المدونة

  • قبعة لينكولن – صالحة عبيد حسن

    قبعة لينكولن – صالحة عبيد حسن

    الميتروبوليتان
    نيويورك – نوفمبر 2021

    كنتُ أقف مباشرةً أمامه، إبراهام لينكولن البرونزيّ، ولسببٍ ما؛ كان ذهني يَرى قُبّعته في الحيِّز أعلى رأسه، لم تَكُن هُناك، لكنَّها كانت أمامي، كنتُ لألتفتَ لأحدِهم سائلةً إن كان يستطيع أن يَرى القُبعةَ معي لولا أنَّني كنتُ وحدي في قاعة الـ “MET” كنتُ أفكّرُ في الصَّمت الذي يَلفّنا معاً مُتقابلين أنا ولينكولن، أحركُ يدي أمامه، ويبقى له ذات الوجه الوادع مُحدّقاً في الفراغ، كنتُ أنا الفراغ في تلك اللحظة، وكان يَراني ويَتَجاوزني، وكلانا شَبَحان، اعتاد هو على الفكرة فاستكان فيها، وأَربكتني، فحرَّكتُ يدي بعصبية لكي ألمس تلكَ القُبعة التي لم تَكُن.


    فكرتُ حينها في يدكَ، في الحيّز الذي تقبض فيه على الفراغ بيننا، أفكرُ بأصابعكَ وهي تلمس الهواء لتمنحه البُعد اللازم حتّى يتَمدّد فيصلني، أفكُّر بيدكَ، وهي تبتر ذلك الفراغ لتشدّ على يَدي لأنتبه لعبورنا الشارع معاً، أشرُدُ كثيراً، تقول، وأُفكّر داخل فكرتي بشرودي، هل أفعل؟ أنتبه لسذاجة الفعل، فأضحك وَحدي، وتضحك بدورِكَ دون فهم، تتداخل الأصوات وتقتل الشرود والفراغ في اللحظة.


    هناك أيضاً، ذلك الفراغ الذي يفصلكَ عن الكمال، لتبقى مدركاً دائماً بشكلٍ أقل، مُمتن أنتَ في آنها لنقصكَ الذي لطالما كنتَ تخشاه، وممتنٌ الآن للحظة المُعطَّلة التي لطالما كنتَ خائفاً من أن تبقى عالقاً فيها إلى الأبد، لم أعرف كيف أشرح لكَ ذلك وأنتَ تتحرك بين الحشود المُتسارعة، كنَّا نعبر في ثقبنا الزَّمني الخاص، هناك تلاشت الجموع في الفَراغ، وبقيت أنتَ، مُلتفتاً نَحوي لكي أتحرّك أسرع، متحدثاً بحماسٍ وعصبيةٍ معاً، تطايرتْ حولكَ الأشياء، والمكان الذي كنا نعبر تجاهه، فقد قدرته على الانسجام مع الجاذبيَّة، كان خللاً طائراً وطارئاً معاً، وأحببتُ أنا ذلك لأنَّنا توحَّدنا في الرَّبكةِ.. أحببتُ خوفكَ من التيه، يُشبه خوفي الأبدي من التَّفكّكِ والهَشاشة.

    قلتُ لكَ بعدها:

    بثلاث قفزاتٍ
    ستصلُ إلى القمر
    وبثلاث قفزاتٍ
    ستحفرُ قبركَ
    في الذهن
    لأن أحداً لن ينتبه لكيانكَ
    ستكون دائماً في الحدث ذاته
    الحدث الجامد في الزمن
    مجرَّد مومياء ميّتة في فضاء
    التاريخ.
    بتر أحدهم الفراغ الضروريّ
    الذي كنت ستكتب من خلاله
    حكايتكَ الخاصة.

    في مطار شيكاغو، ودعتُكَ قبل أيام، كان الوَداع هو الفراغ بيننا في التاكسي، المسافةُ بين حقيبة يدي وحقيبة سفركَ الصغيرة، ثم الخطوات الهائلة العابرة بكَ نحو الضفَّة الأُخرى من العالم.


    *نص: صالحة عبيد حسن

  • أسباب الجَرح والتعديل – قاسم حداد

    أسباب الجَرح والتعديل – قاسم حداد

    من ملحمة: طرفة بن الوردة

    “طرفة بن العبد”

    1

    سببٌ أن في هجر بيتاً لأخبارها
    يتقصاه أو يصطفيه الجنونْ
    سببٌ أنني لستُ خصماً ولستُ عدواً
    سوى للسماء التي تهبط الآن حتى العيون
    سببي جارفٌ كي أرى بيتَ هجر سبيلي إلى الخمر
    أسعى وأمحو خطاي وأوقظ في هجر أطفالها كي تكونْ
    جرساً ناهراً للسكونْ

    2

    لستُ في حيرةٍ
    أنا جمر النهار والليل
    أعرفُ أن الرمادَ خطواتي وفي الكشف ما يَشِعُّ من الغدر أعرفُ كم أموتُ وكم أقتَلُ وكيف تفتك بي خطواتُ الرماد غير أن في الحيرة من الحوانيت ما يمحو عطشَ الروح، ومن الحانات ما يصقل ماء الجسد تهيأت قبل كلماتي
    وجدفتُ في حضرة الربّ كي يصغي لبوحي
    يصدق صلاتي ويصطفيني صديقاً له
    حيرتي أنني لستُ عبداً له
    لستُ في حيرةٍ
    تحللتُ من حصة الرمل
    حقي من الجمر والنارِ في خمرتي

    3

    فاضَ ظلمٌ عليها
    واستخفَّ بها الأقربون
    فانتهى زعفرانٌ في المزيج
    صمتٌ سيذبحني أنني لم أمتْ عندها
    وردةُ البيتِ، والبيتُ في الغدرِ في شهواتِ القتال
    فاضَ ظلمٌ على قدحي المُستريب
    فغنيّتُ في ليلٍ وردةً
    إني أموتُ بعيداً على دمعِها
    دمعُها سوفَ ينتابني كلما فاضَ عطرٌ على ضوئها
    ما الذي ينبغي أن أفعل الآن عبر الضَّجيج

    4

    لم أكنْ في مكانٍ
    ولا يسعُ الوقتُ وقتي ولم تنتظرني الأغاني
    رأيتُ القميصَ المُهلهلَ في العرش
    مزّقته بالكلام عن الشمس
    والشمعُ في الشمس مثلُ الأماني
    لم أكنْ في الفهارسِ أجَّلتُ خولة للعُرسِ
    لكنني لم أنمْ كي أهيئَ للحلم أسبابَه
    كنتُ في أول الليل يفتحُ لي بابه كي أموتَ بطيئاً
    أموتُ وخولة تفقدني في كتاب الأغاني
    كتابٌ سينسى دمي في الصباح ويغتالني
    لم أكنْ في القليل الأخير من النصّ إلا قليلاً من الصمت
    أملكُ أن أستعيدَ الرواية
    أحتالُ بالأبجديةِ
    بالمستحيل من النار بعد الرؤى الحالكة

    5

    هو الموتُ
    لكنَّني سوف أجتازه في رحيلي
    دَمي وردةٌ للخلود
    لمجدٍ تؤلفه الكلماتُ
    وللعشق جمرٌ يُنوّرُ بعض سبيلي
    هو الموت حبي بعيدٌ
    وأقرب لي شاهقُ الشعر مما يرون
    ويروون لي في الطريق الطويل
    أيُّها الموت يا هامةً كالصَّدى
    سوف تبقى تئجُّ وتبقى تضجُّ
    وأبقى بِحريةِ الحلم والمستحيل

    6

    تحررتُ من مقتلي في الكتاب وأطلقتُ بابَ السماء
    لتخرجَ كل النجوم
    تُعيدُ السديمَ وتمزجُ ضوءَ المجراتِ
    تمنح أخبارَها للخليقةِ من أوّلٍ
    تحررتُ حررتُها من كلام الحَلك
    تملكتها في المسافة بين الحقيقة والحلم
    ساءلتها قبل أن يستحيلَ الجواب
    أيُّها الحزن يا سيد الكون
    يا شاهداً عند باب السماء
    هل رأيتَ الدماء
    حيث سَمَّيتُ لك
    خطواتِ الفلكْ

    7

    أخرجُ من زرقة الجُزر المشتهاة راغباً هارباً للنجاة
    ففي كلِّ بيتٍ بنيتُ له نجمة ضللتني
    وفي كلِّ سجنٍ رسمتُ به حانةً خانني الندماءُ
    انتهيتُ
    اشتهيتُ
    حدودَ الحياة

    8

    أصلحتُ كأساً كي أرى بزجاجها طبيعة الوحش في الحيوان، فرأيتُ الشخص في غابةٍ يتشهى بها، يتقمّصها ويَخبُّ بها عابراً سنوات القرون الخمرة ذاتها صقلتْ لي المرآة وشفَّتْ عن بشرٍ يدَّخرُ النواجذ والأشداق ويتناسل ويمتد. وكلَّما انتخبتُ نجمةً في قدح انكشفتِ المخلوقات وفاض الإناء بالدم وسحقني امتحان العدم خمرة في مقام اللغة وتفعل فعلَ النبيّ
    تُعيد الخلق وتكشف السرّ
    وها أنذا
    كلَّما أصلحتُ كأساً جرحتُ الحياةَ وعَدَّلتُها.

    *نص: قاسم حداد
    *من ديوان: طرفة بن الوردة

  • الخوف ذئبٌ ينهش الانتظار (مختارات) – أحمد كتوعة

    الخوف ذئبٌ ينهش الانتظار (مختارات) – أحمد كتوعة

    خدوش

    سأفتحُ عيني
    الحلم قشعريرة
    أتوسّل الهواء أن يتجنبني
    لا حنين لرجفةٍ أخرى
    سأدعها مطمورة في الجِلد
    حتّى أرى عودتي بمفاتيح أكثر برودة من هزيمة الباب
    سأفتح عيني
    لأحصر أشقياء الليل في جُمجمتي
    وأدقق أيّهم شجَّ مؤخرة الرأس ودفن ثقلاً
    سأحمل نصف رأس وأخسر الحلم
    الممراتُ لن تسألني إن كنتُ داكناً كوحشة
    أم وحشاً يسحب الدبيب ويخرج
    النظرات التي تخطفني
    أيها كانت؟ الطمأنينة نائمة إلى جواري أتلمس شيخوختها
    الفأس
    الدفن
    العابرة
    وكيف أواري خدوشاً تركتني غابة تسيل
    من مسافة شجرة تتفحّصني
    لا ألقي تعباً رؤوماً يلوذُ بقدمي
    وهدة السير غبطة للحجارة
    الظلُّ لم ينتظرني
    حين جلستُ
    أسند قدميه إلى كتفي
    الشمس جيفة لا تعرف كيف تهرب رائحتها
    الحشائش أسماك صغيرة
    والسجائر علَّمتني أطيل النظر بوصتين
    وأترك للوجوه غشاوتها
    يتلبط النسيان
    وتُحرق المراكب.


    مخلب ينقض

    اخرجوا من رأسي
    لن تجدوا فازة آشورية مكسورة ولا أمشاط حجريَّة
    أريد هذه القيلولة
    المنام عجوز نتن
    المستنقعات دون جزيرة قمامة للوقوف
    الثلج يعبث بالخارج
    في منامٍ طويلٍ أمشّط شعر أسواق ملبك
    أدخل حانات بلا منافذ للخروج
    وأسمح لنفسي أحياناً
    أن تنظر في أقدام كثيرة تسير وتعرف كيف تعود
    الخباثات تهدّمت
    من كثرة ما أصحو في الظلام وأصطدم بالجدار
    العاشرة في مقهى للعاطلين
    المنام بقرة ضرعها صديد
    أحاديثهم مغسولة بالبيرة والدُّخان
    أراقب أزرة السترة كي لا تتفلتَ أعضائي إلى مقهى مجاور
    الريبة أخلصتْ، خامشتني في سرير خيبةٍ واحد
    بلغتُ معها لذة اللذة، ولما أزل مديناً لها
    أتحسس عضوها الرّطب بلساني
    كلّما شممتُ رائحة الآخرين
    المنام مخلب ينقض
    المزيد من الغفلة في الظلام
    يفتح موسيقى جنائزيَّة على المشهد
    من الطابق العلويّ
    أرى فظاظة ينجّرها الليل
    ويركبها الخارجون صباحًا.


    كالجبل

    أدركني الصباحُ
    مبتلاً بإيقاع طبولٍ بعيدة
    الأحلام أوصدت حاناتها
    وأنتِ تنامين بجانبي ببطنٍ كالجبل
    تذكّرت صالة السينما في جانب الرأس الأيسر
    والتي نحولها إلى مقهى بالنهار
    تذكرت معمل الألوان
    وحديقة الحيوانات الكسولة
    خلف قفص أحمله في جزئي العلوي
    تذكرت مرجوحتان معلقتان من كتفي
    ولم أتحرك
    لم أبحث عن شيء
    كان لا شيئاً سميكاً يحجبني
    رأسي يدور، رئتي مشوية،
    ورائحتي تصعد،
    تصعد كحجارة منفوخة بالأرق
    ولكن بطنكِ كالجبل
    والخوف ذئبٌ ينهش الانتظار.


    الشارع على حين غرة

    أمشي في الشارعِ لا أدركهُ
    إن كان أبيضَ أو أرجوانيًا سيضللني
    الشمس ليست حارقة لأمشي كمخمورٍ
    والهواء ليس سلكًا شائكًا لأخدش فيسيل الصديد
    أمشي إذًا لأمسح عتب الشارع بكعبي حذاء
    يتخفى صوته بين فظاظة العابرين
    شارعٌ يدركُ سرَّ خَطوي المتثاقل
    يعرف أن هذا المشطوف باللاجدوى مهيأ للانفلات
    وعاء بالٍ من القمح المسوَّس
    أحملُ كفّيْن ساهمتيْن ظلتا زمناً تدفع جدراناً خلفها جبال
    أمشي كمن يسمم الهواء بحضرتهِ
    لا أعرف من المشي سوى أطرافٍ تتأرجح،
    وشارع يلهم عابريه المَقاصد،
    نهايته بحيرة
    تطبخ فيها الأسماك
    والعابرون أعشاب
    تعلق بين الصخور.


    *نصوص: أحمد كتوعة
    *من ديوان: كما أشاء

  • الكلُّ يبحثُ عن الطريق.. حتّى الهواء – حسين بهيش

    الكلُّ يبحثُ عن الطريق.. حتّى الهواء – حسين بهيش

    الطريق إلى

    في بداية المجهول
    كان الطريق يرتجفُ مثل شجرةٍ مَائلة
    والغابة تَطوي نفسها
    مثلَ برقيَّةٍ للباحثين عن شيءٍ يُؤكل
    كان الدليلُ غيمةً والرداءُ قمراً من صوف
    والحلمُ توتاً بريّاً
    اشتدتِ الريحُ الباردة وصار حفيف الشجر مخيفاً
    لمحنا قطرة ضوءٍ من الكوخ المطلِّ على النهر
    سماءُ الشمال غافيةٌ في حُضنِ العشب اللامع.
    تركضُ غزالةٌ،
    يبكي طائرٌ،
    سربٌ راقص من الفراشات.
    الكلُّ يبحث عن الطريق حتَّى الهواء.


    الظهيرة في آب

    الصيفُ العنيدُ لا يدفّئ روحي الباردة
    إنَّما يُلوّث جو العناق
    يضيّق عبورَ اللهفة
    فيخرجُ من فمِ الحسرةِ أنينُ قُبَلٍ
    تمشين أمامي بثوبكِ القَصير الضَّاجِ بالفِتنة
    تقفين أمام المرآة
    ثمَ تُمشّطين روحي على كتفيكِ
    روحي التي هربتْ من جَسدي ليديكِ…
    مثلَ تحيَّةٍ عابرة.

    لأنَّ الصيفَ عنيدٌ وطويل
    أريدُ امرأةً مخلوقةً من جميع الفصول

    ليلعبَ بنا الخيال كما يشاء…

    إلى أن تَمرّ غيمة تشبهُ زَندكِ
    أُلوّحُ لها كمن ضاعَ في حُضنِ نهر
    شَمَّ شَعركِ ولم يعد
    فصار موهوب ضياعٍ،
    موهوب غرقٍ.


    *نص: حسين بهيش

  • رحيلٌ بلا دموع –  جون دون – ترجمة: فردوس مسعود

    رحيلٌ بلا دموع – جون دون – ترجمة: فردوس مسعود

    كما يَرحلُ الأتقياءُ بهدوء
    هامسينَ لأرواحِهم بالرحِيل
    تاركينَ أصحابهم بين مُودِّعٍ
    ومُعارضٍ

    لِنذب بهدوء، بلا ضجيج
    بلا دموعٍ ولا تناهيد
    ودعي حبنا سراً مُقدساً
    لا تدنسُه التُّرهات

    إنًّ الزلازل توجس خيفةً فينا
    ويحسَبُها الضعيفة قلوبهم عقاباً منزلاً
    واهتزازات الأجرامُ السَماوية مهيبةٌ
    لكنَّها بريئَة

    إنَّ الحبَّ البشري
    حبٌ حسيٌّ، لا يطِيقُ الفِراق
    يتلاشى وينْدثر
    عندَ افتراق الأحباب


    لكن حبَّنا السماويَّ متفردٌ
    حبٌ مطمئِنٌ
    حبٌ لا يكترثُ إن فُقِد فيه الجَسدُ

    رغمَ أني راحِلٌ عنكِ
    أرواحُنا سَتبقى معنا
    لن تفترقا
    ستتسعُ المسافاتُ بيننا
    تماماً مثلما يتمدَّدُ الذهبُ المنصَهر

    إنَّ روحينا
    مثل ساقيِّ فِرجار
    روحُكِ الساقُ الثابِتةُ
    لا تتحركُ إلّا إن تحركتْ الأُخرى

    رغمَ ثباتِها في المنتصفِ
    لكنَّها تصغي وتُذعنُ
    حتى تعود ساقها الأخرى

    هكذا يجب أن يكونَ حُبنا
    كالتقاء ساقيِّ الفرجار
    ثَباتُكِ وسكونكِ
    سيكملُ دائرتي
    ويجعلني أنتهي حيثُ بدأتِ.

    *نص: جون دون
    *ترجمة: فردوس مسعود

  • فقط لو يدكِ – بسام حجار

    فقط لو يدكِ – بسام حجار

    يجعلني مطمئنًا، ما يُبعد عني اللآنَ خوف الليلِ ورعشةَ كائناتهِ الغريبة، أنني حين أنام أعلم أنني أذهب إلى يديكِ. لم أعد أَضِلُّ الطريق إليهما.

    الرحلة طويلة وشاقة في المسافة بين النافذة والسرير؛ كنتُ أخافُ لأنني لم أكن أعلم إلى أين يفضي بي النوم كلّ ليلةٍ. كنتُ أعلمُ أنه ليس موتاً، ليس يقظةً، بل يقظة الموتِ في خرافاته الملوّنة.

    إلى أين يذهبُ جسمي في النوم. إلى أين تذهب عيناي. لكنني الآن حين أصل إليه أعلمُ أنني أجدُ وسادةً لرأسيَ المتعب، لجسمي الضئيل.

    صغيرتان يداكِ، لكنهما تتسعانِ لجسمي لشدّة ما صار قليلاً، لشدّة حضوركِ في غيابي. لا أخاف الآن أن يأخذني حلمٌ رمادي إلى هاويةٍ لا قاع لها، أعلم أن راحةَ يدكِ اليمنى تفتح لي بابًا إلى ضوءٍ قرين، وأن وجهي يحفظُ، كحريقٍ، ملمس راحةِ يديكِ اليسرى. هل كنتُ غائبًا إلى هذا الحد، أعني لا أجد من يدلّني إلى نومي. من يمسكُ بيدي، ويدلّني بين صحاري الأرق الطويل. الآن أعلمُ أنني أغفو حين يخطر لي أنّ يداً، لكِ، تلوّح لي بصباح آخر. فأنهض بإشراقتها، حين تفتح لي النافذةَ وتمسح النومَ عن عينيَّ فأعلمُ أنني، أخيراً، أحيا، لأنها توقظني كلّ صباحٍ. ليستْ يَدكِ. مروحةُ الأصابع الناعمة، لمسةٌ خفيفةٌ كالسماء، من التجاعيد التي في جبيني، إلى الورم الداكن تحت عينيّ. ثُمَّ دائرة الفم التي ترسمينها لابتسامة ما، ثم خطَ العنق حتى أعلى الصدر. أعلم الآن أن وجهي لا يضيع بين الوجوه، أنني، كلما أعود أستردّ قسماته كأن أصابعك إذ تتلمس الملامَح تصنعها وجهاً أعرفه، وجهاً اعتدت عليه بعد أن أخذته المرآة في الصباحات السابقة، بعد أن ألغاهُ التعب.

    يجعلني مطمئنًا أن يديكِ تقتربان. وأن لمستهما تستيقظ الآن في جسمي الذي كنت أحسب أنه مَيت. أو أنه استلقى لشهور في نومٍ مجرّد. يمرُّ به كل شيء دون أن يغادرَ حيادَه. جسم أصم. جسم أبكم. ثم أتت يداكِ. رسمت شكلاً من طينة الضجر وكنتِ بعضاً من رقتها. من الحنان الذي يصنعنا ويجعلنا قابلين لأن ننكسر إذ نفتقده. إذ نحيا في غيبته الطويلة. الآن أعرف إلى أين أذهب، حين تضعني الحافلة على رصيف الازدحام، أو حين تأخذني الغرفة إلى الأفكار السوداء. أعرفُ ما الذي أفعلهُ حين أحسبُ أنّ الوقتَ لا ينقضي، أنام وتأتي يداكِ في الحلم، أو يأتي الحلم في يديكِ. لأنني أحسب في نومي أنَّ يديكِ تحلمان بارتباكِ مَن يجعل الطمأنينة لمساً، من يجعل اللمسَ يقظة الغياب.

    هلّا وضعتِ يدكِ الصغيرةَ على قلبي لكي تزولَ عنه الصحراء. لكي تهربَ الذئابُ منه وصدى قِفارها. لكي يرحلَ العنكبوتُ الذي يتنفّسُ في رئتي، لكي يغادرني الخدرُ الذي ينتابُ أشياء الرفوفِ والأدراجِ فأحسبُ أنني منها، لا يخلّصني من الغبار إلا صباحُ الخادمةِ بأرياشها الاصطناعيةِ ورقعتها البليلة الساحرة. هلّا لمستِ بإصبعكِ صمتَ الغرفة، التي تغرقني بهوائها الفاسدِ وأشباحِها التي تتدلى من السقف والجدران. أعرفُ الآن أنكِ إِذ تلمسين صخرة صدري يستيقظُ نبضٌ فأخرجُ من وقتيَ الحجريّ إلى وقتكِ الرطب. وأعلمُ أن يدكِ هي الخرافةُ التي انتظرتها وصدّقتُها ولشدّة ما صدّقتُها أصبحت تأتي إلى نومي وتسهر عليه. لذلك لم تعدْ تأخذني حفرةُ النوم. لم تعد تأكلني ذئابُ النومِ، حين أسيرُ متعباً إلى سريري وأهَبه جسمي، حين أستسلمُ إلى مجهولِه.

    لم أعد أبكي حين أراقبُ المطرَ يهطل في ليل العالم الذي يتّسع وراءَ النافذة. لم أعدْ أرتجف خوفاً حين أستيقظ في الليل. وأرى أنني وحدي. بِتُّ أرى الليل ظلاً ليديكِ، يغمرني ولا أضلُّ فيه والمصابيح ذكرى من لمستِهما الخفيفة. كأنّ ضوءاً يتبعُ إيماءةَ اليدِ التي تمسحُ نومي بماء الدعةِ. وأعلمُ أنني بتُّ أبتسم كلما صادفتُ الوحشَ الذي كان يفترسُ في الحديقة حلمي الوحيد. الآن بتُّ أرى أن أفلاكاً تتقاطعُ في الخطوط التي تتلاقى في راحتكِ الزهرية. كأن السماء يرسمها خطّان في راحتكِ، سماء قليلة لكنها تكفي لكي لا يموت العالم من الوحشة، لكي لا تلسعه الأفعى. فقط لو يدكِ كانت هناك.

    الآن أعرف لماذا كنتُ أبكي ولماذا كانت الهاويةُ التي أسقطُ فيها تشبه صفحةً بيضاءَ وخطّان في أسفلها ونجمة بالحبر الصيني، ومع ذلك تلمعُ. ولمعانُها كان يعذبني. كان يكفي أن ترفعي، بلمسةٍ رخامَ النوم الثقيل. وأن تأخذني يداكِ، قليلاً بمقدار ما أحيا. كان يكفي أن تمسحي شفتيَّ بطرف سبابتكِ لكي لا يعذّبني النُّطق.

    *نص: بسام حجار
    *من ديوان: فقط لو يدكِ

  • الموتُ ثلاث مرَّات (من الشعر الكردي) – كرمانج هكاري – ترجمة: بدل رفو

    الموتُ ثلاث مرَّات (من الشعر الكردي) – كرمانج هكاري – ترجمة: بدل رفو

    رحل عنا الشاعر الكردي “كرمانج هكاري” في مطلع عام 2022م

    هذه المختارت تخليداً لصوتهِ وحضورهِ

    الحلم والسنابل

    ذاك الرجل…
    كرديُّ أصيل، ومشرَّد
    ينافحُ البطالةِ
    وكلّ يومٍ يموت
    ثلاث مرات
    ومنذ زمنٍ طويل
    هو والفقر توأمان
    وحين يُرخي الليل سدوله
    وحين يحلُّ السهاد
    ويكسو جفونه الكرى..
    حينها ..
    يحلم بالسنابل
    أجل، إنَّه الآن ذاك الرجل بعينه
    لا ينتفضُ
    ولا يعتصمُ
    ولكن! في نظراته
    شعار الرَّفض ساطع.


    فنان ولوحة

    في الشرق المتوسط
    المضمَّخ بالدموع والدّماء
    فنانٌ..
    رسمَ صورة طير الدولة
    على لوحةٍ
    وحين فرغَ منها
    بكى…!
    ورفّ بجناحيه وحلَّق
    صوبَ الغرب
    صوبَ الغرب.


    صلاة الاستسقاء

    شتاءً.. هذا العام
    لا ضبابٌ يُقبل من سفح
    وادي(قه شه فر)*
    يتصاعد
    ليهطل المطر
    ولأجله يبتسم
    سهل (دوبان)
    لا الفقر ..
    يهجرُ كوخ ( سيف الدين)
    إنه الصباح..
    الشمس أيقظت فلّاحي قريتنا
    وأخذتنا صوب المِقبرة
    لصلاة الاستسقاء..
    ينادي فلاحٌ بصوتٍ جهوريّ
    صوب الجموع
    لا ندري لم نصلي؟
    أللسقيا؟
    أم للماء؟
    أم للنور والكهرباء؟
    أم للظلم والجور؟
    أم لموت الخونة واللصوص؟
    أم لقبر حرب الأخوة؟
    لا ندري ولا ندري!

    *قه شه فر: قرية تقع في جبل بيخير في سميل


    الفارس المرتجل أبداً

    ألِفَت الأسماكُ
    ألّا تقع في شِباك صيادي
    نهر (هيزل)
    والقبح ألِفَ أيضاً
    ألا يقع في فخاخ
    الصيادين
    ولكن..!
    أنتَ أيا أيُّها الفارس
    آهٍ وآهٍ
    أصحيحٌ ما يرددون
    بأنَّ الفارس لا يغدو مغواراً
    حتى يكبو فرسه
    لمراتٍ ومرات
    ولكنَّك تسقطُ وتسقط
    ولا أدري متى ستثبتُ
    على متن (الكميت)
    ولا تهرب صوب الحدود!


    الكلمات تصومُ أيضاً

    بالأمس ..
    بعض الكلمات
    التي قِيدتْ من رجليّها،
    ولُفّت بالأسلحة والعتاد
    كانت تُراودني،
    تجوبُ مخيّلتي
    وتُنادي:
    بشعارات الوحدة
    والاستقلال ..
    وكانت هذه الكلمات
    في تزايدٍ
    مستمر ..
    الكلمات صائمة ..
    تلبس ثوب الحداد…
    قررتْ ألا تُغادر
    عزلتها!
    حتّى أجعلها،
    قصة
    خاطرة
    قصيدة
    حينها..
    قمتُ بزيادةٍ فتيل
    القنديل
    وصُغتها
    قصيدةً حرة
    أسميتُها…
    الكلمات الحلوة
    والثملة.


    *نص: كرمانج هكاري
    *ترجمة: بدل رفو

  • عزفٌ مُنفرد – ياسمين صلاح

    عزفٌ مُنفرد – ياسمين صلاح

    قُل لي ما صوتُ قلبكَ حين يتكسَّر
    أقل لكَ من أنت
    مُنذ يومين سمعنا صوتَ دهسٍ
    لا سيارة، لا طريق
    فقط ضوءٌ أحمر ينبض
    بأسى نَعوهُ: كان قلباً حَالماً!


    جاري الذي كان يحبُّ من طرفٍ واحد
    تعوَّد أن يكوي قلبه مع بنطاله
    حاولتُ إقناعه أنَّها لم تخنه حين أحبَّت غيره
    لكن صوت الشِّياطِ هزَّ خلاياي


    البائعُ الذي مرَّ بجانبي
    قلبه بملابس ممزقة وسيجارة في يده
    يُنادي على بضاعتهِ بسعرٍ أقلّ
    البنتُ الهادئة
    التي تركب معي الميكروباص
    تؤذي أذني كلَّ صباح
    بُحَّ صوت قلبها من الصُّراخ
    والمريض الذي بين يدي الآن
    لا أستطيع إنقاذ قلبه
    صوت النباح أطولُ من يدي
    التي تخيط الجِلد


    في غُرفة العناية المركزة
    تزعجني أصواتُ أجهزة التنفس الصناعي
    فكرتُ مرَّة في فصلها خِلسة
    استمرَّت الأصوات
    كانت القلوب كلّها غاضبةً من الوِحدة


    قلبي حين يُحدّقُ عبر النوافذ
    له صورة الركض في الريح
    حين تعصره الشَّفقة
    يَعوي بلا انقطاع
    حين يستضيف الفرح
    يرفع يديه الصغيرتين ويُهلل
    حين يقضمه الحزن
    لا تسمع غير السُّعال الجاف
    حين يثقلهُ الحبّ
    ترفعه قُبلات الماء وهو يَغرَق.


    عضلاتُ صدري مُمزَّقة الأوتار من فرطَ العَزف
    أصواته متفاوتة الحرارة تخبزُ عجيني
    لا وقت للاختمار
    ولا الشمس تُحرق وجهي
    أطليه بالأنين
    وأطوي اللونَ فوق اللونِ
    ثم أغمضُ عيني
    وأتحسَّس طَريقي إلى الأبيضِ البدائيّ
    وصوتٍ وحيد
    لطفلٍ يُناغي


    *نص: ياسمين صلاح

  • سيرة حصاة – مهدي محسن

    سيرة حصاة – مهدي محسن

    سقطَتْ من العرشِ
    حينما اهتزَّ لعصيانِ إبليس،
    تعثّرَ بها الشيطانُ
    وألقمَها فمَ آدم،
    تقيّأها آدمُ أمام كهفٍ بعد أن نزلَ إلى الأرض،
    قابيلُ تعثّر بها فحطّمَها على رأس هابيل،
    حواءُ كي ترى دمَ ابنِها قدحَتْها بضلعِها
    فتولَّدت من الشرارة جبالٌ،
    وانتشرت السلالةُ الملعونة.


    نحتَ البدائيونَ منها بيوتاً،
    رسموا كلَّ شيءٍ على الكهوف،
    صنعوا أكواباً وصحوناً وقلائدَ لنسائهم،
    وحراباً لبَقْرِ بطونِ الحوامل
    وذبْحِ الكائناتِ في البرّ والبحر،
    يطلقونَها على السماء لجلبِ المطر
    ويغرزونَها في الرؤوس
    لتحطيم الصورِ
    والذكريات.


    تناقلتْها الدياناتُ،
    أصبحتْ حجراً أسودَ يُقبّلونه
    وحجارةً صغيرةً يرمونَ بها الشيطانَ،
    الأبَ القديمَ للنارٍ والتراب.
    يستخدمُها البشرُ لقتلِ بعضهِمْ بعضاً
    ويدافعونَ بها عن أراضيهم
    فيصنعونَ منها الحصون
    ويحطّمونَ بها جماجمَ الأعداء.


    تبتلعُها التماسيحُ
    لتهضمَ البشرَ
    ثمّ تتقيَّؤهم كغذاءِ للأسماكِ،
    الأسماكِ التي سيأكلُها البشرُ في ما بعد،
    يختلطونَ جميعاً كفضلاتٍ في المجاري
    أو يتحلّلونَ -بعد أن كانوا جثثاً- في التراب؛
    الترابُ سليلُ الحجارة،
    نبي الولادةَ والقيامة.

    كتبَ بها جلجامشُ
    وبنَى بها الفراعنةُ والمايا الأهراماتِ،
    نادَى بها العشاقُ
    العشيقاتِ من النوافذِ،
    واستخدمَها العرّافُ
    والمنجّمُ والفلكيُّ والتائهُ في الصحراء.


    يستخدمُها الوثنيُّ للعبادة،
    يستخدمُها الجلّادُ للتعذيب،
    يتحزّمُ بها الجائعُ،
    يربطُ نفسهُ إليها،
    المنتحرُ في النهر
    كي لا ترتفعَ جثتُه بعد أن يُغيّرَ رأيه.
    كان اسمُها حجرَ الفلاسفة
    وحجرَ الصبر،
    تحكي له المخنوقةُ
    حتى يتفتتَ من الحزنِ ويتكلم.

    الحجارةُ،
    تشتعلُ في رأسِ تايسون
    وتنفجرُ في يدهِ.

    الحجارةُ،
    ليتها أوقفتْ عربةَ الطفل
    على الدرجِ الطويل
    في فيلم “المدرعةِ بوتمكين”.
    الحجارةُ / الصخرةُ
    كانت بلا وزنٍ في لوحاتِ “ماغريت”
    مرة تطارد غيمة،
    مرةً تجلسُ أمامَ نافذة،
    ومرةً معلقة بين البحرِ والسماء،
    أكرهُها
    التفاحةُ التي أخرجتْ آدم.


    ماغريت
    ليته أبدلَها بحجارةٍ في وجهه.

    الحجارةُ/ الحجارةُ
    ليتها لا تُثقلُ القبورَ بعد الآن،
    ربما الميتُ يخرُجُ، يرى اسمَهُ أمامه
    فيموتُ ثانيةً،
    الاسمُ مؤلمٌ، الاسمُ دليل.

    سخّرها الربُّ في السماءِ
    لتضيء،
    وقد تصطدمُ ببعضِها
    فتخترقُ الأرض.



    يُقال إنّ ما سيحرقُ الأرضَ
    حجارةٌ من الجحيم،
    قد تكونُ شموساً حمراءَ
    تنفجرُ،
    أو شيئاً أعظمَ
    أو حتّى أصغر!.


    *نص: مهدي محسن
    *من ديوان: تتدلى الرقاب

  • الكورونا تلعب الشطرنج – محمد فاهي

    الكورونا تلعب الشطرنج – محمد فاهي

    1

    هل تلعب كورونا الشطرنج
    حين تدفع في كلِّ دور
    سلالة جديدة
    إلى الأمام؟


    2

    وهل تزرع كورونا
    في هذا البين بين
    حقل ألغام؟


    3

    أيعني ذلك أن الحياة أصبحت مهدَّدة
    بأقل من نُقطة
    على سطر؟


    4

    أية سرديَّة مكممة
    وخائفة
    وقليلاً ما تنسى كآبتها؟


    5

    أنصبح عراةً
    عندما نخلع الكِمامة
    ليس إلى حدِّ الفحش
    ولكن إلى حدِّ الخطر؟


    6

    هل هو عهد جديد
    يبدأُ بكمامة
    تأخذ حمام شمس
    على حبل الغسيل؟


    7

    الحياة بكمامة على الوجه
    أيعني ذلك
    أن يكون الموتُ مُحدقاً
    مثل منجل
    والإنسان في سهوهِ
    مثل وردة
    استيقظتْ للتو؟


    8

    أيعني ذلك أن يحفّ بالمرء قوسان
    أينما حلَّ وارتحل؟


    9

    الأجدر أن تفتح قلبك الآن
    لكلِّ الكلمات الباحثة عن مأوى
    الأجدر أن تفتح كفّكَ
    وتحكه حكَّاً
    ثمة، في الدغدغة
    سلام أحبة قادمين
    كما تقول الجدة.


    10

    ماذا سيحدث للذكريات
    لو بقيت بلا صور؟


    11

    أتوجد حياة في الأشياء
    كالرسائل تُودع في أظرفة؟


    12

    وهذه النحلة
    هل جاءت إلى فنجان القهوة
    لتشاركني الأنخاب؟


    13

    كم زهرة تتفتح
    قبل أن تشرق
    البرتقالات؟


    14

    أنا لا أتبعُ القطيع
    أنا أتبعُ بوصلتي.


    15

    بالظلِّ والثمرات والخشب…
    هل خُلقت الشجرة للوحدة؟


    16

    ما بين شفتيك والنهاية
    كتاب ل”باولو كويلهو”
    عنوانه “عشر دقائق”.


    *نصوص: محمد فاهي

  • أتوقُ لأن أجعل من نفسي قُرباناً – أليخاندرا بيثارنيك – ترجمة: فاطمة إحسان

    أتوقُ لأن أجعل من نفسي قُرباناً – أليخاندرا بيثارنيك – ترجمة: فاطمة إحسان

    أن ننظرَ ببراءةٍ، قبل كلّ شيء.
    كأنَّ شيئًا لم يحدث
    وهو أمرٌ صَحيح.

    ***

    II

    لكن أنتَ، أودُّ أن أنظرَ إليكَ حتّى يهربُ وجهكَ من خوفي، مثل طيرٍ هاربٍ من الحوافّ الحادةِ لليل.

    ***

    III 

    مثل فتاةٍ مرسومة بطبشورة زهرية على جدارٍ قديم جداً

    تجرُفها الأمطار فجأةً.

    ***

    IV 

    مثلما تتورَّد زهرةٌ وتكشف عن قلبٍ ليس موجوداً.

    ***


    كلُّ حركةٍ من جسدي وصوتي تتوق لأجعل من نَفسي قُرباناً،

    الباقة التي تتخلّى عنها الريح على الشُّرفة.

    ***

    VI

    ظَلّلي ذكرى وجهكِ بقناعِ من ستكونينها

    وأخيفي البنتَ التي كنتِها ذات يوم.

    ***

    VII 

    الليلةُ التي تناثر فيها كلانا مع الضَّباب. هذا هو موسم الأطعمة الباردة.

    ***

    VIII 

    والعطش، ذاكرتي مكوَّنة من العطش، وأنا أسفله، في القاع، في الحفرة، شربتُ، أتذكَّرُ ذلك.

    ***

    IX 

    أن تسقطَ مثل حيوانٍ جريح، في بقعةٍ كان ينبغي أن تكون للنبوءة.

    ***

    كأنَّه لا يعني أيّ شيء، لا شيء، فمٌ مُطبق، والجفون مخيّطة، وأنا نسيت.

    الريح في الداخل، كلُّ شيءٍ مغلقٌ والريح في الداخل.

    ***

    XI 

    تحت الشَّمسِ السوداء للصمت، احترقتْ الكلماتُ على مهلٍ.

    ***

    XII 

    لكن الصَّمت حقيقيّ، لهذا السبب أكتب. أنا وحيدة وأكتب.

    لا لستُ وحيدة. ثمَّة شخصٌ هنا.. يرتجف.

    ***

    XIII

    حتَّى لو تحدثت عن الشمس والقمر والنجمة، فأنا أتحدث عن الأشياء التي تحدث لي. وماذا كنتُ أتمناه؟ تمنيتُ صمتاً مثالياً.

     لهذا السبب أتكلم.

    ***

    XIV

    الليل منحوتٌ على هيئة صرخة ذئب.

    ***

    XV

    لذَّة فقدان الذات في الصورة المُتخيّلة. أنهض من جُثَّتي، وأذهب للبحث عن هويّتي. 

    مهاجراً من نفسي، رحلتُ باتجاه الشخص الذي ينام في بلادٍ من الريح.

    ***

    XVI

    سقوطي اللامتناهي في السقوط اللامتناهي، حيث لم ينتظرني أحد – لأنَّني عندما رأيتُ من كان ينتظرني لم أر أحداً غير نفسي.

    ***

    XVII

    شيءٌ ما كان يسقط في الصمت. كلمتي الأخيرة كانت “أنا” لكنني كنتُ أتحدثُ عن الفجر المتوهّج.

    ***

    XVIII

    تشكّل الأزهار الصفراء دائرة للأرض الزرقاء.

    يرتجف الماء، مُمتلئاً بالريح.

    ***

    XIX

    العمى النهاريّ.. طيورٌ صفراء في الصباح.

     يدٌ تفكُّ تشابك الظلّام، ويدٌ تسحب شعر امرأة غارقة لا تتوقف أبدًا عن الذهاب عبر المرآة. للعودة إلى ذاكرة الجسد، يجب أن أعود إلى عظامي التي في الحِداد، يجب عليّ أن أفهم ما يقوله صوتي.


    *عنوان المختارات: ممراتُ المرآة
    *نص: أليخاندرا بيثارنيك
    *ترجمة: فاطمة إحسان

  • مُنتصف الليل – مريد البرغوثي

    مُنتصف الليل – مريد البرغوثي

    مقطع من قصيدة (منتصف الليل)

    الآن، في أرض ليست هي الأرض
    أتذكّر – والمرء يتذكَّر ما لم ينسه أبداً –
    أجراساً بيضاءَ
    ممسوسةً بذهب الضُّحى
    أم أنَّها الزهور
    في حديقة البرتقال والليمون
    رنّت على آذارِ أغصانِها؟
    تقولُ، ما الفرقُ!
    أنا سمعتُ صوتاً يلمع
    جذَبني من قميص “الأول الابتدائيِّ”
    ناداني وحدي إلى الحديقة الصغيرة
    دخلتُ من بابها لاهياً
    وفجأةً
    دختُ من رائحةِ الزهور!
    ولولا ذراع جدّي
    سقطتُ في إغماءةٍ من لذةٍ وموت.
    (هناك دائماً يدٌ لولا انتباهُها نموت!)
    فضحتَنا!
    أيقتلكَ البرتقالُ يا ولد؟
    وقال لي/
    كأنَّه قال لي:
    ستعرف كيف تَعشقُ امرأةً يا ولد!
    وستكتبُ شعراً كعبد الوهاب!
    من هو عبد الوهاب يا جدي؟
    هو مجنون القرية،
    لم يفعل إلا الشعرَ،
    ولم يترك إلا الشعر!
    وقال لي –
    كأنَّه قال لي:
    لن أطمئن عليكَ أبداً!
    كانت الغيوم درجاً هابطاً
    من مركز السماء
    كان التراب من قهوةٍ وهال.
    كان المذياع الخشبيُّ أحدثَ الاختراعات،
    (يذيع ما لا نفهم)
    فركتُ ورقة البرتقال
    بين كفّيّ
    فركتها لأشمَّها كما نُصحت
    وفي طريق يدي إلى أنفي
    أصبحتُ لاجئاً، بلا وطن!


  • مترو – أسماء عزايزة

    مترو – أسماء عزايزة

    ألبَسُ جاكيتاً رِجّاليّاً ذا جيوبٍ داخليّة
    هناكَ خبّأتُ السيجارةَ التي ستكونُ بعدَ قليلٍ سيجارتي الأخيرةَ في برلين
    أحبُّ جاكيتاتِ الرجال، لأنّها تَملُك جيوباً داخلية
    على عكس أصحابها الذين يُقطّبونها خوفاً من أن يرى الحبُّ عوراتهم


    غرقتُ يوماً في جيوبكَ الداخلية، ولم أنجُ
    بلعتني ثقوبُها السوداء، إلى أن أشفقت عليّ الحياة، وأخرجتني
    كما سأخرج بعد قليلٍ هذه السيجارة
    التي ستكون لحظتي الأخيرة في التفكير بمأساة أن نولَد هناك
    في الجنوب
    وأن نلفَّ حبالَ سُرر أمهاتنا على رقابنا، كأنّها أكاليل أعراس
    دون أن نشعر بأننا نمشي إلى الوراء


    أمشي إلى الوراء، وأنفخ على شموع كفافيس
    فأصنَع منها، مثله، خطّ أفق الماضي الأسود
    لم يقل كفافيس شيئاً
    لم يقل شيئاً عن الدخان مثلاً
    عن الرماديّ
    البين بين
    عن لون وجهكَ الذي يصير ماضياً، ثمّ حاضراً
    ثمّ ماضياً سحيقاً، ثمّ حاضراً مثل جِلد السحالي
    لم يقل شيئاً عن دخّان سيجارتي
    التي ستكون بعد قليلٍ
    بعد أن يتوقّف المترو في المحطّة الأخيرة
    سيجارتي الأخيرة فوق الأرض


    لكني لا زلتُ تحت الأرض
    بل
    لا زلنا كلّنا تحت الأرض

    تحت
    الأرض
    مونولوغ بائع المجلات في المترو، الملحّن الثّابت المتكرّر مثل شريطٍ مشروخٍٍ
    يدخل أذني، أنا وهؤلاء الغرباء، بذبذباتٍ متجانسة
    فوق
    الأرض
    سيَذوب صوته بين الجموع
    وربّما يصير أغنيةً شعبيةً بعد قرنَين

    تحت
    الأرض
    عاملات الحرير اللاتي لم يرينَ الشمس
    وأنا أقرأ عنهنّ بعد قرنَين
    تحت الأرض أيضاً

    فوق الأرض سيصير الحرير مجرّد قماشٍ أخرق
    سنصير نحن كذلك مجرّد بشرٍ
    دون معارك أو آلام
    وقد ننتحر من الرّفاه المفرط


    تحت
    الأرض
    الصوت المجهول الذي يقول بالألمانية:
    رجاءً، ادخلوا
    رجاءً، قفوا بعيداً
    يقولها بعدد المرّات التي تتوقّف فيها قطارات المدينة كلّها
    تخيّل كم سيكون هذا الصوت الآن أليفاً!
    تخيّل كم سيكون الآن أقرب منكَ!


    فوق
    الأرض
    سيختفي صوتي الذي قال “أحبُّكَ” بعدد المرّات التي ضغط فيها البشر على الزّر الأخضر في هواتفهم

    سيختفي الحُبّ، كما سيختفي سواد الليل دون أن يترك أيّ أثرٍ
    سوى في ريش الغربان

    نحن سكّان “تحت” الأرض
    نرشّ الملح على أصواتنا حتّى نحفظها من الحرارة
    نحفَظ أغانينا وجثث أحبّتنا الذين صاروا أسمدةً في الحروب
    حتّى وإن خرجنا
    سنظلّ ننمو بعروتها كالطّفيليّات

    نحن الغربان الذين سننعق في بطن الحياة هنا دون نهاية

    هل تسمعوننا؟



  • ضفَّة النهر – فدوى سليمان

    ضفَّة النهر – فدوى سليمان

    ضفدعٌ يأكلُ اليعاسيب
    ضفَّة النهر
    لقلقٌ أكلَ الضفدع
    الذي أكلَ اليعاسيب
    ضفَّة النهر
    نسرٌ انقضَّ
    على اللقلقِ
    الذي أكلَ الضفدع
    الذي أكلَ اليعاسيب
    في ماءِ النهر
    سمكةٌ أكلتْ سمكةً
    ضفَّة النهر
    إنسانٌ اصطادَ السمكة
    التي أكلتْ سمكة
    ضفَّة النهر
    يأكلُ الإنسانُ السمكةَ
    التي أكلتْ سمكةً من صغارهِ
    قُرب النهر
    دفن الصّغار أباهم
    الذي اصطادَ السمكة
    التي أكلتْ سمكة
    مات مختنقاً بالحسكة
    في القبرِ قُرب النهر
    أكلتْ الديدان جسدَ الإنسان
    الذي أكلَ السمكة
    التي أكلتْ السمكة
    فوق التراب وقُرب النهر
    أكلتْ العصافير الديدان
    التي أكلتْ جسد الإنسان
    وراحت تُغنّي
    ضفَّة النهر
    اصطاد إنسانٌ العصافيرَ التي أكلتْ الديدان
    وجلسَ يتأمَّل جمال ضفَّة النهر
    والضفَّة الصامتة.


    *من ديوان: كلما بلغ القمر

  • إلى امرئ القيس في طريقه إلى الجحيم – سركون بولص

    إلى امرئ القيس في طريقه إلى الجحيم – سركون بولص

    لي جمرٌ
    لهذه الليلة
    ثمة مدفأةٌ أبسطُ نحوها يديّ
    وأصغي إلى عاصفةٍ ترود في الظلام كضبعةٍ شبِقة
    عويلها الفاجعُ لم يعد يُطربني..
    أصغي
    لكي أسمع الصحراءَ تُغنّي
    وليس صهيل أميركا المُتعالي كألف حصانٍ جريحٍ
    من حولي، إلى عصرٍ آخر سفّتهُ يدٌ قويَّةٌ في الرمل
    في ذلك الفم الفاغر للزمن حيث الأطلال
    دائماً بانتظار
    المناسبات
    بسَقْط الَّلوى. بين الدَّخولِ فحَوْمَلِ. إنَّها دائماً هناك
    إنَّها دائماً أصواتٌ ومن التيه إلى التيه
    تثرثرُ الريحُ في ودياننا كامرأةٍ هَرِمة لنا بها علاقة رحيمة
    ولا نريدها
    أن تموت
    في الغرب كنا أم الشرق نضرب واحداً
    بأسداس الثاني ونقول
    «ضيّعني أبي صغيراً» أجل ضيّعني ولن أستريح
    «اليوم خمرٌ، وغداً أمرٌ» تقول الريح
    ولي خمرٌ وجمرٌ ومُعلَّقة
    قد أهزِم بها جنياً يزدريني في مثل هذه الساعة
    لا يقبل التأخير محمَّلاً بكلِّ ضغائني
    ليعلمني أسرار السَّوادِ في سراديب سويدائي
    وهذا الغسق اللعين، المُتكاثف ظلاً فظلاً
    ليعلم أنَّني أحلم في آخر قطرة ترشح من سدولهِ
    بأنواعِ الهُموم، بأنواعِ الهُموم!
    بالرمال، بتيماء خيالي، وبكَ أنتَ أيضاً، بكَ
    وبالمصير
    أيها الملك الهارب من ذلك الوغد
    المنذر بن ماء السماء…
    ذلك الوغد الذي ليس اسماً يُطاردنا حتى باب الجحيم
    ذلك الاسم الأجوف كالطبل، ذلك الطاغية، ذلك
    العبد.
    ذلك الوغد، إنّهُ دائماً هُناك.



    ذلكَ الظلّ الذي يحتلُ زاويةً في القلب ولن يَنزاح
    كزردك المسموم («هدية» من «صديقك» ملك الروم)
    إنَّه هناك.



    ضربةُ الحتف من يد مطيّتِهِ
    عدوّنا الأُميّ المُتلهف الأكثر عماءً من «ليلٍ تَمطَّى بصلبهِ»
    تلكَ الدودة المُعلَّقة في أسفل الإجاصة
    في بستان عزلتنا الوارف حتّى النهاية، ذلك
    المخلبُ المَدفون في لحم القوافي، ولن، لن، لن ينزاح
    يا امرؤ القيس
    لا أمام الانتصار ولا اللا انتصار، قد يسلب رجلاً كلّ شيء
    حتى ينتهي الرجلُ على الحصيرة
    لا جمرٌ
    ولا خمرٌ
    ولا أمرٌ.



    *نص: سركون بولص
    *من ديوان: حامل الفانوس في ليل الذئاب

  • فهرس الخراب – أحمد الملا

    فهرس الخراب – أحمد الملا

    وُلِدتُ قُربَ الجملةِ الأخيرة من فصل الخوف، بمجرّد وقوعِها على الأرض، نشفَ الكلام في فمِ الشيوخ الخاشعين في المعاجم، قرعَ النحس نبوءاته، وتخلّى الضحك عن الصغار عنوةً، وأخذوا يرطنون بصفيرٍ مريب.


    لم ينبّه الأشجارَ خلوُّ الأعشاش، ولا نباح الكلاب وسُعار جرائها.
    سرعان ما انزوى الكبار وتساقطوا، سمّمتْهم الخيبة واحدًا تلوَ الآخر.
    رأيتهم يتلثّمون بالحزن، ويعتزلون النخيل.


    المجانين آخِرُ مَن فقدنا.


    في الأسواق تتسوّل لغةٌ طارئة، لم تجد حُماة يدلّلونها بتصغيرِ أسمائنا، ولا أغانٍ ترقِّق من مشقّة العمل. انتفخَت كلماتُها وتشقّقَت، تطايرت الأوراق مصروعةً تنزّ أشداقها وترغي. لغةٌ هوجاء حشدت رغاءها دون رُعاةٍ عطوفين، ولا نحاة ينحنون ويحنُّون أو يحزنون.


    في غفلة من الأمهات، نبَتَ أشباهٌ قساةٌ بين عتباتنا، لا يميّزهم مكان ولا وضعوا الوقت في بيوته، توحّشَت عيونهم وصمّت آذانَهم الصيحةُ حين نبشوا بمخالبهم بطون الكتب.


    قساة، شبّهنا بهم أخطاء آبائنا، أرعبهم مغزى القصص، سَلَحوا على رواتها، نهبوهم النهايات قبل حينها وأجبروا قرّاءها على النسيان.
    ها هم يطعنون الكلمات الفارّة بنصالٍ معقوفة، يبقرونها وينثرون حروفها للهوام.
    لم يعد من الحكمة أن تقول، ليس من الحكمة أن تردّدها، فالحرس يحكمون الطرقات، يحتكرون المعابر ويسدُّون الدروب.



    ابلعْ لسانك
    وتريّثْ قبل جريرة التأويل
    عليك تنقية القواميس من كلِّ شكٍّ ورائحة.
    ليس لك أن تقلّب الفكرة، كي تتخيّر ما تريد؛ عجّلْ بدفنها ولا تتردّد.


    مفرداتٌ لا تأمن في الخروج على عفّتها، أغلقنا الأبوابَ دونها، أوصدنا عليها النوافذ، وحين ضاقت بنا، وأطلقنا مُكرَهين سراحَها في الفضاء، ترصّدَها قنّاصةٌ من أعلى المآذن، تناثر الريش ولطّخَتِ الغيمَ حُمرةٌ سالت من الأسطحِ والمزاريب.


    هربتُ إلى خلاء الصمت، موصومًا بالغدر، طريدًا وملعونًا بالأضداد.
    خلفي مدينةٌ ترجم المجاز، تدقّ المسامير في كفيه مصلوبًا على الأبواب، مدينةٌ تفتّش ثياب الحروف؛ خشية تهريب المعنى، كنت أنزعه واحدًا واحدًا من فوق الأرفف، ألفّ جنبيه بخرقة، أخبّئه في النهار عن أعين المارة، وفي الليل أغطّيه بحيلة النوم.


    لو نطقتُ بما لا يُفهم،
    لو أفلَتَ عقال الغامض،
    لتعقّبته كلابُ الصيد،
    يُقاد من رقابه، عاريًا بلا قناع،
    يُطاف به الأسواق، عِبْرةً، ويُعلّق رأسه على الأسوار.


    تضاءل الكلام، حتى ضَمُرت العبارة،
    لا النطقُ بها يجدي ولا صوتٌ يعلو فوقَ عقيدةِ القتل.
    شحُبَتْ الكلمات وشيّعناها بالأعين ورششنا نعوشها بـ«المحو».


    لجأتُ إلى الصمت، لُذْتُ بظلِّه بعيدًا عن حراب البنادق، حديدِها أرهقني برنينٍ رتيب يحكُّ الجدران، حطّابو الإشارات أحرقوها ولم تنجُ منها علامة.
    ما الذي ترتابه أعين الحراس؟ تفتّش الغايات وتفسِّر ما بين السطور.

    حملتُ الصمت بين أضلاعي وفررت،
    ها قد خلَتْ من بعده الصفحات، صُفّت الجنائز تباعًا وتراصَّت القبور.

    ها هم يطلقون الرصاص من كل صوب، وكلما نُكِّلَ بجثّة نصبوا خيالها في الحقول وارتجلوا عدوًّا يحشون جيوبه بالقشِّ وأكمامَه بالوهم، ساوَت الأرض بدُخَانِها بين قاتلٍ وقتيلٍ، كلٌّ يخطُّ بصراخه الأجش، الفصلَ الأخير من فهرس الخراب.




    *نص: أحمد الملا



  • أمثال إفريقية: الأملُ لا يقتل.. سأعيش وأحصل على ما أريد

    أمثال إفريقية: الأملُ لا يقتل.. سأعيش وأحصل على ما أريد

    ○ الأملُ لا يقتل.. سأعيش وأحصل على ما أريد يومًا ما.


    ○ يُلدغ المرء من الأفعى مرة واحدة فقط.


    ○ لا تغربُ الشمسُ بدون تاريخها.


    ○ تُعرف الشجرة بثمارها.


    ○ آلامٌ في الفخذ في تعاطف مع القرحة.


    ○ أنتَ حادٌّ على جانبٍ واحدٍ مثل السّكين.


    ○ البقرة الرَّائدة (واحدة في المقدمة) تحصل على الجَلْدِ أكثر.


    ○ صلاة الدجاج لا تؤثر على الصقر.


    ○ الطريقة التي يعرب بها الحمار عن امتنانه هي إعطاء شخص ما مجموعة من الرَّكلات.


    ○ الشخص الحسود لا يحتاج إلى أيّ سببٍ لممارسة الحسد.


    ○ عجّل؛ التسرع لا يوجد لديه نِعمة.


    ○ الجهد لن يتعارض مع الإيمان.


    ○ الدجاجة مع صغارِ الأطفال لا تَبتلع الدُّودة.


    ○ أشرتُ لكَ النجوم.. وكلّ ما رأيته كان طرفَ إصبعي.


    ○ الأذن الصماء يتبعها الموتُ، والأذن التي تستمع تليها النِّعم.


    ○ في النهاية الشخص الذي يتلعثم يقول “الأب”.


    ○ عندما يحترق قصر الملك، فإن القصر الذي أعيد بناؤه أكثر جمالاً.


    ○فالطفل يفتقر إلى الحكمة، والبعض يقول إنَّ المهم هو أنَّ الطفل لا يموت. ما الذي يقتل أكثر من عدم الحكمة؟


    ○ لا يدخلُ المرءُ في الماء ثم يركض من البرد.

  • آلهة الزقوم – سركون بولص

    آلهة الزقوم – سركون بولص

    جئتُ إليكَ من هناك
    نهايةُ العام:
    عام النهايات
    الطقسُ والغربان،
    ضِِيقٌ في نَفَسي
    من كثرة التدخين، علّةٌ ما


    (وحشةٌ
    قلقٌ
    ألَمٌ دفين)


    أطاحتْ بي لأطوفَ في أنحاء البلدة المقفرة
    و أقطعَ حول تلك الزاوية بالذات
    حيثُ لاقاني وجهاً لوجه
    قبلَ هبوط الليل:
    صديقي
    القَصّاصُ هوَ بعينهِ
    لكنّ شيئاً أفرغَ عينيه من الضياء
    صديقي القديمُ الفَكِهُ
    هوَ بذاتهِ
    لكنّ شيئاً قَلَبَ قَسَماتِهِ
    من الداخل
    الحواجبُ بيضاء
    سوداءُ هي الأسنان


    إذا أبتسم (لا فرَحاً ) بدا كأنّهُ يبكي

    ما وراءَ الحزن

    كما في صورة غير مُحَمَّضة
    بأقلّ نفخةٍ تنهار . . .

    لاقاني وكنّا خارجَين من عاصفةٍ
    بدأت منذُ الأمس
    تَجلدُ الجدران بلافتات المطاعم والحوانيت
    وتجعلُ أسلاكَ التلغراف
    تُوَلولُ حقاً في تلك الساحة الخالية
    صرختُ: يا يوسف!


    ماذا حدثَ لوجهكَ يا يوسف؟
    ماذا فعلوا بعينيكَ يا يوسف

    ماذا فعلوا بعينيك وحَقَّ الله؟


    قال: لا تسألني، أرجوك.
    قال: إنّهُ الدمار.
    قال جئتُ إليكَ من هناك.
    قال : لا أنا . لا . لست أنا .
    لا أنت.
    لا ، لستَ أنت.
    هُم،
    وآلهة الزَقّوم.
    هُم، وصاحبُ الموت الواقفُ في الباب:


    اللاجئونَ على الطُرُقات
    الأطفال في التوابيت
    النساءُ يَندُبنَ في الساحات

    أهْلُكَ بخير
    يُسَلّمونَ عليكَ من المقابر
    بغدادُ سُنبُلةٌ تشبّثَ بها الجراد
    جئتُ إليكَ من هُناك
    إنّهُ الدَمار
    قالَ لي
    وسارَ مُبتعداً، واختفى

    في كلِّ مكان.


    *نص: سركون بولص

  • عيون تسع الظلال – إبراهيم الحسين

    عيون تسع الظلال – إبراهيم الحسين

    عيون تسع الظلال

    أنْ ننسى، أن نضعَ خطّاً فوقَ أحاديث نسند بها لقاءاتنا؛ كي لا تميل

    أنْ نضعَه فوقَ ثيابٍ، صمدنا داخلها، ولم نتقهقر..

    كنّا جسورين على كلّ ما يجعلنا قريبين من النسيج، لا نتزحزح

    أنْ ننسى، أن نُخْرِجَ من جيوبنا كلَّ الطرق، نطوِّحُها قليلاً، ونقذفها مثل حصاة..

    الطرق التي درجَتْ فوقها الضحكات، الطرق التي ضاقت، الطرق التي نحُلَتْ فلم تجد غيرَ شرودِنا كي تنطوي فيه أنْ نكفَّ أيدينا عن التواطؤِ مع المرايا.. كي لا تقولَ

    أنْ نخرجَ على المرآة، أنْ نفرَّ من حبالها؛ نافرِين أو دامِين حتّى.

    ألا نبقى أسيري نظرةٍ بلهاء أنْ ننسى، أن نكسر بيضةَ الحياة، ونسيل، بأبيضِنا وأسودنا، ليس بأيدينا غير عيونٍ تسعُ كلَّ الظلال أنْ نغفر حتّى الغبار، الذي جاء متعباً، فاضطجع واضعاً رأسه على أوّل السطر أنْ نركضَ مسرعين خلف اليد، كي لا تصدم بيأسها، اليد التي استشاطت، فلم تتورّع عن أيِّ شيءٍ حتّى الكتابة.


    الثوب

    في الثوب، يدٌ لم ترتفع؛ لتدارُك دمعٍ لا يهتدي إلى مصطبة العين، يبقى راكداً في منابعه ويأسنُ. وهناك أيضاً صدرٌ، بشعرٍ قليلٍ، صالحٍ كمبرّر لامتناع النوم، عيونٌ لا ترى شيئاً غير سجائر فوق طاقة المنفضة، أصابع مطويّةٌ على شكل قبضةٌ تُستخدم لاتكاء الذقن، أصابع زغبها خفيف، أشعثُ، أصابع لم تعجز حتّى الآن عن احتضان السجائر، أو الارتفاع أحيانا لحكِّ فروةِ رأسي، الانبساط لاحتواء الشعر والمكوث قليلاً هناك.

    وقد لا يفيد القول أنّ في الثوب شفتينِ سالكتين، فقط، لنفث الدخان، وأنّ فيه بشرةً تبرهنُ أن الجوَّ حارٌّ، وأنّها ليست وعرةً لأنّ العرقَ كان يتسلّقها دون حذر.

    وقد لا يفيد القول أيضاً أنّ فيه أذنين مشغولتين بتهدُّمِ الليل، لا تريان ما يمنع ولوجَ سبّابةٍ تتحرّك سريعاً ثمّ تمضي، مشغولتين بدخول الهواء وخروجه من الصدر ذي الشعر الخفيف، وبزعقةِ القدّاحة الهيّنة.

    في الثوب ذاته، قدمان سائبتان، وجدتا أنهما تحملانِ جسداً داخل ثوبٍ صعب، ثوبٍ لا يجابه، وليس من اليسير التقدّم فيه، أو الفرار من نسيجه، الثوب الذي لا بدَّ من عبوره.

    وقد يكون في الثوبِ، ما ليس فيه، من شراهة الحوائط، وجسارة الضوءِ، وكذلك من وقاحة الأرض التي لا تصوِّبها ألا نحو أُولي الثياب المتشابهة. من استغراق نملٍ في الذهاب والمجيء، في الدخول والخروج من ثقبٍ تحدّق فيه وتفكّرُ لو تخرج من ثوبٍ صار واسعاً حدَّ الألم.

    في الثوبِ، ذراعانِ هادئتان، يهمي الضوءُ فوق شعرهما الخفيف. ذراعان سئمتا الاجترار. ذراعان هادئتان، لا ترغبان في رؤية الثوب، أو صلابة نسيجه. ذراعان كَفَّتَا حتّى عن التفكير في مجرّد محاولةِ شقِّ الثوب.

    المهم أنّه ليس في الثوب، ما يدلّ على البكاء.


    *نص: إبراهيم الحسين
    *من ديوان: انزلاق كعوبهم

  • سقط الرجل – سركون بولص

    سقط الرجل – سركون بولص

    في وسط الساحة
    سقط الرجلُ على ركبتيه.

    – هل كان متعَباً إلى حدّ
    أن فقدَ القُدرة على الوقوف؟

    – هل وصلَ إلى ذلك السَـدّ
    حيثُ تتكسّر موجةُ العمر النافقة؟

    – هل قضى عليه الحزن بمطرقةٍ يا تـُرى؟
    هل كان إعصارُ الألم؟

    – ربّما كانت فاجعة ً لا يطيقُ على تحمّلها أحد.

    – ربّما كانَ ملاكُ الرحمة
    جاء ببلطته الريشيّة عندما حانَ له أن يجيء.

    – ربّما كان اللّـه أو الشيطان.

    في وسط الساحة
    سقطَ الرجلُ فجأةً مثلَ حصان
    حصدوا رُكبتيه بمنْجَـل.


    *نص: سركون بولص
    *من ديوان: عظمة أخرى لكلب القبيلة