    على مِلاَءات جَأَفت كحريق مرير

    يَتَسَكع في شَوَارِع الْمَدِينَة

    تحمل رذائلي عبئًا

    يكبر بك الذَّنْب

    على كتفك يثقل الجنون

    رَذائِلُك كلها لجسدي

    وكل الفُجور

    بينما تقول لي كيف حالك!

    تنفجِرُ بي الرَّغْبة لأن أَقْوَلَ

    أريدُ أَن أَنضَجَ أَكْثَرَ

    أريدُ أَن يطَأَ جسدي فمك

    في يدك زجاجة الفودكا

    بينما أنا لا يراني أحد..

    لا يفتَّحَ البابَ الحنينُ

    المُغفَّل

    يقف خلف العَتم

    ذَاكرة مِعصَم بابها لا يَمَسّها الغُيَّاب

    أفلاذ مائك تكبر في رحمها

    ولا تُخلق إلا الحب

    غرفتي جدرانها لا تعرفك

    وهكذا صدري

    هكذا فرجها..


    *نصوص: رنيم نزار
    *من ديوان: حليب الغواية

  • اسرُد قلبَكَ – قاسم حداد

    اسرُد قلبَكَ – قاسم حداد

    تَطِيرُ إليهِ الأخبارُ وهو فِي مَزِيجٍ كَمَنْ تَلْهُو بِهِ الأسْطُورَةُ، لا يَكادُ يُصَدِّقُ مِنْها خَبَراً حَتْى يَصْدِفَهُ خَبَرٌ، ولا يَبِينُ لَهُ مِنْ ذلِكَ يَقِينٌ يَرْكُنُ إليهِ. وجاءَهُ مَنْ يَقُول لَهُ إنَّ لَيلى أُخِذَتْ إلى العِراقِ عُنْوَةً، فَمَرِضَتْ هُناكَ فَأَيْنَكَ مِنْها؟ ثُمَّ قِيلَ له إِنَّها فِي الحِجازِ، وقِيلَ فِي الصِفاحِ، رُواةٌ يَعْبَثُونَ بِالأخْبارِ، كُلٌ عَلى هَواه، فَيَصِيحُ بِهمْ : يا قُساةَ القُلوبِ، يَا فَاسِدِي الضَمَائِرْ. إنَّ هَذا لا يَجُوز، أَصْدِقُونِي فِي أَيِّ أَرْضٍ قَلْبِي، أَسْعِفُونِي، ولا تَلْعَبُوا بالرُوحِ فَقَدْ تَلِفْتُ مِمّا أَنا فِيهِ وأنْتُمْ تَدْفَعُونَ بِي إلى كُلِّ فَجٍّ، ضَارِبَاً عَلى وَجْهِيَ، لا أَلْقَى إلا سَرابَاً، هَلْ مِنْكُمُ مَنْ يَصْدُقُ خَبَراً واحِداً، تَسْعَونَ لِجُنُونِ مَجْنُونٍ مِثْلِي ياتُعْسَكُمْ.



    فَاضَ بِهِ العِشقُ وضَاقَتْ بِهِ الدارُ والحَيُّ والبَادِيَةُ فَوَجَدَ فِي العُزْلَةِ التِي نَشَأَ عَلَيها فَضَاءً يَسَعُ حُبَهُ وفِي الوَحْشِ الصَدِيقَ النَبِيْل. عَبَثَ النَاسُ بِهِ فَوَجَدَ فِي الذِئْبِ والوَعْلِ والطَيْرِ والشَجَرِ طَبِيعَةً تَأنَسُ لَها الرُوْحُ ويَرْتاضُ الجَسَدُ. ظِلُهُ يَتْبَعُ الشَمْسَ، وعَيْناهُ مَأسُورَتانِ بِمَا يَمْنَحُ العشْبَ لَوْناً، لا يَسْأَلُ المَاءَ مِنْ أَيْنَ أنْتَ ومَنْ أَنْتَ، يَغْسِلُ أَخْبَارَ قَلبِكَ، يَمْسَحُ عَنْ كَتِفَيكَ غُبَارَ الطَرِيقِ. يُؤَثِّثُ القَفْرُ غُرفَتَهُ بِالهُدُوءِ لِكَي تَأمَنَ أَحَلامُهُ وتَنَامْ. فَمَنْ يَسْكُنُ الوَحْشَ يَمْلِكُه. لا يُرَى إلا وهُوَ فِي قَطِيعٍ مِنَ الذِئابِ تَسِيْرُ مِنْ أمَامِهِ ومِنْ خَلْفِهِ، كَمَنْ يَحْرُسُهُ ويَخْفُرُ خُطَاهُ. فَالعِشقُ أَنْ لا يَطَالَكَ غَيْرُ الهَوى، قَفْرٌ هُوَ الحِصْنُ يَحْمِي ويَحْضُنُ.



    كَانَ فِي وَحْشٍ يَسّْحَلُ أعْضاءَهُ فِي نِتُوءِ الجَبَلِ. ضارباً فِي سَفْحِ التَوبادِ مُهَلْهَلَ الحَالِ، طَائِشَ الذِهْنِ، يَقْتَاتُ بِعُشْبِ الصُخُورِ ويَشْرَبُ مَعَ الوَعْلِ. والتَقاهُ الذِئْبُ وجَلَسَ إلَيِهِ يَسْتَهْدِيهِ ويَرْتاضُ بِرُوحِهِ حَتْى اسْتَقَرَ وهَدَأَتْ أخْلاطُه، ثُمَ سَارَ بِه مُسْتَسْلِمَاً لِمَا يُشْبِهُ السِحْرَ، مُيَمِّمَينِ صَوبَ المكانِ، يَدْخُلانه لِتَكُونَ لَيلى هُناكَ. بَهْوٌ مِنَ الحَجِر النَظِيفِ. تَضَعُ قَدَمَكَ عَليهِ، فَتَسْمَعُ لَه وَجِيْبَاً، تَلِيهِ طَنَافِسٌ مِنْ حَشِيْشَةِ البَهْجَةِ، تَقُوُلُ لَكَ هذا لَكَ فَتَشْعُرُ أَنَّهُ لَكْ وتَلْثُمُكَ رِيحٌ خَفِيْفَةٌ، تَأخُذُ يَدَيكَ وتَهْدِيكَ فَلا تَهْتَدِي ولا تَضِيعُ عَيْنَاكَ فِي أُفُقِ البَهْوِ، فِي زُرْقَةٍ فَاتِرَةٍ، تَدْعُوكَ فَتَذْهَبُ فَيَجْهَشُ قَيسٌ : رَأيْتُ لَيلى فِي هَوْدَجٍ مِثْلِ هذا وجَلَسْتُ إِليها. قُلْ إنَّها هُنا واتْرُكْنِي.



    فَقالَ لَهُ الذِئْبُ : اْمْكُثْ هُنا واْسْرُدْ قَلْبَكَ تَسْمَعُكَ وتَأتِيْك، ولا تَكُونُ وَحْدَكَ أَبداً
    فَيَخْرُجُ الذئبُ عَنْهُ وتَكُونُ لَيلى فِي هَيْئَةِ الماءِ والَملاك. وكَانَ كَأَنَّهُ يَرى.


    *نص: قاسم حداد
    *من ديوان: أخبار مجنون ليلى

  • كلما رأى علامة – أمجد ناصر

    كلما رأى علامة – أمجد ناصر

    ظهور

    العلامةُ تظهرُ لمن يتولّى؛
    تقودُ الأعمى إلى ما رأته يداه
    وتمنحُ اللاهي مُستحقات اليقظة.



    خَفَقان

    كيف لي وما مَسَستُ سوى اليدِ
    أو ربما ذكراها
    على المائدة
    أن أدّعي وصلاً غير ما يحملُني عليه
    الوجيبُ الخلا من قبلهِ القلبُ؟
    كثيرٌ عليَّ أن أندفعَ بالخفقةِ وحدَها بين الجبابِرة
    واضعاً قدمينِ من قصبٍ وسطَ هبوبهم.


    دليل

    الأعمى يعرفُ أنَّهُ في حِماكِ.
    لا البصيرةُ
    لا اليدُ
    لا الرائحةُ
    لا الحفيف دلّهُ
    بل الضوء الذي فضَّضَ
    محجريه المُظلمين.



    قصيدة عن الوحدة في مقهى

    لستُ وحيداً لأنني أكلِّمُ نفسي
    وأرشفُ قهوتي بصوتٍ مسموع
    ما يثيرُ حنقَ رجلٍ يتأملُ ارتفاعَ الضُّحى على
    طوار المشاة.
    ولستُ وحيداً لأنَّ الضُّحى لم يترك لي سوى
    أحلاسِهِ الحامضة
    وما تولّى عنه الذاهبونَ إلى أدوارهم.
    بل، ربما أنا وحيدٌ لأن يدي لا تحرّك ساكناً
    وعيني لا تغرّها العلاماتُ.

    لا أتخيل شيئاً أكثر مما ترفعُه مرايا الظهيرة
    أمامي.

    أقواسٌ
    أكتافٌ متينةٌ لعابرين.

    لا أقطعُ وعداً لأحدٍ
    ولا أنتظرُ.
    فحياتي أخفُّ من أن تحتمل ذلك.


    الأم لابنها

    -ماذا جنت يداكَ من طيرانك الخرافيِّ
    فوق الشتاء والصيف؟
    -العلامةَ
    هل لها غيرُ ما أعطتهُ لسابقين
    شبّوا
    وشابوا
    وأوحشوا بنات نعشٍ قبلكَ؟


    الابن لأبيه

    سيكون لي ما كان لك
    سأتبعكَ
    أثراً
    من
    بعد
    عين.
    ولن ينازعني أحدٌ على تركتِكَ:
    خطُوكَ الجاهلُ في معارج المرتقين
    خطاياك زيّنتها لك الصبواتُ
    الأطيافُ التي أخذتكَ وأعادتكَ بتذكارٍ على الجبين
    النجمةُ الغريبةُ اتّبعتها فاستخلصتكَ نجيَّا
    الأنفاس (يا لها) نقَّلتكَ في منازل الحمى
    خفقُ فؤادِكَ، بل رجعهُ الموحشُ
    كلّما لاحت علامةٌ من جهة العذراء
    المرايا الألف تَزَّاورُ عنها تصاوير الأُلى
    بهجاتُكَ النادرةُ بالصباحِ ذي النعناع
    بالأعضاء تنهضُ من غيابة النوم
    بسرِّ الماء مكنوناً بين محبسين
    بيدكِ ترمي عذقاً يابساً في
    الهواء فيخضرُّ.

    سيكون لي ما كان لكَ
    سأمشي الخُطى التي كُتِبَت عليكَ
    ولن
    أصل.


    قربان

    لا أذكرُ لكِ عطراً ليبقى على عنقي
    ولا في قميصي المقدودِ من قُبُلٍ
    ولا صوتاً يتلكأُ بعد أن تسبقكِ
    هالتُكِ إلى الباب.
    الكأسُ غسلتِها جيداً بدموعٍ لم تذرفيها
    قطُّ.
    ومحارمُ الورقِ التي مسحتْ ماءَ الحياةِ
    عن سيقانِنا تساوتْ مع أعقاب السجائرِ
    وقشورِ التفاحِ في سلّة المهملات،
    أما البقعةُ الحمراءُ التي اكتشفتِها على
    مُلاءةِ السرير في الصباح فلم تكنْ
    سوى علامةٍ على قبول القربان.


    برج مرصود

    واقفُ تحتَ بُرجِكِ المرصودِ
    بين السّهمِ والعين الآمرةِ.
    علامةٌ تُميتُني
    علامةٌ تُحييني
    والحَيْرَةُ وحدَها يقيني.
    يدٌ أقصرُ من فرحةِ الأختِ تمتدُّ إليَّ
    فأرفع يدي، هكذا لنهارٍ
    بلا إمارةٍ.


    ثلاث إشارات في طريق الأعمى

    أنَّى لمن هو في خفَّتي أن يحملَ
    عبء العلامةِ والسرِّ؟
    لهذا أترنح.

    **

    بصري الجوَّال رأى القريبَ والبعيد
    ولم يرَ بياض فوديَّ.
    أهكذا يكون الأعمى؟

    **

    الأولى حدّثتني عن الربيع
    والثانية عن الصيف
    أما الثالثةُ فشقّتْ
    بقدميها الصغيرتين طريقاً
    في حصاد أيلول.
    الثلاثُ
    قلن لمن ظنَّ نفسه مكيناً على الأرض:
    امشِ هوناً!

    **

    ثلاث قُبّرات فرَّت أمام الأعمى
    الذي يغذُّ الخُطى..
    الهاوية تُرِهفُ السمع.

    **

    الإشاراتُ الثلاثُ التي صادفتني
    على الطريق أومأتْ إلى الجبل
    لكنني مضيتُ إلى الوادي
    قِصَرُ نظرْ!


    وديعة

    لم أرَ الذي استردّها
    ولكني سمعتُ خطواً خفيفاً
    على حاشية الليل،
    وفي الصباح وجدتُ
    جلدَ أفعى وريشةً بيضاء.


    أربعون

    تأخَّرتُ في النومِ قليلاً فوجدتُ الأربعين
    التي هيأتها الأيامُ لغيري في انتظاري
    الصباحُ الذي ما عَرَتُهُ مذ شرّدني الشرقُ
    تراءى لأصحابي ذهباً فهبّوا إليه في ثياب النوم
    ولم يعد أحدٌ بنبأ من سبأ.
    وحيدٌ بأمارة اليد المبسوطة على المائدة
    لي الضحى كلُّه مزهوداً فيه
    أحسو قهوةً باردةً تحتَ قوسِ الرماد
    وأرفعُ قامةً أخطأتها الريح.



    نص: أمجد ناصر
    مختارات من ديوان: كلما رأى علامة

  • أمامي يفردُ البحرُ الغامقُ جسدَهُ – رشا عمران

    أمامي يفردُ البحرُ الغامقُ جسدَهُ – رشا عمران

    كانَ في الغرفةِ سريرانِ لِأجلِهِ
    وَكنتُ أَعرفُ أنَّ قامَتَهُ تَفيضُ عن الغرفةِ
    قامَتُه بِمائِها الفارعِ
    بَنجومِها المتناثرةِ كَمثلِ حصىً كحليَّة
    قامَتُه على السريرَينِ في الغرفةِ الصغيرةِ
    بينما أصابعِي تَفتحُ لهُ النافذةُ
    المطلةَ على الغمامْ
    ملقياً ثمارَهُ السوداءَ
    أمامي
    يفردُ البحرُ الغامقُ جسدَهُ
    متمدِّداً كَالكلامِ المُكتهلِ
    حيثُ المكانِ دائماً
    لهِ
    حيثُ يَدومُ صوتي
    كَشاطئٍ
    بلاً نهايةٍ


    أَعرفُ
    أنَّ الزوارقَ
    تَتهدمُ كما الذاكرةُ
    وأنَّ المرافئَ مهجورة
    كَالحبِّ القديمِ
    وأنَّ الرملَ يَتبددُّ
    كما الأسئلةُ
    وأنَّ الزرقةَ تموجُ كَضبابٍ منسحبٍ
    منِ جهةٍ غريبةٍ
    متألمٌ
    غامقٌ
    حزينٌ
    بِأبعادٍ واضحةٍ
    يعلنُ ثباتَ حضورِهِ
    غيرَ منتبهٍ إلى يدِي
    حينَ بِطفولتِهما
    مزقتا قاعه الورقيّ
    كما الأبانوسِ أولَ الصباحِ



    يَتدفقُ موجهُ كَرغبةٍ أَرِقةٍ
    إلى شُرفَتي
    يَأتني بِاللآلئِ السوداءِ إلى جَسدِي
    ولكن إلى فَمي
    بِملحٍ
    منٍ زبدٍ
    إلهُ الأسرارِ العاتمةِ
    أميرُ المرجانِ القاتمُ
    سيدُ الأعماقِ الكامدةِ
    نبيذهُ الغامقُ من المحارِ الصعب
    كُلَّما ضاقَ عن ألغازِهِ
    فصلَ جسدَهُ عن نفسِهِ
    واقتربَ بِروحِهِ
    إلى جوارِي



    النوارسُ المحلِّقةِ
    تَجهلُ الموتَ المختبئَ
    في غضبِهِ المُعتمِ
    قامَتُهُ في اتساعِها
    الجسدُ الأسمرُ في ماضيهِ الخفي
    الجنونُ الكامنُ في أعضائِهِ
    الأزرقِ الأبانوسي
    يتقدَّمُ إليَّ من الشرفةِ
    الغامقُ
    المتألمُ
    الحزينُ
    يَأتي بِرحيقِهِ الأسود إلى جسدِيْ
    الفَسيحِ
    حيثُ المطرُ وَالصحراءُ يُشاركانهُ
    الوسادةَ نفسَها.




    *نص: رشا عمران

  • الموت وحده – بابلو نيرودا – ترجمة: بدر شاكر السياب

    الموت وحده – بابلو نيرودا – ترجمة: بدر شاكر السياب

    هناك مقابر مُوحشة مُستوحدة،
    قبور ملأى بالعظام، دونَ صوت،
    والقلب يسرب من خلال نفقٍ صغير
    مظلم، مظلم، مظلم.
    وكما لو كانت سفينة تغرق،
    من الداخل نَموت
    ونحن نغرق في القلب..
    ونحن نسقطُ من الجلد إلى قرارة الروح.



    هناك جُثثٌ،
    هناك أقدامٌ من الطين الباردِ الَّلزجِ،
    هناك موتٌ داخل العظام –
    كالصوت، مَحض صوت،
    كنباح دون كلاب –
    ينبعثُ من أجراس عديدة، من قبورٍ عديدة،
    يفيض في ذلك الصمت الرّطب، كالدموع أو المطر.



    وأرى، في وحدتي، بعض الأحايين
    نعوشاً ناشرات القلوع
    تقل موتى شاحبين: نسوة مُسبلات الجدائل،
    من كلِّ خبازة بيضاء كالملاك،
    وصبايا مكمدات، زوجات كتاب عدول –
    نعوشاً في نهر الموت العمودي مصعدات،
    في النهر الأرجوان
    مصعدات، بأشرعة يملؤها صوت الموت،
    يملؤها صوت الموت الصموت.



    والموت يصل إلى الشاطئ المشؤوم،
    كحذاءٍ دون قدم،
    كرداءٍ دون لابسٍ يَرتديه،
    يصل يضرب بخاتم لا فصَّ له ولا إصبع فيه.
    يصل ليصرخ دون فمٍ، دون لسانٍ، دون حنجرة.



    وما زالت خطاه يتجاوب صداها،
    وثيابه يتجاوب صداها، خرساً، كأنها شجرة.



    لست أدري، وما أفهم إلا قليلاً،
    وأوشك ألا أرى..
    بيد أني أخال لأغنيته لون أزهار البنفسج الرطبة،
    لون أزهار البنفسج قد ألفن التربة.



    لأن وجه الموت أخضر
    مشرَّب برطوبة ورقة من أوراق البنفسج،
    وإن لونه القاتم لهو لونُ الشتاء المحتضر.
    ولكن الموت، فوق ذاك، يذرع البلاد
    متنكراً في زي مكنسة
    تتهجس بلاط البيوت
    بحثاً عن الموتى.
    والموت في المكنسة،
    ولسان الموت يبحث عن الموتى
    وإبرة الموت تبحث عن الخيطِ كي تخيط.



    الموت في السرر الصغيرة،
    في الوسائد البيضاء، في الأغطية السود.
    إنَّه يقبع متريصاً..
    ولكنه سرعان ما يعصف ويثور،
    يعصف بصوت منفر تنتفخ منه أغطية الفراش
    وتنطلق الأسرة مقلمات صوب ميناء
    ينتظر الموت علي رصيفه في بزة أمير للبحر.

    *نص: بابلو نيرودا
    *ترجمة: بدر شاكر السياب

  • وقعتُ في الحب مرة ثانية – لورين كلاينمان – ترجمة: أسامة إسبر

    وقعتُ في الحب مرة ثانية – لورين كلاينمان – ترجمة: أسامة إسبر

    أحببتُ مرة ثانية

    تحت خفّة جلدك،

    ظلّلت نفسي

    في رطوبة شفتيكَ

    وقبّلتُ القلبَ النابض

    لدماغك.


    في النَّفَس

    هناك تُنطق الكلمات.


    أراقبكَ وأنت نائم

    متكوّراً على الطرف اليميني من السرير.


    تتحدث في الصمت الصغير

    حيث يتلامس ظهرانا.

    ارتكبتُ أخطاء،

    وبكيتُ بسببها

    وأردتُها أن تتلاشى عميقًا عميقًا.


    أنت لستَ خطأ، يا حبي.

    حين أنظر إليك، تتلاشى كل الأشياء،

    تتلاشى كل الأشياء

    كما في أغنية “شيكاغو” التي أصغي إليها

    حين أكتب هذا لك.


    في السرير نتحدث عن زراعة

    حدائق عضوية،

    ونضحك كالأطفال الصغار تحت الأغطية

    مداعبين أجسادنا.


    أنت قطار أريد أن أستقلّه الليل بطوله.

    لا يهمّني إلى أين يمضي.


    من يستطيع أن يحزر

    لماذا يريد شخصان بعضهما؟


    كل ما أعرفه هو أنه ليست هناك قواعد،

    أبداً.


    أفكر باللحظة.

    رأيتك وقد أصابك ضباب ممارسة الحب بالدوار،

    في اللحظة التي قذفتَ بها في داخلي، خائفاً.


    أستلقي مستيقظة، أفكّر

    بوجهكَ فوق وجهي.


    أسير معك في قلبي

    وإلى الخلف

    معك في قلبي،

    عميقاً، عميقاً.


    وهكذا توقّفْ عن قراءة هذا.

    توقّفْ عن التفكير

    بلماذا أكتب لك.

    توقّف عن التفكير

    بمتى تبدأ حياتك الحقيقية.


    أنت، قطاري

    الذي لن أغادره أبداً.

    اسقطْ في الأمواج.


    *نص: لورين كلاينمان
    *ترجمة: أسامة إسبر

  • أمثال صينية: “قوة شجرة الخيزران تكمن في مرونتها”

    أمثال صينية: “قوة شجرة الخيزران تكمن في مرونتها”

    ○ كل السهام أصابت أهدافها.


    ○ من يصنع الأصنام لا يعبدها.


    ○ المضي أبعد من المطلوب تماماً كعدم الوصول إليه.


    ○ ‏قبل أن تقول شيئاً فكر مرتين، ثم لا تقل شيئاً.


    ○ لو حكمت نفسك، تستطيع أن تحكم العالم.


    ○ المعلم يفتح الباب، لكن عليك الدخول بنفسك.


    ○ أسهل علينا أن نمدح الفضيلة من أن نمارسها.


    ○ في خضم فرحة كبيرة… لا تقدم الوعود.


    ○ حتى الثعلب النائم يحصي الدجاج في أحلامه.


    ○ للنفوس العظام إرادة؛ للنفوس الضعيفة أمنيات.


    ○ اختر صديقاً أفضل منك.


    ○ المظهر لا يطابق الجوهر.


    ○ الانتصار في المعارك ليس هو النجاح التام، النجاح التام هو أن تكسر مقاومة العدو بدون قتال.


    ○ الفأر الذي يقضم ذيل القط يسعى لحتفه.


    ○ الذبابة لا تدخل الفم المطبق.



    ○ السقوط مؤلم، إلا لمن يطير على ارتفاع منخفض.


    ○ إن قوة شجرة الخيزران تكمن في مرونتها.

  • من دخلَ قلب الشعر فهو آمن – محمد الحرز

    من دخلَ قلب الشعر فهو آمن – محمد الحرز

    قلبُ الشعرِ

    أنا والشعرُ، لا ثالثَ بيننا، في هذه الغرفةِ المعزولةِ عن أعين العالم. الشيطانُ الذي لم يجرؤ أحدٌ على إزعاجهِ، وهو ينامُ في أرض المرويّات، يقطفُ الكلامَ كلَّما نَضج في حقولها، يسرجُ منها على خيولها السريعة؛ لتذهب إلى الرؤوس أو الصدور، دون أن تتيه في صحراء، أو تَتعثر بعلامةِ استفهام، أو سؤالٍ هارب من سجونه دون علم حُرَّاسه. وهو الواقف على الباب الكبير للغواية، يُوزّع عطاياه على الداخلين والخارجين. لم يزعجه أحد قط ويقل له: هُناك شيطان آخر قد وُلدَ في هذه الغرفة، وعليكَ أن تُعدَّ له السلالَ؛ لترميهِ في النهر، أو تتركه وحيداً أمام الذئب؛ لئلا يَنجو بنفسه.

    كُنَّا وحيدين، لا ثالث لنا، وكلَّما جعنا، كنَّا نهزُّ جذعَ الكلمات، «فيتساقط رطب المَعنى شهيَّاً». كنَّا وحيدين، وكنَّا نعلم أنَّ حبلنا الشوكيّ، لا يشحن أعصابه بالكهرباء، ويضيء، إلَّا إذا مدَدنا سلكه، وثبَّتناه في أرض المرويَّات.

    رغم ذلك، فقد طهَّرنا النبوءات من أرضهِ، أرسلنا عاصفتين من إحدى قصائدنا، ولم يبقَ كلام بعدها على الألسنةِ يُشير إليه.

    دخلنا أرضهُ فاتحين، ثمَّ أرسلنا الرسل والأوصياء؛ ليقولوا للناس: من دَخَل بيت الشعرِ فهوَ آمن.

    من دخل قلب الشعرِ فهوَ آمن. من دخل نار الشعرِ فهو آمن.

    من دخلَ بيني وبين الشعر، فلن يكون الشيطان ثالثهما أبداً.


    الخوف

    إحساسانِ يستوطنانِ الجسد. الأولُ له أرضهُ التي يحرثُها، ولا يدعُ غيرهُ أن يَطَأها، بل يُحاول احتلال بقيَّة الأعضاء والاستيلاء عليها بالقوةِ. بينما الخوف ميزتُه أنّه يدخل على الجَسدِ من الأبواب جميعها، لا أرض له، كي يحرثها، ويستقر، ولا أسوار عالية، كي لا يرى، هو المُقيم المُترحِّلُ دائماً. يدخل فجأةً، ويَختفي كذلك. يَستدعيه الجسد في لحظةٍ خاطفةٍ، وعندما تذهب يرفض أن يخرج بالسرعةِ ذاتها، وإذا خرج يكون قد تركَ مخالبَهُ ناشبةً في الروح. الخوفُ هو الَّلذة. لكن، من خارجِ اللغة فقط. أما داخلها، فقد كُنَّا مخدوعين، الَّلذة هي غطسةُ الخوفِ تحت النهر، كي لا يرى، هي وقتٌ مُستقطعٌ، كي يُبدّل مَخَالبَهُ، هي أبخرة مُتصَاعِدة، كي يَعود مَطَراً مرَّةً أخرى، هي أكثر من ذلك، حين صدَّقنا أنفسنا، ورَمَينا الاسم الأعظم في اللغةِ، وبَدأنا مشوار الَّلذة بالبحثِ عنه، بينما التعويذة تَرَكناها في الخارجِ، خارج اللغة تماماً، تَصطَاد شَياطين الخَوف كلَّما حَلَّقت في سمائنا. نحنُ المخدوعون، ولمَّا نَزَل.


    ألواحُ موسى

    لا رجوعَ عن الدربِ
    والصلاةُ وضعنَاها في صُرَّة
    وجئنا اللهَ بخطَايانا
    ولم نقل شيئاً عن الحبِّ
    ذلك لأنَّنا ساوْمنا بها حياتَنا السابقة
    ساومنا كلَّ عاصفةٍ
    أرادتْ أن تنقشَ على كلِّ جذعٍ أسماءَها
    ساوَمنا، وذهبنا بألواحِ مُوسى
    ولم يكن السامريّ هناك.
    وحدَنا في العَراءِ
    نُروِّضُ الوحشةَ قبلَ أن تنزلَ المائدة
    ونذهبُ في التّيه
    ولا نصعدُ الجبل.
    وحدَنا نتبعُ طُرُقَ النجمة
    كي نصلَ قبائلَ، أُناسُها
    لا يحرسُون أنفسهم سوى بالظّلال
    وكلَّما ارتفعتْ حرارةُ أرضهم، أَدلقوا عَليها مياه أرواحِهم.
    وحدهم، لا أنبياءَ ولا كُتُباً، ولا وَصَايا،
    وحدَهُم، وكفى.


    *نص: محمد الحرز
    *من ديوان: غيابكِ ترك دراجته الهوائية على الباب

  • عذبٌ وقصيٌّ الصوت المُراق لأجلي: مختارات عالمية في قصائد الصوت

    عذبٌ وقصيٌّ الصوت المُراق لأجلي: مختارات عالمية في قصائد الصوت

    كم تجهلين أني في حاجةٍ إلى صوتِكِ
    ماريو بينيديتي (أوروغواي) ترجمة: مجاهد مصطفى

    كم تَجهلين أنِّي في حاجةٍ إلى صوتِكِ
    أنِّي في حَاجةٍ لنظراتِكِ في حاجةٍ لكلماتِكِ التي تَملأني
    أنا في حاجةٍ شديدة لسلامكِِ الدَّاخلي
    أنا في حاجةٍ لضوءِ شفاهكِ
    لا أستطيع أن أستأنف مَسيري
    لا أستطيع
    فكري يعجز عن التَّفكير
    لا يستطيع أن يفكّر في غيركِ
    أنا في حاجةٍ لوردةِ يديكِ هذا الشغف لكلِّ الأفعال
    مع هذه العدالة التي تلهمينني بها
    من أجل كلِّ ما سيُشكِّل شوكتي
    ينبوع حياتي أصابه النُّضوب
    مع قوةِ النسيان
    أنا الآن أحترق
    وما أريده قد وجدته مسبقاً
    ورغم ذلك، أفتقدكِ.


    الشاعر يُكلّم الحب بالهاتف
    لوركا (إسبانيا) – ترجمة: رفعت عطفة

    صوتكِ روی كثيبَ صدري
    في مقصورة الخشب اللطيفةِ. إلى الجنوبِ من قَدَمِي ربيعٌ،
    إلى الشمال من جبهتي زهرةُ سرخس.

    ***

    صنوبرةُ نور الفضاء الضيقِ
    شُدَّتْ بلا فجرٍ ولا زرع.
    فأضرمَ نحيبي لأول مرةٍ
    تيجاناً من أملٍ في السقفِ.

    ***

    عذبٌ وقصيٌّ الصوتُ المُراقُ لأجلي.
    عذبٌ وقصيٌّ صوتُ الطرب.
    قصيٌّ وعذبٌ الصوتُ الهَامد.

    ***

    قصيٌّ مثل يحمورٍ داكن اللون جَريح.
    عذبٌ مثل نحيبٍ على الثلج.
    قصيٌّ وعذبٌ، محشورٌ في رمّ.





    صوتكَ
    إسراء النمر (مصر)

    أحبُّ صوتكَ
    لأنَّه يُذكّرني ببابِ بيتنا القديم
    البابُ الذي له رائحة البرتقال
    صوتُكَ يُشبه هذه الرائحة


    صوتُكَ يَجعلني أطمئن
    أنَّ هذا الباب لن يَموت أبداً
    وأنَّه حَتماً سيعرف طريقي
    ويأتي إليّ


    أحتاجُ لصوتكَ
    لأنَّني أسكنُ في بيتٍ بِلا أبواب
    أحتاجُ لبابٍ كي أخرُج منه.


    المسافر
    رسول يونان (إيران) ترجمة: ماهر جمو

    في صوتكَ
    تُصفِّرُ القِطارات
    وتبتعدُ الحَافلات،
    سفينةٌ تُنزل مِرسَاتَها
    وأخرى تُبحر.
    تفوح منكَ رائحةُ السَّفر
    رائحةُ مَزارع صُنوبرٍ بَعيدة
    رائحةُ حقول قِطنٍ بيضاء
    ومناجمَ ذَهبٍ.
    في نهايةِ المَطَاف
    سترحلُ
    مثلَ هذه القطارات
    مثلَ هذه الحافلات
    مثلَ هذه السُّفن.


    أنتَ
    كارين بويه (السويد) ترجمة: سامي اليوسف

    عذبٌ هو صوتُكَ مثلُ وشوشةِ الينابيع،
    ووجودُكَ طازجٌ على نحوٍ حرّيفٍ مثلَ فواكهِ
    الخريفِ المُعطَّرة.
    وبصفاءٍ يستقرُّ في عينيكَ المرحَ المُقشعر لأواخرِ أيلول.
    ألا إنَّكَ لنافورةٌ،
    شُعاعُها متألقٌ بشكلٍ مُشمسٍ جميلٍ في توازنهِ،
    وفي قوسهِ ذي الشَّكلِ الكامل.
    إنَّها نَافورةٌ جَميلةٌ بقوَّتها
    وهي تحوز القوةَ التي تُمكّنُها من أن
    تحبَّ الحدودَ والأبعادَ النبيلة. تحيَّةٌ للعِبكَ الهادئ، ولصحتكَ الربيعية.
    وتحيةٌ لنُبلِ روحِكَ العذبِ الشَّبيهِ بالذَّهب،
    والمنسابِ في نَقاءِ مَلامِحكَ،
    وفي التناغمِ الغنائيّ لأعضاءِ جَسدِكَ.



    صوتكِ قاتم
    خوان خيلمان (الأرجنتين) ترجمة: إسكندر حبش


    صوتكِ قاتمٌ بالقُبلات التي لم نَتَبادلها
    بالقُبلات التي لم تُبادلِيني إيَّاها
    الليلُ غبارُ هذا المنفى
    قبلاتكِ تعلّق أقماراً تُجمّدُ دَربي
    وأرتجفُ تحت الشمس

    **

    ما هو اسمكِ؟
    أنا أعمى جالسٌ في فَناء رَغبتي
    أتسوَّلُ الوقتَ
    أضحكُ من الحزنِ، أبكي من الفرح، أيَّ كلمةٍ ستلفظينها؟
    أيَّ اسمٍ سيسميكِ؟

    **

    لم تَمُتْ عصافير
    قُبلاتنا
    ماتت القُبل
    تطيرُ العصافيرُ في النسيان الأخضر
    سأضع خوفي بعيداً
    تحت الماضي
    الذي يحرق
    والذي يصمت كالشمس.



    صوتكِ
    سيف الرحبي (عمان)

    من يوقف هذا الهيجان في الأعماق
    آه،  لو صوتكِ صوتكِ فقط
    خَفقة نسيمهِ تَصلني عبرَ المسافة
    نسيم البحيرة المسحورة
    التي غرقتُ فيها أخيراً
    خفقة الجائع المُتعب.
    لهدأت عواصفي قُرب الضفاف.





    صوتكَ
    أليخاندرا بيثارنيك (الأرجنتين) ترجمة: تحسين الخطيب

    كامنٌ في كتابتي
    وفي قصيدتي تُغنّي.
    يا أسيرَ صوتِكَ العذبِ
    المحفورِ في ذاكرتي.
    يا الطّائرَ المُنكبِّ على طيرانهِ.
    يا الهواءَ الموشومَ بالغيابِ.
    ويا السّاعةَ التي تدقّ معَ نبضي
    كي لا أستيقظُ.


    آخر كلاب الأثر
    محمد الماغوط (سوريا)

    وكم أنتَ طويلٌ أيُّها الطريق‏
    دونَ شجرة أو ذكرى.‏
    أيَّتها المرأةُ الحلمْ‏
    أيَّتها المرأةُ الكارثة‏
    صوتكِ الحنون كأجنحةٍ مسافرةٍ تتكسرْ‏
    لو ناداني إلى الهلاك
    لَلبّيتهُ مغمضَ العينين.‏


    أنتِ مثل أرضٍ
    تشيزاري بافيزي (إطاليا) ترجمة: جمانة حداد

    أنتِ مثل أرضٍ
    لم يقلها أحدٌ قطّ
    لا تنتظرين شيئاً
    سوى الكلمة التي ستنبجس من قاعكِ
    كثمرة من بين الأغصان.
    دائماً تأتين من البحر
    وصوتكِ مثلَ صوته أجشّ.



    *نصوص: ماريو بينيديتي، لوركا، إسراء النمر ، رسول يونان، كارين بويه، خوان خيلمان، سيف الرحبي، محمد الماغوط ، تشيزاري بافيزي.


    *ترجمة: جمانة حداد، تحسين الخطيب، إسكندر حبش، سامي اليوسف، ماهر جمو، مجاهد مصطفى، رفعت عطفة.

    *جمع وإعداد: موزة العبدولي


  • أحملُ معي النُّورَ والصَّمْتَ (مختارات) – آنا سوير – ترجمة: موزة عبد الله العبدولي

    أحملُ معي النُّورَ والصَّمْتَ (مختارات) – آنا سوير – ترجمة: موزة عبد الله العبدولي

    سأفتحُ النافذة

    امتدَّ احتضانُنا إلى الأبدِ 
    كانَ حبُّنا مُتأصِّلاً في الأعماقِ.
    سمعْتُ انسحاقَ العظامِ 
    رأيْتُ هياكلَنا العظميةَ. 


    أَنتظرُكَ
    إلى أنْ تَرحلَ 
    إلى أنْ يَختفي وقعُ خطوكَ. 

    الآن. صمتٌ. 

    سَأَنامُ الليلةَ وحدِي
    على ملاءاتٍ طاهرةٍ.

    أنْ أَكونَ وحيدةً
    هوَ أولُ إجراءٍ تَطهرِيٍّ

    وحدَتِي
    سَتُوسعُ جدرانَ الغرفةِ،
    سَأَفتحُ النافذةَ 
    لِيَدخلَ الصقيعَ الهائلَ،     
    حيّاً كَالمأساة. 

    سَتَتوافدُ الأفكارُ البشريةُ
    وَهواجسهم 
    مصائبُ الآخرِينَ وَقداستهمْ
    لِتَتهامسَ بِلطفٍ وَجدلٍ. 


    لا تَأتِني بعدَ الآنَ 
    أنا حيوانٌ
    يَنقرض. 


    صنادلُ الشَّاطئ

    سبحْتُ بعيداً عن ذاتي.
    لا تُنادِني.
    اسبحْ بعيداً عن ذاتِكَ أيضاً.
    سَنَسبحُ بعيداً، تاركينَ جسدينا
    على الساحلِ
    كَفردةٍ من صنادلِ الشاطئِ.


    قلقٌ

    ها أنتَ تَصنعُ عشَّ حبِّنا
    بينَ الأشجارِ.
    لكن انظرْ إلى الزهورِ
    التي سَحَقتها.


    لا أستطيع

    كم أَحسدُكَ، بِاستطاعتِكَ
    هجراني في كلِّ لحظةٍ.
    أنا لا أَستطيعُ
    أن أَهجُرَ نفسِي.


    عُشّاقٌ حُزانى

    نحنُ كَعينٍ وجفنٍ
    تُوحِّدُهما دمعَةٌ.


    نوري الدَّاخليّ

    في تقلّبِ الليلِ وَالنَّهارِ
    دائماً ما أَحملُ بِداخلِي نوراً.

    في صَخبِ الضَّجيجِ وَالاضطرابِ
    أَحملُ صمتاً.

    دائماً ما أَحملُ النُّورَ وَالصَّمتَ.


    إلى الشيء ذي الأهميةِ القُصوى

    هل إذا استطعْتُ أن أُغلقَ
    عينَيَّ، أذنِيَّ، ساقيَّ، يَديَّ
    وأَدخُل إلى نَفْسي
    لِأَلف سَنةٍ،
    أَن أَصِلَ إلى
    – أَجهل اسمهُ –
    الشَّيء ذِي الأَهميةِ القُصوى؟


    *نص: آنا سوير (شاعرة بولندية)
    *ترجمة: موزة عبد الله العبدولي

    *تمت ترجمتها عن لغة وسيطة (الإنجليزية) عن الترجمة البولندية للمترجمين:
    czeslaw milosz & leonard nathanson

  • حيوانات لا تُدَجَّن – بيلار كنتانا – ترجمة: مريم الدوسري

    حيوانات لا تُدَجَّن – بيلار كنتانا – ترجمة: مريم الدوسري

    الفهد

    في الأورونكو، في أقصى الشرق الكولومبي، حدثني متجول ألماني عن محمية على مشارف المحيط الهادي في أقصى الغرب من البلاد، فيها فهد ينزه بطوق ورسن كما لو كان كلباً. ولأن الفهود ليست حيواناتٍ أليفة كان عليّ أن أرى ذلك.

    قطعتُ سهول البلاد الواسعة، سلاسلها الجبلية الثلاث، ووديانها الجرداء بالحافلة وصولاً إلى بوينافنتورا حيث كل شيء رمادي ممطر. دامت رحلتي، في زورق سريع ركبته في بوينافنتورا عبر بحر أخضر يموج، ساعة. من خوانتشاكو، آخر محطة قبل الوصول إلى محمية الفهد، حيث يعيش مجتمع عرقيّ أسود في بيوت من خشب، ويحرس فيها جنود القاعدة البحرية رصيفاً إسمنتياً. قدنا دراجة نارية إلى مرفأ في وسط الغابة، ثم خضنا بمركب خشبي مياه عكرة. رحب بي القيّم على المحمية بفتور حين أوصلني البايسا* الأبيض الذي ينظم الجولات السياحية في المنطقة إلى وجهتي.

    أردتُ أن أبكي حين وجدت الفهد في قفص شحن صغير بالكاد يسعه ليتمشى، ليتمطى.  لم يخرجوا الفهد اليوم للنزهة بعد أن خدش ساق سائح فجرحها. إلا أن المتطوع المسؤول عن إلقاء الطعام للفهد من بين القضبان أخبرني بأنه سيبني للفهد قفصاً مهيباً. حلق المتطوع شعره ونذر ألا يطيله حتى يفرغ من بناء القفص.

    طيور وفراشات

    كاد شعر المتطوع شديد الشَّقْرة يصل إلى أذنيه. 

    في القفص، كانت للفهد بركة يستحم فيها، وشجرة اعتاد أن يتسلقها، وفي الشجرة لوح مسطح ينام عليه. كل ما في الغابة، في صحوها ومطرها، في دروبها المطمورة، وفي صعوبة نقل المواد من بوينافنتورا تحدٍ لا يُسَهل بناء قفصٍ فيها.  ورغم هذا كله، وما بذلته مما استطعت من جهد ومال، استغرق البناء وقتاً أكثر من المتوقع لانشغال المتطوع بالماريوانا، يدخنها مردداً شعاره “أنا لا أعمل كل يوم، ولكنني حين أعمل، أعمل بجد”. 

    والآن وقد أصبحنا المتطوعين الوحيدين المتبقيين، صار الفهد مسؤوليتنا، أنا أو هو. وحين لم يعد هناك ما نقوم به من أجل الفهد سوى إلقاء الطعام له عبر القضبان، أعلنتُ أن وقت مغادرتي قد حان. أخبرني هو بأنه يفكر في إصلاح المنزل المهجور. ولما بدا أني لم أرد أن أفهم تلميحه، أضاف: “سأصلحه من أجلك، من أجلنا.”

    ككل البيوت التي بنيت من أجل المهندسين في زمن الاحتطاب الجائر، كان البيت المهجور في وقت سابق بيتاً خشبياً أبيضَ مؤثثاً بكل ما قد يحتاجه منزل في وسط الغابة. بني البيت في أبعد نقطة من المحمية، بعيداً عن الفهد، وعن الطرقات، وعن مبنى الإدارة، وعن إقامات السياح والمتطوعين، وله حديقة موز وشجرة مثمرة تجذب الطيور الملونة وفراشات المورفه العملاقة ذات الأجنحة التي لها زرقة المعدن.

    فكرت في الأمر. إن بقيت سأنفق كل ما بقي معي من مال ولن أستطيع مواصلة السفر، ولكنني إن بقيت، فسأبقى في البيت المهجور، رفقة طيوره وفراشاته وهذا الرجل القوي الذي يمشي حافياً في الغابة. نظرت إليه بقلق وطلبت منه أن يحذر من أن تلدغه أفعى. 

    صراصير، فئران وخفافيش

    المنزل مهجور منذ وقت طويل. أمضينا أيامنا الأولى نبيد الصراصير والفئران والخفافيش التي استوطنته. نقتلع الحشائش التي نمت في الإسمنت المتخلخل. نتخلص من التربة السوداء التي ترسبت في الصدوع. نحاول تبييض العفن الذي خلّفته الرطوبة، بينما يتسرب الماء من كل مكان.  

    بمرور الأسابيع، عاد إلى التبطل والماريوانا، ممضيا اليوم بطوله نائما في أرجوحته، ناسياً شعاره عن العمل. فلم يعد يعمل، لا بجد ولا على الإطلاق. لم يكن في الأمر مزحة، ولكنني لم أتصور أن يسوء الوضع إلى هذا الحد. حتى إنها إذا أمطرت ليلا، أمطرت في المنزل. نقلنا السرير إلى غرفة الجلوس، في الموضع الوحيد الذي لا يصله الماء. 

    حين أخبرته بأنني سأغادر. توقف عن المرجحة ووعد جاداً بأن يصلح المنزل. بدأ بسد مواضع التسرب. كل ما فعله بعد عشرة أشهر هو إيقاف التسربات كلما ظهرت. وهذا هو كل ما يفعله كلما اشتد يأسي وهددت بالرحيل. عدا ذلك ما زال المنزل على حاله بعفنه ورطوبته، وشقوقه، وتربته السوداء، وإن لم أتوخ الحذر أجد نفسي بين حشائشه وقوارضه المتلصصة.

    تجاوز شعره الآن أذنيه. ما زلنا نطعم الفهد مما يرسله لنا القيم على المحمية، وإن تخلى هذا الأخير عن منصبه منذ فترة. لم يعد أحد يزور الفهد، ولم تعد لدي نقود، فقررت أن أزرع حديقة الموز لعلي أبيع محصولها.

    الأفعى

    عذوق الموز ثقيلة جداً لا أستطيع حملها وحدي. انصرف المتطوع لقطعها بعد توسلات وتهديدات ووعود بنسبة من الأرباح. لكنه عاد من فوره دون الموز وانهار في المدخل. لم يسمح له وضعه المزري بأن يشرح لي ما جرى، إلا أنني عرفت على الفور. عاينته، فوجدت اللدغة في كاحله الأيمن. لدغة أفعى سامة بلون الأوراق الذابلة وعلى ظهرها صف من الخطوط المتصالبة على شكل X.

    أحاول أن أقرر الآن ما عليّ فعله. أدرك أن عليّ أن أصحبه إلى خوانتشاكو وأن أتوسل العسكر لنستخدم مروحية لنصل إلى أقرب مستشفى. سأقول لهم بأنه المتطوع الذي بنى القفص للفهد، ولن يرفضوا طلبي. إلا أن خوانتشاكو بعيدة جداً، وليس في المحمية من يمكنه أن يساعدني على حمله، ولست أعرف للبايسا رقماً لعلي أتصل به فينقلنا بقاربه. ولهذا أفكر في أن أتركه هنا، حيث هو. 

    في مرة سابقة وفي مكان غير بعيد، حين مات أحدهم بلدغة سامة، لم يبق منه، بعد أن أكلته الديدان والقمّامة، سوى العظم والشعر.


    *: يشار إلى سكان بعض مناطق الشمال الغربي من كولومبيا بالبايسا.


    *نص: بيلار كنتانا
    *ترجمة: مريم الدوسري

  • ثقبٌ في المخيّلة – صالحة عبيد حسن

    ثقبٌ في المخيّلة – صالحة عبيد حسن



    يوميات نيويورك (2)
    نوفمبر 2021


    (1)

     

    بين هارلم ومتحف غوغنهايم مسافة 31 دقيقة مشياً على الأقدام، وبينهما أيضاً مساحات هائلة من المصائر المُشتتة، الأسى، القفزة الهائلة بين عالمٍ ثالث وعالمٍ أول، بين حاجة ملحةٍ وترفٍ ضروري، بين جسد حقيقي مُترعٍ بسنواتٍ من القيح والسلاسل والسخط ومخيلة لا تعرف ما هو الميزان الواقعي ليستقيم العالم، بسذاجةٍ تدور في دوائر لونية وتتحايل على القهر والسلاسل، لكنها في آخر الأمر ليست سوى شبحٍ لا مرئي.

    (2)


    عند باب المتحف، انتبهتُ للتسريب الصغير من مفكرتي الصغيرة التي تُرِكَت مواربةً في الحقيبة، سقطت نغمة دوّنتُ شكلها عندما كنتُ في بيت الجاز منذ ساعة، وصارت رجلاً يمشي بموازاتي، أدركتُ الأمر من شكل أنفه، أنا صنعتُ هذا الأنف وهذا الرأس وتلك المشية القافزة وهذه الدندنة الجريحة.. سقطتْ أيضاً صرخة كأنها أوكورديون معطوب، ومرآةٌ تعكس دائماً صورة شخص آخر، ويدٌ بثلاثةِ أصابع على هيئة مصابيح، ووجهُ امرأةٍ هو بالأصل قصيدة لـ”ريتشارد رايت” ، أضحو أشخاصاً كاملين، يسيرون أمامي لمصائرهم الخالية مني
    يومها تذكرت أني سألتكَ:
    ⁃ هل يشعرُ الخالقُ بالحسرة؟

    (3)


    يتحايلُ الآخرون على مسافاتهم بالصوت والصورة، وأبترها معكَ بالصوت والمُخيلة، أغلق دائماً خاصية الصورة، وأسرد التفاصيل كما جاءت في الداخل، هائلة وثابة، مهلهلة وعرجاء، فاتنة، محرضة على البكاء، مثيرة للارتياب، فاقعة، أضحكتني، أغضبتني، عبرتها بلا مبالاة. وهكذا دون أن تسألني عنها مرتين، تراها بداخلكَ، وأعيد أنا تلقفها من جديد وأنتَ تمنحها صوتكَ.

    أستيقظُ في الثالثة بعد انتصاف الليل، هلعةً ، لأخبركَ بأني خرجتُ من النوم لأرى من النافذة الضخمة بغرفتي في الفندق، جناح خفاشٍ ضخم يحلُّ مَحلَّ ذلك الجناح الأبيض، الذي وُضِع بالأساس في مكان برجي التجارة العالميين، كنتُ أبكي، كان خوفي من كونه شيئاً آخر تسرب من المُفكّرة، لا بُدَّ أنه الثُّقب، لا بُدَّ من أنني كنتُ قد دوّنتُ الأمر في مكانٍ ما، توسلتُ صوتكَ لأن يُصلِح الأمر.. هل طلبتُ منكَ أن تأتي لنيويورك حالاً؟ لا أذكر، لكنني أذكر بأنكَ أشرت لكونها الحادية عشرةَ صباحاً في الإمارات، وبأن هناك جناحَ فراشةٍ سقط في قهوتكَ قبل قليل، فأهدأ..
    تلى الأمر طرقات خفيفة على الباب، كان الرجل صاحب الدندنة الجريحة؛ مُبللاً، وهو يريد أن يعود ليرتق الثقب في المُخيلة، لأنَّه لا يعرف لنفسه مكاناً آخر يقيمُ فيه.


    *نص: صالحة عبيد حسن


  • المسافةُ تتسع بين جسدينا (مختارات) – جيلان صلاح

    المسافةُ تتسع بين جسدينا (مختارات) – جيلان صلاح

    يا (…) أنا الآن وحيدة

    بين ثنايا الكلام أتوه

    أفقد اتصالي بالعالم

    أجد أنني أفهم نفسي فقط إذ أفهمكَ

    أنا الآن في تلك المرحلة التي لا أعرف نفسي فيها

    هل كان المفترض أن أحقق فيها

    ما لم أحقق

    على فراش الوجودية

    في ميناء الحرمان

    أسفل المرحاض

    في قاع الحوض بعد انسداده

    على ظهر كتاب أكرهه

    الكتابة عن الأفلام أسهل من الكتابة عنكَ

    الكتابة إليكَ أسهل من الكتابة عن فيلم

    ما السبيل؟ لا أعرف

    فقط طاقة مُهدرة

    كثير من زجاجات الجين

    وحدة ليلية ومساحات فارغة كان الكلام يملؤها

    والآن يسودها الصمت

    لغة تعجيزية

    اصطياد مصطلحات بيننا

    المسافة تتسع بين جسدينا

    أنتظر أن تضمني في الفراش

    أن أضمك وأجد نفسي فيك وسط أحزاني

    هذا المد والجزر

    كتابات الحياة والموت

    رقصة الضوء ورعشة الحب

    تموت مع كل بئر يحفره هجرك

    جفاء على جفاء

    متساويان في الحب كنا

    متنافران في النكران. 


    في هويد الليل أحرم نفسي من قبلاتكَ

    الموت أهون من عدم الرجوع إليكَ

    قطعة الشيكولاتة التي تلفظها شفتاي

    بحجة الهروب من السكر

    الامتناع عن الطعام الدسم

    نتائج التحاليل التي أخشاها

    أقف كل ليلة عند عتبة الخوف والنسيان

    يجذبني جسدكَ وروحكَ

    عينا طفل تتطلعان إلى أمه في الظلام

    رقصة الظل على جسد لامع

    حضن بحجم كوكب المريخ

    أجساد سماوية تتراقص في عينين لامعتين

    هذه الحكاية ستنتهي قبل أن تبدأ

    بناية تتهدم على عتبة كل قرار خاطئ اتخذناه

    فتاة حالمة في جسد كبير

    تتوه في المدينة الواسعة

    بحذاء ضخم لا يتعدَ إصبعين.


    آثار أسنانكَ على جلدي

    حبيبي

    لن أستطيع إلا أن أكون أنا

    ما يزعجكَ سيبقى

    ما يقلق نومكَ سيبقى

    أنت رجلٌ طيب

    تخرج في الصباح

    لتبحث عن جذوع الأشجار

    تضربها بفأسكَ

    تعود لنا ليلاً لتسمع آخر ما واجهت

    في حروبي الصغيرة

    دهاليز الشركات

    مواعيد الانتظار

    دقيقة عند طبيب الأسنان

    عملية دقيقة عند طبيبة الجلدية

    تركت وجنتي متورمة وحلقي جاف

    لن تسمع لأنكَ لستَ هنا

    وأنا أفضّل أن تكون فظاً خبيثاً

    لم أعتد التعامل مع الطيبين

    الحطابين والنجارين وأبناء الحرفة

    أولئك الذين لا يفهمون من الدنيا سوى معولهم وفأسهم

    الحياة ليست حلبة مصارعة

    ربما بالنسبة لكَ

    وليس بالنسبة لي.


    *نصوص: جيلان صلاح