المدونة

  • فاصلةٌ بين شهوتيْن – جمانة حداد

    فاصلةٌ بين شهوتيْن – جمانة حداد

    أسرقُ نفسي
    ويزداد ثرائي فُحشاً.


    وقتي فاصلة بين شَهوتيْن.


    يدوخ طول يديّ
    لأنَّ لذَّتي شاهقة جداً.


    أتلوّى في شَهوتي
    كشجرةٍ سكرى بهوائها.


    أجسادُكم
    لا تُطفئ جَمرتي
    لا تتسع لتوبتي
    لا تصلح لأكفّر



    ذنوبي أكثر من عطاياكم.



    يستحضركُم خيالي كلَّما انفردتُ
    فأكتظُّ بمن لا تستوعبه يداي.


    بَراءتي فوق الشُّبهات
    هبني ذنوباً تليق بها.


    لستُ أقاوم لتمتـنع
    أصدُّ كي لا تُطيع
    عصيانكَ مفتاح لذَّتي.


    الغلّة ترف العارفين
    أطيب من كلِّ لذة
    لا تشفها
    أجّجها.


    تواطأ مع صدور رأسي
    لا تمح عبورها
    هي شريكتكَ على صعوبتي
    هي سلّمي إليكَ.


    أنتَ صخرتي
    وأنا مياهُكَ
    أزبُد كُلَّما تكسرّتُ عليكَ
    حركة الكون تجمعنا.


    نحنُ دائماً على الوشكِ من كلِّ شيء
    هكذا نحن أكثر -دائماً- حُبّاً.


    أعيدُ ابتكار الخطيئة الأصليَّة
    كي يستحقّ عُريي غُفرانه.


    كلُّ جرحٍ في ظهركَ شهقة عميقة
    كلُّ سكوتٍ منكَ نَشوَة مَغلوبة.


    أغرزُ نَشوتي فيكَ
    صرخاتٌ مُحقَّقةٌ
    هكذا أمنحكَ لذَّتي وذاكرتها.


    ليحرق لسانكَ أمواجي
    ناركَ صيف أنوثتي.


    أن يظلَّ في البداية الذين نحبّهم
    وتتكرّر لحظتهم إلى الأبد!


    *نص: جمانة حداد

  • معنى الموت – قاسم حداد

    معنى الموت – قاسم حداد

    من ملحمة: طرفة بن الوردة

    “طرفة بن العبد”

    معنى الموت

    لم أكتشف سِرَّ ابتسامتكِ الغريبةِ وقتَها
    كنَّا نذوبُ عذوبةً وأنوثةً
    كانَ العناقُ الحرُّ والمجنونُ يأخذنا هنالك
    كانت الكلمات لا تقوى على المعنى
    يدانا ريشة في الغيم نلهو عن مشاغلها


    كتفان في شغفٍ، ووشمُكِ نافرٌ
    أسماؤنا في الأرض
    نكبحُ شهقنا ونعالج البركان
    نغفو في شظايانا فنوقظها بصمتٍ طائشٍ
    ونَفُزُّ في خيلِ القبائل حولنا نارُ العناقات الوشيكة
    لا نؤجلُ ما يحضّ على الرهائن بغتةً
    تبدو ابتسامتكِ الغريبة ضحكة مكبوتة
    كنتِ تدارين انتظاراً ما
    فألمحُ عابراً يجتازنا
    سرُّ الغريبة فيِكِ لا يخفيك
    شيءٌ شابحٌ عبرَ احتضانتنا
    أرى عينيكِ لا تريانني
    ويداكِ تلتمسان أشياءً
    وصوت الناي يأتي من مكانٍ ما
    كخيطٍ غامضٍ يمتدُّ فينا الآن


    أذكرُ أنني حاولتُ شَدَّكِ فانتفضتِ
    كأنَّما شخصٌ غريبٌ يعتريكِ
    نهرتِني
    فصرختُ في الشهوات عن نوم القبيلة وانتباه الخيل
    أنْ يكفي جنوناً
    وابتسمتِ
    لم أكتشفْ سرَّ ابتسامتكِ
    فما الشيء الذي تخفينَه ويُخيفُ
    مرَّتْ غيمةٌ
    فارتجَّ في الجسدين برقٌ وانتبهتُ لكلِّ أعضائي تُكابر
    بغتةً غابَ الهواءُ
    وكَفَّتْ الأنفاسُ عن جريانها


    لم أُدرك المعنى
    ولكني شعرتُ بأننا مِتنا فهل كنتِ ترينَ بأنَّنا في شرفةٍ تهوي بنا،
    من دون أن ندري؟
    فهل في لحظةِ الحبِ انتهاءٌ موشكٌ
    هل للقبيلة للسُّلالة لاحتقانِ الدمّ
    شكلٌ شاخصٌ يطغى علينا عندما نفنى
    وهل كُنّا نموتُ؟


    البُكاء

    وبكيتُ من ويلِ انتظاري
    كلَّما طالَ انتحرتُ
    أردُّ الموتَ عنكِ وما أتيتْ

    بكيتُ أصقلُ دفتر الصحراء في دمع القصيدةِ
    في يدي وعدٌ لديكِ وما أتيتْ
    بكيتُ في ليلٍ نحيلِ الضوء في شغفٍ
    بكيتُ كأنَّ لي فيكِ احتمالاً نادراً يحنو عليكِ وما أتيتْ
    بكيتُ مثل طفولة الأشياء
    مثل الأخضر الوحشيّ في الغابات
    مثل الحزنِ في الناياتِ
    وما أتيتْ
    بكيتُ في بيت الطبيعة وهي تكتبُ شِعرَها
    تفشي لي الأسرارَ مأسوراً بها
    لكأنها تبكي عليَّ وما أتيتْ
    بكيتُ وحدي والقصيدة وحدها ودمي وحيدٌ
    وانتظاراتي هنا
    تمحو يداً وتمدُّ أخرى
    مثلما يحنو كلامُ الله من ولهٍ عليكْ
    وما أتيتْ
    بكيتُ أكرز في شعوب الله كي تأتي
    فهل يكفي بكاءٌ صارخٌ في وحشة الصحراء
    هل حبي نبيٌ في رعيته وقلبكِ خارجٌ في الشكِّ
    هل أبكي عليكْ


    *نص: قاسم حداد
    *من ديوان: طرفة بن الوردة

  • ثمّة طوابير للذين لم ترضَ الحياةُ عنهم (قصيدتان) – أسماء عزايزة

    ثمّة طوابير للذين لم ترضَ الحياةُ عنهم (قصيدتان) – أسماء عزايزة

    طوابير تحت أشجار التوت

    لقد حجزتُ دوري مسبقًا

    لكن قيل لي إنَّه لن يحن

    أسمع صوتًا يغمغم في الداخل

    هذا صوتي الأجشّ

    وهذه نَحنَحتي، قلتُ للبوّاب

    أشجارُ التوت تنبحُ في الخارج

    العصافير تُربِّتُ على قلبها

    بيدي هدَمتُ الأسوار بين صحوي ومنامي

    بفمي رضعتُ من ثدي الخيال فصار أمّي

    أهل القرية يتحلَّقون حول طقس الولادة

    أقنعتُهم بأنَّ ذلك أمر شديد العاديّة

    فثمّة ميتات لا تقتل. هذه واحدة منها

    حفرنا القبر

    وأخرجناه

    أبي يقفُ بيننا ويقول إنَّ الحياة مسخرة كبيرة

    لا وجود لقصص الحبّ تُحفر مثلما يُحفَر اسم جنديّ في خندقِ القلب

    لا وجود للذائذَ مدسوسةٍ في أفواه الأسى

    لا وجود للأسى وهو يحرّضنا على البكاء

    لا وجود للبكاء وهو يحرث طريق الرّضى

    لا وجود لأشجار التين

    رغم أنّ ثمارها تَدحرَجت فوق رأس أبي الضاحك

    ربّما لا وجود لنا

    خارج هذا الطّابور

    نصطفّ مثل رمال مبلولة

    تدلّنا نجمةٌ واحدة فوق جبين إله واحد

    لكن لا أحد يتحدّث إلى أحد

    ثمة طوابير للذين لم ترضَ الحياةُ عنهم

    المنحوسين الواجفين الذين تبرّعوا بأدوارهم للموتى

    وجدتُ نفسي بينهم

    أبيع أوراقي في السوق السوداء

    لأدخل من الباب الخلفيّ.



    حرب باردة

    هذه حربٌ باردة لم أتهيّأ لها

    جِلدي مكشوفٌ مثل حيوانة

    وخصمي لا يعرفني

    أسيرُ

    يداي مضمومتان في يد أبي

    نحني رأسَيْنا ونلمّ أعقاب كلامنا القديم

    ثمار المستقبل تُمضغ من ورائنا:

    جسورٌ لم نقطعها

    دروسُ سياسة ستحصل في منامنا

    سلالم سنقول فوقها: “مع السّلامة”

    يتفلها فم الخصم

    في حُفرٍ سحيقة

    الطريقُ تغمغمُ وتغطّي وجهه

    بروحها المُضبّبة

    كلّما وجد أحدنا مخبأً صار المخبأ مرجاً

    كلَّما صمت أحدُنا تحت اللحاف

    ليصيخ السّمع لوشاية الطائر

    اختفى في صدره خفق جناحيه

    لا الطائرُ وشى

    ولا نحن تلفّتنا

    لكن

    نواقيس خرساء معلّقةٌ في رقابنا

    دقّت

    كأنَّما تقودنا يد الكون الناعمة

    سرنا إلى الوراء

    تلعثم أبي في السير

    فكان الوقت

    وجه الوقت الخسيس.


    *نص: أسماء عزايزة

  • لا تصدقوني إن حدثتكم عن الحرب – أسماء عزايزة

    لا تصدقوني إن حدثتكم عن الحرب – أسماء عزايزة

    تُشغلني الحرب. لكنّي أخجل من الكتابة عنها. أجلد استعاراتي ثمّ أسترحمها. يقودني الألم نحو وصف رصاصةٍ، فأتراجع نحو وصف صفعةٍ عاطفيّة. أبقر بطن الكلام فيستفيق ضحايا الهاراكيري، جميعهم، ويبقرون بطني.

    لا تصدّقوني إن حدّثتكم عن الحرب، لأني أتحدث عن الدم وأنا أشرب القهوة، وعن القبور وأنا أقطف الصفّير في مرج بن عامر، وعن القتلة وأنا أمعن في قهقهة الأصدقاء، وعن مسرحٍ محروقٍ في حلب وأنا أقف الآن أمامكم في هذا المسرح المكيّف.

    لا تصدّقوني إن حدّثتكم عن الحرب، لأني كلما قصفتُ شوارع المدينة في القصيدة، اضطجع الإسفلت ومالت عليه المصابيح ومرّ الأنبياء بسلام.

    كّلما خلتُ جلد أبي مسلوخًا فيها، ألمسه سليمًا في العناق. وكلّما سمعت نواح أمي، هدهدتني بأغنيةٍ قديمةٍ وغفيتE كملاك.

    لكنّ الأحلام صكوكٌ مفتوحةٌ

    توقّعها امرأةٌ حورانيّةٌ لا أعرف ملمحًا واحدًا فيها، سوى أنّي حين تخطئ سكيني ورقة الخسّ، أشمّ رائحة قبيلة الدم التي تركها جدّي في جسدينا.

    الأحلام صكٌ مفتوح، يوقّعه أبناء قاسيون الذين همسوا لفظها في أذني في نصف غفوةٍ، ولم أتأكد من أين نبت اسم الجبل إلا حين بحثت عنه في جوجل.

    الصّك الأوّل:

    في حشدٍ شديد الغموض، يمسني وضوحٌ فاجرٌ.

    وسط هندسةٍ متقنةٍ لضوضاء الجغرافيا، تعبرني، بهدوءٍ، رصاصةٌ عند أسفل الظهر،

    يزداد غموض الحشد، يُحكم إغلاق نوافذ الأذن من الداخل. الثقب طازجٌ كنبع ماء، الدمّ حارٌ كصوت أمي في الأغنية، ناعمٌ كجلد أبي.

    الصّك الثاني:

    حوصرت في أكثر بقع العالم قداسةً.. انهال عليّ رصاصٌ كما انهالت كلمات الرّب على الأنبياء..

    قبضت على حجرٍ فسال من يدي. سبقت الجنود فسبقني الزمن. وحيثما غفى المسيح قبل أن يكبر ويحملنا على ظهره، انكمشت كقطّةٍ خائفة.

    الصّك الثالث:

    خوف في الشام.

    لا تصدّقوني حين أحدّثكم عن الحرب

    لأني لم أسمع طلقةً في حياتي سوى تلك التي رماها أبي من جفته في عنق يمام مرج بن عامر. ولم أشمّ دمًا من جرحٍ إلا ذاك الذي شممته مع أمي حين حضتُ لأوّل مرة.

    ليس لديّ رصيدٌ في بنك الحرب، لكنّ حورانيّةً طمأنتني بأن صكوكي صالحة.


    *نص: أسماء عزايزة

  • العالمُ مكانٌ جميلٌ – لورنس فرلنغيتي – ترجمة: محمد مظلوم

    العالمُ مكانٌ جميلٌ – لورنس فرلنغيتي – ترجمة: محمد مظلوم

    العالمُ مكانٌ جميلٌ

    لتُولُدوا فيهِ

    إن لم يزعجكُم بأنَّ الفَرَح

    لا يَعني دائماً

    كثيراً من المَرح

    إن لم يُزعجكُم مَسٌّ من جَحيم

    من حينٍ لآخر

    حينَ يكونُ كلُّ شيءٍ على ما يرام

    فحتّى من في الجنة

    لا يغنُّونَ

    باستمرارٍ.


    العالمُ مكانٌ جميلٌ

    لتُولدوا فيه

    إن لم يُزعجكم أنَّ ثمةَ بشراً يموتون

    دوماً

    أو ربما يتضوَّرونَ جوعاً فَحسب

    أحياناً

    فالأمرُّ ليس بهذا السوء

    إن لم تَكونوا مِنهم


    يا للعالم من مكانٍ جميلٍ

    لتُولدوا فيهِ

    إن لم يزعجكم كثيراً

    حَفنةُ رؤوسٍ ميِّتة

    في المواقعِ العُليا

    أو لقنبلة أو اثنتين

    الآن أو بعد حين

    على وجوهكم المُتقلّبة في السماء

    أو لبذاءاتٍ أُخرى من هذا القَبيل

    كوقوع مجتمعنا «الماركة المسجلة»

    فريسةً

    لأصحابِ الامتيازِ

    وأصحابِ الانقراضِ

    والكهنةِ

    ولسواهم من الخُفراء

    ولعنصرياته المُختلفة

    وتحقيقات الكونغرس

    وسواها من الإمساكات المعوية

    التي يرثها جسدنا المغفَّل


    أجل العالمُ أفضلُ مكانٍ على الإطلاق

    لفعلِ كثير من الأشياء من قبيل

    صُنع مَشهدِ المرحِ

    وصُنع مشهَدِ الحبِّ

    وصُنع مشهد الحزنِ

    وغناءِ الأغاني الخافتةِ وخلق الإلهام

    والتجوالِ

    ناظرين مليَّاً في كلِّ شيء

    وتَنشُقِّ الزهور

    وبعبصةِ التماثيل

    وحتّى التفكيرِ

    وتقبيلِ الناس

    وإنجابِ الأطفالِ وارتداءِ السراويل

    والتلويح بالقبَّعاتِ

    والرَّقص

    والسباحة في الأنهار

    والخروجِ إلى النزهاتِ

    مُنتصفَ الصيف

    وعلى العموم :

    «عِشْها»

    أجلْ

    لكن بعد ذلك، وفي غَمْرتها،

    يأتي مبتسماً

    دفَّانُ المَوتى.


    *نص: لورنس فرلنغيتي
    *ترجمة: محمد مظلوم

  • جزيرة العرب – والتر دي لامير – ترجمة: بدر شاكر السياب

    جزيرة العرب – والتر دي لامير – ترجمة: بدر شاكر السياب

    بعيدةٌ هي ظلال جزيرة العرب،

    حيثُ يَمتطي الأمراءُ صهوات الخيولِ في الظهيرة،

    بين الوديان الخُضر والأحراج النَّضيرة،

    تحت شَبحِ القمر.

    وداكنة هي القُبَّة الأرجوان،

    والأزهار ينهدن في الغابةِ

    ويتأرجَحن بالنُّوار، على ضياءِ نجومٍ كالخيال

    شاحبات في سماوات الهَجير.

    وحلوة هي مُوسيقى جزيرة العرب

    في قَلبي، حين ألمحُ في عتمةِ السحرِ الصافية

    جداولها السَّاربات من الأحلام،

    وأسمعُ مزاهرها الغريبة على الضِّفاف الخضراء

    ترنُّ، عالياً، بالحزن والفرحة من قلوب الشعراء

    ذوي الشُّعور السود ومطارف الحَرير الدكناء،

    في صمتِ الليل العميق.

    وإنها تعودني كالأشباح – مزاهرها والأحراج،

    ولا أرى في الأرض من جَمَالٍ

    إلا وترفّ عليهِ ظلال

    من ذلك الحُلم الذي أستعيد به من حسنها ذكراه.

    وما تزال العيون تُحدّق بي في برود

    والأصواتُ الباردةُ تَهمسُ وهي تقول:

    «لقد جُنَّ بسحرٍ من جزيرةِ العَربِ البعيدة وقد سَلبوا

    منه لبَّه».

    *نص: والتر دي لامير
    *ترجمة: بدر شاكر السياب

  • وجههُ حادٌ كسيفٍ – مارينا تسفييتايفا – ترجمة: بول شاوول

    وجههُ حادٌ كسيفٍ – مارينا تسفييتايفا – ترجمة: بول شاوول

    وجههُ حادٌّ


    بتحدٍ أضع خاتمه!
    أنا زوجته أمام الأبدية، ليس على هذه الورقة.
    وجههُ حادٌّ
    كسيف.


    فمهُ أخرس، الزوايا مُنخفضة،
    حاجباه مؤلمَان ورائعَان.
    في وجههِ الفاجع امتزجتْ
    سُلالتان قديمتَان.


    إنَّه دقيقٌ كالأغصان النَّابتة.
    عيناه مُدهشتان غير مجديتيْن.
    تحت الحاجبيْن المُجنّحيْن، المنبسطيْن،
    هوَّتان.


    أبقى وفيةً لوجههِ الفروسيّ،
    لكم جميعاً من تموتون وتعيشون بلا خوفٍ
    في الأيام المُقدَّرة نُغني
    مثل هذه الأناشيد قبل الذَّهاب إلى المِقصَلة.



    لا أُفكر


    أنا لا أفكرُ، ولا ألوم، ولا أُناقش نفسي.
    أنا لا أنام.
    لا أرغبُ في شمسٍ، ولا قَمرٍ، ولا بحر
    ولا مركب.
    لا أحسُّ درجة الحرارة المُرتفعة بين هذه الجدران،
    ولا كم الحديقة خضراء.
    وهذه الهديَّة، التي طالما رغبتُ، وانتظرتُ
    ما عدتُ أنتظرها.

    لا يُبهجني هذا الصباح، ولا هذا القطار
    الصخب المبتهج
    أعيش من دون أن أرى النهار، ناسية
    من الزمن، السنة والساعة.
    كأنَّ على جبلٍ مَشقوقٍ راقصٌ صغير.
    أنا ظلٌّ، ظلٌّ، أنا قمريّة
    من قمريْن مُظلميْن.


    إلى ابنتهِ


    مع السنونوة جئتِ،
    في الساعة ذاتها
    فرحُ جسمٍ صغير،
    عينين جديدتيْن.


    الولادة في شهر آذار
    أترى يا ربّ هذه التحيّة
    يعني أن تكوني عصفورة
    على الأرض


    السنونوات تغوصُ في السماء
    المنازل رأساً على عقب:
    الطفل يُغرّد، والعصفور يزقزق
    خارجاً.


    الأيام، في تشرين الثاني قصيرة،
    طويلة الليالي.
    السنونوة بأذنابها الزرق
    ما وراء البحار!
    برودة هذه الأراضي القاسيَّة
    تضغط على الصدر الناعم.
    السنونوات أخذتْ
    الطفل.



    إكليل فقير على الجبهة، جامد،
    جفونٌ ناعمة جامدة الطرف.
    نامي يا طفلتي، عصفورة الله،
    نامي، نامي!



    *نص: مارينا تسفييتايفا
    *ترجمة: بول شاوول

  • حيث السحرة ينادون بعضهم بأسماء مستعارة – سيف الرحبي

    حيث السحرة ينادون بعضهم بأسماء مستعارة – سيف الرحبي

    ليس بيني وبينكِ 

    أيتها الساحرةُ الولودُ

    إلا هذه الكثبانُ من الرملِ،

    وهذه الأزمنةُ المكدَّسةُ أمامَ بابي،

    تقولين كلامًا لا أفهمه

    وتقولينَ هذيانًا، أفهمُهُ

    بسرعةِ سقوطِ النيزكِ على رأسي.

    أيامٌ تتلوها أيام،

    ونحنُ نحدقُ في هذا الوثن،

    الممدَّدِ على أرضِ الأنبياء

    أسوقُ قطيعكِ بعصا الراعي

    أمامي تبكي رغباتُكِ،

    وتنفجرُ كأنها قابَ قوسينِ أو أدنى

    من القيامة.

    نصالٌ تبرقُ في ليلٍ

    كأنما لم أكن عائدًا من أسفارٍ سحيقةٍ

    حينَ ارتميتُ في ظلالك الثكلى.

    ***

    وكما تكرُّ الفصولُ على الصحراءِ

    في شكلِ ذئبٍ وحيدٍ

    وفي شكلِ مئذنة،

    تنحدرُ الرمالُ من الأفقِ الشرقيِّ

    المحاذي لبلادِ الأحباش

    حيثُ السحرةُ ينادون بعضهم 

    بأسماء مستعارة.

    لقد فتكت بها الرياحُ الهوجاءُ

    وأمَّها البِلى

    كديارِ أحبِّةٍ غربت للتوِّ.

    أسمعهم ينادونني باسمي المستعار،

    أن اغرب عن وجهنا

    لستَ منِّا ولسنا منكَ.

    وقد ناديتهم قبلَ ذلكَ 

    أمواتًا وأحياءً

    أن اغربوا عن..

    لكنهم ظلّوا يحدقون في جثَّتي

    طوالَ أزمنةٍ، ويغرزونَ مخالبهم العمياء.

    وقالوا لكَ نغلُ السلالةِ

    وظلَّوا ينثرون الإشاعاتِ حول قبرِ جدِّك.

    ***

    قتلى يملأون الصالةَ

    ويشاركونني السريرَ وغرفة النومِ

    حتى قنينةِ النبيذ.

    أراهم يتآمرون في قعرها

    ويضحكون،

    محدِّقين في جثتي

    بعيونٍ، يبدو من أشكالها، أنهم قدموا

    من كلِّ جهاتِ الأرض.

    عيونٌ ملؤها الخيبةُ والتذكر

    وكنتُ أسمعُ نداءهم منذ الولادة

    يأتيني عبرَ قوسِ الأثيرِ 

    لطفولةٍ جبلية.

    أسمعُ غناءهم الصاعدَ من الأجداث

    طيورًا بيضاءَ تخبطُ سقفي،

    طيورًا عاتيةً وأليمة:

    تلك أرواحهم في سفرها الليليِّ

    نحو الأحبِّة.

    ينادونني باسمي

    أن ارحل من واحة الجنرالات

    فمثلكَ ليس نبيًا

    ولا أوتيَ رأسَ الحكمة..

    ***

    *نص: سيف الرحبي

  • وجه، إلى أمجد ناصر – أسماء عزايزة

    وجه، إلى أمجد ناصر – أسماء عزايزة

    إلى أمجد ناصر


    أنتَ الوحيدُ الذي تلفّتَ إلى الوراء
    ولمَح وجهَه
    بينما متنا أنا وهذه الجموع مفرغة المحاجر
    قبل أن نعرفَ من يكون صاحبُ البلطة
    التي شقّتْ ظهورنا ورمتنا في بركة الخوف
    أكان صاحبُها مثلنا؟ بشريًّا بفم قادر على الابتسام ومُقلةٍ قادرةٍ على إفراز الدمع؟
    أنتَ الوحيدُ الذي رفع غرّة الله
    فرآنا لأوّل مرّة، ولآخرها
    أنا من بين هؤلاء الذين رأوا وصمتوا
    فماذا سيكون عقابي؟
    رأيتُ الشّوك وقلتُ ما هو إلا وردٌ غاضب
    والشرّ؟ أليس خيرًا يائسًا؟
    لماذا إذن نُدفع إلى اليأس دفعاً ثمّ نُتّهم في قفصه؟
    ومن هؤلاء القضاة الذين يدقّون رؤوسنا بمطارق الأخلاق؟
    دروسُ الكاراتيه في الصّغر لم تصنع منّي مقاتلةً، كذلك الأحزابُ الماركسيّة
    أنا مجرّد كتلةِ لحمٍ دراميّةٍ تحلمُ بالقفز في بركةٍ من الحلويّات والحبّ
    سلّمتُ بضاعتي
    ولم أقبض ثمنها
    أسرفتُ سنين من شبابي وأنا أردّد: دولةٌ واحدة من النهر إلى البحر
    النهرُ المقدّس الذي شقّه فدائيّون ببساطيرهم صار مصبًّا لمثانة ٧ مليون إنسان
    والبحرُ فرّ هاربًا كجنيّة
    أسرفتُ قصائد عالية الدقّة عن الوحدة والسكون
    وأنا أكتبُ بياناتٍ عن الظلم حتى صار ماءً
    وعن الحدود حتى صارت بيتًا
    وعن الدم حتى صار مهرّجًا في سيرك
    ولا زلت أبحثُ عن هذا الذي مدّ يده إلى جيبي وفجّر منبع النّهر
    وجهي محاطٌ بماءٍ مدنّس
    ولا قدرةَ لي على الرؤية
    اعذرني إن لم ألتفت
    وتركتكَ وحيداً كما تُترك الضباعُ في ليلها
    تلتفتُ إلى الوراء
    وربّما
    ربّما
    كان ذاك وجهي.


    *نص: أسماء عزايزة

  • فكرة البيوت – إيمان مرسال

    فكرة البيوت – إيمان مرسال

    بعتُ أقراطي في محلّ الذهب لأشتري خاتماً من سوق الفضة. استبدلتهُ بحبرٍ قديمٍ وكرّاسٍ أسود. حدث ذلك قبل أن أنسى الصفحات على مقعد قطار كان من المفروض أن يوصلني الى البيت. وكان كلما وصلتُ إلى مدينة بدا لي أن بيتي في مدينةٍ أخرى.

    تقول أولجا من دون أن أحكي لها ما سبق: “البيت لا يصبح بيتاً إلا لحظة بيعه، تكتشف احتمالات حديقته وغرفه الواسعة في عيون السمسار، تحتفظ بكوابيسك تحت السقف نفسه لنفسك، وسيكون عليك أن تخرج بها في حقيبة أو اثنتين على أحسن الفروض”. أولجا تصمت فجأة ثم تبتسم، مثل ملكةٍ تتباسط مع رعاياها، بين ماكينة القهوة في مطبخها وشُبَّاك يطلّ على زهور.

    زوج أولجا لم ير مشهد الملكة، وربما لهذا لا يزال يظنّ أنّ البيت هو الصديق الوفي عندما يُصبح أعمى، أركانه تحفظ خطواته وسلّماته ستحميه برحمتها من السقوط في العتمة.

    أبحثُ عن مفتاحٍ يَضيع دائماً في قعر الحقيبة، حيث لا تراني أولجا ولا زوجها، حيث أتدرب في الحقيقة حتى أتخلى عن فكرة البيوت.

    كلِّ مرةٍ تعود إليه وتراب العالم على أطراف أصابعك، تحشر ما استطعت حمله في خزائنه. مع ذلك ترفض أن تعرف البيت بأنَّه مستقبل الكراكيب، حيث أشياء ميتة كانت قد بدت في لحظة ما تفاوضاً مع الأمل. ليكن البيت هو المكان الذي لا تلاحظ البتة إضاءته السيئة، جدار تتسع شروخه حتى تظنها يوماً بديلاً للأبواب.


    *من ديوان: حين أتخلى عن فكرة البيوت

  • حياة – إيمان مرسال

    حياة – إيمان مرسال

         لم يحدث هذا في بيت أهلي، بالتأكيد ليس بين من ظننتُ أنهم يعرفونني

    حياتي التي فشلتُ دائماً في لمسها، في أن أجد صورة لي معها، بجانبي على نفس السرير، تفتح عينيها بعد غيبوبة طويلة، تتمطّى كأميرة واثقة أن قصر أبيها محميٌّ من اللصوص، أن السعادة تحت الجلد رغم الحروب التي لا تنام.    

      

    تلك الحياة التي حشر فيها أكثر من أبٍ طموحه، أكثر من أم مقصّاتها، أكثر من طبيبٍ مهدئاته، أكثر من مناضلٍ سيفه، أكثر من مؤسسة غباوتها، وأكثر من مدرسة شعرية تصوّرها عن الشعر.


    حياتي التي جرجرتُها خلفي من مدينة لمدينة، وانقطعتْ أنفاسي في الجري وراءها من المدرسة إلى المكتبة ومن المطبخ إلى البار، من الناي إلى البيانو ومن ماركس إلى المتاحف ومن ذكرى رائحة جسد إلى الحلم بصالة في مطار ومن كل ما لا أعرفه إلى كل ما لا أعرفه. حياتي التي فشلت حتى في التأكد من وجودها، بجانبي على نفس السرير، تفتحُ عينيها بعد غيبوبة طويلة، تتمطّى كأميرة تعرف أن قصر أبيها محميٌّ من اللصوص، أن السعادة تحت الجلد رغم الحروب التي لا تنام.      


    هكذا استيقظتُ في أرضٍ غريبةٍ ذلك الصباح الذي بلغتُ فيه الأربعين، ولولا أنّ الله لم يرسل نساء من قبل لقلت إنّها أول إشارات النبوة، ولولا مزاجي الخاص لاستشهدتُ بكلام محمود درويش عن “امرأة تدخل الأربعين بكامل مشمشها” أو بكلام ميلوش عن الباب الذي فُتح بداخله فدخل.   


        أمامي طابور من الموتى الذين ماتوا ربما لأنّني أحببتهم، بيوت للأرق داومتُ على تنظيفها بإخلاص في أيام العطلات، هدايا لم أفتحها لحظة وصولها، قصائد سُرقت مني سطراً سطراً حتى أنني أشك في انتمائها لي، رجال لم أقابلهم إلا في الوقت الخطأ ومصحّات لا أتذكر منها إلا الحديد على الشبابيك. أمامي حياتي كلّها؛ حتى أنه يمكنني ضمّها إذا شئتُ، يمكنني حتى الجلوس على ركبتيها والغناء أو العويل.  



    *نص: إيمان مرسال
    *من ديوان: حتى أتخلى عن فكرة البيوت

  • هجرات وقصائد أخرى – كاظم جهاد

    هجرات وقصائد أخرى – كاظم جهاد

    هجرات

    كان ينبغي أن نبلغَ النبع دون أن يضحي بقرينهِ أحد. كان ينبغي أن نهدرَ وسط العاصفة بجلاءٍ أكبر. كان ينبغي أن يتخلَّص الشعراء من جلّادِ كان ما برحَ في داخلهم يعمل. كان ينبغي الاحتفاء بصيحات أمهاتنا يودعنَنا على أعتاب مستقبلٍ يمتد أمامنا كالليل البهيم. كان ينبغي أن يتكوَّر القلب نفسه في شكل قارب أرياف يُبحر في ظلمات الدنيا دون التفات . كان ينبغي الاحتفاظ بالصحو كلّه.


    هزيمة النسر

    لدقائقٍ طويلةٍ تقبع الفريسة بينَ مَخالب النسر. بقدر ما يُضاعف النسر طعناته، ثملاً بالنّصر، تتأمل هيَ اكتنازها بالألم وتشعرُ بأنها غير قابلةٍ للانتهاك. كلُّ واحدةٍ من خلايا جسدها تعزف قدّاسَ احتفال. من زمنٍ وهي تجاور الخطرَ، مغويَّةً باجتياز الخطّ الفاصل بين نعمةِ أن تكون وفداحة ألّا تكون. عندما يكتمل التهامها من لدن النسر، يرسم الفضاء بالدّم لطائفَ من المعنى يعجز النسر في تسارعِ البطش عن أن يُدركها. وهنا بالذات مَكمن هَزيمته.


    شتات

    جالسٌ في الأصيلِ أُلملم شتاتي. يَنبعث الماضي من جمرةٍ في الفؤاد لا تخمد إلا لتشتعلَ بأوارٍ أكبرَ وعافيةٍ أشدّ. الماضي المُفعم بروائح الطّلع وتنهدات النسوة يخرجن للربّ أثداءهنّ ضراعةً وسخطاً.

    في تنورٍ مُطفأٍ اختبأتً ذات ظهيرةٍ أستنشقُ الرمادَ باحثاً عن شفاعة الهواء، في ظلمتهِ الغامرةِ نضجتْ روحي وانفاقتْ في الفضاء مثلَ ثمرة رمان.

    وفي غفلةٍ من الملائكة نبتَ لي من شدّة الوجد جناحان. منذُ ربع قرن وأنا أجابهُ صخبَ المارّة وجحودَ الأصحاب بخفقِ هذين الجَناحين، خفقٍ ميمونٍ لا يَهدأ إلا ليعاود الانطلاق بأوارٍ أكبر وعافية أشدّ.


    *من ديوان: معمار البراءة

  • فتح – إبراهيم داود

    فتح – إبراهيم داود

    يكفى أن تجدد التزامك بالأمل
    لتُكمل ما بدأه الشهداء
    يوجدُ مطرٌ على السطح
    وثمّة أشجار تنمو في مكانٍ قريب
    سنخرج معاً حين يصفو الجو
    ونلوّن الجدران من جديد
    لن نتركَ كبار السن للزمن
    سنأخذهم معنا إلى حديقة الحيوان
    ونحن نبحث عن طفولتنا هناك
    سنركلُ الطغاة ونحن نهذّب الزرع
    وربما فتحنا بلداناً جديدة يحتاج أهلها للحب
    عليك أن تجدد التزامك
    لأن الوقت ليس في صالحك..


    يمكنكم الاستماع لنقاش هذه القصيدة في حلقة بودكاست مقصودة، والاشتراك لمتابعة حلقات الإلقاء والنقاش التي تقدمها ببراعة فرح شمَّا وزينة هاشم بيك.


    *نص: إبراهيم داود

  • أوديسة أختي – كاظم جهاد

    أوديسة أختي – كاظم جهاد

    ردمت سُلطة البعثِ في العراقِ

    صفوفاً من المدافنِ تتوسطُ مقبرةَ النَجَف

    عبّدت في مكانِها طُرقاً

    توصلُ دباباتِ النظامِ بأكثرِ سهولةً

    إلى مخابئِ المُنتفِضين

    كان بين المدافنِ قبرُ صِهْرِي المَقتولِ في الحربِ

    في ثمانيةٍ وثمانينَ وتسعِ مئةٍ وألف.

    قبلَ أنْ يكتملَ هذا العُدوانُ على السُلالاتِ الموتى

    ذهبت شقيقتي البِكرُ صُحبةِ نساءٍ أخرياتٍ

    كانت قد رُدمت مدافنَ أزواجهن..

    بمعاولَ مُستأجرةٍ، بل بالأظافرِ أحياناً.

    رُحن يبحثن عن شواهد القبورِ المطمورة.

    كل من اهتدت إلى رُفات زوجها الحبيبِ، نقلته إلى قبرٍ آخر.

    أياماً والأختُ تبحثُ عن الشاهدة، صارت ساكنةَ القبورِ

    لا تعودُ منها إلا عندما يُوقِفُ الظلامُ إمكانَ البحث.

    هذه الأوديسةُ الظافِرة في أُقْيُوناساتِ الترابِ

    بحثاً عن رُفاتِ البَعْلِ المقتولِ

    قامت بها شقيقتي..

    يحميها اللقبُ المُرَائِي الذي خلعهُ النظام

    على كل من كانت تُجَلِلُهُن فاجِعةٌ كفجِيعَتِها

    حرمُ الشهيد.

    بحدسِها الأنثويِ أدركت شقيقتي

    حُكمةَ اليونان القديمة التي يُطْنِبُ في الكلامِ عليها هوميروس.

    ميتٌ بلا قبرٍ معلومٍ ولا شاهدةٍ..

    هو أبداً غريبٌ لا راحةَ لروحِه تُرجَى

    ولا انتهاءَ لِعنائهِ بين الأموات.

    وعندما أُعدِمَ من أبناءِ العمومةِ في أعقابِ انتفاضةِ الجنوبِ..خمسةٌ

    شُوهدت الشقيقةُ وهي تتفرسُ النائحاتِ بنظراتٍ طويلةٍ .. صامتة

    أدركَ الجميعُ آنذاكَ أنه قد تبددَ كاملُ مخزونِها من الدمع

    فاجئها صممٌ قد يكون جاءَ من أثرِ الصدمة

    أقتني لها في عَمَّان جهازٍ لتقويةِ السَمَعِ من أخرِ صَيحة

    ترميه بعيداً عنها وتقول ما تريدني أنْ أسمع؟

    زاعمةً أنه يبعثُ في الأذنينِ وشوشةً لا تحتملُها هي.

    أخمنُ أنَّ عالماً كهذا الذي عرفته في سنواتِ الحربِ ما عادَ ليستحقَ منها لحظةَ إصغاء.

    كذلك هي فصاحةُ أختي

    في سيادتِها الكُبرى على الألم لا ينْدُرُ أنْ تضحك

    لكن حتَّى في الضحكِ .. تبدو لي صورتُها الصادقةُ هي التالية

    كائنٌ متمركزٌ في نطاقِ تعبه

    لا يُحيدُ عنه قَيْدَ شَعْرَة.


    يمكنكم الاستماع لإلقاء مميز لهذه القصيدة في حلقة بودكاست مقصودة، والاشتراك لمتابعة حلقات الإلقاء والنقاش التي تقدمها ببراعة فرح شمَّا وزينة هاشم بيك


    *نص: كاظم جهاد

  • قيل أنَّها مريضة – إبراهيم داود

    قيل أنَّها مريضة – إبراهيم داود

    قِيلَ أنَّهَا مريضة

    وأنَّ أهْلَها انصَرَفوا عنها

    .. الأُسْطُورةُ تنبَّأت بِهذا  

    ولكِنَّ المدينةَ تعافت

    وأضَاءَت الشَوارِعَ من جديد

    .. عاشِقٌ غريبٌ ظهرَ في النَّاسْ

    وبدأ يُكَنِسُ الشَوارِعَ

    ويُسْقِي الزَرْعَ

    .. قِيلَ أنَّه مجْنُون

    الأُسْطُورةُ تنبَّأت بِطُوفانٍ من العُشَاقِ المجانين

    احتلوا الأسْطُحَ والَمَداخِلَ

    وحَرَسُوا الحدَائِقَ القَلِيلةَ

    وراحوا يُغَنُّونَ معاً

    لِأطفالٍ لا وجودَ لَهُم..

    الغِنَاءُ كَبُرَ مع الوقت

    وصارَ نَحِيباً

    المدينةُ كشفت شَعْرَها

    وجلست في مُنتصفِ الطريق

    الأُسْطُورةُ تنبَّأت بِمَوْتِهَا في حادثِ سَيْر

    ولكنَّها عاشت

    وماتَ عُشَّاقُها.

  • جسدٌ يتسكَّع في ذاته – فيليبي غارسيا كينتيرو – ترجمة: عبدو زغبور

    جسدٌ يتسكَّع في ذاته – فيليبي غارسيا كينتيرو – ترجمة: عبدو زغبور

    وجه

    العينان تنظران إلى السماء. يغطيهما ضوء الهواء.
    يدان تتلمسان أشكال الفراغ في الأرض.
    وفم واحد يقول صمته، بينما الجسد يتسكَّع في ذاته.

    البيت


    مثل طفلٍ أعمى أجوبُ البيتَ باللمس. أتنصت بعصا الصمتِ فـراغ عظامه.
    أمضي في الممراتِ مُتلمساً بين غبار الظلِّ الذي يجهله الفجر.
    لا يدخل الليل إليّ، يخرج مني.

    **
    بيتي مثل الصحراء، ليس له سقف ولا باب، فم فحسب.
    بيتي مثل الحجر، ليس فيه عوارض ولا ركائز، قبضة يد فحسب تسنده.
    هذا البيت بنيته نازعاً حجارة ومقدماً عظامي إلى الفراغ المتبقي.
    البيت مُظلم في ممراته مثل صوتي.
    أعيش في البيت الذي أمشي فيه. الذي أرصـده ويتبعني مثـل دودة خلف لحم مريض.
    ينهض مع كلِّ صرخة؛ مع كلِّ صمتٍ أهدمه.

    **
    هنا الأطعمة توقف تحوُّلاتها. تتكدَّس في الحنجرة مثـل أجـنـة ميتــة في ضوء البطن، اللحد الحبيب.

    الخطـوات هنـا لا تتقـدم، لا تأخـذ ولا تحـضر، مع أنـه يـسمع ابتعادها حين تجيء وتتعثر بالآخر في الداخل. هنا البيـت لـيـس مـلاذاً إنما بئر أعمى.

    هنا الكتابة لا تنادي، لا تضيء.
    الأطعمة لا تغذي، الخطوات لا ترحل ولا تأتي: تسقط وتسقط في موسيقا وحيدة وفارغة. الصوت هنا يضيع بين ردهاته المعتمة.

    هنا ليس مكاناً.

    **

    الفئران أكلت يديَّ وشفتيَّ. فقدتُ الموسيقا في معركة الماء.
    كيف أتذكّر تحت هذه الأرض نشيد السماء، إذا كانت الذاكرة عشاً للعثّ.

    من عيني تنظر الفئران إلى العالم الصامت. أسمعها في السكينة تبتعد مع عظامي الطليقة.



    العظام والهواء

    -إلى ذكرى يوهان رودريغيز برافو-

    يحدثُ أنَّنا لا نستطيع الكلام؛ وأنَّه من غيرِ المُمكن القول.
    كلُّ الصمت يرتدُّ ضدنا؛ تهربُ الكلمات واحدة بعد الأخرى،
    تبتعد عن الأيادي المغلقة، بعدئذٍ كلّ تفكير يغرق في الداخل،
    دون الوصول إلى أي شاطئ، إلى أي سمع؛ إلى أي حنجرة
    مـع كـلِّ هـذا الـدويّ. مـن المستحيل القـول، مـن المستحيل الاستماع أيضاً.

    وحيداً أقفُ فوق أنقاض هذا الانهيار الكبير، تظهر الحياة؛ حياة
    لا يمكن التعبير عنها تنهضُ بجدرانها حاجبة السماء والشمس.
    قريب من سرب عصافير، بعينين محترقتين بمحرقته،
    رافضاً ما نراه يكبر.

    لكن الدم صراخ؛ صراخ يُوقظ الحلم الأخرس. حين حدث ذلك،
    الصمت المتواصل داخل القلب؛ صداه يفتح الصَّدر الذي ينبض
    مثل ضربات نافدة الصبر أمام بابٍ مغلق.
    لكثرة البلاغة التي لا جدوى منها يَخطو الآن هذا الخرس دون خُطی؛
    من الدم المُحطَّم، دون مخرج؛ من الصوت الحالكِ، شرك الكلمات في الذاكرة العمياء التي تحضر صورها في الظلِّ الخفيف، في
    ذروة الوضوح الذابل.

    وها أنت ذا، صديق روحي الوحيد. إلى جانب ابتسامتكَ، أريد شجاعتكَ معي؛ بهجتكَ في قَبضتي، إضافة إلى الأمنية الضارية، أنت فقط من يحفظ وحدة العظام والهواء؛ أجزاء عدمنا في الحب. وداعاً أيُّها المحارب، وداعاً.



    نص: فيليبي غارسيا كينتيرو
    ترجمة: عبدو زغبور
    من مجموعة: محفور (حتى الصمت): أنتولوجيا شخصية

  • فراديسُ الجبل الأخْضَر (مختارات) – مبارك العامري

    فراديسُ الجبل الأخْضَر (مختارات) – مبارك العامري

    سَوْرَةُ غَضَب

    أَنْتُم
    أَيُّهَا الغَاطُّونَ في غَيَاهِبِ التُخْمَةِ
    انْظُروا بُرْهَةً إلى أَبْعَدِ مِنْ أَحْذِيَتِكُم
    عَلَّ إنْسَانَ العَيْنِ يَصْحُو مِنْ سُبَاتِهِ
    ويَجْلُو مُحَاقَ الغْريزَة ..
    وأَنْتُم
    أَيُّهَا السَادِرونَ في الخَدَرِ الديونيسوسي
    أَزيحُوا قَليلاً كُؤوسَكُم المُتْرَعَةَ
    وانْصُتُوا مَلِيَّاً إلى الأَنينِ الرَاعِفِ حَوْلكُم
    فَعَلى مَرْمَى حَجَرٍ
    يَكْمُنُ الأَلَمُ بِكَامِلِ عُرْيِه..
    وأَنْتُم
    أَيُّهَا المَرْبُوطُونَ مِنْ رِقَابِهِم
    بِأَحْذِيَةِ الجَنَرالاتِ وعَمَائِمِ الكَهَنَةِ،
    المُنْصَاعُونَ بِخِفَّةٍ كَمَا دَلافِين َمِطْوَاعَة،
    الغَائِبُونَ في ثُمَالَةِ الخِطَابِ الحَالِك،
    لا يَقين َلَكُمُ اليَوْمَ ؛
    لأَنَّ رِئَةَ الحُرِّيَّةِ لا تَزَالُ خَضْرَاء ..
    وأَنْتُم
    أَنْتُم
    أَيُّهَا الهَامِشِيُّونَ،
    الرَائِعُونَ دَوْمَاً،
    انْفُضُوا الغُبَارَ عَنْ مَعَاطِفِكُم
    فَقَدْ أَزِفَ الخُروجُ مِنْ حَلْقِ المَتَاهَة..


    وجوهٌ في قِطَار

    خارجَ النَافِذَةِ،
    نافذةِ القطارِ السريعِ،
    السريعِ كَطلقةٍ حُبْلى بالمُفَاجَآت
    كانت الريحُ تُصَفِّرُ
    أو ربما تَئِنُّ
    مثلَ عاشقٍ لَوَتْ الدهْشَةُ
    لسَانَه..
    وفي الداخلِ
    لَغْثٌ مُتقطِّعٌ لمسافِرين
    أدْمَنوا الإيغالَ
    في ثنيّاتِ مُغَامراتِهم الصغيرة..
    وثمَّةَ همساتٌ ماكِرةٌ
    لامْرَأتَين حديثَتَي العَهْدِ
    بلغةِ التَخَاطُبِ
    عبرَ قرونِ الاستشعار..
    وبعيداً،
    بعيداً بعضَ الشَيْءِ
    عن مقاعدِ الدرجةِ الأولى،
    تَشْخَصُ عينان
    باحثتانِ عن رفيقٍ
    يختصِرُ المسافةَ الموحِشَةَ
    بكلمةٍ
    أو ابتسَامَة..


    فَراديسُ الجَبَلِ الأخْضَر

    هُنَاكَ
    حَيْثُ الشِعْرُ مُقَطَّرَاً
    كَمَاءِ الوَرْدِ
    تُعْتِقُ الخَمَائِلُ المُنَضَّدَةُ
    رُؤوسَنَا مِنْ قَبْضَةِ الضَجيجِ
    وتَرْهُفُ اللُّغَةُ
    لِأَنَّ ثَمَّةَ أَلْحَاظَاً تَجْلُو كِلْسَ المَشَاعِرِ
    الَّلابِدَةِ في شِغافِ القَلْب..
    هُناكَ
    حَيْثُ الغَمَامُ نِسْرٌ جَريحٌ
    كَادَ يَوْمَاً أَنْ يَفْرِشَ جَنَاحَيْهِ
    سَجَّادَةً يَسْتَريحُ عَلَيْهَا الضَوْء
    صَوَّبَ العُمَانِيُّ دَمَهُ
    فََاشْرَأَبَّ مُرْتَطِمَاً بِصْخْرَةٍ كَؤود..
    هُنَاكَ
    حَيْثُ الجَمَالُ مُعَانِقَاً هَامَةَ السُحُبِ
    والمَسَاءُ كَعَادَتِهِ
    مُكْتَسِيَاً غِلالَةً شَقْرَاءَ
    يَنْحَدِرُ الرُعَاةُ إِلى مَنْبَتِ القُرَى
    مُمْتَلِئِينَ حُبُورَاً سِرِّيَّاً
    بَيْنَمَا سيرينَاد قِيثارَاتِهِم
    تُهَوِّمُ في الأَزِقَّةِ الضَيّقةِ
    باحِثَةً عَنِ الجُلَّنَار..


    *نصوص: مبارك العامري

  • مشرَّدٌ أنا في حزنكِ يا مسقط (مختارات) – صالح العامري

    مشرَّدٌ أنا في حزنكِ يا مسقط (مختارات) – صالح العامري

    خط الأفق

    مسقط، يا حبيبتي المُثخنة بالخمر والجراح،
    تعرّي هذه الليلة
    استندي على الجمرة الصغيرة في خاصرة الأسلاف،
    اركضي بي في الطرقات مجنونة بالشهاب المنفجر الذي يحتطب الأفق،
    اندفعي في الكتب الملدوغة بالألحان
    اقرئي وجهي ووجهكِ على قارعة الحانة المخمورة…
    مشرَّدٌ أنا في حزنكِ،
    متورّط، مثل صقرٍ غابر وجارف، في تلمس غاباتكِ اللامرئية
    في الصعود إلى أشرعة بحركِ الهبوبيّ الذي يقود السفينة إلى جرار النبيذ
    والفقير إلى سلّم الكبرياء
    والقرصان إلى الكتابة…


    مسقط، أيَّها الرمح الملتهب،
    هو ذا قلبي يتلظى جذِلا
    كي يحبل بالكستناء…


    مسقط، أيها الجمال الأسيان،
    هي ذي كبدي، كي تنهمر باللهفات
    ويتكسر القند،
    مسقط، أيتها النار التي تلعب الشطرنج كفتاة مغناج،
    أيتها السبيكة الذهبية
    التي تعلّم البئر،
    أيتها الجبهة التي تشبه فلقة قمرية
    وتغور في حنجرة الشاعر
    وفي أصابع الليل…

    متُّ كثيرًا في دفتركِ يا مسقط،
    واستيقظتُ دائخاً في أول صفحة،
    ومثل روح من نبيذ وأعاصير
    قدتِني إلى المعرفة ذات الأجنحة، ذات الأغصان، ذات الأسفار، ذات الألوان،
    كي أخدع بكِ اللهفة
    كي أصطاد بكِ النمور
    كي أصعد راعشًا، مثل طيش أو جبل،
    على سلالمكِ الطالعة في الضباب…
    مسقط، أيها الزلزال الأبدي…


    عام الجوع

    ماذا كنتَ تودّ أن تفعل
    أيّها اللون البنفسجيّ
    الغائر كجرح، الفاجر كأفعى
    في بلدتي الصغيرة
    ذلك العام
    كيف حللتَ ذات ضحى ماكر
    مثل حقيقة سحيقة انفرطتْ للتوّ
    من وثاقها المعدنيّ
    كيف أتيتَ أيّها المطر الندفيّ
    مثل جمرة ذات جناحين تأكل الأفق
    كيف انتصبتَ أيّها الثعبان
    المدمدم بالأشواق
    كما تفعل البراكين
    بمخلوقاتها الشهيّة
    لماذا كنت تتقاطر أيَّها الشبق الأحمق هكذا
    كما لو أنّ البحر يركضُ هائجاً وراء طرائد غامضة
    كما لو أنّ حنينَ ثيرانٍ مفاجئٍ
    تسلّل بقوة البرق
    إلى الجسد المغرورق بالعَرَق
    كما لو أن الأرسان تحمل المشاعل
    متكسّرة، تطلب الحرية،
    محتشدة مثل نُقاطٍ سيّالةٍ من ضوء
    على ضفاف الأنهار
    آهٍ أيّها اللون الهادر
    حتّى أنّ الغربان توقّفتْ بغتة عن التصايح
    حتّى أن رؤوس النخيل صارت تترنّح في الأعالي
    حتّى أنّ السهام كلّها
    اندفعت مرّة واحدة إلى غزوة الدم
    حتّى أنّ السَّكْرة
    كانت منطرحة بغلالةٍ شفّافة
    أمام كوخ بحريّ
    حتّى أنّ الزيزان
    تتعاركُ برشاقة غريبة
    فوق أعراس المياه
    حتّى أنّ كل كائن مشّاء
    يرغب بشدّة أن يعضّ الآخر
    حتّى أنّ الرجل – في طيش غير متوقّع –
    يطارد عطر امرأة عابرة
    حتّى أنّ امرأة مهووسة، في وضح النهار،
    كانت تسرق زوجَ جارتها
    آهٍ أيّها الجوع
    الذي يقفز في ضلوعي
    حتّى أنّ قلبي الصغير
    صار يقرع أجراساً في مدنٍ بعيدة
    حتّى أنّ روائح القمح والقصب وطلع الليمون
    تشخبُ ناياتُها في صدري
    حتّى أنّ نيراناً مجوسيّة
    تطقطق بألسنتها في لساني
    حتّى أنني أصغي الآن
    إلى خلاخيل قدمين تتقدّمان نحوي
    في قافلة ضائعة في البراري
    حتّى أنني أرى رأي العين
    كاليپسو
    في لحظة خاطفة
    آسرةً إيّاي في كهفها
    حتّى أنني أموتُ من الجنون
    حتّى أنني
    أصرخ من اللذة.


    *نصوص: صالح العامري

  • فطرة – عبدالله الريامي

    فطرة – عبدالله الريامي

    كضلعٍ مُلوَّنٍ
    سريعٍ كحشرات المساء
    كصريرِ الأبواب
    أغمرُ ظهرَكِ بالأيام
    فترمينني بثمار السَّهو
    تدفعينني من حافة حلْمتيكِ
    واحداً واحداً
    غائبة، تهيلين كُتلَ الأنفاس
    كأنَّني لا أحد
    يا كَمين الرَّغبات المَجيدة
    حتّى لو لم تمْطري
    سأبقى غائماً إلى الأبد.


    صوتكِ يتدفأ بفرْكِ رَعَشاتي
    وشَعرُكِ القاني يسيلُ
    على سيرة خدَّيكِ
    فلماذا تبتسمين كخسارة
    نبتت في الشتاء
    أركضُ معتوهاً في أميال عينيكِ
    المُغمضتين
    وأجمَعُ قطعَ الأرض المُتساقطة
    من انحناءة رُكبتيكِ كلَّ صباح

    في الصيف تجرِّين ضلوعكِ
    كقاربي المَثقوب
    وكلَّما أصمّتني أصوات غرقاي
    يُبحرُ القارب المشطورُ
    بين فخذيكِ
    إلاّ أنّ اليومَ عادةً ما ينأى
    كعنق الديك
    كَمَا أنّ رغباتكِ
    بلون النوم في مَهد نسر


    حين ترتفعين في متاهة لُهاثكِ
    ويغشاكِ صمغ أكتافي
    أهوي كمرساةٍ تسبق منطادها
    على أرض رعشتكِ الأخيرة
    بينما الطيورُ المَطرودة
    من غابة التفاتكِ
    تخلعُ أجنحتها في رأسي
    كنحّاتٍ يستدرجُ خصراً
    ليراقص الأبديَّة.


    الهواءُ يُمرِّغُ شفتيهِ
    في يدكِ ترفعينها كرمشٍ
    يظلِّلُ الهواءَ آن يلتفتُ ظهرُكِ
    وتلوِّحين:
    موعدنا الأربعاء
    للذهاب للمسرح، أليس كذلك؟

    كذلك لولا هذه اليد المنسيَّة
    زئبقاً في مُختبر
    كذلك لولا الدّم يتدفق
    من رؤوس قدميّ
    فأرتفعُ ممثلاً على المسرح
    يصفعُ البشرية
    كذلك لولا الطائرُ الذي غادرَ
    عُش الرسائلِ
    فارتطمَ بأشرعةٍ طُويتْ
    لمراوغة العاصفة


    كذلك،
    أريدُ أن أقف أكثر
    في قبر حضنكِ
    لأقيس عُلوّ الحنين
    فوق الساعات
    أريدكِ دون سياج الحليبِ
    على مشارف حلْمتيكِ
    أريدكِ لافحةً كضلوع الزوايا
    أريدكِ طعنة لم تولد بباب أحد.


    أريدكِ كالسياط حائرة الأعصاب
    أريدكِ واسعة بين الحواس
    بين قاع اللمسِ
    وخُطّة اللسان
    أريدكِ أنظرُ إليكِ لأنتظر
    أيَّتها الحياةُ
    لم أتبعكِ
    لن تتبعينني إلاّ عارية
    أذابت شمسُ رأسي
    ملابسَكِ
    أيَّتها الحياة
    أنا سؤالٌ مُلحدٌ بالفطرة.


    *نص: عبدالله الريامي

  • بورتريه بقلم فحم – عبده وازن

    بورتريه بقلم فحم – عبده وازن


    جميلةٌ
    كطعنةٍ أخيرة
    في قلبٍ مُحتضر
    كرصاصة رَحمة
    تخترق رأس جنديّ
    كنظرةِ مُنتحرٍ
    لم يمتْ للفور


    جميلةٌ
    مثل انبثاق دم
    من فم طفل
    مثل سقوط جدار
    على نسوة في حُفرة
    مثل جروح تحفرها
    أسلاكٌ شائكةٌ
    على أجسادِ هاربين
    مثل شمسٍ تنشرُ حمرتها
    على جثثٍ في حقل.


    جميلةٌ
    مثل تخبّطِ مقتولٍ
    تحت سكّين قاتله
    مثل ابتسامة امرأة
    على مشرحة
    مثل صورٍ ماض
    تحترقُ في عُلبة
    مثل بيتٍ يَتَهاوى
    في القصف
    مثل سهلٍ تشتعل سنابله
    مثل بيتٍ يهبّ منه دخان.


    جميلة
    مثل امرأةٍ جميلة
    أرسمها بقلم الفحم.


    *نص: عبد وازن