المدونة

  • «أينما تَمرّين يومضُ ضياء مُبهِر»: رسالة من هنري ميللر إلى أناييس نن – ترجمة: أسامة منزلجي

    «أينما تَمرّين يومضُ ضياء مُبهِر»: رسالة من هنري ميللر إلى أناييس نن – ترجمة: أسامة منزلجي

    نيويورك
    آذار (مارس) 1935


    أناييس،


    ليتكِ تكونين معي على مدى أربع وعشرين ساعة، تراقبين كل إيماءاتي، تنامين معي، تأكلين معي، تعملين معي، هذه الأمور لا يمكن أنْ تحدث. عندما أكون بعيداً عنك أفكر فيكِ باستمرار، فذلك يُلوِّن كل ما أقول وأفعل. ليتكِ تعرفين كم أنا مُخلص لكِ! ليس فقط جسدياً، بل وعقلياً، وأخلاقياً، وروحياً. لا شيء يُغويني هنا، لا شيء على الإطلاق. إنني منيع ضد نيويورك، وضد أصدقائي القُدامى، وضد الماضي، ضد كل شيء. للمرة الأولى في حياتي أنا منغمس تماماً في كائن آخر، فيكِ. في استطاعتي أنْ أتخلّى عن كل شيء من دون أنْ أخشى الإرهاق أو الضياع. عندما كتبتُ في مقالتي بالأمس “لو أني لم أذهب إلى أوروبا إلى آخره …” لم أكن أقصد أوروبا، بل أنتِ. لكني لا أستطيع أنْ أجهر بهذا للعالم في مقالة. إنَّ أوروبا هي أنتِ. لقد استوليتِ عليّ، أنا المكسور وأنتِ التي جعلتني كاملاً. ولن أتداعى أبدا – وليس هناك أدنى قدر من الخطر من وقوع هذا. لكني الآن أشدّ حساسية، وأكثر استجابة لأقل خطر. فإذا لاحقتكِ بجنون، وناشدتكِ أنْ تصغي، ووقفتُ خارج بابكِ وانتظرتكِ، فذلك ليس محاولة لإذلال نفسي. بالنسبة إليّ ليس هناك إذلال في هذا الكفاح للاحتفاظ بكِ. هذا فقط برهان على أني على وعي تام، ويقظة شديدة، وتوق، بل توق عميق ويأس لأجعلكِ تدركين أنَّ حبي العظيم لكِ شيء حقيقي وجميل إلى أقصى مدى. في السابق كنتُ أكيل لأي امرأة الصاع صاعين مقابل أي ألم تُسببه لي. لكني الآن أعلم أنَّ الألم هو نتيجة سلوكي أنا. أعلمُ أنه حالما يحدث أمر، أمر خاطئ، فإنَّ الخطأ هو خطأي أنا. إنني لا أشعر بالذنب، بل بمذلة عميقة في مواجهة حبي. إنني لا أشكّ فيكِ، يا أناييس – بأي صورة من الصور. لقد قدّمتِ لي كل البراهين التي يمكن لامرأة أنْ تقدّمها إلى رجل. أنا الذي ينبغي أنْ أتعلّم كيف أقبل هذا الحب وأصونه. لقد ارتكبت الكثير من الأخطاء الفادحة. وسأرتكب المزيد منها، دون شك. لكني لن أتراجع. يبدو أنَّ كل يوم يرفعني إلى مستوى أعلى، إلى الذُري – اتركيني هناك، أتوسّل إليكِ.


    لقد فكَّرت في أنْ أقول لكِ عبر الهاتف، لكني رحت أثرثر – ” أناييس، لا أستطيع أنْ أجوب الشوارع وأنا مبتئس. هذا لا يجوز. لدي الكثير من العمل ولا أريد أنْ أُدمّر نفسي، ولا حتى أصغر جزء مني. إنَّ كل ما لديّ نفيس وكنتُ أحاول أنْ أصونه، لأقدّمه هدية إليكِ.


    إنني هنا لا أجوب الشوارع كما كنت أفعل. ليس لدى الشوارع ما تقول لي. هذا أيضاً كان بمثابة إعطاء شيء من نفسي للعالم، بدل جذب العالم إلى داخلي. والآن أفكّر في غرفتي الصغيرة، الغرفة التي وفّرتِها لي، وأشتاق إلى العودة إليها، لكي أُكرّسَها للعمل. يبدو أنَّ العالم كله يبدو ملتحماً بكِ – فلماذا أخرج سعياً وراءه ؟


    إنني أشعر وأنا أتحدث مع الناس بشيء غاية في الجمال داخلي. أشعر بالمسافة بيني وبين الآخرين. وأصون تلك المسافة. لا أعلم مَنْ أنا. لم تعد هناك أية شكوك. ولكن عندما تبتعدين عني، حتى ولو قليلاً، يهبط السواد عليّ، أشعر بأني مُحاصَر. ولكي نُحافظ على ما خلقنا بيننا، وداخلنا، علينا أنْ نتحرّك بسرعة وأنْ نتعرََّض للخطر، ونحن في كامل وعينا. لقد وصلنا إلى شيء لم تعرفه إلا القِلّة القليلة من الناس. يجب أنْ نكون صادقَين مع نفسينا، ومع ما نعرف ونشعر. إذا زللتِ، يجب أنْ أرفعكِ. وإذا زللت، يجب أنْ تفعلي الأمر نفسه. وإلا اهتزَّ العالم وضعنا .


    لا تظني، يا أناييس، أنَّ ما يدفعني إلى التصرُّف بيأس هو خوفي من أنْ أفقدكِ. إنه ليس الخوف، بل الرغبة في التمسُّك بكِ. إنَّ ذاتي الخائفة ماتت. تلك الذات كانت سلبية، مُهمِلة، وغائبة عن الوعي. والرجل الذي أنا عليه الآن يقِظ وفعّال، إنه يقفز، ويُقاتل، ويرفض أنْ يُرخي قبضته. هناك فرق، ألا ترين؟ الذات القديمة كانت ستنحل وتذوي على السرير، أو ستسكر، أو تهيم على وجهها في الشوارع، أو تلجأ إلى صديق قديم. لم يعُد في استطاعتي أنْ أفعل هذه الأمور. هذه الأمور كلها كانت تُخفف عني، تمكّنني من العويل ألماً ومعاناة، وربما كنتُ أرغم فيهما حينئذٍ. لا أريد أنْ أُعذِّب نفسي، سوف أضع نفسي تحت تصرّفكِ دائماً، وجهاً لوجه، بسرعة، ومباشرة. لم أسمح بأي غلط، بأي حادث يتطور بسرعة إلى سوء فهم. لن أسمح لنبات ضار واحد ينمو في هذه الحديقة التي نُعدّ. إنَّ الحياة قصيرة قِصراً مُرعباً لنُحقق فيها معاً رغباتنا كلها. يجب أنْ نُمسك بالزمن ونلوي عنقه. يجب أنْ نعيش كلٌ منا داخل الآخر.


    عندما اتّصلتُ بكِ لم أكن متأكّداً من أني سأجدكِ. في تلك الأثناء اتصلتُ بكِ مرّتين وقيل لي إنكِ في الخارج. كنتُ أتصبّب عرقاً. رحتُ أتمشى في طول شارعك وعرضه وحول منزلك، تفرّجتُ على المطاعم، ثم عدتُ ووقفتُ أمام بابكِ. ولو أني لم أتمكن من التحدث معكِ عبر الهاتف كنتُ سأرسل إليكِ برقية، ومن ثم أعود لأكتب لكِ رسالة تُسلَّم باليد. نظرتُ في دليل الهاتف بحثاً عن اسم غويلر[1]، مُعتقداً أني قد أجدكِ في منزلكِ – منزلهم. فلم أعثر على العنوان. ولو أني انتظرتكِ هذا المساء ولم أجدكِ لاقتفيتُ أثر رانك[2] وحاولت الحصول عليه منه، بالقوة إذا اقتضى الأمر. لم أتمكن من التفكير أين يمكن أنْ تكوني، وماذا تفعلين. لم أُصدّق أنكِ ما زلت غاضبة مني، لم أفكّر إلا في أنكِ تبتعدين عني، متألمة، وحائرة، ويائسة من حبي. ثم إنَّ نيويورك تلك تبدو كالهولة – بحجمها، بشقوقها التي لا تنتهي، وعبث العثور على تلك التي تبحثين عنها كالمسعور. إنَّ المرء يتحول إلى قشّة، إلى خصلة شعر تذروها الريح، تمزّقه كل ذكرى، يُصبح ملعوناً، ضائعاً ومُحطَّماً، تتقاذفه الرياح. تقولين أنكِ كنتِ تبكين. وأنا كنتُ أبكي، أجوب الشوارع والدموع تسيل على وجهي. آه، لماذا، لماذا ؟ لماذا علينا أنْ نعاني ؟ هل نحن هشّون، مُعرَّضون لكل سهم؟ هذا شيء جميل وفظيع. لكننا أشبه بتوأم نحاول أنْ ننفصل. دعينا نبقى ملتصقَين معاً، بكل ما في الكلمة من معتنى. ادخلي فيّ، يا أناييس، وابقي هناك، لا تخرجي مني أبداً، ولا بمقدار فكرةٍ واحدة .


    لقد مررتُ وإياكِ بتجارب رهيبة، تجارب مرعبة. ألا نستطيع أنْ نُغرق هذا كله في حبّنا ؟ أنتِ تعلمين الآن أني لا أحمل أفكاراً زائفة عنكِ، وأني قبلتكِ كامرأة، امرأتي. فلا تعاقبيني بسبب بطئي. بل اشكري النجوم لأننا كافحنا ونجحنا. لقد أخبرتكِ ذات مرة في رسالة كم أنا متيقّن من أنَّ مصير الإنسان كامنٌ داخله – وليس هناك في النجوم. وشعوري بهذا يترسّخ أكثر فأكثر. ألستِ معي ؟ ألستِ معي ؟ يجب أنْ تكوني كذلك، لأنَّ هذا ما أستشفّه من رسالتكِ. كيف يمكن ألا تكون القفزة الجريئة التي قمتِ بها إلا استجابةً لإملاء داخليّ. كان يجب أنْ تقفزي من أجلي، لكي تُنيري لي الطريق. لقد أثبتِّ ما أخبرتكِ ذات يوم أنه قول رائع – هل تذكرين ؟ ” الجرأة لا تقتل ” لقد رأيتِها في الملاحظات التي دوّنتها على الطاولة في فيلا سورا. إنني أتذكَّر جيداً كل ما لاحظتِ. أستطيع أنْ أرى ضياءً في وجهكِ، وفي يديكِ المتلهّفتين، وفي إيماءاتك التي ترسمينها في الهواء وتشبه الطيور. أنتِ بالنسبة إليّ الضوء نفسه – أينما تمرين يومضُ ضياء مُبهِر .


    هل ستسامحينني لأني كتبتُ هذا كله، بدل أنْ أعمل ؟ أليس هذا، أعني حياتنا، أشدّ أهمية من العمل ؟ عمل ! عمل ! لماذا أعمل ؟ لابد أنَّ السبب في الأصل أُبالغ في تقدير نفسي، في حب نفسي، حتى أني حوّلت العمل إلى ولع وحاولتُ أنْ أُبرّره بأنواعٍ شتى من الأكاذيب والأضاليل. كنتُ أُشيدُ نُصُباً للأحزان الماضية. هذا كله انتهى. لقد تحوّل وجهي نحو المستقبل، بفرح. سوف يكون العمل طبيعياً أكثر، ولن يكون غاية بحد ذاته. لقد كدتُ أتجرّد من الإنسانية. وأنتِ أنقذتني.


    الآن أُدركُ أني كائن بشري كامل وباعتباري كائناً بشرياً لابد أني أكثر قيمة بالنسبة إليكِ من أعظم الفنانين قاطبة. لم يضِع أي شيء جراء هذا التغيير. على العكس، بل كسبتُ كل شيء. إنكِ لا تنافسين عملي. أنتِ لستِ المُلهِمة التي تمّت التضحية بها. ما أشد حِدّة وعيي، وامتناني لكِ، لأنكِ اجترحتِ هذه المعجزة. إنها إبداعكِ، وهي إنسانيّة صِرف، تمَّ بلوغها عبر كفاحٍ مرير. وما فعلتِ لا يقلّ عن أي عمل بطوليّ. لو كنتِ مجرد امرأة لفشلتِ. أنتِ فنانة – في الحياة – وأي تقريظ يمكن أنْ أصِفكِ به ؟ أنا كنتُ فناناً فقط بالكلام، وفي الحياة كنتُ فاشلاً بمرارة. كلمات، كلمات – كم تخنق روح المرء ! أعطني المرأة وسوف تحتل الكلمات موقعها المناسب. لقد كنتُ عبداً للكلمات. الآن سوف أستخدمها .


    أحياناً أعتقد أنَّ مجيئي إلى هنا سوف تكون له هذه النتيجة بالذات، أي سوف تصبح شخصيتي محسوسة وملحوظة. أعتقد، إذا توقّعت مكافأة مستحقّة، أني حالما أُقنع الناس بنزاهتي فإنَّ أي شيء أفعله أو أقوله، أي شيء أكتبه، سوف يلقى الاستحسان. لا يمكن للناس أنْ يتجاهلوني وهم يعلمون مَنْ أنا، يعرفون صدقي، ورصانتي. لم تعد لدي أية رغبة في لعب دور المُهرِّج، المتأذّي، المُهمَل. إنني أتوق الآن إلى التمسُّك بالناس، والوقوف أمامهم والتحدُّث إليهم، وإقناعهم. إنَّ الأمر لم يعُد يتعلّق بالأدب، بل بحياتي، بحياتي معك. أشعر بهذا بقوة بحيث أني واثق من أنه يجب أنْ يُحَسّ. قد أُصبح أشدّ بساطة بكثير. كل كلمة يجب أنْ تحترق. الكلمات مملوءة بدمي، بولعي بكِ، بنهمي للحياة، بالمزيد من الحياة، الحياة الأبدية. لقد منحتي حياة، يا أناييس. أنتِ الشُعلة التي تشتعل داخلي. وأنا حارس الشُعلة. أنا أيضاً لديّ مهمة مقدّسة.


    آه، ألا ترين وتعرفين وتصدقين كل ما أكتب إليكِ ؟ أليس واضحاً وصحيحاً وعادلاً ؟ ألن تمكثي معي، في داخلي دائماً ؟ لقد صعدتُ من أعماق سحيقة لأعثر عليكِ. إنَّ قولي إني أحبكِ ليس كافياً. إنه أكثر بكثير، بكثير. اسبري أعماقي، أخرجي كل ما في داخلي. أشعر بأني غني غنى لا ينضب.
    هنري


    [1] هيو باركر غويلر : زوج أناييس نن منذ عام 1923.
    [2] أوتو رانك (1884 – 1939) : مُحلل نفسي نمساوي . تلميذ سيغموند فرويد و “ابنه بالتبنّي ” . لجأت إليه أناييس نن وزوجها عندما توترت العلاقة بينهما ووصلا إلى حافة الانهيار العصبي.

    *النص:هنري ميللر

    *ترجمة: أسامة منزلجي

    *المصدر: مجلة أوكسجين

  • تأخرتِ أنتِ والقيامة – أحمد راشد ثاني

    تأخرتِ أنتِ والقيامة – أحمد راشد ثاني

    حبُّكِ أدخَلنا الجنَّة
    وأدخَلَنا الجَّحيم،
    أدخَلنا المَعصيَة
    وأنزلَ علينا العِقَاب…

    جَعَلنا منَ الأمواجِ،
    وجعلنا على القوارب،
    وتركنا كالنّوارس
    بلا قبورٍ…

    … وأوجعنَا
    حبُّكِ أوجَعَنا كالغُددِ،
    وأوجَعنا كالأسنانِ…

    سَفَك المياهَ في أحلامنا
    وسَفَكَ أحلامَنا
    في عطشِ الآبارِ

    ولم يَتنكَّر لنا أحدٌ
    حين غَرِقنا في الكأسِ
    لم يتنكَّر لنا أحدٌ
    حين تَركنا الصَّحارى تتدلَّى
    من أكتافِنا
    ومَشَينا في الشوارعِ
    بلا ظلالٍ…

    ولم يتنكر لنا أحد

    وَحدنَا سَقطنا من العُيون،
    وحدنا تَكدَّسَنا في المَنافِضِ…
    كالرَّمادِ

    أَشعلَنا النيرانَ
    في غرفِ بيوتِنا،
    وهَربنا من النوافذِ
    بلا وجوهٍ…

    كلُّ من يَعبر نَظَراتِنا
    نُكافؤهُ بالفقدانِ،
    كلُّ من يَبكي على قُمصانِنا
    نُعلّقه في الجُبِّ

    ***

    أثناءَ البحثِ عنكِ
    قال لنا البحرُ شيئاً عن نفسهِ
    عن غَرقاه الذين يُشبهِونَنا
    عن غُيومكِ التي لطالما
    أدمَتْ شَفَتيه

    قال لنا شيئاً
    عن الأمواجِ التي لا تسمعُ كلامَهُ
    وعن الرياحِ التي لا تَهوى الجلوسَ
    إلا في فنائه

    لم يُسَمُّ أحداً نالَكِ
    لم يعترف بِفشلهِ في اللحاق بكِ
    بفشلِ تلاميذهِ في تَهجِّي اسمكِ

    ***

    تأخرتِ أنتِ والقيامة
    فاستبدَّت بأيامنا الحيرةِ،
    أَبدى لنا العيدُ مزاجَهُ العَكِرَ
    والطمأنينةَ التي لم تَصعد بعدُ
    من القَبوِ

    من الريحِ الذي مرَّ عليه
    لم يستيقظ عشبُ المستقبلِ



    ***

    تأخرتِ أنتِ والقيامةُ
    امتلأتِ الحياة
    حياتُنا
    بجثثِ الأفكارِ

    امتلأت بجثثِ القَناني
    وأضرِحةِ الكؤوسِ
    امتلأت بالجثثِ…

    جثثٍ يتقاذفُها الموجُ
    وجثثٍ يحتفظُ بها،
    جثثٍ يأكلُها
    وجثثٍ بلا عيونٍ


    … ولا يعرف أحدٌ عن سُخريتِنا
    التي نُكيلُ لها اللهبَ
    من الأمامِ
    ولا عن نظراتنا التي نَنهرُها
    بلا ريبٍ

    عن الخفَّةِ التي وضَعناها على الرف
    والألمِ الذي نمنعُه من الخروجِ




    *نص: أحمد راشد ثاني
    *من ديوان: الغيوم في البيت

  • حُرَّاس المتحف – عبدالله حمدان الناصر

    حُرَّاس المتحف – عبدالله حمدان الناصر

    ثمة قطعٌ نادرة تستحق النظر في متحف الفن. ليست أبداً ما اعتاد الناس النظر إليه. إنها منحوتاتٌ حية تتمشى وتنظر إليكَ طوال الوقت. لا تعود تلك القطع إلى حركات فنية وثنية أو كنسيةٍ أو حديثة. إنها أقدم وأحدث من ذلك بكثير. لقد وضع فيها الرب كل الشكوك والأحقاد الشخصية من أجل حماية الفن. إنها قطع من الشر الخالص الذي يقدّس الجمال. أشعر بعيون تلك القطع وأسمع خطاها الخفية. أشعر بضغائنهم تجاهي وأنا أحاول تذوق الفن. أحسُّ بأصابعهم الضخمة توشك على صفعي كلما اقتربت من الفن. وبسبب صلافتهم صرت أخاف الاقتراب من مرسم بيكون في دبلن. بسببهم لم آخذ بيكاسو في برشلونة على محمل الجد. الحرّاس الذين ينتظرون وميضاً في عيني كي يجهزوا علي، يعتقدون أنني سأفسد مزاج رامبرانت وفيرمير. ويظنون أنني سأختطف في أية لحظةٍ فزع فان جوخ. يترقبون تلك اللحظة التي أتحول فيها إلى حجر أو ماء وأنا أغرق في لوحةٍ ما. يخافون أن أدسّ للزوار عملاً مزيفاً وأختفي مثل بانكزي. لكنني أخيراً تعبتُ من المطاردات، ومللتُ من النظر خائفاً إلى اللوحات. الآن لم أعد أقصد المتحف من أجل الفن. بل لأسرق القصص التي أخفاها الله في أعين الحراس.

    *نص: عبدالله حمدان الناصر

  • الوردة طريقنا إلى الأبدية – عبدالله البلوشي

    الوردة طريقنا إلى الأبدية – عبدالله البلوشي

    أتأمّلُ
    في البقعة الأشبه بخارطة القلب
    كيف أن قطرة الدّمِ
    تُعمّدُ بهجة الكون
    وأن الوردة طريقنا
    إلى الأبديَّة.

    ….

    في حين
    تحملني الجذور
    نحو طرقات بعيدة
    فيسكنني هناك
    هذيان طيورٍ يحرقها الشتاء.

    ….

    وتلك الشجرة النائمة
    على ظلالها المقدسة
    هكذا أنا
    مثل طائر منسي
    لو صوّبت إليه مديةُ لبكى.

    ….

    يتراقص الظل
    خلف فوهة النافذة
    شجرة غُرستْ على حافة قبر
    فأسقطت
    روحها
    على جدار عزلتي.

    ….

    منذ أن تأملت ذلك البحر
    يستوطن قلبي بين شغف وخوف
    من أحدّث أولاً؟
    هل أحدّث البحر عن الشجرة؟
    أم أحدث الشجرة عن البحر؟
    كلاهما عميقان
    كأغوار قلبي الأدق من قبضة طفل
    يغفو بنعاس نقي.

    ….

    هكذا
    كمثل برعم أنجبته الحياة وحيداً
    ألقتني الأكوان على حافتها المائلة
    بعدما كنت هاجعاً في مهد صغير.

    ….

    من أودع فيَّ كل هذا اليتم
    لكي أقتفي أثر امرأة عابرة
    تضع إكليل الرّيحان
    على شاهدة قبرٍ منسيّ.

    ….

    كانت هناك
    في أعالي جبل الحب
    كان يؤنسها الرعد
    وهو يقصف شفة الكون
    وكان الليل
    قُبلة لا تغتفر.

    ….

    على يدي أحملُ الطّير
    على كتفي أحملُ التّابوت
    مُتعبُ جسدي
    ومتعبة هذه الروح
    حيث يضمها الليلُ
    كحوصلة نورسٍ
    يبحثُ عن عتمة مجهول.

    تفيض مياهك
    أيها الليل
    لتجرف ما تبقى
    من رماد المدفأة.


    *نصوص: عبدالله البلوشي

  • عندما انفصلنا – فورتيسا لاتيفي – ترجمة: ضي رحمي

    عندما انفصلنا – فورتيسا لاتيفي – ترجمة: ضي رحمي

    عندما انفصلنا
    لم يكن أمرًا قاطعًا
    كلانا بكا، توقفنا فقط حين لاحظنا
    أنَّ أثاث غرفة نومكَ يطفو نحو الردهة
    الجيران هاتفونا ليخبرونا أنهم عاجزون عن النوم
    لأن قلبي يتصدع بصوت عالٍ مريع
    وهكذا، لتسكتني، قلتَ إنَّه مؤقت.
    عندما انفصلنا، لم يكن الأمر منطقيًا
    حاولتُ أن أستوعب، لكنني شعرتُ بدوار، حتى أنني تقيأتُ
    واصل العالم دورانه بينما جلستُ أخلّص شعري من القيء
    كان هذا في المرة الأولى فقط.



    في المرة الثانية
    كان الأمر لا يزال مُلتبسًا
    جلسنا طويلًا فوق تراب الحديقة
    حتى أننا حين نهضنا
    كنا متمازجين مع الأرض
    لكن لا بأس،
    نعقتد أنها تبتلعنا على أية حال.
    في المرة الثانية
    كان الأمر لا يزال غامضًا
    ركبنا سيارتي
    وقلتُ إنني لن أتوقف حتى نوضح المسألة
    لكن مؤشر البنزين اقترب من حدِّ النفاذ
    ولم نجد الكلمات
    لكنَّنا لم ننته بعد.



    المرَّة الثالثة، كانت الأعنف
    أمطرتْ طويلًا حتى شعرتُ
    أن الكون بأكمله يغرق
    لساعتين تحدثنا في نفسٍ واحدٍ مختنق
    وحين قلتَ أخيرًا إنَّك راحل
    غرستُ ركبتي في الوحل وتوسلتُ إليكَ لتبقى
    تركتني هناك، قدتُ السيارة بعيدًا
    وعندما عدتُ في النهاية إلى البيت
    تركتُ أثرًا طينيًا زاحفًا
    من الباب وحتى غرفة نومي.


    في المرة الثالثة
    على الأقل لم يخل الأمر من المنطق
    لأنَّ كلمات مثل أحبكَ
    وأهجركَ
    جاءتا معًا
    في حين كنتُ أظنُّهما
    عالميْن منفصليْن.



    عندما انفصلنا للمرَّة الأخيرة
    كنَّا متعبين
    لم يكن الأمر واضحًا ما يزال
    لكننا لم نعد نهتم
    لم يكن منطقيًا لكننا كنَّا خائري القوى.
    عندما انفصلنا للمرة الأخيرة
    أدركتُ أنَّني نسيتُ كيف يكون الانهيار
    لذا بدلًا منه،
    تماسكتُ.


    *نص: فورتيسا لاتيفي
    *ترجمة: ضي رحمي

  • كل هذا الضوء (هايكو) – ندى عبدالرحمن

    كل هذا الضوء (هايكو) – ندى عبدالرحمن

    1


    استقبالٌ حار،
    ‏كل هذا الضوء
    ‏من اليراعات.

    2


    ‏باستثناء الغبار،
    ‏لا أحد يعيرها اهتمامًا –
    ‏وحدة التماثيل.

    3


    ‏لفتةٌ حنونة،
    ‏الجزء المكسور
    ‏من الباب.

    4


    ‏تشعر بالألم
    ‏كل تلك التلويحات،
    ‏في يدي.

    5


    ‏وشاحٌ أحمر
    ‏على ليلى،
    ‏أن تدفع ثمن لفت الانتباه.

    6


    ‏راكبٌ آخر
    ‏تسرقه المحطّات،
    ‏بماذا تشعرُ الحافلة؟

    7


    ‏حقيبة سفر
    ‏بداخلها،
    ‏آخر التفاتة للوراء.

    8


    ‏في السماء،
    ‏كل محاولاتي للتحليق،
    ‏مخالفات مروريّة.


    *نصوص: ندى عبدالرحمن

  • سأنساكَ لما أصحو – رنيم نزار

    سأنساكَ لما أصحو – رنيم نزار

    1

    سأنساكَ بخاتم عرس
    وزوج
    وفرح باهظ الثمن
    وطبق أبخس من شهامتكَ
    سأنساكَ
    في ولادات متكررة
    وأمومة
    ومخاض يكرر النسيان
    ودماء تنزف من جسدي
    هو نفاس الخلاص
    ليغسل
    وجودكَ فيٌ.

    2

    حبيبتكَ الماضية
    التي قررتَ الهرب منها
    واستغلت الضعف
    بالزواج
    حبيبتكَ التي لبست
    فستان زواج
    خصب بالنسيان
    وضحكت أمام عيون الكاميرا
    لكي تؤكد لك بأسلوب كاذبٍ
    الفرح
    حبيبتكَ
    يا حبيبي
    جلست أمام زوج أشقر لا يشبه
    سمرتكَ
    وحلمت كثيراً
    بأصابعك وهي تفكك
    أزرار فستان عرس
    ملطخ بالندم
    لكنكَ أضعف من قرار الحب

    ها أنا أفعل كما فعلت كل الهاربات
    من سجن قلبك الرحب بالنسوة
    لكنني
    لست كما البقية
    لن أجعلك تندم إلا بنجاح امرأة الشعر والقصائد
    ها أنا من بعدك أنجح
    وألبس خاتم الارتباط بالوحدة
    إلى الأبد

    3

    ستنهض من كابوس مريب
    بعد ليلة صماء من الفرح
    كما هي حياتكَ بعد أن اخترت
    أن لا تكون
    ترتب نفسكَ ليوم عمل شاق
    تقص زوجتك جدائل الحنين
    ولا يقصر
    وبقبلة تطبعها على خدكَ
    طفلة
    سمراء البشرة
    تحاول أن تبدو سعيداً
    مسروراً كأي رب أسرة فتح باب بيت جديد
    لينسى
    ستسير في درب العمر مغمض الجفنين
    لكي لا تلمح نظرات الحنين تبحلق بكَ
    من خلال عيون زوجتكَ
    التي كما فعلت
    اختارت نسيان رجل آخر بالزواج منكَ
    سترى سترة النسيان البارد
    وخيمة الأحزان تكبر فوق سقف بيتكَ
    ولن تنسى

    4

    سأنساكَ لما أصحو
    وأغرق في مهام الأمومة
    حتى منكبي
    أنظف غبار بيت لم تمسسه بصماتكَ
    وأرتب طفلين
    ليومٍ مدرسي حافل
    وأخرج لعملٍ طويل أحقق ذاتي به
    وأقول نسيت
    حتى يعود كل منهما في يده شهادة المدرسة
    وينادون : بابا بابا
    لكن اسمكَ ليس بعد أسمائهم
    اسمكَ ليس في دفتر العائلة الذي أكون فيه أنا الزوجة
    سيطل الأب من بعيد .. هو ليس أنت
    فأتذكر حزن ونسيان كاذب
    كل هذا لأنكَ لست أبًا لأطفالي!

    5

    سأخطو خطوة أخرى من دونكَ
    مسؤولة عن بيت
    وودائع مستقبلية لتأمين الأسرة
    وبنطال رجل يحب زوجته
    التي قلبها عندكَ
    وولائم لا تنتهي من الأحزان
    سيكبر بطني بنطف
    بعد أن دنا مني رجل بتوقيع
    وشاهدين وقبول مرهون بالنسيان
    سيطبع زوجي فوق جبيني قبلة أمل
    بأن أهبه قلباً كُتب باسم الربيع
    لكن حريق ما دنا من قلبي
    حريق اسمه الوداع
    آسفة لزوجي العزيز
    أنا أحبكَ.

    6

    لم نتزوج
    لكنني دوما أنتظر
    بأن أحمل بين يدي طفل يشبه ملامحكَ

    لن نتزوج لكنني سأنتظر
    أن تنبت نطفة بي منكَ!

    لم أتزوج لكنني
    دوما سأحلم
    بعودتكَ
    تفتح باب بيتي لتجلب معكَ لي الحياة

    7

    طفلتك التي ستجيء إلى الكون
    أنا لست أمها
    وسريركَ الذي سيكون
    لا رائحة لي به
    ومصاريفكَ
    التي لا أشغل بالي في إحصائها
    وأحزانكَ
    التي لا أشارككَ آهاتها
    كلها سنذهب مع زوجة لا تحبكَ
    وتحلق مع الريح

    8

    كلما سأنجب طفل
    سأقول: مات حبيبي!

    9

    ستجلس في البيت الذي حلمت طوال حياتكَ في الوصول إليه
    في ذات ذلك المساء
    ستصل نحوك امرأة
    في جسد هزيل لتشاركك فنجان قهوة مُرة
    ستشرب رشفة.. رشفة
    من فنجان الوحدة،
    لكن سرعان ما تكتشف فوات أوان الحب
    لكون تلك المرأة ليست أنا
    وليست حبيبتك

    خسارة!


    *نص: رنيم نزار

  • خريطة الأوهام – زاهر الغافري

    خريطة الأوهام – زاهر الغافري

    لأنَّكِ
    في هذهِ اللحظة
    أجملُ امرأةٍ ميتّةٍ.

    فأنكِ لَن تلوّحي لي بغصنٍ
    ولا بمنديل.

    أنا في ضفّةٍ
    وأنتِ في ضفّةٍ أخرى
    على حافّة الينبوع.

    المَمشى المسكونُ بخيبة العالم
    والسريرُ الذي أضاءَ الغرفةَ
    والنافذة.
    ثم تلكَ القفزاتُ العالية
    في الهواءِ الطلق بين الأشجار
    هي أكثرُ مِن ذكرى حياةٍ تتدحرجُ
    على السَلالم.

    إنَّني أوشكُ أن أبصرَ ماضيكِ في
    صرختي الأولى
    وأجرّبَ أيضاً حرارةَ الليلِ
    في جسدٍ ميّت.

    ولئِلا أتعب سأضعُ يدَكِ المرميّة
    في يدي
    لتكونا معاً
    ما يشبه كنوزَ
    أمكنةٍ ومسراتْ.


    هكذا
    على الأقل
    لَنْ أضيّعَ
    صورتَكِ مهما ابتعدتِ كثيراً
    عن المرآة.

    هكذا أيضاً يُمكنني أن أستقبلَ
    صوتَكِ القادمَ من آبارٍ ضائعةٍ
    بزهرةٍ أو مَطْلعِ أغنيةٍ
    قديمة.

    عتمةٌ خفيفةٌ تغطّي فراغاً
    ضئيلاً مِن وجهكِ
    أهذا ما نسميّه
    حزناً؟

    أم ينبغي أن نقول
    وليمة لهذا الجمالِ
    الراقدِ فوق السرير.

    بعينٍ جسورةٍ أتخيّلُكِ أيقونةً
    من الرَّغبات
    مِن أشرعةٍ تَدفعُها الريحُ
    إلى أيامِنا الآتية.

    لذلكَ لن أبكي عليكِ هذا
    المساء.

    سأنتظرُ أمَلاً
    حتى لو كانَ عشبةً
    عالقةً في مرساةِ قاربٍ أخير.

    ثم ليس كلُّ دمعةٍ تُشير
    بالضرورة إلى قبر وتابوتْ.

    ولا كلّ خطوةٍ، إلى ما يُظنُّ أنه
    وداعٌ مؤلمٌ في الطريق.

    استيقظي أيَّتها النائمة
    الأفقُ
    أيضاً
    حياةٌ ثانية.

    وخلف الستارةِ
    تَلمعُ النجومُ
    في السماءِ كنقودٍ فضيّةٍ
    في ساحةِ الأعياد.

    إنَّني أحبّكِ بقوّةِ الموهبة
    بثقل الصدفةِ الواثقةِ من نفسِها.

    إذا رغبتِ في فاكهةٍ
    يكفي أن تحرّكي
    إصبعاً واحداً
    لتحضرَ الشجرةُ إلى هنا.


    وإنْ رغبتِ أيضاً سأحملُكِ طافيةً
    إلى أرضِ المغارة
    فلَربما كان الموتُ خريطةً
    سرّيةً للأوهام
    أو محضَ
    فراغٍ خادعٍ
    في جوفِ الجبل.




    *نص: زاهر الغافري
    *من ديوان: ظلال بلون المياه

  • مولودن توًّا – سيلفيا بلاث – ترجمة: عابد إسماعيل

    مولودن توًّا – سيلفيا بلاث – ترجمة: عابد إسماعيل

    هذه القصائد لم تعش: يا له من تشخيص حزين.

    أنبتوا أصابعهم ورؤوس أقدامهم كما ينبغي ،

    جباههم الصغيرة أضحت ناتئة بسبب التركيز.

    إذا لم يخرجوا، ليتنزهوا، ككل الناس،

    فهذا ليس بسبب عوز في الحب الأمومي.


    آه، لا أستطيع أن أفهم ماذا حدث لهم !

    هيئاتهم، وأعدادهم، ملائمة، وكل جزء منهم.

    يجلسون سلسين، جميلين، في السائل المخلل!

    إنهم يبتسمون، ويبتسمون، ويبتسمون، ويبتسمون،

    في وجهي. مع ذلك الرئات لم تمتلأ بعد،

    والقلوب لم تخفق بعد.


    إنهم ليسوا خنازير، وليسوا أسماكاً، حتى،

    رغم أنهم محاطون بهالة شيطانية، وسمكية –

    من الأفضل لو أنهم كانوا أحياء، وهذا ما كان حالهم.

    لكنهم موتى، وأمهاتهم على وشك الموت، شروداً،

    وهم بغباء يحدقون، ولا ينطقون بكلمة واحدة عنها.


    *نص: سيلفيا بلاث
    *ترجمة: عابد إسماعيل

  • أمثال ألمانية: يعيش الموتى فترة أطول

    أمثال ألمانية: يعيش الموتى فترة أطول

    ○ السمكة تتعفّن من رأسها أولاً


    ○ لا تقطع الغصن الذي تجلس عليه


    ○ الطُعم الجيد يمسك الفئران


    ○ كلُّ يدٍ تغسل الأخرى


    ○ العشب الضار لا يزول


    ○ في وقت الضيق يأكل الشيطان الذباب


    ○ الضمير المرتاح وسادة ناعمة


    ○ لا تعضّ اليد التي تُطعمك


    ○ المياه الهادئة عميقة


    ○ كثرة الطباخين تفسد الطبخة


    ○ من يبغي الجمال يرضى بالمكابدة


    ○ تهرب الجرذان من السفينة الغارقة



    ○ الملابس تصنع الرجل


    ○ للكذب ساقان قصيرتان


    ○ حتى الدجاجة العمياء قد تجد حبة ذرة أحياناً


    ○ لا إجابة هي إجابة


    ○ لا يجب عليك عد الدجاج قبل أن يفقس


    ○ النظام هو نصف المعركة


    ○ يعيش الموتى فترة أطول


    ○ الفرصة تصنع اللصوص


    ○ لا تسقط التفاحة بعيداً عن الشجرة

  • آخر كلاب الأثر (مختارات) – محمد الماغوط

    آخر كلاب الأثر (مختارات) – محمد الماغوط


    آخِرْ كِلاب الأثََرْ

    كم أنتَ موحشٌ أيُّها الليل
    دون امرأةٍ أو سلطة.‏
    وكم أنت طويلٌ أيها الطريق‏
    دونَ شجرة أو ذكرى.‏
    أيتها المرأةُ الحلمْ‏
    أيتها المرأةُ الكارثة‏
    صوتكِ الحنون كأجنحةٍ مسافرةٍ تتكسرْ‏
    لو ناداني إلى الهلاك
    لَلبّيتهُ مغمضَ العينين.‏

    ولكن من أنتِ؟
    سفينة؟ أين أشرعتَكِ؟
    صحراء؟ أين رياحك ونخيلك؟
    ثورة؟ أين راياتك وأصفادك؟
    إنني لا أعرف عنك أكثر ما أعرف عن الليل
    ولكن من يَسلبك منِّي
    يغامر مع أعظم غضب في التاريخ
    كمن يسلب الجنود الموتى
    خواتمهم وبقايا نقودهم
    وهم ما زالوا ينزفون على أرض المعركة
    قولي لمن يريد:‏
    هذا ولدي ولم أنجبْه من أحشائي
    هذا مُغتصبي ولم يمزق لي ثوباً أو يَفُضَّ بكارة‏
    هذا وطني ولم أعرف له حدوداً
    هذا محتلي ولم أرفع في وجهه صوتاً أو حصاة
    اهدروا دمه. اقتلوه
    ولكن شريطة أن يسقط بين ذراعي.‏
    أيتها المرأة البعيدة كالسماء… كالحرية
    أسرعي أسرعي
    بين الوطن والمنفى ‏
    خطوة واحدة
    أو قبلة واحدة
    أنت خائفة؟ ممَّن،
    من العالم؟ أنا العالم
    من الجوع؟ أنا السنابل
    من الصحراء؟ أنا المطر
    من الزمن؟ أنا الطفولة
    من القدر؟
    وأنا خائفٌ أيضاً
    ودقََّات قلبي عندما ألمسُك أو أراك
    لا تشبهها إلا ضربات الغرباء
    على أبواب المنازل المغلقة.‏
    ولكن معك يصبح الخوف شجاعة
    والذل كبرياء.‏
    والخجل وطناً.‏
    أسرعي يا حبيبتي أسرعي
    عاشقان خائفان‏
    عاشقان أعزلان إلا من الليل والتنهدات‏
    هما سيف الثورات وترسها.‏
    إنني أناديك يا حبيبتي
    وأصابعي تحوم من فكرةٍ إلى فكرة‏
    ومن صفحةٍ إلى صفحة‎ ‎
    ‎ ‎كغربانٍ تشمُّ رائحة جثثٍ ولا تراها‏
    إن موتي قريبٌ كغصن فوق رأسي
    فكوني الزهرة الأخيرة الباسلة
    فأنا آخر بستانٍ للشعر في هذا العالم‏
    ولا سياج لي.‏
    إنني نجمةٌ نائية في ليل الفقراء الطويل‏
    يجب أن تطفأ.‏
    صخرة نائيةٌ في الطَّريق في أي قمة
    يتعثَّر بها ويلعنها الصَّاعدونَ والهابطون‏
    يجب أن تزول
    فزمن الخدوش والعقبات الصغيرة قد ولّى.‏
    ولكنني حائرٌ بين ألم السقوط وعارِ النَّجدة
    خائفٌ من الموت وحيداً
    في إحدى الغرف المظلمة النتنة
    وأن لا تكتشف جثَّتي إلا من الرَّائحة
    وتنشُّقات المارة.‏
    فأيامي معدودة
    وساعات حبِّي تتناقص كالمؤن أيَّام الحصار.‏
    يقالُ إنَّ رؤوسَ المحكومينَ بالموتِ‏
    في الثَّوراتِ الجامحة‏
    حتى بعد أن تطيح بها شفرات المفاصل
    وتُدحرجها نحو أرجلِ الجماهير‏
    تظل قسمات وجوهها محتفظةً للحظات‏
    بتعابيرِِ الرُّعب والأملِ والخيبة‏
    وتظلُّ تتوسَّل إلى منْ حولَها
    بنظراتِ الدّهشةِ والعتاب والتساؤلْ‏
    هكذا أنظرُ إلى جبالكَ ووهادكَ‏
    إلى أرضكَ وسمائكَ يا وطني.‏



    العنقاء

    السيف يكتب
    والصدر يقرأ
    والزمن يمحو كل شيء
    تماسكي أيتها المشنقة
    وهدئي من روعك أيتها الحبال
    وأنتم أيها السوقة والرعاع
    ألم تروا في كل هذا الشرق
    معلماً يشنق
    في بداية أو نهاية أي عام دراسي؟
    أو ثرياً مجهولاً يستدرج غزالاً برياً
    ويغدق الرصاص بين عينيه؟
    أو بطلاً يستسلم في ذروة المعركة
    من الضجر؟
    إنها أغنيتي وليست أغنية إليوت
    وأعراسي وليست أعراس لوركا
    وحقولي وليست حقول غوغان
    ومتاهتي وليست متاهة كافكا
    وكبريائي وليست كبرياء بايرون أو المتنبي
    إنهم يسلبونني كل شيء في وضح النهار
    وأنا أكره الخريف المزاود
    سأكتب كتابي عليك بالمطر
    وأعقد قراني كربطة العنق أو هدية بابا نويل
    إنها أساطيري ونبوءاتي
    سلاسلي وآفاقي
    وأنا حر بها.


    شوارد الدم

    أيتها النظرات الكسيحة كالبنفسج
    يا بركة السنونو الزرقاء
    لقد عاد الأرق القديم
    يضرب صدغيَّ كحطاب جبلي‏
    خمسون عاماً وأنا أسير وأسير‏
    ولم أصل إلى شيء
    هل الخطأ في الطريق،
    أم في قدمي؟
    كما أبحرت أكثر وأكثر مما أبحر كولومبوس
    دون أن تلوح في الأفق
    تباشير أميركا، أو حتى (تنزانيا) جديدة
    ولكنني أعرف لماذا؟
    أحب التسكع والبطالة ومقاهي الرصيف‏
    ولكنني أحب الرصيف أكثر
    أحب الغابات والمروج اللانهائية
    ولكنني أحب الخريف أكثر
    أحب الزهور والرياحين والعطور الباريسية
    ولكنني أحب رائحة الغبار أكثر
    أحب الأبواب والنوافذ المغلقة
    والإصطلاء على نيران المواقد
    ولكنني أحب الزمهرير في الخارج أكثر
    أحب النظافة والاستحمام
    والعتبات الصقيلة وورق الجدران‏
    ولكنني أحب الوحول أكثر
    أحب الشهيق والزفير ورياضة الصباح
    ولكنني أحب السعال والتدخين أكثر
    أحب العلم والعولمة والمنطق والنطق السليم
    ولكنني أحب هذيان البرداء أكثر
    أحب حفيف الأشجار وشدو البلابل وتغريد العصافير
    ولكنني أحب أبواق الإسعاف أكثر
    أحب الحصون المنيعة والقلاع الخالدة
    ولكنني أحب الأنقاض أكثر
    أحب القلوع والأشرعة الخفاقة، والصيادين المبكرين المسالمين
    ولكنني أحب الأمواج أكثر
    أحب الأدب الجاد، والسياسة الجادة، والأحزاب الجادة‏
    والخطباء الجادين، والقضاة الجادين، والعشاق الجادين، والقبلات الجادة
    ولكنني أحب ابتسامة الجيوكندا الغامضة والساخرة إلى الأبد أكثر
    أحب القادة العظام والقمصان المضادة للرصاص
    ولكنني أحب الرصاص أكثر
    أحب العزلة والصوامع
    والتصوف في أعالي الأديرة والجبال
    ولكنني أحب زحام الملاجئ أكثر
    أحب الحدائق المعلقة وناطحات السحاب
    ولكنني أحب الزلازل والقصف الجوي أكثر
    أحب الهدوء والطُمأنينة وراحة البال
    ولكنني أحب الغيظ وصرير الأسنان أكثر
    أحب الشمس والقمر والنجوم
    ولكنني أحب الظلام أكثر
    أحب المقاومة ورايات النصر ومعارك التحرير
    ولكنني أحب وارتاح للهزائم أكثر
    بل مذ كنت عاملاً صغيراً في إحدى ورشات البناء‏
    كنت أسند رأسي في لحظات القيلولة
    على الخرائط ومواد البناء
    وأفكر بالأطلال
    واليوم الذي يمر، ولا أحقد فيه على شعب، أو حزب، أو طائفة، أو زعيم، أو خطيب، أو صحافي، أو مذيع، أو ‏سائق، أو راكب، أو شارع، أو نافذة، أو عصفور، أو زهرة، أو سحابة في هذه الأمة، لا أعتبره يوماً من عمري، أو يخصني ‏من قريب أو بعيد
    ولذلك للآن لا أعرف:‏
    هل أنا مشروع كاتب؟
    أو مشروع خائن؟



    جنازة النسر

    أظنُّها من الوطن
    هذه السحابةُ المقبلةُ كعينين مسيحيتين،
    أظنُّها من دمشق
    هذه الطفلةُ المقرونةُ الحواجب
    هذه العيونُ الأكثر صفاءً
    من نيرانٍ زرقاءَ بين السفن.
    أيها الحزن.. يا سيفيَ الطويل المجعَّد
    الرصيفُ الحاملُ طفله الأشقر
    يسأل عن وردةٍ أو أسير،
    عن سفينةٍ وغيمة من الوطن…
    والكلمات الحرّة تكتسحني كالطاعون
    لا امرأةَ لي ولا عقيدة
    لا مقهى ولا شتاء
    ضمني بقوة يا لبنان
    أحبُّكَ أكثر من التبغِ والحدائق
    أكثر من جنديٍّ عاري الفخذين
    يشعلُ لفافته بين الأنقاض
    ان ملايين السنين الدموية
    تقف ذليلةً أمام الحانات
    كجيوشٍ حزينةٍ تجلس القرفصاء
    ثمانية شهور
    وأنا ألمسُ تجاعيد الأرضِ والليل
    أسمع رنينَ المركبة الذليلة
    والثلجَ يتراكمُ على معطفي وحواجبي
    فالترابُ حزين، والألمُ يومضُ كالنسر
    لا نجومَ فوق التلال
    التثاؤب هو مركبتي المطهمةُ، وترسي الصغيرة
    والأحلام، كنيستي وشارعي
    بها استلقي على الملكاتِ والجواري
    وأسيرُ حزيناً في أواخر الليل.


    *نصوص: محمد الماغوط

  • الموتى المنسيون، تحية لكم –  موريل ستيوارت – ترجمة: هناء خليف غني

    الموتى المنسيون، تحية لكم – موريل ستيوارت – ترجمة: هناء خليف غني

    باغتَ الفجرُ السّمواتِ الجفول،
    وخلفَ التّلِ غارَ الليلُ
    وأمامَ أعيننا، في أوقات الفرحِ، والمسرات الكثيرة،
    لا يزالُ الفجرُ ينثرُ السّحرَ حولنا
    ويُبدّدُ الذي نسميه الوردة.

    ولا تزالُ أطرافُ أصابعِ الصّقيع الرهيفة،
    تبسطُ تاريخَ المطر النّدي،
    تتقفّى أثرَه، ثمّ تبدّدُه.

    الكلُّ منهمكٌ، يفعلُ شيئاً ما،
    الطّيرُ عاودتْ بناءَ أعشاشها بين فروعِ الزّعرورِ البريّ.

    والأرنبُ جعلَ جُحرَه السّريّ وثيرًا، دافئًا؛
    والريحُ القويّةُ تصولُ وتجولُ في الأرجاء،
    ومعها الأغصانُ الخضرُ الهائجة.

    ثمّ بلغَ القمرُ أوجَهُ،
    وبعدها رحلة الأفول:
    إنّهُ يرى الجمالَ فيهم جميعًا،
    أولئك الذين كانوا ينظرون إليه العامَ الفائت،
    ولكنْ، مَنْ منهم يتذكرُه!

    أحيانًا، بخفةٍ يعبرُ الحبُّ المياهَ
    ويُسندُ الضّحكُ رأسَه المُشعَّ إلى الخلف.
    فالجمالُ مازالَ وضّاءً،
    وما زال العجبُ نابضًا بالحياة.


    ثمّ – بين الأصواتِ الجميلةِ والصّمت،
    بكؤوسٍ مترعةٍ بـالنّبيذِ المعتّق الشّهيّ –
    يتدحرجُ العالمُ الفانيّ المرصّعُ بالنّجوم!
    ضاع هذا المنسيّ، وما عاد لهُ من أثرٍ ما،
    ضاع وتلاشى أثره في العام الماضي،
    ولكنْ، مَنْ منهم يتذكّره!
    لا أحد يتذكره: إنّهُ يرقدُ هناك
    في مكانٍ موحشٍ غريبٍ كما يبدو لي!
    مجهولٌ تحت سماءٍ مجهولةٍ،
    الرّيحُ ترنيمته الوحيدةُ
    والمطرُ دموعٌ وحيدةٌ مدرارةُ على وجههِ البعيد
    إنّهُ بعيدٌ، فلا يتذكره أحدٌ ما
    لكنّهُ حيٌّ في الحَيواتِ التي حافظ عليها،
    في الحَيواتِ التي سمحَ لها أنْ تكونَ ما هي عليه الآن..
    جعلَ الرّجالَ والنّساءَ ينامون هانئينَ مطمئنين.
    وهم يتبادلون الغرامَ بالقبلِ والنّظراتِ،
    قلوبُهم تنبضُ بالحياة


    لكنّ قلبَهُ لن ينبضَ ثانيةً
    فهنالك يرقدُ جسدُه المتحلّلُ العقيم،
    لن يكونَ لهُ أبناء من صُلبه
    لن يكونَ لهُ مَنْ يتذكرهُ مثلَ الآباء الآخرين،
    لقد قدّم حياتَه قربانًا، مثلَ المسيح،
    قدّمَ حياتَه الوحيدَة المشتهاة،
    ضَحّى بحياتهِ الغاليةِ المهيبةِ من أجلِ غرباء.
    هذا الميتُ المنسيّ،
    غادرنا وحيدًا تحتَ جُنح الظّلام.


    وهنالك كانَ جسدُه..
    ملقىً
    هامدًا
    مِنْ أجلكَ أنت!
    هنالك أُريقَ دمهُ الطّاهرُ على الأرضِ
    أُريقَ فضاعَ أثرُه وتلاشى.
    كان يمكنهُ أن يأكلَ ويشربَ مثلما تفعلونَ الآن.
    أنتمْ، يا من ماتَ من أجلكم..
    حافظوا على ذكراه.


    *نص: موريل ستيوارت

    *ترجمة: هناء خليف غني

  • الرحيل –  أوتالي مولزيت – ترجمة: إيناس ثابت

    الرحيل – أوتالي مولزيت – ترجمة: إيناس ثابت

    سأهجر كل شيء هنا
    الوديان، التلال، الدروب
    وطيور الزرياب* في البساتين

    سأهجر القساوسة
    والواعظين
    الدنيا الفانية والنعيم
    الربيع والخريف

    سأهجر دروب الخلاص
    ليالي السمر في المطبخ
    نظرة العشق الأخيرة
    وجميع الطرق المتصلة بالمدينة
    التي تصيبك بالرعشة

    سأهجر الشفق المنهمر بغزارة
    على وجه الأرض
    الوقار، والرجاء، والفتنة، والسكينة

    سأهجر الأحبة والأصفياء
    كل ما أثر بي، وكل ما أدهشني
    كل ما شدني وسما بي
    سأتركُ هنا الشريف
    والخيّر، الرقيق، والمثير
    سأترك هنا البراعم الواعدة
    كل ولادة ووجود

    سأترك هنا السحر
    الغموض، المسافات السرمدية
    التي لا تنضب
    ونشوة الخلود

    سأهجر هذي الأرض وهذي النجوم
    لن أخذ أي شيء معي من هنا
    لأنني تأملت في ما هو قادم
    وأدركت أنني
    لستُ بحاجة إلى أي شيء من هنا


    *الزرياب: طائر الشحرور


    *نص: أوتالي مولزيت
    *ترجمة: إيناس ثابت

  • ديكٌ يصيح في الخارج – ندى أبولو

    ديكٌ يصيح في الخارج – ندى أبولو

    ديكٌ يصيح في الخارج
    قرب نافذتي المفتوحة على احتمالات العتمة
    يترنح صوته في الهواء
    ينسرب عبر النافذة
    ينْقُب جسدي؛ يترنح وينسرب في الداخل

    يصيح ديكٌ في الخارج
    على حافة السور ينتفخ صوته
    يَثْقب الفجر بالعويل
    يسقط الفجر على أصابع قدميّ
    يركض العويل خائفاً
    وأنا تماهياً مع الأشياء أسقط وأركض وأخاف

    الديك يصيح في الخارج
    يُشْرع حنجرته في الأفق
    يطلقها صفارةً تُنذر بالقبح
    وغير آبهٍ لحزن الموجودات
    يجرف كل صوت كوني كان يُبشّر بالعزاء والرحمة

    يصيح ويستيقظ ضفدع في الحي
    يقول الضفدع: لا وقت لأن يسمع العالم صوتي
    سأبيعه على الخضري في نهاية الشارع
    وأمضي إلى مصانع الله
    يحيك لي زمناً قطنياً
    أمدد صوتي فيهِ فيُزهر
    حيث لا ديك يصيح
    قرب نافذةٍ مفتوحة على احتمالات الحياة.


    *نص: ندى أبولو

  • أنفي يلتقط الزكام بمهارة – حسين الضاهر

    أنفي يلتقط الزكام بمهارة – حسين الضاهر

    أعيد تجميع قطع وجهي كل صباح
    بعد أن أبحث عنها في أنحاء الغرفة
    أجد عيني في منفضة السجائر تبكي البلاد
    بصمت
    أُخرجها
    أزيل عنها الرماد وأضعها في محجرها

    أذني هناك كعادتها
    أمام التلفاز تنتظر مفردة سلام مارقة لتحتضنها
    أمسكها من طرفها بلؤم
    وأعيدها إلى مكانها ملتصقة برأسي

    فمي بجوار النافذة
    يشتم المارة
    ويرطن بمفردات لا أفهمها
    أسدّه بيدي
    وأعيده إلى أرض الصمت

    أنفي محشور بالشعر
    يرتب حروفًا
    ويلتقط الزكام بمهارة
    أنظفه بمنديل
    أركّبه في مكانه
    فأشم رائحة خوفي الرهيب.


    *نص: حسين الضاهر

  • أحبكِ لأنكِ تشبهين بساتين العالم – محمد العنيزي

    أحبكِ لأنكِ تشبهين بساتين العالم – محمد العنيزي

    هذه الليلة سأدعوكِ إلى وجبة عشاء فاخر في مطعم يقع على ضفة الشاطئ.. وعلى ضوء الشموع سأتأمل براءة وجهكِ الطفولي وظلال الضوء الخافت تضفي عليه مسحة من الرومانسية.. فأكتشف أنكِ تشبهين الأميرات اللاتي نشاهدهن في الأفلام الكلاسيكية.. وأتخيل أنني أمير شاعر يكتب الرسائل ويبعثها إليكِ.. فتحمل إلى قلبكِ الفرحة.. وتتباهين بها أمام أجمل الأميرات في ذلك العصر.


    سأحدثكِ عن أشياء كثيرة.. عن أعمالي القادمة والمستقبل الذي يبعث برسائله.. وعن أمنياتي التي انتظرها على رصيف عمر تتساقط أوراقه.. وكل الأشياء التي أحبها وأحس أن الحياة بدونها فراغ لا معنى له.. وعن كل ما يوجع قلبي.. سأحكي لكِ عن كعكة البلاد التي اقتسمها اللصوص وعن الوطن الذي استباحه أدعياء الدين…. ثم اعتذر منكِ لأنكِ لا تحبين الخوض في السياسة.
    سأشعر بسعادة داخلية وأنا أتبادل معكِ أطراف الحديث.. وفي اللحظات التي تلتقي فيها نظراتنا يتحول العالم إلى محطة للقطارات نجلس فيها معا.. ننتظر أن يأتي قطار يسافر بنا إلى مدن بعيدة لا نعرف شيئا عن سكانها.


    سأحكي لكِ تفاصيل البداية.. وما الذي حدث يوم التقيتكِ في محل الحياكة عندما كنت تصفين للخياط طول التنورة التي ترغبين في قص جزء منها.. وتخيلتك بالتنورة القصيرة التي تكشف عن ساقين مكتنزتين.
    سأخبركِ بأن ذلك اليوم كان مصادفة سعيدة.. وأن أشياء تغيرت في حياتي.
    وسأعترف لكِ بأنني مجنون بمظهر هادئ وسترة أنيقة وحذاء يلمع.. وأنني ذلك المساء كنت أسند عواطفي المهترئة إلى جدار المحل كي لا تقع أمامكِ فتكتشفين أنني مخلوق بمزاج قلق.


    سأحدثكِ عن شقاوتي الطفولية والمقالب التي كنتُ أرتكبها في الفصل.. وعن عجين الخبز الذي أحمله فوق رأسي إلى الفرن.. والأيام التي مرت بهدوء.. والصباحات المشمسة.. وشاطئ البحر القريب من بيتنا.. وعن الأمواج الصاخبة وعواصف الشتاء التي كنت أتخيلها كمارد أبيض يركض في الشوارع ويقذف الصغار بقطع من الثلج فيصابون بالبرد والحمى.. وتسهر أمهاتهم قربهم بقلوب واجفة ومشفقة.


    وسأحكي لكِ عن الأصدقاء الذين تساقطت صورهم الملتصقة بجدار القلب.. وأبناء الجيران الملتحين الذين يذرعون الشوارع بسراويل قصيرة.. والحي القديم الذي أصابه الدمار.. والسنوات الثقيلة التي قضيناها في النزوح.. سأروي لكِ حكايات محزنة لا تروق لمسائنا الرومانسي.. عن الدواعش الذين يمرون في الليل قرب سريري ملثمين ويتساقطون بخفة عند أقدامي.. عن الخيالات المخيفة التي تحمل السكاكين والأعلام السوداء.. ثم أتذكر أننا في سهرة رومانسية.. فأعتذر منك وأحكي لكِ حكايات سعيدة.. وأحاول تقليد أبطال الأفلام الرومانسية في طريقة كلامهم.. ونظراتهم.
    هذه الليلة سأعترف لكِ بأنني أحبكِ لأنكِ تشبهين بساتين العالم.


    *نص: محمد العنيزي

  • «هناك وصالٌ عظيمٌ ينتظرنا» رسائل غلام حسين ساعدي إلى طاهرة  – ترجمة: مريم العطار

    «هناك وصالٌ عظيمٌ ينتظرنا» رسائل غلام حسين ساعدي إلى طاهرة – ترجمة: مريم العطار

    «لا تستائي ولا تفعلي شيئًا يضر وصالنا، أتشعرين بالتعب؟ أتفهم ذلك. التعب ليس كافيًا هناك شيئًا أكبر من كل هذا؛ هناك وصال عظيم ينتظرنا.»

    (من رسالة غلام حسين ساعدي إلى طاهرة)

    كلمة الناشر


    نشر رسائل ونصوصٍ من هذا النوع لا سيما في بلدنا، دائمًا ما يكون مصحوبًا بالحيرة والتردد. لا أحد منا يرغب بنشر رسائلهِ الغرامية، ربما يتردد الكثيرون منا في نشر الرسائل العائلية والعامةِ أيضًا.. جميعنا لديه رسائل ونصوص محفوظة في مكان ما لا نرغب أن يطلع عليها الآخرون، ولا نريد أن يراها أحد.
    الرسائل المنشورة في هذا الكتاب هي جزء من حياة أحد أعظم الكتاب في إيران وبالتالي جزء من تاريخ الأدب المعاصر الفارسي. ومن الجانب الآخر، فإن هذه الرسائل هي جزء خاص جدًا من حياة إنسانٍ يدعى غلام حسين ساعدي. والناشر كان حائرًا بين هاتين النقطتين..
    طاهرة وغلام حسين لم يتزوجا قط وهذه العلاقة الغرامية انتهت دون وصال.. حزن الفراق وحزن الحب رافقهما إلى آخر لحظة في حياتهما..
    ربما هذا الكتاب هو ذريعةٌ سيجمعهما في عالم آخر أو في حياة أخرى، ربما يكون بلسمًا لحزن حب غلام حسين وسِر طاهرة الخفي، ربما…



    1


    عزيزتي طاهرة

    لقد كنتُ أنتظر رسالتكِ منذ فترةٍ طويلة. ليس انتظارًا عبثيًا. أنا أنتظر خبرًا منكِ، أنتظر أن تخبريني شيئًا عنكِ۔ ومن جهة أخرى فإنني مشغولٌ بترتيب أعمالي الأدبية، مع كل تعقيدات العمل المرهقة لكني يجب أن أنهي ما بدأت لأجيء إليكِ أخيراً..
    بعد عامين من عدم اللقاء بكِ، سيكون لدينا شتاءٌ رائع في تبريز، على الأقل ستتاح لنا الفرصة لنتحدث أكثر ونخبر بعضنا المزيد من التفاصيل.
    خلال ساعات الفراغ أكون في البيت، مشغولٌ بقراءة حافظ الشيرازي والنوم.
    وبشكل رسمي للغاية أدفع “العمر الثمين” في مكب النفايات.
    لقد مللتُ من كل هذا الزحام والضجيج، من كل هذا الضياع، أود أن أتخلص في أسرع وقت ممكن من هذا المكان وأعود لكِ وأعرف أنكِ كالعادة بمحبة وفـيرة جالسة بانتظاري.
    غ


    2


    مرحباً عزيزتي طاهرة

    وأنا أكتبُ هذه الرسالة أشعر بهدوءٍ لذيذ ومثل ساعات صلحنا ومحبتنا، أشعر أننا لطفاء مع بعضنا البعض ولقد سامحنا بعضنا البعض ونتجاهل الآخرين وفقط نتحدث عن أنفسنا، أحب هذا كثيرًا.
    لم تكن المرة الأولى عندما تودعينني بلطف ومحبة، لكنها كانت المرة الأولى التي أشعر بها إنني على قدرٍ كافٍ من الراحة والسكينة والهدوء اللذيذ.
    أيام الفراق هذه رغم أنها كانت مصحوبةً بالقلق الخفيف، لكني إلى هذه اللحظة أشعر بالسعادة التي حدثتك عنها، لقد أصبح بديهيًا لي أننا مع كل الأحداث المؤسفة والحزينة، نحن دائمون. لقد ثبت هذا بالنسبة لكِ أيضًا.


    3

    عزيزتي طاهرة
    لقد سئمتُ جدًا من البشر. والله أعلم كم أعطيك الحق يا طاهرة، فأنت واضحة وواعية أكثر مني. سأخبرك بمدى حزني وامتعاضي من أحد هؤلاء السادة. هو الشخص ذاته الذي كنت أمتدحه كثيرًا وأنتِ كنتِ تقولين لي إنه ليس إنسانًا سويًا لقد أزعجني كثيرًا، على أي حال، لدي الكثير لأخبره لكِ. وأوجاع قلب كثيرة أود شرحها لكِ. ما زلت أنتظر رسالتكِ كما هو الحال دائمًا. رسالة لم تقرري كتابتها لي أبدًا. أليس كذلك؟ على أي حال، أنا كالعادة متاحٌ لكِ ولست أنساكِ.


    4

    عزيزتي طاهرة

    في الأيام الماضية كنت مريضًا أرقد في السرير ولا أكذب في ذلك، كنت مصابًا بالحمى وعلى الأرجح مصابًا بالتيفوئيد، وربما لن أشفى إلا بالدواء. كانت روحي مريضة أيضًا. كانوا قد أسهموا في تجريحي، أصابوا روحي بجروحٍ بليغة. حيثما كنت أمر مثل هذه الحالة، كنت ألجأ إليكِ. وهذه المرة بقيت ساكنًا في مكاني حتى يلتئم الجرح، لكي لا تستطيعي رؤيته. لم أرغب في إخباركِ بكل التُهم والافتراءات الأدبية التي لا تريدين سماعها، لكي لا تشعري إنني بأخباركِ لهذه الأمور أريد أن أفسد يومكِ، وكنت في مثل هذه الحالة حتى سمعتُ ما لم أكن أريد سماعه منكِ إلى نهاية حياتي..
    طل الصباح الآن والليلة الماضية كانت ليلة جهنمية مؤلمة بالنسبة لي، حتى خلال الساعات التي كانت الحمى تحرق جسدي كان الخبر الذي سمعته من فمكِ شعوره أسوأ من ذلك بالتأكيد، كنتُ أريد الصراخ لأخبر كل من حولي أيّ مصيبة الآن نزلت على رأسي! أنت تعرفين كل بؤسي ومشاكلي، البؤس الذي لا يمكن أن أتكلم به وتعرفين أي طريق مسدود أواجهه الآن وأكثر من هذا تعرفين أنني كم أحبك.. والأهم من ذلك كله، أنتِ تعرفين أنكِ ملاذي الوحيد في حياتي. وكيف أشعر عندما أسمع مثل هذه الأخبار؟
    في غضون ساعة كل المحن والمتاعب عبرت كشريط ذكريات أمامي، ذكريات أيام الطفولة، لحظات الفجر تلك عندما كنتُ أنثر الأزهار أمام بيتكم ولأجل رؤيتكِ كنت لساعات طويلة أسير في الأزقة والشوارع وفي لحظات من رعب عيونكِ عندما تحدق بي كنت أتلعثم وأضيع بالكامل، والأكثر من ذلك والأكثر…
    بماذا عساي أن أرد عليك؟ أنت تعرفين إجابتي تعرفين أنني لا أستطيع أن أمضي بحياتي دونكِ ولو أجبرت على المضي ربما سأنهي ما تبقى من عمري في مستشفيات المجانين للتخفيف عن آلام روحي، تعرفين ما ألم الروح أليس كذلك؟
    إجابتي هي:
    لا تستائي ولا تفعلي شيئًا يضر وصالنا، أتشعرين بالتعب؟ أتفهم ذلك. التعب ليس كافيًا هناك شيئًا أكبر من كل هذا؛ هناك وصال عظيم ينتظرنا، والأهم من هذا كله أننا أبرمنا قسمًا على وفائنا لنهاية عمرنا، لو مشيت بما تنوين فعله فقد كسرت قسمكِ، وأنا لا أصدق أنكِ تكسرين الوعود وقسم الوفاء وأعرف أنك لا تفعلين ذلك.

    غ


    5

    عزيزتي طاهرة
    مضي الأيام لو يساهم بإفساد كل شيء لا يمكنه أن يفسد الذي بيني وبينكِ، ظل الموت والدمار لا يمكنه أن يصلنا، أنا وأنتِ ما زلنا بعنفوان الشباب أصحاء وسعداء. وصلنا إلى نوع من التفاهم الروحي، نفهم أحاديث بعضنا ونشعر أن ألفتنا ليست بلا جذور.
    ولو أن الآخرين لا يمكنهم تصديق ما يحدث لنا نحن نصدق ذلك. دون أن نتلوث، انسجمنا مع بعض وأخذنا نصيبنا من الصفوة والمحبة التي نشعر بها قرب بعضنا، لحظات الغرام الحادة والسريعة تنتهي، ما نتأمل فيه يتحقق أم لا، بأي طريقة هناك دائمًا نهاية والبشر سرعان ما ينتهي لديهم هذا الأمل وسرعان ما يجسد الآخر لهم الجحيم! لأنهم لم يدركوا ولم يصلوا ويرجعون من مشوارهم السريع فارغي الوفاض، لكننا احتفظنا ونحتفظ بهذا الوئام ما بيننا. قبول الآخر في حياتنا، هو بمثابة هدية لنا لأننا تركنا الظنون المزيفة وتقبلنا حقيقتنا واحتفظنا بها دون أي تغيـير، لذة الصحبة ليست أقل من الغرام، ونحن دون أن ننسى الغرام وصلنا لبعضنا عن طريق الصحبة والصدق.
    ما الذي لم نحصل عليه؟ بدأنا طفولتنا مع بعض وأنا كم في خيالي أذهب إلى أبعد من الطفولة أي منذ يوم ولادتنا نحن كبرنا سوية والآن لو أننا في الكبر بعيدان عن بعضنا وربما سنتقدم أكثر في العمر سوف نبقى قرب بعضنا كطفلين سعدين وثملين بالحياة ولذتها. وآمل أن هذا الحب وصفوته لن ينتهي أبدًا، أنا أسعى في طريقٍ صعب وأتجاهل الكثير من الملذات وأنتِ لأجلي بأي نيةٍ وطريقة تتأقلمين بكل نضوج معي وما تفعلينه أكبر هدية وأعظم جزاء لي.
    لو أنتِ كنتِ فيما مضى محبوبتي وعزيزة قلبي اليوم أنتِ إضافة لكل ما منحت لي أصبحت صديقتي المضحية.
    أنتِ سوف تتعلمين الكثـير وسوف تقرأين الكثـير من الكتب وذلك كله لأجل الطريق الذي اخترناه، الذي يتطلب معرفة عميقة ووعيًا أعمق.
    رغم الفراق المكرر أنا أختار القلم والورق لأكتب لكِ وأعرف أنك تنتظرينني على أمل أن يثمر ما نتوق إليه.

    أقبّل يديكِ
    غ


    ولد غلام حسين ساعدي عام 1936 في محافظة تبريز – إيران وتوفي عام 1986 في باريس، غلام حسين كان طبيبًا نفسيا وكاتبًا إيرانيًا معروفًا تحت اسم مستعار جوهر مراد. كما كان ساعدي يكتب المسرحيات ويعتبر من أشهر الكتاب المسرحيين الفارسيين مع بهرام بيضاي وأكبر راضي.

    استنادًا إلى تحفته، (معزين بيل) وهي مجموعة من سبع قصص متواصلة عن البؤس المستمر لسكان قرية تسمى بيل، تم إنتاج فيلم شهير بعنوان البقرة عن هذا العمل.

    ساعدي كان من أتباع الكاتب جلال آل أحمد في الأدب والفكر السياسي. انضم له منذ بداية تشكيل رابطة كتاب إيران. كتب في شتى فروع الكتابة الأدبية مثل الرواية والقصة القصيرة والمسرحية والسيناريو والترجمة ويعد من الأسماء اللامعة في مجال الأدب القصصي لديه أكثر من 18 عملاً و 8 مجاميع قصصية و 5 روايات و 8 سيناريو و3 أعمال مترجمة حول علم النفس، لكن حياته لم تدم طويلا، كان لديه توجه سياسي تجاه منظمة فدائيي الخلق واعتقل على يد قوات السافاك وسجن لمدة عام كامل مع التعذيب، هرب قسرا إلى فرنسا عبر باكستان بعد ثورة الإسلامية. توفي في باريس عام 1985 ودفن في مقبرة بير لاشيز، في جوار صادق هدايت الكاتب المعروف الإيراني. في تشييع جثمانه حضر عدد كبيـر من الإيرانيين في باريس.


    *نصوص: غلام حسين ساعدي
    *ترجمة: مريم العطار

  • غريبٌ مكلومٌ بمنجل العذراء – أمجد ناصر

    غريبٌ مكلومٌ بمنجل العذراء – أمجد ناصر

    عدتُ من السَّهرِ بغير ما عادوا
    يداي
    تدلَّان
    عليَّ.


    أقلُّ جمالاً
    لهم أسماءٌ تسبِقُ
    وتُرجِّعُ
    أمطاراً
    ظلَّت تهطلُ
    وأنا أشقُّ الليلَ بالأنفاس.


    الغصنُ الذي مسَّ كتفي
    أدركَ رغبةً أمرَّ من قصبِ الغضبِ.

    بأبواقهم عبروا الليلَ
    يلمعونَ بزيتِ المهنِ
    محليين امتلكوا وبدَّدوا
    لم يروا في سَحباتِ الرّخامِ


    ودوار المرايا ما رأيتُ
    ليثملوا
    بالأفيونةِ تدخِّنُ تحتَ أنوفهم
    بالثمرةِ
    رائبةً
    تسحُّ على الحوض،
    لم يصدعوا للحفيفِ يسلبُ قلعةَ النوم.

    …………………..

    وكنتُ الغريبَ مكلوماً بمنجلِ العذراء
    أشبُّ من برجِ الأسد.
    لكنني تركتُ مزماري على الأعشابِ
    مستوفيًا قِسطَهُ من قسمةِ الرِّيح.

    أنظرُ إليكِ في أطناب المَنَعةِ
    حِيلتي لا شيءَ أمام سِحر الواصلينَ
    على أطرافِ أصابعهم إلى أعالي الخدر.
    بلا
    دَرَجٍ
    أسمعُ أنفاسًا تعدُ بأكثر مما
    حازتُه يدٌ لوَّحتْ بعرجون.

    كوني مثلنا
    نحبُّ لأنَّ قمراً لا غبارَ عليه
    قلَّبنا في مضاجع الندى،
    بين الشَّعيرِ والأجراسِ تفلَّتت أعضاؤنا
    من خيطِ الرَّائحة
    قادنا أكبر الأكباش طراً
    إلى زيح الأنثى.

    دمُ الشَّقائقِ أرهَقَنا
    وحزَّنا حدُّ الليلِ.
    الغَيْرةُ أعمتْ بصائرَنَا
    فَحَسدنا لُصوصاً وقعوا
    على قطعٍ نادرةٍ في الغسيل.

    تَخَفَّفِي من رياش الغلبةِ
    دوسي العتبةَ
    وشرِّفي البيت
    لي قميصٌ ذائعُ الصيتِ وسيفٌ
    ولي سيطرةٌ على نواحي الأصهار.

    عسلٌ ودمٌ على شفتيَّ
    من فِكرة القُبلة.

    حاملُ الوشم وَصلَ
    بکبشهِ
    وأجراسهِ
    تتبعهُ النَّيازكُ
    عَبَر قُبوراً بيضاءَ
    وداسَ عُشباً صامتاً بين التماثيل.

    أتغنى بالذي يَبسِطُ
    وأجزلُ مديحاً للعضلاتِ وهي تصدُّ،
    مغمضاً
    أقتَفي عِطرَ الأمس اللابث
    بين الساقين
    أذخرُ أنفاساً لأشواقٍ تستأسدُ
    في عرين الأرق.

    بحلاوة اللسان
    اكتشفتُ مُلوحةَ المخبوء.

    أخبرتني شفتاكِ
    بمقتلةِ الكرزِ
    وأنفاسُكِ بحصادِ الهالِ
    وعيناكِ بالمصير الذي آلت إليه
    سُلالةُ اللوز.

    أتشُمِّينَ فوحَ الوردَتيْن؟

    أفقدُكِ وأستعيدُكِ
    كلَّما ذَهَّبَ ضوءٌ نَحْرَكِ
    وفَضَّضَ غَبشٌ حاشيةَ السرير.

    المحارمُ
    الكؤوسُ
    المنافضُ
    الثيابُ إذ منهكةٌ
    الفراشُ بليلاً
    مَطالعُ سيرةٍ
    لمُنَازلةِ النمر.

    أجلسُ بين الأَهلِينَ ولا أُسألُ عن اسمٍ،
    نَسَبي هُناك
    يَرمي حَطَباً في جوفِ الليل
    ويعطي العابرَ أوصافاً
    ليس لي ما لهم لأنام،
    يَدي
    ولسَاني
    يَدُلَّان
    عليّ.

    جنحتُ إليكِ بلا دليلٍ
    قلتُ يا بَشرى هذه أرضُكِ لاحَتْ
    وقِبَابُكِ حَصْحَصَتْ.

    يَدُكِ تدني وتُقصي
    قَميصُكِ يَكنزُ ما يَسيلُ له اللعابُ،
    أدخليني مَدْخَلَ ضيقٍ
    لنصعدَ بالألم.

    ليس هينًا دخولُ المُلكِ من استدارةِ الخَاتم.

    ليلُ سهرٍ وحُمَّى
    ألمسُكِ من الطرفِ الموجعِ
    أُغريكِ بالريحان
    وحليبِ الإبلِ الخاثرِ
    أنا الغريبُ المَكلومُ بمنجلِ العَذراءِ
    أطلب ثأراً عاجلاً
    من ترّفع الكَتفينِ
    باذخینِ
    لا تصلهما سهامٌ
    ولا تُدنيهما رحمات.

    لأكون جديراً باسمي
    شمسُ بن عبدِ شمسٍ
    سأجهلُ جهلًا يُحرِّرُ الفهدَ من مَرَسِ الصيدِ
    وأرسلهُ يَرعى نمشَ العشرين.

    البرقُ
    والرعدُ
    يقدحانِ في ظَهري.

    سأحرثُكِ بقوَّةِ البدائيينَ
    وأحفرُ كنوزَكِ بيديْن تقودان القرنَ
    إلى استغاثة تُدمي أديمَ الأبيض
    المُمتنِّ لنفسه.

    مَركبي جَنحَ في مَضيق الشَّهقات
    وطفقتُ أبحثُ عن مُستقرٍ
    ليدي العَمياء.

    سيفٌ على مخملٍ
    يكادُ حدَّهُ يُضيء.

    عندما تَنثنينَ
    أرى انفلاقَ القَمرِ
    أبيضَ بظلالٍ من بنفسجٍ،
    تتوحلُ الرغبةُ،
    وتسفُّ قُنْبزَ المجرى،
    الخدرُ
    يحلُّ
    عقدةَ
    اللسان.

    نصيبي اليومَ من هاتين العينين
    اعترافٌ بشَغلِ الحَيِّزِ.

    سيّدي
    وأنا غريبُكَ
    جَمّلني بينهم
    وارفعني فوقهم درجاتٍ
    لأقطف عنبَ الأفعى
    وأستردُّ نقودَ اليَقَظة
    سطا عليها قَرَاصنة النوم.
    الاحتضانُ هاصرٌ
    يُطقطِقُ العظامَ
    ويبعثُ الحَشرجاتِ من الرَّميم،
    الشدُّ والجذبُ يَتحدان في صمغِ الهبوبِ
    تلتمعين بالدفقاتِ
    ماءٌ
    يضيءُ
    الوجهَ
    الآخرَ
    للـ
    ليل.

    فجأةً أَخلَتْ يدُكِ غَنيمتَها
    وانبسطتِ العَضَلات،
    نسقطُ
    على
    آخر
    نفسٍ.

    بين يديكِ ساكنٌ
    قدماك تُحرِّكَان الهواءَ الثَّقيل
    جرحُ
    الطعنةِ
    يرشحُ.

    بالنَّمش الذي تتركينه على بَدَني
    أغدو جميلاً
    تحت قمر الحَسَد.




    *نص: أمجد ناصر
    *ديوان: سُرَّ من رآكِ

  • نِضالُ الأنفاسِ ضدَّ المَوت – آن كارسون – ترجمة: موزة عبد الله العبدولي

    نِضالُ الأنفاسِ ضدَّ المَوت – آن كارسون – ترجمة: موزة عبد الله العبدولي

    كتبت الشاعرة هذه القصائد في رثاء أمّها الراحلة.

    سلاسلُ النوم

    كيف يَنالني نومٌ بينما هي –

    مقصيَّةٌ عنِّي بأميالٍ وأميال

    أشعرُ بالنَفَسِ الواسعِ وهو يروِّحُ 

    عن سُطوحها الهائجة

    ندوبٌ تتبعها ندوب

    وكلُّ الروابطِ

    تنتهي بحشرجةٍ واحدة.

    ها نحن ذَاهبون يا أمي، في محيطٍ بلا سفن

    أَشفِقي علينا، أشفِقي على المٌحيط، ها نحنُ ذَاهبون.



    الأحد

    في غروبٍ رماديٍّ ثَقيل
    تُرفرفُ خِرقَتي المغسولة.

    وقت العشاء،
     تتركُ الرِّياحُ الأكثرُ برودةً هذي الحشودَ قليلاً.

    تتسرَّبُ إضاءة المطبخ
    وتبدأُ أحجياتُ المساءِ الإسفنجيَّة الصَّغيرة بالتَّفتُحِ.

    حانَ وقت الاتِّصَال بأُمي.
    سأدَعه يَرن.

    الرَّنة السادسة
    السابعة
    الثامنة

    تَرْفَعُ السَّماعة.
    أترقَّب.
    هل كانت الجرذانُ تَعدو بتهورٍ، تحت المسافاتِ الجَوْفَاء؟



    لا منفذ الآن


    في نِضالِ الأنفاسِ المُستَتِبّ ضدَّ الموتِ، يُمنَح نومٌ آخر.
     
    قَبِلنا عَرْضاً على المنزل.
    أين الذي تبقَّى مما تبقَّى؟

    بصمتٍ (هُناك) وريقات شَجرٍ ونوافذ على انتظار.
    حبلُ غسيلنا الفارغ، يقطعُ الليلَ المُنحدِر.
    ويصنعُ من الضَّوء السماويِّ رداء حِدَادٍ لرثائهم.

    تتصاعدُ نِداءاتُ الملائكةِ والأَطلال..
     بينما يَستمرُّ تَدفُّقهم عبر بَوابَتِنَا المُغلقة.



    لا حيلةَ لنا


    تَهُبُّ رياحُكِ الزُّجاجيَّة على الساحلِ الصامتِ
    وتُراقصُ الوردةَ
    فلنمعن النظر
    قبلَ تَساقُطِ الثلجِ العظيم
    قبل انسياب خواء الليلِ علينا
    تنبَثِقُ من فوانيسِنا
    أشكالُ رُفقاءٍ قُدامى
    تتبعها لحظةُ صمتٍ بَارِدة.
    ما الذي سَلَخَهُ السِّكينُ في تلكَ السَّاعة؟
    غَرِقت العوَّامات.
    وعُصِفَ الذي كان مَنزِلُنا.
    لا حيلةَ لنا سِوى التَّجديف.



    خُطوط

    بينما أُكلِّمُ أمي، أُرتب الأشياء.
    أسندُ الكُتبَ بجانب الهاتف.
    أضعُ مشابك الورقِ في صحنٍ خزفيٍّ.
    فُتات ممحاة منثور على المكتب.

    تُطيل حديثها عن الموت.
    فأُزيح المشابك الورقية إلى الاتجاه الآخر.

    من إطلالة النافذة، كان الثلج يتساقط بخطوطٍ مستقيمة.
    كنتُ أصفُ لأمي الحبيبة ما تناولتُهُ على الغداء.
    الخطوط تتساقط بسرعةٍ الآن.
    لقد وضعَ القَدَرُ أثقالَه في النهايات (ليستعجِلنا).

    أُريدُ أن أُخبِرَها بعلامةِ رحمة الله.
    لكنَّها لا تدعني.. تقول أنَّها لن تَدفعَ فاتورتي.

    المُعجزاتُ تَتَخطَّانا.
    المشابكُ الورقيةُ مصفوفة إلى الأبد.
    ارحمنا يا إلهي!

    تقول الابنة مُستلطفةً:
    إلى متى سنشعرُ بهذه الحُرقة؟



    تلكَ القوَّة

    تلك القوَّة، هي أمي:
    أستَخرِجُها.
    مطروقةً، مُقيَّدةً، مُظلمةً مُتصدِّعةً
    بكَّاءةً، كاسِحةً، مَقذوفةً في آهاتها.
    قوةٌ طارقةٌ، تطرقُ أنفَ الموت.
    تَسحبُ وتَسُدُّ. تتشكَّل وتَهجم.
    كسكينٍ غير مدميٍّ يشحذُ العظام.
    تلك القوَّة، هي أمي،
    انتَهت.



    ثروتنا

    في منزلٍ عند الغَسق، يُثير درس الأم الأخير
    رياحاً غربيَّةً تُغلِقُ كُلَّ الصَّفقات.
    ألقِ نظرةً على النوافذ ليلاً، سترى أُناساً واقفين.
    كُنَّا دائماً هكذا، لدينا من الأعذار ما يُبقينا في الداخل.
    إلى أن جاء اليوم الذي قَطعنا فيه الفاكهة (والشجرة)
    والآن نحنُ في الخارج.

    كان ذلك دينَنَا الذي دفعناه.



    في بعض الظُّهيرات هي لا تَردُّ على الهاتفِ

    إنَّه فبراير، الثلوج سائدة. ويلحظ المرءُ درجات الثلج المُتفاوِتة.
    ثلوجٌ مصبوغةٌ بالألوانِ – زرقاء، بيضاء، بُنيَّة، رماديَّة، فضيَّة. 
    بعضُ الثَّلجِ يَحوي بداخله حَصواتٍ أو ظلال.
    وبعضه رقيقٌ كجناحٍ، يستحيل الوقوف عليه.
    وحين تقفُ عليه الريحُ تُرقِّقهُ، تُصيِّرهُ أشتاتاً.
    هذه الأشتاتُ، هي رغباتنا المأمولة.
    فلا يستطيع الصَّغار الوقوفَ عليه.
    ولا الحرف المُفرد يستطيع، ولا حتَّى طرفه.
    الحروق العمياء، هي كلُّ ما يجيء عبر ذلك العالم.
    إنَّه فبراير، الثلوج سائدة.  ويَلحظ المرءُ درجات الثَّلج المتفاوتة.





    *نص: آن كارسون

    *ترجمة: موزة عبدالله العبدولي


  • جلستُ وحيداً.. على منأى من ذاتي – سهراب سبهري – ترجمة: غسان حمدان

    جلستُ وحيداً.. على منأى من ذاتي – سهراب سبهري – ترجمة: غسان حمدان

    شاسوسا (*)


    *معبد ساساني قديم يقع شمالي مدينة كاشان وعند تخوم الصحراء.

    بِمحاذاةِ حفنةِ ترابٍ،

    على منأىً من ذاتي، وحيداً جلسْتُ.

    تفتتَتْ الاهتزازاتُ

    وَانزلقَتْ الأتربةُ من بينِ أصابعِي وَسقطَتْ.

    أصبحَتِ شبيهة لا شيء!

    عليْكِ بِإيداعِ وجهِكِ لِبرودةِ الترابِ

    فَإنَّني قدْ أضعْتُ ذروَتي.

    أخافُ من اللحظةِ القادمةِ، وَمن هذهِ النافذةِ المشرعةِ

    على مشاعرِي.

    سقطَتْ وَريقةٌ على نسيانِ يدِي: وَريقةُ أكاسياً!


    كانَتْ تَفوحُ بِشذَى أغنيةٍ مفقودةٍ، بِشذَى تهويدَةٍ

    تَتراقصُ على وجهِ أمِّي.

    من النافذةِ،

    أَلمحُ الغروبَ على جدارِ غرفةِ طفولَتِي.

    عبثاً كانَ، عبثاً كانَ.


    فَقدْ تَهدَّمَ هذا الجدار

    على بواباتِ البستانِ الأخضرِ؛

     وَاندثرَتْ السلسلةُ الذهبيةُ لِلهوِ

     وَالنافذةِ المضاءةِ لِلأَقاصيص

    تَحت هٰذه الأَنقاض.


    فِي ذلك الاتجاه، يَتَراءى سَوادي:

    لَقد وَقفتُ عَلى القُبَّة الطِينية،

    مِثل حُزنٍ ما.

    وَسَكبتُ نَظراتي فِي بُخار الغُروب؛

    وَعَلى هٰذه الأَدراج جَلس الحُزن وَحيداً.

    كان ثَمة انتظار مُحتار فِي هٰذه الدَهاليز.


    انطفأتْ «أَناي» العَتيقة عَلى هٰذه القَنوات الفُخاريَّة الخُضر

    وَفِي ظِلِّ ـ شَمس شَجرة الأكاسيا هٰذه

    كانتْ «أَناي» تَتَفرَّج عَلى كُسوف الشَمس

    بِخَوفٍ عَذب.

    تَتَوهَّج الشَمسُ فِي النافذة،

    وَامتلأتْ النافذة بِالوريقات.

    تَدحرجتُ مَع وَرِيقةٍ،

    فَاِنعقاد الخُيوط لَيس مَعي.

    إِنَّنِي أَتَجرع هَوائي

    وَعَلى مَنأى مِنّي، جَلستُ وَحيداً.


    يَنْبشُ إِصبعيْ التُراب

    وَيُبَعثرُ الصُور، يَتَدحرج، وَيَغْفو.

    وَيَرْسم صُورةً، صُورةً خَضراء:

    الأَغصان، الأَوراق.

    أُحَلّق فَوق البَساتين المُضيئة

    وَتَكْتظ عَينايَ بِالأَعشاب

    وَتَنْعقد نَبضاتي بِالأَغصان وَالأَوراق.

    أُحَلق، أُحَلق.

    وَعَلى صَحراء نائية

    تَحْرقُ الشَمس أَجنحتيْ

    فَأُسْقط، فِي غَمرة السَأم مِن اليَقظة،

    عَلى التُراب.

    يَسِيرُ أَحدٌ ما عَلى رَماد جَناحي.

    تَحنو يَدٌ عَلى جَبيني… لَقد أَصبحتُ ظِلاً:

    «شاسوسا»، أَهذا أَنت؟

    لقدْ تأخرَتَ:

    انتظرْتُكَ من تهويدَةِ الطفولةِ

    حتى اضطرابُ هذهِ الشمسِ.

    وَناديْتُكَ في الليلِ الأخضرِ لِلقَنوات،

    وَفِي فَجر الشَط، وَفِي شَمس الرُّخام.

    وَأُناديكَ فِي عَطش العَتمة هٰذه: «شاسوسا»

    اجْعل هٰذا السَهل المُشمس لَيلاً

    حَتى أَعْثر عَلى مَسلكي المَفقود

    وَأَذْوي فِي إِثر خُطايَ.

    «شاسوسا»، أَيُّها العَصف الأَسود العاري

    خيّم عَلى تُراب حَياتِي.

    كانتْ شَفتاها مِن جِنس الصَمت.

    انزلقتْ إِصبعها نَحو اللامكان.

    بَغتَةٌ، تَناثرتْ مَلامح وَجهها،

    وَخَطفتِ الرِيح غُبارها.

    سرتُ عَلى الحَشائشِ المبتلَّةِ بِالدموعِ.

    وَأضعْتُ حلماً بينَ هذهِ الحشائِش.

    يداي ممتلِئتانِ بعبَث السعْي.



    «الأنا» العتيقَة تسكَّعَتْ وحيدَة فِي هذِه السهولِ.

    وحين ماتَت،

    كانَت رؤيا القنَواتِ ورائحَة الأكاسيا

    تفوحُ مِن أصابِعها.

    مشَيَتُ علَى حزْنٍ ما.

    قريبُ أنا مِن الليْلِ، وسوادِي متجلٍّ:

    وفِي ليْل «تلْك الأيام» حمَلَت فانوساً.

    شمَخَتْ شجرَة الأكاسيا فِي وهْجِ الفانوسِ؛

    وقَد غَفّتْ أوراقها، فأمْسَتْ مثْل تنويمَةٍ.

    أسمَعُ أُمِّي.

    الشمْس ممتزجَةٌ بالنافذَةِ

    وهمهمَة أُمِّي علَى إيقاع ارتعاش الوريقات.

    ثمَّة مهْدٌ يتأرجَح.

    خلْف هذا الجدارِ، ينحِتون جدارِيَّةً

    أتسمَع؟


    إِننِي أروحُ وَأجيء بيْن لحْظتيْن خاوِيتيْنِ. وكأَننِي فتَحْتُ باباً بوجْه برودَة التراب:

    سطَعَت المقبرَة علَى حياتِي

    تبعثَرَت ألعاب طفولَتِي علَى هذِه الصخور السودِ.

    أسمَع الصخور: أبديَّة الحزْن.

    كَم هُو عبَث الانتظار جوار المقبرَة.

    كان «شاسوسا» قَدْ نبَت علَى الرُّخام الأسوَد

    «شاسوسا» يا شبيهِي المعتِم!

    إنَّنِي ملوَّثٌ بالشمْس.

    اجعلنِي معتِماً، معتَماً تماماً؛

    وصب ليْل هامَتَكَ في أعماقِي.


    انظُر إلَى يَدَيَّ:

    ينطفِئ مسلَكُ حياتِي فِيكَ.

    طريقٌ فِي الخواء… رحلَةٌ إلَى العتمَةِ:

    أتسمَع صوْت جرَس القافلَة؟

    أصبَحَتُ رفيق سفَر حفنَة كوابيس.

    بدَأ المسلَك مِن الليْلِ، وَوصلَ إلى الشمسِ،

    وَيَجتازُ، الآنَ، حدودُ الظلماتِ


    عبرَتْ القافلةُ جدولاً قليلَ العمقِ.

    وَانهمرَ الصباحُ على الأمواجِ.

    ثمةَ وجهٌ في الماءِ الفضيِّ يَهزَأُ من الموتِ:

    «شاسوسا»! «شاسوساً»!

    في ضبابِ الصورِ تَتنفّسُ القبورُ

    وَتَنهمرُ ابتسامةُ «شاسوسا» على الترابِ

    وَإصبعُهُ يُشيرُ إلى مكانٍ مفقودٍ: إلى كتيبةٍ!

    الحجرُ يَتأرجحُ

    تَتبرعمُ أزهارُ الأكاسيا في تهويدَةِ أمِّي:

    إنَّ الأبديةَ في الأغصانِ.

    جلسَتُ وحيداً

    بِمحاذاةِ حفنةِ ترابٍ، على منأىً من ذاتي.
    تسَّاقطَ الوريقاتُ على مشاعرِي.




    *نص: سهراب سبهري
    *ترجمة: غسان حمدان