المدونة

  • ربما كنتُ أخطبوطاً في حياة سابقة –  ندى أبولو

    ربما كنتُ أخطبوطاً في حياة سابقة – ندى أبولو

    ربما كنتُ أخطبوطاً

    في حياةٍ سابقة

    يكتبُ الشعر بثلاثة قلوب وبجرعة زائدة لم تقتله

    يغني لآلهته التي يَرَاها ممدَّدة أمامه على الشاطئ

    وتنظر إلى صورتها فيه

    وإلى انسيابها الخلَّاب في الألوان

    ربما كنتُ أخطبوطاً

    يركضُ بكلّ هذه الأرجل إلى الحياة

    يُفكّر في إخراج فيلم بيوغرافي عن الزُّرقة

    وكيف يعزف على البيانو بأكثر من ذراع

    وكيف يأخذ رُخصة القيادة بهذا الجسد المُتفرّع

    وأي يدٍ سيمدّها ليتناول كوب القهوة من البَائع

    ربما كنتُ أخطبوطاً

    يُضاجعُ البحرَ كلَّ ليلة 

    ويسكبُ السماءَ في جوفه عند الصباح

    ويمشي منتشياً إلى العمل

    ربما في حياةٍ سابقة

    كنتُ أخطبوطاً

    فأصبحتُ

    أصبحتُ الآن امرأة

    بقنبلة نووية بين فخذيّ

    وبساقيْن منهوبتيْن

    يحملُهما والدي في جيبهِ ويقفل الباب

    ويديْن منفيتيْن في صندوق جدَّتي القَديم 

    وجسدٍ ملتصقٍ بالسرير 

    وفمٍ نبتَ في داخلهِ بيت عنكبوت.

    *نص: ندى أبولو

    ملف خاص: لذكرى بسام حجار (في كلِّ قصيدةٍ قبر)

    حيث السحرة ينادون بعضهم بأسماء مستعارة – سيف الرحبي

    روضة الحاج – في موسم المد جزر جديد

  • ارم عود الثقاب – مهدي محسن

    ارم عود الثقاب – مهدي محسن

    أدِرْ
    ظهرَكَ
    لكلّ شيءٍ
    وامضِ
    نحوَ النجمةِ
    البعيدة.


    أنزلْ
    رأسَكَ
    قليلاً،
    دع المطرَ
    يرتطمُ بكَ
    دع الريحَ
    تعبرُ
    منك،
    دعْهُما
    يدفعانكَ
    إلى الأمام.



    ارْمِ عودَ الثقابِ
    على العالمِ
    وامضِ.


    ما في الوراءِ يحترقُ
    وما في الأمامِ
    يولدُ.


    امضِ
    أنت الخفيفُ
    الغامضُ
    اللّا مرئيّ.


    أنتَ
    الملاكُ
    الأسودُ
    أو الشبحُ
    الأبيضُ.


    اللا مرئيُّ
    اللا مُحدّد.


    الماشي في الهواءِ
    العابرُ في كلّ شيء.

    امضِ،
    اغمزْ للمرتطِمِ بالجدارِ
    وقلْ له:
    سنلتقي
    هناكَ
    بعدَ قليل.


    ارمِ بعلامةِ النصرِ
    للمحتضرِ
    وشُد على
    يدَيْه.


    ناولْ سيجارةً
    للساقطِ
    من النافذة
    قبّلْ دماغَهُ
    قبلَ أن يتهشَّمَ
    على الرخام.


    أعِدْ يدَ الرضيعِ
    عن عينِ النارِ
    واقرصْ خدّهُ
    أو
    اركلْهُ
    ناحيةَ أمّهِ
    أو
    ضعْهُ
    في السرير.


    سوفَ
    يضحكُ
    ويُناديكَ:
    بابا.
    فتتألّم
    بسببهِ.


    ربّتْ
    على كتفِ
    الجالسِ
    خلف النافذةِ
    وقل له:
    لا بأسَ
    أنا هُنا
    تعالَ
    معي.


    امضِ
    ولا تعُدْ من أجلِ أن
    تطفئَ الغازَ
    أو تغلقَ البابَ
    أو تأخذَ المفاتيحَ
    أو تسقي
    النباتات.


    ارمِ عودَ الثقابِ
    على البيت.

    إنّه ماضيكَ
    هذا الذي يحترق.

    امضِ
    يا أخي
    ولا تلتفتْ
    إلى الأمامِ
    ولا إلى الوراءِ
    ولا تعُدْ.


    لا يوجدُ
    ما تعودُ
    إليه.

    لم يبقَ
    ما يُشتاقُ إليهِ
    هنا.


    كلُّ ما تخلّفهُ
    يرمدُ.


    *نص: مهدي محسن
    *من ديوان: تتدلى الرقاب

  • أملكُ ضميراً ماتَ من كثرة الجَلد – حاتم الشهري

    أملكُ ضميراً ماتَ من كثرة الجَلد – حاتم الشهري

    الأبواب

    أوصدتُ أبوابي عن الخلائق كأني أملكُ كنزًا ثميناً، وأنا في

    الحقيقة لا أملكُ إلا جورباً مثقوباً، وسنجاباً ميتاً، 

    وضميراً قد ماتَ من كثرةِ الجَلْد.

    أملكُ داخلي غرفةَ توبة مُحطَّمة، وكازينو مُزخَرف ومليء

    بالذنوب، وكوزاً يفيضُ بالأيام السوداء، ومزودة 

    تتساقطُ منها الأحلام الجميلة.

    أنا بناية حكومية مزركشة من الخارج، وآيلة للسقوط

    من الداخل.

    إنّي أوصد أبوابي عن ثلاث قطع من الشوك، وشجرتين

    من السنط، وخرداوات قديمة من أيام شبابي.

    هناك مكانٌ قصي بداخلي ينبضُ بحيويةٍ قُصوى، وما

    رأيته إلا نابضاً، إنه كتابٌ في مكتبة روحي.

    الكتاب نابضٌ حتى في الأعماق.


    الزنبرك الصوتي

    رجاء أرسلي صوتكِ فهناك في روحي جروح لا تُشفى

    إلا بهذا الصوت.

    أرسليه في مظروفٍ، أو بطاقة مُعايدة، أو على فاتورة بضائع،

    المهم أن ترسليه.

    صوتكِ كمرهم خافٍ للعيوب، يخفي عيوب روحي ويرمّمها

    لتعود صالحة للاستخدام مرة أخرى.

    صوتكِ يزيل التجاعيد والتشقّقات التي لحقت بداخلي جرّاء

    التلوّث الإنساني اليومي.

    ليتني أستطيع حفظه في علبةٍ لأستخدمه حين

    الجروح المستقبلية، سأضعه في صيدلية بيتي.

    صوتكِ الهادئ خبأته تحت الوسادة، أدسُّه بين طيّات

    الملابس كمعطِّرٍ لها.

    *نص: حاتم الشهري

  • نحن رهينة للهيب والعراء – لبيد العامري

    نحن رهينة للهيب والعراء – لبيد العامري

    1

    كالعِنَب يعصروننا
    ويشربون نبيذَنا
    كالنَّخيل
    يحصدونَ رُطَبنا
    ويُخَلِّفوننا رهينةً
    للّهيبِ والعَراء.

    2

    يَدها عَلى خَدِّها
    تتفَرَّس في وجهِهِ
    بِعيْنٍ تَغْسِلُها اللَّهْفة
    والعَيْنُ مِرآةٌ ناصِعَةٌ
    للنَّفْسِ السَّحيقة‏

    3

    ‏غرائزُ الغاب تُعَشْعِش
    في الصُّدور
    إذا وددْتَ أنْ تغدو إنْسانًا
    عليكَ أنْ تقتلِعَها من قَعرِها
    وقَذْفَها وليمةً
    تَتَناهَش عليها السّباع

    4

    ‏قالت لي
    إنها مثقلة.
    آه إنها غيمة
    مترعة بالماء

    5

    ‏هذا العالم مقلوب
    ومبدَّد
    ولكي تراه بجلاء
    على حقيقته
    تجرع كأس الثمالة
    حتّى القاع

    6

    تتلقّفكَ الدُّروبُ وترشقكَ
    في حين تَظلّ
    وردةُ الحُبِّ اليانعة
    مزروعةً في قبضةِ يدك

    7

    مربوطون
    بحبالِ الأمنيات
    مجرجَرون إلى
    محبسِ الرغائب
    كأسْرىً صاغرين

    8

    حِبْرُ القَصيدة
    دَمُكَ المُحتَرِق

    9

    الحُبُّ هُو
    أنْ تحبسَ أحَدًا ما
    كعُصفورٍ
    في قَفَصِ أضْلُعك

    10

    ‏‏حين تشتعلُ العَتْمةُ
    ويقتِمُ الضَّوْء
    تغدو القصائدُ والأغنيات
    قُبَلاً رئيفةً في
    موْضعِ الجُروحِ المُعَتَّقة

    11

    شُروخُ الرّوح
    كُوىً
    مُشرّعة عَلى
    الحَقيقة..

    *نصوص: لبيد العامري

  • لا بأس – مريد البرغوثي

    لا بأس – مريد البرغوثي

    لا مُشْكِلَةَ لديّ

    أتَلَمَّسُ أحْوالي .. لا مُشْكِلَةَ لديّ

    شكلي مقبولٌ ولبعضِ الفتيات

    أبدو بالشعرِ الأبيضِ جذاباً

    نظّاراتي متقنةٌ

    حرارةُ جسمي سبعٌ وثلاثونَ تماماً

    قميصي مَكْوِيٌ .. حذائي لا يؤلمني

    لا مُشْكِلَةَ لديّ

    كَفّاَيَ بلا قَيْد.

    لِساني لم يُسْكَتْ بعد

    لمْ يصدرْ ضِدْي حٌكْمٌ حتَّى الآن

    ولم أُطرَدْ مِن عملي

    مسموحٌ لي بزيارة مَن سَجَنوهمْ مِن أهلي

    وزيارةِ بعض مقابرهم في بعض البلدان

    لا مُشْكِلَةَ لديّ

    لا يُدهشُني أنَّ صديقي أَنْبَتَ قَرْناً في رأسِه

    وأُحِبُّ بَراعَتَهُ في إخفاءِ الذيل الواضحِ تحت ملابِسِهِ

    وهدوءُ مخالِبِهِ يُعجبني.

    قَدْ يَفْتِكُ بي، لكني سوف أسامحه فهو صديقي

    وله أنْ يؤذيني أحياناً

    لا مُشْكِلَةَ لديّ

    ما عادت بَسْمَاتُ مُذيع التلفزيون تُسَبِّبُ لي أمراضاً.

    وتعوَّدْتُ على توقيفِ الكَاكِيَّين لألواني

    ليلاً ونهاراً.

    ولِهذا أَحْمِلُ أوراقي الشخصيةَ حتَّى في المَسْبَح

    لا مُشْكِلَةَ لديّ

    أحلامي رَكِبَتْ أمس قِطَارَ الليل

    ولمْ أعرفْ كيفَ أُوَدِعُها

    وأَتَتْنِي أنباءُ تَدَهْوُرِهِ في وادٍ ليسَ بِذِي زرعٍ

    فحَمِدتُ اللهَ، ولمْ أبكِ كثيراً

    فلديَّ كوابيسٌ صُغْرى

    سأحولها، إنْ شاءَ اللهُ، إلى أحلامٍ كُبرى

    لا مُشْكِلَةَ لديّ

    أتَلَمَّسُ أحوالي مُنْذُ وُلِدْتُ إلى اليوم

    وفي يأْسِي أتذكرُ

    أنَّ هناكَ حياةً بعدَ الموت

    هناكَ حياةٌ بعدَ الموتِ

    ولا مُشْكِلَةَ لديّ

    لكني أسأل:

    يا الله!

    أهُناكَ حياةٌ قبلَ المَوت؟



    *نص: مريد البرغوثي

  • حصاد في يد الوقت (مختارات) – علي الشلال

    حصاد في يد الوقت (مختارات) – علي الشلال

    حصادٌ في يَد الوقت

    في أول ساعات ولادة يوم جديد

    وبينما لا يزال الفجر صبيًا

    يصيح الديك اليقظ،

    حكمة الديك تقتضي ألا ننهض

    لكن الصوت كأي معنى آخر

    يشوّهه الهواء،

    إلى أين نمضي

    هذه الصباحات تنزف

    هذه الصباحات تهرب

    والعالم ليس بمقدورهِ اللحاق،

    يصادف أحيانًا أن أملك فكرة

    لكنها حين تضيء

    ينبت العطش على سطح هذا العالم،

    في مزرعة الوقت حين دخلت سهوا

    لَحَظتُ الوقتَ كأيِّ رجل يسقط،

    كأيّ رجل يتعبه الدوران،

    أيقنتُ أنّه يَمرض

    لكنَّ النهاية عصيّة على اللمسِ،

    ما بين المزرعة والمضمار الذي تركته خلفي منتظرًا

    ضاعَ الأينُ مثل غرابٍ أرهقه سيل الجُثث.


    رحّال يشكل طريقه اللونُ

    قُبيل النوم

    يرسم الطريق في ملامحي لوحة،

    فما زالت الألوان التي نَثَرَتها يدكِ

    تعبث بالباحثين عن الغزالة،

    الأثرُ علامةٌ

    كيف لمغامرٍ مثلي

    أن يكشف الأوراق والطين

    في الغابة الظلماء

    ويتبع الأثر،

    كلّ الفراشات تمسك اللحظة وتعبث بالزمن

    لذا أردتُ أن أمضي

    دون أن يدركني الوقت،

    فجأة!

    يلوّحُ في الهواء

    عطرٌ لا صلاحية لدهشته

    أتساءل، كيف للجمال أن ينمو ويتمرَّد

    كيف يتوغّل

    ربما هذا السرُّ الذي يجعل الليل

    سماعة هاتف،

    يصيح بي طيف:

    لن يُجدي الصراخ شيئًا،

    نم أيها الحالِمُ

    نم، فالطير الذي يغني لا يسمعهُ الذي يعزفُ.


    قبل أن أرتدي نظارتي الطبية

    قبل أن أرتدي نظارتي الطبية

    رأيتُ العديد من الجميلات

    لكنكِ الآن خلف الزجاج، تمحين الوضوح

    وتمنحيني عينين جديدتين

    عينان وظفتا لكي تزرعا زهرة

    أو تلتقطا تفاحة تميل معها الأرض

    أو تدلا على بئرٍ يؤسس الماءَ بقلبهِ. 

    على مرأى الغصن المتدلي الهامس للأرض،

    يمشي العشب،

    في حفيف تُعكِّر مزاجه الفصول،

    إلا أنّه يمشي،

    وكأي عشبةٍ بالغة تستطلع الماء بعيدًا،

    أنا الآن ذاهب باتجاهكِ،

    عشبة،

    مرةً يصلها النداء ريحًا

    يوقظ صوت كل أسلافها،

    تتذكر خطأهم جيدًا، أنهم بقوا في الحديقة،

    ولم يتبعوكِ،

    هي حال الحَيرة 

    التي لم تلقَ عزلتها فيكِ.

    *نص: علي الشلال

  • الحزن المرض العضال – عارف عبدالرحمن

    الحزن المرض العضال – عارف عبدالرحمن

    لا حدّ لهذا الحزن، أزاولهُ
    كأنّه عادةٌ مُزمنة، أو مرض عضال
    أثقل من هَرمٍ سوداني يتربّع في
    الصحراء.
    وفي فجوة الأزمنة المتاحة لي
    في الحياة، أطلُّ بنصف وجهي المفرح
    لأشهدَ أيامي المدفوعة بنوع من البهجة.
    تتمرَّغ روحي في طين الوقت لكي
    تستعد للطيران مني
    حائرة بين خيوط الفرح ولون الحزن
    الإمكان مثل عصفور
    يتمَرْغَلُ وسط بركةٍ ضحلة.
    ذاكرتي التي لم تُرد أن تصير كيساً للقمامة
    فضلات الحزن المتبقيَّة تقاسمني
    نصف أيامي.
    دماغي المهزوزة من هذا الحزن
    كيف للعالم أن لا يحزن على اغتصاب النساء؟
    أو ضربهن أو موت الأطفال في الحروب؟
    أو المجاعة التي تعصف بالبشر.
    من يستطيع أن يقول لي: من أين تبدأ الذاكرة
    من يستطيع أن يقول لي: متى ينتهي الوجع
    و الألم المجاني.
    في آخر الليل
    أنا من يفتح أبواب، الذاكرة
    ولا يعرف كيف يُغلقها، وينام.
    من يستطيع أن يقول لي: من أين تبدأ الذاكرة
    من يستطيع أن يقول لي: متى ينتهي الوجع
    و الألم المجاني.
    في آخر الليل
    أنا من يفتح أبواب، الذاكرة
    ولا يعرف كيف يُغلقها، وينام.

    *نص: عارف عبدالرحمن

  • حبٌ وجنون وكآبة: بنهج شارل بودلير – عائشة العقيبي

    حبٌ وجنون وكآبة: بنهج شارل بودلير – عائشة العقيبي

    أودُّ أن تنطبق السماء المتقلِّبة

    -بثقلها ووهنها- على نَفسي الكئيبة والباهتة

    على نَفسي فريسة السأم والقهر الطويل

    وتلفّني بذراعيها مثل أناكوندا غاضبة، وجائعة

    وتصبّ عليَّ ليلاً قاتماً وشاحباً

    لوعته أشدُّ من ليال الحزن فقيرة الأُنس

    وعندما تصير الأرض علي مثل سجنٍ قديم

    ويتراءى الأملُ حينها ألماً يطير

    يهدّم الجدران بجناحيه الشائكتين

    وتتداعى السقوف المُهترئة على جسدي.

    وعندما يُسقِط المطرُ قطراته السَّامة

    متشبّهاً بقضبان السجن القديم.

    تفاجئني لحظتها صرخة نفسي

    يبدو الأمر مثل أصوات أجراسٍ ثائِرة،

    تُطلق عويلها نحو السماء..

    كم هو مرعبٌ، وقبيحٌ عويل النفس

    الضائِعة في سجن ذاتها

    حينما تهِمّ بالنواح

    تبدأ بعد ذلك موسيقى مهجورة

    تجلب معها قلقاً متجبّراً

    ولأنَّني أموت كلَّ يومٍ مرّات لا تُحصى

    كانت تلك الموسيقى.. بُكاء الألم المقهور

    وهو يحمل جنائزي..

    أُنادي قبل أن أموت مرةً أخرى

    أقول: تعال إليَّ

    أيّها الرجل الحالِم، والهائِل

    أريد أن تُبحر أصابعي المُرتجفة في كلِّ جَسدكَ

    وأن أدفن رأسي المُثقَل في صدركَ

    وأن أستنشق الأثر الدافئ لحُبّي قبل أن يُصبح شجرةً ذابلة

    أريدُ أن أنام بعدها

    أنامُ في نُعاسٍ أشهى من الموت!

    وسأقبّلكَ ضعف ما تُقبّلني بلا ندمٍ أو كَلَل

    آهٍ من جسدكَ الجميل

    أتحسسُّ سمرته

    وأدفن آلامي فيكَ وأسكّنها..

    لا شيء عندي يُشبه جنَّة مضجعكَ

    نسيان آلامي يَقطن حول فمكَ

    ونهر النسيان الذي أرغب بارتشافهِ

    يتدفقُ من قُبلاتكَ

    وهأنذا أستسلمُ لقدري معكَ بهناء

    كجنديٍ يعرف بأنَّه هالكٌ في الحربِ

    وبأنَّه في البلاد محكومٌ عليه

    ولكنَّه راضٍ بمصيرهِ.

    *نص: عائشة العقيبي

  • كلُّ الأشياء التي ستُفعَل غداً – دعاء سويلم

    كلُّ الأشياء التي ستُفعَل غداً – دعاء سويلم

    غداً؛
    سأدخّن سيجارةً وأنا أكتبُ قصيدةً
    أمام جارتنا التي تقول عن المُدخّنات:
    وقحات

    غداَ؛
    سأرسمُ وشماً على كتفي
    سأمنحُ ذراعي لأوّل رجلٍ سيحبني
    كما أنا
    مثل أفعى تدور حول خصره

    غداً؛
    سأقتلُ إنساناً وأسرق كليته وأقدّمها هديةً لأبي
    في عيد ميلاده
    سأخلعُ حذاء أمي، وأضعه فوق رؤوس الأوغاد

    غداً؛
    سأهجرُ البلاد التي أحبّها
    إلى بلادٍ تحترمني كإنسان طبيعي

    غداً؛
    سأدعسُ الأشخاص الذين في رأسي
    لن أخاف أبداً

    غداً؛
    لن تموت الآلهة في بلادي
    ستعيشُ مثل آلهة الغرب

    غداً؛
    لن أخبّئ كلماتي في الحمامات
    سيطلبُ الله أن أُسمِعهُ قصائدي

    غداً؛
    سأقبضَ ثَمَن روايتي
    وأشتري الذُّرَة التي أحبّ

    غداً؛
    سيأتي الصّباح لأوّل مرّة

    غداً؛
    سيكون حلماً!

    *نص: دعاء سويلم

  • أنظرُ إلى ذاتي برأسٍ مائل – عبدالله العقيبي

    أنظرُ إلى ذاتي برأسٍ مائل – عبدالله العقيبي

    1


    أنظر إلى ذاتي برأسٍ مائلٍ إلى اليسار قليلاً
    كرأس عازف الناي المائلة
    كذلك أنظر إلى الحياة
    وإلى الناس
    والأشياء
    لا أمدُّ رأسي إلى الأعلى
    فذلك يؤلم رقبتي
    كما أنّها طريقة قبيحة للنظر إلى العالم
    لا أريد الكثير من الحياة
    أريد أن تظلَّ ساكنة
    لأتمكن من التقاط الجمال وهو يمر سريعاً ومموهاً كالنمور
    الرأسُ المائلُ على الدوام يحتاج الصورة البطيئة ليتمكَّن من اقتناصها جيداً
    أنا حتماً مصابٌ بمرضٍ ما يدفعني إلى جرِّ رأسي بهذا الشكل
    لا أتهم العالم بالمَيَلان – على أنَّه مائلٌ بصورةٍ ما – المُشكلة في رأسي المثقل بشيءٍ ما لا أعرفه
    لعلَّها الذكريات تكوَّمت
    أو الخوف حين يكون أثقل بكثيرٍ من اللازم
    أو لعلَّها مجرَّد كرة غولف كتلكَ التي يحاول الأطباء تبسيطها لمرضى الأورام
    لكنَّني أحبُّ هذه النظرة وهذا المَيل القليل
    ولا أعبأ بنظرات العابرين المُستقيمة


    2

    أقول
    عندما تسألين هذا السُّؤال في المرة القادمة سأكون جاهزاً
    ويحصل أن يأتي السؤال مباغتاً
    ومرة أخرى أرى عينيكِ تَنظرانِ إلى أسفل حلقي
    ولا تقولين لي أنَّكِ رأيتني أبتلع الحقيقة
    حسناً
    لن أخبركِ بالحقيقة يوماً
    ليس لأنني خائف
    بل لأنَّها لعينة وتهرب كلَّما قبضت عليها
    الأمر معقد
    تباً
    فقط لا تغضبي
    وإن أردت مَشورتي
    يجب أن نفكّر سويَّاً في اختراع مَصيدة
    أو لنترك الحقيقة مُختبئة ونبدأ في الصراخ
    هيا!




    3


    لستُ ذلك الرجل الذي يلتهم المرأة الجميلة كدجاجة مشوية
    أنا أحبُّ المرأة التي تهوى الثرثرة على السرير
    و في المطبخ
    و أمام التلفاز
    وعلى طاولة الطعام
    وكم أحبُّ المرأة الحزينة التي تمشي عارية في البيت
    تلكَ التي تُدلّك جَسدي بسخونة دموعها
    والتي تحكي قصصها عن قمع و ظلم و استبداد الرجال
    حتى لو كانت ستعترف لي بعد ذلك بأنَّ جميع قصصها كانت من نسجِ الخَيال
    تلكَ التي تهوى شتم الرّجال
    أريد واحدة من النساء اللائي يلدن الحُزن كلَّ ليلة
    و يعرفن الطريق إلى قصص الوَحشة و الكوابيس
    أريدها الآن
    أنا جاهز ومستلقٍ في الماء الساخن
    أريدها أن تَتَعرَّى أمامي وتقعد على طرف حوض الاستحمام
    و تبدأُ في البكاء


    4


    الأشياء التي أفعلها بعيداً عن عين أمي وزوجتي وأبنائي:
    تربية قَطيعٍ من الحُزن
    صرف المال بسخاء على امرأة لَعُوب اسمها الوحدة
    مكالمات ليلية طويلة مع فتاة ماتت من عشرين عاماً
    الانتحار كلَّ يومٍ بحُقَن اليَأس
    الكتابة كلَّ يومٍ


    5


    يجري أخي الأكبر في الشارع وراء ابنه الأوسط شاهراً مسدسه
    وروح أبي تصرخُ من النافذة:
    توقف!
    الجيران لا يرون روح أبي وهي تنظر من النافذة و تصرخُ بأعلى ما أوتيتْ من موت:
    توقف!
    الجيران مشغولون بهذا المشهد الذي سَيَملأ فراغ أيامهم القادمة
    أخي الأكبر لم يبكِ يوم مات أبي
    تماسكَ حتّى النهاية
    لكن دمعته انحدرت اليوم حين رفع نظرته أمام نافذة أبي
    سمع صراخ روح أبي بوضوح لكنَّه لم يتوقف
    روح أبي قفزت من النافذة


    6


    الأمس جندي يقوم بتنفيذ الأوامر الصغيرة
    يركلُ مُؤخّرتي
    ويأخذني عبر ممرٍ ضيّق إلى غُرفةٍ رَطبةٍ
    اسمها العُزلة


    7


    شربتِ الغَزالة
    ثم هَرَبت إلى السُّهول
    وأنا البحيرة أنتظرُ عَطَشها


    8


    فقدانُ الأمل يَهجمُ كلَّ يومٍ
    في مواعيد مضبوطة تماماً
    سقطَ من يَدي كوبُ الحليب الساخن
    فبكيته بكاءً مراً
    كما لو كان آخر كوب حليب ساخن في العالم
    لم أعد أريد كوباً آخر
    أريد هذا الحليب المسكوب
    وأريد أن تعود اللحظة
    أريد أن أتعلم كيف أمسك بالأشياء
    واللحظات
    والكلمات
    هذا التَّعثر اليوميّ أهلكني


    9

    جُثَّتي في صندوق سيارة صديقي
    ولا يعرف أين يُلقي بي
    أخبرني قبل سنوات بأنَّني لو لم أبقَ صديقه هذا يعني أنَّني قد مُت
    و أنا الأبله لم أفهم




    *نص: عبدالله العقيبي
    *من ديوان: تباً كخطأ مقصود في ترجمة الأفلام

  • عشقكِ نقشٌ يُحلّقُ في دَمي – بدل رفو غراتس

    عشقكِ نقشٌ يُحلّقُ في دَمي – بدل رفو غراتس


    مسافرٌ عبر السنين ..
    ومن كأسِ الوَجدِ والنَّجوى يرتشفُ الهيام
    لتُسكره أغنية الحبيبة..
    يُبعثر الليل رومانسيةً وشعرًا وهوًى..
    يرقدُ على أرصفة تتلذّذُ بحكايات سَفرٍ..
    حكايات تهزّ تغريدة القُبل ونرجس الجبال.
    يا لآلئ المُوسيقى.. ويا حُرقة الشوق ورحيق الزمن..
    أعطوني جواز سفرٍ لأشدَّ الرِّحال
    صوب مملكةِ جسدها ومروجِهِ وفضاءاته..
    كي أحيلَ شَوقي ولوعتي عطراً وبطولات..
    كي ترتفع من أثرِ كلِّ قُبلةٍ نَاطحة سحاب..
    سأقتفي آثار مسامات جَسَدكِ،
    وعلى سواحل شفتيكِ سترسو مراكب لهفَتي
    لأروي منهما ظمأ الروح شهدًا..
    لأغزوه على وقع الريح
    كي أنتشي بفرحة الانتصار.
    يا نكهة العُشقِ للبحار ومرافئ السلام..
    عشقكِ نقشٌ ووشمُ فجرٍ يُحلّقُ في دَمي
    يرطّبُ ذَاكرتي في مطارات العالم!


    أنتِ..
    لوحةٌ خالدةٌ لبراءةٍ مُقدَّسة..
    سيرافقكِ نرجس بِلادي وحجل كوردستان
    لملامح الدنيا وعزلة المكان..
    في ظلّ كورونا وباء هذا الزمان!


    أنتِ..
    حكايات الماضي والحاضر في أشعاري..
    قلمي والبحر الذي أغمرهُ بأوجاعي
    من دون وشاحٍ أو خجل،
    كي أروُّض الريح
    لأرقصَ معكِ رَقصة النَّار والثلج،
    حالماً بالغد.. والقُبلات التي لا تنتهي!




    *نص: بدل رفو غراتس

  • تَلِفتَ تماماً من الداخل (الشعر المجري) – زيتا إيجو – ترجمة: كريم جمال الدين

    تَلِفتَ تماماً من الداخل (الشعر المجري) – زيتا إيجو – ترجمة: كريم جمال الدين

    زيتا إيجو: شاعرة معاصرة من المجر، كتبت هذه القصائد في الأزمة السورية وآلام اللاجئين

    التَّماثل

    في محطةِ الاستقبال

    حاول اللاجئون القادمون من مختلفِ الدول

    مواساة بعضهم البعض بحُرقةٍ.

    اطمأنوا لاحقًا،

    فليس عليهم أن يتحابوا،

    يكفي أن يلتقط كلّ منهم من الأرض

    صخرة مُماثلة لصخرةٍ أخرى

    فإذا تفارقت طُرقهم لاحقاً،

    ولم يعودوا يتذكرون حتّى أسماء بعضهم البعض،

    سيتذكرون على الأقل أنَّ هناك شخصاً

    في مكان ما يحمل صخرةً مُماثلةً،

    ومهما كان مقدار ألمه،

    لم يَسحَق بها شيئًا،

    لم يكسر بها نافذة،

    لم يتحدث إليها، لم يقمّطها،

    لم يحطّم بها رؤوس هؤلاء

    الصارخون بوجههِ بعُنف،

    بل يحملها معه،

    كما يحملها الآخرون.

    ويومًا بعد يوم شعوره بثقلها يتناقص.


    الآخرة


    رسالة بولس الرسول إلى العبرانيين 35:11
    “أَخَذَتْ نِسَاءٌ أَمْوَاتَهُنَّ بِقِيَامَةٍ”

    من كلِّ المخيم،

    ومن بين كلِّ أفراد عائلتي

    أنا الوحيد الذي عدتُ.

    فَحَصني الأطباء لفترةٍ طويلة ثم قالوا:

    تلفتَ تمامًا من الداخل،

    كشجرة الجوز التي بَدَت سليمة من الخارج،

    ولكنَّها استسلمت العام الماضي

    ومالت على جدار المستشفى.

    أما زميلي في السكن فقد ذكّرته بزهرة عباد الشمس،

    فمنذ فترةٍ وأنا لا أُحرّك إلا رأسي.

    يتحدثُ البعض مع أزهارهم،

    كي تنمو سريعًا،

    يزعم أنَّكَ أيضًا ستبدأ التَّحدُث معي

    في نومي، يا سيدي.

    منذ ذلك الحين وأنا أحلم،

    بأنَّهم يُعيدوني للمخيم،

    تمامًا إلى ذلك المكان،

    حيث رأيتُ والديَّ للمرةِ الأخيرة،

    يغرزون قدمايّ في الأرض حتى كاحليّ،

    وتنموا منّي أزهار في حجم قوقعة الأذن،

    لعلّني أسمعكَ هكذا بشكلٍ أَفضل، يا سيدي،

    ولكنّني لا أسمعُ أيَّ شيء آخر،

    إلا أصوات النباتات،

    وهي تتلمس طريقها لتنبُت من الأرض،

    أسمعُ تلكَ الطقطقة الخافتة،

    بينما تنشقُّ قشور البذور.

    عند التبرعم تتفتح البَتَلات،

    تنطلق العروق الدقيقة تحت الأرض،

    وتبدأُ الفروعُ المُتجمّدة في النمو،

    تنبتُ الأوراق، تَنمو بكثافةٍ وتجلب الثمار،

    ترنُّ في أذني جوقة الخلق متعددة الألحان،

    وتكرّر بدون انقطاع الرسالةَ الوحيدةَ،

    أنَّني لا زلتُ على قيد الحياة،

    وأنَّ هناك، من ارتكبَ ذنبًا

    أكبر من ذلك بكثير.


    درس الأحياء

    حدثَ في إحدى أبرد أيامِ الصَّيف.

    أثثنا مأرضة مع طلبة الصف الثاني

    ووضعنا بها دودة قز،

    كي نشاهد مراحل الولادة الجديدة.

    صاح الولد القادم من حلب:

    أن هكذا ستخرج من القبور

    أمواتهم المحصورة تحت أنقاض منازلهم

    ذات الثلاثة طوابق.

    ترسَّخ الصمت بسرعة في الأجواء

    كالإسمنت المصبوب في مجرى النهر الجاف.

    لأشتت انتباه الآخرين حثثتهم على تسميَّة

    الفراشة التي ستخرج قريبًا من الشرنقة.

    اقترح هو أيضًا اسماً غريباً،

    ذا رنين مميَّز، اكتشفتُ لاحقًا،

    أنَّه اسم مضاد اكتئاب الأطفال،

    الذي كان يتعاطاه منذُ شهور.

    عندما خرجتْ الفراشة من الشرنقة،

    كان الولد قد توقف عن المجيء للمدرسة.

    ربما أدرك أنَّ ما قاله حينها لن يحدث

    ولم يرد إحباط الآخرين.

    أما نحن فقد احتفلنا بالحدث،

    شاهدنا بتمعن،

    بينما فردت الفراشة أجنحتها المنكمشة،

    ثم أطلقناها إلى الخارج وأغلقنا النوافذ،

    شاهدها الأطفال بعيون لامعة و وهي ترفرف.

    لم أخبرهم أن البرد قارس في الخارج

    وأنها قريبًا ما ستتجمد.

    دَعهم يستمروا في الإيمان بالبعث.



    *نص: زيتا إيجو
    *ترجمة: كريم جمال الدين

  • الجميع يريد امتلاك راديو أمي الصغير – أمينة الصبيحي

    الجميع يريد امتلاك راديو أمي الصغير – أمينة الصبيحي

    لا أدري كيف فاتني شراء هاتفٍ بلا راديو
    لقد عاينتُ الهاتف جيدًا قبل شرائه
    لكنّي لم أنتبه..
    اعتدتُ في الصباح تشغيل الراديو
    والاستماع إلى المُوسيقى، والأخبار.
    الآن، صباحاتي هادئة.
    كتبتُ رسالة إلى الشركة:
    “هاتفكم رائع، وبه قلم،
    وفي الصندوق أشياء كثيرة،
    لكن ليس به راديو.. الرجاء إعادة النظر في ذلك.
    هاتفكم لا حياة به”
    رسالة سخيفة،
    قمتُ بحذفها..
    لا حياة به.. إنَّه هاتف!
    إنَّه راديو!
    بإمكاني تنزيل تطبيقٍ ما من المتجر
    والتوقف عن النواح.
    لكنّ الأمر لم ينجح..
    كنتُ أسيرةً لشبكة الواي فاي!
    وشعرتُ بأنّ رأسي مُكبَّل بطريقةٍ ما.
    فشكوتُ الأمر لأُمي.
    قالت لي: “لا تشكي همّك.
    خذي الراديو الخاص بي بجانب رأسي.”
    راديو صغير،
    على شكل جروٍ بنّي اللون، أحمر الأنف.
    وبه مصباح يُضيء عتمة أيامي.
    يؤنسُ وحشة صباحاتي.
    حملتُ الراديو،
    كمن رُزق بمولودٍ جديدٍ الآن.
    وأبي ينظر إليّ
    وإخوتي ينظرون إليّ..
    حَلُم الجميع بذلك الراديو.
    لكنّه أيضاً،
    وبعد عدة صباحات مُتتالية..
    توقف عن التقاط الإشارات
    وبدأ بالنُّباح.
    حاولتُ إسكاته
    وتغيير موضعهِ.. لكنّي لم أنجح.
    وضعتُ كوب القهوة جانبًا
    برنامجي الصباحي على وشك البدء..
    والراديو يمتنع عن العمل!
    توقفتُ عن أكل قطعة البسكويت..
    انتظرتُ الوقتَ المُلائم
    واتصلتُ بالبرنامج الذي أستمع إليه دائمًا.
    أحتفظُ برقمهم في ذاكرتي
    حتّى لا أضيع
    “صباح الخير” قالت المذيعة
    لم أستمع لما قالته
    لكنِّي قلتُ لها: اشتقتُ إليكم. أنا الآن بلا راديو، وأتمنى لكم السلامة.
    قاطعتني: خففي عن نفسك. لا بأس بحياة بلا راديو.
    أغلقتُ الهاتف مباشرة.
    وضعتُ رأسي بين يَديّ
    واحتضنتُ الجروَ الصغير.

    *نص: أمينة الصبيحي

  • ذي بريزنتيشن – سامر أبو هواش

    ذي بريزنتيشن – سامر أبو هواش

    في “السلايد” الأول، تكتفي بكتابة اسمك بخط عريض مظّلل، أو تكتب: “حياتي”، وتضعها في المنتصف تماماً، حيث تظنّ أنها حياتك الحقيقية.

    تنتقل إلى “السلايد” الثاني، حيث كتب أحدهم بخط عريض: الرؤية والأهداف؛ تستعين برسم تعبيري للضباب، وتهرع إلى “السلايد” التالي.

    الرسالة: واضح أنها غير متوفرة في الوقت الحالي، لذا تقرر العودة إليها لاحقاً (مدركاً أنك لن تعود إليها لاحقاً)، وتستعين مؤقتاً باقتباس ملهم من باولو كويلو أو إيكهارت تول أو ماري أوليفر؛ إياك التفكير بعصبة المتشائمين البذيئين من أمثال سيوران أو تسيلان أو بازوليني.

    تذكر نفسك: التزم دوماً بالنموذج.

    خطة العمل: تفكر في تخطي هذا “السلايد” أيضاً، ثم تكتب: الانتقال الأبدي من شارع معتم في الرأس إلى زقاق مضيء إلى جادة معتمة، ثم الجلوس الأبدي على حافة الأشياء، حيث حديقة لا يراها سواك، وحيث عصافير مرحة تمدّ لك ألسنتها، وبعضها يمدّ أشياء أخرى ليس من اللائق ذكرها.

    مدة المشروع: من ساعة إلى خمسة عشر عاماً على أبعد تقدير، ما لم تكن هناك انقطاعات مؤقتة أو دائمة في الذاكرة أو الإحساس المعقول بالعالم.

    فريق العمل: أمُّ تحمل بكلمات قليلة صخرة حياتي، زوجة تحتمل كآبتي المزمنة، أولاد يستعدون لمواصلة شتاتي، وثلة من الأصدقاء السفلة.

    الميزانية التقديرية: كوب قهوة في الصباح وكأس نبيذ في المساء، وما تتسع له الرئتان من سجائر.

    تصل إلى “السلايد” الأخير حيث يجب أن تكتب: نهاية العرض. لكنك تكتب “شكراً” تضعها في المنتصف تماماً.

    وتظل حائراً بين أن تتبعها بعلامة تعجب حائرة أو بعلامة استفهام مستنكرة أو بنقطة حاسمة أو بفاصلة منقوطة ملتبسة.

    في النهاية تكتفي بوضع ثلاث نقاط. وترمي البرزنتيشن في القمامة.


    *نص: سامر أبو هواش

  • لماذا نرتجفُ عند الحافة؟ – لؤي أحمد

    لماذا نرتجفُ عند الحافة؟ – لؤي أحمد

    عزيزتي،

    لماذا نرتجفُ عند الحافة؟ لماذا ترتعدُ أوصالنا عند النظرِ للأسفل.. من ارتفاعٍ شاهق؟

    لا أعتقد إطلاقًا أنَّ السبب هو التشكُّك في ثباتِ عضلات أقدامنا، أو ثُقل رؤوسنا بالنسبةِ لأجسامنا، حتّى لو كانت هذه حقائق، فإنَّنا لا نكترث لتلكَ الحقائق في خُطواتنا العاديَّة، فلمَ نكترث بها فوق المرتفعات؟

    أعتقدُ أنَّ الحرية هي السبب. تَقفين على الحافةِ ثم تُدركين مَدى هول حُريّتك، إذ بإمكانكِ إنهاء كلّ شيء بإشارةٍ بسيطةٍ من قدميكِ، أو التراجع للوراءِ على مَهلٍ. إما إنهاءً لكلِّ شيء، أو الاحتفاظ برصيد سنينٍ إضافيَّة، تُكملين فيها الماجيستير، ثم تتفرَّغين لثبيت قدميكِ في العمل، وسنوات أخرى للزواج والعلاقات والملايين من التفاصيل.

    القرارُ على المحك، والحريَّة التامة على الحافَّة.. الحريَّة أكثر جلالًا من النقمة. أترين!

    كلَّما أجلس في مَقهانا المُعتاد أتذكر حديثنا، الذي استفاض، ثم استحال لتحدٍ، أتذكرُ نظرةَ عيونكِ لَحظتها، ذلكَ الضيقِ في الحَدَقة، والحركة السريعة للبؤبؤ، وارتباكِ حاجبيكِ.

    سألتِني ما دوافعكَ للمُغامرة؟ قلتُ الحريَّة، فكرة الإمكانية على ذلك تثير جنوني، للبناء تارة وتارة للتدمير. أنا قادر على السفر، فلمَ لا أسافر. أنا قادر على إنهاء علاقة، فلم لا أنهيها. تلحُّ فكرة الإمكانية عليّ كإلحاح مندوب مبيعات مُلحّ، وتلهو الحريَّة من ورائها لتغيظني.

    كنتِ ترين دائمًا أن َّما أقوله مُجرَّد دوافع طفولية، وأنَّ المغامرة تقتضي دومًا نَقمة على الحاضر. 

    لا زلتُ أتذكر جدالنا.. لذا في كلِّ مغامرةٍ أخوضها أطرح بالنقمةِ أرضًا، وأتذكركِ قائلاً: الحريَّة تكفي، وسأنجح، برغم من تشكيكِ بذلك. 

    يوماً ما سأقومُ بمغامرةٍ عظيمة، سأحكي لكِ عنها، وسأذكركِ وحقيبتي على ظهري، ومن حولي ألسنة مُختلفة، وسأرسل لكِ أنّي يا مارثا لم أكره يومًا ما قد مَضى، ولم أمحُ صورَ من مرُّوا عليّ، وأني فعلتُ ما فعلتُ لدوافعي الطفوليَّة، مثل طفل يبني قلعة على الرمال، فقط لأنه يستطيع، ويدمرها بعد ذلك، لنفس السبب. وأعدك أنني سأبني أجمل قلعة. وستعيدين النَّظر.

    مع حبي

    *نص: لؤي أحمد

  • لم يَشبع من تَقبيلِ الآمال (مختارات من الشعر الكردي) – روخاش زيفار – ترجمة: ماجد ع محمد

    لم يَشبع من تَقبيلِ الآمال (مختارات من الشعر الكردي) – روخاش زيفار – ترجمة: ماجد ع محمد

    الميِّت


    بوضوحٍ
    لم يقرأ مرةً
    صفحات قلبه.

    ورودَ قامة حبيبته
    لم يشمّها بحرية.

    آمال حياته
    لم يشبع من تَقبيلها

    لا أعرفُ لماذا
    يعدّ نفسه من ضمن الأحياء.

    Mirî


    Tu caran
    Rûpelên dilê xwe
    Eşkere nexwendine.

    Gulên bejna yara xwe
    serbest bîn nekirine.

    Hêviyên jiyana xwe
    Têr maç nekirine.

    Nizanim çima
    Xwe ji zindiyan dijmêre?!

    البكاء


    مثلما ليس بمقدورِ أحدٍ
    الابتعاد عن ظلِّه تحت الشمس.

    ومثلما لا يَقدر أحد
    على الضحك بشفةٍ واحدة

    أنا أيضاً لا أستطيع العيش
    دون بكاء.

    Girî
    Çawa ku kes nikare
    Di bin ronahiyê de
    Ji siya xwe dûrkeve
    Çawa ku kes nikare
    Bi lêvikê bikene
    Ez jî nikarim
    Bê girî bijîm.

    جولة


    الحمائم
    تبحث عن السلام
    البلابل
    تبحث عن الورود الحمراء
    الفراشات
    تبحث عن النور
    وأنا
    أبحث عن ذاتي.

    Ger

    Kevok
    Li aştiyê digerin
    Bilbil
    Li sorgulan digerin
    Perwane
    Li ronahiyê digerin
    Ez
    Li xwe digerim.

    اللّص


    سرق كلمةً وباعها
    أكلَ بثمنها دجاجة
    سرق جملةً وباعها
    أكلَ بثمنها خروفاً
    توجّه صوبَ قصةٍ
    فالتهمتهُ القصة.


    Diz


    Peyvek dizî û firot
    Pê mirîşkek xwar.

    Hevokek dizî û firot
    Pê berxek xwar.

    Ber bi çîrokekê çû
    Çîrokê ew xwar.

    الكلب


    من أجل بضعة عظماتٍ
    يحرس الأبواب
    يعوي بوجهِ السماء
    يعضُّ أحلام الناس
    ولكن لأنَّه يمشي على قدمين
    يسمونهُ إنسان.

    Seg


    Bo çend hestiyan
    Deriyan dipê
    Bi ewran de direyê
    Xewnên mirovan gez dike
    Tenê ji ber ku
    Li ser du lingan dimeşe
    Nav li wî jî dikin mirov.

    السجين


    تحت ضربات السياطِ
    قالَ:
    الربُّ رحيم
    بعد عدة نداءاتٍ وصرخات
    عصا الرب أيضاً
    صار ضيف جسده.

    Girtî


    Di bin çoyan de
    Got: xwedê dilovane
    Piştî çend bang û qîrînan
    Çoyê xwedê jî
    Li wî bû mêvan.

    سرعة


    امتطيتُ أقدامي
    فسبقتني الخيولُ

    امتطيتُ صوتيَ
    سبقتني الطائرات الحربية

    امتطيتُ قلبي
    سبقتني النقود

    امتطيتُ أحلامي
    سبقتُ الله.

    Lezgînî

    li lingên xwe siwar bûm
    hesp ketin pêşiya min

    li dengê xwe siwar bûm
    balefirên şer ketin pêşiya min.

    li dilê xwe siwar bûm
    dirav ketin pêşiya min.

    li xewnên xwe siwar bûm
    ketim pêşiya xwedê.

    الورد والحياة


    قالت الوردةُ الحمراء:
    أنا شمسُ الأكبادِ والقلوب
    وحدي أنا من يَنبغي أن يعيش.

    وقالت الوردة الصفراء:
    أنا نجمة العيون
    فوحدي أنا من ينبغي أن يعيش

    وقالت الوردة البيضاء:
    أنا عروسة العالم
    فوحدي أنا من ينبغي أن يعيش

    فردت الحياة:
    ربيعٌ أنا
    ولستُ بوردة.

    Gul û Jîn

    Gula sor got:
    Ezim roya cerg û dilan
    Divê ez tenê bijîm.

    Gula zer got:
    Ezim gelewêja çavan
    Divê ez tenê bijîm.

    Gula sipî got:
    Ezim buka cîhanê
    Divê ez tenê bijîm.

    Jînê vegerand:
    Biharim… ne gulekim.

    بحيرة الأحلام


    بلا صوتٍ
    بأوجاعه
    سنَّ لُغةَ لسانهِ
    دفّأ همومه
    أغلق عيونه
    ورمى بنفسه في بحيرة الأحلام
    في أذن كلّ حُلمٍ
    زرع سؤال عمره
    وبعد عدة حسراتٍ عميقة
    جميعها معاً
    بصوتٍ واحد قالوا له:
    متى ما رأيتَ نفسكَ
    وقتها ستراها أيضاً.

    Gola Xewnan


    Bê deng
    Bi êşên xwe
    Zimanê dilê xwe tûjkir
    Xemên xwe germkirin
    Çavên xwe kilîtkirin
    Û xwe avêt gola xewnan
    Di guhên her xewnekê de
    Pirsa temenê xwe çand
    Piştî çend keserên kûr
    gişkan bi hev re
    bi dengekî jê re got:
    kengê te xwe dît
    hîngê tu yê
    wê jî bibînî.

    ابن الكَسَلْ


    يبغي من عيون السماء
    أن يقطف باقةً من التحيّات.

    ومن صدر وثمرات الأرض
    يقطف عنقوداً من النشوى.

    ومن فمِ الزمن والفلك
    يقتلع ربيعاً من المدائح.

    ومن وجوه المحبة
    يبتاع حياةً من القُبلات.

    في الوقت الذي لا يريد
    أن يخرج فيه من حضن الكَسل.

    Lawê Bêkêriyê

    Ew dixwaze
    Ji çavên ezmên
    Gurzek silav biçine.

    Ji sîng û berê zemîn
    Goşiyek dilşadî jêke.

    Ji devê dem û dewranê
    Biharek pesin hilke.

    Ji rûçikên hezkirinê
    Jînek ramûsan bistîne.

    Lê ew naxwaze

    Ji hembêza bêkêriyê jî derkeve.

    مُلاحظة صغيرة


    أعرفُ
    نعم أعرف لماذا
    لا يسمحون لي
    بأن أسرّح قلبي بحريَّة
    أسقي عيوني
    أطلقُ نظراتي
    أقرأُ بلغتي
    أُغني بسعادة
    أفرحُ بثراء وطني
    ولكني لا أعرفُ
    لمَ لا يسمحون لي البكاء بحريَّةٍ؟

    Têbînek Biçûk


    Dizanim
    Erê dizanim çima
    Nahêlin serbest
    Dilê xwe biçêrînim
    Çavên xwe avdim
    Nihêrînên xwe berdim
    Bi zimanê xwe bixwîninm
    Bi kêfxweşî bistirêm
    Bi dewlemendiya welatê xwe şabim
    Lê nizanim ji bo çi
    Nahêlin serbest bigrîm?!

    بلا مشاعر


    سرقوا أحلامه وأمانيه
    فلم ينتبه إليها

    قتلوا ابتسامته وبكاءه
    فلم ينزعج بسببها

    شلّوا إرادته وعقله
    فلم يسأل عنها

    امتطوا حياته
    فلم يتحرَّك

    وعندما سمّوه حماراً
    أبدى انزعاجه.

    Bê Hest

    Xewn û hêviyên wî dizîn
    Li wan hay nebû.

    Ken û giriyê wî kuştin
    Li ber wan neket.

    Hiş û vîna wî pûçkirin
    Li wan nepirsî.

    Li jiyana wî siwar bûn
    Xwe nelivan.

    Nav lê kirin ker
    Xeyidî.


    *نص: روخاش زيفار
    *ترجمها عن الكردية: ماجد ع محمد

  • بتلاتُ الورد حين تَتفتق (الشعر الأندونيسي) – سباردي جوكو دامونو – سالم بارباع

    بتلاتُ الورد حين تَتفتق (الشعر الأندونيسي) – سباردي جوكو دامونو – سالم بارباع


    «أنا الورقة الأخيرة من الشجر؛ الذي يودّ بأن يراكَ سعيدًا»

    ‏”Aku selembar daun terakhir, yang ingin menyaksikanmu bahagia”

    سباردي جوكو دامونو


    1
    بتلاتُ الوردِ حين تَتَفتّق

    مثل بتلات الورد حين تَتَفتّق
    فجأة! نشعرُ بوحشيّة
    حبّنا
    نورٌ مُعتمٌ وعتمةٌ منيرةٌ في السماء،
    الغيومُ على الأرضِ متجاورة
    الوحدة العتيقة تنتشرُ
    مثل قَحطٍ تشعرُ به الرمشُ، وفي يومٍ ما
    على أجنحةِ الفراشة، ألوان الأجنحة
    تغريد الطيور على غصن الهواء
    ريش منير: كم هو مُضطرب
    حبّنا
    مثل سكِّيرٍ يمشي أو زهرٍ يذبل.


    2
    مكانُ [آدم]

    آدم نزلَ إلى الغابة
    تلبّس الخُرافةَ
    وها نحن على حين غرّة صِرنا هنا
    نُحدِّق إلى الفراغ الوحشيِّ: السماء.


    3
    في المرض

    حين يقرع الجرسُ
    حديث زهيد؛ نحن سنعود لاحقًا
    همستُ: من القادم (؟)
    من الذي سيُرافقكَ في رحلتكَ الحزينة (؟)
    في الغرفة نستحيل بغموضٍ إلى صدى.
    خارج الليل تُقيم الأبدية في كتمان
    وبإخلاصٍ نُعاود حديثنا
    وكأنَّه الأبد، مُنتظرين حتّى يُقرَع الجرس ثانيةً.



    • *نص: سباردي جوكو دامونو
    • **ترجمة: سالم بارباع
    • ثلاث قصائد لشاعر إندونيسيا المعاصر سباردي جوكو دامونو (Sapardi Djoko Damono)، الذي توفى العام المنصرم، مخلفًا أثرًا شعريّاً-غنائيًا في إندونيسيا لا يجاريه فيها أحد، وقد تمت الترجمة عن الأصل مع مراجعة الترجمة الإنجليزية التي أنجزها الأسترالي هاري آفلينچ ( Harry Aveling) ضمن مختاراته للشعر الإندونيسي المعاصر والذي كان من ضمنهم دامونو.
  • ظلِّي يدورُ حولي من الجنون – علي المازمي

    ظلِّي يدورُ حولي من الجنون – علي المازمي

    أُحاولُ احتساءَ الضوء
    من خلفِ نافذتي
    بينما عظامي في احتجاج
    والرأسُ بزلزالهِ
    يُشرِّدُ ملايين البراغيث
    والأفكار…


    ربما يكسرني البردُ
    ربما لن أتذوقَ طعمَ الحبيبةِ في النهارِ،
    ربما أَدخلُ الجنةَ وَأَصير غيري.

    ظلِّي يدورُ حولي من الجنون
    أعضائي مرعبةٌ
    ورعودُ التباريحِ القديمة تزأر في أُذني
    يعود الموتى
    كأنّهُ البرزخ من جديد
    كأنَّه محتوم عليكَ مُداعبة أرملة عزرائيل.


    قالت:
    كبُرت يا بُنيّ
    هل جاء صيتُكَ،
    واخترَقَك نصلُ حبيبي؟
    قبَّلتُها
    وسرتُ أبحثُ في أفاعي الشَّعرِ
    عن غوايةٍ
    تُنزلني أسفل الدهرِ،
    سآكلُ ما لديكم
    لكن، امنحوني العودة،
    لأولد مرةً أخرى
    وأحيا
    مُذنِبًا كبيرًا.


    ما تحققتُ بعدُ
    وصلبي ما زال مليئًا بالآمال،
    ما رميتُ جسدي من فوق البرج
    ولا لعبت النرد على رصاصتي الأخيرة
    فاعتقيني أيَّتها الحمى
    ويا خفاشُ، طر مِن رئتي
    بعيدًا
    حيث العتمة الجميلة
    تنتظرك على السرير.


    *نص: علي المازمي

  • مُتسكِّعٌ لا يَحلمُ بشيءٍ – سيف الرحبي

    مُتسكِّعٌ لا يَحلمُ بشيءٍ – سيف الرحبي

    وكالموجة التي تنشبُ أظافرها
    في جسد الإعصار،
    دخلتُ تيه هذا العالم
    قاذفاً بذخيرةِ الأيام في قعر جهنم
    شاحذاً أعضائي بشفرة صُنعت
    من غياب

    .
    وكطفل يلعبُ دائماً بخسارة،
    لم أنتظر شيئاً كثيرًا من أشباهي
    لم أنتظر أيّ شيء
    عدا ضجيج النوافذ والأبواب
    تنفتحُ وتنغلقُ جانب رأسي
    ببراءة العواصف الراحلة من غير اتجاه.


    لكنِّي موجودٌ وغير موجود
    أعرف أنّي مكللٌ بالفراغ،
    سيرةٌ لا تنقصُها التفاصيل
    المضاءة بفوانيسِ السَّحرةِ،
    وعليكَ أن تحفر في قلبها
    بمحراثٍ كي تسكب
    دمعةً واحدةً
    أو تحصل على اعتراف.


    عليك أن تتبع قمر الرحيل الممتدِّ
    من الماء إلى اليابسة، ومن اليابسة
    إلى القبر،
    كي تلمح شبحاً في كهف.
    جنيّ يرتجف خوفاً من الله،
    وينام على فخذ
    الشيطان.


    لكني موجود.. ربما
    أنا الآن في مقهى
    أرقب العالم من وراء الزجاج،
    صفرة المغيب.


    بقايا صداعٍ من رحلة الأمس،
    سأطفئه برحلة اليوم
    ولا ألوي على شيء
    لتقذف الأنهارُ نفايات مُدنها
    في البحر
    ويبصقُ المُتشرّدون على أضرحةِ القديسين
    والجنود يحلقون رؤوس ثكناتهم،
    وليحلّق النسر عالياً أو منخفضاً
    هكذا .. فقط.
    من غير ضرورة أن نتحدث
    عن صلة المصبّ بالنبع
    أو عن القرية الهاذية تحت
    ضلع الطوفان،
    والأماسي الجميلة لشعراء
    يحلمون بالانتحار عبر قاربٍ
    يغرب ببطء في سديم
    المياه
    أو عبر بلطةٍ تنزل فجأة وبدون رحمة.


    عليك أن تبيع أمتعة بيتك،
    لتحصل على قهوة الصباح.
    [أي بيتٍ كان عندك؟]
    عدا حذاء ممزَّق يفركش ليل
    المدن
    وأسمالٍ ورثتها من صديقكَ الميت
    تذكر [وهل يمكنك أن تنسى؟]
    كيف كنتَ ملاحقاً بفزاعة الفقر والفريسيينّ وبنات آوى
    في القاهرة ودمشق. في بيروت
    والجزائر وصوفيا وباريس.. إلخ
    تذكر كلَّ شيءٍ بسطوع الولادة
    بوضوح السَّرطان المتجول بين
    الأنهار كسائح مأخوذ بمضارب
    البدو.


    أيتها الأم النائمة على الإسمنت
    العاري
    بين ركام الخيش والملابس المبعثرة
    كشواهد قرية
    سحلتها الصواعق.

    لم يعد ثمة حقلٌ لنظراتك الملأى
    بالتوقعّات
    لم نعد نصغي لصياح الديكة
    أو نجلب السمك من الساحل
    لم يعد ثمَّة فجر تلعبين بريشه
    على حافّة البئرِ
    البئر الذي ودعتني منه لأول
    مرة منذ سبعة عشر عاماً
    [لا تغبْ عنا كثيراً]
    خطوة واحدة فجَّرت فلك
    الأميال،
    واسترسلتْ في هذيان المجرّات.


    وصولٌ
    عندما أسافر إلى بلدٍ
    تسبقني إليه الإشاعات
    فأنتشي،
    مثل ذئبٍ تسبقه أحلامه نحو الفريسة
    ولا أصل!



    *نص: سيف الرحبي

  • أتركُ البيت – عبدالله حمدان الناصر

    أتركُ البيت – عبدالله حمدان الناصر

    أتركُ البيتَ من أجل البيت.

    لأنَّ البيت يحتاج إلى بيت.

    لأنه مزدحمٌ بي ويحتاج إلى الهواء.

    يحتاجُ أن يجلي أهله أحياناً كي يعود إلى نفسه ويصلب طوله من جديد.

    ‏كأنَّ علينا أن نترك مسافةً بيننا وبين البيوت.

    شيئاً من البعد والهواء كي لا يصيب الملل هذه الزيجة الطويلة البيضاء.

    ‏كأنَّ البيت يحتاج إلى كهفٍ يَبكي فيه مثلما يَبكي الرجال حين يُسافرون وحين يعودون.

    للبيوت عادات مثل أهلها.

    وربما عاداتٌ يخجلُ البيتُ من ظهورها أثناء وجودِنَا فيه.

    لأنَّ البيت روح. والروح لها عادات لا علاج لها.

    لأنَّ البيت أبٌ غامضٌ أيضاً،

    وله أسرارٌ يَبوح بها للشمسِ والظِّلال، يخفيها لفافات من الهَباء في زواياه.

    لأنَّه ربما كانت للبيت طرق سريَّة في التنفس والتَّدخين،

    وربما لا يريد أن يُدخّن أمامي بدافع خَجَلٍ أبويّ.

    أيظن نفسه قُدوتي؟ يخجل من طفولتهِ التي تَظهر مع تَقدُّمهِ في العُمر؟

    كأنَّ للبيت حاجات لا يَفهمها المقيمونَ فيهِ، ويحتاج حينها أن يكون وحده بلا عابرين.

    كأن يكون على علاقةٍ غير مرئيةٍ بمبنى مقابلٍ أو بكائناتٍ ما فوق الفيزياء؟

    هو البيت. ليس جسماً أو موجةً. ليس حلم أحد. حلم نفسهِ رُبَّما.

    وللبيت حواس، أقول، وله حاجة إلى الضحكِ والغضبِ والدمعِ والازدهار.

    رُبَّما يريد هو أيضاً أن يَبكي طفولته، مفقوداته، وأسلافه، ويمنعه وجودي فيهِ من البُكاء.


    خُروجي من البيتِ ضرورة للبيت.

    والمكث في المَقهى طيلة الوقت ليسَ ترفاً، بل هو من أجل سلامةِ البيت

    فحين أخرجُ يُرتب البيتُ نفسَهُ من جديدٍ،

    يعدِّلُ من أخطاءِ الوقتِ والتناسخِ والمللِ والتكرارِ كي

    لا

    يَنهار.

    ‏وأُفكّر أنَّ الوَحدة فكرة أنانيَّة تَقتُل البيت.

    أنَّ الوجود الطويل لشخصٍ وحيدٍ داخلَ بيته سوءُ هضمٍ وسوء فهمٍ للحُريَّات.

    أحسُّ أحياناً أنَّني وجبة هذا البيت التي اختطفها وهو مَخمورٌ

    من مطعمٍ صينيّ شبه مُضاء في شارعٍ فَرعي

    وأفسدتْ قلبه ومعدته ولياليه.

    ‏كأنَّني ألمُ معدة البيت. كأنَّني شعوره بالتخمة والغَثَيان.

    أشعر أنَّ جسدي سَالمونيلا البيت.

    أنَّ روحي فكرة سامة تقتلُ البيتَ ببرود.

    أن انبعاثات سامة تتطاير من جِلدي وأدمغتي قد تقتل البيت في أية لحظة

    حين أبقى أياماً دون أن أخرج على الإطلاق.

    ‏كأنَّني نُفاية البيت.

    صحيحٌ أنَّ البيت يَتنفس حين أُخرجُ القُمامةَ منتصف الليل، وحين أستحم، أقلّم أظفاري، أتخلَّص من أذاي.

    لكنَّني بشكلٍ ما، مع الوقت، ربما بسبب سوء الصَّدر ونوبات الغضب

    والإفلاس أول الشهر،

    أُصبحُ نفاية البيت.

    كأنَّني حين أخرجُ منه يَتَنفس البيت.

    لذا أخرجُ على عَجَلٍ، أحياناً، كي يَلتئم عظم البيت.

    أنام عند صديقٍ أو في سيارتي في الخلاء كي لا يَتَسمَّم البيت ويموت.

    ‏أتركُ البيت

    كي لا يموت البيت

    حتى لا أفقد آخر شيءٍ

    يسمح لي بالرجوع إليه.



    *نص: عبدالله حمدان الناصر