يحيّرني صمتُ السؤال الهاطل ملحاً من كفيكِ بغير اتجاه القلب كما انثيال مطرٍ على حجرِ من عويل الصبر ليس له مكان يحيّرني صوت هذا الصمت الجاثم في شكل ضوئكِ
أكأنَّما مات الكلام؟! أوّاه يا امرأةً بلون اليمّ تحت أنامل قمرٍ يَخجل في شهر القيام من قصَّ سماء ضفيرتكِ في ليلة العشق المقدَّسِ من؟ من أسكتَ الأجراس في ليلةِ الميلاد من؟ وحوّر طعم النبيذ الأثير فصار بطعم الترابِ ..
الحدادِ ..
الغياب
يا امرأة من نكهة مخمل صدر القصيدة ألف سؤالٍ في البكاء هنا يتوسَّل وجه الجواب يشقّ صدر الذاكرة فتنكسر السلالم في محيا الشوق يجهضها المحال تنكسر السلالم في محيا اللحن يجهضها المحال
“الموتُ يحُيطنا مسبقاً بصمتٍ لا نهايةَ له. كما لو كُنَّا جزيرةً مُحاطةً بالماء. لكن، فيه بالضبط يُوجد مستحيل القول. لا تهم الكلمات التي لا تفتق ذلك الصَّمت. ما الجدوى من الحديثِ عن “لحظة قبر” حين يكون كلُّ كلامٍ لا شيء .. لأنَّه لا يبلغ ما وراءَ الكلمات؟”
– جورج باطاي، قبر لويس الرابع عشر
الموتُ هو الانبثاق الفُجائيِّ لِصمتٍ ساحقٍ وغيرِ محتملٍ. فَفي الوقتِ الذي يتمكنُ فيهِ الموتُ من الإنسانِ يُصيبُهُ بالصمتِ والرغبةِ في تحريكِ الجُثَّةِ لاستعادة الكلام وحركات الحياة، والصرخةُ اليائسةُ للشاهد عَلى الوَفاة، ونَفيهِ القَصير لأن يَكُون المَوت قَد حَل، تَكشف الاضطراب المتولّد عن الغزوِ البارد للصمت، حينها يقَدِّم الموت نفسه بِاِعتباره ذلِك الخرَس الألِيم. تخنقُ الدَهشة مَن يحضر لَحظة العُبور هذه وَتنْذرهُ لِعَجزٍ جِذريّ لِلُّغة. فَالموتُ وَهوَ يُحطمُ العلاقةَ بالعالمِ يَصدرُ عن المقدسِ، وبالأخصِّ اللحظةُ الهاربةُ للعُبور نَحو العالم الآخر؛ أَي ذلك الإِحساس بالمُطلق الذي يَنتزع المَرء مِن الحَياة العادية ويُواجه المَرء بِلُغز شَرطه البَشري وَبِحَدس نِهايتِهِ الشَخصية.
عند قرب الموت يُصابُ الكلامُ بِالاختناقِ، ويتبددُ في الصمتِ أو ينشرخُ في الصرخةِ. فَفي استحالةِ اللقاءِ بِالآخرِ المطلقِ وإمكانِ لَمسِهِ، يَتفككُ الكلامُ وَيَستدعي بِالأحرى الخرس. الموتُ نهايةُ كلامٍ كان عنفوانُهُ يَتمثلُ في الوجهِ المهتمِّ لِلآخر الذي صار اليَوم غائباً. فَإِزاء التَحطيم النِهائي لِلمعنى، يعْمَل عبُور الحدُود علَى إعْدام اللغَة ويُعِيد الإنْسان إلَى عرْيه وَعَجْزه النهائي عن فهْمِ دلالة وجُوده. تَتَفَكك الشاشة الهشَّة للكَلمات أَمام المُستَحيل على القَولِ، وفي تَأجُّج ألمٍ يخنُقُ الحَلقَ كما لو كانَ ذلكَ للإِفْصاح عن تفاهَة الكلامِ. يبينُ الموْت أَن وراءَ الصمْت الذي يعقد أَحيانًا لسانَ الحياةِ يمتدُّ صَمت آخر، أَشد عُمقاً يشمَلُ مَعنى حضورِ الإنْسان نفسهِ في العالمِ.
فَفي التخومِ الرمزيةِ التي تمكّنُ من تَملّكِ دلالاتِ الأشياءِ، وَفي عتبةِ خطِّ العتمةِ، يَكونُ الفردُ متروكاً لِحالِهِ، من غيرِ معالمَ منيرةٍ، تَنهشُهُ الحيرةُ أو الخوفُ. وَإزاءَ جثمانِ الميتِ المكفَّنِ في ما لا يُسمى، نَراهُ موزعاً بينَ العالمِ المعقولِ لِلحَياة الجارية وَبَين العالم العِصيّ عَلى القَول الذي صار يَنْتمي إِليهِ الآخر، قَريباً مِن ما يُجاوز الفِكر، بَين عالميْن، إذ يَعيشُ حالُ تعليقٍ حيثُ يَغيبُ القلبُ وَتَنبثقُ العواطفُ. العودةُ لِلطابع العادي لِلوضْعياتِ الاجتماعية بتَرك الغرفة الَّتي تُسَجَّى فيه جُثَّة الآخَر تكُون مثقلة الاختلاء بالذات، وبِغِلاف من الصمت يجعَل الكلِمات عصَيَّة علَى النطق، حتَّى لقَول الأشياء الأوَّلية، كطَلَب تذكِرة حافلة أو قول عنوان لسائق التاكسي أو تحية صدِيق. فالأسَى الَّذي يحِسُّه المرء عند موت شخص يستَدعي لحَظات الصمت نفسها والكلِمات ذاتها، المستعملة سلَفًا، لكِنها تكُون أولى وحارقة لأُولئك الَّذين يسِيرونَ في هذا الدرب المتَّبع حيث يكُون كلُّ شخصٍ وحِيدًا.
يَسكنُ الصمتُ الموتَ كما لوْ كانَ مصدرَ غذائِهِ، وَهوَ يَبدو كما لو أنَّهُ يَرمي فيهِ بِبعضِ جذورِهِ. في الديناميةِ الجماعيةِ التي تُؤلفُ بينَ المشاركِينَ لِعدةِ أيامٍ من غيرِ أيِّ ترتيباتٍ غير أنْ يَكونُوا هناكَ وَيُفكرُوا في دلالةِ حضورِهمْ المشتركِ، فَإنَّ لحظاتِ الصمتِ الطويلةَ التي تَتولدُ من غرابةِ الموقفِ غالباً ما تَقطعُها الشهقاتُ أو لحظاتُ التأثرِ حينَ يَربطُ أحد المعزِّينَ بينَ هذا الانطواءِ على الذاتِ وَذكرى فِراقِ شخصٍ قريبٍ. وَالصمتُ الرهيبُ الذي يَشلُّ أعضاءَ مجموعةٍ ما يَستدعي صورَ الحدادِ وَيُنعشُ عواطفَ تَكونُ مخزونَةً إلى هذا الحدِّ أو ذاكَ.
الضّنى يُلزم بالصمتِ، ويؤدي إلى الانسحاب من الأنشطة العاديَّة للحياة، بدءاً من اللغةِ التي يستعملها الفرد بتحفّظٍ أو يَصدّها بقوةٍ. لا يعودُ الألمُ يتداخل مع الكلمات القابلة لقوله. إنَّه يُلزمُ اللغة بالعجز بحيث لا يَتبقَّى للمرءِ غير أن يَصمُت، وهو أمرٌ يكون بالغ التعبير.
إنَّ لحظةَ الموتِ -حسب نيهر- هيَ الصمتُ الذي يَنهشُ الحياةَ. فَمدةُ الموتِ هيَ الصمتُ الذي يبعد عن الحياةِ بِشكلٍ لا نهائيٍّ. لا أحدَ استطاعَ أنْ يَنتزعَ شيئاً من الموتِ غيرِ الصمتِ. وَلا أحدَ استطاعَ أن يَلحقَ الموتَ، لأنَّهُ يَنغمسُ في صمتِهِ كما لوْ كانَ رمالاً متحركةً. ثمةَ في الموتِ اقتلاعٌ من الحضورِ يُثيرُ ذهولَ من كانَ شاهداً عليْهِ.
صمتٌ خفيفٌ يُخفي الألمَ وَيَضع بِاستمرارٍ حجاباً معَ الغيرِ، أحياناً خلالَ حياةٍ بِكاملِها. فَالفردُ المفجوعُ يَمنحُ حينَها الانطباعَ بِالرتابةِ وهوَ يُحسُّ نفسَهُ دوماً في محيطِ الأسى، مهموماً دوماً بِغيابِ الآخرِ من غيرِ أن يُسميَهُ أَبداً، وحيداً معَ ألمٍ يَستعصي على القولِ. تُشدّدُ “آني دوبيري” على ضرورةِ إبكاءِ الأطفالِ إذا ما أصيبُوا بِفقدانِ أحدِ أفرادِ عائلتِهم. فَتَملُّك الحدث معَ الألم الذي يَنجمُ عنهُ أو الصراخ الذي يُطلق، يمنح الحريةَ لِلعاطفة، وَيُؤَكّد التمرّد أَمام الأَحداث. إِنَّهُ يَجعل المَرء يَتَفادى تَحنيط الحِداد الذي يُؤَدي إِلى عَيش المَرء فِي ظِلِّ ذاتهِ. وَما كَتبتُهُ “آن دوبيري” بِهذا الصَدد يَنْطبق عَلى كُلِّ شَخصٍ يَعِيش الحِداد عَلى قَريبٍ لَه: “الأسى المقفولُ لا يَجفُّ بِذاتِهِ، إنَّهُ يَكبرُ وَيَتسمَّمُ وَيَتغذَّى من الصمتِ، ومن صمتٍ يُسمّمُ من غيرِ أن يُحسّ بهِ أحدٌ”. لذا فإنَّ فضاءً لِلكَلام مَع المَفجوع بِالموت فِي مُناخِ الثِّقة أَمرٌ يُحَرِّر الأَلمَ بِالاِقتلاعِ مِن الصَّمت.
*نص: ديفد لوبروتون *ترجمة: فريد الزاهي *مقتطفات من كتاب: الصمت لغة المعنى والوجود ، فصل الصمت والموت.
عشرون رأسًا، وأنينٌ واحد، وعطونةٌ تؤكد اتحادهم، ملامحهم ينز منها دمٌ أصيل معبرٌ عن الكارثة.
كانت “شما” تراقبهم من أعلى التل، وتتخيل الرائحة النافذة التي يتحدث عنها الجميع، كانت الأقرب إليهم من موضعها ذاك، وتتمنى في كل مرة تقف هناك، لو أن الريح، تحمل إليها العدوى، فتنضم إليهم إلى أن تحين لحظة الموت، لكنها كانت تفلت دائمًا، تنجو، لعله أنفها الغائب، لعله وباءٌ تنقله الرائحة، وهي بعد أيام مجدها في تقصي الرائحة، ليست إلا “شما” ذات الأنف المجدوع.
تراقب مصائراً محتومة، وتستغرب من رغبتها المستميتة في أن تكون مكانهم، بين المرتفعين القاحلين اللذان يمثلان تلتان بمحاذاة الساحل، المنفى الاختياري لكل من أصابته عدوى الجدري، يذهب إلى هناك، يحفر قبره بيده، يدفن الجسد، ويترك الرأس خارجًا كعلامة، كوصمة عار بكل تشوهات الملامح، حتى تحين لحظة الموت، ليبقى بوجه معلق، ينتظر انقضاء لحظة الوباء، حتى تنطفئ الروح، ويميل الرأس المتعفن.. العلامة الفارقة على فرار الروح
تستذكر بداية الأمر، مع “عبود بوراسين”، ارتفاعٌ مباغت في الحرارة، ثم نتوءات مقززة بدمامل مائية راحت تنتشر على كامل الجسد، كان يجر جسده جرًا، قبل أن يتشوه الجسد، لم تنفع معه علاجات العطارة، ومع انتشار الرائحة، كان أن ذهبوا به إلى الطبيب الإنجليزي في القاعدة العسكرية البريطانية في الإمارة، الذي كان أمل أهله الوحيد، استقبل الطبيب حالته برعب، لقد عرف الوباء، إنه الجدري، عليه أن يعزل نفسه بعيداً عنهم.
حمل “عبود بو راسين” نفسه واتجه إلى الساحل، لقد دنت النهاية ولعلها تكون بالقرب من أكثر مكانٍ تاق إليه طوال حياته، دفن الجسد وأبقى الرأس الكبير الذي لطالما كان كأنه رأسان مدمجان، لكنه اختار موضعها بين كثيبين، لقد كان مرض الرائحة، فما هما إلا يومان حتى لحق به شقيقه محمد في الأعراض، كانا ينامان في الغرفة نفسها، يتبادلان الهواء، والعطب المحتمل والمصير الوشيك ذاته.
فعل محمد الشيء ذاته
جسم مدفون
ورأس مشوه في الخارج
إلى أن يميل، وتنتهي الحكاية..
تبع محمد
سعيد
علي
مبارك
منصور
ثم غالية المرأة الأولى التي تصاب بالمرض بعد أن ظنت السيدات مجازًا أنهن محميات منه بشكل ما، وظنت شما أنه لا يصيبها، ليس لأنفها المجدوع، بل لأنها سيدة منهن أيضا، لكن الأمر بالنسبة لهن كان مجرد وقت ولحظة عدوى مناسبة، وبالنسبة لها، بقي الأمر غامضًا.. كانت معهن دائماً بعد أن جدع أنفها، لم تعد محتفظة بفرادتها، لم يعد لها أن تكون في أي مكان تريد وسط أروقة “سوق الدويات” لتختبر التوابل والروائح وتخبر عن أصلها وتكوينها، توارت معهن خلف الأبواب، ثم إنها كانت تخيف أطفال الحي، وتنفر قوافل التجار الآيبة، فمن يرغب بأن يصادف مسخا بشكل يومي، وفيما تفشى الأمر بينهن بعد غالية كعقد انفرط لتتساقط حباته.. بقيت هي خارج المعادلة
تحلم “شما” يومياً بتلك الحادثة، بالنصل البارد ممتزجًا بدمها الحار الذي تدفق، معاً يصنعان هزيمتها، لا تعرف إن كان كابوسا أم حلماً، لأنها تستيقظ دائمًا بشعور الذي يطفو على الماء، بعد أن ينزف دمها بشدة وتصرخ، ثم ترى شقيقها يركض مبتعداً برعب، لقد ظن أنها ستموت، رأته يغسل يده لاحقا، ويختبئ عدة أيام بعد أن وجدها الصبية على الشاطئ فجراً، لكن ويا للغرابة، لم يشك به أحد، ولم تتكلم هي، كانت تخاف أن تخسر عضوا آخر.. نُسجت بعدها وكالعادة، خرافة صغيرة عن كون الجنية التي كانت قد منحتها سابقا الأنف الخارق لسلالة التوابل، انتبهت للخطأ الذي ارتكبته عندما منحته للفتاة بدلًا من الفتى.
توازيا بعدها كثيرًا، هي و”عزيز”، ، لا ترفع عينها أبدًا، لكنها تدرك حضوره، ويتحاشى هو أن يتحول هذا التوازي إلى تقاطع، لكنه كان حاضراً يومياً حولها، وفي تفاصيلها، كيف للقاتل أن يرى ضحيته يومياً دون أن تظهر منه أي بادرة أسف؟، تسأل نفسها في لحظات استنارة نادرة، قبل أن تعود لشعور مبهم بالذنب، شعور غريب يخبرها بأنها نالت ما استحقته، وبأن “عزيز” كان يجب أن يفعل ذلك.. لكن ما هي الجريمة في هذا العالم المنضبط، الأدوار بين الرجل والمرأة هنا مرتبة بشكل تلقائي، ولكن لا أحد يستطيع التعامل مع الحالات الاستثنائية لأي منهما لو خرج عن دوره المفترض، كل حالة استثنائية، تصنع قصتها بنفسها، بين أن تكون في قمة الهرم الاجتماعي، أو في أدناه.. خارجة إلى منطقة النبذ، كان من الغرابة أنهما تشاركا الأمران، خرج هو من منطقة النبذ لضعف حاسة الشم لديه إلى قمة الهرم الاجتماعي بعد أن خسرت هي قمة الهرم الاجتماعي مع أنفها الذي جدع، وانتقلت لمنطقة النبذ.
لم يستطع “عزيز” أن يميز الروائح أبدا، حتى بعد الحادثة، لكنه كان الرجل بجوار الفتاة التي لم تعد تملك أية ميزة، وهذا ما كان كافياً ليحسم الأمر، تفكر أحياناً أن تسأله عن مكان أنفها، هل رماه في البحر، هل هو في مكان ما مخبأ لديه، لكن سؤالها له سيعني أن يتقاطعان، يعني أن يقر كل منهما بأن ما حدث على ليل الشاطئ في ذلك اليوم كان قد حدث فعلًا.
عندما أدركت ميلان رأس “عبود بو راسين” لفها شعور غامر باليأس، شعرت بأنها الآن فعلا قد خسرت كل شيء، لقد كان الوحيد الذي بقي على حاله معها، وأدهشها عندما أخبرها قبل مرضه بيومين أن عرض الزواج منها لا يزال قائمًا، كانا ليشكلان عائلة عظيمة من المسوخ، فكرت في نفسها ذلك اليوم قبل أن تلومها على عجرفتها.
بعد غالية
كانت أسماء
فسعاد
فآمنة
ثم نورة
لم تحتمل، تراكم الرؤوس على السطح، لم تحتمل الأنين، وقررت في ليلة، أنها ستذهب إلى الأسفل، لا شيء لديها لتخسره، ما الحياة التي ستخسرها على كل حال؟، بل لعلها ستكسب إن فعلت، أن تكون في منطقة اللاتباينات، حيث يتساوى الجميع في عطبهم، حملت قربة ماء، و “خيشة” من الجريد ملأتها بالتمر، وقصدت العالم السفلي الجديد، انسلت ليلا لكي لا يثير خروجها من البيت أي ارتياب، فقد باتت لا تغادره إلا لماماً بعد حادثة الأنف.
الليل يسري بصوت الأنين المكتوم القادم من هناك، وسكان الحي تشاغلوا عن الصوت بالرائحة، فلا شيء يضاهي رائحة المرض المزكمة التي لفت الحي من أقصاه إلى أقصاه وانتقلت كسلسلة مرعبة من حي إلى آخر، بين ثنايا البيوت المعروشة.
نظرت من الأعلى لمرة أخيرة، واستجمعت ما تبقى لها من شجاعة ممكنة، نزلت خطوة حذرة بعد أخرى، تقترب أكثر وتتبين مدى التشوه والتفسخ الذي استشرى في المكان، بدت الرؤوس كأنها رؤوس حجرية نحتتها الرياح بنتؤات بارزة مقززة، لا شك أنها رائحة مروعة، تلك التي يعبق بها هذا المكان، ولعلها في نعيم اليوم بسبب عدم قدرتها على إدراك الروائح.
وصلت، كان القمر بدراً شتويا، اصطفت الرؤوس في تساويها المروع في الحياة والموت، والأجساد المعطوبة المدفونة، دون حواجز تذكر بين جسدٍ لذكر أو أنثى، ومكان يخص الرجال وآخر للنساء، أو قيود تفرضها عوراتٌ محرمة، كان الآيبون دون شرط الجنس يحفرون قبورهم النصفية بأيديهم ثم لاحقا بعد تكاثرهم بالأدوات البدائية التي يحضرها كل مصاب معه كل واستطاعته، ثم يتجرد أيهم من ملابسه المشبعة بالرائحة العفنة وآثار الدمامل الدامية التي استبدت بالجسد دون أن ينظر إليه أي من أصحاب الرؤوس، وكل منصرف في بلواه الخاصة وألمه الشديد، ليدلف إلى حفرته، هنا الكل متساوون في تفسخ الجسد وانعدام الشهوات.
سمعت “مظفر” يئن، تتذكر مظفر القوي، سيد سوق التوابل أحد أبناء عمومتها، البارع في المقايضة والأخذ والرد، اقتربت منه بحذر، كان أنينه هذيان الحمى، عيونه منتفخة والنتؤات تنز عن الخد بدم متقيح، انتفخ أنفه الذي كان حاداً، أضحى يشبه كثيراً أنفها الأفطس الذي غاب، ودت لو تسأله إن كان لا زال يستطيع أن يميز الروائح، لكنها أحجمت عن الأمر لما تبينت لهفته للماء، أدنت قربة الماء من شفاهٍ متآكلة، كشفت عن صف من الأسنان المتخلخلة، كانت تسقي مسخاً، أدركت ذلك لكنها لم تخف، بعكسه أول مرة رآها بعد أن جُدع أنفها، تتذكر أنه بعد اتسعت عيناه في رعب لمرآها بعد أن عولجت وبقي الفراغ محل الأنف كاشفًا عن نتوء لحمي يابس وفتحتان عشوائيتان، أشاح بوجهه في تقزز، بقي طويلاً بعدها في كل تقاطعاتهما القليلة وهو يزور والدها أو يدلف لمجلس آل تجار التوابل، يتحاشاها، لكنه ينظر إليها الآن، مسخٌ يواجه آخرًا، ويألفه.
بعض الرؤوس التي بقيت كان غالب أصحابها قد أصابهم العمى، مضاعفة ماكرة أخرى من مضاعفات الجدري، راحت تسقيهم رشفات، حتى وصلت إلى الرأس المائل الأول، كانت الآن في منطقة التقاطع، صفان أفقيان من الرؤوس الحية، في مقابل أربعة صفوف أفقية أخرى من الرؤوس المائلة، الخامدة، التي راحت تتفسخ ويحمل البحر كلما امتد، كتلا من اللحم البشري منها، لتطفو أياما قبل أن يذيبها الملح أو تمضي عميقا فتلتهمها كائنات البحر.
أتتركهم هكذا؟
تذكرت “عبود بو راسين” كيف لها أن تغفل رأسه الضخم، لكن اللحم المتقيح والمنتفخ المتعفن والمزرق ضاعف من أحجام الرؤوس جميعها، لقد أضحى “عبود” طبيعيا أخيرا بينهم، حاولت أن تتذكر علامة أخرى فيه، لا شيء سوى الرأس الكبير، تأملت أول رأس في الصفوف الأربعة، كان أقدمهم وأكثرهم تفسخا، وباعتباره المائل الأول، لا بد أن يكون هو.. يأسها الحي هناك في رأس “عبود” الميت.
أتتركه هكذا؟
اقتربت، جلست بمحاذاة الرأس، أو ما تبقى منه، قربت القربة، لعل الماء الحلو يصلح ما أفسده الملح، لعل معجزة ما تحدث فيستيقظ، قربت القربة أكثر فسقطت قطعة لحم متعفنة، آخر ما تبقى من الشفة، وبقيت الأسنان الصفراء المتخلخلة، حاولت أن تتذكر ابتسامة “عبود”، هل كانت أسنانه بهذا الصفار الفاقع دائماً؟
فشلت في أن تتذكر.
كان رمل الشاطئ رطبا ليلتها، لعله مدٌ قريب انحسر، في لحظة لم تفهمها، حملت شيئاً من ذلك الرمل الرطب وراحت تحاول أن تعالج شفة “عبود” بواحدة أخرى من هذا الرمل الرطب الطيني، الإنسان طينٌ في النهاية، أليس كذلك؟ فكرة طافت ببالها وهي تستذكر ما علمها إياه والدها لما كان يدرسها القراءة والكتابة، وجدت نفسها بعد ذلك تهيل الطين على الرأس كاملًا، لا تدفنه بل تعيد تشكيله من جديد، لقد أرادت في لحظة مجنونة توازت مع جنون دخولها للعالم السفلي في هذه الليلة أن تعيد كرامة هذا الميت، برأس بديل، من الطين.. وهكذا بدأ الأمر.. من رأس عبود الجديد المنحوت بشكل اعتباطي راحت تنحت رأسا بعد آخر، وتنتظر الشمس لتجفف عملها، تكون الصورة عظيمة في النهار رؤوس طينية، سوت من ميلانها وعدلت ما فقدته، تتأملها بفخر وهي تحاول مواصلة إعانة الرؤوس الحية برشفة ماء حلو حتى نفذ، تحولت بعدها لرشفات من الماء المالح متبوعة بأنين ملسوع، الملح يزيد من آلام التقيحات، لكن العطش مرير، حتى وإن كان عطشًا يروى بعطش آخر مالح، وبلسعات، لعلها محاولات التشبث بالحياة رغم كل شيء.. ثم يأتي الغروب، ومعه مد البحر، ليكشف عن عورات الرؤوس الميتة الممسوخة، ويحمل الطين واللحم المتعفن، فتعود هي لما بدأته، يومياً، لقد ظنت أنها محمية من المرض لأجل هذه الغاية.
لم تعلم وسط انهماكها، إن كان أحدهم يبحث عنها هناك في العالم المفترض، هي تعلم جيداً أن أحداً منهم لن يتجرأ على أن يغامر باحثًا عنها هنا، لكن من كان يأتي، مصاباً إلى منطقة العزل المروعة هذه، كان يجدها، حارسة الرؤوس التي ستعينه على المضي بسلام.. وكان يعينها كل رأس بطريقته وهو يأتي بطعام يعينه على
أيامه الأخيرة، طعام كانت تستهلكه مناصفة بينها وبين من تبقى من الرؤوس.
ثم لم تعلم كم من الوقت مضى عليها وهي تزاول هذا الأمر الجديد، لكنها لاحظت تقلص أعداد الرؤوس الآتية، وزيادة عدد الرؤوس المائلة، وانخفاض ضجيج الأنين واللسعات.
ثم أتى رأسٌ أخير، أخبرها بأن هناك علاجاً أتى به الإنجليز أخيرا للحي مع الدكتور “هولمز” وأن أعداد المصابين أخذت بالتقلص، وبأنه قد يكون آخر الملعونين بالمرض.
هل هذا يعني أنها فقدت قدرتها الخارقة من جديد، تساءلت وهي تعين ذلك الرأس، وتسوي ميلانه بعد أن انضم لرؤوس الموت وهي تنحته بالطين مرة بعد أخرى بين النهار والليل، هو وأقرانه من الرؤوس.
ثم سمعتهم يقتربون، بخطوات قوية، غير تلك التي ألفتها من الأجساد المتعبة بالمرض، وعرفت أن النهاية حانت، سمعت عبارات بعيدة تأتي عن ضرورة إكرام الأموات بدفنهم وأنه لم يعد هناك ما يعدي وما يخيف بعد اللقاح وأن الرائحة المروعة يجب أن تضمحل مع ذاكرة الناس عن المرض.. ميزت صوتاً واضحاً بينهم كان صوت شقيقها “عزيز”.. شعرت بغضبٍ عارم يتفجر بداخلها.. وبين عالمهم العلوي والبحر الممتد خلفها، اختارت البحر، ومضت نحوه.
____________________________
الأرشيف الوطني الإماراتي : عرفت سنة 1935 بسنة الجدري في الإمارات حيث تفشى مرض الجدري بين السكان بمعدل 100 إصابة في رأس الخيمة و12 وفاة في الشارقة، و30 إصابة و4 حالات وفاة في رأس الخيمة، وظهرت 80 إصابة و4 وفيات في أم القيوين، و15 إصابة و7 وفيات في عجمان، و30 إصابة وحالتين وفاة في الحيرة، فيما سجلت دبي أكبر حالات من الإصابات بلغت 500 إصابة و60 وفاة ، وفي يوم 4 يناير من عام 1936 وصل الطبيب المعين محمد سلمان سطور وبدأ عمله بتطعيم سكان إمارة الشارقة، ليتوجه بعدها إلى إمارة رأس الخيمة لإتمام عملية التطعيم، وفي دبي ولدراية المغفور له بإذن الله الشيخ حشر بن مكتوم، بعملية التطعيمات قام الوكيل الوطني خان صاحب حسين بإعطاء التطعيمات إلى المغفور له بإذن الله الشيخ سعيد بن مكتوم. وفي يوم 12 يناير وصل الطبيب هولمز لإمارة الشارقة وقام بزيارة المغفور له بإذن الله الشيخ سعيد بن مكتوم، كما شارك بتطعيم أهالي دبي خلال فترة وجوده، حيث بدأت حالات الإصابة بالانخفاض إلى 22 إصابة و9 وفيات و24 حالة شفاء بالكامل .وفي شهر مارس 1936 وصل معدل الإصابات إلى 115 إصابة و61 وفاة و89 شفاء، ومنذ ذلك الحين أصبح المعدل في انخفاض مستمر إلى أن توقف مع نهاية عام 1936.
فارغانِ سوى من بابِ الدخول من وهمِ المعركة ليس لنا غير مرايا النهار، و غير هذا العَرَاء
فارغان في آخرِ الليل كنَّا نَجيء و نكسرُ رتابة الحزن نغرقُ في فناء الجسديْن
فارغان تدخلنا الشاشة الصغيرة تدخلنا الشاشة الكبيرة يخرجنا الصمتُ مسموعاً في السكوت ونبدأ فيكِ الظلّ والنار
فارغان سوى الأماني لديكِ نبدو كالمعاني في جُملةِ الظُلمةِ نشتهي صحن الصلاة نشتهي أبجدية الخروج و نعشق فينا الغَسَق.
فقط
أشعلَ ماءه و رمى حافة الورقة جلسَ قريباً من الذاكرة و مضى بعيداً يهزّ شبّاك ليلتهِ تسّاقط الفضاءات و النوافذ تَصبو إليه كأعناق القرى كمن يَخيط الرأس متحفاً للعبور، و النظرة الطائرة يشفُّ الكلام، و يرشفُ الحزنَ و يستقي جلسةَ المَطرِ ها هو يُعلّق النقطة في الخاتمة.
غفلة
أول الروح شمس تتفقد الحديقة شجر ترسمه الرياح وظلٌ ينوء بوصفهِ نبتكر الحلم و الزهر و ماء الضحى ونرشّ بعض القصائد ندهن الروح بنبتة القول ونلغو نلوي عنق الأخضر، والبسرة اليابسة نتداول هذه الغفلة والوقت ملقى كالسرائرِ في جبين النهار فنفّرك آخر الضوء، وأول العناق.
موت
يغادرُنا يلمُّ أوضاعه و يحزم وجهته حقائبهُ نخل الظهيرة و كفّتهُ سنوات التَّعب و دون أن يرشف راحة و بلا دفقة ظلٍّ أو ضجيج مضى كما جاء مشمولآً بالهدوء.
“لا تحاول أن تكتب الشعر كثيرًا. لا تنخدع بالإثارة والاندفاع، دع الأشياء تستقر في ذهنك“
رسالة من فروغ
… سـعيدة جداً [أنا] لذهابكَ إلى مكانٍ لا صلةَ لهُ بهذهِ الحياة الثقافيـة المُصطنعة في طَهران. فلمن هو مثلـكَ، حائز على هذا الذكاء الوافر والذوق [الرفيع] وكذلك البراءة والنقاء الشديد والذهنية النظيفـة القابلة للتفاعل، تُعدُّ فترة من الحياة المُستقلة البعيدة عن هذه الحوادث المُفتعلة السطحية، بمثابةِ أفضل أرضية وحماية للارتقاء.
لا تحاول أن تكتب الشـعر كثيراً. لا تنخدع بالإثارةِ والاندفاع. دَعْ الأشياء تَستقر في ذهنكَ. تستقرُ طويلاً حتّى تعتقد أنَّها لم تَحدث أساسًا، مارس الحياة كي تخرج عن الرَّتابة، فالإنسان عندما يغمس نَفسـه في مجرى الحياة، يُعايش كلَّ يومٍ تحوُّلاً ومروراً بمراحل، ومثل هذا التحوُّل هو الذي يخلق الإنسان لحظةً بلحظةٍ ويوماً بيوم، ويعمل على تنميتِهِ. إذا رأيتَ نفسكَ تُكرّرُ فكرةً واحدةً مُعيَّنة، ضع القلم والورق جانباً مثلي، حيثُ قرَّرتُ أن أضعهما جانباً لمدَّةِ عام.
أمارسُ الحياة وأصبرُ قبل الشروع ثانية. المهم، عدم السماح بموت الجذور. دع الآخرين الآن يقولـون “أرأيتْ، هذا أيضًا بلغ حده”. إن نطـق أحدهم بهذا الكلام وبلغ سـمعك، لا يَنبغي أن تُبادر إلى الإجابة، قُل لنفسكَ في سرّك: لستُ مصنعاً لإنتاج الشعر ولا أبحث عن السـوق. إنَّ الوظيفة الوحيدة للإنسـان عندما يَصل حقاً إلى مرحلة الإبداع في اعتقادي، أن يقوم بإبراز هذه الطاقة بعيدًا عن كلِّ انتظار أو تقييم. فما الفرق بين أن يَتحسر على وفاتكَ في مجلسٍ للعزاء القاطنون في الريفييرا أو “قهوة نادري”. الإنسـان يعود كالميت إلى مجلس عزائهِ. يعود بكيانٍ جدیدٍ شابٍ مُذهل.
الوسـطُ الأدبي على حالهِ كما كان، الكثير من الثرثرةِ والكلامِ الفارغ والقليل من الإنتاج.. إنَّني مُصابة بالغثيانِ وأسـعى جهدي في الابتعاد عن هذهِ المَقاييس والأهداف الحمقاء التافهة. إنَّني أُفكِّر بالعالم خارج إيران، وإن كان الأمل في بلوغ العالمية ضئيلٌ جداً وربما لا يزيد عن الصفر. ولكن ما هو إيجابي [في هذا الأمل] أنَّه يُنجي الفرد من ضآلةِ حجم هـذا المحيط الأدبي، الذي لا يزيد بالأمتار عن 4×2، وكذلك من ديدانِ الأحواض هذه، كَما أنَّ هذا الأمل لا يَجعلك تخشـى مـن أن المراكز الثقافية في هذه البلاد قد درستْ انتاجكَ ولسوء حظّكَ رَفَضته. بل رُبَّما يجعلكَ تَضحك.
كتبتُ كثيرًا.
عزيزي أحمـد رضا -لا تنسَ “الـوزن”، لا تغفل عن قُدرة البُلبلِ. استمع لكلامي. إنَّ أُمنيتي واللهَ أن تشـقَّ موهبتكَ ورهافة حسّكَ وحسـن ذوقكَ مساراً راسخًا ثابتًا يُمكن الاطمئنان إليه. فكلامُكَ له مـن القيمةِ ما يجعلهُ جديراً بالبقاءِ في الذاكرة، أعتقد أنَّك لم تجد إلى الآن أسلوبَكَ المُميَّز، والطريق الذي تسير فيه لـن يقودكَ إليه. هذا الذي اخترته لا يُسمى بالحرية. إنَّه نوعٌ من [اختيار] السهولة والراحة. تماماً كما لو قام أحدهم بالدوس على سـائرِ القوانين الأخلاقية زاعمًا: لقد تعبت من هذا الكلام، ثم يعيش في عشـوائيَّةً وفَوضى. بينما كلُّ تدميرٍ لا يَنجم عنهُ بناء جديد، لا يُمكن اعتباره في ذاتهِ عَملاً يَستحق الثناء.
ابذُل كلَّ جُهـدكَ في التأمل، وفي ممارسة الحياة مستوعباً إيقاعها. فإنَّك لو أنصتَ إلى أوراقِ الشَّجر ستجد أنَّ لاهتزازها فـي الهواء إيقاعاً مُعيَّناً. هكذا أجنحة الطيور. عندما تريد الارتفاع تخفـق بأجنحتها، بقوة وبشكلٍ متوالٍ، وعندمـا ترتفع تطير في خط مستقيم. هكذا أيضاً جريان المـاء، هل نظرتَ ذات مرة إلى مجرى الماء؟ إلى التعرُّجات والجـداول، وترتيب هذه التعرجات والتشـعُّبات. هل لاحظتَ عندما تُلقي بحجرٍ في حوض ماء، بأيّ حسـابٍ وطريقةٍ واضحة للعين تتداخل الدوائر وتتَّسع. هل تأملتَ في أيّ وقتٍ حلقات الأغصان المقطوعة، كم هي متجاورة بتناغم وبشكل متوازن. ولو شـاءت هذه الحلقات أن تمضي في مسيرتها هكذا بلا حساب، لما رأينا تناسقاً في حجم الجذوع. مثل هذا النظام نراه سـارياً في كل أجزاء الوجود. هذا الحساب الدقيق والتحديد موجـودان. ولو دققتَ النظر أكثر لفهمت كلامي. كل ما يظهر إلى الوجود يحيا ويخضع لسلسلة من النظم والحسابات المحددة ينمو داخلها. هكذا الشـعر. وإن كنت ترفض والآخرون كذلك يرفضون، فهم مخطئون باعتقادي. إن لم تضع الطاقة في قالبٍ ما فإنَّك تبددها ولا تستطيع الاستفادة منها، مؤسف أن تضيع رقَّة مشاعرك، ألا تجد كلماتكَ الجميلة الحيَّة قالبها في التعبير الفني. ستدركُ ذاتَ يومٍ أنَّني كنتُ صادقة.
كتبـتُ كثيرًا. أرجـو ألا أكون قد أرهقتكَ. اكتُبْ لي الرسـائل.. يشعرني ذلك بالسعادة. اعتبرني شـقيقتكَ. وإن كنتُ لا أكتب إلا في فترات متباعدة فإنَّني بالمقابل أكتبُ كثيرًا وفي النهاية يعوُّض أحدهما الآخر.
يده اليُسرى خلف عنقه، رأسي معششٌ في صدره، على عكس عصفورٍ؛ بكلتا يديه، يضغط على رأسي كما لو أنّه يرغبُ بكسرهِ أو لحمِه بجسده الأسمر، لونُ وجهِ الله والملائكةِ والأشجار ورغوةِ القهوةِ العربيّة. جُلُّ ما أرغبهُ الآن:
شعرُ صدرهِ الأسود المنقّع بالعرق على لساني، عضة من حلمتهِ، لحيتي تحاككُ جلده المبلّل الجاف ومنيّه في فمي.
ولكن الشّمس ساطعة وحديقة “ستانلي” مكتظّة وأخته تجلس قربنا، على عكس تمثالٍ، غير آبهة بالمحيط الوديع.
***
عندما تركتني، حبيبي
شعرتُ كما لو أنَّني كنت أجلسُ عاري الصدر فوق جذع أحد الأشجار في “أربيوتس كوڤ”، تُملِّس الرمال الرمادية قدميَّ، تُقبِّل النسمة صَدري، منتظراً بزوغ الشمس.
أن تتجنّبَ ذاك التقاطع حيث يصطدم الحب والوقت وأنتَ لازلتَ متيّماً. هل مِن شيءٍ أجمل من هذا؟
جسدكَ الأسمر فوق جسدي، صدركَ الكثيف الشعر على صدري، أنهار من المنيّ بيننا، وأنت تبصق في فمي. أو العكس. هذا ربما أجمل من كلِّ شيء.
رغم ذلك، لا شيء، سواء ابتسامتي عندما كنتُ طفلاً، أجمل من ضحكك.
أقفُ على ضفة المحيط الهادي غير قادر على العوم. قلبي، ميناء من زهور الداليا.
تقفُ أنتَ على الضفة المقابلة، قادراً على العوم، ولكنكَ لا تغطس، حبيبي، رغم أن المياه هنا ساكنة.
تؤمن أنّ السعادة لا تقطن خلف المحيطات، بل زبد البحر والقوارب البيضاء وظل القمر.
ولأنني قمتُ بعبور المحيط تسعة سنوات ماضية، مثل زهرة ذابلة تنهض عن الأرض لتصل إلى هذه الضفة، أخالفكَ الرأي.
أيقظها صوتُ احتكاك. كان يتصاعد شيئاً فشيئاً قبل أن ينقطع فجأة ويتوارى في لهاث.
نَظَرَتْ إلى ساعة يدها فلم ترَ إلا الظلام. سمعت تكتكة ولم ترَ وقتا. أصوات هاربة من الزمن. مدّت يدها إلى النصف الآخر من السرير فحَضَنَها الفراغ. ظلّت مستلقية تنتظر عودته. فلا بد أنه قام ليشرب أو ليقضي حاجة. مرّت دقيقة دقيقتان فثلاث ولم يأتِ. عاد إلى ذاكرتها صوت الاحتكاك الذي أيقظها. حاولت تحديد مصدر الصوت فلم يسعفها ذهنها الحائر ما بين النوم والصحو. تمنّت لو أنّ الصوت يعود لكي تحدّد مصدره. بعد دقائق — أو ربما كانت ثوانيَ — أخرجتها من لجّة النوم وثبةٌ شعرت أن قلبها كاد أن يقفز من صدرها على أثرها. نظرت إلى الساعة مرة أخرى فرأت عبر الشعاع المنسرِب من النافذة واحدا من عقاربها. كان يشير إلى أسفل. عندما ذكّرها السرير بخلو نصفه الآخر قررت أن تنهض لتوقف مطارق الأسئلة التي ما فتأت تدقّ جدران رأسها.
”ماذا تفعل في هذا الوقت المتأخر من الليل؟“ رأت زوجها جالساً يتأمل بعينين غائمتين لوحة زيتية تصدرت الصالون.
اللوحة لسيدة كثيرة اللحم مفلطحة الجسم تخفي وجها وتبرز عجيزة. أو بالأحرى كانت تستعرضها بثقة. هي تعرف اللوحة تمام المعرفة. كيف لا وهي من ابتاعتها واختارت بروازها وعلّقتها على الحائط حيث ينظر زوجها الآن بانكسار. بدا كما لو كان يعتذر للوحة أو بالأحرى لسيدتها المفلطحة.
استعادت عيناه بريقهما وقفز من على كرسيه كحيوان مذعور. اقترب منها. أراد أن يشتّت انتباهها عن رزمة الصور المكدسة بجواره على الأرض. تذكّر أن نهوضه لا بد سيلفت انتباهها إلى أزرار بيجامته المفكوكة. ها قد اكتملت أركان الجريمة! مسرح الجريمة: الصالون. الدليل: الأزرار المفكوكة. أداة الجريمة: رزمة الصور.
”لا شيء حبيبتي. لماذا استيقظتِ حبيبتي؟“ أجابها وهو ما بين الواقف والجالس يعيد ضبط أزرار بيجامته على عجل.
”سألتك ما الذي تفعله في هذا الوقت“ خاطبته بصوت مختلجٍ وعينين لامعتين.
”حبيبتي حبيبتي حبيبتي“ اقترب منها مادّاً يديه كمن يحاول القبض على دجاجة هربت من قنّها ”لا شيء. فقط أنظرُ إلى اللوحة. عودي إلى السرير حبيبتي“
نظرت إليه من وراء غلالة من دمع وصاحت بأعلى صوتها: ”لا لستَ تنظر إلى اللوحة“. وراحت ترميه بقبضتي يديها كما اتفق.
وهو يتلقى ضرباتها العشوائية الحادة لمعت في رأسه صور زفافهما قبل عام تقريباً. تذكرها واحدة واحدة بأصغر تفاصيلها. التقطها له المصور مقابل رزمة سميكة من المال. في البداية لم يقبل المصور طلبه الغريب وكاد أن يطرده من الاستوديو لكن منظر المال ورائحته سرعان ما خدّرا مبادئ المصور المهنية. كان طلب العريس بسيطا: ”أريدك أن تصنع لي نسخة إضافية من ألبوم صور الزفاف لكن بلا وجوه. الوجوه لا تهمّني إطلاقا.“ وبالفعل بعد أيام من انقضاء العرس سلّمه المصور ألبوماً سميكاً احتوى صوراً لأناس مكتملي الأعضاء والأطراف، سليمي البنيان لكن لا وجوه لهم. أجساد متداخلة بعضها في بعض. سيقان وأذرع؛ أكتاف وصدور؛ ظهور وركب؛ رقاب وبطون؛ بحر مائر من الأعضاء المتداخلة والمتشابكة والمجدولة تنتشر في حلقات الرقص وفوق الطاولات وعلى الكراسي والمسرح. كان يطلق على الألبوم اسم ”غابة الأجساد“ ويحتفظ به تحت مقعد السيارة حيث يرافقه أينما ذهب. يتصفّحه قبل إدارة مفتاح السيارة وعلى إشارات المرور وقبل مغادرة السيارة. يقلّب صفحاته؛ يبحلق في محتوياتها؛ يتوه في ”غابة الأجساد“ التي ما تنفك تفاجئه بتشكيلات وتصاوير جديدة كلما عاود النظر إليها. كان لا يتصور قضاء ولا حتى دقيقة واحدة بعيداً عن ألبومه. سبب ثانٍ جعله يحتفظ بالألبوم داخل السيارة كان خوفه من وقوعه في يد عروسه التي حتما ستحكم عليه بالانحراف أو الجنون هذا ناهيك عن ما سينجم عن اكتشافها من جلسات استجواب وتبعات هو بغنى عنها. لكن الواقع كان أفضل بكثير من مخاوفه. فعندما اكتشفت العروس، عن طريق الصدفة، ألبومه لم تحقّق معه أو تحكم عليه على الإطلاق. كل ما في الأمر أنها رفضت التجول في ”غابته“ وعقدت مع عريسها اتفاقاً. قالت له مستعيرة نبرة من خاب أملها أسرع بكثير مما كانت تتوقع: ”من الواضح أن هذه الصور تعني لك الكثير. لا أريد أن أفهم العبرة من ورائها فهذا أمر عائد لك لكن إن أردت البقاء معي فعليك إحراقها صورة صورة وأمامي.“ وفعلاً جاء العريس بألبومه على مضض ووضعه في تنكة قديمة ثم سكب عليه مقداراً وفيراً من الكاز أعقبه بعود ثقاب مشتعل سرعان ما التهم أوراق ”الغابة“ بأسرها. حين رأت انعكاس النار يتراقص على صفحة وجهه وعينيه المطفأتين أشفقت عليه واقترحت أن تشتري له لوحة زيتية من اختيارها لامرأة عارية تعلقها له في الصالون لينظر إليها متى شاء طالما كان ذلك بعلمها وتحت ناظريها. فوافق العريس واعتذر ووعدها بأن لا ينظر أبداً إلى جسد امرأة من وراء ظهرها.
عندما توقفت عن ضربه بسبب الإجهاد والنعاس ضمها إلى صدره بكلتا ذراعيه ثم حملها واتجه بها نحو غرفة النوم حيث أعادها إلى السرير. ”آسف حبيبتي“ قال لها ثم طبع على جبينها قبلة فيها من الصوت أكثر من العاطفة.
”وعدتني بأن لا تنظر إلى جسد آخر غير جسد سيدة اللوحة“ قالت له من دون أن ترى وجهه في ظلام الغرفة رغم أن عينيها كانتا مفتوحتين على مصراعيهما.
”والله كنت أنظر إليها“ أجابها مدافعا كمن يسحب سيفاً من غمده.
”لا تكذب! رأيت رزمة الصور بجوارك على الأرض“
لطمه ثقلُ كلماتها. لم يعرف كيف يجيب أو بالأحرى لم يعرف إن كانت ثمة جدوى من أن يجيب. استلقى بجوارها على السرير وراح يتابع بنظره خيالات الشارع التي انعكست على سقف الغرفة. كانت نقوشا ضوئية شفافة تتحرك بخطوط مستقيمة على طول السقف. افترض أن الخيالات السريعة كانت لسيارات والخيالات البطيئة لمشاة. لم يكن متأكدا من تحليله لأن زجاج النافذة المغلق كان يحجب أصوات الشارع عنه تماما.
”أعتقد أنها الأشكال التي تشدني إلى الألبوم“ قال بعد صمت طويل مخاطبا عروسه أو ربما نفسه. ثم كرّر بثقة: ”نعم إنها الأشكال“. ثم أضاف بينما كانت عيناه تراقبان حركة الشارع المنعكسة على السقف: ”الأمر يفوق طاقتي. الألبوم يقودني إلى غابة من الأشكال اللانهائية“. ثم سألها: ”صحيح لماذا لا تجربي. حاولي ولو مرة واحدة صدقيني ستغرمين بالغابة“.
أجابته بمزيج من الحدة والسخرية: ”لا شكراً! شجرة واحدة تكفيني لستُ بحاجة إلى غابتك“. ثم نهضت وأغلقت البرداية فغاصت الغرفة في الظلام وانمحت من السقف الخيالات الضوئية.
”أريد أن أنام تصبح على خير“ أعلنت وهي عائدة إلى السرير وسط الظلام الذي ابتلع كلماتها.
ظلّت عيناه معلقتان بالسقف تبحثان عن أي أثر لتلك الأشكال الضوئية. قبل أن يغلق عينيه قرّر أن أول شيء سيفعله غدًا هو التخلص من سيدة اللوحة إلى الأبد.