المدونة

  • لو رفعَ اليتامي صورَ أمهاتهم – علي المازمي

    لو رفعَ اليتامي صورَ أمهاتهم – علي المازمي

    ‏‎في أحدِ أعيادِ الأمِ، رفع اليتامى صورَ أمهاتهم جهةَ اللهِ، وانتزعوا ظلَّ السماءِ الكئيب، غاضبينَ كانوا، لكن دمعةً لم تسقط. هي ثورةُ الأمهاتِ سَمَّوها، مطالبينَ بالقصاصِ، كانت أعدادهم تتزايدُ، ففي هذا العالمِ تموت الأمهاتُ كثيرًا. كانوا يرغبون بنبيَّةٍ أمٍّ، بديانةِ ثديٍّ جديدةٍ، رافعين أصواتهم، والريحُ تشتدُ: أول الأيتامِ أنا.

    ‏‎من سيجيبُهم، ولسانُ الوحيِ مقطوعٌ؟ من سيجيبُ والسماءُ ألقتِ الخاتمَ منذُ زمنٍ؟ كانوا واثقينَ، بعض أطفالٍ يغنونَ عن الحليبِ، ويجهِّزون بئرًا، وكأنما المعجزاتُ لم تَمُتْ.

    الراوي، كان على قمةِ حزنٍ، الوحيد الذي يبكي لمشهدِ القيامةِ هذا. يقول: فجأةً، رفع المتظاهرون، صورةً للمرأة نفسها، الآلافُ، جثموا على ركبهم، حتى الريحُ، على ركبتيها. أمٌّ واحدة، جعلت كلَّ اليتامى صامتين، هادئينَ.

    هي الكثيرةُ، وكأنَّها ملاذاتٌ لا تنتهي، وفيها سحنةٌ من نورٍ.

    بدأت السماءُ تنشقُّ، والحاضرون دفنوا رؤوسهم في الأرضِ. أسمعُ طبلًا، وهتافَ عظامٍ راجفةٍ، والأطفالُ كانوا وحدهم، شجعان القضيةِ، من رأوا وجههُ، وشاهدوا الآبارَ تتفجرُ بالحليبِ، والسماءَ تمطرُهم أمًّا أمًّا بحيث لم يبقَ رمقٌ يتيمٌ.

    آخ لو رفع اليتامى صورَ أمهاتهم.

    *نص: علي المازمي

  • العَدم سيّد الصحراء- سماء عيسى

    العَدم سيّد الصحراء- سماء عيسى

    الطائر

    منـذُ أعوامٍ بـعـيـدةٍ مَـضـت، كـان طـائـر يأتي إلى قريتنـا كـلّ مساء، بعد غروب الشمس. يتخذ له مكاناً على شجرة، ثم ما أن تحل العتمة، حتى يبدأ في الحديث والصداح. لم يكـن أحدٌ مـن سكان القرية يـفـهـم مـاذا يريـد الطـائر؟ وهـو -أي الطائر- لم يكـن مطالباً الأشياء والكائنات فهـم مـا يـقـول. يبدو أنَّـه كـان يـُكـرر كلامه كلَّ يوم. كان في صداحه بعض من الحزن، الحزن الذي كان يوحي بنذير …. كنَّا سكان القرية نطرد ذلك النذير إلى عتمات بعيدة تسكن أعماقنا، الطير مثلما كان محل استغرابنا، كان أيضاً محل خوفنا المُرتقب، من أن سوءاً ما سيحدث دون ريب. ذات فجر تحت الشجرة تلك، وجدنا امرأة مشنوقة، امرأة لم نُبصرهـا مـن قبـل، منذ ذلك الفجر، اختفى الطائر، ولم يعد إلى قريتنا ثانيةً.


    طفلتي

    كنتُ أحاول منع طفلتي، مـن اللعب في الأماكن المُظلمة، لكنَّها لم تكن تستمع إليّ … توجهتُ إليها غاضباً، لأجدها وقد تحولتُ إلى عصفورٍ صغیرٍ جمیل، دهسته تحت قدمي بقوةٍ ووضعته في كيس، أخذتـه معي موقنـاً أنَّـنـي عاقبـتُ طـفـلـتـي علـى عـدم سماعها نصائحي، عندما هممتُ بالرحيل، قطع عليّ الطريق رجلٌ في الظلام، سحب منّي الكيس ورماه على الأرض، جلـس يـدوس عليـه بقوة، وهـو يطلـق صـرخات متعـة ونـشـوةٍ، أشفقتُ على العصفور منه، التقطتُ الكيس من الأرض، فجأة ظهـر ستة رجال آخـريـن فـهـربـتُ بـالكيس متجهاً إلى المنزل، قـال الـرجـل: أنـا أجـدُ متعةً في دهسِ الأطفال والعصافير، لكنَّني كنتُ أعتقد أنني نجوتُ بالعصفور، وتساءلتُ ماذا سأقول لأم الطفلة وأنا أسلّمها ابنتها في هذا الكيس المليء بالـدم! قررتُ النظر إلى الكيس، وبينما أحاول فتحه، قذف العصفور من أعماقه دماً بقوَّة، أيقنتُ أن حالته خطـرة، أغلقـتُ الـكـيس عليـه ثانيـة. عنـدما وصلتُ إلى المنـزل وفتحت باب البيت وجدتُ طفلتي أول مـن يستقبلني، ويسألني عن الدم، الذي يملأ ملابسي، قررتُ أن أهرع إلى السطوح لأغيّر ملابسي، وأفتحُ الكيس كيما يطير العصفور في السماء.


    العدم سيد الصحراء

    كانوا عُراة يسيرون فرادى وجماعات في صحراء السّياط تلهبُ ظهورهم الدامية، لم أكن قادراً على تبينهـا، لكـن أصواتها وهي تجلد ظهورهم كانـت تـصل سمعي بقوَّة، وكانت النسوة في الجبال المُحيطة يولولن، فقط عيون الأطفال كانت تُحدّق في فراغ مُعتم، وهي تتبع خُطاهم في الرمال.. ها قد اقتربـوا مـن شجرة خضراء فهـرعـوا جرياً إليها، والسياط تتلاحـق علـى ظهـورهم العارية المُمزَّقة. عندما وصلوا كان هُناك نبع ماء يسقي الشجرة، اندلعت منـه جنـيَّـة وقالـت: لستُ هنـا لأمنعكم عـن المياه، هيـا اغسلوا ظهوركم مـن الـدماء واشـربـوا، ثـمَّ وأنتم تـرحـلـون اذهبوا ..حبوا على أطرافكم حتى لا تلامس السياط ظهوركم ثانية، فتضرب في الفراغ واصلوا طريقهم حبواً لكنَّ السياط أدركتهم، فانهالتْ على ظهورهم ثانية حتّى وجدوا شجرة خضراء أخـرى تـشـرب مـن نبع اندلعتْ منه جنيَّة، قالت: ازحفوا على بطونكم حتى لا تصل السياط ظهوركم، واصـلوا طريقهم زحفاً على بطونهم وما إن اقتربـوا مـن مـشارف المدينة حتى حاولوا القيـام لـدخولها، لكـن بطـونهم كانـت قـد التصقتْ بـالتراب، ولم يعـد ثمـَّة مـن طـريـقٍ لانتزاع أجسادهم، مكثوا ملتصقين بالتراب حتَّى. جاءت الـريـح حاملة تراباً كثيفاً، غطـَّت بـه أجسادهم، فانطفأ ذكرهم ولم يعد لـهـم أثر منـذ ذاك. في الجبـال كـفَّـت النساء عـن الـنـواح، عيـون الأطفال بقيت تحدق في الفراغ، أدركتُ أنَّ العدم سيّد الصحراء.

    عابدة القرية

    كانت ليلة داكنـة الظـلام، عندما ماتـت تـلـكَ المرأة الصامتة العابدة، عاشت سنوات عمرها وحيدة دون ذريَّة، من تلك الأسر الدينية العريقة، التي دوماً كتقليدٍ تختار من بناتها أكثرهن ذكاءً لتدفع بها في نهج التعبد والتصوف. شاعرها المُفضّل كان أبو مسلم البهلاني، والقصيدة التي تحب قراءتها لنا عن ظهر غيب كانت ميميتـُهُ: معاهد تذكاري سقتك الغمائم. من السلالة الدينية تلك التي انحدرت منها، لم يبـق إلاهـا، دومـاً كـانـت تُبحـلـق إلى الوراء إلى الماضي، إذ الحاضـر والمستقبل مخلوقان منه ولا وجود لهما دونه. عامها الأخير ابتدأ ملاك في زيارتهـا كـلَّ يـوم، يبتسم لها ويمضي، كانت تحاول الإمساك به والحديث معه، لكنها عندما تهم بذلك كان يبتسم ويمضي ….

    كانت تحاول أن تقـول لـه خـذني معكَ إلى العالم الـذي تأتي منه، هناك أحبتي وبيتي ونخلي، بعدها انقطع الملاك عن زيارتها فبدأتْ تذوى، أدركنا إذ ذاك أنَّها راحلة عنَّا قريباً لا ريب. عندما هاجر ابن أخيها إلى السواحل بإفريقيا طلبتْ منه أن يتأخر قليلاً، كي يدفنها ثمَّ يرحل لكنَّه رحلَ لتموت بعد رحيلهِ بأيامٍ. كانت ليلة داكنة الظلام، لم تحتج النسوة لإشعال قنديل غرفتها لخياطة كَفَنِهـا، كان ثمَّـة وهـج نـورانيّ، يـشـعُّ مـن وجهها يغمر بالضوء عَتمة المكان.

    *نص: سماء عيسى
    *من كتاب: أبواب أغلقتها الريح

  • مختارات إيروتيكية – سعدي يوسف

    مختارات إيروتيكية – سعدي يوسف

    امرأة صامتة

    في فراش البارحةْ
    حيث كان الشرشف الكتّانُ مكويّاً
    وكان الليل مطويّاً على خضرتِه في الرّكنِ
    أو حمرتِه فيما تبقّى من نبيذ الرّيف..
    كان الصمت يعلو
    وتموج الأرض مستنجدة بالشرشف الكتّانِ :
    احملْ جسدينِ
    اتَّسِعِ، الليلةَ، شيئاً…
    لا تضقْ بالموجِ
    بالموجةِ في الذروةِ
    وَلْتَنْدَعِكِ الأزهارُ في أطرافكَ..
    الليلةَ، يعلو الصمتُ
    والماء يرى منبعَهُ ـ السرَّ، مَصَبّاً..
    … … …
    … … …
    أنتِ في الموجة تمضينَ
    تئنّينَ عميقاً، داخل الجِلْدِ، وتمضينَ
    وتعطين زهورَ الشرشف الكتَّانِ
    ما تعطينَ:
    قطراتِ الحرير..


    ابتداء

    أحبُّ أن أطيل عبر العنقِ القُبلة
    أزيحُ شعركِ القصيرِ عن أذنكِ
    أنزعُ القرطَ الذي أمس اشتريته من حضنِ أفريقيةٍ
    في مدخل المترو..
    أذوقُ شحمةَ الأذنِ
    وأمضي هابطاً في العنقِ
    أمضي هابطاً في العنقِ
    أمضي هابطاً
    أمضي.


    وفي الهوَّة
    في العمقِ
    تماماً، حينما أوشكُ أن أغرقَ
    تأتي اللفتةُ
    الضحكةُ…
    تلتفّين بي
    والعنق المُتْلَعُ يسترخي
    على موج العناق.


    فارسة

    تُحّبين الخبب
    ماثلةً بصدركِ على الجَواد
    تضغطينَ بنهديكِ
    بفخذيكِ …
    لاهثةً
    متصببّة العطرِ..


    الى أين تمضين أيَّتُها الفارسة
    بجوادكِ المُنهَك؟


    ناحلة

    من أين أُمسكُ بكِ؟
    لا النهدُ يملأ راحتي
    ولا الزند.
    وفخذاكِ، فخذا الغزالة، هل تعرفان غير الجري؟
    حين أطوِّقُ خصركِ
    ترتسم أضلاعٌ على أناملي.
    لكنك، حين نفعل الحب، ترفرفين
    تطيرين
    وتهبطين
    ممسكةً جيّدا بالعُود…


    ثالوث

    المسدّس تحت الوسادة
    حين دخلتِ الغرفةَ البحرية
    شفيفة الثوبِ
    متضوِّعةً
    وشَعركِ مروحةُ كُحلٍ وياسمين
    كانت عيناكِ تطرُفان…

    المسدس تحت الوسادة.

    الموجةُ تندفع
    والفِراش تتطاير أوراقُه كالريش
    الشرشف
    والأثواب
    والوسادة.

    الآن،
    نحن ثلاثة في صراحة العري:
    أنتِ
    أنا
    والمسدس.


    عطلة الأسبوع


    في محطة لمترو الضواحي
    كنت أنتظرك منذ الصباح..
    القطارات تتقاطع
    المسافرون يتقاطعون
    كذلك بائعو المخدرات وكلاب الشرطة.
    إنه يوم السبت
    هكذا، سنُمضي معاً، عطلةَ الأسبوع
    سوف نثمل
    ونغني
    ونحبّ…
    … … …
    … … …
    لم تجيئي في الموعد.
    ضغطتِ زرَّ الباب في السادسة مساءً.
    … … …
    … … …
    في السادسة مساءً بدأ الصباح
    كنا عائدينِ، معاً، من محطة المترو
    وفي شعركِ بُقيا من طراوة الفجر.



    زَبَـد


    هذا الزبَدُ الطافحُ
    في سبّابتيَ اليمنى،
    في منبِتِ ساقيكِ…
    الزبَدُ اللامعُ في زغَبِ الدلتا،
    هذا الماءُ المتكثف مثل نبيذٍ أبيضَ مكتنزٍ منذ سنينٍ وسنين…
    سيظل هنا
    في هذا الركنِ من الغرفةِ
    ملتصقاً بالشرشف
    ملتصقاً بهواء الغرفة
    ملتصقا باللحظة حين تغيبين…


    *نصوص: سعدي يوسف
    *من كتاب: إيروتيكا

  • مضيتُ نهائياً.. بيعوا مُجوهراتي كلَّها (من الشعر السنغالي) – ليوبولد سيدار سنغور – ترجمة: شربل داغر

    مضيتُ نهائياً.. بيعوا مُجوهراتي كلَّها (من الشعر السنغالي) – ليوبولد سيدار سنغور – ترجمة: شربل داغر

    ليلة أرِقَة

    ها هو الليلُ
    صراخٌ وصيحات غضب،
    الليل
    جلَّاد المُستلقين اليَقظين والشُّهداء المُحترقين فوق أسرَّة أحلامهم.
    مُلقى في نار الهموم أشمُّ رائحة جلدي يَحترق
    مثل شقِّ الغزالة وأسـتـمـع لرئتيّ تتكسـران فـي مـواجـهـةِ الهـواء الجاف للريح
    الشرقيَّة
    سأكونُ سعيداً لو أن ساحرة الحلول،
    عند جلاء الفجر،
    تُمكّنني من الشربِ من مطرتها
    وتجفّف عرقَ الكوابيس عن جَبهَتي
    وتنيمني في سفح المُنحدرات
    مُستسلماً لنسائم البحر ولمداعبات
    السكينة الصباحية.


    رحيل

    مضيتُ
    عبر الطرقات الموشاة بالنَّدى
    التي تزقزقُ فيها الشمس.

    مضيتُ
    بعيداً عن الأيام العَفِنة
    والأغلال،
    التي تتقيأ قباحات
    بملء أفواهها.

    مضيتُ
    إلى أسفارٍ غريبة،
    خفيفاً وعارياً،
    من دون عصا ولا جراب،
    ومن دون هدف.

    مضيتُ
    نهائياً
    من غير رجعة.

    بيعوا قطعاني كلَّها،
    ولكن من دون رعيانها.


    مضيتُ
    صوب بلدانٍ زرقاء،
    صوب بلدانٍ فسيحة،
    صوب بلدان الرَّغبات التي تعذّبها الأعاصير،
    صوب بلدان دسمة وغزيرة.

    مضيتُ نهائياً،
    من دون رجعة،
    بيعوا مُجوهراتي كلَّها.



    رسالتكِ على الشرشف

    رسالتكِ على الشرشف، تحت القنديل العطر
    زرقاء مثل القميص الجديدة التي يملسُها الشاب الفتى
    وهو يُغني، مثل السماء والبحر وحلمي
    رسالتكِ. للبـحـرِ مـلحـه، وللـهـواءِ الحليب والخـبـز والأرز،
    أقولُ ملحكِ
    الحياة تحتوي نَسغها، والأرض معناها،
    معنى الله ومعنى الحركة.
    رسالتكِ التي من دونها لا تكون الحياة حياة
    شفاهكِ مِلحي، شَمسي، هوائي المُنعش، وثلجي.


    *نص: ليوبولد سيدار سنغور
    *ترجمة: شربل داغر
    *من كتاب: مختارات شعرية من السنغال، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب

  • ملف خاص بيوم المرأة (8 مارس) – النظرةُ الساميةُ التي تشرقُ فيكِ

    ملف خاص بيوم المرأة (8 مارس) – النظرةُ الساميةُ التي تشرقُ فيكِ

    نحتفي بإبداع المرأة وتجلياتها

    كلَّ عامٍ وأنتن بخير

    المرأةُ ربَّةُ المنزل

    عندما سألني الأطفال في المدرسة
    عن مكان عمل أمي
    كذبت، قلت في المصنع
    مثل الأمهات الأخريات كلهن
    خجلت من الاعتراف بأنها بلا “وظيفة حقيقية”
    حتى وإن كانت “ربة منزل” تعني
    مقدمة رعاية بدوام كامل
    وسائقة، وطاهية، وسكرتيرة، ومدرسة، وعاملة نظافة
    والصديقة الحميمة لأربعة أطفال
    تعريف العالم لـ “وظيفة حقيقية” عاجز عن احتواء هذا كله.

    تقدير – روبي كور – ترجمة: ضي رحمي

    بعض التجليات:

    قصيدة: صباح الدبي (شاعرة مغربية)

    تبريرات واهمة

    1
    لأنك بوحي حين تجف اللغات
    و ترحل أنهارها الساهمة
    لأنك موتي
    وبعثي
    وقطع من الليل يجتث بدري
    وفيض من النور يغتال صدري
    تلحفتُ بيتك


    2
    لأني ينازعني البحر صوتي
    لأني أنا التي أزهق الليل أعمارها في العراء
    وأورثها فتنة التيه
    تشرب من ضوئه المستحيل
    تتفستُ صوتك


    3
    لأن الكلام احتضار
    وموت على حافة الشوق
    أدمنتُ صمتك


    4
    لأن الذي كان مثل الضباب
    يعرش في العتمة القاتلة
    لأني حزنك حين تفيض البحار
    و تجد في الغيمة الراحلة
    حزمتُ اشتياقي وآنستُ ناري
    وعانقتُ موتك…

    قصة قصيرة: رشيدة التركي (قاصة تونسية)

     بطولة من كارتون

    خرجتُ من قاعة المسرح بعد عرض موحش. البرد كأنه الماء البارد يسيل على ظهري فتقعشر له أوصال جسمي فیرتعش. رفعت باقة معطفي الصوفي الأسود وأقفلت أزراره. تأبطت حقيبتي اليدوية الصغيرة وشرعت في وضع القفازات الجلدية السوداء الناعمة.
    اندفعت نحو الشارع الطويل المكتظ أبحث عن مكان خال، بعيدا عن جمهرة الناس. رفعت رأسي أمشي بخيلاء، محاولة تقلید بطل المسرحية في مشهد ما، تسلل إلى خیلائی صوت شحاذ أطل من الشارع الضيق الذي يطل على الشارع الكبير، كان بطلب فرنكا واحدا. ينظر بعينيه إلى السماء فلا يراها ولا هي تراه.
    تجاوزت الشحاذ وصوته وواصلت المسير. كنت أحس أن خطواتي صارت تتثاقل كأنها تجرنا إلى الخلف بإعياء. وجدت رأسي الذي كان مرفوعا بخيلاء ينخفض ووجدتني أتوغل في الحشد الهائل من الناس الذين كنت أحاول الابتعاد عنهم.
    ظللت أواصل السير..
    وظل صوته

    قصيدة: إيريني رينيوتي (شاعرة يونانية)

    أنت في الزنزانة المجاورة

    ترجمة: روني بو سابا

    نأتي من الظلام
    نتوجه إلى الظلام
    الباب
    نعبره عراة بلا عظام أو جسد
    سجن هو العالم
    نقضي فيه حكمنا المؤقت
    في زنزانات مجاورة- وأحياناً مشتركة-
    نغني الأغنية نفسها بصوت منخفض
    نتنفس بلا أن نعي النفس
    نلبس ثيابًا تعتق مع جسمنا
    بينما
    في الخارج
    تخب بحار
    تتغازل ریاح
    تجيش ياسمينات
    تنفذ أصوات عبر الكوة
    تخترق القفرَ شظايا نور
    يتلوى على بابنا الربيع
    مصابا بجماله نفسه
    ونحن ننشد سماء محدقين إلى السقف
    الذي يرشح قطرات المطر

    2
    أي، أنت خلف الجدار
    أنت الذي تدمع لي في الخفية
    كم أريد أن أعاين محياك!
    لعلنا تقابلنا في مكان آخر
    في العتمة في دروب المدينة الوعرة
    في دخان الشوارع أو في السُّخام
    حينما كان يحترق في العين الغبار
    والإسمنت الذي يزيد حرافة على اللسان
    وقت انكسرت مرايا الصمت

    3
    أنت، في الزنزانة المجاورة، أريد أن تعلم
    تعرف التراب ركبتاي
    لساني يعرف طعمه
    شفافة من الألم أقترب منك
    مخترقة بالسهام أكلمك
    أكتب عنك قصائد على الجدران
    أهدمها
    ألغي السجن
    آتمنك على السر
    سأهرب.
    4
    غوص
    في اللحظة
    في الصمت
    في العشق
    في الشعر
    في الوقت
    الغواص الذي يبحث عن سماء
    5
    كل الندوب التي أحملها في جسمي
    هي غطسات تجرأت عليها في الزمن
    حجج للكيف واللماذا
    السبب: ثقل التوهم
    حمل يشدك إلى القعر
    لأنه يزن أكثر من الحواس
    “أسوار” يسمونها بلغة الشعراء
    6
    من رحم إلى آخر
    من غربة إلى أخرى
    من قعر إلى آخر
    أعوم دوما لألاقي
    قرارة سماء

    7
    لسنوات يعذبني ألم
    إحساس بالفقدان أو بتذكر السماء
    ألعل الجناح يوجد
    أم يُحبَل به؟
    أم هو التوق إلى الطيران
    يلبسني أوهامًا
    بأنني أستطيع أن أتوازن على الغيوم؟
    إن كنت أقدر أن أشق الأثير
    فكيف أعوم في ظلمات القعر؟
    إن يكن القعر سماء مقلوبة
    فعندها إذن يصبح جناحًا على الأكتاف .

    8
    أجنحة من نور
    الأجساد عارية إذ تصارع
    صرخة، شهر، سيل، تشنج
    من وسط عويل نشيج اللذة
    لذة نفسنا.
    من الظلمة يتشكل النور.

    9
    القفر
    لا حدود له
    تعال معي
    الحراس
    أمّيون في ضوء الشمس
    سنهرب منهم
    سنصبح نورًا.
    10
    عودة إلى الجذور
    لننمو بطريقة أخرى
    نحتاج حركة واحدة
    الحركة الصحيحة
    أن نحول الغوص
    إلى طفو
    أن نرتقي
    11
    احبس
    نفسك
    كل لحظة
    فإني أغطس.

    قصة قصيرة: سيفغي سويسال (قاصة تركية)

    خصلة عاطفية

    هي الأمور مختلطة هكذا، الناس في الشوارع لا يرونني، مع ذلك، فعواطفي تتنقل بين خصلات شعري ليلا ونهارًا. بعيد ظهيرة رطبة، توقفت عند مفترق طرق؛ عفونة تسبب دوارا بالرأس، السيارات تمر بلا انقطاع، تمر وعلى زجاج نوافذها وجهي الأحمر الغاضب، عبرت ممر المشاة ثلاث مرات، شرطي المرور لم يرني، «استعراض، استعراض» صرخت في وجهه لم يخفف ذلك من غلواء فهري. الغضب يغمرني حتى أخمص قدمي، أخمص قدمي يحترقان كأنني أتجول حافية القدمين على رمل شاطئ متأجج تحت شمس الظهيرة. غضبي من الرجال، جميع الرجال وبخاصة الذين لا يحبون سوى أنفسهم من بعد أنفسهم. حشد غفير من متبلدي المشاعر بمعاطف بزر أو بزرين أو ثلاثة، يمرون بكثافة. كان لدي بصيص أمل بمن لا يرتدي معطفا أو ربطة عنق، لكن هؤلاء لا يتجولون وحيدين، إنهم عاجزون، لم أصادف، لم أصادف أحدا منهم، لو تصادفنا أو لم نتصادف فنحن ذاهبون للصيد. وصلت إلى موقف الحافلات، نساء بصحبتهن أطفال، نساء مع حقائب وبلا أطفال، حقائب بلا نساء، فتيات يمضغن اللبان، دائما ينتظرن وقد ربطن شعرهن كذيل الفرس وهن يمضغن اللبان، لأنتظر معهن، ليت المطر يهطل، فيغسل هذه المواقف.

    فتيان اثنان من المدرسة الثانوية يجلسان على الرصيف، هما ينتظران أيضا، اقتربت منهما، أشرت بيدي ليتباعدا، توسطتهما بلطف، حدقا باندهاش، أحدهما «عجبا» قال، «الحافلة» قال، وقال الآخر «دعنا نمش»، لمست وجنتي الاثنتين في آن واحد، قلت لمن على يميني «لحيتك خشنة، استخدم الموسى لحلاقتها». لم يحد كل منهما نظراته عن صندلي، بدأت بتحريك أصابع قدمي، نهضا فجأة وابتعدا مسرعين، نظرت إلى الواقفين في الموقف، عبروا إلى الرصيف المواجه.. هل كانوا سينتظرون معي، هل كانوا قادرين على الانتظار؟ لو وصلت الحافلة، لكنت لقنتهم درسا. جاءت الحافلة واقتربت من رصيفهم، نهض ونفضت تنورتي. هل كانت هذه المدينة هي المكان لإطلاق عواطفي في وضح النهار؟ هذه المدينة كانت على شارع باتجاهين، قادمون وذاهبون بالاتجاهين، بضع واجهات زجاجية، وبعض من الأبنية لا أعلم كم يبلغ عددها، وعدد كبير من مراكز الأحزاب. كل الذنب يكمن في خصلات شعري، لو لم تتموج على هذا النحو، لما كنت عرضت عواطفي بأطرافها ولما استطعت عرضها، تمنيت تثبيت عمود كهرباء جديد، أو مرور مدحلة، أو وقوع شجار، حينئذ، كانوا سينظرون، لن يقاوموا المشهد، مجبرون على ذلك، بقاؤهم مرتبط بذلك. شرعت بالسير صعودا في واحد من الشارعين اللذين يؤلفان المدينة، عندما وصلت إلى الأعلى، أضاءت المدينة أنوارها، حدقنا ببعضنا ببله.

    هو ذا ثمرة نتاج اليوم – كوة إطلاق النار – دوار الرأس هذا، كان ثمرة نتاج اليوم تحت قدمي، انهرت أمام الكوة، أخرجت رغباتي من خصلات شعري، الواحدة تلو الأخرى، وألقيت بها من كوة الرمي إلى الأسفل، اختلطت بمجاري المدينة، أووه هذا هو، قلت، وهذا ما كان.

    قصيدة: مايا ساريجيفيلي (شاعرة جورجية)

    على نهج برين فيلبس
    ترجمة: فاطمة ناعوت

    ماذا لو أن كل الشعراء قد طوقوا وقتلوا؟
    ماذا لو أن كل القساوسة قد أعدموا؟
    ماذا لو أن كل الرجال قد سيقوا
    ثم أطلقت عليهم النار
    أمام المصارف التي حفروها بأنفسهم؟
    ماذا لو أن الحكومة قالت:
    خلال يومين
    لا بد أن تترك بيتك وممتلكاتك
    ولا تأخذ إلا ما يكفيك يومين في العراء؟
    ماذا لو أن الفتيات الجميلات قد اغتصبن؟
    ماذا لو أن الأطفال الصغار قد أخذوا
    للأُسر التي ترغب في عبيد
    أو حيوانات أليفة؟
    ماذا لو أن كل أفراد عائلتك قد ألقي بهم في الفرات؟
    ماذا لو أنك وحدك زُجَّ بك إلى باکو؟
    ماذا لو أنك في باكو قد التقيت مواطنيك
    الذين عاشوا هناك لقرون
    وهناك
    سوف تكبر
    ماذا لو عشت حتى تشيخ مع أطفالك
    ومن جديد
    منذ عشر سنوات مضت
    أتى رجال وأحرقوا بيتك؟
    ماذا لو أُجبرت من جديد على الرحيل؟
    ماذا لو وصلت إلى الأرمن في كاراباج؟
    ماذا لو قُصفوا بالقنابل وشُوهوا وحوصروا؟
    ماذا لو تخطيتَ التسعين
    وكل ما قد حدث لك
    يظل يحدث مجددًا ومجددًا
    والعالم من حولك
    لا يصدقك؟
    ماذا لو كنت أنت
    وليس أنا؟

    المترجِمة: جمانة حداد

    قصيدة مثل يد/ ريلكه

    أطفئي عينيَّ، سأظل أراكِ.
    صُمِّي أذنيَّ، سأظل أسمعكِ.
    حتى بلا قدمين سأشقُّ دربي إليكِ،
    وبلا فم سأذكر اسمكِ.
    اكسري ذراعيَّ،
     وسأضمُّكِ بقلبي، 
    مثل يد.
    أوقفي قلبي وسيخفق عقلي،
    وإنْ أضرمتِ في رأسي النارَ
    سأشعر بكِ تحترقين في كلِّ نقطة من دمي.

    ***

    من أجل أن تأتي يومًا
    هذا النَفَس، ألم أغرفْه من مدِّ منتصفات الليالي
    من أجل حبِّكِ، 
    من أجل أن تأتي إليَّ يومًا
    وجهكِ، 
    كنتُ آمل أن أهدِّئه
    بروائع لم تَزَلْ صعقاتُها بكرًا،
    عندما يرتاح قبالة وجهي
    في لا نهاية ما أتكهَّنه.
    كان فضاؤك يتغلغل هادئاً إلى قسماتي،
    ودمائي تبرق وتزداد عمقًا
    لكي تستحق النظرةَ السامية التي تشرق فيكِ.
    ولمَّا يشتد سواد الليل، بكلِّ نجماته،
    عبر أغصان شجرة الزيتون الشاحبة،
    كنتُ أنهض وأنتصب وأرتمي إلى الوراء،
     وأتعلَّم الدرس الذي لم أدرك يومًا أنه منكِ.
    آه، يا لقوَّتها الكلمات التي زرعتْ فيَّ،
    حتى إذا حدثت ابتسامتك،
    أنقل إليك بنظراتي فضاء العالم.
    لكنك لا تأتين، أو تأتين متأخرة.
    فانقضِّي، أيتها الملائكة، 
    على حقل الكتَّان الأزرق هذا
    واحصدي..
     احصدي!

    المرأةُ الأم

    لم أحسد أبدًا الشعراء،
    سحرةُ بلاد الكلام
    لم أحسد أبدًا الفلاسفة،
    حكماء أرض الحكمة.
    لم أحسد أبدًا العرفاء،
    رواد إقليم العشق.
    فقط كنت أحسدُ الأنبياء،
    قبل أن أصبحَ أمًّا.

    فاطمة راكعي – ترجمة: موسى بيدج

    المترجِمة: مريم العطار

    قصيدة ولدي/ ليلى فرجامي

    نحن في عام 2050 أنت لم تولد بعد
    والدتك شاعرة مضطربة
    ترقد في مصح عقلي قرب المدينة
    كل أسبوع، والدك
    -الذي لم يتزوجها قط-
    يأتي لها بباقة من الزهور الذابلة الملفوفة
    بورق من الكتّان من المزاد
    ولدي،
    أنت لم تعرف بعد أن الحرب لم تكن
    عملًا صالحًا
    مثلاً عندما كنا صغارًا، 
    كانت القنابل، قبل أن تصل إلى حدود مدينتنا، تنفجر
    كان ثمة نداء في آذاننا ينبس:
    أشهد أن لا إله إلا الله
    وأنا كنت لا أزال أحب ربك الرحمن والرحيم إلى حد ما..
    ولدي،
    نحن في عام 2050
    أنتَ لست في خط القتال
    ولست مقاعد الدراسة
    أنت لم تعبر الحدود حتى تكون لاجئاً،
    لست مدمن مخدرات
    لم تهاجر، 
    ولم تتعلم اللغة الأم قبل نسيانها! 
    لن تجرب أن تكون مذيعا للفضائيات
    ولا تعرف مؤشر البورصة والعرض والطلب
    أنت لم تولد بعد ولن تأتي أبدا لهذا العالم
    لحسن الحظ أن لا أحد منا يعرف
    ما هي الفلسفة
    وما هي الأخلاق،
    ما هي الشيوعية
    ما هي الإمبراطورية
    ولماذا إسقاط الجنين هكذا موجع!
    لحسن الحظ أننا في عام 2050
    ومكتب تسجيل الأحوال المدنية أُغلق!
    وأنت، لن يكون لك اسم أبدًا
    فقط اعلم يا بني
    قبل أن يهبوا لك رمادي
    أنك كنت أسعد مني.

    المزيد من التجليات:

    قصة قصيرة: هاجر سعود (قاصة سعودية)

    رهاب الآنسة “ع”

    فيما تكون أسوأ مخاوف الآخرين متعلقة بالأمراض المُميتة، خسارة مصدر الرزق، العيش في منطقة حرب، أو موت من يحبّون؛ تبدو مخاوف الآنسة “ع” غريبة وشاذة. ولو سألت البشر العاديين، ما أسوأ سيناريو يمكن أن يحدث لهم؛ لأخبروك، سقوط الطائرة التي تقلّهم في المحيط الهندي، أن تقفز أجسادهم في الهواء إثر ارتطامها بسيارة مسرعة، أن تكون أقدام البعوضة التي تحوم فوق فراشهم ملوثة بالملاريا، أن يحترق سلك الشاحن المقلَّد ليلًا أو تنفجر بطارية الهاتف في أثناء وصلها بالسّيارة، أن يُختَطَف طفلهم من حديقة عامة ــ أشياء من هذا القبيل. بينما، بالنسبة إلى الآنسة “ع”، فلو سألتها نفس السؤال، فستجيبك أنّ أسوأ شيء قد يحدث لها هو أن تُضْطَرّ إلى استخدام حمّام عموميّ. وهنا، وقبل أن يقفز القارئ لاستنتاجاته وأحكامه الخاصّة، فلا بدّ أن يعرف شيئًا مّا بشأن الآنسة “ع”، هو أنّها مصابة برهُاب الجراثيم.

    بدأ ذلك عندما كانت ذات سبعة أعوام، حين كانت تغلف إطار المرحاض بالمناديل، وقد طلبت من أمهّا قفازًا خاصًّا؛ إذ كانت ترفض أن تلمس أيّ شيء في دورة المياه بشكل مباشر. وقد يظنّ أحدهم أنه يفعل شيئًا مشابهًا، لا سيما حين تَضْطَرّه الظروف الصعبة إلى استخدام الحمّامات العمومية القذرة عند محطات تعبئة البنزين، وأنّ هذا، رغم ما به من نزق، لا بأس به، بل قد يكون محمودًا على صعيدٍ مّا؛ لكنه لن يكون كذلك حين يدرك أنّها كانت تفعل ذلك حتى في منزل العائلة.

    حين تزوّجت الآنسة “ع”، وأصبحت السيدة “ع”، كان طلبها واضحًا من البداية، “منزل بثلاث دورات مياه على أقلّ تقدير”. كان مجرّد التفكير في مشاركة الحمّام مع الآخرين يجعلها في مزاجيّة شديدة. في كلّ مرّة تتخيّل فيها شخصًا آخر جلس على المرحاض ذاته، وربّما لم يكن دقيقًا بما يكفي لما يُلْمَس وما لا يُلْمَس؛ مما قد يؤدي، بل سيؤدّي حتمًا، إلى تلويث المكان ببصماته القذرة. في كلّ مرّة يُخيَّل إليها ما يمكن حدوثه خلف هذا الباب المغلق، كلّ تلك الاحتمالات التي فكّرت فيها أو التي لم تخطر على بالها، تصطكّ أسنانها وتتقلص عيناها وينكمش جسدها اشمئزازًا من هذه الوساوس المرعبة.

    وفقًا للطبيب الوحيد الذي زارته، فإنّ نزقها وخشيتها من الجراثيم يُصْنَّف رهابًا مرضيًا في حال كان يعرقل سير حياتها الطبيعية. ومن عاشر الآنسة “ع” لوقت كاف، فلديه على الأقل عشرة قصص تدينها بذلك. أمّا بالنسبة إلى السيدة “ع” نفسها، فلم يكن يقلقها تصنيف الأطباء، بل ما كان يشغل بالها هو إن كان ثمة طرق أكثر أمانًا وفعالية للتخلص من الجراثيم، خصوصًا تلك التي تتربّص بها في مراحيض دورة المياه.

    لم تساعد في ذلك معرفتها العلميّة ببعض الأمور نتيجة بحثها الدائم عنها، رغم ما يسببه لها هذا البحث من تعاسة. تتذكر بشكل أخصّ المقال الذي قرأته عن ضرورة إغلاق المرحاض بالغطاء قبل سحب السيفون وانطلاق دوّامة الماء؛ لتفادي تطاير جزيئات الفضلات اللامرئية في الهواء، واستقرارها في أماكن عشوائية، كفرشاة الأسنان، خصوصًا إن كانت المغسلة قريبة من موقع المرحاض، وهو الشائع في دورات المياه. لم تكتفِ بعد ذلك بوضع غطاء المرحاض وحسب منذ ذلك اليوم، بل عمَدت، نتيجة انعدام ثقتها في التزام الآخرين، إلى الاحتفاظ بفرشاة أسنانها خارج دورة المياه؛ وهي بذلك قد تكون الإنسان الوحيد الذي يفعل ذلك.

    حين انتقلت إلى بيت الزوجية، كانت حدودها واضحة؛ لا يمكن لأحد مهما كان، تحت أيّ ظرف، أن يدخل دورة المياه الخاصة بها. وإن حدث وتجرّأ زوجها على ارتكاب الخطيئة الكبرى، فلن يكفيها قضاء ساعة في تعقيم كلّ شبر من دورة المياه. وهي أيضًا لن تتوقف عن التفكير فيما إذا كان قد تجرّأ أكثر واستخدم صابونتها، والتي تكاد أن تكون الحجر المقدّس وسط المعبد. بالطّبع، ستتفحّص قطعة الصّابون، متجاهلة إنكاره؛ فمن يرتكب انتهاكًا واحدًا لن يكون من الصّعب عليه ممارسة انتهاك آخر. ولن تستطيع، كالعادة، تحديد ما إذا كانت الليونة أسفل القطعة تعود لاستخدامها لها هذا الصّباح، أم أنّها حديثة نسبيًّا نتيجة الانتهاك الأخير. لن تحتمل الشكّ المتواصل، ولن تصدّق أيّ إجابة، لذلك تكون النهاية دائمًا رمي قطعة الصّابون واستبدالها بجديدة. 

    سابقًا، كان هذا يشكّل صراعًا زوجيًّا؛ وكانت تستاء حين ترى أيّ بلل أو رطوبة تدلّ على استخدام المنطقة المحظورة. وقد أوضحتْ، مرارًا وتكرارًا، بنبرة استعطاف أحيانًا وبنبرة تعنُّتٍ أحيانًا أخرى، أنّها لا تطلب الكثير؛ فهناك ثلاث دورات مياه في هذا البيت. الزوج، بالمقابل، رفض هذا التقسيم المجحف، وأضاف للنّزاع أبعادًا سياسية. فقد أوضح هو الآخر، بجديّة بالغة، أنّ هذا تسلّط غير مبرّر لا يجب الخضوع له؛ وأن الطغاة يَنشأون من هذه التنازلات، والتي تكون دائمًا صغيرة في البداية. الشّعوب التي تقبل الاضّطهادات الصّغرى، لن تجد سببًا للمقاومة حين تكبر هذه الاضّطهادات. وربّما كان يعتقد في قرارة نفسه أنّه يمارس دورًا جيفاريًّا في هذا المنزل الذي قد يستحيل، لولا مقاومته النبيلة، إلى ثكنة عسكريّة. لم يكن أحد يفهم معاناة السيدة “ع”، وبالأخصّ زوجها؛ والذي كان لديه اعتقاد غريب أنّ معظم المتلازمات النفسيّة يمكن تجاوزها بعدم المبالغة في المراعاة، بل والمبالغة في اللّامراعاة إن تطلّب الأمر.

    وبعد العديد من المنازلات الزوجيّة، استسلمت السيدة “ع”، وبدأت في الاقتناع بأنّ زوجها قد يكون محقًا، وقبلت، على مضض، مشاركته دورة المياه. لكن أيًّا من ذلك لم يكن يساعدها، ولم يقلّل من أفكار القلق والرُّهاب؛ فقد كانت تقاوم مشاعرها وتكتم أعصابها في كلّ مرة بالقدر ذاته. وقد استنتجتْ، على العكس ممّا قاله زوجها، أنّ هناك أمورًا لا يمكن للإنسان الاعتياد عليها، لكنها لم تشأ أن تذكر ذلك له؛ فاكتفت بالصمت، ولجأت، في نهاية الأمر، إلى الاحتفاظ بقفَّازيْن مطاطييْن وعدّة تنظيف داخل دورة المياه؛ لاستخدامها في كلّ مرة تقرّر فيها استخدام دورة المياه. 

    بالطّبع، كان هذا غاية في الصعوبة وغير العملية، أن تُضْطَر إلى تنظيف المكان ومسح الجدران، خصوصًا حين تكون على استعجال، أو حين تستيقظ لاستخدامها في منتصف الليل. لذلك كانت تقاوم رغبة الدخول إلى دورة المياه، وتؤجل ذلك قدر الإمكان؛ حتى تُقلّل من عدد مرَّات التنظيف. وما ساعدها على تطوير هذه المهارة أنها، وفي كلّ مرّة تشعر بامتلاء مثانتها، تبدأ في تخيُّل أنّ مثانتها تتسع، تكبر وتكبر شيئًا فشيئًا، كما لو كانت بالونًا ينتهي به الأمر إلى أن يكون أضعاف حجمه الأصلي. وبعد ممارسة هذا الأمر فترة كافية، اكتسبت السيدة “ع” قدرة أعلى على التحكّم والسيطرة على مثانتها؛ وقد وصل ذلك إلى تمكُنها من حبس البول فترة تصل إلى ستّ ساعات. وقد وجدت أنّ تلك مهارة جيدة، لا سيما وأنه لم يعد يساورها قلق استخدام الحمَّامات العمومية. ولقد أضافت لقدرتها على التحكّم تكنيكات وأساليب أخرى، من ضمنها الإقلاع عن تناول القهوة والشاي، والاكتفاء بشرب السوائل في الليل؛ وبذلك يتركّز استخدامها لدورة المياه وقت الليل، بينما يحتلّ زوجها دورة المياه في النهار. وقد نجحت، بعد اعتماد مجموعة من الآليات، إلى تقليص نافذة استخدامها دورة المياه إلى سبع ساعات في اليوم؛ وكانت بالمجمل، لا تُضْطَر إليها سوى ثلاث مرّات في اليوم.

    كانت الأمور لتكون على ما يرام، وقد بدت كذلك بالفعل، لفترة طويلة جدًا، لولا آلام شديدة اضْطَرتها إلى الذهاب إلى المستشفى. لم يكن مفاجئًا ولا غريبًا أن نعرف أنها قد أصيبت، بطبيعة الحال، بالتهابات شديدة في المسالك البولية، وكان هذا ما اعتقدت أنّ الأمر عليه في بادئ الأمر. لكن الطبيب شرح لها أنّ الآلام المبرحة التي تعاني منها أكثر جدية من ذلك؛ وسببها تشكُل الحصوات في المثانة والكلى بسبب حبس البول المتكرّر، والذي أدى لانسداد الحالب نتيجة تراكُم الأملاح الصلبة في البول، وأنها قد تحتاج إلى عمليّة جراحية لإزالة الحصوات. كذلك نبّهها الطبيب إلى أنها قد تعاني من ضعف في المثانة، نتيجة الضغط المزمن، وأنها مُعرَّضة أيضًا للفشل الكلوي، إن استمرّت في هذه العادة، نتيجة ارتفاع نسبة الأملاح والسّموم في الجسم. كتب لها بعض الأدوية والمضادّات، ونبهها، بحزمٍ أبويّ، إلى ضرورة التقليل من الأملاح والدهون وشرب الماء باستمرار طوال اليوم.

    عادت السيدة “ع” إلى المنزل، وقد شاركت زوجها الأنباء غير السارّة؛ ووجدت أنّ هذه قد تكون فرصة مناسبة لحسم قضية ملكية دورة المياه لصالحها وإلى الأبد. وكان لزوجها رأي مخالف، بطبيعة الحال؛ فقد وجد أنّ ما حدث فرصة سانحة لكي يلوم السيدة “ع” على استهتارها بصحتها، وعلى إدمانها رقائق البطاطس بالخلّ والملح، ووجبات المطاعم الصينيّة، وامتناعها الغريب عن شرب الماء في النّهار. ولقد احتدم الجدال بين السيدة “ع” وزوجها، وتعالت الشتائم المتبادلة؛ وبدأت السيدة “ع” في السخرية من زوجها وأمّه، والذي لم يحتمل ذلك بالطبع؛ فصفعها في لحظة غضب عارمة. وقد كانت هذه المرّة الأولى التي يضرب فيها زوج السيدة “ع” أيّ كائن؛ فهو، وعلى الرغم من كونه إنسانًا لا يطاق، إلاّ أنه لم يكن من أولئك الذين يضربون زوجاتهم. ورغم أنّ الموقف كان مفاجئًا لكليهما، وبالأخص لزوجها الذي تجمَّد في مكانه؛ إلاّ أنه اعتقد أن ما حدث كان مُبَـرَّرًا؛ فلم تكن لأمه علاقة بمشكلة مثانة زوجته. لم يكن مفاجئًا بعد ذلك أن نعرف أنّ السيدة “ع” عادت إلى منزل أهلها، ورفضت العودة لزوجها منذ ذلك الحين. وقد يكون السبب الذي يتراءى لذهن القارئ، ولذهن السيدة “ع” نفسها، أنّ ذلك نتيجة إهانة زوجها لها، وعدم احتمالها لطبيعته المتعنِّتة؛ إلاّ أنّه قد يكون لذلك علاقة أيضًا، ولو بشكل غير مباشر، بحتميّة حصولها على دورة مياهها الخاصة في منزل والدها الكبير، والذي كان يحتوي على سبع دورات مياه ــ ثماني، إن كنّا سنحسب المرحاض والمغسلة في غرفة الغسيل على السطح.

    انتهى فصل من حياة السيدة “ع”، والتي عادت للقب الآنسة “ع”، ليس بطريقة سعيدة ولا مأساوية بالكامل؛ فقد كسبت معركة دورة المياه، وخسرت بيت الزوجيّة. ولقد عاشت الآنسة “ع” بعد ذلك في منزل والدها، سنينًا طويلة، رافضة كلّ عروض الزواج، وسعيدة ببقائها في المنزل الذي أصبح ملكًا لها بالكامل بعد وفاة والديها، بما في ذلك دورات المياه السبع/الثماني. وقد بقيت في ذلك المنزل، سعيدة بوحدتها، إلى أن بلغها كبر السنّ، وجاءت الليلة التي تنبّهت فيها الآنسة “ع”، في أثناء نومها، إلى وجود رائحة بول مختمر تطغى على المكان. اعتقدت، شبه نائمة، أنها تحلم، كتلك الأحلام التي تزورها حين كانت تنام مع زوجها وتُضْطَرّ إلى حصر البول لساعات. فتحت عيناها، ولم تختفِ الرائحة، حاولت تتبُع المصدر ــ تبدو كرائحة بول القطط أو الفئران. تلمَّستْ الملاءات في الظلام، وكان تركُّز الرطوبة تحت فخذيها. شعرتْ ببرودة حين رفعت اللحاف، مما زاد يقينها مما كانت تخشى حدوثه. ازداد الأمر سوءًا مع الوقت، وأصبحت الآنسة “ع” تُضْطَر إلى ارتداء الحفاض، ولم تكن لها حاجة، في معظم الأحيان، إلى استخدام دورات المياه السبع، أو الثماني. 

    وفي أحد تلك الأيام العادية، والتي لا تثير أي شكوك في كونها غير ذلك، وجدت عاملة المنزل الآنسة “ع” وقد فقدت وعيها داخل دورة المياه. وقد اتضح لاحقًا، وفق تقرير الطبّ الشرعي، أن الآنسة “ع” قد خرجت من حوض الاستحمام، وفقدت توازنها، وانزلقت، وضرب رأسها بغطاء المرحاض الذي كان مغلقًا. لكن، وقبل أن يقفز أحدنا لاستنتاجاته وأحكامه الخاصّة، فلا بدّ أن نتذكّر أنّ مخاوف الآنسة “ع”، حين تسألها عن أسوأ سيناريو يمكن أن يحدث لها كانت، وبشكل غريب، قريبة من الواقع.

    قصيدة: حصة العامري (شاعرة إماراتية)

    أيتها الطمأنينة المتعالية: استيقظي الآن

    أيتها الطمأنينة المتعالية
    استيقظي الآن.
    أريد الخلاص.

    ولكن، من فوّهة حربٍ ليست لي
    انطلقتُ – بموتي -دفعة واحدة
    ولم أصل.

    كانت الأيام خافتة كظلال شواهد مقبرة.
    ضبابٌ هابط
    وخرخشة أقدام تدعك أوراق نبقٍ متساقطة
    نوايا باردة
    انتقام يلتهمُ اللحظات
    وأكثر من هَوَسٍ صامت.
    يتربص بي، هذا الذي يبدوني
    الذي في قرارة روحه الشاحبة
    يقبلُ انكساري الباهر على مدِّ الذاكرة.
    أدلهُ عليّ
    أمد يدي له
    لا شيء تخافه معي، لا أحد هنا حقًا
    سوى أقنعتي المتصلبة على بلاط أيامي
    ومرآة مُقعَّرة
    تخبئُ في حدة زواياها انعكاساتي الدائخة بالسؤال.
    تسابق لهاثك،
    محاولًا أن تختصر الأمر كلّه في هذا الزمن اللامتناهي.
    حيث كان هناك
    الخطأ الذي فاتني أن أتداركهُ.
    شعرتُ به يشدني من أقصى قعر البدايات
    يفصلني بضراوة عن جذوري الثخينة
    عن أمي وأبي وصداقاتي الوقتية وظروفي التي
    تكونتُ فيها بمرارةٍ عاطفية.

    أتخفف من ملامح الملل.
    أمرر أصابعي على تقصفات شعري المنتفش
    وعلى بدايات التحام فتحتي القرطين
    وتقف قليلًا، أصابعي
    عند النظرة الموحشة في عيني اليسرى.

    أنام عارية
    على سجادة أصفهانية تفوح منها نتانة الجوارب
    وبساتين السفرجل الفارسي.
    كوب الشاي يراوغ الثبات على بطني
    أختبر توازني بخيالاتٍ سارحة.
    سخونة الدفق الأحمر
    السرّة تتسع
    لأحلم بنافذةٍ إذا ما قفزت منها
    أقفز مني
    أصيرُ احتمالًا جميلًا لجارٍ يمر بيومٍ سيء.
    بينما هناك في أفكاري العادية،
    وفي أحلامي المكررة
    أربي فائض مخاوفي
    كسهامٍ سميَّة
    أطلقها على سذاجات البراءة.

    وعند نقطة اللاعودة
    أتذكر طويلًا
    المرة الوحيدة التي صدقتُ فيها
    أنني قد صدقت الأمر كلّه.
    بينما أن
    اليد التي تلوت بحساسيةٍ بالغة
    على يدي،
    كم مرة كادت أن تنجيني منّي
    لو أنها ظلت كذلك لمدة أطول؟
    تعادل كل هذا التحمل،
    كل هذا التربص
    كل هذه الفداحة
    كل هذا العمر
    هذه اليد البعيدة.

    قصة قصيرة: حجاب امتياز علي (قاصة باكستانية)

    وحصل له حادث

    أدخل إلى غرفة العلميات وهو مستلق على نقالة الجرحى، هذا اليوم كان ينظر حوله وهو يقف في شرفة الطابق العلوي من منزله. الصباح كان مشرقا ورائعا عندما سقط فجأة من هذا العلو إلى الأرض. لا يبدو أن أحدا قد دفعه، ولا كانت أرضية الشرفة من الضعف بحيث تنهار تحت وطأة وزنه. كيف إذن سقط إلى الأسفل وعلى أي حال، ما الغريب في ذلك؟ لقد كانت تلك حادثة مثل كل الحوادث التي تحصل يوميا. حتى هو نفسه لم يكن واعيا بما فيه الكفاية ليفكر في هذا الأمر. وهو من النوع الذي يفكر في كل التفاصيل، من الواضح أنها زلة قدم جعلته يفقد توازنه، ويسقط. هذا السبب بدا مقنعا بما فيه الكفاية: لقد سقط نتيجة فقدانه توازنه، والحوادث تحصل هكذا. عندما أحضر إلى غرفة العلميات، وعلى رغم أن جسده كان لا يتحرك وفاقد الإحساس کالجثة، إلا أن عقله كان شديد الهيجان کالمحيط، في انحساره وتدفقه ذاتهما، وبأمواجه المتلاطمة، إن عقل الإنسان لا يخلو أبدا من القلق والصراع. كان لا يعي شيئا مما يحيط به. لم يكن بوسعه أن يرى الأغطية البيضاء التي تعلو رؤوس الممرضات، ولا وجوه الأطباء المقنعة، كانت عيناه لا تبصران الوهج الذي يصدر من الأنوار القوية لغرفة العلميات، وأذناه لا تسمعان أصوات المقصات والمشارط. كان كذلك لأننا عندما تتذكر ولو حتى قيد أنملة من ماضينا، فإننا لا نعي جبلا في الحاضر. لم يكن يعلم سبب إحضاره إلى هناك، ومع ذلك فإن سامعية ذاكرته وعين عقله تستطيعان أن تريا إلى مسافات بعيدة. مانو! مانو! وصل الصوت إلى آذانه. تساءل عمن يكون صاحب الاسم وهو لا يزال يتردد في أودية الماضي السحيقة. ثم تذكر فجأة أن مانو هو الجرو الصغير الذي استعاره من صديقه وأخذ يعتني به، مانو كان صغيرا لدرجة أنه لم يكن يستطيع أن يمص الحليب، ولذلك يظل يئن بصوت مملوء بالألم طوال الليل مما يثير اشمئزاز الجيران، ولو تركنا الجيران جانبا، فإن والدته حملت کرها لا معقولا للجرو. مرات عديدة وبخته والدته بغضب “تخلص من هذا الجرو وإلا سممته!” إن هذا البائس يواصل صراخه طوال الليل٬ ولكن اليوم، بعد كل تلك السنين، لماذا يتذكر مانو؟ إنه الآن في الثلاثين من عمره، ومانو کان سخافة منسية من أيام طفولته! وقد حصل أن مانو لم يسممه أحد، ولكن الطبيعة نفسها انقلبت ضده. دهسته دراجة بينما كان يمرح على الطريق. بعد تلك الحادثة، أصبح مانو عزيزا جدا على والدته. أحضرت مرهما لجروحه من السوق، وقامت بعلاجه وتضميده. وضعت له سريرا جديدا وأصبحت تتحمل عويله المزعج بجلد وثبات. يا لذاك الجرو المسكين! لقد جرح وأدرك أن ذلك الحادث الخطير جعل والدته ترثي لحال الجرو الصغير. وابتدأ صوت عويل مانو يمحى تدريجيا بينما خطرت على باله حادثة أخرى من الماضي القريب. في ذلك اليوم، الجمعة، غادر المكتب مبكرا قليلا. وفي طريقه إلى المنزل قرر أن يذهب مع زوجته فيروزة للتنزه بالقارب وسيأخذ معه بعض المرطبات كذلك. على الطريق نفسها يقع منزل أحد أصدقائه. توقف هناك ودعاه ليصحبهما. وللحظات خطر بباله أن صديقه هذا لا يعجب زوجته وريما أنها ستنزعج لدعوته، لكنه فكر في أنه سيستطيع إقناعها، فأحمد ليس سيئا بالقدر الذي تظنه هي. لا أحد ينكر أنه كاذب، ولكن من منا لا يكذب؟ اشترى شطائر الدجاج وأصابع الجبن وأسرع إلى المنزل، كان حاملا أكياس الطعام، وود أن يصرخ فرحا كطفل وهو يعانق فيروزة، وأن يخبرها بأنه حصل على إجازة إضافية. وعندما وصل منزله صاح فيروزة، فيروزة! انظري إلى ما أحضرت. لقد سمحوا لنا بمغادرة المكتب مبكرا اليوم٬ وتركت زوجته ما بيدها من أعمال المنزل وجاءت إلى الغرفة. ما الذي أحضرته؟ شطائر الدجاج وأصابع الجبن، سنذهب في القارب، قال ذلك وهو يضحك. إجازة من المكتب تثيرك كطفل هارب من مدرسته، قالت مداعبة. قال وقد شعر بانزعاج قليل ولو ذهبت إلى المكتب كل يوم ستفهمين أن نظامه وقوانينه تعني لنا الشيء نفسه الذي تعنيه المدرسة والعبودية للطفل. حسن، ضعي كل هذه الأشياء في سلة الغداء واملئي الترمس بالشاي، هيا، يجب أن تسرع حيث إني طلبت من أحمد أن يدبر لنا زورقا، سيكون بانتظارنا على الشاطئ.» لماذا نحتاج أحمد ليصحبنا؟ قالت بنبرة تخلو من السعادة، كان باستطاعتنا أن ندير الزورق بسهولة عندما نصل إلى الشاطئ. أنا لا أحب أحمد بصوته العالي.
    “لا يبدو أن أسبابك مقنعة. وأحمد ليس سيئا. لماذا تكرهينه؟” حسن! لأنه يثرثر كثيرا كما أنه ينقل الكلام من شخص لآخر. أليس هذا كافيا؟
    “إنني أكره الناس الخطرين أمثاله”. وضحك قائلا “هؤلاء الناس هم حياة الحفلة وروحها، سامحيه هذه المرة ولا تظهري عدم سعادتك. لقد لاحظك المرة السابقة.”
    “ووافق أن يصحبنا اليوم؟ من يستطيع أن يعجب بشخص كهذا لا يستحي من شيء؟ قالت فيروزة بازدراء. «حسنا حسنا تحمليه اليوم فقط. لن أدعوه ثانية. إنه بانتظارنا على الشاطئ الآن». ووصلا إلى الشاطئ. وبمحض الصدفة، وبعد أقل من نصف ساعة منذ بدأت المجموعة الصغيرة بالتنزه بالقارب، ارتفعت سحابة داكنة وهبت عاصفة قوية وضربت موجة من الريح الزورق بعنف مما أدى إلى انقلابه. بعد ساعة، تمكن هو وزوجته من الوصول إلى الشاطئ بسلام، ولكن لم يعثر لأحمد على أثر. الكل اعتقد أنه قد غرق، أحدهم قال إن سمكة التهمته، وقال آخر لا بد وأنه قد فقد وعيه وأن الأمواج سحبته بعيدا. شعر بأن تلك الحادثة قد أثرت كثيرا على فيروزة. وقالت بصوت حزين تملؤه الدموع: واحسرتاها من كان يعرف أن أحمد سيفارقنا هكذا؟
    ظننت أنك ستسرين لما حصل، علق ساخراً.
    ” لم أكن عدوته”
    ولكن في اليوم التالي، عثر الصيادون على أحمد وهو فاقد الوعي. وقبل أن يحضره إلى منزله ليعتني به، تحدث إلى زوجته فيروزة أولا. رجاها قائلا: إذا لم تمانعي، فهل يمكنني أن أحضر أحمد إلى هنا سيعود إلى منزله بعد أن يتحسن وضعه، وأجابت فيروزة بعاطفة” أرجوك أحضره إلى هنا. تلك الحادثة في الماء قد غسلت کرهي له”.. وهكذا أحضر أحمد إلى منزله. ثم لا حظ أن الحادثة قد غيرت موقف زوجته تماما. في السابق، لم تكن تحتمل وجود أحمد، ولكن الآن أصبحت فيروزة تشعر بالسعادة وهي تلبي له طلباته. وفكر أن تلك الحادثة قد جعلت من أحمد شخصا يستحق العطف بنظر فيروزة. شعر يتشابه معین بین والدته وزوجته، حادثة مانو والآن هذه الحادثة في هذا السياق، فالمرأتان متشابهتان، وفي سياق آخر، فهما مختلفتان تماما. من يستطيع أن يتحمل امرأة لا تشبه والدته في بعض الأمور؟ لو كانت فيروزة تختلف تماما عن والدته، مثل اختلاف الليل والنهار، لكانت مقبولة. ولكن ما يحيره هو أنه على الرغم من تشابههما ظاهرا، إلا أنهما مختلفتان، واحسرتاه! ذلك سبَب صراعا، وزاد اضطراب قلبه. قبل حادثة اليوم ببضعة أيام، كان قد بدأ يشعر ببعض الحزن تجاه زوجته. لقد أحبها كثيرا، ولكنه في الوقت نفسه كان يحمل الكثير من الشكوى منها في قلبه. لم يستطع أبدا أن يفهم شكواه بطريقة عملية وكيف يمكنه ذلك؛ هو نفسه غافل عن أسباب تلك الشكوى. إذن كيف يستطيع أن يتشاجر مع زوجته أو يتذمر منها؛ وتذكر، في إحدى الليالي تجادل مع زوجته حول موضوع صغير، عندما استيقظ في الصباح شعر بتوعك. كان متأكدا بأن زوجته ستتلهف من القلق بسبب مرضه حتى إنها يمكن أن تدلك له رأسه. ولكن شيئا من ذلك لم يحصل. يومها رمقته فيروزة بنظرة غاضبة وقالت: حان وقت المكتب. انهض، تناول فطورك ثم اذهب.
    ولم يعرف كيف تلاشت سخونته وكيف اختفى صداعه. وفي دقائق كان قد استعد وغادر البيت. ولكن الأسى والكآبة جعلاه يتكاسل ويتراخى، بعد الظهر اصطحبه أحد أصدقائه إلى منزله. لعب مع صديقه الورق طول المساء وتبددت -كما يبدو- كآبته، ولكنه عندما ارتقى درجات سلم منزله، عاد له غضبه بلا وعي، وظهر بحر من الاكتئاب في عينيه. وبروح محبطة، مر بجانب زوجته وذهب إلى غرفته. ما بك يا حبيبي؟ تعال إلي! ترددت أصداء كلمات زوجته المحببة إليه في أذنيه المصغيتين. تتناسى كل شيء، وكان على وشك أن يسرع إلى زوجته لكنه أدرك أن ذلك لم يكن صوتها، وإنما صوت المذياع قادما من الطابق العلوي، كانت تمثيلية تذاع. وربما كانت أذناه قد سمعنا ما كانتا تتوقان إلى سماعه. ومهما كان ذلك الصوت، فإنه لم يكن صوت زوجته. ظل واقفا لا يتحرك، وغمره الاكتئاب. في اليوم التالي، كان يقف في الشرفة في الطابق العلوي، ينظر حوله. كان النهار مشرقا وجميلا، فجأة، ومرة واحدة، لا أحد يعرف كيف سقط إلى الأرض. وتركت زوجته كل أعمالها المنزلية لتكون بجانبه. نعم! بجانب فراشه. هكذا تحصل الحوادث.

    قصيدة: دعاء سويلم (شاعرة فلسطينية)

    يا رب أنا امرأة فلسطينية

    یا رب، أنا امرأة فلسطينية
    لا أحب الكعب العالي
    ولا ربطات العنق
    لأنني أعرف كيف يبدو شكل البشر من فوق
    أريد أن يكون الجميع أقزام
    بحيث لا أخاف أن يمسك أحدهم رقبتي
    وأنا أخلع حذائي.
    یا رب، هذا الصباح ليس لي
    البشر يستيقظون لأجلك
    للعمل
    لأولادهم
    لصباح الخير
    سأفتح لك صندوقي البريدي،
    انظر
    لا رسالة واحدة فيه
    تشجعني على النهوض.
    كل يوم أحسب المتبقي من الأيام
    أضع الكثير من الاحتمالات
    مثل الموت بنوبة قلبية من شدة الحزن
    أو الإفراط بشرب القهوة ظناً بأنها كحول
    أو أن تقوم القيامة..
    منذ وقت طويل لم يهجرني أي أحد
    ربما لكونهم خرجوا دفعة واحدة معاً
    فهم يحبون الوقت
    إني أفتقد لذلك
    أن أستيقظ لأجل مشكلة تحصل مع كل النساء
    لأجل خيبة جديدة.

    قصة قصيرة: إيزابيل إيبهارت (قاصة فرنسية)

    الغريمة

    في أحد الصباحات، توقفت الأمطار المشجية فجأة، وأطلت الشمس في سماء صافية صراح، ذات زرقة بالغة وقد اغتسلت من أبخرة الشتاء الباهتة.
    في الحديقة المنزوية كانت شجرة الأرجوان الكبيرة تمد أذرعها الموسوقة بالأزهار الوردية الصينية.
    إلى اليمين يمتد الانعطاف البادخ لروابي مصطفى وينأى في شفافية لامتناهية.
    كانت هناك شجرات ذهبية على الواجهات البيضاء للفيلات.
    هناك بعيدًا تنبسط أجنحة الزوارق النابوليثانية الشاحبة على موج الخليج الهادئ.
    تَمرّ نسمات مفعمة بالرقة في الهواء الدافئ.
    تقشعر الأشياء فجأة فتستفيق في قلب المتشرد أوهام الانتظار، والاستقرار والسعادة.
    ينعزل مع تلك التي أحبها وحبها قلبه في المنزل الصغير حيث تمر الساعات بلا إحساس في وهن سائغ، وراء المشربية ذات الخشب المنحوت، وراء الستائر ذاوية الألوان.
    في الجهة المقابلة كان الديكور الكبير للجزائر وهو يدعوهما إلى احتضار لذيذ.
    لماذا الرحيل، لماذا البحث عن السعادة في مكان آخر، والمتشرد يعثر عليها هنا؟ لا حد لها في ثمر البرقوق المتغير للحبيبة حيث يغوص بنظراته طويلًا، إلى أن تسحق كآبة الشهوة القصوى روحيهما؟
    لماذا البحث عن فضاء حين تنفتح خلوتهما الضيقة على الآفاق الفسيحة، حين يحسان أن الكون فيهما يختزل؟
    كان كل شيء عدا حبّه يبتعد…يرتدّ إلى موجات تنأى.
    يتخلى عن حلمه الداعي للفخر بالوحدة، يتنكر لديار الصدف، المخاطرة والطريف الصديقة، تلك الخليلة المستبدة، المنتشية بالشمس، تلك التي طالما أخذها وأحبها.
    استسلم بقلبٍ مضطرم ساعات وأيامًا لهدهدة إيقاعات النشوة التي كانت تخيل إليه أزلية.
    كانت الحياة والأشياء تبدو في مخيلته جميلة، فكّر أيضًا أن الآن وضعه صار أحسن، وقد غدا أكثر رقة في قوة سلامة جسمه المنكس، وطاقة إرادته الذاوية.
    …في الماضي، أيامُ المنفى وفي خضم السأم الساحق للمعيشة الحضرية في المدينة، كان قلب المتشرد يعتصر وجد لذكريات فتنة المشهد الساحر للشمسي على السهل الطليق.
    والآن وهو يفترش سريرًا دافئا في شعاع من أشعة الشمس الذي يتسلل من النافذة المشرعة، يمكنه أن يستحضر وبصوت خافت جدًا في أذنِ الحبيبة رؤى وطن الأحلام، ممزوجة فقط بالكآبة المبهمة الرقيقة كأنها عطر الأشياء الميتة.
    لم يعد المتشرد يأسف على أي شيء. إنّه لا يرغب إلا في تلك اللحظات السرمدية للذي كان.
    أسدل الليل الدافئ ستائره على الحدائق. صمت يخيّم، وتنهيدة عميقة تصاعد، تنهيدة البحر الذي ينام هناك المنخفض السحيق تحت النجوم. تنهيدة الأرض المفعمة بحرارة الحب.
    نيران تتوهج كاللآلئ على قمم الروابي الغضة. أخرى تناثرت على الساحل كأنها حبّات مسبحة ذهبية، وأخرى تشتعل كأنها عيون حائرة في مخمل ظل الأشجار الباثقة.
    خرج المتشرد وحبيبته إلى الطريق المقفرة إلا منهما، وقد اشتبكت أيديهما وراحا يبتسمان في الليل.
    لم يتكلما، ففي الصمت يتفاهمان أكثر.
    وصعداء المنحدر الساحلي ببطيء، بينما كان القمر ينبعث من بين أشجار الأوكاليبتوس على أولى تضاريس متيجة المنخفضة.
    وجلسا على صخرة.
    ينبعث بريق أزرق على الريف الليلي، وتهتز أرياش البلشون الفضيّة على الأغصان الرطبة.
    تفرّس المتشرد في الطريق طويلًا، الطريق الفسيحة البيضاء المسافرة بعيدًا، في المدى.
    طريق الجنوب
    واهتزّ عالم من الذّكريات في روح المتشرد التي استيقظت فجأة.
    أغمض عينيه ليطرد تلك الرؤى، وتشنجت يده في يد الحبيبة وهو يشدها
    لكنه، رغما عنه، يفتح عينيه.
    عشقه القديم للخليلة المستبدة المنتشية بالشمس يعاوده من جديد، كان لها بكل وجدانه.
    وهو ينهض، ألقى نظرة طويلة إلى الطريق للمرة الأخيرة:
    لقد كان موعودا بها.
    … دخلا ظل حديقتهما المفعم بالحياة وخلدا للنوم في صمت تحت شجرة الكافور الباسقة.
    فوق رأسيهما كانت شجرة الأرجوان تمد أذرعها الموسوقة الملأى بأزهار وردية تبدو كأنها بنفسجية، في الليل الأزرق.
    ينظر المتشرد إلى حبيبته الجالسة قربه.
    لم تعد سوى رؤية ضبابية مائعة وستنقشع في ضياء القمر.
    كانت صورة الحبيبة باهتة، بعيدا هناك بالكاد تنجلي.
    حينئذ أدرك المتشرد الذي لم يزل قلبه ينبض بحبها أنه سيرحل في الفجر، وانقبض قلبه.
    أمسك زهرة كبيرة من الكافور العاطر وقبلها كي يخفي شهقة.
    وراء الخط الأسود للأفق، كانت الشمس الحمراء قد تلوثت في بحر من الدم.
    وبسرعة انطفأ النهار، وغرقت الصحراء الصخرية في شفافية سوداء.
    واشتعلت بعض النيران في ركن من السهل.
    بدو رحالة مسلحون بالبنادق يهزون ستائرهم الطويلة البيضاء حول اللهب المضيء.
    يطلق حصان مشكول صهيله.
    رجل يجلس القرفصاء، رأسه إلى الوراء، مغمض العينين كما في حلم يدندن أغنية شعبية قديمة كئيبة حيث تتناوب كلمة حب مع كلمة موت.
    ثم صمت كل شيء في المدى الشاسع الأخرس.
    نائما كان المتشرد، قرب نار نصف مطفأة وقد تسربل ببرنوسه.
    متكئا برأسه على ذراعه، منهك القوى، استسلم إلى السكينة اللامتناهية في أن ينام وحيدا مجهولا بين أناس بسطاء وأجلاف، مجهولا حتى من الأرض، الأرض الطيبة المهدهدة، في مكان مجهول من الصحراء وحيث لا يعود أبداً.

    قصيدة: كزال أحمد (شاعرة كردية)

    الرسالة

    ترجمة: وليم العوطة

    على ورقة عادية
    أرسل القمر
    هذه السطور البسيطة إلى مسكن الشمس:

    “بعد كل هذه السنين من انتظارك،
    يحرجني
    أن أسأل:
    لماذا لا تتزوجينني”

    الشمس، عبر نجمة من النجوم،
    ردت:

    “بعد كل هذه السنين من الاختباء عنك،
    لا أريد إخبارك أنني:
    لا أجرؤ”.

    المترجِمة: ضي رحمي

    قصيدة علم النبات 101 للناجيات/ ميجي روير

    نبات الميموزا يشبه كثيراً
    نبات السرخس
    أحيانا يطلق عليه “لا تلمسني”
    ينغلق ويتدلى
    حين تلمسه راحة كف
    أو يستشعر حركة إصبعاً
    ثم يعود ويتفتح في غضون دقائق
    أخضر زاهياً
    مناطحاً الكون.
    أسموني، الوقحة
    أحيانا العاهرة
    أو المومس
    ولا مرة “لا تلمسني”.
    فرْجٌ فحسب
    هكذا يجب أن تكون النساء
    المرأة تحمل سكاكين في جيبها الخلفي
    مثل كل سالومي وأوفيليا
    كل بيرسيفون وديدمونة
    في هذا العالم.

    لكن بعد الفاجعة
    لم أكن جميلة
    ولا شجاعة
    ارتديت خوفي مثل حلقات دخان واسعة جدًا
    بحيث يمكن أن يخطو أحدهم
    داخلها
    وتبقى مساحة شاغرة لآخرين.
    دائما منغلقة
    لا أتفتح أبدًا
    دائمًا.

    ربما تعني الحياةُ شارعًا ممتدًا،
    تعبرُه كل صباحٍ، ودونما انقطاعٍ،
    امرأةٌ ما، تحملُ خبزها وبيتها في سلة.

    فروغ فرخزاد – صوت: بولا خليفة

    المترجِمة: يارا المصري

    قصيدة أنشودة النافذة الصغيرة/ شو تينغ

    ضع ورق الرسائل
    سر إلى النافذة المفتوحة
    لقد رفعتُ المصباح عاليًا
    لكي تستطيع أنت البعيد
    أن تراني.
    هبت الرياح مبكرا ونقّت السماء
    ولا يزال الليل يجمع بقاياه المتكسرة
    على طول الطريق.
    كل براعم الأزهار والأغصان الغضة
    لابد أن يغمرها صقيع الصباح
    مع أن بزوغ الفجر ليس ببعيد.
    أنفاس البحر
    اُحتجِزت بين الجبال
    ولكن قمم الجبال لا تتعمد
    الاستمرار في سلب شبابنا
    وتمهلها له حد على كل حال.
    أجبني، لا تبكِ
    وإذا شعرت بالوحدة
    قابلني عند النافذة
    لنتبادل ابتساماتٍ حزينة
    وقصائد مناضلة وسعادة.


    *أعد هذا الملف: عبير أحمد، موزة العبدولي

  • آنية الحرب – رشا مكي

    آنية الحرب – رشا مكي

    مخالب في كل مكان، وزعت على الأجساد والأرواح؛

    هلع لعين ينتاب البشر

    العالم وشمة صماء مرسومة على جباه الصخور.

    طبول الهرب تصم آذان الصغار.

     وأرحام الأمهات تقتل أطفالها.

     الأكباد على وشك الانقراض.

     ذكور عتال تلتهم الغسق،

    وبقايا النجوم بارقة في السماء.

     التاريخ يذهب في سبات؛

     في عناوين الأخبار

    وأوراق مزقتها الأقلام.

    في عذوبة الأنهار تذهب الشمس.

    العالم، يضرب أصابعه برصاص مدوي.

    تتلاشى عنه الأشلاء

    وبقايا المادة السوداء،

    ينتهي العالم ويختفي،

    لا وجود للسديم.

    اختفاء قسري لكل شيء.

    عالم يسيل وعالم يهدد برحيل.

    الأول في انتسال يقتل والآخر يهدد بالقتل.

    وهناك بعض الآذان.

    *نص: رشا مكي

    *لوحة: السعيد عبدالغني

  • سُعال – عبدالله ناصر

    سُعال – عبدالله ناصر

    كان جدي يسعلُ طوال اليوم كما لو أنَّ شيئاً قد عَلِق في جوفِهِ. كلَّما سَعَل تزحزح قليلاً ذلك الشيء ثمَّ عاد إلى مَكانه. هكذا يقول جدي. أما الطبيب، فيخبرنا أنَّ جدي أكثر عافية من أبنائِه، بل وحتَّى من أحفاده.

    كان يسعلُ حتَّى أثناء النومِ فيبدو كمن يلفظُ أنفاسَه الأخيرة. وحالما يفتحُ عينيه يتنحنح لدقائق، ثم يشتبكُ مع السعال، فيطرحهُ يمنةً ويسرة مثل رقَّاص الساعة. يشربُ الماء، ويعاودُ السُّعال بوتيرةٍ مُغايرة. يشربُ ويسعل، حتَّى يَنهك تماماً، وينام.

    كان سعاله يملؤني بالطمأنينة، لطالما فكَّرتُ بأنَّه سيكون كافيًا ليتراجع اللصّ، ويُغيّر وجهته إلى بيتٍ آخر. وبمرور الوقت صَار سعاله أقوى حتَّى بات يتردد في محيط قُطره ثلاثة أحياء سكنية، خلتْ تمامًا من حوادث السرقة. استعان بهِ رُعاة الغنم، فطَرَد الذئاب بعيدًا، وعلَّموا كلابهم كيف تسعل مثله بدلًا من النُّباح. وعندما عرض أحد التُّجار على جدي حِراسة مخازنهِ رَفض أبي بشدَّة مع أنَّ جدي بدا متحمساً للفكرة، ليس فقط لأنَّ العقد مُغرٍ، ولكن لأنَّه سَئِم الحياة الرَّتيبة للمُتقاعدين.

    زادَ سُعاله حتَّى أقلق راحة البَلدة. كلَّما فتحنا الباب، وجدنا أحدهم يتذمَّر من جدي، أو يُلقي علينا دواءً جديدًا للسُّعال، حتَّى تكوَّمت الأدوية عند الباب مثل أكياس القُمامة. وعندما نُفاتح جدي في الأمر يَشرع في البُكاء، ويقول إنَّه لا يُمكن أن يموت قبل أن يُخرج ذلك الشيء من جوفِهِ.

    تسلل فجرًا من البيت، ولم نَعُد نعرف عنه شيئاً. زعموا أنَّه عضَّ أحد الأطفال وأصابه بداءِ الكلب، حتَّى إنَّ أبي جاء بكمَّامةٍ وسلسلةٍ كبيرةٍ وقال: «سأحبسهُ في القبو حالما أعثر عليه». رُغم مضي ثلاث سنواتٍ على رحيلهِ. كلَّما سعلَ أحدنا، أجهَشَ أبي بالبُكاء.





    *قصة: عبدالله ناصر
    *من كتاب: العالق في يوم أحد

  • البنادق وحمالات الصدر –  عبد الله ناصر

    البنادق وحمالات الصدر – عبد الله ناصر

    كانت الحياة حلوة حتى انتبه الإنسان إلى عجزه عن الطيران. كلما حام طائرٌ في الهواء أخذ يقفز خلفه فلم يعرف من الطيران غير السقوط. كانت ساقاه تهوي إلى الأرض كلما رفعها، وللأمانة فقد كانت أكثر نفعاً على الأرض. تقفُ وتمشي وتعدو وتركب الحصان والنخلة والجبل.

    كلما غردت العصافير أو نعبت الغربان ظنّ الإنسان أنها تسخر من ساقيه العاجزتين وكتفيه المشعرتين بلا أجنحة فعاد تعيساً رغم كونه يعيش تلك الأيام أزهى عصوره الغرامية حتى بلغت السعادة بالرجل أن يتوقف عن اختلاس النظر إلى مؤخرة جارته كلما سنحت الفرصة. بل لقد كانت قدم المرأة على قدم زوجها حرفياً لأنه كان يحمل نهديها أينما ذهبت. لم تُعرف في ذلك الزمن الجميل حمالات الصدر حتى جُنَّ أحد الحمقى واخترع جناحاً أسماهُ ” بندقية “. لم تساعده على الطيران بالطبع لكنها أوقفت الطيور عند حدّها.

    انشغل الرجل بجناحه المشؤوم وترك نهدي زوجته يرعيان في الهواء الطلق حتى استثارا شهامة رجلٍ أرمل بادر إلى حملِهما براحتيه. مرّ الزوج ببندقيته فراعهُ ما رأى وأطلق النار في الحال على راحتي الأرمل فتناثرت أصابعه على الرمل.

    فقد الرجال عقولهم واخترعوا مزيداً من الأسلحة متنصلين من حمل الأثداء باستثناء رجلٍ وحيد حاول عبثاً إصلاح العالم فاخترع حمالات الصدر تكريماً لذكرى أصابع جدّه الأرمل.


    *نص: عبدالله ناصر

  • إلهُ الباب – نزيه أبو عفش

    إلهُ الباب – نزيه أبو عفش

    الآن، وقد غابت شمسي، أتذكَّرُني!
    الآن، وقد مالتْ أغصاني وتنكَّرَ قلبي لي، أتذكَّرُني.
    الآن، وقد أُقفِل دوني بابُ الأبوابِ وغادَرَني أصحابي
    أتفقَّدُني…
    فأراني أعْتَمْتُ وصرتُ وحيداً.

    والآن، وقد أَعتمتُ وصرتُ وحيداً،
    أنهضُ عن كرسيِّ نعاسي كالقرصانِ المخمورِ…
    فأشعِلُ قنديلي وأعلِّقهُ في سقفِ البيتِ.
    أُعدُّ رغيفي الحامضَ… وأرتبُ أقداحَ شرابي.
    أَنقلُ كرسيَّ الضيفِ إلى حيث يضيء المصباحُ جبينَ الضيفِ
    فينعسُ في السرِّ.
    أُعدُّ فِراشَ المرأةِ.
    أنفضُ – عمَّا نسيَتْهُ المرأةُ فوق الصندوقِ – غبارَ غيابِ المرأةِ…
    ثم أُلمِّعُ ضحكةَ عينيَّ وقلبي وزجاجاتِ نبيذي
    وأَقوم إلى حيث البابُ لكي أفتح بابي
    وأصلِّي لإله البابِ
    لعلَّ إذا صلَّيتُ له
    يَدْخلهُ “لاأحدٌ” ما.

    … … … … … … … …
    الآن، وقد أعتمتُ وصرتُ وحيداً…
    “لاأحدٌ” يأتي؟!…
    “لاأحدٌ” لا يأتي.
    … … … …
    … … … …
    الآن، وقد غامتْ شمسُ الناسكِ
    وانفضَّ ربيعُ المرأةِ
    وتفرَّقَ شملُ الأصحابْ…
    أدعو لإلهِ البابْ
    أن يسندَ شمسَ الناسكِ كي لا ينعسَ قلبُ الناسك…
    أدعو ألاَّ يخذلني، من خلفِ الباب، إله البابْ
    أدعو… وأَشُدُّ البابْ
    أدعو… وأشدُّ
    وأدعو.. وأشدُّ
    (لعلَّ…..)
    فلا ينفتحُ الباب…
    … … … …
    … … … …
    – هل من “لاأحدٍ” خلف البابْ؟…
    – ما من “لاأحدٍ” خلف البابْ
    محضُ هواءٍ أسودَ… وغرابٍ كذَّابْ
    يزعمُ أنِّي صاحبُهُ!…
    وأنا وحدي أنعسُ تحت القنديلِ
    (انطفأَ القنديلْ!…)
    خلف البابِ… أنا.
    قُدَّام البابِ… أنا.
    فوق الكرسيِّ… أنا.
    تحت النور… أنا.
    فوق سرير المرأةِ، فوق الصندوقِ، على الشرشفِ،
    قُدَّام المرآةِ: أنا… وأنا…!
    ونبيذي قُدَّامي
    والخبزُ الحامضُ قُدَّامي
    ورمادُ الضحكةِ والقلبْ…
    وغبارُ الأشياءِ يواسي فوضى الأشياءْ.
    فإذنْ ماذا أفعلُ يا ذا “اللاأحدُ” الكذَّاب؟…
    ماذا أفعلُ؟…
    أرفعُ كأسي
    كي أشربَ في صحةِ نفسي
    ثم أقولُ: تفضَّلْ
    يا ذا “اللاأحدُ”
    الواقفُ
    يتلصَّصُ
    من ثقبِ البابْ.


    * نزيه أبوعفش

  • الوقت مناسب للانتحار – أفين إبراهيم

    الوقت مناسب للانتحار – أفين إبراهيم

    الرابعة والربع بعد منتصف الليل
    الوقت مناسب جداً للانتحار
    ماذا يفعل وجهك على مقبض الباب
    كيف يستطيع التنقل بكل هذه الخفة من جدار لآخر
    دون أن يفقد ابتسامته المؤلمة
    الرابعة بعد منتصف الليل
    أبيع قلبك للعصافير العائدة من البكاء
    لصورة طفلي المعلقة على الثلاجة
    لجناح شيطان يحرس منزلي من السقوط
    ماذا يفعل وجهك على مقبض الباب
    كيف وصل الى هنا دون أن يتعثر بجثث الحب العملاقة
    دون ان يجرح فوضى الفراغ الذي يعبث بأصابع قدمي الباردة
    الرابعة بعد منتصف الليل
    أبيع قلبك لكأس من الماء بالليمون والقرفة
    لكمان قديم يذيب الشحوم والحزن المترسب في زوايا القلب
    لثلاثة خواتم اشتريتها في الخريف الماضي
    لزر كبير يبحث عن معطف خلعه الرب عندما كان عاشقاً
    عندما خلق لكل منا حفرة صغيرة في منتصف الصدر وسماها قلب
    الرابعة
    ماذا يفعل وجهك على مقبض الباب
    كيف يستطيع أن يبقى مسالماً وسط كل هذه الساعات الطويلة من الغبار
    آه إنه الخريف مرة أخرى
    البيت نظيف
    طفلي نائم
    أضع أنفي في رأسه الصغير فتخرج رائحة أبي
    تخطف وجهك وتشد يد العتمة التي قطعتها لك
    بعت قلبك
    بعته هذا المساء
    إنه الخريف
    الخريف مرة أخرى يا الله
    الرابعة صباحاً
    الرابعة والربع
    والوقت مناسب
    مناسب جداً للانتحار.

     


    *نص: أفين إبراهيم

  • بين استسقاء الهلاك واحتمالات الـ”قد”… ملايين الدموع التي ستبقى – مشاعل بشير

    بين استسقاء الهلاك واحتمالات الـ”قد”… ملايين الدموع التي ستبقى – مشاعل بشير

    تنهال تحليلات الجهابذة كانهيال دموع أمهات المحاربين، وزوجاتهم، وحبيباتهم وأولادهم. 

    هناك من يصلي صلاة استسقاءٍ للحرب، وآخرون من يناجون النووية، وشرذمةٌ تستعرض ذكوريتها بنكت سامجة.

    ليس مستغربًا انقسامُ الشعوب العربيةِ بين مؤيد لبوتين ضد الامبريالية، والفريق المناهض باسم المدنية، وبين من نصَّب نفسه ضميرَ الأمة فيحاسبُ كلَّ من سولت له نفسه التفاعلَ مع الحرب الأوكرانية و “نسيَ” القضية الفلسطينية. 

    هناك من رسم طريق الحرب العالمية وآخر بصَمَ أنها قاب قوسين أو أدنى، والجميع تغافل عن حقيقة أن هذه البقعة لم تشهد فترة استراحة وسلم، نسيَ لأن الشعوب العربية معروف عنها أمرين؛ الجهل وذاكرة السمكة. 

    جُلُّ ما أضحكني اليوم هو رسالة صديق يعرب عن رغبته في المحاربة في أوكرانيا. 

    ورغم تحليلات الجهابذة، لم يتوقع أحدٌ أن يرميَ الرئيسُ الأوكراني بدلته الرسمية ويرمي نفسه إلى ساحة المعركة، ولأننا غير مألوفين على هذا المشهد إلا في الأفلام والمسلسلات، قام جهابذة آخرون بوصمه بالممثل. 

    حسنًا، قد تنشب فعلا حرب عالمية – على فرض أن ما يحدث منذ ثلاثين عامًا كان نزهة في مدينة ملاهي – وقد يحصل مراد السوداويون وينتهي العالم على شكل سحابات نووية… قد… لكن أيضًا قد تتكبدُ روسيا خسائر فادحة وتضطر للجلوس على طاولة مفاوضات، وتتراجع الصين عن فكرة غزو تايوان بعد دراسة الخسائر الروسية على الأراضي الأوكرانية.

    أيضًا، وأكرر “قد”. 

    في الحرب، كل الاحتمالات مفتوحة، ساحةٌ بلا سقف،  ربما تصعيد لحرب عالمية ونووية، وربما سلم بغمضة عين.

    الخاسر الثابت والوحيد في الحرب هم المدنيون. 

    وسننسى، نعم سننسى وننشغل بمصيبة أخرى، هذا إذا كُتب لنا عمرٌ بعد أول وآخر قنبلة نووية. 

    ولا أحد سيمسح دموع الأولاد… الحبيبات… الزوجات… ولا دموع الأمهات.

    *تدوينة: مشاعل بشير

  • وصلةٌ كهربائيَّةٌ لإنعاشِ الوقت – فتحية الصقري

    وصلةٌ كهربائيَّةٌ لإنعاشِ الوقت – فتحية الصقري

    أَمشي على أطرافِ أصابعي
    بلا صوتٍ تقريبًا
    تُجاهَ الثلاجة
    لأنجوَ من تعليقاتِ الماضي
    وصدفةِ الأضدّادِ والحكاياتِ المُملَّة
    أَعرفُ أنَّ هذا الهواءَ المتلاعبَ بلهبِ الشمعةِ الخفيف
    سيُنهي حياتَه قريبًا
    لذلك أطردُ من بالي الآنَ فكرةَ قصيدةٍ تسيرُ مفتولةَ العضلاتِ في ليلٍ هادئٍ جرَحتْهُ الإضاءة
    الثلاجةُ أيضًا لم تستطعِ الصمود
    أمامَ انقطاعِ التيّارِ الكهربائيّ
    مثلَها مثلَ اللمباتِ الجديدةِ
    وماكينةِ إنتاجِ العصائر
    بحيراتُ الثلجِ تشكَّلتْ بسرعة
    مياهٌ باردةٌ بطعمِ الشوكلاتةِ الدَّاكنةِ والزُّبْدة
    تمرُّ ببطءٍ على أرضيَّةٍ متَّسخة
    لتسقطَ بكاملِ إرادتِها في فتحةِ التَّصريف
    لم يكنْ لديَّ خيارٌ آخَر
    المشاهدةُ والتأمُّلُ ووضعُ يدي على خدِّي
    دونَ المَساسِ بحياةِ أحد
    عَليَّ التعامُلِ يوميًّا لمدَّةِ عشَرةِ أيَّام
    مع وَحْدةِ صاخبة
    تبدأُ يومَها بالصُّراخ
    على النوافذِ المفتوحة
    على الباعةِ الجائلين
    وتُجَّارِ البضائعِ المُزَوَّرة
    على الصُّحونِ الفارغةِ في مَغسلةِ المَطبخ
    على أيدي الأشباحِ النَّزِقةِ التي تسرقُ المجوهرات
    من غرفةِ النَّوْم
    على الوقتِ الذي يخرجُ، ويتلاشى
    من فتحةٍ سِرِّيَّةٍ في الجدار
    على الوحشِ الذي يلتهمُ الدقائقَ والسَّاعات
    كما يلتهمُ المراهقونَ الهامبرجرَ ورقائقَ البطاطسِ المُقَرْمَشة
    على الكلماتِ المختبئةِ في صناديقِ المستودع
    مع الصراصيرِ والفئران
    على أدواتِ السِّبَاكة التي خرَّبها المطرُ الغزير
    هل يتطلَّبُ الأمرُ وصلةً كهربائيَّةً لإنعاشِ الوقت؟
    وحدة صاخبة
    تتسلَّلُ قبلَ الفجرِ بقليل
    لتَتمدَّدَ عاريةٌ في سريرٍ واحدٍ مع الخيال
    أَنسى أنه عليَّ أنْ أُغمِضَ عينيّ
    أو أُديرَ ظهري للجانبِ الآخَر
    أُحملقُ مشدوهةً بيدينِ مضمومتين
    كمَنْ يجلسُ على مقعدٍ في صالةِ السينما
    مُعجَبًا بمشهدٍ عاطفيّ.
    وَحدةٌ صاخبةٌ مجنونةٌ
    تعرضُ حياتَها وحياةَ الآخرينَ للخطر
    مَن ينقذُني؟
    هؤلاءِ الأولادُ المشاغبونَ يكبَرونَ بسرعة
    مُرِّي بلُطْفٍ أيَّتُها الأيَّام
    تَذكَّري أنَّ زمن العائلاتِ السعيدةِ قد وَلَّى
    تقدَّمِي بصمتٍ حُرّ
    يعملُ قنَّاصًا في الصباح
    ومُراقبًا في الليل
    مُرِّي بلطفٍ أيَّتُها العناوينُ المُبْهَمة
    لا يدَ لي في ما يَحدث
    ألعابُكِ المُبَعْثَرَة
    ألقابُكِ الكثيرة
    وجوهُكِ المتعدِّدَة
    كَوْمَةُ مَرْئِّياتٍ تفضحُ هشاشةَ المستقبل.


    *نص: فتحية الصقري

  • من فرنسا مع حبي – جان ماري لوكليزو – ترجمة: هناء خليف غني

    من فرنسا مع حبي – جان ماري لوكليزو – ترجمة: هناء خليف غني

    في الليل ناديتُ اسمكِ أوريا، زوجتي، وأنتم سميرة وجميلة وعلي أطفالي الأحباء. بدأتُ هذه السطور بأسمائكم وسأختمها بكم. أوريا زوجتي لأنكِ المرأة التي أحب أكثر من أي شيء آخر في العالم. عندما غادرت تاتا قبل ثلاث سنوات، تركتُ ورائي كل ما أحببته وعرفته منذ ولادتي، تركتُ منزل آبائي ومراتع طفولتي وذكرياتي، لم أكن أملك شيئاً لآخذه معي سواكم. كنا فقراء للغاية مما اضطرني إلى الرحيل. أخذتُ معي كل ما هو عزيز وغالٍ على قلبي: أسماؤكم وأولها اسمك عزيزتي أوريا. يا له من اسم جميل أكرره ليلًا ونهارًاً. إن ذكر اسمكِ يمنحني القوة ويدفعني إلى المزيد من العمل ويباركني.

    أوريا إن اسمكِ يلهمني ويغمرني بالسعادة حين أنطقه. لقد استوطن روحي وملأ عليَّ مسامعي وشغل قلبي ودخل مسامات جلدي وخلايا جسدي، أحياناً أشعر كما لو أنني كنتُ أحمله معي طوال حياتي. كلُّ مساء عندما أعود منهكًا من أوامر غوغيليو في الموقع الذي أعمل فيه، أدخل الغرفة في فندق رودي أتالي الذي أعيش فيه مع مالك، التونسي، وأتمدد على الحصيرة. لا شيء يشغلني سوى ذكراك التي تعيد شيئاً من صفاء نفسي وتوازني. فقدت اهتمامي بالتلفاز، ولم أعد أهتم بالضوء الأزرق المتماوج في الغرفة، ولا حتى بتلك الصور السخيفة، تلك الصور التي لن تكوني أبدًاً، عزيزتي أوريا، جزءًاً منها. بعد رجوعه من العمل، لا يفعل مالك شيئاً خلا مشاهدة التلفاز حتى يغلبه النعاس. إنه قليل الكلام ولكن لا يفوته شيء في التلفاز. إنه يشاهد المباريات الرياضية والأفلام والبرامج الحوارية- كل شيء-أحيانًاً أعتقد أنه سيجن من إدمانه المشاهدة.


    أغلق عيني وأنا أستلقي على الحصيرة قرب النافذة فيظهر طيفكِ أمامي أوريا. مالك لا يراكِ، أنا الوحيد الذي بإمكانه رؤيتكِ في هذه الغرفة الضيقة، فاسمكِ محفور في ذاكرتي. أنا في انتظار اليوم الذي سيجمعنا معاً مرة أخرى. اسمكِ مكتوب في جملة طويلة جدًاً، جملة لا حد لها، جملة تتحرك ببطء نحو الجانب الآخر من العالم حيث تنتظريني. عندها سيكون بمقدوري رؤيتكِ، أنا البعيد عنكِ في هذه المدينة وهذه الغرفة. في المدينة التي أعمل فيها الجو بارد شتاءً وخانق صيفًاً. الحصائر ملقاة على الأرض بلا اكتراث. حصيرة مالك مفروشة قرب الباب وحصيرتي قرب الشباك. في وسط الغرفة تمامًاً، ما زالت حصيرة سليمان ممدودةً. قبل أسبوع انهار الجدار الذي لم يكن متينًا في الموقع على سليمان أخو مالك، وبترت على أثره ذراعه اليمنى. لن يكون بمقدوره العمل ثانيةً. عندما خرج من المستشفى عاد إلى زوجته وأطفاله في تونس. مالك على الأقل تحدث عن ذلك، ثم واصل مشاهدة التلفاز والغضب يرتسم على قسمات وجهه. لم يكن أمامي سوى التساؤل عما ستفعيلنه، أوريا، لو حدث أمر مماثل لي، إذا عدت للمنزل بساقٍ أو ذراعٍ مبتورةٍ، ماذا سيقول أطفالنا؟


    أحب النوم قرب النافذة. في الأصبوحات الربيعية أستطيع التنبؤ عما سيكون عليه الطقس. بإمكاني الإصغاء إلى زقزقة الطيور ورؤية الأضواء في تاتا، الأضواء التي تشاهدينها بعينيكِ، أوريا. تاتا أحب ترديد هذا الاسم أيضًاً. إنه اسم يجعل الناس هنا يضحكون. إنهم لا يفهمون هذه الكلمة. خفضت صوتي معتذرًاً عندما قلتها لأنهم يجدونها مسلية، لأجعلهم يدركون أني لن أتمكن من تغيير طريقة لفظي لها. إنه اسم جميل، أوريا؛ إنه كاسمكِ يمنحني القوة والحياة. اعتدت أن أردد مع نفسي أسماء القرى والأسواق أيضاً. إنها كأسماء أفراد عائلتي. أسواق البرا وتزارت والخميس وايغو واميترك. أرددها وعيناي مغمضتان وأنا بقربكِ أوريا حتى لو لم تتمكن يداي من لمسكِ، حتى لو لم أتناول خبزكِ أو أشرب شايكِ.


    بقدرتي رؤية ابتسامتكِ وسماع همسات صوتكِ في أذني وأنت تغنين التنهيدة لوليدنا، الذي لم يأت بعد. بقدرتي رؤية تلألؤ عينيك المأسورتين برموشكِ المكحلة، بقدرتي شم رائحة شعركِ وأنت تمشطين في الصباح المشمس في الباحة التي تجتمع بها النساء. بقدرتي رؤيتكِ كما تعودت عندما كنت أختلس النظر إليكِ عبر ستائر النافذة في غرفة الرجال.


    تأتي الفصول وتمضي وأنا بعيد عنكِ أوريا، وعن أولادي وأحبابي. في الشتاء، يكون الطقس شديد البرودة في موقع العمل. فقط ذكرى صوتكِ وعينيكِ تبقيانني على قيد الحياة. لأجلكِ أُشيد صفاً تلو الآخر من الطابوق السميك، وأصب الخرسانة على القضبان الحديدية الصدئة وأثبت البراغي في أركان السقف وأسوي الجص على الجدران. اسمي عبد الحق واسم أبي ريبو وأمي خديجة. غوغيليو، رب العمل لا يتذكر اسمي أو ربما لا يود ذلك. إنه يدعوني أحمد. جميع العمال في الموقع يدعوهم أحمد. لا يهم ذلك. لأجلكِ وحدكِ أرفع المجرفة تلو الأخرى ولأجلكِ أنقل الأسمنت وأشيد الجدران يوماً بعد يوم وشهرًاً تلو الآخر. شيدت عددًاً من المنازل أكثر مما تحتاجه جميع عائلات تاتا. شيدت مدناً بأكملها وعندما أُدخر ما يكفي من المال سأعود إليكِ أوريا ولن أبتعد عنكِ أبدًا مرة أخرى.


    الشمس أحرقت بشرتي وجمد البرد أطرافي، وساقاي ترتعشان من حمل الطابوق والمجارف. تعودتُ على ذلك الآن. عندما وصلت إلى المدينة قبل ثلاث سنوات، كنتُ ضعيفًاً وحساسًاً مثل طفل صغير، ومع حلول المساء أكون شديد التعب ووحيدًا، فأستلقي على الأرض وأدع الدموع تنهمر من عينيَ. عشتُ في سكنٍ داخلي مع عدد من الأفارقة والتونسيين فوق إحدى البارات، ومصابيح النيون في الشارع ترسل شعاعًا دمويّ اللون إلى داخل الغرفة. ضوضاء السيارات تتعالى في الشوارع وكذلك صراخ النساء وأصوات السكارى وهم يلعنون الحظ والحياة. لم يكن ثمة أطفال ولا مشاهد مؤنسة. في ذلك الوقت بدأتُ بمناداة اسمكِ أوريا وأسماء أطفالي واسم تاتا. في ذلك الوقت تذكرتُ بشوقٍ أول يوم التقيتكِ فيه في بستان النخيل الكبير قرب النهر، يوم الاحتفال عندما كنتِ جزءًا من موكب الشابات اللواتي شاركن في حمل الطلع إلى زهور النخيل.


    كان الهواء منعشاً والتراب الذهبي يتصاعد نحو السماء، أتذكر ذلك بوضوح. ضج الوادي بالغناء والضحكات المرحة وبينما يمر موكب النساء أمامي رأيتكِ أوريا، واللمعان في عينيكِ غمر روحي. أدركتُ حينها أنكِ قدري، أنكِ ستكونين زوجتي. وفي الشتاء الموحش والقارص البرودة في مواقع البناء وأنا بعيد عنكِ، تلازمني ذكرى ذلك اليوم وتبعث الدفء في نفسي. إنها هذه الذكرى التي تمنحني القوة وتعينني على رفع الأحمال الثقيلة من الأسمنت والجص. حتى عندما يعم المكان السكون وتتلاشى الكلمات والابتسامات ولا نسمع سوى أوامر غوغيليو تتردد في أرجاء الموقع، وأصوات القواطع والمطارق والرافعات وهي ترفع المزيد والمزيد من الأسمنت والطابوق، وحتى عندما تمر الآحاد الخاوية على الشوارع المتربة الوحيدة والخالية من الأطفال حيث يترصد الأشرار ضحاياهم، تبقى ذكرى ذلك اليوم في وادي النخيل دائمًاً معي. أوريا، أُشاهدك في ذكرياتي وأنتِ ترتدين كامل زينتكِ ووجهكِ ويداكِ متغطيتان بالطلع الذهبي ولمعان عينيكِ يسكن عيوني لما تبقى من أيامي في هذه المنطقة الموحشة.


    *نص: جان ماري لوكليزو
    *ترجمة: هناء خليف غني

  • أخاف من قصائدك وتخاف من جسدي – جيلان صلاح

    أخاف من قصائدك وتخاف من جسدي – جيلان صلاح

    أخافُ من قصائدكَ
    أرى فيها بقايا حكايتنا
    وما فعله بها الرماد
    وتخاف جسدي
    تخشاه، تهابه، ترى الممصات خارجة منه لتجذبكَ فيه
    تحتمي بي مني
    فأفقد نفسي
    أقطع من جسدي قطعاً صغيرة لئلا تخاف
    تنساني ربما
    تحلم بغيري
    لكنكَ تقف عند جسدي موضع الشك والنكران
    تنكر أنوثتي البغي
    فأتوارى وراء جسدكَ
    أعتبره جَسدي
    ألبسه فوق حسومي وندباتي
    أتكئ عليه وأختبئ بين ثناياه
    امرأة خيبات لا بأس بها
    تجد في ذكورتكَ السلوى
    أتخيل أن لي أعضائك، أجزاءك الحارة التي يغطيها العرق
    أمنحكَ جلدي طوال الوقت فلا تشتهيني بل تشتهي نفسكَ في عيني
    أراك بعين قطة تلعق وليدها
    طلباً للحب والدفء
    أراك بعين امرأة يكسوها الكلف
    طلباً للاستشفاء من طفل أعيى جسدها
    لكنكَ تراني بعين طفل تاه في زحام العالم
    تعلق بإصبعين طلباً لمن يقوده
    أبحث فيكَ عن طفولتي
    عن عصا الآيس كريم
    عن حلمٍ أسفل بطانية دافئة
    عن قرقرةٍ صادقة في وسط الليل
    لكنكَ تمزّق جسدي
    في ثوراتكَ ورغباتكَ التي لا ترغب في وأدها داخل نيراني
    تراني كسيرة الروح، حرَّة من عبء جسدك
    لكن ذاكرتي مقيَّدة إلى الصندوق الأسود في روحكَ
    يخيفكَ جسدي
    فيخيفني ما تكتبه عن جسدينا إذ تلاحما في رقصة الشتاء
    ثم انفصلا، حصاني بحر عادا واستقاما بعد لهاث.


    *نص: جيلان صلاح

  • أنفاس الهايكو – أمجد ناصر

    أنفاس الهايكو – أمجد ناصر

    أنفاسُكِ المداويةُ
    مسَّت الهواءَ العليلَ
    فأبرأتْهُ
    هي نفسُها التي
    أدنفتني.

    **

    يدٌ عند ذي العرش
    وفي الأخرى الصولجانُ.
    المُلكُ كلُّهُ
    شهقةٌ وخيطُ ألم.

    **

    يدي التي رأتْ كلَّ شيء
    كتمتْ، رهبةً، ذكرى انزلاقها
    على استدارة الكون.
    أنفاسي هي التي بطيشها
    تنشر اللهب.

    **

    ليس ما يلوِّحُ للسِّوى فيمشونَ في هَدْيهِ لاهينَ
    بل ما مسّني بأنفاسه
    فطيّفني.

    **
    تبقى بعد أن تحرثَ الأنفاسُ بدني
    وتذروه
    ذكرى اليد احتفظت بمعجزةِ لمس
    جناح طائر الجنَّة.

    **

    تحت أنفاسِكِ المنوَّرة
    يرتاحُ الليلُ
    من عمل الظلمةِ.

    **

    لا قبلَ
    ولا بعدَ
    أنفاسكِ كان.

    **

    الكونُ تحت رحمة أنفاسكِ
    الجبابرةُ صاغرون.

    **

    لله درُّها
    تخرجُ الحيَّ من الميتِ
    والنهارَ
    من أبدِ الليل.

    **

    لستُ أستكثرُ
    على وجه الغَمْرِ
    تنشرُ أنفاسُكِ
    قلوعَ التكوين.

    **

    أنفاسكِ التي شبَقتني
    هي أيضاً مَن رفعني
    درجاتٍ فوق المُستَبقين.

    **

    يا لهذا العبير
    أنفاسُكِ، حتماً تنزَّهتْ
    في الناحية.


    نص: أمجد ناصر
    من ديوان: كلما رأى علامة

  • عندما يستعيرُ المجاز حبيبتي – حسين بهيش

    عندما يستعيرُ المجاز حبيبتي – حسين بهيش

    حبيبتي الأمارةُ بالسوء
    أنا لا أميلُ للخصر
    أُحبكِ هكذا بسيطة
    لا داعي لزر ثالث.

    البهجة، اللهفة
    هذه جذور النزق الطفولي
    وجذورُ الضحكاتِ التي لا أصلُ إليها
    التي ليسَ لها معنىً معروفاً.

    الأبجديةُ: فيضكِ الأّخاذ
    أتساءلُ أحياناً:
    هل أنتِ القتلُ البريء المُباح؟
    أم دُنيا من النساءِ والعوام
    فوالله لا أريدُ من هذا كُلهُ
    إلا رشفة واحدة.

    أُحبكِ لأنكِ قصيدة معجونة في الجنوب
    تحتَ أفياء النخيل
    ولأن الحبيباتِ مللنَ تشبيهات
    البحر، القمر، السماء، النجم
    فالبحرُ جف،
    والقمرُ انطفأ،
    والغيومُ فَرت،
    والنجمُ سقط الآن.

    لأنكِ تفيضين مجازاً
    وشعراً في قلوب الأنبياء
    فلا بُد أن يكون الحبُ أسطورةً غير مستعارة.


    *نص: حسين بهيش

  • طقوس The End  – سارة عزب

    طقوس The End – سارة عزب

    قصائدي التي أحاول نَثرها إليكَ، تقف على قدمٍ واحدةٍ، عرجاء في مشيتها – أو هكذا تبدو – تتحامل تارةً على جِراحها النازفة، وأحيانا تُنكر الألم الصادر عنها، وتواصل سيرها، وكأنَّ كارثةً لم تمر من هنا.


    أُقر بعجزي خشية أن أبتلع خيبتي فيكَ، رغم نضجي وسذاجة حبكتكَ، رُغم أنّكَ لم تكن فجعيتي الأولي ولا خساراتي الفادحة؛ إلا أن صعوبة ما بالأمر أجدها، ربما لمحاولتي في تخطيكَ كلياً كأنَّك لم تكن.


    سأكفّ عن تبرير الأمر وتحليله، فلم أعد أملكُ حزناً كافياً، أمنحه لروايتكَ الحمقاء..
    بالكاد أنجو منكَ كلَّ نهار، ثم أنهزم عند التاسعة مساءً، ألعنُ الوقت، وصوتكَ المُتراقص في مخيلتي كحبل نجاةٍ أخير، “أنا لا أريد النجاة عند حبالكَ الذائبة”، لا أملك مزيداً من العُمر يكفي لإهداره عند بابكَ الموصود..


    في آخر قصائدي.. كنتُ أطرد كلماتكَ، ألحانكَ، وكلّ ورودكَ الذابلة خارج غرفتي. بل كنت أنفض عني رائحة تبغكَ الرخيص، وتلك الندبة التي تركتها خلف أذني، والتي أصبغها كلّ ليلة بلون جلدي لتعود جزءاً مني، ويزول أثركَ تماماً، ثم أنظر لنفسي في المرآة بعد أن تنصّلتُ كلياً من غمامتكَ، وأهمس (لازال ضوئي أخاذاً بما يكفي لأن ينقذني من معانقتكَ مرة أخرى).


    أواصل طقوسي برذاذ (العود الأبيض) الذي خُلقت من ذراته، لأكتب قصيدة أتغزل فيكَ بها، وفي نهايتها أقتلكَ بدمٍ بارد، وأنا أتلو صلواتي المَطيرة وألعنكَ ثلاثة آلاف مرة، ثم أنظر إلى السماء، أغمض عيني، وأُتمتم: (آمين)!


    ستطهرني دموعي منكَ، كتائبٍ من ذنبٍ لا يُغتفر، قد أقلع عنه بندمٍ شديد.
    أعرف أن النزيف لن يتوقف، وأن الألم باقٍ – ربما إلى الأبد- ليُذكرني بدراما ندمي الأكبر على كلِّ مرةٍ منحتكَ فيها شيئاً من حياةٍ ولذةٍ، شيئاً من الأمل، ومذاقه!


    أنت.. كغيركَ من الجبناء، تتلذ بعذاباتكَ، آهاتكَ، وتمارس تلاوة قصائدكَ في الجحيم دون أن تعير النجاة اهتماماً، وكأنَّكَ شيطان خُلقت من نارٍ، وألمٍ ومعاناة.
    أنت موت بأرديةٍ متعفنة، وأنا حياة بكلِّ أزيائها الفاتنة.
    لذا – يا عزيزي – كان هذا حتماً عناقاً باطلاً، منذ اللحظة الأولى!


    *نص: سارة عزب

  • الباشقُ الذي كان ينقضّ على السلاحف (مختارات) – سيف الرحبي

    الباشقُ الذي كان ينقضّ على السلاحف (مختارات) – سيف الرحبي


    الباشقُ الذي كان ينقضّ على السلاحف

    الباشقُ الذي كان ينقضّ على السلاحف
    والأسماك في القيعان البحريَّة المثلّمة،
    وفي الكهوف والخلجان، أراه الآن
    يحوّم مع إناث خيالهِ
    في هدوء سماءٍ لم تعد تحلم بالنجوم والمفاجآت.
    سماءٌ خَرساء بمجرَّاتها الهَرِمة كأبراجِ مَدينة مَنكوبة
    وبرك تتموَّج تحت نعيقِ الغربان ومَفارش
    الخريف.
    على خَطْمه دمُّ المسافة
    الباشقُ، شقيقُ الهجرانِ الذي
    كان يَحتوي بمخالب حَنانه الفريسة
    ويضمّها كعريس يلتهم بها الفضاء
    والليلُ، مكلّلاً بمجدِ اضطرابهِ من فرطِ النشوَّة،
    هو الوحيد من غير صِلات تُذكر مع عائلات الجَّوارح،
    يحملُ في حناياه مزاجهِ المُتقلّب
    ويحمل عروس وحدتهِ كجوهرٍ استرَّده من مغتصبيهِ
    الباشق الشريد ، قنفذ المتاهةِ الذي
    لا يفصلهُ عن الأبد أرخبيلٌ قَزحيّ
    يتنزَّه في مرآة عدمٍ كَاسرٍ، عَدَمٌ
    يرتّب المكان والبشر والحيوات
    المُسرفة في الغواية.
    لا يفصلهُ عن الأبد إلا شُرفات
    مُحطَّمة
    وكنائس مَضفورة من ضُلوع المَوتى.




    محاولات فاشلة

    حاولَ أن يعصرَ عظامهُ في قصيدةٍ
    حاولَ أن يدفع لياليه المُوحِشة إلى المِقصَلة.
    لا يمكنهُ النوم لا يمكنهُ الكتابة
    لا يمكنهُ اليَقَظة.
    أشباحهُ تتقدَّم إلى الغرفة
    وتتمدد على السرير.
    صقورٌ تَرعى في عينيه بمسرَّةٍ
    قريةٌ بكاملها ترتجفُ في أحشائهِ
    وجدَ نفسه جُندياً في حروبٍ لا علاقة له بها
    وجدَ نفسه مايسترو لجيشٍ من المُتسكّعين.
    وربما لم يجد شيئاً، عدا رماد أيامهِ
    المُقبلة
    وحين أيقنَ أن لا فائدة
    حمل بندقيته
    وبرصاصةٍ واحدة ٍ سَقَط الفضاءُ
    صريعًا في الغابة.




    الغرباء

    من أين يأتي هؤلاء الغرباء؟
    يَتدفقون من كلِّ الجهات
    يقرعون الأرض بأحذيةٍ صَدئة
    على أفئدتهم يَربضُ ميراثُ الجَّفاف.
    من غير أملٍ
    وبكثيرٍ من الوحشة.
    الغرباءُ الذين ظنّوا في سالفِ الأزمان
    أنَّ لهم مكاناً على هذه الأرض.
    لم يعد يَعرفون العالم
    لم يعد يَعرفون أنفسهم
    إلا كقناعٍ في مرآة.
    الغرباءُ الجَميلون.


    هذا الوجه أين رأيتُه؟ أين صادفتُه؟

    هذا الوجه أين رأيتُه، أين صادفتُه
    في مهبِّ أحوالي ومعتركِ مَدائني:
    في الحلمِ أو اليقظة، في الشرق أو الغرب
    بأيّ ساحةٍ أو مدينةٍ وزقاق.
    في الدُّخان المُتصاعد من حَنَاجِر الغَرقَى،
    في المتوسّط وبحر إيجة، كازنتزاكي،
    يتنزَّه بين عظام الإغريق، في البحر الميت
    أو البحر الشمالي حيثُ القراصنة
    بلحاهم الصفراء تتطاير في البردِ والضَّباب.
    هذا الوجه المَوءود في قعرِ غرائزي
    في ظلام ذاكرتي
    أعرفه جيدًا، أعرف إيماءاته الرَّشيقة
    في الأثير، أعرف خطوته
    التي تُخبّئ الكنز، ذهاباً وإياباً
    من غير معرفةٍ ولا جَهل، حالة
    الخطر، المتدلّية من لهاة
    برق الجنوب المشرَّع على النافذة،
    يجعلُ ملامحه مُتلعثمةً وخَجِلةً كأنَّما نَزلَ
    للحظة من قريتهِ، مخضَّباً بالحنَّاء
    وجرسُ الصَّفارِد تحت الصخرة الكبيرة،
    التي دُفِنَ تَحتها غزاة لا هَويَّة لهم ولا
    أطماع، غزاةُ البراءةِ التي تَنبَلِجُ في فجر
    العاشق للمرَّة الأولى والأخيرة.
    وجهُ أمي الذي لا أجرؤ على النظَّر إليه
    كأنما أهرب من جنتي المستحيلة،
    الذابلة حتَّى التَّلاشي، جنةٌ لم تَكن لأحدٍ غَيري قبل أن يتصرَّمَ حبلها.
    وجهُ أبي، وجهُ المرأة التي أصبحتْ مجهولةً لا عنوان لها،
    وجه الوجوه، أسورة الفَيَضان؛ ليلُ المدينة -الذي ظلامه-
    من وجوهٍ تتدفَّق من الجهاتَ كُلّها،
    من النوافذ المُضاءةِ والمُغلقَة، من الحدائقِ والخَرائب والحَانَات،
    تنخلُ الجسدَ الوحيدَ على الأريكةِ التي
    طالها البلى وعبثت بها الرياح
    الوجوه حين تنفجر هكذا، دفعةً واحدةً فاتحة جدوَل النَّحيب.


    *نص: سيف الرحبي

  • امرأةٌ واقفةٌ في منظرٍ عارٍ (مختارات) – جويس منصور – ترجمة: عبدالقادر الجنابي

    امرأةٌ واقفةٌ في منظرٍ عارٍ (مختارات) – جويس منصور – ترجمة: عبدالقادر الجنابي

    امرأةٌ واقفةٌ في منظرٍ عارٍ

    امرأةٌ واقفةٌ في منظرٍ عارٍ

    النورُ الفجّ على بطنها المقـبّـب

    امرأةٌ وحيدة امرأةٌ ثريَّة بلا فجور ولا صدر

    امرأة تـُصيّتُ احتقارَها في أحلام بلا ضـجة

    سيكون الفراشُ جحيمَها.


    أنا عارية

    أنا عارية

    والمَنـُونُ تغرّد

    عارية تحت شعري المنتشر

    وعيناك الـشهوانيتان

    المحاطتان بطلي المِـينا

    تكتـشفاني!

    أنا عارية

    وغـَيْهَبُ ناصفةِ اللـّيلِ اللامحدود

    يفزعني

    لأن أحلامي المرصّعة

    فـي رأسي البدين

    تتخلى

    والمَنـُونُ تغرّد!


    أنّى تذهب

    أنّى تذهب

    أذهب

    الرأس مُجلـْبَبٌ بالدموع

    أنّى تـُصلّ

    أصلّ

    يا ليأس هذه الجدران النائمة

    شعبُك سيكون شعبي

    فراشُك أملي الوحيد

    إلهك سيكون إلهي

    وسرّتـُك

    مَجْثمي

    لأن جلدَكَ وحده أسود.


    لسان الحرباء

    سآتي عندك في اليوم الأربعين

    لأنّ أعضائي يبيّضُها غيابُك

    أنا مُتضوّرةٌ لأعدائك

    يَـشِينُني ضعفي إزاء حركات تمارُجٍ

    متفعونٍ أفعوانا شرهاً

    لكنت على قاب قوسين من الانتشاء

    لو لم يكن لي خوف من التقاط الرماد

    في بطن أمـّي

    في تجاويف تلاطم الموج

    في بُوز الكنيسة

    المتلألئ!


    رأيتُكَ

    رأيتكَ بعيني المغلقة

    تتسلق حائطَ أحلامك المذعور

    زلّت قدماكَ بالطحلب النائم

    عيناك تشبّثتا بالمسامير المتدلية

    بينما كنتُ أنا أصيح دون أن أفتح فمي

    من أجل أن يبوح رأسُك لليل!


    *نص: جويس منصور
    *ترجمة: عبدالقادر الجنابي

  • وجهك شاطئ – من رواية الضوء الأزرق – حسين البرغوثي

    وجهك شاطئ – من رواية الضوء الأزرق – حسين البرغوثي

    ليلتها، تسكَّعتُ طويلاً في الغابة، وعاودتني رؤيا النسر: سماء زرقاء أنا تحتها نسر رماديٌّ يحلق عالياً، ويطير مائلاً، بسرعة فائقةٍ، ويرى كلَّ جُغرافيا ذاكرتي، جُغرافيا سأعيدُ صياغتها كلَّها، ورآني النسر هنا، في ممَّرات الغابة، وحدَّقنا في بعضنا قليلاً، وبدا وكأنَّه يتأمَّلني، ثم واصلَ طيرانه، نحو ما لم أكنه بعد: فنَّاناً في إعادة تصميم نفسي.

    كنتُ أيامها أقرأ، للمرة العاشرة ، ربما ، كتاب «رأس المال» لماركس. وذهبتُ إلى بيت «بري» ليلاً، ولاحظ الكتاب معي فقال، وكنَّا قاعدين، في الصالون ، «يا رجل! الحياة ليست تركيباً منطقياً ألمانيَّاً. أقسم بالله سأكتبُ يوماً ما كتاباً عما تفعله الطوائف بالعقول».
    -«هل قرأت ماركس؟»
    -«نعم»
    – «ما رأيك فيه؟»
    – «ليس فيه يا رجل ، فالمعرفة لا شخصية»
    – «حسناً.. فيما كتبه؟»
    – «كتب ألغازاً يا رجل! درستها لأربع سنوات»
    -«هل فككت ألغازه؟»
    – «تعلمت منه شيئاً: ألا أفقد «حسي» العادي بالأشياء وبالعوالم الغريبة التي تسري روحي فيها، هذا نافع، أعني لا تفقد يا حسين حسّك العادي بالدنيا».

    – «وما هذه العوالم الغريبة التي تسري فيها؟ أي ، أين أنتَ الآن؟»
    – «لا جدوى مما لا حدس عندكَ بوجودهِ»
    – «أعني كيف يبدو لك عالمي؟»
    – «لا أعرفُ عنكَ شيئاً. فعمقُ البحر لا يعرف شيئاً عن شواطئهِ. وجهُكَ شاطئ».

    هزَّتني جملة «وجهك شاطئ». تخيَّلتني في مكانه، في «عمق البحر»، وأنظر نحو الشاطئ: وجهي. وصعقتني فكرة أُخرى: كانت تبدأُ مُطاردة البحرِ لي في حُلمي في بيروت، وأنا طفل صغير جالس على حجرٍ في رمال الشاطئ عارياً، وملابسي بيدي، وأُحدِّقُ في البحر مذهولاً وخائفاً. كنتُ أرى البحر بعيني الطفل دائماً ، ولا مرَّة جرَّبتُ فيها أن أرى الطفل بعيون البحر. كنتُ أرى البحر «رائعاً»، وأرى زرقته ، موجه، انفصام شخصيته، رماله، استداراته، وأراه يُطاردني، ولكن، لم أر أبدأ كيف «كان البحر يراني». و«وجهك شاطئ» جعلتني أرى الطفل بعين البحر.

    تخيَّلتني بحراً: في أقاصي ضبابٍ أزرق واسع فيه قوارب ضائعة، وموج يترامى مثل خيول من الزبد، بروعة يترامى، وفي كلِّ الجهات، ولكن الصياغة كلَّها حمقاء: كيف يقنع بحر بهذه العظمة والقوة نفسه بمطاردةِ طفل يحلمُ، أصغر من دمية بنت حمراء على شاطئه، منكمشٍ، عارٍ، وملابسه بيديه الصغيرتين ويخشى الموت غرقاً، كيف تقنع نفسها قوة الكون العظمى بمطاردتهِ؟

    بدأتُ أدخل في شبه غيبوبة، كمن نوَّم نفسه مغناطيسياً. وقلت: «بري.. لسنين، كان البحر يُطاردني، وكان وجهي شاطئاً».

    قال: «اسبر نواياه».

    إنَّني أسبرها: فأنا الآن أُحدِّقُ في نَفسي بعينِ البحر. اختفى جسدي الفيزيائي وصار البحرُ لي جَسداً، وأسري فيه روحاً في مدى. لستُ سمكة في البحر الآن، أنا البحر، «بري»!

    قال: «اسبر نواياه!». وفجأة، بدأتُ أرتفع، الزُرقة تنتفخ وترتفع، رويداً رويداً، وتغضب، ويعلو مَوجي في العمق، ويأتي من بطني، وأغواري، وكأني بطن أنثى حملت بقطيع أفاعٍ، وشرور، وينهار في الموج، لينتفخ البطن أكثر، وترتفع الزُّرقة: قد بدأ الفيضان وبيروت دمية!

    قال: «اسبر نواياه، حسين، اسبر نواياه».
    كلُّ هذا الغضب المكبوح، الفيضان، الرغبة في تدمير الدنيا، الجنون ، أنا وسطي لم يزل أزرق مشمساً، واسعاً، كلُّ هذا السطح، أنا تحت، سطحي من الشرور ما يجعل أمي تتمنى لو لم تكن قد ولدتني، أفتعرف ما معنى المنفى، «بري»، أفتعرف ما معنى المنفى؟ هذا الطفل الهش الصغير، الدمية الحمراء، في بطنه بحر! وفيضانات مكبوحة!
    قال: «اسبر نوايا الطفل، حسين، اسبر نواياه!».

    يغريه البحر أن يلتقي بنفسه، بغضبه الذي سنَّته عليه الآلهة والشياطين والقرون الماضية، كيف يقنع بحر نفسه بمطاردة طفل يا «بري»؟ وإلى أي مدى كان يحتاج الأمان ، إلهي! كم كان يلزم من القوة كي ينهش الناس قلبه ، كي يخلقوا بحراً كاملاً من الغضب في بطن طفل؟ لقد اغتصبوني حتى وصلوا قلبي يا «بري»، أنت من قلت لي عنك: اغتصبوني حتى وصلوا قلبي، وأنا أخوك!.

    كنتُ أبكي وأبكي ، ولم أعد أذكر بعد هذه اللحظة ماذا حدث. كنتُ أخرج من نوبة بكاء لأخرى. قال: «دموعكَ آخر شكلٍ للفيضانات: الآن البحر يرشح منكَ على هيئة دمع».
    ونهض وأخذ يغني ويصفق ويهتف وهو يدورُ حولي: «تعارف طفل الجبل الذي فيك والبحر الذي في ، وصرتما واحداً ، واتسعتَ، فطوبى لمن يتسعون».

    وأدركتُ أنَّ خوفي من أن تَنفصم شخصيتي وتقوم شخصيتي الثانية باقتراف جريمة لا تعرف عنها شخصيتي الأُولى، ليس إلا حدساً بالبحر الذي في بطني، والموج الذي ذابت فيه كالملح كلُّ غرائز التدمير التي خلقها الله أو عبيده فيَّ وأنا طفل، «شخصيتي الأخرى» هي هذا البحر نفسه. كنت أخشى الفصام لأنَّني كنتُ منفصماً أصلاً! كان البحر يطاردني لأنَّه أعمق وأصدق وأوسع شكلٍ عرفه غضبي، ونواياه تدمير العالم كلِّه.

    طفل الجبل على شاطئ البحر شمعة صغيرة مضيئة في الليل يا «بري»: إنَّها حاجة البحر للأمان . والبحر رغبة الشمعة في تحويل الكون إلى حطب وبدء الحريق الأعظم. والنتيجة طفل فيه هوج البحر وبحر فيه قلق الطفل. بدأتُ أَرَى الجنون، ويحلّ لمن يرى عمقاً كهذا أن يعيد صياغة نفسه.
    والغضب أبيض
    ولها وردتها
    تلكَ السيدة
    فلنعطها الكون!.
    كنتُ بئراً، ويحق لها، تلك البئر، أن تصبح الآن سُلّمًا.
    ولنعطها الكون.

    وسألتُ «بري» وأنا لم أزل أفيض كالبحر: «ما هو الجنون؟»
    «ألا تدرك نواياك من حيث إنها نوايا».
    قلت: «لم أفهم. كان يطاردني بحر بيروت في حلمي ، لسنين يا رجل، دعني أفهم هذا».
    – «عقلـي سكّين من الذهب صارت حافية وأنا أحاول أن أجعلك ترى نفسكّ».
    – «ولكنك تتكلم ألغازاً! ماذا أن أدرك نواياي من حيث إنهَّا يعني نوایا؟»
    -«يعني أن غضبك على الدنيا، غرائز التدمير فيكَ، خوفكَ من الموت غرقاً، حاجتك َللأمان، ليست إلا نوايا قلبكَ. ولكن عقلكَ لا يعرف ولا يفهم هذه النوايا ، هذا الذي تسميه «عقلك» لا يفقه شيئاً. قلبك عصر نفسه مثل ثمرة كبيرة ومُرَّة ، كلُّ مرارته في الدنيا عصرها في البحر، وذابت فيه كالملح، صار مذاق البحر مُرَّاً جداً. وهذا هو الفيضان: يحاول قلبكَ أن يأتي إليكَ، ويذيقكَ ثمرته السوداء، يريدكَ أن تشعر به، ويلاحقك ليعطيك البحر، ليقول لك: هذا المذاق المالح وهذه المرارة هي شعوري بالحياة ، وخلاصة عمرك!»

    -«وما الجنون؟»

    -«قلبك يأتي إليك متنكراً في هيئة بحر، فتعتقد أنَّ قلبك هو بحر بيروت. هناك بحران: بحر بيروت وبحر قلبك. الأول حقيقي، والثاني بحر نواياك. وأنت تجهل الفرق بين البحرين، وهذا جهل بنواياك من حيث إنهَّا نوايا، جنون يا رجل!»
    -«وما الضمانة ضد الجنون؟».

    أطرقَ طويلاً، وهو يلفّ لفافة تبغ ويبصق الفتات، وحل أثقل صمتٍ في حياتي، ثم قال: «الضمانة ضد الجنون ألا تنَوي أبداً».


    *نص: حسين البرغوثي
    *من رواية: الضوء الأزرق